الْأَنْبِيَاء أفضل الْخلق
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان وَأَيوب ويوسف ومُوسَى وَهَارُون وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ وزَكَرِيا وَيحيى وَعِيسَى وإلياس كل من الصَّالِحين﴾ ﴿وَمن آبَائِهِم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ سُورَة الْأَنْعَام ٨٤ ٨٧ فَأخْبر أَنه اجتباهم وهداهم
والأنبياء أفضل الْخلق بِاتِّفَاق الْمُسلمين وبعدهم الصديقون وَالشُّهَدَاء
[ ٢ / ١١٦ ]
والصالحون فلولا وجوب كَونهم من المقربين الَّذين هم فَوق أَصْحَاب الْيَمين لَكَانَ الصديقون أفضل مِنْهُم أَو من بَعضهم
وَالله تَعَالَى قد جعل خلقه ثَلَاثَة أَصْنَاف فَقَالَ تَعَالَى فِي تقسيمهم فِي الأخرة ﴿وكنتم أَزْوَاجًا ثَلَاثَة فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشأمة مَا أَصْحَاب المشأمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم﴾ سُورَة الْوَاقِعَة ٧ ١٢ وَقَالَ فِي تقسيمهم عِنْد الْمَوْت ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم﴾ سُورَة الْوَاقِعَة ٨٨ ٩٤ وَكَذَلِكَ ذكر فِي سُورَة الْإِنْسَان والمطففين هَذِه الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة
والأنبياء أفضل الْخلق وهم أَصْحَاب الدَّرَجَات العلى فِي الْآخِرَة فَيمْتَنع أَن يكون النَّبِي من الْفجار بل وَلَا يكون من عُمُوم أَصْحَاب الْيَمين بل من أفضل السَّابِقين المقربين فَإِنَّهُم أفضل من عُمُوم الصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَإِن كَانَ النَّبِي أَيْضا يُوسُف بِأَنَّهُ صديق وَصَالح وَقد يكون شَهِيدا لَكِن ذَلِك أَمر يخْتَص بهم لَا يشركهم فِيهِ من لَيْسَ بِنَبِي كَمَا قَالَ عَن الْخَلِيل ﴿وَآتَيْنَاهُ أجره فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ سُورَة العنكبوت ٢٧ وَقَالَ يُوسُف ﴿توفني مُسلما وألحقني بالصالحين﴾ سُورَة يُوسُف ١٠١
فَهَذَا مِمَّا يُوجب تَنْزِيه الْأَنْبِيَاء أَن يَكُونُوا من الْفجار والفساق وعَلى هَذَا إِجْمَاع سلف الْأمة وجماهيرها
وَأما من جوز أَن يكون غير النَّبِي أفضل مِنْهُ فَهُوَ من أَقْوَال بعض ملاحدة الْمُتَأَخِّرين من غلاة الشِّيعَة والصوفية والمتفلسفة وَنَحْوهم
وَمَا يحْكى عَن الفضلية من الْخَوَارِج أَنهم جوزوا الْكفْر على النَّبِي فَهَذَا بطرِيق
[ ٢ / ١١٧ ]
اللَّازِم لَهُم لِأَن كل مَعْصِيّة عِنْدهم كفر وَقد جوزوا الْمعاصِي على النَّبِي وَهَذَا يَقْتَضِي فَسَاد قَوْلهم بِأَن قَوْلهم كل مَعْصِيّة كفر وَقَوْلهمْ بِجَوَاز الْمعاصِي عَلَيْهِم وَإِلَّا فَلم يلتزموا أَن يكون النَّبِي كَافِرًا ولازم الْمَذْهَب لَا يجب أَن يكون مذهبا
وَطَوَائِف أهل الْكَلَام الَّذين يجوزون بعثة كل مُكَلّف من الْجَهْمِية والأشعرية وَمن وافقهم من اتِّبَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة كَالْقَاضِي أبي يعلى وَابْن عقيل وَغَيرهم متفقوه أَيْضا على أَن الْأَنْبِيَاء أفضل الْخلق وَأَن النَّبِي لَا يكون فَاجِرًا لَكِن يَقُولُونَ هَذَا لم يعلم بِالْعقلِ بل علم بِالسَّمْعِ بِنَاء على مَا تقدم من أصلهم من أَن الله يجوز أَن يفعل كل مُمكن
وَأما الْجُمْهُور الَّذين يثبتون الْحِكْمَة والأسباب فَيَقُولُونَ نَحن نعلم بِمَا عَمِلْنَاهُ من حِكْمَة الله أَنه لَا يبْعَث نَبيا فَاجِرًا وَأَن مَا ينزل على الْبر الصَّادِق لَا يكون إِلَّا مَلَائِكَة لَا تكون شياطين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لتنزيل رب الْعَالمين نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك لتَكون من الْمُنْذرين﴾ إِلَى قَوْله ﴿هَل أنبئكم على من تنزل الشَّيَاطِين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السّمع وَأَكْثَرهم كاذبون وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ ألم تَرَ أَنهم فِي كل وَاد يهيمون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ سُورَة الشُّعَرَاء ١٩٢ ٢٢٦
فَهَذَا مِمَّا بَين الله بِهِ الْفرق بَين الكاهن وَالنَّبِيّ وَبَين الشَّاعِر وَالنَّبِيّ لما زعم المفترون أَن مُحَمَّدًا ﷺ شَاعِر وكاهن وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة ﵂
أَن النَّبِي ﷺ لما أَتَاهُ الْوَحْي فِي أول الْأَمر وَخَافَ على نَفسه قبل أَن يستيقن أَنه ملك قَالَ لِخَدِيجَة لقد خشيت على نَفسِي قَالَت كلا وَالله لَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث وَتحمل الْكل وتقري الضَّيْف وتكسب الْمَعْدُوم وَتعين على نَوَائِب الْحق فاستدلت ﵂ بِحسن عقلهَا على أَن من يكون الله قد خلقه بِهَذِهِ الْأَخْلَاق الْكَرِيمَة الَّتِي هِيَ من أعظم صِفَات الْأَبْرَار الممدوحين أَنه لَا يخزيه فَيفْسد الشَّيْطَان عقله وَدينه وَلم يكن مَعهَا قبل ذَلِك وَحي تعلم بِهِ انْتِفَاء ذَلِك بل عَلمته بِمُجَرَّد عقلهَا الرَّاجِح
وَكَذَلِكَ لما ادّعى النُّبُوَّة من ادَّعَاهَا من الْكَذَّابين مثل مُسَيْلمَة الْكذَّاب والعنسي وَغَيرهمَا مَعَ مَا كَانَ يشْتَبه من أَمرهم لما كَانَ ينزل عَلَيْهِم من الشَّيْطَان ويوحون إِلَيْهِم
[ ٢ / ١١٨ ]
حَتَّى يظنّ الْجَاهِل أَن هَذَا من جنس مَا ينزل على الْأَنْبِيَاء ويوحى إِلَيْهِم فَكَانَ مَا يبلغ الْعُقَلَاء وَمَا يرونه من سيرتهم وَالْكذب الْفَاحِش وَالظُّلم وَنَحْو ذَلِك يبين لَهُم أَنه لَيْسَ بِنَبِي إِذْ قد علمُوا أَن النَّبِي لَا يكون كَاذِبًا وَلَا فَاجِرًا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ لما قَالَ لَهُ ذُو الْخوَيْصِرَة اعْدِلْ يَا مُحَمَّد فَإنَّك لم تعدل فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ
لقد خبت وخسرت إِن لم أعدل أَلا تأمنوني وَأَنا أَمِين من فِي السَّمَاء وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِالْفَتْح أَي أَنْت خاسر خائب إِن لم أعدل إِن ظَنَنْت أَنِّي ظَالِم مَعَ اعتقادك أَنِّي نَبِي فَإنَّك تجوز أَن يكون الرَّسُول الَّذِي آمَنت بِهِ ظَالِما وَهَذَا خيبة وخسران فَإِن ذَلِك يُنَافِي النُّبُوَّة ويقدح فِيهَا
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل وَمن يغلل يَأْتِ بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة﴾ سُورَة آل عمرَان ١٦١ وَفِيه قراءتان يغل ويغل أَي ينْسب إِلَى الْغلُول بَين سُبْحَانَهُ أَنه مَا لأحد أَن ينْسبهُ إِلَى الْغلُول كَمَا أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يغل فَدلَّ على أَن النَّبِي لَا يكون غالا
وَدَلَائِل هَذَا الأَصْل عَظِيمَة لَكِن مَعَ وُقُوع الذَّنب الَّذِي هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ذَنْب وَقد لَا يكون ذَنبا من غَيره مَعَ تعقبه بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار لَا يقْدَح فِي كَون الرجل من المقربين السَّابِقين وَلَا الْأَبْرَار وَلَا يلْحقهُ بذلك وَعِيد فِي الْآخِرَة فضلا عَن أَن يَجعله من الْفجار
وَقد قَالَ تَعَالَى فِي عُمُوم وصف الْمُؤمنِينَ ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض ليجزي الَّذين أساؤوا بِمَا عمِلُوا وَيجْزِي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللمم إِن رَبك وَاسع الْمَغْفِرَة﴾ سُورَة النَّجْم ٣١ ٣٢ وَقَالَ ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر العاملين﴾ سُورَة آل عمرَان ٣٣٣ ٣٣٦ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاؤون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾
[ ٢ / ١١٩ ]
سُورَة الزمر ٣٣ ٣٥ وَقَالَ ﴿حَتَّى إِذا بلغ أشده وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة قَالَ رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وَأصْلح لي فِي ذريتي إِنِّي تبت إِلَيْك وَإِنِّي من الْمُسلمين أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة وعد الصدْق الَّذِي كَانُوا يوعدون﴾ سُورَة الْأَحْقَاف ١٥ ١٦
وَقد قَالَ فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿فَآمن لَهُ لوط وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي إِنَّه هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ سُورَة العنكبوت ٢٦ وَقَالَ فِي قصَّة شُعَيْب ﵇ ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه لنخرجنك يَا شُعَيْب وَالَّذين آمنُوا مَعَك من قريتنا أَو لتعودن فِي ملتنا قَالَ أولو كُنَّا كارهين قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا وسع رَبنَا كل شَيْء علما على الله توكلنا رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وَأَنت خير الفاتحين﴾ سُورَة الْأَعْرَاف ٨٨ ٨٩ وَقَالَ فِي سُورَة إِبْرَاهِيم ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا فَأوحى إِلَيْهِم رَبهم لَنهْلكَنَّ الظَّالِمين﴾ سُورَة إِبْرَاهِيم ١٣
وَقد ذمّ الله تَعَالَى وتبارك فِرْعَوْن بِكَوْنِهِ رفع نبوة مُوسَى بِمَا تقدم من قَتله نفسا بِغَيْر حق فَقَالَ ﴿ألم نربك فِينَا وليدا وَلَبِثت فِينَا من عمرك سِنِين وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت وَأَنت من الْكَافرين قَالَ فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين ففررت مِنْكُم لما خفتكم فوهب لي رَبِّي حكما وَجَعَلَنِي من الْمُرْسلين﴾ سُورَة الشُّعَرَاء ١٨ ٢١ وَكَانَ مُوسَى ﷺ قد تَابَ من ذَلِك كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ وَغفر لَهُ بقوله ﴿فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا من عمل الشَّيْطَان إِنَّه عَدو مضل مُبين قَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي فغفر لَهُ إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ سُورَة الْقَصَص ١٥ ١٦
فَإِن قيل فَإِذا كَانَ قد غفر لَهُ فلماذا يمتنعون من الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة لأجل مَا بدا مِنْهُم فَيَقُول آدم إِذا طلبت مِنْهُ الشَّفَاعَة إِنِّي نهيت عَن أكل الشَّجَرَة وأكلت مِنْهَا نَفسِي نَفسِي اذْهَبُوا إِلَى نوح فَيَأْتُونَ نوحًا فَيَقُول إِنِّي دَعَوْت على أهل الأَرْض دَعْوَة لم أومر
[ ٢ / ١٢٠ ]
بهَا والخليل يذكر تعريضاته الثَّلَاث الَّتِي سَمَّاهَا كذبا وَكَانَت تعريضا ومُوسَى يذكر قتل النَّفس
قيل هَذَا من كَمَال فَضلهمْ وخوفهم وعبوديتهم وتواضعهم فَإِن من فَوَائِد مَا يُتَاب مِنْهُ أَن يكمل عبودية العَبْد ويزيده خوفًا وخضوعا فيرفع الله بذلك دَرَجَته وَهَذَا الِامْتِنَاع مِمَّا يرفع الله بِهِ درجاتهم وَحِكْمَة الله تعلى فِي ذَلِك أَن تصير الشَّفَاعَة لمن غفر الله مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر
وَلِهَذَا كَانَ مِمَّن امْتنع وَلم يذكر ذَنبا الْمَسِيح وَإِبْرَاهِيم أفضل مِنْهُ وَقد ذكر ذَنبا وَلَكِن قَالَ الْمَسِيح لست هُنَاكُم اذْهَبُوا إِلَى عبد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَتَأَخر الْمَسِيح عَن الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي خص بِهِ مُحَمَّد ﷺ هُوَ من فَضَائِل الْمَسِيح وَمِمَّا يقربهُ إِلَى الله صلوَات الله عَلَيْهِم أجميعن
فَعلم أَن تأخرهم عَن الشَّفَاعَة لم يكن لنَقص درجاتهم عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ بل لما علموه من عَظمَة الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي يَسْتَدْعِي من كَمَال مغْفرَة الله للْعَبد وَكَمَال عبودية العَبْد لله مَا اخْتصَّ بِهِ من غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيح اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّد عبدا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فَإِنَّهُ إِذا غفر لَهُ مَا تَأَخّر لم يخف أَن يلام إِذا ذهب إِلَى ربه ليشفع وَإِن كن لم يشفع إِلَّا بعد الْإِذْن بل إِذا سجد وَحمد ربه بِمَحَامِد يفتحها عَلَيْهِ لم يكن يحسنها قبل ذَلِك فَيُقَال لَهُ أَي مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل يسمع وسل تعطه
[ ٢ / ١٢١ ]
وَاشْفَعْ تشفع وَهَذَا كُله فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا
وَأما من قيل لَهُ تقدم وَلم يعرف أَنه غفر لَهُ مَا تَأَخّر فيخاف أَن يكون ذَهَابه إِلَى الشَّفَاعَة قبل أَن يُؤذن لَهُ فِي الشَّفَاعَة ذَنبا فَتَأَخر لكَمَال خَوفه من الله تَعَالَى وَيَقُول أَنا قد أذنبت وَمَا غفر لي فَأَخَاف أَن اذنب ذَنبا آخر فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ
لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ
وَمن مَعَاني ذَلِك أَنه لَا يُؤْتى من وَجه وَاحِد مرَّتَيْنِ فَإِذا ذاق مَا فِي الذَّنب من الْأَلَم وَزَالَ عَنهُ خَافَ أَن يُذنب ذَنبا آخر فَيحصل لَهُ ذَلِك الْأَلَم وَهَذَا كمن مرض من أَكلَة ثمَّ عوفي فَإِذا دعِي إِلَى كل شَيْء خَافَ أَن يكون مثل ذَلِك الأول لم يَأْكُلهُ يَقُول قد أصابني بِتِلْكَ الْأكلَة مَا أصابني فَأَخَاف أَن تكون هَذِه مثل تِلْكَ ولبسط هَذِه الْأُمُور مَوضِع آخر