(قل إنما أنا بشر مثلكم) أي آدمي حالي مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية ومن كان هكذا فهو لا يدعي الإحاطة بكلمات الله إلا أنه امتاز عنهم بالوحي إليه من الله سبحانه فقال (يوحى إلي) وكفى بهذا الوصف فارقًا بينه وبين سائر أنواع البشر.
ثم بيَّن أن الذي أوحي إليه هو قوله (إنما إلهكم إله واحد) لا شريك له في الألوهية والملك وفي هذا إرشاد إلى التوحيد ثم أمرهم بالعمل الصالح والتوحيد فقال (فمن كان يرجو لقاء ربه) الرجاء توقع وصول الخير في المستقبل، والمعنى من كان له هذا الرجاء الذي هو شأن المؤمنين ويخاف المصير إليه، وقيل يؤمل رؤية ربه والبعث والجزاء (فليعمل عملًا صالحا) هو ما دل الشرع على أنه عمل خير يثاب عليه فاعله أي مستوفيًا لمعتبر أنه شرعٌ عن ابن عباس قال: أنزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلهًا آخر غيره وليست هذه في المؤمنين.
(ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) من خلقه سواء كان صالحًا أو طالحًا، حيوانًا أو جمادًا، قال الماوردي: قال جميع أهل التأويل في تفسير هذه الآية إن المعنى لا يرائي بعمله أحدًا.
وأقول إن دخول الشرك الجلي الذي كان يفعله المشركون تحت هذه الآية هو المقدم على دخول الشرك الخفي الذي هو الرياء. ولا مانع من دخول هذا الخفي تحتها إنما المانع من كونه هو المراد بهذه الآية.
عن ابن عباس قال: قال رجل يا نبيِّ الله إني أقف المواقف أبتغي وجه الله وأحب أن يرى موطني فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت هذه الآية.
وعنه قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له فزاد في ذلك لقالة الناس فلا يريد به الله فنزل في ذلك (فمن كان يرجو لقاء ربه) الآية.
[ ٨ / ١٢٧ ]
وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك " (١).
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة أن رجلًا قال يا رسول الله الرجل يجاهد في سبيل الله وهو يبتغي عرضًا من الدنيا فقال: " لا أجر له فأعظم الناس ذلك " فعاد الرجل فقال " لا أجر له " (٢)، وعن شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﵌ الشرك الأصغر.
وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك "، ثم قرأ (فمن كان يرجو لقاء ربه) الآية (٣)، أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن شداد أيضًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يقول أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشركه أنا عنه غني " (٤)، أخرجه أحمد وأبو نعيم الطيالسي.
واخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان رجل " (٥).
_________________
(١) الترمذي تفسير سورة ١٨/ ٦ - الإمام أحمد: ٤/ ٢١٥.
(٢) المستدرك كتاب التفسير ٢/ ٣٧١.
(٣) الإمام أحمد ٤/ ١٢٦.
(٤) الإمام أحمد ٤/ ١٢٦.
(٥) الإمام أحمد ٣/ ٣٠.
[ ٨ / ١٢٨ ]
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن شداد ابن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية " قلت أتشرك أمتك بعدك؟ قال: " نعم أما أفهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا حجرًا ولا وثنًا ولكن يراؤون الناس بأعمالهم "، قلت؛ يا رسول الله ما الشهوة الخفية؟ قال: " يصبح أحدهما صائمًا فيعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه ويواقع شهوته " (١).
وأخرج أحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي ﵌ عن ربه أنه قال: " أنا خير الشركاء فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو الذي أشرك " وفي لفظ " فمن أشرك بي أحدًا فهو له كله " (٢).
وفي الباب أحاديث كثيرة في التحذير من الرياء وأنه الشرك الأصغر وأن الله لا يقبله، وقد استوفاها صاحب الدر المنثور في هذا الوضع فليرجع إليه، ولكنها لا تدل على أنه المراد بالآية بل الشرك الجلي يدخل تحتها دخولًا أوليًا وعلى فرض أن سبب النزول هو الرياء كما يشير إلى ذلك ما قدمنا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في علم الأصول.
وقد ورد في فضائل هذه الآية بخصوصها ما أخرجه الطبراني وابن مردويه عن حكيم قال: قال رسول الله ﷺ: " لو لم ينزل على أمتي إلا خاتمة سورة الكهف لكفتهم "، وأخرج ابن راهويه والبزار والحاكم وصححه والشيرازي في الألقاب وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: " من قرأ في ليلة (فمن كان يرجو لقاء ربه)
_________________
(١) الإمام أحمد ٤/ ١٢٤.
(٢) مسلم ٢٩٨٥ - الإمام أحمد ٢/ ٣٠١.
[ ٨ / ١٢٩ ]
الآية كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة قال ابن كثير بعد إخراجه غريب جدًا (١).
وعن معاوية بن أبي سفيان أنه تلا هذه الآية (فمن كان يرجو لقاء ربه) وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن، قال ابن كثير وهذا أثر مشكل فإن هذه الآية هي آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها ما ينسخها ولا ما يغير حكمها بل هي مثبتة محكمة فاشتبه ذلك على بعض الرواة فروي بالمعنى على ما فهمه (٢).
_________________
(١) ابن كثير ٣/ ١١٠.
(٢) ابن كثير ٣/ ١١٠.
[ ٨ / ١٣٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم