، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. [٨/ ٢٧٤]
(٦٦٨) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١].
﴿الْحَكِيمِ (١)﴾: المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام، وقيل الحكيم بمعنى الحاكم أي إنه حاكم بالحلال والحرام وحاكم بين الناس بالحق دليله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقيل الحكيم بمعنى المحكوم فيه أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه.
وقال مقاتل: الحكيم بمعنى المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف. [٨/ ٢٧٨]
(٦٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢].
قال مقاتل: أعمالًا قدموها واختاره الطبري:
قال الوضاح:
صَلِّ لِذي العرش واتخذ قدمًا … تُنْجَيك يوم العِثار والزلل
[٨/ ٢٧٩]
(٦٧٠) من قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠].
التسبيح والحمد والتهليل قد يسمى دعاء، روى مسلم والبخاري عن
[ ٣٣٧ ]
ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم» قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب وقال ابن عيينه وقد سئل عن هذا فقال: أما علمت أن الله تعالى يقول: «إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» والذي يقطع النزاع وأن هذا يسمى دعاء وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شيء وإنما هو تعظيم لله تعالى وثناء عليه ما رواه النسائي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: «دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له». [٨/ ٢٨٤]
(٦٧١) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: ١٢].
﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾: أي على جنبه مضطجعًا، ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢] وإنما أراد جميع حالاته لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات الثلاثة. قال بعضهم: إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الأمر فهو يدعو أكثر واجتهاده أشد ثم القاعد ثم القائم ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ [يونس: ١٢] أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ.
قلت: وهذه صفة كثير من المخلطين الموحدين إذا أصابته العافية مر على ما كان عليه من المعاصي فالآية تعم الكافر وغيره. [٨/ ٢٨٨]
[ ٣٣٨ ]
(٦٧٢) من قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [يونس: ١٥].
والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيدًا والوعيد وعدًا والحلال حرامًا والحرام حلالًا قاله ابن جرير الطبري.
الثاني: سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم قاله ابن عيسى.
الثالث: أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور قاله الزجاج. [٨/ ٢٨٦]
(٦٧٣) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨].
أي أتخبرون الله أن له شريكًا في ملكه أو شفيعًا بغير إذنه والله لا يعلم لنفسه شريكًا في السموات ولا في الأرض لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه. نظيره قوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ٣٣]، ثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ [النحل: ١]، أي: هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يميز ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]
[ ٣٣٩ ]
فيكذبون وهل يتهيأ لكم أن تنبؤه بما لا يعلم ﷾ عما يشركون. [٨/ ٢٩١]
(٦٧٤) من قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [يونس: ٢٢].
وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرًا لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب. [٨/ ٢٩٣]
(٦٧٥) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٣].
روي عن سفيان بن عيينه أنه قال: أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا كما يقال البغي مَصْرَعةٌ. [٨/ ٢٩٤]
(٦٧٦) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤].
روي عن نافع أنه وقف على ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ أي: فاختلط الماء بالأرض، ثم ابتدأ ﴿بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ أي: بالماء نبات الأرض فأخرجت ألوانًا من النبات، فنبات على هذا ابتداء وعلى مذهب من لم يقف على ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ مرفوع باختلط، أي اختلط النبات بالمطر أي شرب منه فتندى وحسن واخضر. والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض. [٨/ ٢٩٥]
[ ٣٤٠ ]
(٦٧٧) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥].
لما ذكر وصف هذه الدار وهي دار الدنيا وصف الآخرة فقال: إن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا بل يدعوكم إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام أي إلى الجنة. قال قتادة والحسن: السلام هو الله وداره الجنة وسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات ومن أسمائه سبحانه السلام. [٨/ ٢٩٦]
(٦٧٨) من قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢].
قال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى وكذلك هو الأمر في نظائرها وهي مسائل الأصول التي الحق فيها طرف واحد لأن الكلام فيها إنما هو في تعديد وجود ذاتٍ كَيفَ هِيَ وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقوله ﵇: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات» والكلام في الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يُختلف فيها وإنما يُختلف في الأحكام المتعلقة بها. [٨/ ٣٠٣]
(٦٧٩) روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] قال: اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال، وروى يونس عن ابن وهب: أنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع
[ ٣٤١ ]
امرأته بأربع عشرة فقال مالك: ما يعجبني وليس من شأن المؤمنين يقول الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾. وروى يونس عن أشهب قال سئل- يعني مالكًا- عن اللعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه وليس بشيء وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، وإنه لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج هي من الباطل ولا أحبها. [٨/ ٣٠٤]
(٦٨٠) وعن علي ﵁ أنه مر على مجلس من مجالس بني تميم وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال: أما والله لغير هذا خلقتم أما والله لولا أن تكون سنة لضربت به وجوهكم وعنه ﵁: أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ [الأنبياء: ٥٢] لأن يمس أحدكم جمرًا حتى يطفأ خير من أن يمسها، وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد، وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ وسئل أبو جعفر عن الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية وهذه الآثار كلها تدل على تحريم اللعب بها بلا قمار والله أعلم. [٨/ ٣٠٥] بتصرف
(٦٨١) قيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن: من جهل شيئًا عاداه. قال: نعم في موضعين: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ [الأحقاف: ١١]. [٨/ ٣١٠]
[ ٣٤٢ ]
(٦٨٢) من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].
الفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب وقد ذم الفرح في مواضع كقوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ [هود: ١٠] ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذمًا لقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وههنا قال ﵎: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] أي بالقرآن والإسلام فليفرحوا فقيّد. [٨/ ٣١٧]
(٦٨٣) قال ابن عباس: من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ [يونس: ٨١] لم يضره كيد ساحر. ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر. [٨/ ٣٢٨]
(٦٨٤) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾ [يونس: ٨٥].
أي لا تنصرهم علينا فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم وقال مجاهد المعنى لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك فيقول: أعداؤنا لو كانوا على حق لم نسلط عليهم فيفتنوا، وقال أبو مجلز وأبو الضحى: يعني لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانًا. [٨/ ٣٣٠]
[ ٣٤٣ ]
(٦٨٥) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ [يونس: ٨٨].
وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم وحُكُم الرُّسل استدعاء إيمان قومهم؟ فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن الله وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن دليله قوله لنوح ﵇: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وعند ذلك قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦] والله أعلم. [٨/ ٣٣٤]
(٦٨٦) من قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩].
قال أبو العالية: دعا موسى وَأَمَّنَ هارون فسمى هارون وقد أمن على الدعاء داعيًا والتأمين على الدعاء أن يقول آمين فقولك آمين دعاء أي يا رب استجب لي وقيل: دعا هارون مع موسى أيضًا. [٨/ ٣٣٤]
(٦٨٧) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩].
وقيل: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ أي على الدعاء. والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السكينة فيه ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب. [٨/ ٣٣٥]
[ ٣٤٤ ]