البيئة التي نشأ فيها الماتريدي
عرفنا في الفصل السابق أن الماتريدي قد يكون ولد في العقد الرابع من القرن الثالث الهجري، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، ومعنى هذا أن الماتريدي عاش في الفترة ما بين أواخر النصف الأول من القرن الثالث والنصف الأول من القرن الرابع، وكان ذلك في مدينة سمرقند التي تقع في إطار الدولة السامانية، والتي أشرنا إلى طرف من تاريخها في الفصل الثالث من الباب الأول، وقد رأينا أن نتمم ذلك بهذه الدراسة الموجزة لمدينة سمرقند التي نشأ فيها الماتريدي.
تاريخ سمرقند:
وسمرقند -بفتح السين والميم- ويقال لها: سمران: بلد معروف مشهور، قيل: إنه من أبنية ذي القرنين بما وراء النهر.
قال أبو عون: سمرقند في الإقليم الرابع، طولها تسع وثمانون درجة ونصف، وعرضها ست وثلاثون درجة ونصف.
وقال الأزهري: بناها شمر أبو كرب، فسميت شمر كنت، فعربت فقيل: سمرقند.
وقيل: إن سمرقند من بناء الإسكندر، واستدارة حائطها اثنا عشر فرسخًا، وفيها بساتين ومزارع وأرجاء، ولها اثنا عشر بابًا، من الباب إلى الباب فرسخ، وعلى السور آزاج، وأبرجة للحرب، والأبواب الاثنا عشر من حديد، وبين كل بابين منزل للنواب، فإذا جزت المزارع صرت إلى الربض، وفيه أبنية وأسواق.
صفة سمرقند:
وأيًّا من كان الذي بني مدينة سمرقند، فإنها مدينة عظيمة، من أعظم مدن أوزبكستان في الاتحاد السوفيتي سابقًا، وهي بلد ثري جليل عتيق، ومصر بهي رشيق، رضي كثير الرقيق، وماء غزير بنهر عميق، بناء قوي سني وثيق، ودرس كثير لأهل الفريق، وعيش هنيء إليها الطريق، وحمل المتاع من كل فج عميق، وعلوم كثيرة وصدر نفيق، وخيل ورجال ومال دقيق، ذو رساتيق جليلة ومدن نفيسة وأشجار وأنهار، وتجار، في الصيف
[ ١ / ٧٦ ]
جنة، أهل جماعة وسنة، ومعروف وصدقة، وحزم وهمة، غير أن في أهلها وهوائها بردًا، جفاة مع الغرباء، بلية في الشتاء، يشغبون على الأمراء، وفيهم نفخ وعجب ومراء، جيدة الجواري ردية الغلمان.
وليس غريبًا أن تكون سمرقند بهذا الوصف، فقد ذكر أنس بن مالك - ﵁ - أن مدينة خلف نهر جيحون تدعى سمرقند، ثم قال: لا تقولوا: سمرقند، ولكن قولوا: المدينة المحفوظة، فقال أناس: يا أبا حمزة ما حفظها؟ فقال: أخبرني حبيبي رسول اللَّه - ﷺ - أن مدينة بخراسان خلف النهر تدعى المحفوظة، لها أبواب على كل باب منها خمسة آلاف ملك يحفظونها يسبحون ويهللون، وفوق المدينة خمسة آلاف ملك يبسطون أجنحتهم على أن يحفظوا أهلها، ومن فوقهم ملك له ألف رأس وألف فم وألف لسان ينادي: يا دائم، يا دائم، يا اللَّه يا صمد، احفظ هذه المدينة، وخلف المدينة روضة من رياض الجنة وخارج المدينة ماء حلو عذب، من شرب منه شرب من ماء الجنة، ومن اغتسل فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وخارج المدينة على ثلاث فراسخ ملائكة يطوفون يحرسون رساتيقها، ويدعون اللَّه بالذكر لهم، وخلف هَؤُلَاءِ الملائكة واد فيه حيات وحية تخرج على صفة الآدميين، تنادي يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، ارحم هذه المدينة المحفوظة، ومن تعبد فيها ليلة تقبل اللَّه منه عبادة سبعين سنة، ومن صام فيها يومًا فكأنما صام الدهر، ومن أطعم فيها مسكينًا لا يدخل منزله فقر أبدًا، ومن مات في هذه المدينة فكأنما مات في السماء السابعة ويحشر يوم القيامة مع الملائكة في الجنة.
وزاد حذيفة بن اليمان في رواية: ومن خلفها قرية يقال لها: قطوان يبعث منها سبعون ألف شهيد كل شهيد منهم في سبعين من أهل بيته.
وهذا الحديث في كتاب الأفانين للسمعاني، بيد أني لم أعثر له على إسناد ولم أجده في كتب الحديث المعتمدة.
وللحق فقد كثر الواصفون لسمرقند حتى لقد استهوت الشعراء واستحفزت قريحتهم، منهم أحد ظرفاء العراق الذي كتب:
وليس اختياري سمرقند محلة ودار مقام لا اختيار ولا رضا
[ ١ / ٧٧ ]
ولكن قلبي حلَّ فيها فعاقني وأقعدني بالصغر عن فسحة الفضا
وإني لممن يرقب الدهر راجيًا ليوم سرور غير مغرى بما مضى
وقال البستي:
للناس في أخراهم جنة وجنة الدنيا سمرقند
يا من يسوي أرض بلخ بها هل يستوي الحنظل والقند
دخول الإسلام سمرقند:
وأول من دخل سمرقند من المسلمين وفتحها هو سعيد بن عثمان عندما ولي خراسان من جهة معاوية سنة خمس وخمسين من الهجرة، فقد عبر النهر ونزل عليها محاصرًا، لكنه تركها، ومن ثم قال يزيد بن مفرغ يمدح سعيد بن عثمان وكان قد فتحها:
لهفي على الأمر الذي كانت عواقبه الندامه
تركي سعيدًا ذا الندى والبيت ترفعه الدعامه
فتحت سمرقند له وبنى بعرصتها خيامه
وتبعت عبد بني علا ج تلك أشراط القيامه
وفي سنة سبع وثمانين من الهجرة عبر قتيبة بن مسلم الباهلي النهر وغزا بخارى والشاش ونزل على سمرقند، وهي غزوته الأولى، ثم غزا ما وراء النهر عدة غزوات في سنين سبع، وصالح أهلها على أن له ما في بيوت النيران وحلية الأصنام، فأخرجت إليه الأصنام وأمر بتحريقها، فقال سدنتها: إن فيها أصنامًا من أحرقها هلك، فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، وأخذ شعلة نار وأحرقها، فاضطرمت، فوجد بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب خمسين ألف مثقال.
ويمكن أن نقول: إن الماتريدي عاش في عصر الدولة السامانية التي وليت سمرقند ما بين ٢٦١ - ٣٨٩ هـ، وكان ملوكها أحسن الملوك سيرة وإجلالًا للعلم وأهله كما أشرنا من قبل.
لقد نشأ الماتريدي في هذه المدينة التي تتمتع بخصائص ومميزات، سواء من ناحية طبيعتها، أو أهلها، أو حتى حكامها، وهذه أمور تساعد على تحصيل العلم والبروز فيه،
[ ١ / ٧٨ ]
وقد استفاد الماتريدي من مميزات نشأته في هذه البيئة فبرز في علوم شتى، أهمها: العقيدة، والتفسير فكان واحد عصره إمام دهره.
موقع سمرقند الجغرافي وحدودها:
تقع سمرقند في القارة الآسيوية، وكانت عاصمة لبلاد الصغد فيما وراء النهر، وتقع خلف نهر جيحون على الضَّفة الجنوبية منه، وتقع بخارى على الضفاف السفلى من هذا النهر، ويتبع سمرقند مدن: كرمانة، ودبوسية، وأشروسنة، والشاس، وتخسانجكث.
ولها حصن استدارة حائطه اثنا عشر فرسخًا في أعلاه أبرجة للحرب، وكان لها أربعة أبواب: باب مما يلي المشرق يعرف بباب الصين، مرتفع من جهة الأرض، ينزل إليه بدرج مطل على وادي الصغد، وباب مما يلي المغرب ويعرف بباب النوبهار، وباب مما يلي الشمال يعرف بباب بخارى، وباب مما يلي الجنوب يعرف بباب كش.
سمرقند إداريًّا:
خضعت سمرقند بعد الفتح الإسلامي لحكم الدولة الأموية، ولما سقطت الدولة الأموية صارت إلى الدولة العباسية، حتى جاء عصر الدويلات، فتبادلت عليها ممالك عدة، حتى خضعت لحكم السلاجقة كسائر بلاد ما وراء النهر، ثم خضعت للمغول حتى أجلتها الروس بعد غزوها عام ١٨٧٥ م، فأصبحت خاضعة من الناحية الإدارية للاتحاد السوفيتي سابقًا، وهي الآن أصبحت تابعة لجمهورية أوزبكستان.
الحركة الثقافية في سمرقند:
تمتعت سمرقند بمكانة علمية وثقافية مرموقة، فقد خرج منها علماء أفذاذ في تاريخ الإسلام، كانت لهم بصمتهم الواضحة في الفكر الإسلامي، بل والإنساني، من أمثال: البخاري، ومسلم، وأبي زيد الدبوسي، وآل البزدوي، والكاساني، وعبد اللَّه النسفي، وأبي الحسن الكرخي، والجصاص الرازي، وأبي بكر الشاشي وغيرهم من قادة الفكر الإسلامي، ممن لا يتسع المقام لذكرهم.
هذه هي البيئة التي نشأ فيها الماتريدي، وهي بيئة -من غير شك- تساعد على مدارسة العلم وتحصيله والنبوغ فيه، ولقد كان لها أكبر الأثر في نبوغ صاحبنا الماتريدي.
[ ١ / ٧٩ ]