لقد كان الَقُرْآن الكَرِيم ولا زال كتابًا مهيمنًا على كلّ الكتب التي سبقته باعتباره أخر الكتب الإلهية المنزلة بعد صحف إِبْرَاهِيمُ وموسى والتوراة وزبور داود وإنجيل عيسى - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - فكيف إذا ما حرفت تلك الكتب من بعد أنبيائها على يد اليهود والنصارى، ونحن في تحليلنا العام لسورة القصص الشريفة استطعنا أن نجد أن الرواية القرآنية - إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير في وصف كلام الله تعَاَلىَ - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كانت ولا زالت مهيمنة وشاملة وعالية فوق النصوص التوراتية لقصة موسى (- ﷺ -) منذ طفولته حتَّى غرق فرعون على يديه بنصر الله ﷾.
وإن ما ذكره الَقُرْآن الكَرِيم كان منزهًا لموسى (- ﵇ -)، بل وزائدًا على ما في العهد القديم المسمى بالتوراة زيادات فيها فائدة وتوجب حقائق تاريخية ألهمها الله تعَاَلىَ وأوحاها إلى رسوله مُحَمَّد بن عَبْد الله النبي الأمي (- ﷺ -) مما لم يكن هو
(- ﷺ -) ولا قومه يعرفونه من قبل، وهو ما جعل اليهود يتميزون من الغيظ حسدًا وحقدًا على ما آتاهم الله من كتابه، فنسوه وحرفوه واشتروا بآياته ثمنًا قليلًا ثُمَّ نبذوه وراء ظهورهم، فأنزل الله تعَاَلىَ كتابًا أخر على الرَّسُول (- ﷺ -) .
ولا ننسى هاهنا أن سُوْرَة الْقَصَصِ مكية أنزلت قبل أن يقدم رَسُول الله
(- ﷺ -) المدينة المنورة حتَّى لا يقول قائل أن أحدًا علم رَسُول الله (- ﷺ -) تلك القصة.
[ ٤٤٩ ]
وسوف نحاول فيما يلي استعراض الروايتين وفق جداول علمية للمقارنة، ثُمَّ بعد ذلك - إِنْ شاء الله العلي العظيم - نجري مقارنة نقدية بين الروايتين، لنرجح أي الروايتين هما الأصح والأدق تاريخيًا:
ت
الخروج
سُوْرَة الْقَصَصِ
(وقام ملك جديد على مصر فأقاموا عليهم وكلاء تسخير فاستخدم المصريون بني إسرائيل) (١: ١٤) .
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ علاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءهُمْ﴾ (٤)
(ولما لم تستطع أن تخفيه بعد أخذت له سفطًا من بردى وجعلت الولد فيه) (٢: ٤)
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٧)
(ووقفت أخته من بعيد لتنظر ما يقع له) (٥: ٢)
﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ (١١)
(فقالت أخته لابنة فرعون هل أذهب وأدعو لك مرضعًا) (٢: ٨)
﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (١٢)
(فأخذت المرأة الصبي وأرضعته) (٢: ١٠)
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ (١٣)
(إذا برجل مصري يضرب رجلًا عبرانيًا من اخوته فقتل العبري) (٢:١٣)
﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (١٥)
(ثُمَّ خرج في اليوم الثاني فإذا برجلين عبرانيين يتضاربان) (٢: ١٤)
﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ (١٨)
(أتريد أن تقتلني كما قتلت المصري) (٢: ١٥)
﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ (١٩)
[ ٤٥٠ ]
(وسمع فرعون بهذا الخبر فطلب أن يقتل موسى) (٢: ١٦)
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (٢٠)
(فهرب موسى من وجه فرعون) (٢: ٢٦)
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٢١)
(وصار إلى أرض مدين وقعد عند البئر)
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٢)
(وكان لكاهن مدين سبع بنات) (٢: ١٧)
﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ﴾ (٢٣)
(فجئن واستقين وملأن المساقي ليسقين غنم أبيهن فجاء الرعاء وطردوهن فقام موسى ونجدهن وسقى غنمهن) (٢: ١١٨ –١٩)
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢٤)
(فقال لبناته وأين هو لم تتركن الرجل ادعونه ليأكل طعامًا) (٢: ٢١)
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (٢٥)
(فارتضى موسى أن يقيم عند الرجل فزوجه صفورة أبنته) (٢: ٢٢)
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (٢٧)
(وكان موسى يرعى غنم بيثرو حميه كاهن مدين فساق الغنم إلى ما وراء البرية حتَّى أفضى إلى جبل الله حوريب) (٣: ٢)
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ (٢٩)
(فتجلى له ملاك الرب في لهيب نار من وسط العليقة) (٣:٣)
﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ (٢٩)
[ ٤٥١ ]
(ورأى الرب أنه قد مال لينظر فناداه الله من وسط العليقة وقال: موسى موسى. قال ها أنذا) (٣: ٥)
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ﴾ (٣٠)
(قال لا تدن إلى هاهنا أخلع نعليك من رجلك فإن الموضع الذي انت فيه أرض مقدسة) (٣: ٦)
﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ (٣١)
(فالآن تعال أبعثك إلى فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر) (٣: ١١)
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (٣٢)
(قال موسى لله من أنا حتَّى أمضي إلى فرعون) (٣: ١٢)
﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي﴾ (٣٣)
(قال أنا أكون معك) (٣: ١٢)
(وقال إنهم لا يصدقوني) (٤: ٢)
﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ (٣٥)
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ (٣٤)
(فقال الرب ما تلك التي بيدك قال عصا قال ألقها على الأرض فألقاها على الأرض فصارت حية تسعى فهرب موسى من وجهها فقال الرب لموسى خذ يدك وأمسك بذنبها فمد يده فأمسكها فعادت منا في يده) (٤: ١ – ٥)
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ (٣١)
(أدخل يدك في جيبك فأدخل يده في جيبه ثُمَّ أخرجها فإذا يده برصاء كالثلج قال أردد يدك في جيبك فرد يده في جيبه ثُمَّ أخرجها من جيبه فعادت كسائر بدنه) (٤: ٦-٨)
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ﴾ (٣٢)
[ ٤٥٢ ]
(فإن لم يصدقوك ولم يسمعوا لصوت الآية الأولى يصدقون صوت الآية الأخرى) (٤: ٩)
﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (٣٢)
(فقال موسى للرب رحماك يا رب إني لست أحسن الكلام) (٤: ١١)
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ (٣٤)
(يا رب أبعث من أنت باعثه) (٤: ١٤)
﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ (٣٤)
(فاتقد غضب الرب على موسى وقال ألست أعلم أن أخاك هارون اللاوي هو فصيح اللسان وهاهو أيضًا خارج للقائك) (٤: ١٥)
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ (٣٥)
(فإني أكون مع فيك وأعلمكما ما تصنعان) (٤: ١٦)
﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ (٣٥)
(فقال فرعون من هو الرب فاسمع لقوله وأطلق إسرائيل لا أعرف الرب ولا أطلق إسرائيل) (٥: ٣)
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٣٨)
(وأمر فرعون في ذلك مسخري الشعب ومدبريهم قائلًا لا تعطوا الشعب) (٥: ٦ –٧)
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ (٣٩)
(فغرق الرب المصريين في وسط البحر) (١٤: ٢٨)
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (٤٠)
[ ٤٥٣ ]
فحيث نجد في الفقرة الأولى أن الرواية التوراتية تنسب التسخير للمصريين في عهد الملك الجديد، أما الرواية القرآنية فتجعل إسناد الفعل إلى فرعون وهو الأليق والأًصوب لأنه ليس كلّ المصريين كانوا يضطهدون بني إسرائيل، وهذا من الحقد اليهودي العام على كلّ الأمم، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل الإلقاء عامًا في اليم، وتوضحها آية أخرى إذ تجعل الإلقاء في التابوت، فالنص القرآني أوضح تاريخيًا.
ونجد تقاربًا بين الفقرة الثالثة في الروايتين التوراتية والقرآنية في المعنى فقط دون اللفظ، فالقرآن استخدم كلمة (قصيه) أي تتبع الأثر فهي تتبع أثر التابوت إلى أنَّ وصل إلى قصر فرعون، فهي أبلغ وأدل على الواقع من العبارة العامية لرواية التوراة، فقد استفاد حاخامات بني إسرائيل من الترجمة العربية للتوراة من النصوص القرآنية التي أعادوا صياغتها.
وتجعل الفقرة الرابعة الخطاب مباشرًا بين أخت موسى وابنة فرعون، وهو ما تبهمه الرواية القرآنية لحكمة إلهية لتجعل النصّ القرآني أبلغ في التعبير بإبهام المقصود بخطاب الأخت.
أما الفقرة الخامسة فتتشابه الروايتان إلاَ أَن صياغة النصّ القرآني أجمل وابلغ وأدق في الدلالة، وهذا وجه من وجوه الإعجاز القرآني في مبناه ومعناه.
[ ٤٥٤ ]
وتصرح الفقرة السادسة بالنسب الخاص بالمتشاجرين، أما النصّ القرآني فجعل النصّ مبهمًا (من شيعته) (من عدوه) (يستصرخه) دون تعيين. والفقرة الثامنة تصرح بأن المقتول مصري، أما النصّ القرآني فيستمر في الإبهام، وذلك لأن آفاق إعجاز الإبهام في الَقُرْآن الكَرِيم تتمثل في أن الإبهام لما يأتي بيانه من بعده كون ما قبله أهم منه في الذكر، فقوله تعالى: ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾ إلهام لهذه الشيعة التي تقدم ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ وهذا ترابط في النصّ الَقُرْآنيّ، ولم يقل الله ﷿: (وهذا من بني إسرائيل) ولو قيل ذلك لكان غير بليغ، وغير دال بل أبهم الله ﷿ الضمير في الخطاب حتَّى يفسر ما تقدم من تقسيم فرعون لأبناء مصر على شيع (أي: جماعات) وفيهم بنو إسرائيل، فهذا من شيعته أي من بني إسرائيل، وهذا وجه مهم إدراكه.
ويأتي الإبهام إما تعظيمًا، وإما تفخيمًا، فجاء النصّ مبهمًا في سُوْرَة الْقَصَصِ كذلك وفق الأسلوب القرآني، ولأن الإبهام القرآني قد يراد به في بعض الآراء أن يبحث المسلم في ما أبهم ولا يتكل على الصراحة القرآنية.
وتجعل الفقرة التاسعة فرعون هو الذي يأتمر بقتل موسى، أما النصّ القرآني فيجعل الملأ هم الذين يأتمرون بقتل موسى دون تصريح بمن هم أولئك الملأ وهو ما يتعلق بالفقرة العاشرة، إذ تجعل الرواية التوراتية الهرب من فرعون، أما الرواية القرآنية فتجعل الهرب بترقب من المدينة.
وفي الفقرة الحادية عشر تتشابه الروايتان إلاَ أَن الفقرة الثانية عشر تجعل نبي الله شعيب (- ﵇ -) كاهن مدين، وهذا انتقاص منه (- ﵇ -) خلافًا للنصّ القرآنيّ، أما عدد البنات فتجعله الرواية التوراتية سبعًا على عادة اليهود في تقديس الرقم سبعة، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل عدد بناته اثنين.
[ ٤٥٥ ]
وتطيل الرواية التوراتية في الفقرة الثالثة عشر في قصة الاستسقاء بينما توجز ذلك الرواية القرآنية وتجعل موسى (- ﵇ -) في صورة الحيي الكريم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ.
وفي الفقرة الرابعة عشر يجري الحوار بين شعيب (- ﵇ -) وبين بناته، أما الرواية القرآنية فهي من الإعجاز الوصفي بمكان عالٍ جدًا إذ تقول هذه الرواية الإلهية - ومن أصدق من الله قيلًا - ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ ولا وصف أبلغ من هذا الوصف الإلهي لحياء هذه الفتاة المؤمنة وهو ما أتى بصيغة الحال.
وتظهر الفقرة الخامسة عشر رضا موسى (- ﵇ -) بالمقام عند شعيب
(- ﵇ -)، وتعلن أن نتيجة هذا المقام الزواج. أما الرواية القرآنية فتظهر أن الخاطب هو والد الفتاتين، أي: شعيب (- ﵇ -) مقابل تأجير موسى (- ﵇ -) لنفسه لديه ثماني أو عشر سنين، والنصّ القرآني أبلغ وأفصح وأبين.
أما الفقرة السادسة عشر فهي تتناقض في الرواية التوراتية التي تجعل يوم إنزال الوحي هو يوم سوق الغنم إلى جبل الله حوريب مع الرواية القرآنية التي تجعل ذلك بعد قضاء موسى (- ﵇ -) الأجل وسيره نحو جبل الطور في سيناء، ولا ريب أن تغيير الحقيقة الواحدة من قبل حاخامات بني إسرائيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه إنما كان لمآرب إسرائيلية. وبذلك يتبين لنا أن التحديد القرآني للطور بأنه يوم بدء الوحي لموسى (- ﵇ -) هو الحقيقة التاريخية المطلقة والمهيمنة على النصّ والرواية التوراتية في سفر الخروج الذي تعرض لتحريف شديد.
أما الفقرة الثامنة عشر في الرواية التوراتية فتجعل نداء الرب من وسط شجرة العليق، والرواية القرآنية تجعل النداء الإلهي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وهو تحديد فيه البلاغة كلّ البلاغة والفصاحة كلّ الفصاحة.
[ ٤٥٦ ]
وهناك تناقض في الفقرة التاسعة عشر إذ تجعل النداء نهيًا لموسى (- ﵇ -) عن القدوم، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل الخطاب الإلهي لموسى (- ﵇ -) أشرف خطاب بطمأنته ودعوته للإقبال في قوله تعالى: ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾ وهو نص تكرر في عدة مواضع من الَقُرْآن الكَرِيم.
وفي الفقرة العشرين كان سبب الدعوة إخراج بني إسرائيل من مصر، أما الرواية القرآنية فتبين أن السبب هو دعوة فرعون وملأه للهداية إذ كانوا قومًا فاسدين وهذا أسلوب الهداية العالمية القرآنية خلافًا لأسلوب الشعب المختار توراتيًا.
أما الفقرة الحادية والعشرون فتنسب لموسى (- ﵇ -) خوفه من البعثة واستهانته بنفسه على العموم، إلاَ أَن الرواية القرآنية تكرم موسى (- ﵇ -) وتجعل سبب خوفه قتله نفسًا من عندهم، وفي هذا قمة التكريم الإلهي لموسى (- ﵇ -) .
وتجعل الفقرة الثانية والعشرون من الله مخاطبًا في التوراة لموسى (- ﵇ -) وهو ما يستقيم به النصّ، أما التكملة فتجعل الخوف من أن لا يُصدق المصريون موسى، أما الرواية القرآنية فتجعل الخوف من التكذيب، وكأن الحاخامات اليهود من بني إسرائيل اقتبسوا هذه الفقرة القرآنية هاهنا في رواية سفر الخروج.
ونجد في الفقرة الثالثة والعشرين تشابه بين الرواية التوراتية المأخوذة من الرواية القرآنية في زمن ترجمة التوراة إلى العربية في العصر العباسي على ما حققه التاريخ، لذلك جاءت الروايتان متشابهتان.
أما الفقرة الرابعة والعشرون فتجعل اليد برصاء بعد خروجها من الجيب بينما تجعلها الرواية القرآنية ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي منيرة وتزيد على الرواية التوراتية بضم الجناح من الرهب، وهذ معجزة قرآنية في الزيادة على اليهود في توراتهم ما لم يكونوا يعرفونه حتَّى في مروياتهم.
[ ٤٥٧ ]
ونجد الفقرة الخامسة والعشرين تتشابه في معناها العام مع الرواية القرآنية في وجود البرهانين الذين تسميهما الرواية التوراتية آيتين، وهو من اختلاف الترجمة في النقل من الآرامية والعبرانية إلى العربية، وهذا ما يعزز ما ذهبنا إليه في هذا البحث من أن حاخامات اليهود اعتمدوا بخفاء على الرواية القرآنية في تنقيح ترجمتهم للتوراة، وهذا ما استندنا في اكتشافه إلى تحليلنا العام لسورة القصص.
والفقرة السادسة والعشرون تجعل موسى لا يحسن الكلام، أما الرواية القرآنية فتنسب لموسى (- ﵇ -) من تواضعه أنه جعل أخاه هارون (- ﵇ -) أفصح منه لسانًا، ونلاحظ هاهنا أن الرواية التوراتية في سفر الخروج تتعمد الانتقاص بصورة غير مباشرة من موسى (- ﵇ -)، وهذه عادة اليهود وديدنهم في الانتقاص من الأنبياء، فهم قتلتهم ومن رموهم بالكبائر والصغائر، ومصداق ذلك في الفقرة السابعة والعشرين التي تجعل موسى يخاطب الله تعَاَلىَ - حاشاه - خطابًا جافًا (أبعث من أنت باعثه) . أما الرواية القرآنية فتجعل الخطاب ألطف خطاب ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي﴾ وهذا دليل على كمال النصّ القرآني وهيمنته على النصّ التوراتي.
[ ٤٥٨ ]
وكذلك نجد أن الفقرة الثامنة والعشرين من هذه الفقرات تنتقص انتقاصًا جد عظيم من نبي الله موسى (- ﵇ -) بسبب حقد بني إسرائيل على أنبياء الله - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - فهي تجعل غضب الرب متعمدًا على موسى
(- ﵇ -) - وحاشاه - ويمن عليه بهارون (- ﵇ -)، وهذا خلاف الحقيقة، فإن الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ تجعل الخطاب الإلهي مؤازرًا لموسى (- ﵇ -)
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ وهو ما يتناسب مع واقع الحال كلّ التناسب وليس فيه انتقاص من سيدنا موسى (- ﵇ -)، بل على العكس، فإن فيه تكريم له بشد عضده بأخيه.
ونجد في الفقرة التاسعة والعشرين تشابهًا بين الرواية التوراتية والنصّ القرآني وإن كان الخطاب القرآني أعمق في الدلالة والأمر. كذلك في الفقرة الثلاثين وإن اختلف الخطاب في الأمر بإطلاق إسرائيل، ولكن صيغة الخطاب القرآني تجعل إسناد الألوهية لفرعون، وهو ما أغفل عنه النصّ التوراتي المحرف المنحول في أساسه كله على ما قدمناه.
أما الفقرة الحادية والثلاثون فتجعل إسناد الأمر من فرعون لأعوانه من مسخري الشعب، بينما يجعل النصّ القرآني إسناد الاستكبار لفرعون وجنوده وينسب إليهم الاعتقاد الذي أثبته علم الحفريات من أن فرعون وقومه يومذاك في مصر كانوا يظنون أنهم لا يرجعون إلى الله ﷾، بل يرجعون إلى دنيا أخرى يحكم فيها فرعون الإله، فسبق النصّ القرآني علم الحفريات الحديث في إثباته اعتقاد الفراعنة بعالم آخر ولكنهم لا يرجعون فيه إلى الله ليحاسبهم، بل إلى فرعون، وهو ما غفل عنه كُتّاب التوراة، وهذا مما يقتضي التنبيه عليه.
[ ٤٥٩ ]
أما الفقرة الثانية والثلاثون فتختصر الرواية التوراتية القصة إلى الإغراق، أما النصّ القرآني فهو يزيد بلاغة على بلاغة، إذ يجعل الإغراق بأخذ فرعون وجنوده والتذكير بعاقبة الظالمين، وهذا أحد أوجه الإعجاز القرآني.
فإذا استبان لنا من خلال الجدول السابق وتحليلنا له الفرق الشاسع بين الروايتين، فنستطيع أن نؤكد أن العقل السليم يدلّ على أن الرواية القرآنية أصدق دلالة وأكثر تاريخية من تلك الرواية التوراتية لكل الحقائق التاريخية.
[ ٤٦٠ ]