وَقَدْ يُصِيبُهُمُ النَّقْصُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَعَافِيَةِ أَبْدَانِهِمْ، وَقُوَّةِ عُقُولِهِمْ. وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يُقَابِلُ بَعْضَ أَعْمَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، لَا سِيَّمَا الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ الَّذِينَ تَشْقَى بِأَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ أُمَمٌ وَشُعُوبٌ. كَذَلِكَ نَرَى مِنَ الْمُحْسِنِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلِلنَّاسِ مَنْ يُبْتَلَى بِهَضْمِ حُقُوقِهِ، وَلَا يَنَالُ الْجَزَاءَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ يَنَالُ رِضَاءَ نَفْسِهِ وَسَلَامَةَ أَخْلَاقِهِ وَصِحَّةَ مَلَكَاتِهِ، فَمَا ذَلِكَ كُلُّ مَا يَسْتَحِقُّ، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يُوَفَّى كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَالَمِينَ جَزَاءَهُ كَامِلًا لَا يُظْلَمُ شَيْئًا مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
(٩٩: ٧ - ٨)
عَلَّمَنَا اللهُ أَنَّهُ رَحْمَنُ رَحِيمٌ لِيَجْذِبَ قُلُوبَنَا إِلَيْهِ، وَلَكِنْ هَلْ يَشْعُرُ كُلُّ عِبَادِهِ بِهَذِهِ الْمِنَّةِ فَيَنْجَذِبُوا إِلَيْهِ الِانْجِذَابَ الْمَطْلُوبَ؟ أَلَيْسَ فِينَا مَنْ يَسْلُكُ كُلَّ سَبِيلٍ لَا يُبَالِي بِمُسْتَقِيمٍ وَمُعْوَجٍّ؟ بَلَى، وَلِهَذَا أَعْقَبَ سُبْحَانَهُ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ بِذِكْرِ الدِّينِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَدِينُ الْعِبَادَ وَيُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فَكَانَ مِنْ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ أَنْ رَبَّاهُمْ بِنَوْعَيِ التَّرْبِيَةِ كِلَيْهِمَا: التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، كَمَا تَشْهَدُ بِذَلِكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ الْكَثِيرَةُ (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) (١٥: ٤٩ - ٥٠) .
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ مَا هِيَ الْعِبَادَةُ؟ يَقُولُونَ هِيَ الطَّاعَةُ مَعَ غَايَةِ الْخُضُوعِ، وَمَا كُلُّ عِبَارَةٍ تُمَثِّلُ الْمَعْنَى تَمَامَ التَّمْثِيلِ، وَتُجَلِّيهِ لِلْأَفْهَامِ وَاضِحًا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، فَكَثِيرًا مَا يُفَسِّرُونَ الشَّيْءَ بِبَعْضِ لَوَازِمِهِ وَيُعَرِّفُونَ الْحَقِيقَةَ بِرُسُومِهَا، بَلْ يَكْتَفُونَ أَحْيَانًا بِالتَّعْرِيفِ اللَّفْظِيِّ وَيُبَيِّنُونَ الْكَلِمَةَ بِمَا يَقْرُبُ مِنْ مَعْنَاهَا، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ الَّتِي شَرَحُوا بِهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، فَإِنَّ فِيهَا إِجْمَالًا وَتَسَاهُلًا. وَإِنَّنَا إِذَا تَتَبَّعْنَا آيَ الْقُرْآنِ وَأَسَالِيبَ اللُّغَةِ وَاسْتِعْمَالَ الْعَرَبِ لِـ " عَبَدَ " وَمَا يُمَاثِلُهَا وَيُقَارِبُهَا فِي الْمَعْنَى - كَخَضَعَ وَخَنَعَ وَأَطَاعَ وَذَلَّ - نَجِدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يُضَاهِي " عَبَدَ " وَيَحِلُّ مَحَلَّهَا وَيَقَعُ مَوْقِعَهَا، وَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ لَفْظَ " الْعِبَادِ " مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِبَادَةِ، فَتَكْثُرُ إِضَافَتُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَفْظَ " الْعَبِيدِ " تَكْثُرُ إِضَافَتُهُ إِلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ بِمَعْنَى الرِّقِّ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ فِي اللُّغَةِ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُرْآنِ يُخَالِفُهُ.
يَغْلُو الْعَاشِقُ فِي تَعْظِيمِ مَعْشُوقِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ غُلُوًّا كَبِيرًا حَتَّى يَفْنَى هَوَاهُ فِي هَوَاهُ، وَتَذُوبَ إِرَادَتُهُ فِي إِرَادَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى خُضُوعُهُ هَذَا عِبَادَةً بِالْحَقِيقَةِ، وَيُبَالِغُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي تَعْظِيمِ الرُّؤَسَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، فَتَرَى مِنْ خُضُوعِهِمْ لَهُمْ وَتَحَرِّيهِمْ مَرْضَاتَهُمْ مَا لَا تَرَاهُ مِنَ الْمُتَحَنِّثِينَ الْقَانِتِينَ، دَعْ سَائِرَ الْعَابِدِينَ، وَلَمْ يَكُنِ الْعَرَبُ يُسَمُّونَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْخُضُوعِ عِبَادَةً، فَمَا هِيَ الْعِبَادَةُ إِذًا؟
[ ١ / ٤٧ ]
تَدَلُّ الْأَسَالِيبُ الصَّحِيحَةُ، وَالِاسْتِعْمَالُ الْعَرَبِيُّ الصُّرَاحُ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ ضَرْبٌ
مِنَ الْخُضُوعِ بَالِغٌ حَدَّ النِّهَايَةِ، نَاشِئٌ عَنِ اسْتِشْعَارِ الْقَلْبِ عَظَمَةً لِلْمَعْبُودِ لَا يَعْرِفُ مَنْشَأَهَا، وَاعْتِقَادِهِ بِسُلْطَةٍ لَهُ لَا يُدْرِكُ كُنْهَهَا وَمَاهِيَتَهَا. وَقُصَارَى مَا يَعْرِفُهُ مِنْهَا أَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِهِ، وَلَكِنَّهَا فَوْقَ إِدْرَاكِهِ، فَمَنْ يَنْتَهِي إِلَى أَقْصَى الذُّلِّ لِمَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ لَا يُقَالُ إِنَّهُ عَبَدَهُ وَإِنْ قَبَّلَ مَوْطِئَ أَقْدَامِهِ، مَا دَامَ سَبَبُ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ مَعْرُوفًا وَهُوَ الْخَوْفُ مِنْ ظُلْمِهِ الْمَعْهُودِ، أَوِ الرَّجَاءُ بِكَرَمِهِ الْمَحْدُودِ، اللهُمَّ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُلْكَ قُوَّةٌ غَيْبِيَّةٌ سَمَاوِيَّةٌ أُفِيضَتْ عَلَى الْمُلُوكِ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَاخْتَارَتْهُمْ لِلِاسْتِعْلَاءِ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُمْ أَطْيَبُ النَّاسِ عُنْصُرًا، وَأَكْرَمُهُمْ جَوْهَرًا، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ انْتَهَى بِهِمْ هَذَا الِاعْتِقَادُ إِلَى الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ، فَاتَّخَذُوا الْمُلُوكَ آلِهَةً وَأَرْبَابًا وَعَبَدُوهُمْ عِبَادَةً حَقِيقِيَّةً.
لِلْعِبَادَةِ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ فِي كُلِّ دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ شُرِعَتْ لِتَذْكِيرِ الْإِنْسَانِ بِذَلِكَ الشُّعُورِ بِالسُّلْطَانِ الْإِلَهِيِّ الْأَعْلَى الَّذِي هُوَ رُوحُ الْعِبَادَةِ وَسِرُّهَا، وَلِكُلِّ عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الصَّحِيحَةِ أَثَرٌ فِي تَقْوِيمِ أَخْلَاقِ الْقَائِمِ بِهَا وَتَهْذِيبِ نَفْسِهِ، وَالْأَثَرُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ ذَلِكَ الرُّوحِ، وَالشُّعُورِ الَّذِي قُلْنَا إِنَّهُ مَنْشَأُ التَّعْظِيمِ وَالْخُضُوعِ، فَإِذَا وُجِدَتْ صُورَةُ الْعِبَادَةِ خَالِيَةً مِنْ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ تَكُنْ عِبَادَةً، كَمَا أَنَّ صُورَةَ الْإِنْسَانِ وَتِمْثَالَهُ لَيْسَ إِنْسَانًا.
خُذْ إِلَيْكَ عِبَادَةَ الصَّلَاةِ مَثَلًا، وَانْظُرْ كَيْفَ أَمَرَ اللهُ بِإِقَامَتِهَا دُونَ مُجَرَّدِ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَإِقَامَةُ الشَّيْءِ: هِيَ الْإِتْيَانُ بِهِ مُقَوَّمًا كَامِلًا يَصْدُرُ عَنْ عِلَّتِهِ وَتَصْدُرُ عَنْهُ آثَارُهُ. وَآثَارُ الصَّلَاةِ وَنَتَائِجُهَا هِيَ مَا أَنْبَأَنَا اللهُ تَعَالَى بِهَا بِقَوْلِهِ: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (٢٩: ٤٥) وَقَوْلِهِ - ﷿ -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ) (٧٠: ١٩ - ٢٢) وَقَدْ تَوَعَّدَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَالْأَلْفَاظِ مَعَ السَّهْوِ عَنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَسِرِّهَا فِيهَا الْمُؤَدِّي إِلَى غَايَتِهَا بِقَوْلِهِ: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (١٠٧: ٤ - ٧) فَسَمَّاهُمْ مُصَلِّينَ، لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِصُورَةِ الصَّلَاةِ، وَوَصَفَهُمْ بِالسَّهْوِ عَنِ الصَّلَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هِيَ تَوَجُّهُ الْقَلْبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الْمُذَكِّرُ بِخَشْيَتِهِ، وَالْمُشْعِرُ لِلْقُلُوبِ
بِعِظَمِ سُلْطَانِهِ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِأَثَرِ هَذَا السَّهْوِ وَهُوَ الرِّيَاءُ وَمَنْعُ الْمَاعُونِ. وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَنَّ الرِّيَاءَ ضَرْبَانِ: رِيَاءُ النِّفَاقِ وَهُوَ الْعَمَلُ لِأَجْلِ رُؤْيَةِ النَّاسِ، وَرِيَاءُ الْعَادَةِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهَا مِنْ غَيْرِ مُلَاحِظَةِ مَعْنَى الْعَمَلِ وَسِرِّهِ وَفَائِدَتِهِ، وَلَا مُلَاحَظَةِ مَنْ يَعْمَلُ لَهُ وَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، فَإِنَّ صَلَاةَ أَحَدِهِمْ فِي طَوْرِ الرُّشْدِ وَالْعَقْلِ هِيَ عَيْنُ مَا كَانَ يُحَاكِي بِهِ أَبَاهُ فِي طَوْرِ الطُّفُولِيَّةِ عِنْدَمَا يَرَاهُ يُصَلِّي - يَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ بِحُكْمِ الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ وَلَا عَقْلٍ، وَلَيْسَ لِلَّهِ شَيْءٌ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: أَنَّ " مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلَّا بُعْدًا " وَأَنَّهَا تُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ
[ ١ / ٤٨ ]
الثَّوْبُ الْبَالِي وَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ " وَأَمَّا الْمَاعُونُ فَهُوَ الْمَعُونَةُ وَالْخَيْرُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ مَنُوعًا لَهُ إِلَّا الْمُصَلِّينَ.
وَالِاسْتِعَانَةُ: طَلَبُ الْمَعُونَةِ، وَهِيَ إِزَالَةُ الْعَجْزِ وَالْمُسَاعَدَةُ عَلَى إِتْمَامِ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْجِزُ الْمُسْتَعِينُ عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِهِ بِنَفْسِهِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى حَصْرِ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ فِي اللهِ تَعَالَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ (إِيَّاكَ) عَلَى الْفِعْلِ (نَعْبُدُ) وَ(نَسْتَعِينُ) فَقَالَ مَا مِثَالُهُ:
أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِأَلَّا نَعْبُدَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ السُّلْطَةَ الْغَيْبِيَّةَ الَّتِي هِيَ وَرَاءَ الْأَسْبَابِ لَيْسَتْ إِلَّا لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ فَيُعَظَّمُ تَعْظِيمَ الْعِبَادَةِ، وَأَمَرَنَا بِأَلَّا نَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ أَيْضًا، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَنَا أَيْضًا فِي آيَاتٍ أُخْرَى بِالتَّعَاوُنِ: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (٥: ٢) فَمَا مَعْنَى حَصْرِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ مَعَ ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْإِنْسَانُ تَتَوَقَّفُ ثَمَرَتُهُ وَنَجَاحُهُ عَلَى حُصُولِ الْأَسْبَابِ الَّتِي اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ أَنْ تَكُونَ مُؤَدِّيَةً إِلَيْهِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ أَنْ تَحُولَ دُونَهُ وَقَدْ مَكَّنَ اللهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ بِمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُوَّةِ مِنْ دَفْعِ بَعْضِ الْمَوَانِعِ وَكَسْبِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ، وَحَجَبَ عَنْهُ الْبَعْضَ الْآخَرَ، فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَقُومَ بِمَا فِي اسْتِطَاعَتِنَا مِنْ ذَلِكَ. وَنَبْذُلَ فِي إِتْقَانِ أَعْمَالِنَا كُلَّ مَا نَسْتَطِيعُ مِنْ حَوْلٍ وَقُوَّةٍ، وَأَنْ نَتَعَاوَنَ وَيُسَاعِدَ بَعْضُنَا بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ. وَنُفَوِّضَ الْأَمْرَ فِيمَا وَرَاءَ كَسْبِنَا إِلَى الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَنَلْجَأَ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، وَنَطْلُبَ الْمَعُونَةَ الْمُتَمِّمَةَ لِلْعَمَلِ
وَالْمُوَاصَلَةِ لِثَمَرَتِهِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ دُونَ سِوَاهُ، إِذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْأَسْبَابِ الْمَمْنُوحَةِ لِكُلِّ الْبِشْرِ عَلَى السَّوَاءِ إِلَّا مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ، وَرَبُّ الْأَرْبَابِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: " (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " مُتَمِّمٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِ: " (إِيَّاكَ نَعْبُدُ " لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى فَزَعٌ مِنَ الْقَلْبِ إِلَى اللهِ وَتَعَلُّقٌ مِنَ النَّفْسِ بِهِ، وَذَلِكَ مِنْ مُخِّ الْعِبَادَةِ، فَإِذَا تَوَجَّهَ الْعَبْدُ بِهَا إِلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى كَانَ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الْعِبَادَةِ الْوَثَنِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ ذَائِعَةً فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ وَقَبْلَهُ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الْجُهَلَاءُ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِمَنِ اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ مَنْ دُونِ اللهِ، وَاسْتَعَانُوا بِهِمْ فِيمَا وَرَاءَ الْأَسْبَابِ الْمُكْتَسِبَةِ لِعَامَّةِ النَّاسِ، هِيَ كَالِاسْتِعَانَةِ بِسَائِرِ النَّاسِ فِي الْأَسْبَابِ الْعَامَّةِ، فَأَرَادَ الْحَقُّ جَلَّ شَأْنُهُ أَنْ يَرْفَعَ هَذَا اللَّبْسَ عَنْ عِبَادِهِ بِبَيَانِ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِالنَّاسِ فِيمَا هُوَ فِي اسْتِطَاعَةِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْأَسْبَابِ الْمَسْنُونَةِ، وَمَا مَنْزِلَتُهَا إِلَّا كَمَنْزِلَةِ الْآلَاتِ فِيمَا هِيَ آلَاتٌ لَهُ، بِخِلَافِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي شُئُونٍ تَفُوقُ الْقُدْرَةَ وَالْقُوَى الْمَوْهُوبَةَ لَهُمْ، وَالْأَسْبَابَ الْمُشْتَرِكَةَ بَيْنَهُمْ، كَالِاسْتِعَانَةِ فِي شِفَاءِ الْمَرَضِ بِمَا وَرَاءَ الدَّوَاءِ، وَعَلَى غَلَبَةِ الْعَدُوِّ بِمَا وَرَاءَ الْعُدَّةِ وَالْعِدَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْفَزَعُ وَالتَّوَجُّهُ فِيهِ إِلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى صَاحِبِ السُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ، عَلَى مَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ سُلْطَانُ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِ:
[ ١ / ٤٩ ]
ضَرَبَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَثَلًا لِذَلِكَ، الزَّارِعُ يَبْذُلُ جُهْدَهُ فِي الْحَرْثِ وَالْعَزْقِ وَتَسْمِيدِ الْأَرْضِ وَرَيِّهَا، وَيَسْتَعِينُ بِاللهِ تَعَالَى عَلَى إِتْمَامِ ذَلِكَ بِمَنْعِ الْآفَاتِ وَالْجَوَائِحِ السَّمَاوِيَّةِ أَوِ الْأَرْضِيَّةِ، وَمَثَّلَ بِالتَّاجِرِ يَحْذِقُ فِي اخْتِيَارِ الْأَصْنَافِ، وَيَمْهَرُ فِي صِنَاعَةِ التَّرْوِيجِ، ثُمَّ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَسْتَعِينُونَ بِأَصْحَابِ الْأَضْرِحَةِ وَالْقُبُورِ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَتَيْسِيرِ أُمُورِهِمْ، وَشِفَاءِ أَمْرَاضِهِمْ، وَنَمَاءِ حَرْثِهِمْ وَزَرْعِهِمْ، وَهَلَاكِ أَعْدَائِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ، هُمْ عَنْ صِرَاطِ التَّوْحِيدِ نَاكِبُونَ، وَعَنْ ذِكْرِ اللهِ مُعْرِضُونَ. أَرْشَدَتْنَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ الْوَجِيزَةُ " (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " إِلَى أَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ هُمَا مِعْرَاجُ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ:
(أَحَدُهُمَا): أَنْ نَعْمَلَ الْأَعْمَالَ النَّافِعَةَ، وَنَجْتَهِدَ فِي إِتْقَانِهَا مَا اسْتَطَعْنَا؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمَعُونَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى عَمَلٍ بَذَلَ فِيهِ الْمَرْءُ طَاقَتَهُ فَلَمْ
يُوَفِّهِ حَقَّهُ، أَوْ يَخْشَى أَلَّا يَنْجَحَ فِيهِ، فَيَطْلُبَ الْمَعُونَةَ عَلَى إِتْمَامِهِ وَكَمَالِهِ، فَمَنْ وَقَعَ مِنْ يَدِهِ الْقَلَمُ عَلَى الْمَكْتَبِ لَا يَطْلُبُ الْمَعُونَةَ مَنْ أَحَدٍ عَلَى إِمْسَاكِهِ، وَمَنْ وَقَعَ تَحْتَ عِبْءٍ ثَقِيلٍ يَعْجَزُ عَنِ النُّهُوضِ بِهِ وَحْدَهُ، يَطْلُبُ الْمَعُونَةَ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى رَفْعِهِ، وَلَكِنْ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الْقُوَّةِ فِي الِاسْتِقْلَالِ بِهِ، وَهَذَا الْأَمْرُ هُوَ مِرْقَاةُ السَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ.
(ثَانِيهِمَا): مَا أَفَادَهُ الْحَصْرُ مِنْ وُجُوبِ تَخْصِيصِ الِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَهُوَ رُوحُ الدِّينِ، وَكَمَالُ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ الَّذِي يَرْفَعُ نُفُوسَ مُعْتَقِدِيهِ وَيُخَلِّصُهَا مِنْ رِقِّ الْأَغْيَارِ، وَيَفُكُّ إِرَادَتَهُمْ مِنْ أَسْرِ الرُّؤَسَاءِ الرُّوحَانِيِّينَ، وَالشُّيُوخِ الدَّجَّالِينَ، وَيُطْلِقُ عَزَائِمَهُمْ مَنْ قَيْدِ الْمُهَيْمِنِينَ الْكَاذِبِينَ، مِنَ الْأَحْيَاءِ وَالْمَيِّتِينَ، فَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ مَعَ النَّاسِ حُرًّا خَالِصًا وَسَيِّدًا كَرِيمًا، وَمَعَ اللهِ عَبْدًا خَاضِعًا (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (٣٣: ٧١) .
وَأَقُولُ أَيْضًا: عِبَادَةُ اللهِ تَعَالَى هِيَ غَايَةُ الشُّكْرِ لَهُ فِي الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لِأُلُوهِيَّتِهِ، وَاسْتِعَانَتُهُ هِيَ غَايَةُ الشُّكْرِ لَهُ فِي الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لِرُبُوبِيَّتِهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ فَلَا يُعْبَدُ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُرَبِّي لِلْعِبَادِ الَّذِي وَهَبَ لَهُمْ جَمِيعَ مَا تَكْمُلُ بِهِ تَرْبِيَتُهُمُ الصُّورِيَّةُ وَالْمَعْنَوِيَّةُ، وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ أَنَّ إِيرَادَ ذِكْرِ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ بَعْدَ ذِكْرِ اسْمِ الْجَلَالَةِ الْأَعْظَمِ، وَاسْمِ الرَّبِّ الْأَكْرَمِ، إِنَّمَا هُوَ لِتَرَتُّبِهِمَا عَلَيْهِمَا مِنْ قَبِيلِ تَرْتِيبِ النَّشْرِ عَلَى اللَّفِّ. وَالِاسْتِعَانَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى تَرَادِفُ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ وَتَحُلُّ مَحَلَّهُ، وَهُوَ كَمَالُ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ الْخَالِصَةِ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ الْقُرْآنُ بَيْنَهُمَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) (١١: ١٢٣) .
فَهَذِهِ الِاسْتِعَانَةُ هِيَ ثَمَرَةُ التَّوْحِيدِ وَاخْتِصَاصُ اللهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ، فَإِنَّ مِنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ: الشُّعُورَ بِأَنَّ السُّلْطَةَ الْغَيْبِيَّةَ الَّتِي هِيَ وَرَاءَ الْأَسْبَابِ الْعَامَّةِ، الْمَوْهُوبَةِ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ كَافَّةً، هِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، كَمَا تَنْطِقُ بِهِ الْآيَةُ الَّتِي اسْتَشْهَدْنَا بِهَا آنِفًا عَلَى قَرْنِ الْعِبَادَةِ بِالتَّوَكُّلِ، فَمَنْ كَانَ
[ ١ / ٥٠ ]
مُوَحِّدًا خَالِصًا لَا يَسْتَعِينُ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى قَطُّ، فَمَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعُونَةِ دَاخِلًا فِي حَلَقَاتِ سِلْسِلَةِ الْأَسْبَابِ كَانَ طَلَبَهُ بِسَبَبِهِ طَلَبًا مِنَ اللهِ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَحَقُّقِ ذَلِكَ إِلَى قَصْدٍ وَمُلَاحَظَةٍ وَشُهُودٍ قَلْبِيٍّ، وَمَا كَانَ غَيْرَ
دَاخِلٍ فِيهَا يَتَوَجَّهُ فِي طَلَبِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِلَا وَاسِطَةٍ وَلَا حِجَابٍ، وَبِهَذَا الْبَيَانِ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ وَبَيْنَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَإِقَامَةِ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِيهَا، بَلِ الْكَمَالُ وَالْأَدَبُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَالسَّيِّدُ الْمَالِكُ إِذَا نَصَبَ لِعَبْدِهِ وَخَدَمِهِ مَائِدَةً يَأْكُلُونَ مِنْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَجَعَلَ لَهُمْ خَدَمًا يَقُومُونَ بِأَمْرِهَا، لَا يَكُونُ طَلَبُ الطَّعَامِ مِنْهُ إِلَّا بِالِاخْتِلَافِ إِلَى الْمَائِدَةِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَلَّا يَغْفُلُوا بِهَا وَبِخَدَمِهَا عَنْ ذِكْرِ صَاحِبِ الْفَضْلِ الَّذِي أَنْشَأَهَا بِمَالِهِ وَسَخَّرَ أُولَئِكَ الْخَدَمَ لِلْآكِلِينَ عَلَيْهَا، وَلَا عَنْ حَمْدِهِ وَشُكْرِهِ، فَهَذَا مِثَالُ مَائِدَةِ الْكَوْنِ بِأَسْبَابِهِ وَمُسَبِّبَاتِهِ، وَالْعَبْدُ إِذَا احْتَاجَ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَجْعَلْهَا سَيِّدُهُ مَبْذُولَةً لِجَمِيعِ عَبِيدِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، طَلَبَهُ مِنْهُ دُونَ سِوَاهُ، فَإِنْ أَظْهَرَ الْحَاجَةَ إِلَى غَيْرِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِلَّةِ ثِقَتِهِ بِمَوْلَاهُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ الْغَيْرَ فِي مَرْتَبَتِهِ أَوْ أَجْدَرَ مِنْهُ بِالْفَضْلِ. هَذَا فِي الْعَبِيدِ مَعَ السَّادَةِ الَّذِينَ لَهُمْ نُظَرَاءٌ وَأَنْدَادٌ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إِلَى غَيْرِ مَوْلَاهُ، لَا يَجِدُ مَنْ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ سِوَاهُ، إِلَّا أَمْثَالَهُ مِنَ الْعَبِيدِ الْمُحْتَاجِينَ إِلَى الْمَوْلَى مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ؟
ثُمَّ إِنَّ لَفْظَ الِاسْتِعَانَةِ يُشْعِرُ بِأَنْ يَطْلُبَ الْعَبْدُ مِنَ الرَّبِّ تَعَالَى الْإِعَانَةَ عَلَى شَيْءٍ لَهُ فِيهِ كَسْبٌ لِيُعِينَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ، وَفِي هَذَا تَكْرِيمٌ لِلْإِنْسَانِ بِجَعْلِ عَمَلِهِ أَصْلًا فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِإِتْمَامِ تَرْبِيَةِ نَفْسِهِ وَتَزْكِيَتِهَا، وَإِرْشَادٍ لَهُ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ وَالْكَسْبِ، لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْفِطْرَةِ وَلَا مِنْ هَدْيِ الشَّرِيعَةِ، فَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ كَسُولًا مَذْمُومًا لَا مُتَوَكِّلًا مَحْمُودًا، وَبِتَذْكِيرِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى بِضَعْفِهِ لِكَيْلَا يَغْتَرَّ، فَيَتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ بِكَسْبِهِ عَنْ عِنَايَةِ رَبِّهِ، فَيَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ.
إِذَا تَدَبَّرْتَ هَذَا فَهِمْتَ مِنْهُ نُكْتَةً مِنْ نُكَتِ تَقْدِيمِ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ، وَهِيَ أَنَّ الثَّانِيَةَ ثَمَرَةٌ لِلْأَوْلَى، وَلَا يُنَافِي هَذَا أَنَّ الْعِبَادَةَ نَفْسَهَا مِمَّا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِ بِاللهِ تَعَالَى لِيُوَفَّقَ الْعَابِدُ لِلْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُرْضِي لَهُ - ﷿ -. لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الشَّجَرَةِ تَكُونُ حَاوِيَةً لِلنَّوَاةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا شَجَرَةٌ أُخْرَى. فَالْعِبَادَةُ تَكُونُ سَبَبًا لِلْمَعُونَةِ مِنْ وَجْهٍ، وَالْمَعُونَةُ تَكُونُ سَبَبًا لِلْعِبَادَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، كَذَلِكَ الْأَعْمَالُ تُكَوِّنُ الْأَخْلَاقَ الَّتِي هِيَ مَنَاشِئُ الْأَعْمَالِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا سَبَبٌ وَمُسَبَّبٌ وَعِلَّةٌ وَمَعْلُولٌ، وَالْجِهَةُ مُخْتَلِفَةٌ فَلَا دَوْرَ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَأَقُولُ أَيْضًا إِنَّ نُكْتَةَ تَقْدِيمِ " إِيَّاكِ " عَلَى الْفِعْلَيْنِ " نَعْبُدُ، وَنَسْتَعِينُ " هِيَ إِفَادَةُ الِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ كَغَيْرِهِ فَالْمَعْنَى إِذًا: نَعْبُدُكَ وَلَا نَعْبُدُ غَيْرَكَ وَنَسْتَعِينُكَ وَلَا نَسْتَعِينُ بِسِوَاكَ. وَقَدِ اسْتَخْرَجَ لَهُ بَعْضُ الْغَوَّاصِينَ عَلَى الْمَعَانِي
[ ١ / ٥١ ]