(١٠٨٧) من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ [سبأ: ٤٦].
هذا القيام معناه القيام إلى طلب الحق، لا القيام الذي هو ضد القعود، وهو كما يقال: قام فلان بأمر كذا، أي لوجه الله والتقرب إليه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧].
﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ أي وحدانًا ومجتمعين، وقيل: منفردًا برأيه ومشاورًا لغيره، وقيل: مناظرًا مع غيره ومفكرًا في نفسه، وكله متقارب.
ويحتمل رابعًا: أن المَثْنَى عمل النهار، والفرادى عمل الليل؛ لأنه في النهار معان وفي الليل وحيد.
وقيل: إنما قال: مثنى وفرادى؛ لأن الذهن حجة الله على العباد وهو العقل، فأوفرهم عقلًا أوفرهم حظًا من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا مثنى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد، والله أعلم. [١٤/ ٢٧٣]
(١٠٨٨) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥].
قال سعيد بن جبير: «غرور الحياة الدنيا: أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة حتى يقول: يا ليتني قدمت لحياتي».
[ ٥١٢ ]
وقال سعيد بن جبير أيضًا: الغرور بالله: أن يكون الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنى على الله المغفرة. [١٤/ ٢٨٢]
(١٠٨٩) أخبرنا ﷿ أن الشيطان لنا عدو مبين، واقتص علينا قصته وما فعل بأبينا آدم ﵇، وكيف انتدب لعداوتنا وغرورنا من قبل وجودنا وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا، وكان الفضيل بن عياض يقول: يا كذاب يا مغتر اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية، وأنت صديقه في السر. وقال ابن السماك: يا عجبًا لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه، وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته. [١٤/ ٢٨٣]
(١٠٩٠) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٣].
اختلف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، والقول الوسط أولاها وأصحها إن شاء الله وهو: الضمير يعود على الثلاثة أصناف على ألا يكون الظالم ها هنا كافرًا ولا فاسقًا، وممن روي عنه هذا القول عمر وعثمان وأبو الدرداء وابن مسعود وعقبة بن عمرو وعائشة، والتقدير على
[ ٥١٣ ]
هذا القول أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر، والمقتصد، قال محمد بن زيد: هو الذي يعطي الدنيا حقها، والآخرة حقها. [١٤/ ٣٠١]
(١٠٩١) من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر: ٣٧].
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة» رواه البخاري.
قال الخطابي: أعذر إليه: أي بلغ به أقصى العذر، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر، أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته، والمعنى: أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى، ففيه إعذار بعد إعذار. الأول بالنبي ﷺ، والموتان في الأربعين والستين. ففي الأربعين تناهي العقل وما قبل ذلك وما بعده منتقص عنه، والله أعلم.
وقال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت. [١٤/ ٣٠٦ - ٣٠٨]
(١٠٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
اختلف فيه على أقوال: القرآن، الرسول ﷺ، الشيب، الحمى، موت الأهل والأقارب، كمال العقل، والنذير بمعنى الإنذار .. وأما كمال
[ ٥١٤ ]
العقل فبه تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه فهو نذير. [١٤/ ٣٠٦ - ٣٠٨]
(١٠٩٣)
أ- رأيت الشيب من نذر المنايا … لصاحبه وحسبك من نذير
فقلت لها المشيب نذير عمري … ولست مسودًا وجه النذير
ب- وأراك تحملهم ولست تردهم … فكأنني بك قد حُملت فلم ترد
ج- الموت في كل حين ينشر الكفنا … ونحن في غفلة عما يراد بنا
[١٤/ ٣٠٨]
(١٠٩٤) قال بعض الحكماء:
يا أيها الظالم في فعله … والظلم مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحتى متى … تحصي المصائب وتنسى النعم
[١٤/ ٣١٢]
(١٠٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥].
قال ابن مسعود: كاد الجُعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم. وقال يحيى بن أبي كثير: أمر رجل بالمعروف ونهى عن المنكر، فقال له رجل: عليك بنفسك فإن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت، والله الذي لا إله إلا هو - ثم قال - والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزلًا في
[ ٥١٥ ]