فمن ذلك: ما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يفسّر من كتاب الله، إلّا آيا بعدد ما علّمه إيّاهنّ جبريل). قال ابن عطيّة: ومعنى هذا الحديث في مغيّبات القرآن، وتفسير مجمله، ونحو هذا، ممّا لا سبيل إليه إلّا بتوفيق من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به؛ كوقت قيام الساعة، ونحوها، ممّا يقرأ من ألفاظه، كعدد النّفخات في الصّور، وكرتبة خلق السموات والأرض.
ومنه ما روى الترمذي، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «اتّقوا الحديث عليّ إلا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمّدا، فليتبوّأ مقعده من النار. ومن قال في القرآن برأيه، فليتبوّأ مقعده من النار».
وروى أيضا: عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ». وقال: هذا حديث غريب، وأخرجه أبو داود، وتكلّم في أحد رواته. وزاد رزين «ومن قال برأيه فأخطأ فقد كفر». قال أبو بكر، محمد بن القاسم بن بشار بن
[ المقدمة / ٤٨ ]
محمد الأنباريّ، النحويّ، اللغويّ، في كتاب «الردّ»؛ فسّر حديث ابن عباس بتفسيرين:
أحدهما: من قال في مشكل القرآن، بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة، والتابعين؛ فهو متعرّض لسخط الله.
والجواب الآخر: وهو أثبت القولين، وأصحّهما معنى: من قال في القرآن قولا، يعلم أنّ الحقّ غيره؛ فليتبوّأ مقعده من النار.
ومعنى يتبوّأ: ينزل ويحلل. وقال في حديث جندب: فحمل بعض أهل العلم هذا الحديث: على أنّ الرّأي معنيّ به الهوى، أي: من قال في القرآن قولا يوافق هواه، لم يأخذه عن أئمّة السلف، ولا اقتضته قوانين العلم، كالنحو، والأصول، فأصاب؛ فقد أخطأ؛ لحكمه على القرآن برأيه، وليس يدخل في هذا الحديث، أن يفسّر اللغويون لغته، والنحويون نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كلّ واحد باجتهاده المبني على قوانين علم، ونظر، فإنّ القائل على هذه الصفة، ليس قائلا لمجرّد رأيه.
قلت: هذا صحيح وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإنّ من قال فيه بما سنح في وهمه، وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطىء، وإنّ من استنبط معناه، بحمله على الأصول المحكمة، المتّفق على معناها فهو ممدوح.
وقال بعض العلماء: إنّ التفسير موقوف على السماع؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وهذا قول فاسد؛ لأنّ النّهي عن تفسير القرآن لا يخلو: إمّا أن يكون المراد به
[ المقدمة / ٤٩ ]
الاقتصار على النقلي، والمسموع، وترك الاستنباط، أو المراد به: أمرا آخر، وباطل أن يكون المراد به أن لا يتكلّم أحد في القرآن إلّا بما سمعه، فإنّ الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - قد قرؤوا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي ﷺ، فإنّ النبيّ ﷺ دعا لابن عباس، وقال: «اللهمّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل»، فإن كان التأويل مسموعا، كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك، وهذا بيّن لا إشكال فيه؛ وإنّما النهي يحمل على وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه، وهواه، ليحتّج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي، والهوى، لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، وهذا النوع يكون تارة مع العلم، كالذي يحتجّ ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك، ولكن مقصوده أن يلبّس على خصمه، وتارة يكون مع الجهل، وذلك: إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجّح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسّر برأيه أي رأيه حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك. ذكره القرطبي.
والثاني: وقال ابن عطيّة: وكان جملة من السّلف - كثير عددهم - يفسّرون القرآن، وهم أبقوا على المسلمين ذلك - ﵃ - فأمّا صدر المفسّرين والمؤيّد فيهم، فعليّ بن أبي طالب
[ المقدمة / ٥٠ ]
- ﵁ - ويتلوه عبد الله بن عباس، وهو بحر فيه، وتبعه العلماء عليه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما. والمحفوظ عنه في ذلك، أكثر من المحفوظ عن عليّ. وقال ابن عباس: (ما أخذت من تفسير القرآن، فمن عليّ بن أبي طالب). وكان عليّ - ﵁ - يثني على تفسير ابن عباس، ويحضّ على الأخذ عنه. قال ابن عطيّة: وكان جملة من السلف، كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما، يعظّمون تفسير القرآن؛ ويتوقّفون عنه؛ تورّعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم، وتقدّمهم. قال أبو بكر الأنباريّ: وقد كان الأئمّة من السلف الماضي، يتورّعون عن تفسير المشكل من القرآن، فبعض يقدّر أنّ الذي يفسّره لا يوافق مراد الله جلّ وعزّ، فيحجم عن القول، وبعض يشفق من أن يجعل في التفسير إماما يبنى على مذهبه، ويقتفى طريقه، فلعلّ متأخرا أن يفسّر حرفا برأيه، ويخطىء فيه، ويقول: إمامي في تفسير القرآن بالرأي، فلان الإمام من السلف.
وعن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق - ﵁ - عن تفسير حرف من القرآن، فقال: (أيّ سماء تظلّني، وأيّ أرض تقلّني، وأين أذهب وكيف أصنع إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد ﵎ بما لا يعرف أصله، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر، والنّقل فيه). وقال ابن عطية: ومعنى هذا: أن يسأل الرجل عن معنى من كتاب الله جلّ وعزّ، فيتسوّر عليه برأيه، دون نظر فيما قال العلماء عنه. وكان ابن مسعود يقول:
[ المقدمة / ٥١ ]
(نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس). وقال عنه علي - ﵁ -: (ابن عباس: كأنّما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق). ويتلوه عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وكلّ ما أخذ من الصحابة فحسن مقدّم؛ لشهودهم التنزيل، ونزوله بلغتهم. وعن عامر بن واثلة قال: (شهدت عليّ بن أبي طالب - ﵁ - يخطب، فسمعته يقول في خطبته: سلوني، فو الله، لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة، إلّا حدّثتكم به، سلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلّا أنا أعلم أبليل نزلت، أم بنهار، أم في سهل نزلت، أم في جبل، فقام إليه ابن الكوّاء، فقال: يا أمير المؤمنين! ما الذاريات ذروا؟) وذكر الحديث. وعن المنهال بن عمرو قال: قال عبد الله بن مسعود:
(لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله منّي تبلغه المطيّ، لأتيته، فقال له رجل: أما لقيت عليّ ابن أبي طالب؟ فقال: بلى قد لقيته). وعن مسروق قال: وجدت أصحاب محمد ﷺ مثل الإخاذ يروي الواحد، والإخاذ يروي الاثنين، والإخاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم، وإنّ عبد الله بن مسعود من تلك الإخاذ. ذكر هذه المناقب: أبو بكر الأنباريّ في كتاب «الردّ»، وقال: الإخاذ عند العرب: الموضع الذي يحبس الماء كالغدير.
قال أبو بكر: حدّثنا أحمد بن الهيثم بن خالد، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا سلّام، عن زيد العميّ، عن
[ المقدمة / ٥٢ ]
أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «أرحم أمّتي بها أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم عليّ، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم لكتاب الله جلّ وعزّ أبيّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح، وأبو هريرة وعاء من العلم، وسلمان بحر من علم لا يدرك، وما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء - أو قال البطحاء - من ذي لهجة، أصدق من أبي ذرّ - ﵃ - قال ابن عطية: ومن المبرّزين في التابعين: الحسن البصريّ، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعلقمة. قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهّم، ووقوف عند كلّ آية. ويتلوهم: عكرمة، والضحّاك، وإن كان لم يلق ابن عباس، وإنّما أخذ عن ابن جبير، وأمّا السدّيّ: فكان عامر الشعبيّ يطعن عليه، وعلى أبي صالح؛ لأنّه كان يراهما مقصّرين في النّظر.
قلت: وقال يحيى بن معين: الكلبيّ ليس بشيء. وعن يحيى بن سعيد القطّان، عن سفيان قال: قال الكلبيّ: قال أبو صالح: كلّ ما حدّثتك كذب، وقال حبيب بن أبي ثابت: كنّا نسمّيه: الذّروغزن يعني: أبا صالح مولى أمّ هانىء، والذّروغزن: هو الكذّاب بلغة الفرس.
ثمّ حمل تفسير كتاب الله تعالى: عدول كلّ خلف، كما قال ﷺ: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه
[ المقدمة / ٥٣ ]
تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». خرّجه أبو عمر وغيره. قال الخطيب أبو بكر، أحمد بن علي البغداديّ: وهذه شهادة من رسول الله ﷺ بأنّهم أعلام الدين، وأئمّة المسلمين؛ لحفظهم الشّريعة من التحريف والانتحال للباطل، وردّ تأويل الأبله الجاهل، وأنّه يجب الرجوع إليهم، والمعوّل في أمر الدين عليهم - رحمهم الله تعالى -. قال ابن عطية: وألّف الناس فيه، كعبد الرزاق، والمفضّل، وعليّ بن أبي طلحة، والبخاريّ، وغيرهم، ثمّ إنّ محمد بن جرير - رحمه الله تعالى - جمع على الناس أشتات التفسير، وقرّب البعيد منها، وشفى في الإسناد، ومن المبرّزين من المتأخّرين: أبو إسحاق الزجّاج، وأبو علي الفارسيّ، وأمّا أبو بكر النقاش، وأبو جعفر النحّاس: فكثيرا ما استدرك الناس عليهما، وعلى سننهما، مكيّ بن أبي طالب - ﵀ -، وأبو العباس المهدويّ متقن التأليف، وكلّهم مجتهد مأجور - رحمهم الله تعالى - ونضّر وجوههم.
تتمّة في بيان الفرق بين التفسير، والتأويل
والتفسير لغة: الكشف والإبانة.
والتأويل لغة: الرجوع والكشف.
والتفسير اصطلاحا: علم يبحث فيه، عن أحوال القرآن المجيد من حيث دلالته، على مراد الله - تعالى بحسب الطاقة البشريّة، ثمّ هذا العلم قسمان:
[ المقدمة / ٥٤ ]
تفسير: وهو ما لا يدرك إلّا بالنقل، كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ.
وتأويل: وهو ما يمكن إدراكه بالقواعد العربية، ويسمّى الأول رواية، وهذا دراية. والسرّ في جواز التأويل بالرّأي بشروطه، كما تقدّم دون التفسير: أنّ التفسير كشهادة على الله، وقطع بأنّه عنى بهذا اللفظ هذا المعنى، ولا يجوز إلّا بتوقيف، ولذا جزم الحاكم أنّ تفسير الصحابيّ مطلقا في حكم المرفوع، والتأويل: ترجيح لأحد المحتملات بلا قطع فاغتفر.
والله أعلم
* * *
[ المقدمة / ٥٥ ]