في بيان جملة الحمد (له الحمد في الأولى والآخرة) وما بعدها
حمد الله ذاته الكريمة - ههنا - بقوله (له الحمد في الأولى والآخرة)، وقوله
(له الحمد) هو في معنى قوله (الحمد لله) والتي سبق بيانها؛ وذلك لأن اللام في قوله (له) هي للملك والاستحقاق، والضمير يرجع إلى اسم الجلالة، والتعريف في الحمد للجنس المفيد للاستغراق، هذا مع إفادة تقديم المجرور الاهتمام بضمير الجلالة والاختصاص (١) . وإنّما اختلف التعبير - ههنا - لما اقتضاه سياق الكلام في الآية.
وأمّا ذِكْرُ أنّ له الحمد في الأولى والآخرة فلإفادة التعميم لاستحقاقه الحمد في الدارين؛ لِما أنه ذو الصفات الكاملة والمنعم على عباده في الدنيا والآخرة، ويحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا كما أخبر الله عنهم بقوله سبحانه ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء..﴾ الآية (٢) . أقول: وفيه مزيد تفخيم لشأن حمده ذاته تعالى في مقام إثبات ألوهيته.
مطلب:
ومن بعد حمده تعالى لذاته يعطف عليه إثبات أنّ الحكم له بقوله (وله
_________________
(١) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٠ ص١٦٧؛ ج٢١ ص٦٥-٦٦.
(٢) انظر: الكشاف للزمخشري ج٣ ص١٧٧؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٥ ص١٠؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٢٣؛ حاشية الجمل على الجلالين ج٣ ص ٣٥٨؛ تفسير الآلوسي ج٢٠ ص ١٠٦؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٣ص١٢٤. والآية بسورة الزمر رقم (٧٤) .
[ ٥١ ]
الحكم)، وهو تتمة للاستدلال والتعليل لإثبات ألوهيته ونفيها عمن سواه. والمراد: أي له الحكم في الدارين أيضًا، وحُذِف المتعلق بالحكم لدلالة قوله قبلها (في الأولى والآخرة) (١)؛ فمن كان له الحكم والقضاء في الدنيا والآخرة على عباده فهو المستحق للألوهية وحده.
ويعطف عليه أيضًا بما يكون خاتمة للاستدلال والتعليل على ألوهيته بقوله: (وإليه ترجعون)، أي فمن كان مرجعكم ومصيركم إليه فاتقوه ووحّدوه
ولا تصرفوا شيئًا من الألوهية إلا له؛ فهو المستحق لها الفرد الصمد دون سواه.
لطيفة:
إنّ في تقديم المجرور بقوله تعالى (وإليه ترجعون) اهتمامًا بالانتهاء إليه سبحانه وإلى حكمه وقضائه، مع مراعاة الفاصلة (٢) . والله أعلم بمراده.
وبهذه اللطيفة يتم الحديث عن هذا الموضع ولله الحمد والمنة.
_________________
(١) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج ٢٠ ص ١٦٧.
(٢) انظر: المرجع السابق ج٢٠ ص ١٦٨.
[ ٥٢ ]