وهذهِ الآياتُ المتنوعةُ تُنزَّلُ على الأصلِ العظيمِ المتفقِ عليهِ بينَ سلفِ الأمةِ، والذي دلَّ عليهِ العقلُ والنقلُ، وهوَ أنَّ جميعَ الأمورِ واقعةٌ بقضاءِ اللهِ وقدرهِ: أعيانِها
[ ٣٦٦ ]
وأوصافِها وأفعالِها، وجميعَ ما حدثَ ويحدثُ لا يخرجُ شيءٌ منهُ عن قضائهِ وقدرهِ، ومعَ ذلكَ فقدْ جعلَ اللهُ الحوادثَ تبعًا لأسبابِها، ولإرادةِ الفاعلينَ لها وقدرتِهم عليها.
فالآياتُ المتعددةُ المضافةُ إلى عمومِ قدرهِ تدلُّ على الأصلِ الأولِ، والآياتُ المتعددةُ المضافةُ إلى فاعلِيها تدلُّ على الأصلِ الثاني، ولا منافاةَ بينَهما؛ فإن أعمالَ العبادِ -مثلًا- تقعُ بفعلِهم وإرادتِهم وقدرتِهم، واللهُ خالقُهم وخالقُ قدرتِهم وإرادتِهم، وخالقُ السببِ التامِّ خالقٌ للمسبَّبِ، ومعَ ذلكَ فقدْ جعلَهم في أفعالِهم وتروكِهم مختارينَ غيرَ مجبورينَ.