(اهدنا الصراط المستقيم) إفراد لمعظم أفراد المعونة المسؤولة بالذكر،
[ ١ / ٤٩ ]
وتعيين لما هو الأهم أو بيان لها أي أرشدنا وقيل ثبتنا على المنهاج الواضح، أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال، وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى سؤال التثبيت وطلب مزيد الهداية والثبات عليه، لأن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى، قال الله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى) الآية وقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) والهداية هي الإرشاد والتوفيق والتبيين أو الإلهام أو الدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية. ثم هي قد يتعدى فعلها بنفسه كما هنا وكقوله (وهديناه النجدين) وقد يتعدى بإلى كقوله (اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) وقوله (فاهدوهم إلى صراط الجحيم- وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم) وقد يتعدى باللام كقوله (هدانا لهذا) وقوله (ويهدي للتي هي أقوم) وقال الزمخشري أصله أن يتعدى باللام أو بإلى، انتهى.
وفرق كثير من المتأخرين بين المتعدي بنفسه وغير المتعدي، فقالوا معنى الأول الإيصال ومعنى الثاني الدلالة، والصراط بالصاد الخالصة لغة قريش، وهي الجادة، والسين قراءة ابن كثير في كل القرآن، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل، فالتذكير لغة تميم، والتأنيث لغة الحجاز، وجمعه صُرُط، وقد تشم الصاد صوت الزاي تحريًا للقرب من المبدل منه، وقد قرىء بهن جميعًا وفصحاهن الصاد، وهي الثابتة في الإمام أي في مصحف عثمان ﵁ كتابة وخطًا المسمى إمامًا عند القراء والمفسرين وغيرهم، فإن الإمام لغة ما يؤتم ويقتدى به فيتبع وإن لم يكن من العقلاء، ولهذا أطلق على اللوح والكتاب كما قال تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمة) فسمى الكتاب إمامًا على وجه.
وقد كان سنة ثلاثين لما سار حذيفة ﵁ لبعض الغزوات وعاد قال لعثمان رضي الله تعالى عنه إني رأيت أمرًا عجيبًا رأيت الناس يقول بعضهم لبعض قراءتي خير من قراءتك، فإن تركوا ليختلفوا في القرآن فيكون لذلك أمر، فجمع عثمان الصحابة ﵃ واستشارهم فأشاروا عليه
[ ١ / ٥٠ ]
بجمعهم على مصحف واحد فأرسل إلى حفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها لترسل الصحف لتنسخ، وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه جمعها لما كثر قتل الصحابة رضي الله تعالى عنهم باليمامة وهو الجمع الأول، فأرسلتها إليه فأمر عثمان رضي الله تعالى عنه زيد بن ثابت وابن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث فنسخوها في مصاحف اختلف في عددها كما في شرح الرائية للسخاوي رحمه الله تعالى، وأرسل إلى كل مصر مصحفًا، وحرق ما سواها (١)، فسمى كل من تلك المصاحف إمامًا لا المصحف الذي كان عند عثمان رضي الله تعالى عنه وحده كما قيل، ذكره الخفاجي.
والمستقيم المستوي والمراد به طريق الحق وملة الإسلام، قال ابن كثير أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو كذلك في لغة جميع العرب وهي الملة الحنيفية السمحة المتوسطة بين الإفراط والتفريط.
وعن جابر بن عبد الله أنه قال هو دين الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض، وعن النواس بن سمعان عن رسول الله - ﷺ - قال ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم (١)، قال ابن كثير، هو إسناد حسن صحيح.
وعن ابن مسعود هو كتاب الله وقيل السنة والجماعة، وعن أبي العالية هو رسول الله - ﷺ - وصاحباه من بعده، وعن الفضيل بن عياض أنه طريق الحج، وقيل معناه اهدنا صراط المستحقين للجنة، وعن ابن عباس أن معناه
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير/٣٧٨٢.
[ ١ / ٥١ ]
ألهمنا دينك الحق، وهو الأولى لاعتبار العموم.
[ ١ / ٥٢ ]