والباقون ﴿مُتِمٌّ نُورَه﴾ لأنه فيما يستقبل فَعَمِل.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ من سائر الأصناف. [١٨/ ٧٧]
(١٢٠٣) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
قال الماوردي: فإن قيل: ما وجه الامتنان بأن بَعَثَ نبيًّا أمِّيًّا؛ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه؛ أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعى إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدقه نبوته». [١٨/ ٨٢]
(١٢٠٤) من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ …﴾ [الجمعة: ٤].
قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش، وقيل: يعني الإسلام فضل الله يؤتيه من يشاء. قاله الكلبي، وقيل: يعني الوحي والنبوة. قاله مقاتل. وقول رابع: إنه المال ينفق في الطاعة، وهو معنى قول أبي صالح، وقد روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا، والنعيم المقيم، فقال: «وما ذاك؟»، قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ: «أفلا أعلمكم شيئًا تدركون من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل صنعتم؟»، قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال:
[ ٥٦٧ ]
«تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة»، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».
وقول خامس: إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته، والله أعلم. [١٨/ ٨٣ - ٨٤]
(١٢٠٥) من قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
ضرب مثلًا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة، ولم يؤمنوا بمحمد ﷺ ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ أي: كلفوا العمل بها، … ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ هي جمع سفر، وهو الكتاب الكبير؛ لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبيل فهكذا اليهود. وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء.
وقال منذر بن سعيد البلوطي ﵀ فأحسن:
انعق بما شئت تجد أنصارا … وزُمَّ أسفارًا تجد حمارا
يحمل ما وضعت من أسفارِي … يحمله كمثل الحمار
يحمل أسفارا له وما درى … إن كان ما فيها صوابًا وخطا
[ ٥٦٨ ]
إن سئلوا قالوا كذا روينا … ما إن كذبنا ولا اعتدينا
كبيرهم يصغر عند الحفل … لأنه قلد أهل الجهل
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أي لم يعملوا بها، شبههم -والتوارة في أيديهم وهم لا يعملون بها- بالحمار يحمل كتبًا وليس له إلا ثِقل الحِمل من غير فائدة. [١٨/ ٨٤]
(١٢٠٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ …﴾ [الجمعة: ٨].
قال الزجاج: «لا يقال: إن زيدًا فمنطلق، وهاهنا قال: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ لما في معنى ﴿الَّذِي﴾ من الشرط والجزاء أي: إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على إنه لا ينفع الفرار منه».
قال زهير:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو رام أسباب السماء بسلم
قلت: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ ثم يبتدئ ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾.
وقال طرفة:
وكفى بالموت فاعلم واعظًا … لمن الموت عليه قد قُدر
فاذكر الموت وحاذر ذكره … إن في الموت لذي اللب عبر
كل شيء سوف يلقى حتفه … في مقام أو على ظهر سفر
[ ٥٦٩ ]
والمنايا حوله ترصده … ليس ينجيه من الموت الحذر
[١٨/ ٨٥]
(١٢٠٧) من قوله تعالى: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].
قرأ عبدالله بن الزبير والأعمش وغيرها ﴿الْجُمْعَةِ﴾ بإسكان الميم على التخفيف وهما لغتان.
قال الفراء: «يقال الجمعة بسكون الميم، والجمُعة بضم الميم، والجمَعة بفتح الميم، فيكون صفة اليوم، أي: تجمع الناس كما يقال: ضُحَكة للذي يُضحك».
وقال ابن عباس: «نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرؤوها «جُمُعة»، يعني بضم الميم.
وقال الفراء وأبو عبيد: «والتخفيف أقيس وأحسن نحو: غُرفة وغرف وطُرفة وطُرف وحُجرة وحُجر». [١٨/ ٨٦]
(١٢٠٨) من قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
منع الله ﷿ منه عند صلاة الجمعة وحرمه في وقتها على من كان مخاطبًا بفرضها. والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما؛ كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١].
وخص البيع؛ لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق، ومن لا يجب عليه حضور الجمعة، فلا ينهى عن البيع والشراء. [١٨/ ٩٥]
[ ٥٧٠ ]
(١٢٠٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا …﴾ [الجمعة: ١١].
في «صحيح مسلم» عن جابر بن عبدالله أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا -في رواية أنا فيهم- فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. [١٨/ ٩٧]
(١٢١٠) من قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا خطب، قال علقمة: سئل عبدالله أكان النبي ﷺ يخطب قائمًا أو قاعدًا؟ فقال: أما تقرأ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
وخرج مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم؛ فيخطب فمن نبأك أنه يخطب جالسًا فقد كذب؛ فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة» وعلى هذا جمهور العلماء. [١٨/ ١٠١]
(١٢١١) من قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ …﴾ [الجمعة: ١١].
فيه وجهان: أحدهما: ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم. الثاني: ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم وتجارتكم.
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ أي: خير من رَزق وأعطى؛ فمنه فاطلبوا واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة. [١٨/ ١٠٨]
[ ٥٧١ ]
(١٢١٢) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ …﴾ [المنافقون: ٤].
أي: هيئاتهم ومناظرهم، ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ يعني: عبدالله بن أبي، قال ابن عباس: «كان عبدالله بن أبي وسيمًا جسيمًا صحيحًا صبيحًا ذَلِق اللسان؛ فإذا قال سمع النبي ﷺ مقالته، وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة …».
وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، قال: كانوا رجالًا أجمل شيء كأنهم خشب مسندة، شبههم بخشب مسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون، أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام، وقيل: شبههم بالخشب التي قد تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها … ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ للتكثير، أي: استندوا إلى الإيمان بحقن دمائهم. [١٨/ ١١٢]