﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، أي: لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما -لما عصتا- شيئًا من عذاب الله تنبيهًا بذلك على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة. [١٨/ ١٧٧]
(١٢٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١].
واسمهما آسية بنت مزاحم، قال يحيى بن سلام: «قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: مثل ضرب الله يحذر به عائشة وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله ﷺ، ثم ضرب لهما مثلًا بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران ترغيبًا في التمسك بالطاعة والثبات على الدين، وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة أي: لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون حيث صبرت على أذى فرعون وكانت آسية آمنت بموسى». [١٨/ ١٧٨]
(١٢٣٠) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢].
قيل: المعنى: خلقكم للموت والحياة يعني: للموت في الدنيا والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة؛ لأن الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين، فقال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩].
وقيل: قدمه لأنه أقدم؛ لأن الأشياء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب، ونحوه. [١٨/ ١٨١]
[ ٥٨٣ ]
(١٢٣١) من قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك: ٣].
أمر بأن ينظروا في خلقه ليعتبروا به فيتفكروا في قدرته فقال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾، أي: اردد طرفك إلى السماء. ويقال: قلّب البصر في السماء. ويقال: اجهد بالنظر إلى السماء. والمعنى متقارب، وإنما قال: ﴿فَارْجِعِ﴾ بالفاء وليس قبله فعل مذكور؛ لأنه قال: ﴿مَا تَرَى﴾، والمعنى: انظر ثم ارجع البصر هل ترى من فطور. قاله قتادة.
والفطور الشقوق. عن مجاهد والضحاك.
وقال قتادة: «من خلل». وقال السدي: «من خروق». وعن ابن عباس: «من وهن». وأصله من التفطر، والانفطار وهو الانشقاق. قال الشاعر:
بنى لكم بلا عمد سماءً … وزينها فما فيها فطورُ
[١٨/ ١٨٤]
(١٢٣٢) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤].
﴿كَرَّتَيْنِ﴾ في موضع المصدر؛ لأن معناه: رجعتين، أي: مرة بعد أخرى، وإنما أمر بالنظر مرتين؛ لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه ما لم ينظر إليه مرة أخرى، فأخبر تعالى أنه وإن نظر في السماء مرتين لا يرى فيها عيبًا، بل يتحير بالنظر إليها فذلك قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾، أي: خاشعًا صاغرًا متباعدًا عن أن يرى شيئًا من ذلك. [١٨/ ١٨٤]
[ ٥٨٤ ]
(١٢٣٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥].
جمع مصباح، وهو السراج، وتسمى الكواكب مصابيح؛ لإضائتها.
﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا﴾، أي: جعلنا شُهُبَهَا، فحذف المضاف دليله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات: ١٠].
قال قتادة: «خلق الله تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها في البر والبحر والأوقات؛ فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى وظلم». [١٨/ ١٨٥]
(١٢٣٤) من قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
قال ابن المسيب: «بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريح فوقع في نفس الرجل: أترى أن الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة -أي الشجر الكثير الملتف- بصوت عظيم: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير». [١٨/ ١٨٨]
(١٢٣٥) من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩].
أي: كما ذلل الأرض للآدمي، ذلل الهواء للطيور، و﴿صَافَّاتٍ﴾ أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها صففن قوائهما صفًّا ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ أي: يضربن بها جنوبهن.
[ ٥٨٥ ]
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾، أي: ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله ﷿، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾. [١٨/ ١٩٠]
(١٢٣٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠].
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾: يا معشر قريش ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾، أي: غائرًا ذاهبًا في الأرض لا تناله الدلاء، وكان ماؤهم من بئرين؛ بئر زمزم، وبئر ميمون، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ أي: جارٍ. قاله قتادة والضحاك. فلابد لهم من أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله، فقل لهم: لم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم. [١٨/ ١٩٤]