وقال الحسن: «كان قوم نوح يزرعون في الشهر مرتين». حكاه الماوردي: «﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾ يعني: كبراءهم وأغنيائهم الذين لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالًا في الدنيا وهلاكًا في الآخرة». [١٨/ ٢٦٤]
(١٢٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦].
قال ابن العربي: «دعا نوح على الكافرين أجمعين، ودعا النبي ﷺ على من تحزب على المؤمنين وألب عليهم». وكان هذا أصلًا في الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة. وإنما خص النبي ﷺ بالدعاء عتبة وشيبة وأصحابهما؛ لعلمه بمآلهم وما كُشف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم [١٨/ ٢٦٩]
(١٢٦١) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١١].
اختلف أهل العلم في أصل الجن، فروى إسماعيل عن الحسن البصري: «أن الجن ولد إبليس والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنًا فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرًا فهو شيطان». [١٩/ ٩]
[ ٥٩٨ ]
(١٢٦٢) من قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ [الجن: ١].
أي: في فصاحة كلامه، وقيل: عجبًا في بلاغة مواعظه، وقيل: عجبًا في عظم بركته، وقيل: قرآنًا عزيزًا لا يوجد مثله، وقيل: يعنون عظيمًا. [١٩/ ١٠]
(١٢٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٢].
الجد في اللغة: العظمة والجلال، ومنه قول أنس: «كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا»، أي: عظم وجل، فمعنى ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي: عظمته وجلاله. قاله عكرمة ومجاهد وقتادة. [١٩/ ١١]
(١٢٦٤) من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾ [الجن: ٧].
هذا من قول الله تعالى للإنس، أي: وأن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم، وقال الكلبي: «المعنى: ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولًا إلى خلقه يقيم به الحجة عليهم، وكل هذا توكيد للحجة على قريش أي: إذا آمن هؤلاء الجن بمحمد فأنتم أحق بذلك». [١٩/ ١٣]
(١٢٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ [الجن: ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾، يعني: القرآن، ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ وبالله وصدقنا محمدًا ﷺ على رسالته، وكان ﷺ مبعوثًا إلى الإنس والجن.
قال الحسن: «بعث الله محمدًا ﷺ إلى الإنس والجن ولم
[ ٥٩٩ ]
يبعث الله قط رسولًا إلى الجن، ولا من أهل البادية ولا من النساء وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]». [١٩/ ١٧]
(١٢٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤].
أي: وأنا بعد استماع القرآن مختلفون فمنا من أسلم ومنا من كفر والقاسط الجائر؛ لأنه عادل عن الحق، والمقسط: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق، يقال: قسط أي: جار، وأقسط إذا عدل.
قال الشاعر:
قوم هم قتلوا ابن هند عنوةً … عَمْرًا وهم قسطوا على النعمانِ
[١٩٩/ ١٨]
(١٢٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦].
طريقة الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ أي: كثيرًا، ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم.
وقال عمر في هذه الآية: «أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة»، فمعنى ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾: لوسعنا عليهم في الدنيا وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلًا؛ لأن الخير والرزق كله بالمطر يكون فأقيم مقامه. [١٩/ ١٩]
[ ٦٠٠ ]
(١٢٦٨) من قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ …﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول، فيطلعه على ما يشاء من غيبه بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. [١٩/ ٢٨]
(١٢٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن: ٢٨].
أي: أحاط بعدد كل شيء وعرفه وعلمه فلم يخف عليه منه شيء و﴿عَدَدًا (٢٨)﴾ نصب على الحال، أي: أحصى كل شيء في حال العدد، وإن شئت على المصدر أي: أحصى وعد كل شيء عددًا، فيكون مصدر الفعل المحذوف فهو سبحانه المحصي المحيط العالم الحافظ لكل شيء، وقد بينا جميعه في الكتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»، والحمد لله وحده. [١٩/ ٣٠]