فارسًا كان أو راجلًا واللفظ مأخوذ من الربط. وقول النبي ﷺ: «فذلكم الرباط» إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله. [٤/ ٣١٤]
(٤٤١) من قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع كما قاله من بَعُدَ فهمه للكتاب والسنة وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبي ﷺ نكح تسعًا وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر فجعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثلاث ورباع. وذهب بعض أهل الظاهر أيضًا إلى أقبح منها فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكًا منه بأن العدد في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع، وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع وأخرج مالك في موطئه والنسائي والدارقطني في «سننهما» أن النبي ﷺ قال لغيلان بن أمية الثقفي، وقد أسلم وتحته عشر نسوة «اختر منهن أربعًا وفارق سائرهن». [٥/ ٢٠]
(٤٤٢) ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال: أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: يا أمير
[ ٢٣١ ]
المؤمنين إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله ﷿ فقال لها: نعم الزوج زوجك فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب فقال له كعب الأسدي: يا أمير المؤمنين هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه فقال عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما فقال كعب عليَّ بزوجها فَأُتي به فقال له إن امرأتك هذه تشكوك قال أفي طعام أم شراب؟ قال: لا فقالت المرأة:
يا أيها القاضي الحكيم رشده … ألهى خليلي عن فراشي مسجده
زهده في مضجعي تعبده … فاقض القضا كعب ولا تردده
نهاره وليله ما يرقده … فلست في أمر النساء أحمده
فقال زوجها:
زهدني في فرشها وفي الحجل … أني امرؤ أذهلني ما قد نزل
في سورة النحل وفي السبع الطول … وفي كتاب الله تخويف جلل
فقال كعب:
إن لها عليك حقًا يا رجل … نصيبها في أربع لمن عقل
فأعطها ذاك ودع عنك العلل
ثم قال: إن الله ﷿ قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن لربك فقال عمر: والله ما أدري من أي أمريك أعجب؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة. [٥/ ٢١]
[ ٢٣٢ ]
(٤٤٣) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣].
قال الضحاك وغيره: في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنتين ﴿فَوَاحِدَةً﴾ فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة وذلك دليل على وجوب ذلك والله أعلم. [٥/ ٢٢]
(٤٤٤) من قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
وأسند تعالى الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها ألا ترى أنها المُنْفِقَة كما قال ﵊: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» وهي المعاهدة المبايعة وبها سميت الألية يمينًا وهي المتلقية لرايات المجد كما قال:
إذا ما راية رفعت لمجد … تلقاها عَرَابةُ باليمين
[٥/ ٢٣]
(٤٤٥) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
دخل رجل على علقمة وهو يأكل شيئًا وهبته امرأته من مهرها فقال له: كل من الهنيء المريء وقيل: الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء، والمريء المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي يقول: لا تخافون في الدنيا به مطالبة ولا في الآخرة تبعة. [٥/ ٢٩]
[ ٢٣٣ ]
(٤٤٦) روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل امرأته درهمًا من صداقها ثم ليشتر به عسلًا فليشربه بماء السماء فيجمع الله ﷿ له الهنيء والمريء والماء المبارك. [٥/ ٢٦]
(٤٤٧) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
فدلت الآية على ثبوت الوصي والولي والكفيل للأيتام وأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة. [٥/ ٣٠]
(٤٤٨) روي عن عمر أنه قال: «من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا». [٥/ ٣٠]
(٤٤٩) من قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩].
قوله ﵊ لسعد: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»؛ فإن لم يكن للإنسان ولد أو كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمن عليه فالأولى بالإنسان حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح فيكون وزره عليه. [٥/ ٥٢]
(٤٥٠) قال ابن العربي: «كان أصل النفي أن بني إسماعيل أجمع رأيهم على أن من أَحْدَث حدثًا في الحرم غُرب عن بلده وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فأقره في الزنا خاصة». [٥/ ٨٦]
(٤٥١) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]
قال ابن عباس والسدي: معناه قبل المرض والموت. وروي عن
[ ٢٣٤ ]
الضحاك أنه قال: «كل ما كان قبل الموت فهو قريب». وقال أبو مجلز والضحاك أيضًا وعكرمة وابن زيد وغيرهم: قبل المعاينة للملائكة والسوق وأن يغلب المرء على نفسه ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال:
قدم لنفسك توبة مرجوة … قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها غلق النفوس فإنها … ذخر وغنم للمنيب المحسن
قال علماؤنا ﵏: وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت لأن الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به. قاله الهروي: وقيل: المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. والمبادر في الصحة أفضل وألحق لأمله من العمل الصالح والبعد كل البعد الموت.
وروى صالح المري عن الحسن قال: «من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به». [٥/ ٨٩]
(٤٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
أي: على ما أمر الله به من حسن المعاشرة والخطاب للجميع إذا لكل أَحَدٍ عِشْرة زوجًا كان أو وليًا ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ وذلك توفية حقها من المهر والنفقة وألا يعبس في وجهها بغير ذنب وأن يكون منطلقًا في القول
[ ٢٣٥ ]
لافظًا ولا غليظًا ولا مظهرًا ميلًا إلى غيرها، والعشرة: المخالطة والممازجة … وقال بعضهم: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له. قال يحيى الحنظلي: أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية فقلت: ما هذا! قال: إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن وقال ابن عباس ﵄ إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي. [٥/ ٩٣]
(٤٥٣) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩].
أي: لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز؛ فهذا يندب فيه إلى الاحتمال فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادًا صالحين.
قلت: ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» أو قال: «غيره» المعنى: لا يبغضها بغضًا كليًا يحمله على فراقها أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب.
وقال مكحول: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له فيسخط على ربه ﷿ فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وذكر ابن العربي … عن أبي بكر بن عبدالرحمن حيث قال: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها فيقال له في أمرها ويعذل
[ ٢٣٦ ]
بالصبر عليها فكان يقول أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها. [٥/ ١٤]
(٤٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣].
الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة سميت حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل فهي فعيلة بمعنى فاعلة وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال فهي حليلة بمعنى محللة وقيل لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه. [٥/ ١٠٩]
(٤٥٥) من قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي ﷺ عن وطء المسبيات ذوات الأزواج فأنزل الله تعالى في جوابهم: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى واختلفوا في استبرائها بماذا يكون؟ فقال الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ: «يستبرؤن المسبية بحيضة» وقد روي ذلك من حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض». [٥/ ١٨٧]
[ ٢٣٧ ]
(٤٥٦) من قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]
روي عن ابن عباس أنه قرأ (وخَلَقَ الإنسان ضعيفًا) أي وخلق الله الإنسان ضعيفًا أي لا يصبر عن النساء. قال ابن المسيب: لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وصاحبي أعمى أصم - يعني ذكره - وإني أخاف من فتنة النساء ونحوه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال عبادة: ألا تروني لا أقوم إلا رفدًا ولا آكل إلا ما لُوِّق لي. قال يحيى يعني: لُيِّن وسُخِّن- وقد مات صاحبي منذ زمان قال يحيى -يعني ذكره- وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه علي إنه لا سمع له ولا بصر. [٥/ ١٤٣]
(٤٥٧) وقد روى الدارقطني وغيره عن عمرو بن شعيب قال سمعت شعيبًا يقول سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت النبي ﷺ يقول: «أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله» … وفي قول عمرو بن شعيب: «سمعت أبي يقول» دليل على صحة حديثه فإن الدارقطني قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا محمد بن علي الوراق قال: قلت لأحمد بن حنبل: شعيب سمع من أبيه شيئًا؟ قال يقول حدثني أبي قال: فقلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قل: نعم أراه قد سمع منه. قال الدارقطني سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هو
[ ٢٣٨ ]
عمرو بن شعيب بن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص وقد صح سماع عمرو بن شعيب وسماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو. [٥/ ١٤٨ - ١٤٩] بتصرف.
(٤٥٨) وقال أبو سعيد بن الأعرابي سمعت أبا داود السجستاني يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: المسلمون كلهم في الجنة فقلت له: وكيف؟ قال يقول الله ﷿: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١] يعني الجنة.
وقال النبي ﷺ: «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فإذا كان الله ﷿ يغفر ما دون الكبائر والنبي ﷺ يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين. [٥/ ١٥٤]
(٤٥٩) وروي عن ابن مسعود أنه قال: خمس آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا جميعًا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢]. [٥/ ١٥٤]
[ ٢٣٩ ]
(٤٦٠) وقال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] ن ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠]، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]. [٥/ ١٥٥]
(٤٦١) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢].
التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل وقد اختلف العلماء هل يدخل في هذا النهي الغبطة وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمن زوال حاله والجمهور على إجازة ذلك. مالك وغيره وهي المراد عند بعضهم في قوله ﵊: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» فمعنى قوله: لا حسد: أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين وقد نبه البخاري على هذا المعنى حيث بوب على هذا الحديث: باب الاغتباط في العلم والحكمة. [٥/ ١٥٥]
[ ٢٤٠ ]
(٤٦٢) من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]
روى الترمذي عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يُسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج» وخرج أيضًا ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يسأل الله يغضب عليه» وهذا يدل على أن الأمر بالسؤال لله تعالى واجب وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال:
الله يغضب إن تركت سؤاله … وبُنَيَّ آدم حين يُسأل يَغضب
وقال سعيد بن جبير ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] العبادة ليس من أمر الدنيا وقيل: سلوه التوفيق للعمل بما يرضيه. وعن عائشة ﵄ أنها قالت: سلوا ربكم حتى الشبع فإنه إن لم ييسره الله ﷿ لم يتيسر. وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي. وقرأ الكسائي وابن كثير (وسلوا الله من فضله) بغير همز في جميع القرآن. [٥/ ١٥٨]
(٤٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]
وإذا ثبت هذا فاعلم أن الله ﷿ لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صراحًا إلا هنا وفي الحدود العظام فساوى معصيتهن بأزواجهن بمعصية الكبائر وولى الأزواج ذلك دون الأئمة وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانًا من الله تعالى للأزواج على النساء ٥/ ١٦٦
[ ٢٤١ ]
(٤٦٤) من قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].
وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلمًا كان أو كافرًا وهو الصحيح والإحسان قد يكون بمعنى المواساة وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه. روى البخاري عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وقد أكد ﵇ ترك إذايته بقسمه ثلاث مرات وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل مَنْ آذى جاره فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه ويرغب فيما رضياه وحضا العباد عليه». [٥/ ١٧٦]
(٤٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]
أي الرفيق في السفر … وقال ربيعة بن أبي عبدالرحمن: للسفر مروءة وللحضر مروءة فأما المروءة في السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير مساخط الله وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد وتلاوة القرآن وكثرة الإخوان في الله ﷿. [٥/ ١٨١]
(٤٦٦) من قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
وقال الحسن: «ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد؛ نَفَس دائم وحزن لازم وعبرة لا تنفد». وقال عبد الله بن مسعود: «لا تعادوا نعم الله قيل
[ ٢٤٢ ]
له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله» يقول الله تعالى في بعض الكتب: «الحسود عدو نعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي». ولمنصور الفقيه:
ألا قل لمن ظل لي حاسدًا … أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه … إذا أنت لم ترض لي ما وهب
وقيل: إذا سرك أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك
ولرجل من قريش:
حسدوا النعمة لما ظهرت … فرموها بأباطيل الكلم
وإذا ما الله أسدى نعمة … لم يضرها قول أعداء النعم
[٥/ ٢٤٢]
(٤٦٧) يقال إن كل من كان أتقى فشهوته أشد لأن الذي لا يكون تقيًا فإنما يتفرج بالنظر والمس ألا ترى ما روي في الخبر: «العينان تزنيان واليدان تزنيان» فإذا كان في النظر والمس نوع من قضاء الشهوة قل الجماع والمتقي لا ينظر ولا يمس فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه فيكون أكثر جماعًا وقال أبو بكر الوراق: كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفي القلب ولهذا كان الأنبياء يفعلون ذلك. [٥/ ٢٤٣]
(٤٦٨) من قوله تعالى: ﴿… وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ …﴾ [النساء: ٥٩].
قال سهل بن عبدالله التستري: «أطيعوا السلطان في سبعة ضرب
[ ٢٤٣ ]
الدراهم والدنانير والمكاييل والأوزان والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد».
قال سهل: إذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي، فإن أفتى فهو عاص وإن كان أميرًا جائرًا، وقال ابن خويز منداد وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة ولا تجب فيما كان لله فيه معصية ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم ويجب الغزو معهم متى غزوا، والحكم من قبلهم وتولية الإمامة والحسبة وإقامة ذلك على وجه الشريعة وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاني جازت الصلاة معهم وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يُخافوا فيصلى معهم تقية وتعاد الصلاة. [٥/ ٢٤٩]
(٤٦٩) من قوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر ﵁ وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون ثم ثنى بالصديقين ولم يجعل بينهما واسطة وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر الصديق ﵁ صديقًا كما أجمعوا على تسمية محمد ﵊ رسولًا وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله ﷺ لم يجز أن يتقدم بعده أحد والله أعلم. [٥/ ٢٦٢]
[ ٢٤٤ ]
(٤٧٠) من قوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾ [النساء: ٧٧].
.. وقيل هو وصف للمنافقين والمعنى: يخشون القتل من المشركين كما يخشون الموت من الله ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي عندهم وفي اعتقادهم.
قلت: وهذا أشبه بسياق الآية لقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] أي هلا ولا يليها إلا الفعل ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرًا من المقام في الدار العاجلة على ما هو معروف من سيرتهم ﵃ اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه ولا انشرح بالإسلام جنانه فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه المشقة وتدركه الشدة والله أعلم. [٥/ ٢٧٠]
(٤٧١) من قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢].
ودلت هذه الآية وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤] على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه فكان في هذا رد على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي ﷺ ومنع أن يُتأول على ما يسوغه لسان العرب وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد وفيه دليل على إثبات القياس. [٥/ ٢٧٧]
[ ٢٤٥ ]
(٤٧٢) من قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٤].
إن قال قائل: نحن نرى الكفار في بأس وشدة وقلتم: إنَّ عسى بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد؟ قيل له: قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام فمتى وُجد ولو لحظة مثلًا فقد صدق الوعد فكف الله بأس المشركين ببدر الصغرى وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] وبالحديبية أيضًا عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة ففطن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم أسرى وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] على ما يأتي وقد ألقى الله في قلوب الأحزاب الرعب وانصرفوا من غير قتل ولا قتال كما قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين مع أنه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجم الغفير تحت الجزية صاغرين وتركوا المحاربة داخرين فكف الله بأسهم عن المؤمنين والحمد لله رب العالمين. [٥/ ٢٨١]
(٤٧٣) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [النساء: ٨٩].
والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي ﷺ وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال ﵊: «لا هجرة بعد
[ ٢٤٦ ]
الفتح» وكذلك هجرة المنافقين مع النبي ﷺ في الغزوات وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة وهجرة المسلم ما حرم الله عليه كما قال ﷺ: «والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه» وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن. وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبًا لهم فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا كما فعل النبي ﷺ مع كعب وصاحبيه ﵃. [٥/ ٢٩٤]
(٤٧٤) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠].
تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يُقدرهم على ذلك ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختبارًا كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١]، وإما تمحيصًا للذنوب كما قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤١] ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. [٥/ ٩٦]
(٤٧٥) من قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]
الدية: ما يعطى عوضًا عن دم القتيل إلى وليه ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ مدفوعة مؤداة ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدية وإنما في الآية إيجاب الدية مطلقًا وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل وإنما أخذ ذلك من السنة ولا شك أن إيجاب المواساة على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات
[ ٢٤٧ ]
وضمان المتلفات، والذي وجب على العاقلة لم يجب تغليظًا ولا أن وزر القاتل عليهم ولكن مواساة محضة. [٥/ ٣٠٠]
(٤٧٦) ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ بأن الدية مائة من الإبل ووداها ﷺ في عبد الله بن سهل المقتول فكان ذلك بيانًا على لسان نبيه ﵇ لمجمل كتابه وأجمع أهل العلم على أن على أهل الإبل مائة من الإبل واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل فقالت طائفة: على أهل الذهب ١٠٠٠ دينار وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم.
وقال الشافعي: الدية الإبل فإن أعوزت فقيمتها بالدراهم والدنانير على ما قومها عمر وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: الدية من الورق عشرة آلاف درهم … بتصرف. [٥/ ٣٠٠]
(٤٧٧) ثبتت الأخبار عن النبي المختار محمد ﷺ أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة وأجمع أهل العلم على القول به وفي إجماع أهل العلم أن الدية في الخطأ على العاقلة دليل على أن المراد من قول النبي ﷺ لأبي رمثة حيث دخل عليه ومعه ابنه «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» العمد دون الخطأ. وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة واختلفوا في الثلث والذي عليه جمهور العلماء أن العاقلة لا تحمل عمدًا ولا اعترافًا ولا صلحًا ولا تحمل من دية الخطأ إلا ما جاوز الثلث وما دون الثلث في مال الجاني وقالت طائفة: عقل الخطأ على عاقلة الجاني قَلَّتْ
[ ٢٤٨ ]
الجناية أو كثرت لأن من غرم الأكثر غرم الأقل كما عُقل العمد في مال الجاني قَلَّ أو كثر هذا قول الشافعي. [٥/ ٣٠٤]
(٤٧٨) وقال أبو عمر: أجمع العلماء قديمًا وحديثًا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث سنين ولا تكون في أقل منها وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال وأجمع أهل السير والعلم أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله ﷺ في الإسلام وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل عمر الديوان واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقود به. [٥/ ٣٠٥]
(٤٧٩) وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل قال أبو عمر: إنما صارت ديتها- والله أعلم- على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل وشهادة امرأتين بشهادة رجل وهذا إنما هو في دية الخطأ وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله ﷿: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] و﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]. [٥/ ٣٠٩]
(٤٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣].
وذهب جماعة من العلماء منهم عبد الله بن عمر وهو أيضًا مروي عن زيد وابن عباس إلى أن له- القاتل العمد- توبة. روى يزيد بن هارون قال أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال جاء رجل إلى ابن
[ ٢٤٩ ]
عباس فقال: ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا توبة؟ قال: لا إلا النار قال: فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة؛ قال: إني لأحسبه رجلًا مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنًا. قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح وأن هذه الآية مخصوصة ودليل التخصيص آيات وأخبار. [٥/ ٣١٦]
(٤٨١) من قوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤].
ويسمى متاع الدنيا عرضًا لأنه عارض زائل غير ثابت … وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس» وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه:
تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا … فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي
فليس الغنى عن كثرة المال إنما … يكون الغنى والفقر من قبل النفس
[٥/ ٣٢٣]
(٤٨٢) من قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].
قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد وصح وثبت في الخبر أنه ﵊ قال وقد قفل من بعض غزواته: «إن بالمدينة رجالًا ما قطعتم واديًا ولا سرتم مسيرًا إلا كانوا معكم
[ ٢٥٠ ]
أولئك قوم حبسهم العذر» فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي فقيل يحتمل أن يكون أجره مساويًا وفي فضل الله متسع وثوابه فضل لا استحقاق فيثيب على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل وقيل يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة والله أعلم. قلت: والقول الأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك: «إن بالمدينة …» ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله ﵊: «إنما الدنيا لأربعة نفر … الحديث» … ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر: إذا مرض العبد قال الله تعالى: «اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي». [٥/ ٣٢٦]
(٤٨٣) وقد اختلف الناس في هذه المسألة- الغنى أفضل أم الفقر- مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه وما أبطر من الغنى مذموم فذهب قوم إلى تفضيل الغنى لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز. وقال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.
وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر لأن الفقير تارك والغني مُلابس وترك الدنيا أفضل من مُلابستها. قال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين وليسلم من مذمة الحالين. قال الماوردي: وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن (خير
[ ٢٥١ ]
الأمور أوسطها) ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال:
ألا عائذًا بالله من عدم الغنى … ومن رغبة يومًا إلى غير مرغب
[٥/ ٣٢٦]
(٤٨٤) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧]
المدينة؛ أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم! وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي وقال سعيد بن جبير: إذا عُمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها وتلا ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. [٥/ ٣٢٩]
(٤٨٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الآية.
قال عكرمة مولى ابن عباس: «طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته وفي قول عكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديمًا وأن الاعتناء به حسن والمعرفة به فضل ونحو منه قول ابن عباس: «مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ ما يمنعني إلا مهابته» والذي ذكره عكرمة هو ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع. [٥/ ٣٣١]
(٤٨٦) قال ابن العربي: قسم العلماء ﵃ الذهاب في الأرض قسمين هربًا وطلبًا فالأول ينقسم إلى ستة أقسام:
[ ٢٥٢ ]
الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام.
الثاني: الخروج من أرض البدعة.
الثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام.
الرابع: الفرار من الأذية في البدن.
الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة.
السادس: الفرار خوف الأذية في المال.
وأما قسم الطلب فينقسم قسمين: طلب دِيْن وطلب دُنيا فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام:
الأول: سفر العبرة.
الثاني: سفر الحج.
الثالث: سفر الجهاد.
الرابع: سفر المعاش.
الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت.
السادس: في طلب العلم.
السابع: قصد البقاع.
الثامن: الثغور للرباط.
التاسع: زيارة الإخوان في الله. [٥/ ٣٣٣] بتصرف
[ ٢٥٣ ]
(٤٨٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
اختلف العلماء في مدة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتم.
فقال مالك والشافعي والليث بن سعد والطبري وأبو ثور: إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم وروي عن سعيد بن المسيب وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة أتم وإن كان أقل قصر وهو قول ابن عمر وابن عباس ولا مخالف لهما من الصحابة فيما ذكر الطحاوي وروي عن سعيد أيضًا.
وقال أحمد: إذا جمع المسافر مَقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر وإن زاد على ذلك أتم وبه قال داود والصحيح ما قاله مالك لحديث ابن الحضرمي عن النبي ﷺ أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام ثم يُصدر أخرجه الطحاوي وابن ماجه وغيرهما.
ومعلوم أن الهجرة إذ كانت مفروضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز فجعل النبي ﷺ للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه وتهيئة أسبابه ولم يحكم لها بحكم المقام ولا في حيز الإقامة وأبقى عليه فيها حكم المسافر ومنعه من مقام الرابع فحكم له بحكم الحاضر القاطن فكان ذلك أصلًا معتمدًا عليه. [٥/ ٣٣٩، ٣٤٠]
[ ٢٥٤ ]
(٤٨٨) من قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١].
قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ خرج الكلام على الغالب إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار ولهذا قال يعلى بن أمية قلت لعمر: ما لنا نقصر وقد أَمِنّا. قال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته». [٥/ ٣٤٤]
(٤٨٩) من قوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
أي تمنى وأحب الكافرون غفلتكم عن أخذ السلاح ليصلوا إلى مقصودهم فبين الله تعالى بهذا وجه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح وذكر الحذر في الطائفة الثانية دون الأولى لأنها أولى بأخذ الحِذْر لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة وأيضًا يقول العدو قد أثقلتهم السلاح وكَلّوا. وفي هذه الآية دليل على تعاطي الأسباب واتخاذ كل ما ينجي ذوي الألباب ويوصل إلى السلامة ويبلغ دار الكرامة. [٥/ ٣٥٤]
(٤٩٠) من قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
أي كونوا متيقظين وضعتم السلاح أو لم تضعوه وهذا يدل على تأكيد
[ ٢٥٥ ]
التأهب والحذر من العدو في كل الأحوال وترك الاستسلام فإن الجيش ما جاءه مصاب قط إلا من تفريط في حذر وقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] يعني تقلدوا سيوفكم فإن ذلك هيئة الغزاة. [٥/ ٣٥٥]
(٤٩١) من قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: ١١٤].
وقيل لأنوشروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ قال: أن تقدر على المعروف فلا تصطنعه حتى يفوت. وقال عبد الحميد: من أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. وقال بعض الشعراء:
إذا هبت رياحك فاغتنمها … فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها … فما تدري السكون متى يكون
وقال العباس ﵁: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره فإذا عجلته هنأته وإذا صغرته عظمته وإذا سترته أتممته وقال بعض الشعراء:
زاد معروفك عندي عظمًا … إنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته … وهو عند الناس مشهور خطير
ومن شرط المعروف: ترك الامتنان به وترك الإعجاب بفعله لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر. [٥/ ٣٦٥] بتصرف.
[ ٢٥٦ ]
(٤٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]
والخلة بين الآدميين الصداقة مشتقة من تخلل الأسرار بين المتخالّين وقيل: هي من الخَلَّة فكل واحد من الخليلين يسد خَلَّة صاحبه وفي مصنف أبي داود عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ولقد أحسن من قال:
من لم تكن في الله خلته … فخليله منه على خطر
آخر:
إذا ما كنت متخذًا خليلًا … فلا تثقن بكل أخي إخاء
فإن خيرت بينهم فألصق … بأهل العقل منهم والحياء
فإن العقل ليس له إذا ما … تفاضلت الفضائل من كفاء
وقال حسان بن ثابت ﵁:
أخلاء الرجال هم كثير … ولكن في البلاء هم قليل
فلا تغررك خلة من تؤاخي … فما لك عند نائبة خليل
وكل أخ يقول أنا وفيٌّ … ولكن ليس يفعل ما يقول
سوى خل له حسب ودين … فذاك لما يقول هو الفعول
[٥/ ٣٨٢]
(٤٩٣) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
روي عن جعفر بن محمد أن رجلًا شكا إليه الفقر فأمره بالنكاح فذهب الرجل وتزوج ثم جاء إليه وشكا إليه الفقر فأمره بالطلاق فسئل عن هذه
[ ٢٥٧ ]
الآية فقال: أمرته بالنكاح لعله من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] فلما لم يكن من أهل تلك الآية أمرته بالطلاق فقلت لعله من أهل هذه الآية: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾. [٥/ ٣٨٩]
(٤٩٤) من قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣].
وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة فلا يعدل في رعيته أو كان عالمًا فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس أن يذهبه ويأتي بغيره. [٥/ ٣٩٠]
(٤٩٥) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: ١٣٥].
لا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية وأن شهادة الولد على الوالدين الأب والأم ماضية ولا يمنع ذلك من برهما بل من برهما أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل وهو معنى قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. [٥/ ٣٩١]
(٤٩٦) من قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].
في الكلام إضمار وهو اسم كان أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنيًا فلا يُراعى لغناه ولا يُخاف منه وإن يكن فقيرًا فلا يُراعى إشفاقًا ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي فيما اختار لهما من فقر وغنى. [٥/ ٣٩٣]
[ ٢٥٨ ]
(٤٩٧) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠].
﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: غير الكفر ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر قال الله ﷿: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية وقد روي عن عمر بن عبدالعزيز ﵁ أنه أخذ قومًا يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين إنه صائم فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي إن الرضا بالمعصية معصية ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزام شُبِّه بحكم الظاهر من المقارنة كما قال:
فكل قرين بالمقارن يقتدي. [٥/ ٣٩٧].
(٤٩٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١].
للعلماء فيه تأويلات خمسة:
أحدها: … فقال علي ﵁: معنى ذلك يوم القيامة يوم الحكم.
[ ٢٥٩ ]
الثاني: إن الله لا يجعل لهم سبيلا يمحو به دولة المؤمنين ويذهب آثارهم ويستبيح بيضتهم.
الثالث: إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر ويتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو من قبلهم قال ابن العربي وهذا نفيس جدًا.
الرابع: إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا شرعًا فإن وجد فبخلاف الشرع.
الخامس: أي حجة عقلية ولا شرعية يستظهرون بها إلا أبطلها ودحضت. [٥/ ٣٩٨، ٣٩٩] بتصرف
(٤٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢].
أي يُصلون مراءاة وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثوابًا ولا يعتقدون على تركها عقابًا وفي صحيح الحديث: «إن أثقل صلاة على المنافقين العتمة والصبح»، فإن العتمة تأتي وقد أتعبهم عمل النهار فيثقل عليهم القيام إليها وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به ولولا السيف ما قاموا [٥/ ٤٠٠].
(٥٠٠) قال ابن عمر: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون تصديق ذلك في كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال
[ ٢٦٠ ]
تعالى عن أصحاب المائدة: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ [المائدة: ١١٥]، وقال في آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦] [٥/ ٤٠٣].
(٥٠١) من قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
قال مكحول: أربع من كن فيه كن له وثلاث من كن فيه كن عليه. فالأربع اللاتي له: الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. وأما الثلاث اللاتي عليه:
فالمكر والبغي والنكث، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]. [٥/ ٤٠٤]
(٥٠٢) من قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨].
ثم اختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك.
فقال الحسن: هو الرجل يَظلم الرجل فلا يَدْعُ عليه ولكن ليقل: اللهم
[ ٢٦١ ]
أعني عليه اللهم استخرج حقي اللهم حُل بينه وبين ما يريد من ظلمي. فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء.
وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظُلم أن يدعو على من ظلمه وإن صبر فهو خير له فهذا إطلاق في نوع الدعاء على الظالم.
وقال هو أيضًا والسدي: لا بأس لمن ظُلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول.
وقال ابن المستنير: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ معناه: إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفرٍ أو نحوه فذلك مباح.
والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه ولكن مع اقتصاد إن كان مؤمنًا كما قال الحسن فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا … وإن كان كافرًا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل النبي ﷺ. [٦/ ٥ - ٦]
(٥٠٣) من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ [النساء: ١٤٩].
روى ابن المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا؟ يصدق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. [٦/ ٨]
[ ٢٦٢ ]
(٥٠٤) من قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦١].
فهل يجوز لنا معاملتهم والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم أم لا؟ فظنت طائفة أن معاملتهم لا تجوز وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد. والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحام ما حرم الله سبحانه عليهم فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنًا وسنة. قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهذا نص وقد عامل النبي ﷺ اليهود ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله والحاسم لداء الشك والخلاف اتفاق الأمة على جواز التجارة مع أهل الحرب وقد سافر النبي ﷺ إليهم تاجرًا وذلك من سفره أمر قاطع على جواز السفر إليهم والتجارة معهم فإن قيل: كان ذلك قبل النبوة قلنا: إنه لم يتدنس قبل النبوة بحرام- ثبت ذلك تواترًا- ولا اعتذر عنه إذ بُعث ولا مَنع منه إذ نُباء ولا قطعه أحد من الصحابة في حياته ولا أحد من المسلمين بعد وفاته فقد كانوا يسافرون في فك الأسرى وذلك واجب وفي الصلح كما أرسل عثمان وغيره، وقد يجب وقد يكون ندبًا فأما السفر إليهم لمجرد التجارة فمباح. [٦/ ١٤]
(٥٠٥) من قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٦٢].
وقرأ الحسن ومالك بن دينار وجماعة (والمقيمون) على العطف وكذا
[ ٢٦٣ ]
هو في حرف عبد الله وأما حرف أبي فهو فيه ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ كما في المصاحف واختلف في نصبه على أقوال ستة أصحها قول سيبويه بأنه نصب على المدح أي وأعني المقيمين قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب على التعظيم ومن ذلك ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ وأنشد:
وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم … إلا نميرًا أطاعت أمر غاويها
[٦/ ١٥]
(٥٠٦) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].
﴿إِلَى نُوحٍ﴾ قدمه لأنه أول نبي شرعت على لسانه الشرائع … ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ هذا يتناول جميع الأنبياء ثم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ١٦٣]، فخص أقوامًا بالذكر تشريفًا لهم كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ثم قال: ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾ [النساء: ١٦٣] قدم عيسى على قوم كانوا قبله لأن الواو لا تقتضي الترتيب وأيضًا فيه تخصيص عيسى ردًا على اليهود وفي هذه الآية تنبيه على قدر نبينا ﷺ وشرفه حيث قدمه في الذكر على أنبيائه ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية. [٦/ ١٧]
(٥٠٧) من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣].
الزبور كتاب داود وكان مائة وخمسين سورة ليس فيها حكم ولا حلال
[ ٢٦٤ ]
ولا حرام وإنما هي حكم ومواعظ. والزَّبر الكتابة والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب …
والأصل في الكلمة التوثيق يقال بئر مزبورة أي مطوية بالحجارة والكتاب يسمى زبورًا لقوة الوثيقة به وكان داود ﵇ حسن الصوت فإذا أخذ في قراءة الزبور اجتمع إليه الإنس والجن والطير والوحش لحسن صوته وكان متواضعًا يأكل من عمل يده. [٦/ ١٨]
(٥٠٨) من قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١].
نهى عن الغلو. والغلو التجاوز في الحد ومنه غلا السعر يغلو غلاء وغلا الرجل في الأمر غلوًا وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها. ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم وغلو النصارى فيه حتى جعلوه رَبًا فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر ولذلك قال مطرف بن عبد الله: الحسنة بين سيئتين وقال الشاعر:
وأوف ولا تستوف حقك كله … وصافح فلم يستوف قط كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد … كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقال آخر:
عليك بأوساط الأمور فإنها … نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وفي «صحيح البخاري» عنه ﵊: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبد الله ورسوله». [٦/ ٢١]
[ ٢٦٥ ]
(٥٠٩) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧١].
لم يذكر الله ﷿ امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعًا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملأ ولا يبتذلون أسماءهن بل يكنون عن الزوجة بالعِرس والأهل والعيال ونحو ذلك فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها فلما قالت النصارى في مريم ما قالت وفي ابنها صرح الله باسمها ولم يُكَنِّ عنها بالأُمُوّة والعبودية التي هي صفة لها وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها. [٦/ ٢٢]
(٥١٠) اعتقاد أن عيسى ﵇ لا أب له واجب فإذا تكرر اسمه منسوبًا للأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله. والله أعلم. [٦/ ٢٢]
(٥١١) من قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦].
هذه الآية تسمى بآية الصيف لأنها نزلت في زمن الصيف قال عمر: إني والله لا أدع شيئًا أهم إلي من أمر الكلالة وقد سألت رسول الله ﷺ عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في
[ ٢٦٦ ]