قَالَ تَعَالَى ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ سُورَة هود ٧ وَأخْبر أَنه ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ سُورَة فصلت ١١
وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله قدر مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ
[ ٢ / ٢٢٧ ]
عَرْشه على المَاء وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَفِي رِوَايَة ثمَّ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض والْآثَار متواترة عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِمَا يُوَافق الْقُرْآن وَالسّنة من أَن الله تَعَالَى خلق السَّمَوَات من بخار المَاء الَّذِي سَمَّاهُ الله دخانا
وَقد تكلم عُلَمَاء الْمُسلمين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ فِي أول هَذِه الْمَخْلُوقَات على قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء الْهَمدَانِي وَغَيره أَحدهمَا أَنه هُوَ الْعَرْش وَالثَّانِي أَنه هُوَ الْقَلَم ورجحوا القَوْل الأول لما دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة أَن الله تَعَالَى لما قدر مقادير الْخَلَائق بالقلم الَّذِي أمره أَن يكْتب فِي اللَّوْح كَانَ عَرْشه على المَاء فَكَانَ الْعَرْش مخلوقا قبل الْقَلَم قَالُوا الْآثَار المروية أَن أول مَا خلق الله الْقَلَم مَعْنَاهَا من هَذَا الْعَالم وَقد اخبر الله تَعَالَى أَنه خلقه فِي سِتَّة أَيَّام فَكَانَ حِين خلقه زمن يقدر بِهِ خلقه ينْفَصل إِلَى أَيَّام
فَعلم أَن الزَّمَان كَانَ مَوْجُودا قبل أَن يخلق الله الشَّمْس وَالْقَمَر ويخلق فِي هَذَا الْعَالم اللَّيْل وَالنَّهَار
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي خطبَته عَام حجَّة الْوَدَاع إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيئَةِ يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض السّنة اثْنَا عشر شهرا وَمِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب مُضر الَّذِي بَين جمادي وَشَعْبَان وَفِي الصَّحِيح عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ خطْبَة فَذكر بَدْء الْخلق حَتَّى دخل أهل الْجنَّة مَنَازِلهمْ وَأهل النَّار مَنَازِلهمْ
هَذَا وَفِي التَّوْرَاة مَا يُوَافق خبر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن وَأَن الأَرْض كَانَت مغمورة بِالْمَاءِ والهواء يهب فَوق المَاء وَأَن فِي أول الْأَمر خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَنه خلق ذَلِك فِي
[ ٢ / ٢٢٨ ]
أَيَّام وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من عُلَمَاء اهل الْكتاب مَا ذكره الله تَعَالَى فِي التَّوْرَاة يدل على أَنه خلق هَذَا الْعَالم من مَادَّة أُخْرَى وَأَنه خلق ذَلِك فِي أزمان قبل أَن يخلق الشَّمْس وَالْقَمَر
وَلَيْسَ فِيمَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ فِي الْقُرْآن وَغَيره أَنه خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض من غير مَادَّة وَلَا أَنه خلق الْإِنْس أَو الْجِنّ أَو الْمَلَائِكَة من غير مَادَّة بل يخبر أَنه خلق ذَلِك من مَادَّة وَإِن كَانَت الْمَادَّة مخلوقة من مَادَّة أُخْرَى كَمَا خلق الْإِنْس من آدم وَخلق آدم من طين وَفِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ خلقت الْمَلَائِكَة من نور وخلقت الجان من مارج من نَار وَخلق آدم مِمَّا وصف لكم
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن الْمَنْقُول عَن أساطين الفلاسفة القدماء لَا يُخَالف مَا أخْبرت بِهِ الْأَنْبِيَاء من خلق هَذَا الْعَالم من مَادَّة بل الْمَنْقُول عَنْهُم أَن هَذَا الْعَالم مُحدث كَائِن بعد إِن لم يكن
وَأما قَوْلهم فِي تِلْكَ الْمَادَّة هَل هِيَ قديمَة الْأَعْيَان أَو محدثة بعد أَن لم تكن أَو محدثة من مَادَّة أُخْرَى بعد مَادَّة قد تضطرب النقول عَنْهُم فِي هَذَا الْبَاب وَالله أعلم بِحَقِيقَة مَا يَقُوله كل من هَؤُلَاءِ فَإِنَّهَا أمة عربت كتبهمْ ونقلت من لِسَان إِلَى لِسَان وَفِي مثل ذَلِك قد يدْخل من الْغَلَط وَالْكذب مَا لَا يعلم حَقِيقَته وَلَكِن مَا تواطأت بِهِ النقول عَنْهُم يبْقى مثل الْمُتَوَاتر وَلَيْسَ لنا غَرَض معِين فِي معرفَة قَول كل وَاحِد مِنْهُم بل ﴿تِلْكَ أمة قد خلت لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا كسبتم وَلَا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٣٤ ١٤١
لَكِن الَّذِي لَا ريب فِيهِ أَن هَؤُلَاءِ اصحاب التعاليم كأرسطو واتباعه كَانُوا مُشْرِكين يعْبدُونَ الْمَخْلُوقَات وَلَا يعْرفُونَ النبوات وَلَا الْمعَاد البدني وَأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى خير مِنْهُم فِي الإلهيات والنبوات والمعاد
وَإِذا عرف أَن نفس فلسفتهم توجب عَلَيْهِم أَن لَا يَقُولُوا بقدم شَيْء من الْعَالم علم أَنهم مخالفون لصريح الْمَعْقُول كَمَا أَنهم مخالفون لصحيح الْمَنْقُول وَأَنَّهُمْ فِي تَبْدِيل الْقَوَاعِد الصَّحِيحَة المعقولة من جنس الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي تَبْدِيل مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُود فِي هَذَا الْبَاب
ثمَّ إِنَّه إِذا قدر أَنه لَيْسَ عِنْدهم من الْمَعْقُول مَا يعْرفُونَ بِهِ أحد الطَّرفَيْنِ فَيَكْفِي فِي ذَلِك إِخْبَار الرُّسُل باتفاقهم على خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وحدوث هَذَا الْعَالم والفلسفة الصَّحِيحَة المبنية على المعقولات الْمَحْضَة توجب عَلَيْهِم تَصْدِيق الرُّسُل فِيمَا أخْبرت بِهِ وَتبين
[ ٢ / ٢٢٩ ]
أَنهم علمُوا ذَلِك بطرِيق يعجزون عَنْهَا وَأَنَّهُمْ أعلم بالأمور الإلهية والمعاد وَمَا يسْعد النَّفس ويشقيها مِنْهُم وتدلهم على أَن من اتبع الرُّسُل كَانَ سعيدا فِي الْآخِرَة وَمن كذبهمْ كَانَ شقيا فِي الْآخِرَة وَأَنه لَو علم الرجل من الطبيعيات والرياضيات مَا عَسى أَن يعلم وَخرج عَن دين الرُّسُل كَانَ شقيا وَأَن من أطَاع الله وَرَسُوله بِحَسب طاقته كَانَ سعيدا فِي الْآخِرَة وَإِن لم يعلم شَيْئا من ذَلِك
وَلَكِن سلفهم اكثروا الْكَلَام فِي ذَلِك لأَنهم لم يكن عِنْدهم من آثَار الرُّسُل مَا يَهْتَدُونَ بِهِ إِلَى تَوْحِيد الله وعبادته وَمَا ينفع فِي الْآخِرَة وَكَانَ الشّرك مستحوذا عَلَيْهِم بِسَبَب السحر وَالْأَحْوَال الشيطانية وَكَانُوا يُنْفقُونَ أعمارهم فِي رصد الْكَوَاكِب ليستعينوا بذلك على السحر والشرك وَكَذَلِكَ الْأُمُور الطبيعية وَكَانَ مُنْتَهى عقلهم أمورا عقلية كُلية كَالْعلمِ بالوجود الْمُطلق وانقسامه إِلَى عِلّة ومعلول وجوهر عرض وتقسيم الْجَوَاهِر ثمَّ تَقْسِيم الْأَعْرَاض وَهَذَا هُوَ عِنْدهم الْحِكْمَة الْعليا والفلسفة الأولى ومنتهى ذَلِك الْعلم بالوجود الْمُطلق الَّذِي لَا يُوجد إِلَّا فِي الأذهان دون الْأَعْيَان
[ ٢ / ٢٣٠ ]