تقدمة
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا وحبيبِنا محمدٍ ﷺ، وعلى آلهِ وصحبهِ، ومن اقتفَى أثرَهُ، واتَّبعَ هدْيَهُ، واستنَّ بسنتِهِ، أمَّا بعدُ:
فقد أرسلَ اللهُ ﷿ محمدًا ﷺ بالهدى ودينِ الحقِّ؛ رحمةً للعالمينَ، وأنزلَ عليه كتابًا مبينًا، أَمرَنا بتلاوتِهِ، وتدبُّرِ آياتِهِ، ومعرفةِ أحكامِهِ، والوقوفِ على حلالِهِ وحرامِهِ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، وقال النبيُّ الكريمُ ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (^١).
ولقد تسابقَ أهلُ العلمِ إلى مدارسةِ كتابِ اللهِ وتفسيرِهِ: بيانًا لألفاظِهِ ومعانيهِ، واستنباطًا لأحكامِهِ ومقاصدِهِ، فصنَّفوا التفاسيرَ العظيمةَ المباركةَ؛ ومِن هؤلاء الأئمةِ: العلَّامةُ الشيخُ عبدُ الرحمنِ بنُ ناصرِ بنِ عبدِ اللهِ السعديُّ (ت ١٣٧٦ هـ) ﵀ بتصنيفِهِ كتابَهُ الموسوم ب «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان»؛ حيث قرَّبَ به التفسيرَ للأمةِ، في أسلوبٍ سهلٍ، وعباراتٍ واضحةٍ، وعقيدةٍ صحيحةٍ؛ فكتبَ اللهُ لهذا التفسيرِ القبولَ والذيوعَ؛ فكان من أكثرِ كتبِ التفسيرِ في هذا العصرِ طباعةً وتداولًا.
_________________
(١) البخاري (٥٠٢٧).
[ ٥ ]
ولقد صنَّف الشيخُ ﵀ تفسيرَهُ هذا عام (١٣٤٤ هـ)، وله مِنْ العمرِ (٣٧ عامًا)، ثم أتبعَ ذلك بمصنفاتٍ عديدةٍ في علمِ التفسيرِ، وفي سنةِ (١٣٦٨ هـ) وللشيخِ من العمرِ (٦١ عامًا)، وبعدَ أنْ قَضَى في دروبِ التأليفِ والتصنيفِ ومدراسةِ القرآنِ وتدبرِهِ عمرًا مباركًا (^١)؛ رأى ﵀ -بمشورةِ بعضِ النَّاصحين- أن يلخِّصَ تفسيرَهُ السابقَ؛ ليقْتصرَ فيه على آياتٍ من القرآنِ الكريمِ منتقاةٍ بدقةٍ، تشمل أبرزَ موضوعاتِ القرآنِ، وعلومِهِ، ومقاصدِهِ؛ فألَّفَ كتابَهُ الذي بين أيدينا: «تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن».
ولقد نحا الشيخُ ﵀ في كتابِهِ هذا منحىً رائدًا في التفسير، وهو «التفسير الموضوعي» للقرآنِ الكريمِ؛ فأضحى كتابُهُ من أنفعِ وأجَلِّ التفاسيرِ في هذا البابِ، لاسيما وقد جمَعَ فيه أهمَّ موضوعاتِ القرآنِ الكريمِ والدينِ الإسلاميِّ: عقيدةً، وعباداتٍ، ومعاملاتٍ، وأخلاقًا، وقصصًا، وسيرةً نبويةً.
_________________
(١) تواريخ تأليف العلامة السعدي لمصنفاته في علوم القرآن وتفسيره، حسب ما نصَّ عليه العلامة السعدي نفسه في ختام مؤلفاته، هي على النحو التالي:
(٢) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان»: غرة ربيع الأول سنة ١٣٤٤ هـ.
(٣) «المواهب الربانية من الآيات القرآنية»: ٢٨ رمضان سنة ١٣٤٧ هـ.
(٤) «القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن»: ٦ شوال سنة ١٣٦٥ هـ.
(٥) «فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن»: ألفه بعد كتابه: «القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن».
(٦) «تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن»: ٣ شوال سنة ١٣٦٨ هـ.
(٧) «الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي»: ١٠ محرم سنة ١٣٧٥ هـ.
(٨) «فوائد مستنبطة من قصة يوسف ﵇»: صفر سنة ١٣٧٥ هـ.
[ ٦ ]