الحسنى، وذلكَ مثلُ قولهِ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فيستفادُ أنَّ الفيئةَ يحبُّها اللهُ، وأنهُ يغفرُ لمن فاءَ ويرحمهُ، وأنَّ الطلاقَ كريهٌ إلى اللهِ، وأما المُؤْلِي إذا طلَّقَ فإنَّ اللهَ تعالى سيجازيهِ على ما فعلَ من السببِ وهوَ الإيلاءُ، والمسبَّبِ وهوَ ما ترتبَ عليهِ.
ومثلُ هذا: قولهُ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] أي: فإنكم إذا عَلِمْتم ذلكَ رفَعْتم عنهُ العقوبةَ المتعلقةَ بحقِّ اللهِ، وهذا كثيرٌ.
وقدْ يصرِّحُ اللهُ بالحكمِ ويعلِّلُهُ بذكرِ الأسماءِ الحسنى المناسبةِ لهُ.
* فائدةٌ: قولهُ تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] جمعَ اللهُ فيها أمورًا كثيرةً نافعةً في الدينِ والبدنِ والحالِ والمآلِ:
• فالأمرُ بالأكلِ والشربِ يدلُّ على الوجوبِ، وأنَّ العبدَ لا يحلُّ لهُ تركُ ذلكَ شرعًا، كما لا يتمكنُ من ذلكَ قدرًا ما دامَ عقلهُ معَهُ.
• وأنَّ الأكلَ والشربَ معَ نيةِ امتثالِ أمرِ اللهِ يكونُ عبادةً.
• وأنَّ الأصلَ في جميعِ المأكولاتِ والمشروباتِ الإباحةُ، إلا ما نصَّ الشارعُ على تحريمهِ لضررهِ؛ لإطلاقِ ذلكَ.
• وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ يأكلُ ما ينفعهُ ويناسبهُ ويليقُ بهِ، ويوافقُ لغناهُ وفقرهِ، ويوافقُ لصحتهِ ومرضهِ ولعادتهِ وعدمِها، لأنهُ حذَفَ المأكولَ، والآيةُ ساقَها اللهُ لإرشادِ العبادِ إلى منافعِهم، وهيَ تدلُّ على ذلكَ كلِّهِ.
[ ٣٦٩ ]
• وعلى أنَّ أصلَ صحةِ البدنِ تدبيرُ الغذاءِ بأنْ يأكلَ ويشربَ ما ينفعهُ، ويُقيمُ صحتَهُ وقوتَهُ.
• وعلى الأمرِ بالاقتصادِ في الغذاءِ، والتدبيرِ الحسنِ؛ لأنهُ لما أمَرَ بالأكلِ والشربِ نهَى عن السَّرَفِ.
• وعلى أنَّ السَّرَفَ منهيٌ عنهُ، وخصوصًا في الأطعمةِ والأشربةِ؛ فإنَّ السَّرَفَ يضرُّ الدينَ والعقلَ والبدنَ والمالَ:
- أما ضررهُ الدينيُّ: فكلُّ مَنْ ارتكَبَ ما نهَى اللهُ ورسولهُ عنهُ فقدْ انجرحَ دينهُ، وعليهِ أنْ يداويَ هذا الجرحَ بالتوبةِ والرجوعِ.
- وأما ضررهُ العقليُّ: فإنَّ العقلَ يحملُ صاحبَهُ أنْ يفعلَ ما ينبغِي على الوجهِ الذي ينبغِي، ويُوجِبُ لهُ أنْ يدبرَ حياتَهُ ومعاشَهُ؛ ولهذا كانَ حسنُ التدبيرِ في المعاشِ مَنْ أبلغِ ما يدلُّ على عقلِ صاحبهِ، فمن تعدَّى الطَّوْرَ النافعَ إلى طَوْرِ الإسرافِ الضارِّ فلا ريبَ أنَّ ذلكَ لنقصِ عقلهِ؛ فإنهُ يستدلُّ على نقصِ العقلِ بسوءِ التدبيرِ.
- وأما ضررهُ البدنيُّ: فإنَّ مَنْ أسرَفَ بكثرةِ المأكولاتِ والمشروباتِ انضرَّ بدنهُ واعتراهُ أمراضٌ خطرةٌ، وكثيرٌ من الأمراضِ إنما تحدثُ بسببِ الإسرافِ في الغذاءِ.
ثم إنهُ ينضرُّ أيضًا من وجهٍ آخرَ، فإنَّ مَنْ عوَّدَ بدنَهُ شيئًا اعتادَهُ، فإذا عوَّدَهُ كثرةَ الأكلِ أو أكلَ الأطعمةِ المتنوعةِ، فربما تعذرَتْ في بعضِ الأحوالِ لفقرٍ أو غيرهِ، وحينئذٍ يفقدُ البدنُ ما كان معتادًا لهُ؛ فتنحرفُ صحتهُ.
- وأما ضررهُ الماليُّ: فظاهرٌ؛ فإنَّ الإسرافَ يستدعِي كثرةَ النفقاتِ؛ ولهذا قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] أي: تُلامُ على ما فعلتَ؛ لأنهُ في غيرِ طريقهِ، ﴿مَحْسُورًا﴾: فارغَ اليدِ.
[ ٣٧٠ ]
وإخبارهُ أنهُ: ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] دليلٌ على أنهُ يحبُّ المقتصدينَ؛ ففي هذهِ الآيةِ إثباتُ صفةِ المحبةِ للهِ، وأنها تتعلقُ بما يحبهُ اللهُ من الأشخاصِ والأعمالِ والأحوالِ كلِّها.
فسبحانَ مَنْ جعَلَ كتابَهُ كنوزًا للعلومِ النافعةِ المتنوعةِ!