(يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) بدأ النبي ﷺ دعوته بعبادة الله وحده، وقد كان هذا صنيع كل نبى كما قال: (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) .
والمخاطبون بهذه الدعوة أوّلا هم العرب واليهود في المدينة وما حولها، وكانوا يؤمنون بالله ويعبدون غيره إما بدعائه مع الله» أو من دون الله.
(الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي إن هذا الرب العظيم المتصف بتلك الصفات التي تعلمونها- هو الذي خلقكم وخلق من قبلكم، ورباكم وربّى أسلافكم، ودبّر شئونكم، ووهبكم من طرق الهداية ووسائل المعرفة مثل ما وهبهم، فاعبدوه وحده، ولا تشركوا بعبادته أحدا من خلقه.
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي فاعبدوه على تلك الشاكلة، فإن العبادة على هذا السنن هى التي تعدّكم للتقوى، ويرجى بها بلوغ درجة الكمال القصوى.
ثم ذكر بعض خصائص الربوبية التي تقتضى الاختصاص به تعالى فقال:
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا) أي هو الذي مهدّ لكم الأرض وجعلها صالحة للافتراش والإقامة فيها.
[ ١ / ٦٣ ]
(وَالسَّماءَ بِناءً) أي وهو الذي كوّن السماء بنظام متماسك كنظام البناء، وسوّى أجرامها على ما نشاهد وأمسكها لسنة الجاذبية، حتى لا تقع على الأرض ولا يصطدم بعضها ببعض، حتى يأتي اليوم الموعود.
(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ) أي وهو الذي أنزل من السماء مطرا يسقى به الزرع، ويغذّى به النبات، فأخرج به ثمرا نأكل منه وننتفع به.
(فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا) الأنداد هم الذين خضع الناس لهم وقصدوهم في قضاء حاجاتهم، وكان مشركو العرب يسمون ذلك الخضوع عبادة، إذ لم يكن عندهم شرع ينهاهم عن عبادة غير الله، وأهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادا وأربابا كانوا يتحاشون هذا اللفظ، فلا يسمون ذلك الاتخاذ عبادة ولا أولئك المعظمين آلهة وأندادا، بل يسمون دعاءهم غير الله والتقرب إليه توسلا واستشفاعا، ويسمون تشريعهم لهم بعض العبادات، وتحليل المنكرات، وتحريم بعض الطيبات، فقها واستنباطا من التوراة، والكل متفقون على أنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا هو.
(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي وإنكم لتعلمون بطلان ذلك، وإنكم إذا سئلتم من رزقكم من السموات والأرض ومن يدبر الأمر؟ تقولون: الله، فلم إذا تدعون غيره، وتستشفعون به؟
ومن أين أتيتم بهذه الوسائط التي لا تضر ولا تنفع؟ ومن أين جاءكم أن التقرب إلى الله يكون بغير ما شرعه الله حتى قلتم (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى)