(٧٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ [إبراهيم: ٤٦].
(إن) بمعنى (ما) أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه (وإن) بمعنى (ما) في القرآن في مواضع خمسة أحدها هذا، والثاني: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤].
الثالث: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٧] أي ما كنا.
الرابع: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١].
الخامس: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. [٩/ ٣٢٤]
(٧٣٨) من قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣].
قال الحسن: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل وصدق ﵁!
فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني ويعقب التشاغل والتقاعس ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى وهذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان ولا يطلب صاحبه ببرهان كما أن قصر الأمل يبعث على العمل ويُحيل على المبادرة ويحث على المسابقة. [١٠/ ٧]
[ ٣٦٨ ]
(٧٣٩) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
أنبأنا الشيخ … عبد الله عن أبيه علي التلمساني قال قرئ على الشيخة العالمة فخر النساء شُهدة بنت أبي نصر الدينوري وذلك بمنزلها بدار السلام في آخر جمادى الآخرة سنة ٥٦٤ هـ قيل لها: أخبركم الشيخ طراد الزينبي قراءة عليه وأنت تسمعين سنة ٤٩٠ هـ أخبرنا علي قال حدثنا عيسى المعروف بالطوماري حدثنا الحسين قال: سمعت يحيى بن أكثم يقول: كان للمأمون- وهو أمير إذ ذاك- مجلس نظر فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة قال: فلما تقوض المجلس دعاه المأمون، فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم، قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع ووعده فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا قال: فتكلم على الفقه فأحسن الكلام فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى، قال: فما كان سبب إسلامك قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان وأنت تراني حسن الخط فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها
[ ٣٦٩ ]
البيعة فاشتريت مني وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت وأدخلتها الوراقين فتصفحوها فلما أنه وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها فعلمت أن هذا كتاب محفوظ فكان هذا سبب إسلامي.
قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله ﷿، قال: قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله ﵎ في التوراة والإنجيل: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فحفظه الله ﷿ علينا فلم يضع. [١٠/ ٩] بتصرف
(٧٤٠) من قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٤٠].
قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين استخلصتهم وأخلصتهم، وقرأ الباقون بكسر اللام: ﴿الْمُخْلِصِينَ﴾، أي: الذين أخلصوا لك العبادة من فساد أو رياء حكى أبو ثمامة أن الحواريين سألوا عيسى ﵇ عن المخلصين لله فقال: الذي يعمل ولا يحب أن يحمده الناس. [١٠/ ٢٧]
(٧٤١) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ [الحجر: ٧٥].
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ﷿ عبادًا يعرفون الناس بالتوسم» أخرجه الطبراني في الأوسط والبزار والقضاعي والحكيم الترمذي وقال الهيثمي وإسناده حسن وكذا حسنه السخاوي.
[ ٣٧٠ ]
قال العلماء: التوسم: تفعل من الوسم وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها يقال توسمت فيه الخير إذا رأيت ميسم ذلك فيه ومنه قول عبد الله بن رواحه للنبي ﷺ:
إني توسمت فيك الخير أعرفه … والله يعلم أني ثابت البصر
وقال آخر:
توسمته لما رأيت مهابة … عليه وقلت المرء من آل هاشم
وقال ثعلب: الواسم الناظر إليك من فَرْقك إلى قدمك، وأصل التوسم التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير وغيره وذلك يكون بجودة القريحة وحدة الخاطر وصفاء الفكر زاد غيره: وتفريغ القلب من حشو الدنيا وتطهيره من أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا. روى نهشل عن ابن عباس: «للمتوسمين» قال لأهل الصلاح والخير وزعمت الصوفية أنها كرامة وقيل بل هي استدلال بالعلامات ومن العلامات ما يبدو ظاهرًا لكل أحد وبأول نظرة ومنها ما يخفى فلا يبدو لكل أحد ولا يدرك ببادئ النظر … ومثله قول ابن عباس: ما سألني أحد عن شيء إلا عرفت أفقيهٌ هو أو غير فقيه. وروى عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء الكعبة ورجل على باب المسجد فقال أحدهما: أراه نجارًا وقال الآخر: بل حدادًا، فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال كنت نجارًا وأنا اليوم حداد … قال أبو بكر بن العربي: إذا ثبت أن التوسم
[ ٣٧١ ]
والتفرس من مدارك المعاني فإن ذلك لا يترتب عليه حكم ولا يؤخذ به موسوم ولا متفرس. [١٠/ ٤٠، ٤١]