وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)
فَرَقْنا فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرئ: فرّقنا، بمعنى فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنى عشر على عدد الأسباط. فإن قلت: ما معنى بِكُمُ؟ قلت: فيه أوجه: أن يراد أنهم كانوا يسلكونه، «١» ويتفرّق الماء عند سلوكهم، فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، وأن يراد فرقناه بسببكم «٢» وبسبب إنجائكم، وأن يكون في موضع الحال «٣» بمعنى فرقناه ملتبسا بكم كقوله:
تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبا «٤»
_________________
(١) . قال محمود ﵀: «يحتمل أنهم كانوا يسلكون … الخ» . قال أحمد ﵀: فتكون الباء على هذا الوجه استعانة مثلها في كتبت بالقلم.
(٢) . قال محمود ﵀: «ويحتمل أن يكون المراد فرقناه بسببكم» . قال أحمد ﵀: وهي على هذا الوجه سببية، كما تقول: أكرمتك بإحسانك إلى. []
(٣) . قال محمود ﵀: «ويحتمل أن يكون في موضع الحال … الخ» قال أحمد ﵀: وهي على هذا الوجه للمصاحبة مثلها في: أسندت ظهري بالحائط، والوجه الأول ضعيف من حيث أن مقتضاه أن تفريق البحر وقع ببني إسرائيل. والمنقول بل المنصوص عليه في الكتاب العزيز: أن البحر إنما انفرق بعصا موسى، يشهد لذلك قوله تعالى: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)، فآلة التفريق العصا، لا بنو إسرائيل
(٤) . كأن خيولنا كانت قديما … تسقى في قحوفهم الحليبا فمرت غير نافرة عليهم … تدوس بنا الجماجم والتريبا لأبى الطيب المتنبي. وتسقى: بالتضعيف، والقحوف: جمع قحف بالكسر، وقيل بالضم: وهو العظم الذي فوق الدماغ وإناء صغير من خشب. والحليب: اللبن المحلوب، أى كأنها كانت معتادة بهم فمرت عليهم مطمئنة. تدوس جماجمهم: أى رؤسهم ونحن على ظهورها. والتريب: لغة في التراب
[ ١ / ١٣٨ ]
أى تدوسها ونحن راكبوها. وروى أنّ بنى إسرائيل قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال:
سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم. فقال: اللهم أعنى على أخلاقهم السيئة. فأوحى إليه: أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على الحيطان، فصارت فيها كوى. فتراموا وتسامعوا كلامهم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه.