(١٠٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢].
قال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من سودان مصر ذا مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة، وعلى هذا جمهور أهل التأويل إنه كان وليًا ولم يكن نبيًا، والصواب أنه كان رجلًا حكيمًا بحكمة الله تعالى وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل، قاضيًا في بني إسرائيل أسود مشقق الرجلين، ذا مشافر أي عظيم الشفتين.
قاله ابن عباس وغيره. [١٤/ ٥٦]
(١٠٤٠) قال وهب بن منبه: قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب، وروي أنه دخل على داود ﵇ وهو يسرد الدروع وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها، وقال: نعم لبوس الحرب أنتِ، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله، فقال له داود: بحق ما سميت حكيمًا. [١٤/ ٥٨]
(١٠٤١) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] الآية.
وجملة هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن في ترك الطاعات الندب، ومنه أمر الجهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب، لكن يعلل بخوف هلكة عليها ونحوه
[ ٤٩٢ ]
مما يبيح قطع الصلاة فلا يكون أقوى من الندب، وخالف الحسن في هذا التفصيل فقال: إن منعته أمه من شهود العِشاء شفقةً فلا يطعها. [١٤/ ٦٠]
(١٠٤٢) من قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].
قال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما. [١٤/ ٦٠]
(١٠٤٣) من قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
الآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي ﷺ وقد قدمت عليها خالتها وقيل أمها من الرضاعة، فقالت يا رسول الله: إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم.
وراغبة: قيل معناه عن الإسلام، قال ابن عطية: والظاهر عندي أنها راغبة في الصلة، وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها.
ووالدة أسماء هي قُتيلة بنت عبد العزى بن أسد، وأم عائشة وعبدالرحمن هي أم رُومان قديمة الإسلام. [١٤/ ٦١]
(١٠٤٤) من قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧].
يقتضي حضًا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحيانًا، وقيل أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض وغيرها، وألا يخرج من الجزع إلى معصية الله ﷿ وهذا قول حسن لأنه يعم. [١٤/ ٦٤]
[ ٤٩٣ ]
(١٠٤٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩].
أي أقبحها وأوحشها … والحمار: مَثَلٌ في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نُهاقه، ومن استفحاشهم لذكره مجردًا أنهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح فيقولون: الطويل الأذنين كما يكنى عن الأشياء المستقذرة وقد عُدَّ في مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة.
وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونًا بهم أو بترك الصياح جملة، وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتًا كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل، فنهى الله ﷾ عن هذه الخلق الجاهلية بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ أي لو كان شيئًا يُهاب لصوته لكان الحمار فجعلهم في المثل سواء. [١٤/ ٦٨]
(١٠٤٦) من قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠].
قال المحاسبي: الظاهرة: نعم الدنيا، الباطنة: نعم العقبى.
وقيل: الظاهرة: ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس وتوفيق الطاعات، والباطنة: ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفع الله تعالى عن العبد من الآفات … بتصرف [١٤/ ٦٨]
(١٠٤٧) قال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدعاء. [١٤/ ٧٣]
[ ٤٩٤ ]
(١٠٤٨) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ [لقمان: ٣١].
أي صبار لقضائه شكور على نعمائه، وقال أهل المعاني: أراد لكل مؤمن بهذه الصفة لأن الصبر والشكر من أفضل خصال الإيمان، والآية: العلامة والعلامة لا تستبين في صدر كل مؤمن، إنما تستبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء.
قال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ [لقمان: ٣١]، وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات: ٢٠]. [١٤/ ٧٣]