فِي الرَّد على أَن فِي عِيسَى طبيعتين
وَأما قَوْلهم وعَلى هَذَا الْمِثَال نقُول فِي السَّيِّد الْمَسِيح طبيعتان
طبيعة لاهوتية الَّتِي هِيَ طبيعة كلمة الله وروحه
وطبيعة ناسوتية الَّتِي أَخذهَا من مَرْيَم الْعَذْرَاء واتحدت بِهِ فَيُقَال لَهُم كَلَام النَّصَارَى فِي هَذَا الْبَاب مُضْطَرب مُخْتَلف مُنَاقض وَلَيْسَ لَهُم فِي ذَلِك قَول اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَلَا قَول مَعْقُول وَلَا قَول دلّ عَلَيْهِ كتاب بل هم فِيهِ فرق وَطَوَائِف كل فرقة تكفر الْأُخْرَى كاليعقوبية والملكانية والنسطورية وَنقل الْأَقْوَال عَنْهُم فِي ذَلِك مضطربة كَثِيرَة الِاخْتِلَاف
وَلِهَذَا يُقَال لَو اجْتمع عشرَة نَصَارَى لتفرقوا على أحد عشر قولا وَذَلِكَ أَن مَا هم عَلَيْهِ من اعْتِقَادهم من التَّثْلِيث والاتحاد كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي أمانتهم لم ينْطق بِهِ شَيْء من كتب الْأَنْبِيَاء وَلَا يُوجد لَا فِي كَلَام الْمَسِيح وَلَا الحواريين وَلَا أحد من الْأَنْبِيَاء وَلَكِن عِنْدهم فِي الْكتب أَلْفَاظ متشابهة وألفاظ محكمَة يتنازعون فِي فهمها ثمَّ الْقَائِلُونَ مِنْهُم بالأمانة وهم عَامَّة النَّصَارَى الْيَوْم من الملكانية والنسطورية واليعقوبية مُخْتَلفُونَ فِي تَفْسِيرهَا وَنَفس قَوْلهم متناقض يمْتَنع تصَوره على الْوَجْه الصَّحِيح
فَلهَذَا صَار كل مِنْهُم يَقُول مَا يظنّ أَنه أقرب من غَيره فَمنهمْ من يُرَاعِي لفظ أمانتهم وَإِن صرح بالْكفْر الَّذِي يظْهر فَسَاده لكل أحد كاليعقوبية وَمِنْهُم من يستر بعض ذَلِك كالنسطورية وَكثير مِنْهُم وهم الملكانية بَين هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء وَلما ابتدعوا مَا ابتدعوه من التَّثْلِيث والحلول كَانَ فيهم من يخالفهم فِي ذَلِك
[ ١ / ٣٣١ ]
وَقد يُوجد نقل النَّاس لمقالاتهم مُخْتَلفا وَذَلِكَ بِحَسب قَول الطَّائِفَة الَّتِي ينْقل ذَلِك النَّاقِل قَوْلهَا وَالْقَوْل الَّذِي يحكيه كثير من نَظَائِر الْمُسلمين يُوجد كثير مِنْهُم على خِلَافه كَمَا نقلوا عَنْهُم مَا ذكره أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحبه أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ وَغَيرهمَا أَن الْقَدِيم وَاحِد بالجوهر ثَلَاثَة بالأقنوم وَأَنَّهُمْ يعنون بالأقنوم الْوُجُود والحياة وَالْعلم
ونقلوا عَنْهُم أَن الْحَيَاة وَالْعلم ليسَا بوصفين زائدين على الذَّات موجودين بل هما صفتان نفسيتان للجوهر قَالُوا وَلَو مثل مَذْهَبهم بمثال لقيل إِن الأقانيم عِنْدهم تنزل منزلَة الْأَحْوَال وَالصِّفَات النفسية عِنْد مثبتيها من الْمُسلمين فَإِن سوادية اللَّوْن ولونيته صفتان نفسيتان للعرض قَالَ وَرُبمَا يعبرون عَن الأقانيم بِالْأَبِ وَالِابْن وروح الْقُدس فيعنون بِالْأَبِ الْوُجُود وبالابن الْمَسِيح والكلمة وَرُبمَا سموا الْعلم كلمة والكلمة علما ويعبرون عَن الْحَيَاة بِالروحِ قَالَ وَلَا يُرِيدُونَ بِالْكَلِمَةِ الْكَلَام فَإِن الْكَلَام عِنْدهم من صِفَات الْفِعْل وَلَا يسمون الْعلم قبل تدرعه بالمسيح واتحاده بِهِ ابْنا بل الْمَسِيح عِنْدهم مَعَ مَا تدرع بِهِ ابْن قَالُوا وَمن مَذْهَبهم أَن الْكَلِمَة اتّحدت بالمسيح وتدرعت بالناسوت ثمَّ اخْتلفُوا فِي معنى الِاتِّحَاد
فَمنهمْ من فسره بالاختلاط والامتزاج وَهَذَا مَذْهَب طوائف من اليعقوبية والنسطورية والملكانية قَالُوا إِن الْكَلِمَة خالطت جَسَد الْمَسِيح ومازجته كَمَا مازج الْخمر المَاء أَو اللَّبن قَالُوا وَهَذَا مَذْهَب الرّوم ومعظمهم الملكانية قَالُوا فمازجت الْكَلِمَة جَسَد الْمَسِيح فَصَارَت شَيْئا وَاحِدًا وَصَارَت الْكَثْرَة قلَّة
وَذَهَبت طَائِفَة من اليعاقبة إِلَى أَن الْكَلِمَة انقلبت لَحْمًا ودما قَالُوا وَصَارَت شرذمة من كل صنف إِلَى أَن المُرَاد بالاتحاد ظُهُور اللاهوت على الناسوت كظهور الصُّورَة فِي الْمرْآة والنقش فِي الْخَاتم
وَمِنْهُم من قَالَ ظُهُور اللاهوت على الناسوت كاستواء الْإِلَه على الْعَرْش عِنْد الْمُسلمين وَذهب كثير من هَذِه الطوائف الى أَن المُرَاد بالاتحاد الْحُلُول