سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)
[ ١ / ١٩٧ ]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ الخفاف الأحلام وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، وأنهم لا يرون النسخ. وقيل: المنافقون، لحرصهم على الطعن والاستهزاء. وقيل: المشركون، قالوا رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، واللَّه ليرجعن إلى دينهم. فإن قلت: أى فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه «١»؟ قلت: فائدته أنّ مفاجأة المكروه أشدّ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدّمه من توطين النفس، وأنّ الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم ما وَلَّاهُمْ ما صرفهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ وهي بيت المقدس لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أى بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها يَهْدِي مَنْ يَشاءُ من أهلها إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا خيارا، وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء. ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
ونحوه قوله ﵇: «وأنطوا «٢» الثبجة «٣»» يريد الوسيطة بين السمينة والعجفاء وصفا بالثبج وهو وسط الظهر، إلا أنه الحق تاء التأنيث مراعاة لحق الوصف. وقيل: للخيار: وسط «٤» لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأعوار والأوساط محمية محوّطة. ومنه قول الطائي:
كَانَتْ هِىَ الْوَسَطَ المَحْمِىَّ فَاكْتَنَفَتْ … بِهَا الْحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتْ طَرَفَا «٥»
_________________
(١) . قال محمود ﵀: «أى فائدة في الاخبار بقولهم قبل وقوعه … الخ»؟ قال أحمد رحمه اللَّه تعالى: ولهذه النكتة أجرى من حذو النظار في إدراج مناظرتهم العمل بمقتضى الذي هو كذا، السالم عن معارضة كذا، فسيقول: درء للمعارض قبل ذكر الخصم له، وهي نكتة بديعة أحسن ما يستدل على صحتها بهذه الآية. فتفطن لها فإنها من الملح.
(٢) . قوله «وأنطوا الثبجة» لغة في أعطوا. (ع)
(٣) . يأتى في الكوثر
(٤) . قال محمود ﵀: «وقيل للخيار وسط … الخ» . قال أحمد ﵀: وهذا مما اقتضى المجاز فيه التعميم
(٥) . وغيضة الموت أعنى البذ قدت لها … عرمرما لخروق الأرض معتسفا كانت هي الوسط المحمى فاكتنفت … بها الحوادث حتى أصبحت طرفا لأبى تمام، يخاطب المعتصم. والغيضة: مغيض الماء. يجتمع فيه ثم يغيض ويذهب فينبت فيه الشجر والنبات. والمراد هنا: موضع العسكر. والبذ: اسم قلعة لبابك الخرمى. والعرمرم: الجيش الكثير. وخروق الأرض: طرائقها. والمعتسف: الحائد عن الطريق لكثرته. شبه ذلك الموضع بالغيضة على سبيل التهكم بأصحابه، لأنها تضاف للماء، فأضافها للموت. وشبه الجيش في الانقياد بالإبل على طريق المكنية وقودهم تخييل، وكنى بالوسط عن التي لا يصل إليها الخلل لأنها محمية بالأطراف فاكتنفت وأحاطت بها الحوادث، يعنى جيوش المعتصم، حتى أصبحت تلك الغيضة طرفا فلحقها الخلل ومكاره الجيش.
[ ١ / ١٩٨ ]
وقد اكتريت بمكة جمل أعرابى للحج فقال: أعطنى من سطاتهنه، أراد من خيار الدنانير.
أو عدولا، لأنّ الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ روى «أنّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب اللَّه الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمّة محمد ﷺ فيشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون علمنا ذلك بإخبار اللَّه في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد ﷺ فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعد التهم «١»» وذلك قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا) . فإن قلت: فهلا قيل لكم شهيدا وشهادته لهم لا عليهم «٢»؟
قلت: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له، جيء بكلمة الاستعلاء. ومنه قوله تعالى:
(وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) . وقيل: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا يزكيكم ويعلم بعدالتكم. فإن قلت: لم أخرت صلة الشهادة أولا وقدّمت آخرا «٣»؟ قلت: لأن الغرض في
_________________
(١) . موقوف: أخرجه الطبري عن زيد بن أسلم موقوفا. وأخرجه في تفسير النسائي من قول السدى أيضا. وفي البخاري من حديث أبى سعيد الخدري. قال «يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمدا وأمته. فيشهدون أنه بلغ ثم قرأ (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) - الآية ورواه البيهقي في البعث والنشور من رواية أبى معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ يجيء النبي يوم القيامة ومعه الثلاثة والأربعة والرجلان، حتى يجيء النبي وليس معه أحد، فتدعى أمة محمد فيشهدون أنهم بلغوا. فيقال لهم: وما علمكم أنهم بلغوا فيقولون: جاءنا رسولنا بكتاب أخبرنا فيه أنهم قد بلغوا فصدقنا. قال فيقال: صدقتم. وذلك قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) .
(٢) . قال محمود ﵀: «فان قلت: فهلا قيل لكم شهيدًا وشهادته لهم لا عليهم … الخ»؟ قال أحمد ﵀: وجه الاستدلال بالآية أنه وصف اللَّه تعالى في أولها بالرقيب وفي آخرها بالشهيد على وجه التخصيص أولا ثم التعميم ثانيا: وإنما ينتظم التعميم والتخصيص مع اتحاد مؤدى الرقيب والشهيد، إذ الآية في مثل قول القائل لمن شكره: كنت محسنا إلى وأنت بكل أحد محسن. وكأنه لما قال: (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) وكان ذلك مخصصا لرقيبته تعالى على بنى إسرائيل، أراد أن يصفه بما هو أهله حتى ينفى وهم الخصوصية فقال في التقدير: وأنت على كل شيء كذلك، فوضع «شهيدًا» موضع «كذلك» المشار به إلى رقيبيته، فلا يتم الاستدلال بها إلا على هذا الوجه. وفيه غموض على كثير من الأفهام واللَّه الموفق.
(٣) . قال محمود ﵀: «فان قلت: لم أخرت صلة الشهادة أولا وقدمت آخرًا … الخ؟» قال أحمد ﵀: لأن المنة عليهم في الطرفين، ففي الأول بثبوت كونهم شهداء وفي الثاني بثبوت كونهم مشهودًا لهم بالتزكية خصوصًا من هذا الرسول المعظم ولو قدم شهيدًا لانتقل الغرض إلى الامتنان على النبي ﵊ بأنه شهيد. وسياق الخطاب لهم والامتنان عليهم يأباه. وإنما أخذ الزمخشري الاختصاص من التقديم لأن فيه إشعار بالأهمية والعناية، وكثيرًا ما يجرى أى ذلك في أثناء كلامه، وفيه نظر.
[ ١ / ١٩٩ ]
الأوّل إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ليست بصفة للقبلة إنما هي ثانى مفعولي جعل. يريد: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، لأنّ رسول اللَّه ﷺ كان يصلى بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود، ثم حوّل إلى الكعبة فيقول: وما جعلنا القبلة التي تجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أوّلا بمكة، يعنى: وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء لِنَعْلَمَ الثابت على الإسلام الصادق فيه، ممن هو على حرف ينكص عَلى عَقِبَيْهِ لقلقه فيرتدّ، كقوله: (وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) - الآية ويجوز أن يكون بيانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته. يعنى أنّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضا لغرض. وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا- وهي بيت المقدس، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه. وعن ابن عباس ﵁: كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه «١» . فإن قلت:
كيف قال: (لِنَعْلَمَ) ولم يزل عالما بذلك؟ قلت: معناه: لنعلمه علما يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجودًا حاصلا ونحوه: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) . وقيل: ليعلم رسول اللَّه والمؤمنون.
وإنما أسند علمهم إلى ذاته، لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده. وقيل: معناه لتميز التابع من الناكص، كما قال: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) فوضع العلم موضع التمييز لأنّ العلم به يقع التمييز به وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً هي إن المخففة التي تلزمها اللام الفارقة. والضمير في: (كانت) لما دل عليه قوله: (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها) من الردّة، أو التحويلة، أو الجعلة. ويجوز أن يكون للقبلة (لَكَبِيرَةً) لثقيلة شاقة إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول الذين لطف اللَّه بهم وكانوا أهلا للطفه وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أى ثباتكم على الايمان وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب العظيم. ويجوز أن يراد: وما كان اللَّه ليترك تحويلكم لعلمه أن تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم. وقيل: من كان صلى إلى بيت المقدس قبل
_________________
(١) . أخرجه إسحاق وابن سعد والبزار. والطبراني من رواية مجاهد عن ابن عباس: قال «كان رسول اللَّه ﷺ يصلى بمكة نحو بيت المقدس. والكعبة بين يديه. وبعد ما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا» قال البزار لا يعلم رواه عنه إلا الأعمش ولا عنه إلا أبو عوانة.
[ ١ / ٢٠٠ ]
التحويل فصلاته غير ضائعة «١» . عن ابن عباس ﵁: لما وجه رسول اللَّه ﵌ إلى الكعبة «٢» قالوا: كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا فنزلت. لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ لا يضيع أجورهم ولا يترك ما يصلحهم. ويحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبى تراب، فقرأ قوله: (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) ثم قال: وعلىٌّ منهم، وهو ابن عم رسول اللَّه ﷺ وختنه على ابنته، وأقرب الناس إليه، وأحبهم. وقرئ: إلا ليعلم على البناء للمفعول. ومعنى العلم: المعرفة. ويجوز أن يكون «من» متضمنة لمعنى الاستفهام معلقا عنها العلم، كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو. وقرأ ابن أبى إسحاق (على عقبيه) بسكون القاف. وقرأ اليزيدي (لكبيرة) بالرفع. ووجهها أن تكون «كان» مزيدة، كما في قوله:
وَجِيرَانٍ لَنَا كانُوا كِرَامِ «٣»
والأصل: وإن هي لكبيرة، كقولك: إن زيد لمنطلق ثم، وإن كانت لكبيرة وقرئ: ليضيع بالتشديد