١ - قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٨ - ٧٩].
* هذا الأمرُ من اللهِ لعبادهِ بالصلاةِ التي أمرَ بها في آياتٍ متعددةٍ، ويأتِي الأمرُ بها في القرآنِ بلفظِ الإقامةِ كهذهِ الآيةِ، ومثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ونحوها، وهوَ أبلغُ من قولهِ: (افعلوها)؛ فإنَّ هذا أمرٌ بفعلِها وبتكميلِ أركانِها وشروطِها ومكملاتِها، ظاهرًا وباطنًا، وبجعلِها شريعةً ظاهرةً قائمةً من أعظمِ شعائرِ الدينِ.
* وفي هذهِ الآيةِ: زيادةٌ عن بقيةِ الآياتِ، وهيَ الأمرُ بها لأوقاتِها الخمسةِ أو الثلاثةِ، وهذهِ هيَ الفرائضُ، وإضافتُها إلى أوقاتِها من بابِ إضافةِ الشيءِ إلى سببهِ الموجبِ لهُ:
* ف (دلوك الشمس) أي: زوالها واندفاعها من المشرقِ نحوَ المغربِ، فيدخلُ في هذا: صلاةُ الظهرِ وهوَ أولُ الدلوكِ، وصلاةُ العصرِ وهوَ آخرُ الدلوكِ.
* ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أي: ظلمتهِ؛ فدخَلَ في ذلكَ: صلاةُ المغربِ وهوَ ابتداءُ الغسقِ، وصلاةُ العشاءِ الآخرةِ وبها يتمُّ الغسقُ والظلمةُ.
* ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: صلاةَ الفجرِ، وسمَّاها قرآنًا لمشروعيةِ إطالةِ القراءةِ فيها، ولفضلِ قراءتِها؛ لكونها مشهودةً، يشهدُها اللهُ، وتشهدُها ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ.
[ ٨٣ ]
* ففي هذهِ الآيةِ الكريمةِ فوائدُ:
* منها: ذكرُ الأوقاتِ الخمسةِ صريحًا؛ ولم يُصرَحْ بها في القرآنِ في غيرِ هذهِ الآيةِ، وأتتْ ظاهرةً في قولهِ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم: ١٧] الآية.
* وفيها: أنَّ هذهِ المأموراتِ كلَّها فرائضُ؛ لأنَّ الأمرَ بها مقيَّدٌ في أوقاتِها، وهذهِ هيَ الصلواتُ الخمسُ، وقدْ تستتبعُ ما يتبعُها من الرواتبِ ونحوِها.
* ومنها: أنَّ الوقتَ شرطٌ لصحةِ الصلاةِ، وسببٌ لوجوبِها؛ ويُرجَعُ في مقاديرِ الأوقاتِ إلى تقديرِ النبيِّ ﷺ، كما يُرجَعُ إليهِ في تقديرِ ركعاتِ الصلاةِ وسجداتِها وهيئاتِها.
* وفيها: أنَّ العصرَ والظهرَ يُجمعانِ للعذرِ، وكذلكَ المغربُ والعشاءُ؛ لأنَّ اللهَ جمعَ وقتَهما فهو وقتٌ واحدٌ للمعذورِ، ووقتانِ لغيرِ المعذورِ.
* وفيها: فضيلةُ صلاةِ الفجرِ، وفضيلةُ إطالةِ القرآنِ فيها، وأنَّ القراءةَ فيها ركنٌ؛ لأنَّ العبادةَ إذا سُميتْ ببعضِ أجزائِها دلَّ ذلكَ على فضيلتهِ وركنيتهِ، وقدْ عبَّرَ اللهُ عن الصلاةِ بالقراءةِ وبالركوعِ وبالسجودِ وبالقيامِ، وهذهِ كلُّها أركانُها المهمةُ.
* قولهُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] أي: صلِّ به في أوقاتهِ، ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ أي: لتكونَ صلاةُ الليلِ زيادةً لكَ في علوِّ المقاماتِ، ورفعِ الدرجاتِ، بخلافِ غيرِكَ فإنها تكونُ كفارةً لسيئاتهِ.
ويُحتملُ أنْ يكونَ المعنى: أنَّ الصلواتِ الخمسَ فرضٌ عليكَ وعلى المؤمنينَ، وأمَّا صلاةُ الليلِ فإنها فرضٌ عليكَ وحدَكَ دونَ المؤمنينَ؛ لكرامتِكَ على اللهِ؛ إذْ جعلَ وظيفتَكَ أكثرَ من غيرِكَ، ومَنَّ عليكَ بالقيامِ بها؛ ليكثرَ ثوابُكَ، ويرتفعَ مقامُكَ، وتنالَ
[ ٨٤ ]
بذلكَ المقامَ المحمودَ، وهوَ المقامُ الذي يحمدهُ فيه الأولونَ والآخرونَ؛ مقامُ الشفاعةِ العظمى حينَ يستشفعُ الخلائقُ بأكابرِ الأنبياءِ: آدمَ ونوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى ﵈، وكلُّهم يعتذرُ ويتأخرُ عنها، حتى يستشفعوا بسيدِ ولدِ آدمَ؛ ليرحمَهم اللهُ من همِّ الموقفِ وكربهِ، ويفصلَ بينَهم، فيشفِّعُهُ اللهُ، ويقيمُهُ مقامًا يغبطهُ بهِ الأولونَ والآخرونَ، وتكونُ لهُ اليدُ البيضاءُ على جميعِ الخلقِ، ﷺ تسليمًا كثيرًا، وأدخَلَنا في شفاعتهِ، ومَنَّ علينا بالسعيِ في أسبابِ شفاعتهِ التي أهمُّها: إخلاصُ الأعمالِ للهِ، وتحقيقُ متابعتهِ في هديهِ وقولهِ وعملهِ.
[ ٨٥ ]
٢ - ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨].
* لما أمرَ اللهُ تعالى رسولَهُ خصوصًا، والمؤمنينَ عمومًا، باستقبالِ بيتهِ الحرامِ؛ أخبرَ أنَّ كلَّ أهلِ دينٍ لهم وجهةٌ يتوجهونَ إليها في عباداتِهم، وليسَ الشأنُ في القِبَلِ والوجهاتِ المعينةِ، فإنها من الشرائعِ التي تختلفُ باختلافِ الأزمنةِ، ويدخلها النسخُ والنقلُ من جهةٍ إلى أخرى، ولكنَّ الشأنَّ كلَّ الشأنِ في امتثالِ طاعةِ اللهِ على الإطلاقِ، والتقربِ إليهِ، وطلبِ الزلفى عندَهُ، فهذا هوَ عنوانُ السعادةِ ومنشورُ الولايةِ، وهوَ الذي إذا لم تتصفْ بهِ النفوسُ حصلتْ لها الخسارةُ في الدنيا والآخرةِ، كما أنها إذا اتصفتْ بهِ فهيَ الرابحةُ على الحقيقةِ، وهذا أمرٌ متفقٌ عليهِ في جميعِ الشرائعِ، وهوَ الذي خلقَ اللهُ لهُ الخلقَ وأمَرَهم بهِ.
* والأمرُ بالاستباقِ إلى الخيراتِ قدرٌ زائدٌ على الأمرِ بفعلِها؛ فإنَّ الاستباقَ إليها يتضمَّنُ: الأمرَ بفعلِها، وتكميلِها، وإيقاعِها على أكملِ الأحوالِ، والمبادرةِ إليها. ومَن سبَقَ في الدنيا إلى الخيراتِ فهوَ السابقُ في الآخرةِ إلى الجناتِ، فالسابقونَ أعلى الخَلقِ درجةً.
* والخيراتُ تشملُ جميعَ الفرائضِ والنوافلِ: من صلاةٍ، وصيامٍ، وزكاةٍ، وصدقةٍ، وحجٍّ، وعمرةٍ، وجهادٍ، ونفعٍ متعدٍّ وقاصرٍ.
فهذهِ الآيةُ تحثُّ على الإتيانِ بكلِّ ما يكملُ هذهِ العباداتِ: من ركنٍ، وواجبٍ، وشرطٍ، ومستحبٍّ، ومكملٍ ومتممٍ، ظاهرًا وباطنًا؛ كالمبادرةِ في أولِ الوقتِ، وفعلِ السننِ المكملاتِ، والمبادرةِ إلى إبراءِ الذممِ من الواجباتِ، وفعلِ جميعِ الآدابِ المتعلقةِ بالعباداتِ.
فللهِ ما أجمعَها من آيةٍ وأنفعَها!
[ ٨٦ ]
* ولما كان أقوى ما يحثُّ النفوسَ إلى المسارعةِ إلى الخيراتِ ما رتبَ اللهُ عليها من الثوابِ، وما يُخشى بتفويتِها من الحرمانِ والعقابِ؛ قالَ: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ فيجمعُ اللهُ العبادَ يومَ القيامةِ بقدرتهِ، ويجازِيهم بما أسلفوهُ من الأعمالِ خيرِها وشرِّها.
[ ٨٧ ]
٣ - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨ - ٢٣٩] إلى آخرِ الآيةِ.
* يأمرُ تعالى بالمحافظةِ على الصلواتِ عمومًا، وعلى الصلاةِ الوسطَى -وهيَ صلاةُ العصرِ- خصوصًا؛ لفضلِها وشرفِها، وحضورِ ملائكةِ الليلِ والنهارِ فيها، ولكونِها ختامَ النهارِ.
* والمحافظةُ على الصلواتِ: عنايةُ العبدِ بها من جميعِ الوجوهِ التي أمرَ الشارعُ بها وحثَّ عليها: من مراعاةِ الوقتِ، وصلاةِ الجماعةِ، والقيامِ بكلِّ ما بهِ تكملُ وتتمُّ، وأنْ تكونَ صلاةً كاملةً تنهَى صاحبَها عن الفحشاءِ والمنكرِ، ويزدادُ بها إيمانهُ، وذلكَ إذا حصلَ فيها حضورُ القلبِ وخشوعُهُ الذي هوَ لبُّها وروحُها؛ ولهذا قالَ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: مخلصينَ خاشعينَ للهِ، فإنَّ القنوتَ هوَ دوامُ الطاعةِ معَ الخشوعِ؛ ومنْ تمامِ ذلكَ سكونُ الأعضاءِ [والسكوتُ] (^١) عن كلِّ كلامٍ لا تعلُّقَ لهُ بالصلاةِ.
* وفيها: أنَّ القيامَ في صلاةِ الفريضةِ ركنٌ إنْ كان المرادُ بالقيامِ هنا الوقوفَ، فإنْ أُريدَ بهِ القيامُ بأفعالِ الصلاةِ عمومًا دلَّ على الأمرِ بإقامتِها كلِّها، وأنْ تكونَ قائمةً تامةً غيرَ ناقصةٍ.
* ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] أي: فصلُّوا الصلاةَ رِجالًا، أي: ماشينَ على أرجلِكم أو ساعينَ عليها، أو ركبانًا على الإبلِ وغيرِها من المركوباتِ.
_________________
(١) زيادة من (خ).
[ ٨٨ ]
وحذَفَ المتعلقَ ليعمَّ الخوفُ من العدوِ والسبعِ، ومن فواتِ ما يتضررُ بفواتهِ أو تفويتهِ.
وفي هذهِ الحالِ لا يلزمهُ استقبالُ القبلةِ، بلْ قبلتهُ حيثُما كان وجههُ، ومثلُ ذلكَ إذا اشتبهَتِ القبلةُ في السفرِ، ومثلُ ذلكَ صلاةُ النافلةِ في السفرِ على الراحلةِ، وكلُّ هذا داخلٌ في قولهِ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥].
فهذهِ صلاةُ المعذورِ بالخوفِ، فإذا حصلَ الأمنُ صلَّى صلاةً كاملةً.
* ويدخلُ في قولهِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣٩] تكميلُ الصلواتِ، ويدخلُ فيه أيضًا الإكثارُ من ذكرِ اللهِ؛ شكرًا لهُ على نعمةِ الأمنِ، وعلى نعمةِ التعليمِ.
* وفي الآيةِ الكريمةِ: فضيلةُ العلمِ، وأنَّ على مَنْ علَّمَهُ اللهُ ما لم يكنْ يعلمُ الإكثارَ من ذكرِ اللهِ.
وفيهِ: تنبيهٌ على أنَّ الإكثارَ من ذكرِ اللهِ سببٌ لنيلِ علومِ أُخَرَ لم يكُنِ العبدُ ليعرفَها؛ فإنَّ الشكرَ مقرونٌ بالمزيدِ.
* وقدْ ذكرَ اللهُ صلاةَ الخوفِ في سورةِ النساءِ في قولهِ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] (^١)، فأمرَ بها على تلكَ الصفةِ تحصيلًا للجماعةِ لها، وقيامًا للألفةِ، وجمعًا بينَ القيامِ بالصلاةِ والجهادِ حسبَ الإمكانِ، وبالقيامِ بالواجباتِ معَ التحرزِ من شرورِ الأعداءِ؛ فسبحان مَنْ جعَلَ في كتابهِ الهدَى والنورَ والرشادَ، وإصلاحَ الأمورِ كلِّها.
_________________
(١) بعدها في (خ): الآيات.
[ ٨٩ ]
فصل
٤ - قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] (^١).
* قدْ جمعَ اللهُ في كتابهِ في آياتٍ كثيرةٍ بينَ الأمرِ بإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ؛ لأنهما مشتركتانِ في أنهما مِنْ أهمِّ فروضِ الدينِ، ومبانِي الإسلامِ العظيمةِ، والإيمانُ لا يتمُّ إلا بهما، ومَن قامَ بالصلاةِ وبالزكاةِ كان مقيمًا لدينهِ، ومَن ضيعَهما كان لما سواهما مِنْ دينهِ أضيعَ.
فالصلاةُ فيها الإخلاصُ التامُّ للمعبودِ، وهيَ ميزانُ الإيمانِ، والزكاةُ فيها الإحسانُ إلى المخلوقينَ، وهيَ برهانُ الإيمانِ؛ ولهذا اتفقَ الصحابةُ على قتالِ مانعِي الزكاةِ، وقالَ أبو بكر ﵁: «لأقاتلنَّ مَنْ فرَّقَ بينَ الصلاةِ والزكاةِ» (^٢).
* فقولهُ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] هذا الأمرُ موجَّهٌ للنبيِّ ﷺ، ومنْ قامَ مقامَهُ، أنْ يأخذَ من أموالِ المسلمينَ صدقةً، وهيَ الزكاةُ، وهذا شاملٌ لجميعِ الأموالِ المتمولةِ: من أنعامٍ، وحروثٍ، ونقودٍ، وعُرُوضٍ؛ كما صرحَ بهِ في الآيةِ الأخرى: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] من النقودِ والعروضِ والماشيةِ المنماةِ، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ من الحبوبِ والثمارِ.
_________________
(١) بعدها في (خ): الآية.
(٢) البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠).
[ ٩٠ ]
وقدْ وضحَ النبيُّ ﷺ النُّصُبَ في هذهِ الأنواعِ كلِّها، وبيَّنَ مقدارَ الواجبِ منها، وأنها عُشرُ الخارجِ من الأرضِ مما يُسقى بلا مؤنةٍ، ونصفُ عُشرهِ فيما سُقِيَ بمؤنةٍ، وربعُ العُشرِ من أموالِ التجارةِ، وذلكَ إذا حالَ الحولُ في أموالِ التجارةِ، وحصلَ الحصادُ والجذاذُ وقتَ حصولِ الثمارِ، كما هوَ صريحُ الآيةِ المذكورةِ.
وأمرَ تعالى بإخراجِ الوسطِ، فلا يُظلمُ ربُّ المالِ فيؤخذُ العالي من مالهِ، إلا أنْ يختارَ هوَ ذلكَ، ولا يحلُّ لهُ أنْ يتيممَ الخبيثَ -وهوَ الرديءُ من مالهِ- فيخرجُهُ، ولا تبرأُ بذلكَ ذمتهُ إنْ كانتْ فرضًا، ولا يتمُّ لهُ الأجرُ والثوابُ إنْ كانتْ نفلًا.
وبيَّنَ تعالى الحكمةَ في ذلكَ، وأنها حكمةٌ معقولةٌ: فكما أنكم لا ترضونَ ممن عليهِ حقٌّ لكم أنْ يعطيَكم الرديءَ من مالهِ الذي هوَ دونَ حقِّكم، إلا أنْ تقبلوهُ على وجهِ الكراهةِ والإغماضِ؛ فكيفَ ترضونَ لربِّكم ولإخوانِكم ما لا ترضونَهُ لأنفسِكم؟! فليسَ هذا من الإنصافِ والعدلِ.
* وبيَّنَ تعالى الحكمةَ في الزكاةِ، وبيانِ مصالِحها العظيمةِ، فقالَ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فهذهِ كلمةٌ جامعةٌ، يدخلُ فيها من المنافعِ للمُعطِي والمعطَى والمالِ والأمورِ العموميةِ والخصوصيةِ شيءٌ كثيرٌ:
* فقولُهُ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أي: من الذنوبِ، ومن الأخلاقِ الرذيلةِ؛ فإنَّ مِنْ أعظمِ الذنوبِ وأكبرِها منعَ الزكاةِ، وأيضًا إعطاؤُها سببٌ لمغفرةِ ذنوبٍ أخرَى، فإنها من أكبرِ الحسناتِ، والحسناتُ يذهبنَ السيئاتِ. ومن أشنعِ الأخلاقِ الرذيلةِ البخلُ، والزكاةُ تطهرهُ من هذا الخلقِ الرذيلِ، ويتصفُ صاحبُها بالرحمةِ والإحسانِ، والشفقةِ على الخلقِ.
[ ٩١ ]
* وتطهرُ المالَ من الأوساخِ والآفاتِ؛ فإنَّ للأموالِ آفاتٍ مثلَ آفاتِ الأبدانِ، وأعظمُ آفاتِها أنْ تخالطَها الأموالُ المحرمةُ؛ فهيَ للأموالِ مثلُ الجربِ تَسْحَتُهُ، وتُحلُّ بهِ النكباتِ والنوائبَ المزعجةَ، فإخراجُ الزكاةِ تطهيرٌ لهُ من هذهِ الآفةِ المانعةِ لهُ من البركةِ والنماءِ، فيستعدُّ بذلكَ للنماءِ والبركةِ، وتوجيههِ للأمورِ النافعةِ.
* وأمَّا قولهُ: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فالزكاةُ هيَ النماءُ والزيادةُ:
• فهيَ تنمِّي المؤتِيَ للزكاةِ: تنمِّي أخلاقَهُ، وتحلُّ البركةُ في أعمالهِ، ويزدادُ بالزكاةِ ترقيًا في مكارم الأخلاقِ ومحاسنِ الشيمِ، وتنمِّي المالَ بزوالِ ما بهِ ضررهُ، وحصولِ
ما فيه خيرهُ، وتحلُّ فيه البركةُ من اللهِ؛ ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ: «ما نقصَتْ صدقةٌ من مالٍ» (^١)، بلْ تزيدهُ.
• وتنمِّي أيضًا المخرجَ إليهِ؛ فتسدُّ حاجتَهُ (^٢).
* وتقومُ المصلحةُ الدينيةُ التي تُصرفُ فيها الزكاةُ: كالجهادِ، والعلمِ، والإصلاحِ بينَ الناسِ، والتأليفِ، ونحوِها.
* وأيضًا تَدفعُ عاديةَ الفقرِ والفقراءِ؛ فإنَّ أربابَ الأموالِ إذا احتكرُوها واحتجزُوها ولم يؤدُّوا منها شيئًا للفقراءِ اضطرَّ الفقراءُ وهم جمهورُ الخَلقِ، وثارُوا بالشرِّ والفسادِ على أربابِ الأموالِ؛ وبهذا ونحوهِ تسلطَتِ البلاشفةُ (^٣) على الخَلقِ.
_________________
(١) مسلم (٢٥٨٨).
(٢) في (خ): حاجة الفقر.
(٣) البلاشفة: حزب شيوعي يساري، أسسه «فلاديمير لينين» عام (١٩٠٣ م)، واستطاعوا إسقاط الحكم القيصري عام (١٩١٧ م)، وعُرفوا فيما بعد باسم «الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي». انظر: تاريخ الثورة الروسية، ليون تروتسكي، ترجمة أكرم ديري والهيثم الأيوبي.
[ ٩٢ ]
فالقيامُ بالدينِ الإسلاميِّ على وجههِ -بعقائدهِ وحقائقهِ وأخلاقهِ وأداءِ حقوقهِ- هوَ السدُّ المانعُ شرعًا وقدرًا لهذهِ الطائفةِ، التي بها فسادُ الأديانِ والدنيا والآخرةِ.
* وأمرَ تعالى الآخِذَ منهم الزكاةَ أنْ يصليَ عليهم؛ فيدعُوَ لهم بالبركةِ؛ فإنَّ في ذلكَ تطمينًا لخواطرِهم، وتسكينًا لقلوبِهم، وتنشيطًا لهم، وتشجيعًا على هذا العملِ الفاضلِ.
وكما أنَّ الإمامَ والساعيَ مأمورٌ بالدعاءِ للمزكِّي عندَ أخذِها، فالفقيرُ المحتاجُ إذا أُعطيَها من بابِ أولى أنْ يُشرعَ لهُ الدعاءُ للمعطِي؛ تسكينًا لقلبهِ، وفي هذا إعانةٌ على الخيرِ.
* ودلَّ تعليلُ الآيةِ الكريمةِ أنَّ كلَّ ما أعانَ على فعلِ الخيرِ، ونشطَ عليهِ، وسكنَ قلبَ صاحبهِ؛ أنهُ مطلوبٌ ومحبوبٌ للهِ، وأنهُ ينبغِي للعبدِ مراعاتهُ وملاحظتهُ في كلِّ شأنٍ من شؤونهِ، فإنَّ مَنْ تفطنَ لهُ فتحَ لهُ أبوابًا نافعةً لهُ ولغيرهِ بلا تعبٍ ولا مشقةٍ، وأنهُ ينبغِي إدخالُ السرورِ على المؤمنينَ.
* ولما أمرَ في آيةِ (البقرةِ) بالنفقاتِ قالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] غنيٌّ بذاتهِ عن جميعِ المخلوقينَ، وهوَ الغنيُّ عن نفقاتِ المنفقينَ وطاعاتِ الطائعينَ، وإنما أمرَهم بها وحثَّهم عليها لمحضِ مصلحتِهم ونفعِهم، وبمحضِ فضلهِ وكرمهِ عليهم؛ إذْ تفضَّلَ عليهم بالأمرِ بهذهِ الأعمالِ، والتوفيقِ لفعلِها التي توصلُ أصحابَها إلى أعلى المقاماتِ، وأفضلِ الكراماتِ.
ومعَ كمالِ غناهُ وسعةِ عطاياهُ فهوَ الحميدُ فيما يشرعهُ لعبادهِ من الأحكامِ الموصلةِ لهم إلى دارِ السلامِ، وحميدٌ في أفعالهِ التي لا تخرجُ عن الفضلِ والعدلِ والحكمةِ، وحميدُ الأوصافِ؛ لأنَّ أوصافَهُ كلَّها محاسنُ وكمالاتٌ، لا يدركُ العبادُ كنهَها، ولا يَقْدُرُونها حقَّ قدرِها.
[ ٩٣ ]
* فلما حثَّهم على الإنفاقِ النافعِ نهاهم عن الإمساكِ الضارِّ، وبيَّنَ لهم أنهم بينَ داعيينِ:
* داعِي الرحمنِ: يدعُوهم إلى الخيرِ، ويعدُهم عليهِ الفضلَ والثوابَ العاجلَ والآجلَ، وخلفَ ما أنفقوا.
* وداعي الشيطانِ: الذي يحثُّهم على الإمساكِ، ويخوِّفُهم إنْ أنفقُوا افتقرُوا.
فمَن كان مجيبًا لداعِي الرحمنِ وأنفقَ مما رزقَهُ اللهُ فليَبْشَرْ بمغفرةِ الذنوبِ، وحصولِ كلِّ مطلوبٍ.
ومَن كان مجيبًا لداعِي الشيطانِ فإنهُ إنما يدعُو حزبَهُ ليكونُوا مِنْ أصحابِ السعيرِ.
فليختَرْ العبدُ أيَّ الأمرينِ أليقَ بهِ.
* وختمَ الآيةَ بالإخبارِ بأنهُ: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي: واسعُ الصفاتِ، كثيرُ الهباتِ، عليمٌ بمن يستحقُّ المضاعفةَ من العاملينَ المخلصينَ الصادقينَ، وعليمٌ بمن هوَ أهلٌ لذلكَ؛ فيوفقهُ لفعلِ الخيراتِ، وتركِ المنكراتِ.
[ ٩٤ ]
٥ - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
* المرادُ بالصدقاتِ هنا: الزكاةُ، فهؤلاءِ الثمانيةُ هم أهلُها، إذا دُفعَتْ إلى جهةٍ من هذهِ الجهاتِ أجزأَتْ ووقعَتْ موقعَها، وإنْ دُفعَتْ في غيرِ هذهِ الجهاتِ لم تَجُزْ.
* وهؤلاءِ المذكورونَ فيها قسمانِ:
* قسمٌ يأخذُ لحاجتهِ: كالفقراءِ، والمساكينِ، والرقابِ، وابنِ السبيلِ، والغارمِ لنفسهِ.
* وقسمٌ يأخذُ لنفعهِ العموميِّ والحاجةِ إليهِ، وهم البقيةُ.
* فأمَّا الفقراءُ والمساكينُ فهم خلافُ الأغنياءِ، والفقيرُ أشدُّ حاجةً من المسكينِ؛ لأنَّ اللهَ بدأَ بهِ، والأهمُّ مقدمٌ في الذكرِ غالبًا، ولكنَّ الحاجةَ تجمعُ الصنفينِ.
* ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم: السعاةُ الذينَ يَجْبُونها ويكتبونَها ويحفظونَها، ويقسمونَها على أهلِها، فهم يُعطَونَ ولو كانوا أغنياءَ؛ لأنها بمنزلةِ الأجرةِ في حقِّهم.
* ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم: ساداتُ العشائرِ والرؤساءُ، الذينَ إذا أُعطوا حصلَ في إعطائِهم مصلحةٌ للإسلامِ والمسلمينَ: إمَّا دفعُ شرِّهم عن المسلمينَ، وإمَّا رجاءُ إسلامِهم وإسلامِ نظرائِهم، أو جبايتِها ممن لا يُعطِيها، أو يُرجَى قوةُ إيمانهم.
* ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي: في فكِّها من الرقِّ: كإعانةِ المكاتبينَ، وكبذِلها في شراءِ الرقابِ لعتقِها، وفي فكِّ الأسارى من المسلمينَ عندَ الأعداءِ.
[ ٩٥ ]
* ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ للإصلاحِ بينَ الناسِ، إذا كان الصلحُ يتوقفُ على بذلِ مالٍ، فيُعانونَ على القيامِ بهذهِ المهمةِ والمصلحةِ العظيمةِ، وهيَ الإصلاحُ بينَ الناسِ، ولو أغنياءَ.
ومِن الغارمينَ: مَنْ ركبَتْهم ديونٌ للناسِ، وعجزوا عن وفائِها، فيُعانونَ من الزكاةِ لوفائِها.
* ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: بذِلها في إعانةِ المجاهدينَ بالزادِ والمزادِ والمركوبِ والسلاحِ، ونحوِها مما فيه إعانةُ المجاهدينَ.
ومن الجهادِ: التخلِّي لطلبِ العلمِ الشرعيِّ، والتجردُ للاشتغالِ بهِ.
* ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهوَ: الغريبُ المنقطعُ بهِ في غيرِ بلدهِ، فيُعانُ على سفرهِ من الزكاةِ.
* فاللهُ تعالى فرضَها لهؤلاءِ الأصنافِ بحسبِ حكمتهِ وعلمهِ، ووضعهِ الأشياءَ مواضعَها، فإنَّ سدَّ الكفاياتِ وقيامَ المصالحِ العموميةِ النافعةِ من الفروضِ على المسلمينَ، وهيَ على أهلِ الأموالِ شكرٌ منهم للهِ تعالى على نعمتهِ بالمالِ، وتطهيرٌ لهم ولها، ونماءٌ وبركةٌ، واتصافٌ بصفاتِ الأخيارِ، وسلامةٌ من نعوتِ الأشرارِ.
[ ٩٦ ]