مدنية وهي مئتا آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
(الم * اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ *١ - ٤)
(ميمْ) حقها أن يوقف عليها كما وقف على (ألف لامْ)، وأن يبدأ ما بعدها كما تقول: واحدْ اثنان.
وهي قراءة عاصم، وأما فتْحُها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت؛ للتخفيف
_________________
(١) سورة آل عمران مدنية وهي مئتا آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت؛ للتخفيف)، اجتمعت القراء على فتح الميم، وأما قراءة عاصم، وإن كان من الأئمة، فشاذة.
[ ٤ / ٥ ]
_________________
(١) ـ قال أبو علي: إن القراءة بسكون الميم ساقطة، إلا ما نقل عن يحيى، عن أبي بكر، عن عاصم. قال الزجاج: قال بعضهم: هذه الحروف مبنية على الوقف، فيجب بعدها قطع ألف الوصل، فالأصل (الم* اللَّهُ) بالسكون، ثم طرحت فتحة الهمزة على الميم وسقطت الهمزة، كما تقول: واحد اثنان، وإن شئت: واحد اثنان، فألقيت كسرة الهمزة على الدال، وقال الآخرون: لا يسوغ أن ينطق بثلاثة سواكن، فلابد من فتحة الميم لالتقاء الساكنين، وهذا القول صحيح. وقال أبو علي: لا يجوز أن تكون الحركة للهمزة؛ لأن الهمزة حكمها أن تجتلب في الابتداء إذا احتيج إلى التلفظ بحرف ساكن دون الصلة والإدراج، فإذا اتصل الساكن المجتلب له الهمزة بشيء قبلها استغني عنها فتحذف، وإن كان المتصل به الساكن متحركًا بقي على حركته، نحو: ذهب ابنك، وإن كان حرفًا ساكنًا غير لين، أو مضارعًا للين، حرك، نحو (وَعَذَابٌ* ارْكُضْ) [ص: ٤١ - ٤٢] و(وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا) [الجن: ١٨] ونحو ذلك، فكذلك الهمزة في اسم الله من قوله: (الم* اللَّهُ) إذا اتصل بما قبلها: لزم حذفها كما لزم إسقاطها فيما ذكرناه، فإذا لزم حذفها لزم حذف حركتها أيضًا؛ لأنك لا تجد هذه الهمزة المجتلبة في موضع ملغاة وحركتها مبقاة، وإذا لزم حذفها من حيث ذكرنا: لم يجز إلقاؤها على الحرف الساكن، ويدل على امتناع قول من زعم أن الحركة للنقل: أن هذه الهمزة في الابتداء في التوصل إلى النطق بالساكن نظير الهاء التي تلحق
[ ٤ / ٦ ]
_________________
(١) للوقف لتبين الحركة وإثباتها، فكما أن الحرف الذي تجتلب له الهاء في الوقف إذا اتصل بشيء بعده لم تتبين حركته بها لقيام ما يتصل به مقامها ساكنًا كان أو متحركًا، كذلك يلزم أن تحذف الهمزة إذا اتصل ما اجتلبت لسكونه بشيء قبله، وإثباتها في الوصل خطًا كما أن إثبات الهاء في الوصل خطًا. واعلم أن المصنف ها هنا خالف سيبويه والزجاج وأبا علي وقوله في "المفصل" أيضًا، واختار أن الفتح لنقل الحركة لا لالتقاء الساكنين، وأورد كلام أبي علي سؤالًا على نفسه، وهو قوله: لا تجد هذه الهمزة المجتلبة في موضع ملغاة، وحركتها مبقاة، بقوله: كيف جاز إلقاء حركة الهمزة على الميم وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها؟ واستدل بقوله: لأن ثبات حركتها كثباتها، يعني: أن الحركة قائمة مقام الهمزة، فكأن الهمزة باقية، وأجاب: أن الميم ها هنا، وإن اتصلت بما بعدها صورة لكنها في حكم الانفصال لنية الوقف عليها، فكأن الهمزة ساقطة صورة باقية معنى، ثم أتى بسؤال وجواب آخر لوجه المنع من الحمل على مذهب سيبويه، وزعم أن الحركة لالتقاء الساكنين، وذلك أن أمر التقاء الساكنين في باب الوقف على التوسع والتساهل، والقول بالحركة خروج عن حكم الوقف، بخلاف النقل، ولأنه لو وجب التحريك لهذه العلة لوجب تحريك الميم في لام وفي ميم لالتقاء الساكنين، ولم يتوقف على ملاقاة ساكن آخر، وهو حرف التعريف في زعمكم. ثم أورد ما أورده الزجاج سؤالًا على نفسه، وهو قوله: لا يسوغ أن ينطق بثلاثة سواكن، فلابد من فتحة الميم لالتقاء الساكنين، بأن قال: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، يعني: إنما لم يحركوا الميمين في ألف لام ميم لإمكان النطق بهما.
[ ٤ / ٧ ]
_________________
(١) ـ وأما النطق بالساكن الثالث فغير ممكن، وأجاب: بأنا لا نسلم أن العلة عدم إمكان النطق، فإنهم حركوا الساكن في موضع كان يمكنهم النطق [به] كواحد اثنان، ساكن الدال مع سقوط الهمزة لالتقاء الساكنين، كما في أصيم ومديق، ولما لم يسكنوا الدال مع إمكان التلفظ، بل حركوا، دل على أن الحركة للنقل لا لالتقاء الساكنين، ثم أورد سؤالًا آخر، وهو أن الحركة لو لم تكن لالتقاء الساكنين فما وجه قراءة من كسر الميم؟ قال ابن الحاجب: لا وجه لكسرها إلا البناء؛ لأنها لما جردت عن التركيب فقد فُقِدَ منها مقتضي الإعراب، فإذا فُقِدَ منها المقتضي وجب البناء إذ لا متوسط، فإذا كان كذلك وجب الحكم بالبناء، وإذا وجب ذلك، وقد رأينا العرب أسكتته، حكمنا بصحة البناء على السكون وإن كان قبلها ساكن؛ لأنه حرف مدولين، وأجاب المصنف عنه: أن هذه قراءة غير مقبولة، وسيجيء بيانه. وقال ابن الحاجب: من جعل السكون سكون وقف أجرى الوصل في: (الم* اللَّهُ) مجرى الوقف، فتكون الميم باقية على نية السكون، والهمزة باقية على نية الثبات مبتدأ بها، وجاز أن يعطى أيضًا أحكام الوصل لفظًا، بدليل جواز قولهم: ثلاثة أربعة، فإنه نقل لحركة الهمزة إلى الهاء، وإجراء الوصل مجرى الوقف قبل ذلك، وإلا لم تقلب تاء التأنيث هاء، قال: والذي حمله على هذا أمران: أحدهما: استبعاد البناء على السكون مع سكون ما قبل الآخر لما يؤدي إلى اجتماع الساكنين في غير الوقف.
[ ٤ / ٨ ]
_________________
(١) ـ والثاني: مجيئها مفتوحة الميم، ولو كانت حركتها لالتقاء الساكنين لأتت مكسورة، وفي ذلك تعسف؛ لأن الأسماء إذا جردت عن التركيب وجب بناؤها، فيكون السكون في هذه المواضع سكون بناء، وأيضًا، فيما ذكره حمل ما اجتمع عليه القراء على الوجه الضعيف؛ لأن إجراء الوصل مجرى الوقف ليس بقوي في اللغة. وقلت: لابد للمصنف من القول بإجراء الوصل مجرى الوقف، لما سبق في الفواتح: أن هذه الأسماء معربة، وأن سكونها سكون وقف لا بناء، وحقق القول فيه وبيَّن وجه ضعف القول بالبناء، ومن ثم افتتح هذه السورة بقوله: "ميم حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف لام، وأن يبدأ بما بعدها"، وأتى بقراءة عاصم مستشهدًا لذلك. وقد مر أيضًا أن نحو (الم) رأس آية بلا خلاف، ثم إنها إن جعلت اسم سورة فالوقف عليها؛ لأنها كلام تام كما ذكره صاحب "المرشد" والكواشي، وإن جعلت على نمط التعديد لأسماء الحروف إما قرعًا للعصا أو تقدمةً لدلائل الإعجاز، فالواجب أيضًا القطع
[ ٤ / ٩ ]
فإن قلت: كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام؛ فلا تثبت حركتها؛ لأنّ ثبات حركتها كثباتها؟ قلت: هذا ليس بدرج؛ لأنّ (ميم) في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت، وإنما حذفت تخفيفًا، وألقيت حركتها على الساكن قبلها؛ ليدل عليها، ونظيره قولهم:
واحد اثنان، بإلقاء حركة الهمزة على الدال. فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين؟
قلت: لأنّ التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف؛ وذلك قولك: هذا إبراهيم وداود وإسحاق،
ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرك الميمان في ألف لام ميم، لالتقاء الساكنين. ولما انتظر ساكن آخر. فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء ساكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا. قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن: أنه كان يمكنهم أن يقولوا: واحدْ اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فيجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم، ومديق. فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير، وليست لالتقاء الساكنين. فإن قلت:
فما وجه قراءة عمرو بن عبيد بالكسر؟ قلت: هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين، وما هي بمقبولة.
_________________
(١) والابتداء بما بعدها، تفرقة بينها وبين الكلام المستقل المفيد بنفسه، فإذًا القول بنقل الحركة هو المقبول؛ لأن فيه إشعارًا بإبقاء أثر الهمزة المؤذن بالابتداء والوقف، ولا كذلك القول بأن الحركة لالتقاء الساكنين، وإنما خالف ما في "المفصل" لأنه مختصر "كتاب سيبويه"، فهو كالنقل منه، وهذا الكتاب مبني على الاجتهاد، والله أعلم. قوله: (أصيم ومديق) أصيم: تصغير أصم، مديق: تصغير مدق، وهو ما يدق فيه الشيء، اجتمع في مديق ساكنان أحدهما ياء التصغير، والثاني أول حرف التضعيف، وأما سكون الأخير فللوقف.
[ ٤ / ١٠ ]
التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ: اسمان أعجميان، وتكلف اشتقاقهما من الوري والنجل ووزنهما بتَفعَلةٍ وإفعِيلْ
_________________
(١) قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأنه يجوز أن يغتفر التقاء الساكنين فيما أولهما مدة كأصيم ومديق دون غيرهما كواحد اثنان. وأجيب: أن هذا قيد للمطلق، فإنهم اغتفروا التقاء الساكنين في الوقف مطلقًا، وقيل: تشبيه ذلك بأصيم ومديق غير صحيح؛ لأنه لو كان وقف في واحد اثنان كما زعم لكان على الدال لا على الثاء، فكيف جاز التقاء الساكنين؟ وأجيب: أن وجه الشبه: مجرد الجمع بين الساكنين، سواء كان بين كلمتين أو كلمة واحدة، لقوله: فيجمعوا بين ساكنين، والمقصود أن علة الحركة ليست عدم إمكان النطق. قوله: (ووزنهما بتفعلة وإفعيل)، قال الزجاج: اختلف النحويون في "التوراة": قال الكوفيون: هي من: وريت بك زنادي، فالأصل تورية، فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وتفعلة لا يكاد يوجد في كلامهم، وقال بعضهم: تفعلة، مثل: توصية، ولكن قلبت إلى تفعلة، كما يجوز في توصية توصاة، وهذا ليس يثبت. وقال البصريون: أصلها فوعلة، وهي في الكلام كثير مثل الحوقلة، والدوخلة، وكل ما
[ ٤ / ١١ ]
إنما يصحُّ بعد كونهما عربيَّين. وقرأ الحسنُ: (الأنجيل)، بفتح الهمزة، وهو دليلٌ على العُجمة؛ لأن "أفعيل" بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب. فإن قلت: لم قيل: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ)، (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ)؟ قلت: لأن القرآن نزل منجمًا، ونزل الكتابان جملة. وقرأ الأعمش: (نزَل عليك الكتابُ) بالتخفيف ورفع "الكتاب". (هُدىً لِلنَّاسِ) أي: لقوم موسى وعيسى. ومن قال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم
_________________
(١) قلت فيه: فوعلت فمصدره فوعلة، فأصلها وورية قلبت الواو الأولى تاء كما في تولج من ولجت، والياء قلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وإنجيل: إفعيل من النجل، وهو الأصل. وقيل: الذي يدل على أنهما عربيان دخول اللام فيهما. قوله: (إنما يصح بعد كونهما عربيتين) فيه بحث سبق في طالوت، فليراجع. قوله: (لأن القرآن نزل منجمًا)، الراغب: خص الكتاب بالتنزيل لأمرين، أحدهما: أن هذا الكتاب لما كان حكمه مؤبدًا والتنزيل بناء مبالغة، خص بها، تنبيهًا على هذا المعنى، وليس كذلك حكم الكتابين، والثاني: أن هذا الكتاب نزل شيئًا فشيئًا والكتابين جملة. قوله: (نحن متعبدون) يقال: تعبد الله الخلق، أي: استعبدهم، والتعبد: التنسك.
[ ٤ / ١٢ ]
فإن قلت: ما المراد بالفرقان؟ قلت: جنس الكتب السماوية؛ لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل، أو الكتب التي ذكرها، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة: وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب، أو أراد الكتاب الرابع؛ وهو الزبور، كما قال: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) [النساء: ١٦٣] وهو ظاهر؛ أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح؛ من كونه فارقًا بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس؛
_________________
(١) قوله: (من كتبه أو من هذه الكتب) نشر لما سبق من قوله: جنس الكتب أو الكتب التي ذكرها، فعلى الأول من باب عطف العام على الخاص، كقوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ) [الأعراف: ٥٤]، ذكر أولًا الكتب الثلاثة ثم عم الكتب كلها ليختص المذكور بمزيد شرف، وعلى الثاني: من باب عطف الصفة على الموصوف على سبيل التجريد، جرد من الكتب معنى كونها تفرق بين الحق والباطل، ثم عطف عليها كما سبق في أول البقرة. قوله: (كما قال: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [النساء: ١٦٣]) وجه الشبه أن قوله: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) جيء به بعد ما ذكر كتبًا منزلة على الأنبياء كما هو ها هنا، وذلك قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) إلى قوله: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) أو أن الكتب المنزلة المشهورة أربعة: الفرقان، والتوراة، والإنجيل، والزبور، فلما ذكرت الثلاثة علم أن المذكور بعدها الزبور، والدليل على كونه من الكتب المنزلة قوله تعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا). قوله: (أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح)، ولا يبعد أن يحمل هذا على قوله في تفسير قوله: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) [البقرة: ٥٣]: هو كقولك: رأيت الغيث والليث، تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة، ونحوه قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً) [الأنبياء: ٤٨].
[ ٤ / ١٣ ]
_________________
(١) وقال في "تفسيره": وأتينا به ضياء، أخرجه مخرج التجريد حيث جاء بالباء، نحو: رأيت بك أسدًا، على أسلوب قولك: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة، ويمكن أن يريد بقوله: أو كرر ذكر القرآن … إلى آخره: أن الكتاب أطلق أولًا على القرآن ليثبت له الكمال؛ لأن اسم الجنس في مثل هذا المقام إذا أطلق على فرد من أفراده يكون محمولًا على القرآن ليثبت كماله وبلوغه إلى حد هو الجنس كله، كأن غيره ليس منه كما لو قلت لمن وهبت له كتابًا وأنت تريد به الامتنان عليه: لقد منحتك الكتاب، أي: الكتاب الكامل في بابه، ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) [البقرة: ١٣]، واللام للجنس، والمراد: المؤمنون مكا تقرر في قوله تعالى: (الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ) [البقرة: ١ - ٢] ثم اقترن بوصف من أوصافه لتتميم معنى الكمال وتوكيده؛ لأن من شأن الكتب السماوية أن تكون فارقة بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والحلال والحرام، فينتهي بذلك الوصف غايته، وإليه الإشارة بقوله: تعظيمًا لشأنه وإظهارًا لفضله، ولو صرح أولًا باسم القرآن واقترن به الوصف لم يكن كذلك، ولهذا كان الوجه الثاني دون هذا الوجه. قال القاضي: إنما كان تعظيمًا لشأنه وإظهارًا لفضله من حيث إنه تشاركه التوراة والإنجيل في كونه وحيًا منزلًا، ويتميز بأنه معجز يفرق به بين المحق والمبطل. قال صاحب "الانتصاف": وفيه وجه آخر، وهو أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة كما قال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: ١]، و: (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) [الدخان: ٣]، ومن سماء الدنيا منجمًا في ثلاث وعشرين سنة، وأما بقية الكتب فلا يقال فيها إلا: أنزل، وهذا أوجه وأظهر.
[ ٤ / ١٤ ]
_________________
(١) ـ وقلت: لعله ذهل عن دقة المعنى ومال إلى أن تكرير القرآن لإناطة معنى زائد وهو التنزيل مرة والإنزال أخرى، وذهب عنه أن المقام مقام المدح وتعظيم الكتاب لا بيان إنزاله وتنزيله. قال الإمام: الوجوه المذكورة كلها ضعيفة، أما حمل الفرقان على الزبور فبعيد؛ لأن المراد من الفرقان: ما يفرق بين الحق والباطل، أو بين الحلال والحرام، وليس في الزبور إلا الموعظة، وأما حملة على القرآن فبعيد أيضًا لما يلزم من العطف المغايرة، ولا مغايرة حينئذ، وأما حمله على هذه الكتب فبعيد أيضًا لما يلزم منه عطف الصفة على الموصوف، والمختار عندي أن المراد بالفرقان: المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب: أي: أنزل الكتب وأنزل معها ما هو يفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة. وقلت: هذا الذي ذكره الإمام هو على مقتضى الظاهر، وعلماء هذا الفن يهجرون سلوك هذا الطريق، وإذا سنح لهم ما يخالف الظاهر لا يلتفتون إلى الظاهر، ويعدونه من باب النعيق، ومن ثم قال المصنف: وهو الزبور، وهو ظاهر، يعني أن هذا الوجه محمول على ظاهر العطف، لا أنه أظهر الوجوه وأقواها. وأما قوله: ليس في الزبور إلا الموعظة، فجوابه: أن الموعظة أيضًا فارقة من حيث إنها زاجرة عن ارتكاب المناهي داعية إلى الإتيان بالأوامر، صارفة عن الركون إلى الدنيا، هادية إلى النزوع إلى العقبى، فارقة لما يزلف إلى رضا الله عما يوجب سخط الله.
[ ٤ / ١٥ ]
تعظيمًا لشأنه وإظهارًا لفضله. (بِآياتِ اللَّهِ) من كتبه المنزلة وغيرها. (ذُو انْتِقامٍ) له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم.
(إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٥ - ٦)
(لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْء) في العالم، فعبر عنه بالسماء والأرض،
_________________
(١) قوله: (له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم)، هذه المبالغة إنما يفيدها إيراد (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بعد ذكر التوحيد وذكر إنزال الكتب الفارقة بين الحق والباطل، ثم توكيده بـ (إِنَّ)، وإيقاع قوله: (كَفَرُوا) صلة للموصول، وبناء (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) عليه، ثم تذييل المذكور بقوله: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) المشتمل على إعادة اسم الذات المقرون بصفة العزة، وإضافة "ذي" إلى الانتقام، كنحو قوله تعالى: (قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) [الزمر: ٢٨]، ومجيئه نكرة، والتنكير للتعظيم. قال القاضي: النقمة: عقوبة المجرم، والفعل منه نقم بالفتح والكسر، وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيمًا للأمر وزجرًا عن الإعراض عنه. قوله: «لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ) في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض) يعني أن الذي يقتضيه الظاهر أن يقال: لا يخفى عليه شيء في العالم، فكنى عنه بقوله: (لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ)، لأن مؤداهما واحد، لأن العالم إذا أطلق يتبادر إلى الفهم السماء والأرض وما فيهما عرفًا.
[ ٤ / ١٦ ]
فهو مطلع على كفر من كفر، وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه. (كَيْفَ يَشاء) من الصور المختلفة المتفاوتة. وقرأ طاوس (تصوّركم)، أي صوّركم لنفسه، أولتعبده، كقولك: أثلت مالًا، إذا جعلته أثلة، أي: أصلا، وتأثلته، إذا أثلته لنفسك.
_________________
(١) قال المصنف: "العالم: اسم لكل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض" كما سبق في "الفاتحة"، وسبيل هذه الكناية سبيل قولك في الكناية عن الإنسان: هو حي مستوي القامة عريض الأظفار، وإنما اختير تلك العبارة على الظاهر ليدل على مزيد تصوير جزئيات العلم ودقائقه وخفاياه، ليكون الكلام أدل على الوعيد وأنه تعالى يعاقبهم على النقير والقطمير، ويجازيهم على كفرهم بكتب الله كتابًا غب كتاب، وعلى تكذيبهم لآياته آية بعد آية، ولهذا قال: فهو مطلع على كُفر من كفَر، وهو مجازيهم عليه، ونحوه قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) [النور: ٦٣ - ٦٤]. قال المصنف: "إن جميع ما في السماوات والأرض مختصة به خلقًا وملكًا وعلمًا، فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين، وإن كانوا يجتهدون في سترها"؟ فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ) بما قبله؟ قلت: قد مر أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [إبراهيم: ٤٧] تذييل وتأكيد لإيجاب إنزال العذاب على الكافرين بكفرهم، وأنه لا مانع له عن ذلك، فجيء بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) تتميمًا لذلك وإيذانًا بأنه يعاقبهم على القليل والكثير، والنقير والقطمير. قال القاضي: إنما عبر عن العالم بالسماء والأرض لأن الحس لا يتجاوزهما، وقدم الأرض ترقيًا، ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها، وهو كالدليل على كونه تعالى حيًا، وقوله: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ) كالدليل على قيوميته.
[ ٤ / ١٧ ]
وعن سعيد بن جبير: هذا حجاج على من زعم أنّ عيسى كان ربًّا، كأنه نبه بكونه مصورًا في الرحم على أنه عبدٌ كغيره، وكان يخفى عليه ما لا يخفى على اللَّه.
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَاوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ) ٧].
(مُحْكَماتٌ): أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه
_________________
(١) قوله: (هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان ربًا)، نقل الإمام عن محمد بن إسحاق: أن من ابتداء السورة إلى آية المباهلة نزلت في النصارى حين قدم وفد نجران. وقلت: يمكن أن يكون الخطاب عامًا، وإيراد هذا الوصف بين الأوصاف لأن يدمج فيها على سبيل التعريض الاحتجاج على النصارى، وإلى التعريض الإشارة بقوله: نبه بكونه مصورًا في الرحم على أنه عبد كغيره، وتقريره أن يقال: لا شك أن من كان إلهًا يكون عالمًا بما في العالم لا يخفى عليه شيء فيه كليًا كان أو جزئيًا، وقادرًا على كل مقدور، ومنه أنه (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) وأنتم أيها النصارى تزعمون أن عيسى كان ربًا؛ لأنه وجد بغير أب، ولكنكم تقرون أنه كان مصورًا في الرحم، فإذًا لا فرق بينه وبين سائر العباد في هذا المعنى، فيلزم أن يكون عبدًا كسائر العباد، وإذا كان كذلك لا يكون ربًا فيخفى عليه ما لا يخفى على الرب، فقوله: "كغيره": صفة لقوله: عبد، وكذا كان يخفى عليه، صفة أخرى عطف على الصفة. قوله: (بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه)، قال الزجاج: "المعنى: أحكمت في الإبانة، فإذا سمعها السامع لم يحتج إلى التأويل"، الراغب: "المحكم قد وصف به القرآن على وجهين،
[ ٤ / ١٨ ]
_________________
(١) ـ أحدهما: عام في جميعه، نحو: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) [هود: ١] و(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) [يونس: ١]، يعني بذلك المحكم نحو: بناءٌ محكم، وعقد محكم. والثاني: ما وصف به بعض الكتاب، وهو المذكور في قوله: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) [آل عمران: ٧]، وهو ما لا يصعب على العالم معرفته لفظًا أو معنى. وقيل: ما لا يحتاج العالم في معرفته إلى تكلف نظر، وعكسه المتشابه. والكلام في أقسام المحكم والمتشابه مشكل ولابد من إيراد جملة ينكشف بها ذلك، فنقول وبالله التوفيق: الكلام في المتشابه على قسمين: أحدهما: ما يرجع إلى ذاته، والثاني: ما يرجع إلى أمر ما يعرض له، والقسم الأول على ضروب: أحدها: ما يرجع إلى جهة اللفظ مفردًا، إما لغرابته، نحو: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) [عبس: ٣١]، أو لمشاركة الغير، نحو اليد والعين، أو مركبًا: إما للاختصار، نحو: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]، أو للإطناب، نحو: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١]، أو لإعلان اللفظ، نحو: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ) [المائدة: ١٠٧] الآية. وثانيها: ما يرجع إلى المعنى، إما من جهة دقته كأوصاف الباري ﷿، وأوصاف القيامة، أو من جهة ترك الترتيب ظاهرًا، نحو: (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ) إلى قوله: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا) [الفتح: ٢٥]. وثالثها: ما يرجع إلى اللفظ والمعنى معًا، وأقسامهـ بحسب تركب بعض وجوه اللفظ
[ ٤ / ١٩ ]
_________________
(١) مع بعض وجوه المعنى - نحو: غرابة اللفظ مع دقة المعنىـ ستة أنواع، لأن وجوه اللفظ ثلاثة، ووجوه المعنى اثنان، ومضروب الثلاثة في اثنين ستة. والقسم الثاني من المتشابه، وهو ما يرجع إلى ما يعرض اللفظ، وهو خمسة أنواع. الأول: من جهة الكمية، كالعموم والخصوص، والثاني: من طريق الكيفية كالوجوب والندب، والثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ، والرابع: من جهة المكان كالمواضع والأمور التي نزلت فيها، نحو: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) [البقرة: ١٨٩]، وقول: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) [التوبة: ٣٧] فإنه يحتاج في معرفة ذلك إلى معرفة عادتهم في الجاهلية. الخامس: من جهة الإضافة، وهي الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد، كشروط العبادات والأنكحة والبيوع". تذييل: وقد يقسم المتشابه والمحكم بحسب ذاتهما إلى أربعة أقسام: الأول: المحكم من جهة اللفظ والمعنى، كقوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: ١٥١] إلى آخره.
[ ٤ / ٢٠ ]
(مُتَشابِهاتٌ): مشتبهات محتملات. (هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) أي: أصل الكتاب، تحمل المتشابهات عليها، وتردّ إليها، ومثال ذلك: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) [الأنعام: ١٠٣]، (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) [القيامة: ٢٣]، (لا يَامُرُ بِالْفَحْشاء) [الأعراف: ٢٧]، (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) [الإسراء: ١٦].
فإن قلت: فهلا كان القرآن كله محكما! قلت: لو كان كله محكمًا لتعلق الناس به؛ لسهولة مأخذه؛
_________________
(١) الثاني: متشابه من جهتهما، كقوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ) [الأنعام: ١٢٥] الآية. الثالث: متشابه في اللفظ محكم في المعنى، كقوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) [الفجر: ٢٢]. الرابع: متشابه في المعنى محكم في اللفظ، نحو: الساعة والملائكة، هذا تلخيص كلامه. قوله: (أي: أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها)، وذلك أن العرب تسمي كل جامع يكون مرجعًا لشيء أمًا. قال القاضي: والقياس أمهات الكتاب، وأفرد على أن الكل بمنزلة واحد، أو على تأويل: كل واحدة. قوله: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) [الأنعام: ١٠٣])، مثال للمحكم عنده، وعندنا متشابه يحمل على المحكم الذي هو (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٣]، وتأويلها: أي: لا تحيط به الأبصار، أو جميع الأبصار لا تدركه، وقوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) مثال للمتشابه عنده، مؤول بأنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم.
[ ٤ / ٢١ ]
ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمّل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة اللَّه وتوحيده إلا به. ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه؛
_________________
(١) ـ قوله: (من النظر والاستدلال): بيان "ما" في: "عما يحتاجون فيه"، والحاصل أن إيراد المتشابه في التنزيل باعث على تعلم علم الاستدلال؛ لأن معرفة المتشابه متوقفة على معرفة علم الاستدلال، فتكون حاملة على تعلمه، فتتوجه إليه الرغبات ويتنافس فيه المحصلون، فكان كالشيء النافق، بخلافه إذا لم يوجد فيه المتشابه فلم يحتج إليه كل الاحتياط فيتعطل ويضيع ويكون كالشيء الكاسد، ولذلك قال: لعطلوا الطريق، وحاصله أن هذه الداعية أقوى الدواعي. قال الإمام: إن النظر بسبب المتشابه يفتقر في تعلمه إلى الاستعانة بدليل العقل، فيتخلص عن ظلمة محض التقليد. قوله: (من الابتلاء والتمييز) أي: أن اشتماله عليه يطمع كل محق ومبطل أن يخوض فيه ليجد ما يقوي به مذهبه، فإذا بالغ المحق في ذلك وصارت المحكمات مفسرة للمتشابهات خلص الحق من الباطل، ومن مل يبالغ فيه يبقى في باطله. روينا عن الإمام أحمد بن حنبل وابن ماجة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمع النبي ﷺ قومًا يتدارؤون القرآن فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل الكتاب يصدق بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه بعضًا، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه". قال السجاوندي: العقل مبتلى باعتقاد حقية المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادات، فالحكيم إذا صنف كتابًا ربما أجمل فيه إجمالًا ليكون موضع جثو المتعلم لأستاذه، والملوك تكثر في أمثلتهم علامات لا تدركها العقول، وقيل: لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف
[ ٤ / ٢٢ ]
ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردّه إلى المحكم من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند اللَّه، ولأنّ المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام اللَّه ولا اختلاف؛ إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكر وراجع نفسه وغيره، ففتح اللَّه عليه وتبين مطابقة المتشابه المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقده، وقوّة في إيقانه. (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) هم أهل البدع (فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ) فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق
_________________
(١) ـ لاستمر العالم في أبهة العلم على المرودة، وما استأنس إلى التذلل بعز العبودية، والمتشابه هو موضع جثو العقول لبارئها استسلامًا واعترافًا بقصورها والتزامًا، وبهذا ظهر أن الوقف على قوله تعالى: (إِلاَّ اللَّهَ) هو الوجه. قوله: (والعلوم الجمة)، قال الإمام: إن اشتماله عليهما يفتقر إلى تعلم طرق التأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وهي موقوفة على تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم الأصولين. وأقول: سيما علم المعاني والبيان. قوله: (أن لا مناقضة) مفعول المعتقد، "وإذا رأى" مع جوابه خبر (أن)، والضمير في "بينه" راجع إلى ما يتناقض، ومن خواص لفظ البين أن لا يقع إلا في متعدد، وما يتناقض متعدد باعتبار المعنى. قوله: «الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) هم أهل البدع)، الراغب: الزيغ: الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، ومنه: زاغت الشمس عن كبد السماء، وزاغ البصر والقلب، وزاغ وزال متقاربان، لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل.
[ ٤ / ٢٣ ]
(ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم، (وَابْتِغاءَ تَاوِيلِهِ): وطلب أن يؤوّلوه التأويل الذي يشتهونه (وَما يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)، أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا اللَّه وعباده الذين رسخوا في العلم، أي: ثبتوا فيه وتمكنوا، وعضوا فيه بضرس قاطع.
ومنهم من يقف على قوله (إلا اللَّه)، ويبتدئ (والراسخون في العلم يقولون)، ويفسرون المتشابه: بما استأثر اللَّه بعلمه، وبمعرفة الحكمة فيه من آياته، كعدد الزبانية ونحوه
_________________
(١) قوله: (وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه)، الراغب: التأويل من الأول أي: الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو: رد الشيء إلى الغاية المرادة منه، علمًا كان أو فعلًا، ففي العلم نحو قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ) [آل عمران: ٧]، وفي الفعل كقول الشاعر: وللنوى قبل يوم البين تأويل وقوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ) [الأعراف: ٥٣] أي: بيانه الذي هو غايته المقصودة منه. قوله: (أي: لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله)، الانتصاف: لا يجوز إطلاق الاهتداء على الله تعالى لما فيه من إيهام سبق جهل وضلال جل الله تعالى عن ذلك، لأن اهتدى مطاوع هدى، ويسمى من يجدد إسلامه مهتديًا، وانعقد الإجماع على امتناع إطلاق الألفاظ الموهمة عليه تعالى، فإذا أنكر على القاضي حده مطلق العلم بكونه معرفة
[ ٤ / ٢٤ ]
والأوّل هو الوجه، و(يقولون) كلام مستأنف موضح لحال الراسخين، بمعنى: هؤلاء العالمون بالتأويل (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)، أي: بالمتشابه (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا)، أي: كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب؛
_________________
(١) ـ ودخول علم الله فيه، فهذا أولى أن ينكر، وأظنه سها فنسب الاهتداء إلى الراسخين في العلم وغفل عن شمول ذلك الحق ﷻ. قوله: (والأول هو الوجه)، واعلم أن الإمام اختار الوجه الثاني، واستدل عليه بوجوه: أحدها: أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ثم دل الدليل على أن الظاهر غير مراد، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة، وفي المجازات كثرة، وترجيح البعض لا يمكن إلا بالتراجيح اللغوية، وذلك لا يفيد اليقين، والمسألة يقينية، ولهذا لما سئل مالك بن أنس ﵁ عن قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥] قال: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". وقال الإمام: هذه الحجة قاطعة في المسألة، والقلب الخالي عن التعصب يميل إليها.
[ ٤ / ٢٥ ]
_________________
(١) ـ وثانيها: أن ما قبل الآية، وهو قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) دل على أن تأويل المتشابه مذموم، وما بعدها، وهو قوله: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) إنما يحسن إذا قلنا: إنهم آمنوا بما عرفوا على التفصيل وبما لم يعرفوا تفصيله. وثالثها: أن معنى الرسوخ إنما يتم إذا قلنا: إنهم علموا أن مراد الله غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا علمه إلى الله وعلموا أنه الحق والصواب، ولم يزعزعهم عن الصراط عدم علمهم بالمراد بالتعيين. ورابعها: أن الابتداء من قوله: (يَقُولُونَ) والوقف على (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) لم يحسن ذلك الحسن إذا ابتدئ من قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)، ويوقف على (إِلاَّ اللَّهُ)، عرف ذلك من رزق ذوقًا. قال صاحب "المرشد": لا إنكار لبقاء معنى في القرآن استأثر الله بعلمه، فالوقف على (إِلاَّ اللَّهُ) على هذا تام. وحكى عن مصحف ابن مسعود: (ويقول الراسخون في العلم آمنا) وقال: لا يكاد يوجد في التنزيل "أما" وما بعدها رفع إلا ويثنى أو يثلث، كقوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ) [الكهف: ٧٩]، (وَأَمَّا الْغُلامُ) [الكهف: ٨٠]، (وَأَمَّا الْجِدَارُ) [الكهف: ٨٢] الآيات. فالمعنى: وأما الراسخون، فحذف "أما"؛ لدلالة الكلام عليه. فإن قيل: فيلزم على هذا أن يجاء في الجواب بالفاء، وليس بعد (وَالرَّاسِخُونَ) الفاء. فجوابه: إن "أما" لما حذفت ذهب حكمها الذي يختص بها، فجرى مجرى الابتداء والخبر. قال صاحب "المرشد": هذا وجه جيد. وقال ابن الحاجب: أما مجيء المتعدد في "أما" فكثير؛ ولذلك قال بعضهم: إنه لازم، وحمل عليه قوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) على معنى: وأما الراسخون فيقولون: آمنا به. وهذا وإن كان محتملًا في هذا الموضع إلا أن الظاهر خلافه في غيره، كقوله القائل: أما أنا فقد فعلت كذا، ويسكت ولا إشكال في صحة مثل ذلك.
[ ٤ / ٢٦ ]
_________________
(١) ـ وقلت: في قوله: "محتملًا" إغفال للنظم، إذ ليس للاحتمال مجال، لأن الآية من باب الجمع والتقسيم والتفريق، أما الجمع فقوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ)، والتقسيم قوله: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ)، وقوله: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، والتفريق: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) الآية، فلابد من جعل (وَالرَّاسِخُونَ) قسيمًا له، لأن التقسيم حاصر، وكان من الظاهر أن يقال: فأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم، فوضع موضع ذلك: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) وإنما وضع: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) موضع "يتبعون" المحكم لإيثار لفظ (الرَّاسِخُونَ) على (المهتدون) في الابتداء، لأن الرسوخ في العلم لا يحصل إلا بعد الاهتداء والتتبع التام والاجتهاد البليغ، فإذا استقام القلب في سبيل الرشاد ورسخ القدم في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق إرشادًا للخلق، وكفى بدعاء الراسخين في العلم: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران: ٨] شاهدًا على أن (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) مقابل لقوله: (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ)، وكذا (يَقُولُونَ) وما يتصل به مقابل لـ "يتبعون" وما يتعلق به، فكأنه قيل: فأما الزائغون فيتبعون المتشابه، وأما الراسخون فيتبعون المحكم ويردون المتشابه إلى المحكم بقدر وسعهم، وإلا فيقولون: كل من المحكم والمتشابه من عند الله، ثم جيء بقوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) تذييلًا وتعريضًا بالزائغين ومدحًا للراسخين، يعني من لم يتذكر ولم يتعظ ويتبع هواه ليس من أولي الألباب، ومن ثم قال الراسخون: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) خضعوا لبارئهم لاستنزال العلم اللدني واستعاذوا به من الزيغ النفساني، وأما قوله: أما أنا فقد فعلت كذا ويسكت، فلا
[ ٤ / ٢٧ ]
_________________
(١) ـ وجه له بعد إقراره بأن (أما) وضع للتفصيل، لأنه إن أراد استقلاله بنفسه وأنه لم يتعلق بكلام سابق يدل معه على التفصيل فيكون (أما) غير موضوع له، وإن تعلق ودل، وهو الواجب، فقد حصل المرام، على أن الذوق السليم والطبع المستقيم شاهدان بأن هذا ليس كلامًا ابتدائيًا. فإن قلت: هل يجب معه الواو ليكون معطوفًا على ذلك المقدر؟ قلت: لا، ويؤيده ما روينا في "صحيح البخاري"، عن أنس: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن منه صلوات الله عليه، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. الحديث. فكأنه قال: أما رسول الله ﷺ فممن خصه الله بالمغفرة فلا عليه أن لا يكثر العبادة، وأما أنا فلست كهيئته فأصلي أبدًا. الراغب: الأظهر من الآية الوقف على قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ)، وما قال بعضهم: لو جاز أن يخاطبنا ولم يعرفنا مراده لجاز أن يخاطبنا بكلام الزنج والروم! فالجواب عنه: أن كلام الروم والزنج لا يعلم المراد منه مجملًا ولا مفصلًا، والمتشابه يعلم منه المراد مجملًا، ولأن كل آية فسرها المفسرون على أوجه فمعلوم أن المراد لا يخرج منه، على أنه لم يمتنع أن يكلفنا الله تلاوة أحرف لا نعرف معناها فيثيبنا على تلاوتها، كما يكلفنا أفعالًا لا نعرف وجه الحكمة فيها، فالتلاوة فعل يختص باللسان. فإن قيل: لم خص الراسخين بأنهم يقولون: آمنا به؟ قيل: لأن معرفة ما للإنسان سبيل إلى معرفته، ومعرفة ما لا سبيل له إلى معرفته، ومعرفة ما لا سبيل له إلى معرفته هي من علوم الراسخين، لأن الحكماء هم الذين يميزون بين ما يمكن علمه وما لا يمكن أن يعلم،
[ ٤ / ٢٨ ]
كل من متشابهه ومحكمه من عند اللَّه الحكيم الذي لا يتناقض كلامه، ولا يختلف كتابه. (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمّل، ويجوز أن يكون (يَقُولُونَ) حالًا من الراسخين، وقرأ عبد اللَّه: (إن تأويله إلا عند اللَّه). وقرأ أبىّ: (ويقول الراسخون).
(رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) ٨ - ٩]
(لا تُزِغْ قُلُوبَنا): لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا) وأرشدتنا لدينك
_________________
(١) ـ وما الذي يدرك إن طلب، وما الذي لا يدرك، وعلى أي غاية يجب أن يقف طالب العلم، وأي مكان يتجاوزه، وهذا من أشرف منزلة العلماء الراسخين. قوله: «بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) وأرشدتنا لدينك) هذا على أن الهداية بمعنى الدلالة الموصلة إلى البغية، وقوله: "بعد إذ لطفت بنا" على أن يكون بمعنى الدلالة المجردة، والمقابل الحقيقي على التقديرين: الإضلال، كما فسره في قوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢] لكن لما لم يكن موافقًا لمذهبه قال: لا تبتلنا أي: لا تختبرنا اختبارًا يكون سببًا للزيغ، أو لا تمنعنا ألطافك يكون سببًا للضلال، ونسي قوله: إن سبب السبب سبب. وقال القاضي: (لا تُزِغْ قُلُوبَنَا) من مقال الراسخين، وقيل: هو استئناف، أي: لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى إتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه، قال رسول الله ﷺ: "قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه على الحق، وإن شاء أزاغه".
[ ٤ / ٢٩ ]
أو: لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا. (مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً): من عندك نعمة بالتوفيق والمعونة. وقرئ: (لا تزغ قلوبنا)، بالتاء والياء ورفع القلوب، (جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ)، أي: تجمعهم لحساب يوم، أو لجزاء يوم، كقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) [التغابن: ٩]. وقرئ: (جامع الناس)، على الأصل
_________________
(١) الانتصاف: أهل السنة يدعون بهذه الدعوة غير محرفة، لأن الهدى والزيغ مخلوقان لله تعالى، والمعتزلة يزعمون أن العبد يخلق الزيغ لنفسه فيحرفون الدعاء عن موضعه. الراغب: (لا تُزِغْ قُلُوبَنَا) لا تمنعنا التوفيق، فجعل منع التوفيق إزاغة للقلوب لأدائه إليها إشارة إلى ما قيل: أقطع ما يكون المجتهد إذا خذله التوفيق، وإياه قصد من قال: إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأكثر ما يجني عليه اجتهاده والهبة: تمليك الشيء غيره من غير ثمن، فنبه بقوله تعالى: (وَهَبْ لَنَا) أن حق العبد أن لا يلتفت إلى شيء من العمل وطلب العوض به، بل يرجو رجاء المفاليس الطالبين للتفضل والهبة لا العوض، وإنما قال: (مِنْ لَدُنْكَ) لأنه لما كانت الهبة على ضربين: هبة عن عوض، وهبة لا عن عوض، نبه بقوله: (هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ) أن هذه الهبة اعتراف أن بتفضله يدرك ما لا يدرك في الدنيا والآخرة، نحو قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [الأعراف: ٤٣]. قوله: (أو لجزاء يوم، كقوله: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) [التغابن: ٩]، قال القاضي: نبهوا به على أن معظم غرضهم من الطلبتين ما يتعلق بالآخرة، فإنها المقصد والمآل.
[ ٤ / ٣٠ ]
(إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) معناه: أنّ الإلهية تنافي خلف الميعاد، كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله، والميعاد: الموعد.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢»
قرأ علي ﵁: (لن تغني) بسكون الياء، وهذا من الجدّ في استثقال الحركة على حروف اللين.
(مِنَ) في قوله: (مِنَ اللَّهِ) مثله في قوله: (وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [النجم: ٢٨]. والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة اللَّه أو من طاعة اللَّه (شَيْئًا)، أي: بدل رحمته وطاعته وبدل الحق. ومنه (ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ)
_________________
(١) قوله: (أن الإلهية تنافي خلف الميعاد) يريد أن هذه الخاتمة تذييل لما سبق، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: "إنك لا تخلف الميعاد"، ثم إن ربنا لا يخلف الميعاد، فوضع المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق، وخص باسم الذات، وجعله محكومًا عليه، وجعل عدم خلف الميعاد محكومًا به ليكون من باب الإشعار بالعلية، ولهذا مثل بقوله: إن الجواد لا يخيب سائله. قوله: (ومنه: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد")، روينا عن مسلم وأبي داود والنسائي، عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم لك الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". النهاية: الجد: الحظ والسعادة والغنى، أي: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة.
[ ٤ / ٣١ ]
أي: لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بذلك، أي: بدل طاعتك وعبادتك وما عندك، وفي معناه قوله تعالى: (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى) [سبأ: ٣٧]. وقرئ: (وقود)، بالضم بمعنى: أهل وقودها. والمراد بالذين كفروا: من كفر برسول اللَّه ﷺ، وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير. (الدأب): مصدر دأب في العمل: إذا كدح فيه، فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم، ويجوز أن ينتصب محل الكاف ب (لن تغنى)، أو ب (الوقود)، أي: لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك، أو توقد بهم النار كما توقد بهم
_________________
(١) ـ قوله: (وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير) فالتعريف في (الَّذِينَ كَفَرُوا) على هذا للعهد، وعلى الأول للجنس. قوله: (فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله)، قال في "الأساس": دأب الرجل في عمله: اجتهد فيه، ومن المجاز: هذا دأبك، أي: شأنك وعملك، وقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ) [إبراهيم: ٣٣]، ويقال للملوين: الدائبان. الراغب: الدأب: العادة التي عليها يدوم صاحبها، وهو أخص من العادة، ومنه أدأب في سيره، قال الفراء: الدأب: لزوم الحال التي فيها. قوله: (أي: لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك أو: توقد بهم). هذا نشر لقوله: أن ينتصب محل الكاف بـ (لَنْ تُغْنِيَ) أو بالـ (وَقُودُ) من حيث اللفظ، وقوله: "دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم": تقرير وجه الرفع، ثم قوله: يقول: "إنك لتظلم الناس"، إلى قوله: "كما حورف أبوه"، مثالان لهذين التقديرين على النشر أيضًا.
[ ٤ / ٣٢ ]
تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك، تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإنّ فلانا لمحارف كدأب أبيه، تريد كما حورف أبوه. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) تفسير لدأبهم ما فعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم
_________________
(١) قلت: في الآية أن الضمير في (عَنْهُمْ) راجع إلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والمراد بالكفر: الشرك؛ وهو الظلم، (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، كأنه قيل: لن تغني عن الذين ظلموا وأشركوا كما لم تغن عن أولئك، وأن الموقود بالنار يبقى محارفًا كما شقي وحورف أولئك. قوله: (لمحارف). الجوهري: رجل محارف بفتح الراء، أي: محدود محروم، وهو خلاف قولك: مبارك، وقد حورف كسب فلان، أي: شدد عليه في معاشه. فمعنى توقد بهم النار، أي: مصيرهم إلى سوء الخاتمة، شبهوا بالمحارف المحروم الذي شدد عليه معاشه في خيبة السعي والعاقبة الوخيمة. قوله: (على أنه جواب سؤال مقدر) متعلق بقوله: "تفسير لدأبهم" أي: فصل قوله: (كَذَّبُوا) عن الكلام السابق، على طريقة الاستئناف، ليكون تفسيرًا لدأبهم، هذا على تقدير أن يكون الكاف مرفوع المحل وأن التقدير: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم، وذلك أن المشبه حينئذ معنى مجموع الآية السابقة مما فعل هؤلاء الكفرة من الكفر والتكذيب، وما فعل بهم من تخييب سعيهم وإيقاد النار بهم، لأن المشار إليه بقوله: (هَؤُلاءِ): المار ذكرهم، والمشبه به: حال فرعون من الطغيان وما لحقه من تبعته من إهلاكه، ووجه الشبه قوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)، ونحوه قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: ٥٩].
[ ٤ / ٣٣ ]
_________________
(١) ـ قال الزجاج: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ليس بمتصل بآدم، وإنما هو تبيين قصته، فإذا قلت: مثلك مثل زيد، أردت أنك تشبهه في فعل ثم تخبر بقصة زيد تقول: فعل كذا وكذا، والتشبيه تمثيلي، يعني قوله: دأب هؤلاء كدأب آل فرعون وموقعه من الكلام السابق موقع التذييل التشبيهي، كقول الشاعر: وأشد ما لاقيت من ألم الهوى … قرب الحبيب وما إليه سبيل كالعيس في البيداء يقتلها الظما … والماء فوق ظهورها محمول وأما على أن ينتصب محل الكاف، فالوجه أمر واحد؛ لأن التشبيه إما واقع في عدم الإغناء، كما قال: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ)، كما لن تغني عن أولئك، أو في الإيقاد المعني بقوله: أو توقد بهم كما توقد بهم، والوجه على التقديرين عقلي ظاهر لم يحتج إلى البيان، فيكون قوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ): استئنافًا على بيان الموجب، فإنه تعالى لما أخبر أن أموالهم التي جمعوها، وأولادهم الذين تكاثروا بهم، لم تغن عنهم شيئًا، كما لم تغن عمن قبلهم، أو أخبر أن النار أوقدت بهم كما أوقدت بمن قبلهم، اتجه لقائل أن يسأل: لم أفعل بهم؟ أي: بآل فرعون ومن قبلهم، ذلك؟ فأجيبوا: لأنهم كذبوا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم، ولما كان معنى الدأب: الحال والشأن، وأنك تعلم أن التشبيه الواقع في الحال والقصة لا يكون إلا في الأمور المنتزعة المتوهمة، ولم يستقم ذلك إذا كان الوجه أمرًا واحدًا،
[ ٤ / ٣٤ ]
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) هم مشركو مكة، (سَتُغْلَبُونَ)، يعني: يوم بدر وقيل: هم اليهود. ولما غلب رسول اللَّه ﷺ يوم بدر قالوا: هذا واللَّه النبيّ الأميّ الذي بشرنا به موسى، وهموا باتباعه، فقال بعضهم: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد شكوا. وقيل: جمعهم رسول اللَّه ﷺ بعد وقعة بدر في سوق بني قينقاع. فقال: يا معشر اليهود! احذروا مثل ما نزل بقريش، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أنى نبي مرسل. فقالوا: لا يغرّنك أنك لقيت قومًا أغمارًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت
_________________
(١) ـ أوله بقوله: كدأب أبيك، يريد كظلم أبيك أولًا، وبقوله: إن فلانًا لمحارف، كدأب أبيه، يريد: كما حورف أبوه ثانيًا، والوجه هو الأول وعليه النظم. قال الإمام: معنى الآية أنه: كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال، فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد ﷺ ذلك من القتل والسبي وسلب الأموال، ويكون قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ) الآية [آل عمران: ١٢] كالدلالة على ذلك، وكأنه تعالى بين أنه كما نزل بالقوم العذاب المعجل، ثم يصيرون إلى دوام العذاب فسينزل بمن كذب بمحمد صلوات الله عليه هذان الأمران. قوله: (شكوا) إنما شكوا لأنهم ظنوا أن رسول الله ﷺ يظهر أمره، ولا ينقطع عن قريب، فقالوا: لو كان هو النبي الأمي المبشر به لظهر أمره، ولما انقطع عن قريب، ولم يعلموا أن الله تعالى سينصره ويظهر دينه، ولما علموا وتيقنوا عاندوا. قوله: (فنزلت) يعني قوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ)، الفاء في فنزلت متعلق بالروايتين المختصتين باليهود، وتقريره على الرواية الأولى، وهي قوله: فلما كان يوم أحد
[ ٤ / ٣٥ ]
وقرئ: (سيغلبون ويحشرون)، بالياء كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ) [الأنفال: ٣٨]، على: قل لهم قولي لك: سيغلبون فإن قلت: أي فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء: الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون، وهو الكائن من نفس المتوعد به، والذي يدل عليه اللفظ: ومعنى القراءة بالياء: الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه؛ كأنه قال: أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون
_________________
(١) ـ شكوا، فنزلت، يعني: قل لليهود: لا تشكوا في أني أنا النبي الأمي المبشر به في التوراة إن غلبت بعد الظفر، فإن الحرب سجال، فإن كانت الدائرة يوم أحد علينا فتكون بعد ذلك عليكم، فستغلبون وتحشرون، وعلى الثانية ظاهر، ذكر الواحدي، عن ابن عباس، أن الخطاب بقوله: (سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ) لليهود، وعن مقاتل: أنه للمشركين. قوله: (وقرئ: "سيغلبون ويحشرون" بالياء) فيهما: حمزة والكسائي، وبالتاء الفوقانية الباقون. قوله: (والذي يدل عليه اللفظ) عطف على قوله: الكائن أو على نفس المتوعد به، ومن: بيانية، واللام في المتوعد: بمعنى الذي، والضمير في به: راجع إلى اللام، ولفظة هو: راجع إلى معنى سيغلبون. قوله: (سيغلبون) بالياء التحتانية هو عين ما تكلم به الله تعالى، ونفس ما توعد به، وهذا
[ ٤ / ٣٦ ]
_________________
(١) هو الذي يدل عليه لفظ (سَتُغْلَبُونَ) بالتاء الفوقانية، الذي نقله صلوات الله عليه في قول الله تعالى. والحاصل أن القراءة بالتاء الفوقانية تدل على أن الأمر متوجه إلى إيصال معنى اللفظ إلى الكفار، وبالياء تدل على أن الأمر متوجه إلى إيصال اللفظ بعينه. فإن قلت: كيف جعل المصنف القراءة بالياء التحتانية أصلًا، وبالتاء فرعًا؟ ولم لا يجوز العكس، على أن الواحدي في "الوسيط" لم يفرق بينهما، ونقل عن الفراء أنه يجوز في مثل هذا التاء والياء: لأنك تقول في الكلام: قل لعبد الله: إنه قائم، و: إنك قائم. قلت: لا ارتياب أن هذا وعيد وتهديد للكفار، وقد علم في غير موضع أن الوعيد والتهديد إذا عدل عن مخاطبة المهدد والموعد ولم يجعل [محلًا] للخطاب بعدًا له، كان أبلغ، كقوله تعالى: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: ١١٦] وقوله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ) [التكوير: ٨]. وأيضًا، في نفس التركيب الأول تأكيد وتقرير ليس في الثاني، لأنه على الحكاية يقتضي أن يقال ابتداء: سيحشرون، ثم يؤمر بأن يحكي اللفظ بعينه اهتمامًا به، بخلاف الثاني. وأما قوله: قل لعبد الله: إنه قائم، فيحتمل وجهين. أحدهما: الحكاية للتقرير والتأكيد كما سبق. وثانيهما: أن يراد مؤدى معناه، وهو أنك قائم، والأول آكد وبمقام المبالغة أنسب، فظهر من هذا أن قوله: "سيغلبون ويحشرون" بالياء التحتانية على سبيل الحكاية أبلغ وآكد من الخطاب والمقام له أدعى، فكان جعله أصلًا في الاعتبار أولى.
[ ٤ / ٣٧ ]
(قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصار) ١٣]
(قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ) الخطاب لمشركي قريش (فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا)
_________________
(١) قوله: «قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ) الخطاب لمشركي قريش)، واستدل المصنف عليه بقراءة نافع: "ترونهم" بالتاء الفوقانية، وفيه نظر، لأنه على هذا التقدير لا يستقيم أن يكون الضمير في (مِثْلَيْهِمْ) للمشركين اللهم إلا أن يقال: التفت فيه كما قدر مثلي فئتكم، لكن ليس موضعًا للالتفات. نعم، هذه القراءة تدل على الوجه الثاني، أي: ترونهم مثلي عدد المسلمين. وقال الواحدي: (قَدْ كَانَ لَكُمْ) يخاطب الذين ذكرهم في قوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا)، ونقل عن ابن عباس: أن المخاطبين بقوله: "سيغلبون" يهود المدينة، وعن مقاتل: مشركو مكة، وقال القاضي: الخطاب بقوله: (قَدْ كَانَ لَكُمْ) إذا كان لمشركي مكة ينبغي أن يكونوا غير من خوطبوا بقوله: (سَتُغْلَبُونَ)، يعني يوم بدر، لما يؤدي إلى أن يقال: أيها المشركون، إنكم ستغلبون يوم بدر، واعتبروا بما جرى عليكم يوم بدر على ما يقتضيه النظم، وإذا كان
[ ٤ / ٣٨ ]
يوم بدر (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ): يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريبًا من ألفين، أو مثلي عدد المسلمين ست مائة ونيفًا وعشرين، أراهم اللَّه إياهم مع قلتهم أضعافهم؛ ليهابوهم، ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مددًا لهم من اللَّه، كما أمدّهم بالملائكة، والدليل عليه قراءة نافع: (ترونهم)، بالتاء، أي: ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة، أو مثلي أنفسهم. فإن قلت: فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) [الأنفال: ٤٤]؟ قلت: قللوا أوّلا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين. ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) وقوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئوُلُونَ) [الصافات: ٢٤]. وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية.
وقيل: يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين على ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال: ٦٦] بعد ما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال: ٦٥]
_________________
(١) ـ لليهود لا يستقيم عليه قراءة (تَرَوْنَهُمْ) بالتاء، والأقرب أن يراد بقوله: (سَتُغْلَبُونَ) غير الذين أريدوا بقوله: (قَدْ كَانَ لَكُمْ) وأن لا يراد بقوله: (سَتُغْلَبُونَ) يوم بدر، سواء كان المخاطبون مشركي قريش أو يهود، إلا أن يكون الثاني خطابًا للمسلمين مستأنفًا منقطعًا عما قبله امتنانًا عليهم، ويساعده قراءة نافع. قوله: (لافوهم) صح بالفاء، أي: خالطوهم، قال في "الأساس": لف الكتيبة بالأخرى، وجاؤوا من لف ولفيف، وهم الأخلاط، وفي بعض النسخ: بالقاف، والأول أنسب. قوله: (وقيل: يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين)، هذا معطوف على قوله: "يرى
[ ٤ / ٣٩ ]
ولذلك وصف ضعفهم بالقلة؛ لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف، وكان الكافرون ثلاثة أمثالهم، وقراءة نافع لا تساعد عليه
_________________
(١) ـ المشركون المسلمين"، وعلى هذا لا يرد السؤال، لكن قراءة نافع لا تساعد عليه، إذ لا يستقيم أن يكون المعنى: ترون أيها المسلمون المشركين مثليهم، لأن المقدر: مثلي المسلمين، إلا أن يكون التفاتًا. الانتصاف: الخطاب على قراءة نافع للمسلمين، أي: ترونهم يا مسلمون، ويكون الضمير في (مِثْلَيْهِمْ) أيضًا للمسلمين، وهو لفظ غيبة، والمعنى: ترون أيها المسلمون المشركين مثليهم، أي: مثليكم، وفيه التفات في جملة واحدة، وهو وإن كان فصيحًا لكن غالب ما يأتي في جملتين، وها هنا (مِثْلَيْهِمْ) مفعول لـ (تَرَوْنَهُمْ)، وهو كما لو قلت: أظنك يقوم، بالياء للغيبة، ولم يكن بذلك إلا أنه لازم على أحد وجهيه المقدمين، فإن قراءة نافع تقديرها: ترون يا مشركون المسلمين مثلي عددهم أو مثلي فئتكم الكافرة، فعلى الثاني يلزم الخروج من الخطاب إلى الغيبة في جملة واحدة. قوله: (ولذلك وصف ضعفهم) أي: لما قرر من مقاومة الواحد الاثنين بعدما كلفوا مقاومة الواحد العشرة، وصف ضعف المشركين بالقلة؛ لأن الضعف قليل بالإضافة على عشرة الأضعاف، يريد في سورة الأنفال في قوله: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا) [الأنفال: ٤٤]. قوله: (إلى عشرة الأضعاف) قيل: عرفه؛ لأن المراد المعهود في قوله: (يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال: ٦٦]، ولو قال: تسعة الأضعاف، لكان أحسن؛ لأن العشرة تسعة أضعاف الواحد، لأن ضعف الواحد اثنان، وضعفا الواحد ثلاثة.
[ ٤ / ٤٠ ]
_________________
(١) قال في "المغرب": فإذا وصى الميت: أعطوا فلانًا ضعف ما يصيب ولدي، يعطى مثله مرتين، ولو قال: ضعفي ما يصيب ولدي، فإن أصابه مئة يعطى ثلاث مئة. وعن أبي عبيدة في قوله تعالى: (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) [الأحزاب: ٣٠] أي: تعذب أعذبة. قلت: وفي "المغرب" أيضًا: أن الأزهري أنكره وقال: هذا الذي يستعمله الناس، وأما الحذاق فقالوا: إنها تعذب مثلي عذاب غيرها، لأن الضعف في كلامهم: المثل. ويؤيده قول المصنف في قوله تعالى: (فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ) [البقرة: ٢٦٥] "ضعفين: مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل". وقول الراغب: الضعف من الألفاظ المتضايفة، كالنصف والزوج، وهو تركب زوجين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: أضعفت الشيء وضعفته وضاعفته، ضممت إليه مثله فصاعدًا، قال بعضهم: ضاعف أبلغ من ضعف، ولهذا قرأ أكثرهم: (يُضَاعَفْ) [الأحزاب: ٣٠]، وقال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: ١٦٠] فالمضاعفة على قضية هذا القول تقتضي أن تكون عشر أمثالها. وقيل: ضعفت، بالتخفيف، ضعفًا، فهو مضعوف، فالضعف: مصدر، والضعف: اسم كالثني والثني، فضعف الشيء هو الذي يثنيه، ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد
[ ٤ / ٤١ ]
وقرأ ابن مصرف: (يرونهم)، على البناء للمفعول بالياء والتاء، أي يريهم اللَّه ذلك بقدرته. وقرئ: (فئة تقاتل وأخرى كافرة)، بالجرّ على البدل من فئتين، وبالنصب على الاختصاص، أو على الحال من الضمير في (التقتا)، (رَايَ الْعَيْنِ) يعنى رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات (وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ) كما أيد أهل بدر في تكثيرهم في عين العدوّ
_________________
(١) ـ ومثله، نحو أن يقال: ضعف العشرة، فذلك عشرون بلا خلاف، وإذا قلت: أعطه ضعفي واحد، فإن ذلك اقتضى الواحد ومثليه، وذلك ثلاثة؛ لأن معناه: الواحد واللذان يزاوجانه، هذا إذا كان الضعف مضافًا، فإذا لم يكن مضافًا فقلت: الضعفين، قيل: ذلك يجري مجرى الزوجين في أن كلًا منهما يزاوج الآخر، فلا يخرجان عن الاثنين، بخلاف ما إذا أضيف الضعفان إلى واحد فيثلثهما، نحو: ضعفي الواحد. قوله: (وبالنصب على الاختصاص) أي: على المدح، يعني: اذكر فئة لا يخفى شأنها، وهي التي تجاهد في سبيل الله، وعلى هذا "وأخرى كافرة" منصوبة على الذم؛ لأنها مقابلة لها ومعطوفة عليها. قوله: (أو على الحال من الضمير في (الْتَقَتَا»، قال أبو البقاء: ويقرأ "فئة" بالنصب فيهما على أن يكون حالًا من الضمير في (الْتَقَتَا)، تقديره: التقتا مؤمنة وكافرة، و"فئة"، و"أخرى"، على هذا: توطئة للحال. يريد: أن لفظة "فئة"، ولفظة "أخرى" في القرآن موطئتان للحال، والحال هي: مؤمنة وكافرة، كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف: ٢]، وعبر بقوله: (تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) عن قوله: "مؤمنة" لأنه مقابل لقوله: "كافرة".
[ ٤ / ٤٢ ]
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ) ١٤ - ١٧].
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ) المزين هو اللَّه ﷾؛ للابتلاء، كقوله: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ) [الكهف: ٧]. ويدل عليه قراءة مجاهد: (زين للناس)، على تسمية الفاعل. وعن الحسن: الشيطان، واللَّه زينها لهم؛
_________________
(١) ـ قوله: (المزين هو الله ﷾ للابتلاء)، قال القاضي: لأنه الخالق للأفعال والدواعي، ولعله زينه ابتلاء أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله، ولأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع. وقلت: الأول يناسب المقام، لقوله تعالى: (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [آل عمران: ١٤] وقوله: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ) [آل عمران: ١٥]، وتسمية المذكورات بالخير على زعم طالبيها، ونحوه قوله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [الأنعام: ٣٢]. الراغب: أصل الشهوة نزوع النفس إلى ما تريده، وذلك في الدنيا ضربان: صادقة وكاذبة، فالصادقة: ما يختل البدن من دونه، كشهوة الطعام عند الجوع، والكاذبة: ما لا يختل من دونه، وقد يسمى المشتهى شهوة، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) يحتمل الشهوتين، وقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) [مريم: ٥٩] من الشهوات الكاذبة، ومن المشتهيات المستغنى
[ ٤ / ٤٣ ]
لأنا لا نعلم أحدًا أذم لها من خالقها (حُبُّ الشَّهَواتِ) جعل الأعيان التي ذكرها شهوات؛ مبالغة في كونها مشتهاة محروصًا على الاستمتاع بها. والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات؛ لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية، وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) ثم جاء التفسير؛
_________________
(١) عنها، وقوله تعالى في صفة الجنة: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ) [الزخرف: ٧١] من الصادقة. قوله: (جعل الأعيان التي ذكرها شهوات) يعني حين أوقع الشهوات مبهمًا أولًا ثم بين بالمذكورات، علم أن الأعيان هي عين الشهوات، كأنه قيل: زين حب الشهوات التي هي النساء، فجرد عن النساء شيء يسمى شهوات، وهي نفس الشهوات، نحو: في البيضة عشرون رطلًا حديدًا، كأنه قيل: هذه الأشياء خلقت للشهوات وللاستمتاع بها لا غير، لكن المقام يقتضي الذم، ولفظ الشهوة عند العارفين مسترذل، والتمتع بها نصيب البهائم، وهو المراد من قوله: "والوجه أن يقصد تخسيسها". قوله: (من اتبعها) متعلق بقوله: "مذموم"، مفعول أقيم مقام الفاعل، و"شاهد على نفسه بالبهيمية" بدل من قوله: "مذموم من اتبعها"؛ لأن "شاهد" مستند إلى ضمير من اتبعها. قوله: (وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ»، قيل: هذه الجملة مستأنفة، وليست بها؛ لأن الجملة المستأنفة المقرونة بالعاطفة لا تكون إلا معترضة أو مذيلة، وهذه ليست كذلك، بل هي معطوفة على قوله: "جعل الأعيان"، ويكون قوله: "والوجه أن يقصد"، كالإضراب عن قوله: "جعل"، ثم بنى الكلام على الثاني وقال: " (زُيِّنَ) أي: جعل الأعيان نفس الشهوات مبالغة، لا بل قصد تخسيسها، وسماها شهوات"، يعني سماها شهوات ابتداء تخسيسًا لها.
[ ٤ / ٤٤ ]
ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها وأدلّ على ذم من يستعظمها، ويتهالك عليها، ويرجح طلبها على طلب ما عند اللَّه. والقنطار: المال الكثير. قيل: ملء مسك ثور، وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مئة رجل قد قنطروا، و(المقنطرة) مبنية من لفظ القنطار؛ للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة.
_________________
(١) قوله: (حبه). الضمير راجع إلى اللام في "المزين" لأنها موصولة، أي: الذين زين لهم. قوله: (ما هو إلا شهوات لا غير) من التراكيب التي منعها صاحب "المفتاح"، وقال: لا يصح: ما زيد إلا قائم لا قاعد، ولا: ما يقوم إلا زيد لا عمرو، والسبب أن "لا" العاطفة من شرط منفيها أن لا يكون منفيًا قبلها بغيرها من كلمات النفي. وقيل في العذر: ليست "لا" في قوله: "لا غير" للعطف، بل هو لمجرد النفي، وقوله: "لا غير" صفة لـ "شهوات"، أي: ما هو إلا شهوات موصوفة بأنها ليست غير الشهوات، أي: موصوفة بأنها شهوات صرفة. وقلت: هذا الغدر إن صح في هذا المقام فكيف يصح في قوله في النساء: "ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا إحسانًا لا إساءة"، إذ لا يجوز فيه إلا العطف؛ لأن اسم "لا" المفرد لا يكون منصوبًا أبدًا، بل إذا كان مضافًا أو مشبهًا به، والحق جوازه على تأكيد ما هو منفي قبلها. قوله: (والقنطار: المال الكثير)، الراغب: القنطرة من المال: مقدار ما فيه عبور الحياة، تشبيهًا بالقنطرة، وذلك غير محدود القدر، وإنما هو بحسب الإضافة كالغنى، فرب إنسان يستغني بالقليل، وآخر لا يستغني بالكثير، ولما قلنا: اختلفوا في حده، فقيل: أربعون أوقية، وقال الحسن: ألف ومئتا دينار، إلى غير ذلك، كاختلافهم في حد الغنى، (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ) أي: المجموعة قنطارًا قنطارًا، كقولهم: دراهم مدرهمة، ودنانير مدنرة.
[ ٤ / ٤٥ ]
و(الْمُسَوَّمَةِ): المعلمة، من السومة وهي العلامة؛ أو المطهمة؛ أو المرعية، من أسام الدابة وسوّمها (وَالْأَنْعَامِ): الأزواج الثمانية. (ذلك) المذكور (مَّتَاعُ الحياة الدنيا)، (لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات) كلام مستأنف، فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم؟ عندي رجل صفته كيت وكيت، ويجوز أن يتعلق اللام ب (خير)، واختص المتقين؛ لأنهم هم المنتفعون به، وترتفع (جنات) على: هو جنات، وتنصره قراءة من قرأ (جنات) بالجرّ على البدل من (خير)
_________________
(١) قوله: (أو المطهمة)، الأساس: جواد مطهم: تام الحسن، ورجل مطهم. قوله: (هل أدلكم على رجل عالم؟ عندي رجل)، قوله: "عندي رجل" مثال لقوله: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا)، فيكون "رجل عالم" نظير (بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ)، وذلك يوهم أن (مِنْ ذَلِكُمْ) صفة لـ "خير"، وليس به. قال أبو البقاء: (مِنْ ذَلِكُمْ) في موضع نصب بـ "خير"، أي: بما يفضل ذلك، ولا يجوز أن يكون صفة لـ "خير"؛ لأن ذلك يوجب أن تكون الجنة وما فيها مما رغبوا فيه بعضًا لما زهدوا فيه من الأموال ونحوها. قوله: (وترتفع (جَنَّاتٌ) على هو جنات)، وهو نحو قوله تعالى: (أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّارُ) [الحج: ٧٢]. قوله: (وتنصره قراءة من قرأ "جنات" بالجر على البدل)؛ لأن جنات حينئذ بيان للخير كما أن قوله: "هو جنات": تفسير له، قال أبو البقاء: هو: صفة لخير، و(خَالِدِينَ): حال مقدرة من ضمير (اتَّقَوْا)، والعامل الاستقرار، أو من الهاء في (تَحْتِهَا).
[ ٤ / ٤٦ ]
(والله بَصِيرٌ بالعباد) يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم؛ فلذلك أعدّ لهم الجنات.
(الذين يَقُولُونَ) نصب على المدح، أو رفع، ويجوز الجرّ صفة للمتقين، أو للعباد، والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها، وقد مرّ الكلام في ذلك، وخص الأسحار؛ لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل،
_________________
(١) ـ قوله: (أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعد لهم الجنات)، يعني العباد، مظهر أقيم موضع المضمر لتلك العلة، ويمكن أن يقال: والله بصير بالعباد المتقين وبما يصلحهم ويرديهم، وأن إيثار الآخرة على الدنيا وزينتها خير لهم، فلذلك أنبأهم بما هو خير لهم، والأنسب أن يجعل قوله: (الَّذِينَ يَقُولُونَ) الآية واردًا على المدح تربية لمعنى وضع المظهر موضع المضمر، ويعضد هذا الوجه ما رويناه عن رسول الله ﷺ: "إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء"، أخرجه الترمذي عن قتادة. وعن البخاري ومسلم، عن رسول الله ﷺ: "إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" الحديث. وإنما خص الماء في الحديث الأول بالذكر تشبيهًا لطالب الدنيا بالمستسقي. قوله: (وقد مر الكلام في هذا) أي: في أول البقرة عند قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ).
[ ٤ / ٤٧ ]
فيحسن طلب الحاجة بعده (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠] وعن الحسن: كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم.
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [١٨ - ١٩]
شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد، كسورة الإخلاص، وآية الكرسي وغيرهماـ بشهادة الشاهد في البيان والكشف، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك واحتجاجهم عليه (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) مقيمًا للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض،
_________________
(١) قوله: «وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠])، وعن ابن عباس: هذه الكلم لا تقبل ولا تصعد إلى السماء فتكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة إلا إذا اقترن بها العمل الصالح، والكلم الطيب: كل ذكر من تهليل وتكبير وتسبيح وقراءة قرآن واستغفار، وها هنا العمل الصالح الذي يرفع الاستغفار بالأسحار هو: قيام الليل. قوله: (شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة)، الباء في "أفعاله" كالباء في "كتبت بالقلم"، والباء في "بشهادة" متعلقة بـ "شبهت". قوله: (وكذلك إقرار الملائكة) أي: وكذلك شبه إقرار الملائكة وأولي العلم بالتوحيد واحتجاج الملائكة وأولي العلم على التوحيد بشهادة الشاهد في البيان، فالباء في "بذلك": متعلق بالإقرار، لا بـ "شبهت"، كما ظن، لدلالة تعلق الجار والمجرور، أعني: "عليه"، بقوله:
[ ٤ / ٤٨ ]
والعمل على السوية فيما بينهم، وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه كقوله: (وَهُوَ الحق مُصَدّقًا) [البقرة: ٩١]، فإن قلت: لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه؟ ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكبًا لم يجز. قلت: إنما جاز هذا؛ لعدم الإلباس، كما جاز في قوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) [الأنبياء: ٧٢]
_________________
(١) ـ "واحتجاجهم"، وأن الضمير واسم الإشارة راجعان إلى شيء واحد وهو التوحيد، وعطف قوله: "بما أوحى" على "أفعاله" ليؤذن بأن الشهادة من الله إما فعلي أو قولي، وأتى بقوله: "وكذلك إقرار الملائكة" على التفريع والتشبيه، ليعلم الفصل بين الشهادتين، والفرق بين الدلالتين، فإن شهادة الله: نصب الأدلة وإنزال الوحي، وشهادة الملائكة وأولي العلم: الإقرار بالتوحيد والاحتجاج عليه، ولهذا فصل الله تعالى شهادة الملائكة وأولي العلم من شهادته بالمفعول وهو قوله: (أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)، فالمشبه: دلالة الله على التوحيد بالفعل والقول، وإقرار الملائكة وأولي العلم واحتجاجهم، والمشبه به: شهادة الشاهد، ووجه الشبه: البيان والكشف؛ لأنه شامل للمعاني، وهو أيضًا عقلي، فالاستعارة مصرحة تبعية لأن الطرف المذكور هو المشبه به، وهو فعل. قوله: (والعمل على السوية فيما بينهم) أي: في معاملاتهم من التعادل في الأخذ والعطاء والوزن والكيل، قال الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: ٢٥]. قوله: (حال مؤكدة منه) أي: من فاعل (شَهِدَ) لقوله فيما بعد: قد جعلته حالًا من فاعل (شَهِدَ).
[ ٤ / ٤٩ ]
أن انتصب (نافلة) حالا عن يعقوب. ولو قلت: جاءني زيد وهند راكبًا جاز؛ لتميزه بالذكورة، أو على المدح. فإن قلت: أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة كقولك: الحمد للَّه الحميد، "إنا معشر الأنبياء لا نورث"
إنا - بني نهشلـ لا ندعي لأب
قلت: قد جاء نكرة كما جاء معرفة، وأنشد سيبويه فيما جاء منه نكرة قول الهذلي:
وَيَاوِي إلَى نِسْوَةٍ عُطْلٍ وَشُعْثًا مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِي
_________________
(١) قوله: (أن انتصب (نَافِلَةً) هو فاعل لـ "جاز". قوله: (إنا معشر الأنبياء لا نورث)، والرواية عن الأئمة: "لا نورث، ما تركناه صدقة". قوله: (إنا بني نهشل لا ندعي لأب) تمامه: عنه ولا هو بالأبناء يشرينا المعنى: إنا، أعني بني نهشل، ندعي: من الدعوة، وعنه: يتعلق به، يقال: ادعى فلان في بني هاشم: إذا انتسب إليهم، وادعى عنهم: إذا عدل بنسبته عنهم، كما يقال: رغب فيه وعنه، وقوله: "لأب" أي: لأجل أب، شريته يجيء بمعنى بعته، أي: إنا لا نرغب عن أبينا فننتسب إلى غيره، وهو لا يرغب عنا فيتبنى غيرنا ويبيعنا به، فقد رضي كل منا بصاحبه. قوله: (ويأوي إلى نسوة) الضمير في "يأوي": للصائد، وعطل: جمع عاطل،
[ ٤ / ٥٠ ]
فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي، كأنه قيل: لا إله قائمًا بالقسط إلا هو؟ قلت: لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف. فإن قلت: قد جعلته حالا من فاعل (شهد)، فهل يصح أن ينتصب حالا عن (هو) في: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ)؟ قلت: نعم؛ لأنها حال مؤكدة، والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقولك: أنا عبد اللَّه شجاعًا،
_________________
(١) ـ أي: لا حلي عليهن، شعثًا: جمع شعثاء، وهي التي لا تسرح شعرها ولا تغسله، ومراضيع: يحتمل أن يكون جمع "مرضاع": وهي كثيرة الإرضاع، وأن يكون جمع "مرضع"، والسعالي: جمع سعلاة، وهي أخبث الغيلان، ونصب "شعثًا" على الترحم بفعل مضمر، أو على الذم، وأتى بالواو ليدل على كمال ذمها وسوء حالها، كأنه قيل: ويأوي إلى نسوة عطل وأذم شعثًا، وفي تخصيص مراضيع تتميم للذم، ومن ثم قيل: فلانة تأكل من ثدييها. قوله: (والحال المؤكدة لا تستدعي) أي: الحال المؤكدة لا توجب أن يكون عاملها مستقرًا في الجملة التي الحال زيادة في فائدتها، بل إن كان في الجملة عامل جاز، كقوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ)، وإن لم يكن فيها عامل، كقولك: أنا عبد الله شجاعًا أيضًا: جاز، وظهر من هذا أن الحال المؤكدة ليس بلازم أن يكون مجيئها على إثر جملة عقدها من اسمين لا عمل لهما فيها كما في "المفصل"؛ لأن ذلك شرط، فحذف عاملها على سبيل الوجوب.
[ ٤ / ٥١ ]
وكذلك لو قلت: لا رجل إلا عبد اللَّه شجاعًا، وهو أوجه من انتصابه عن فاعل (شهد)، وكذلك انتصابه على المدح. فإن قلت: هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة اللَّه والملائكة وأولي العلم كما دخلت الوحدانية؟ قلت: نعم إذا جعلته حالًا من (هو)، أو نصبًا على المدح منه، أو صفة للمنفي، كأنه قيل: شهد اللَّه والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، وأنه قائمٌ بالقسط.
وقرأ عبد اللَّه: (القائم بالقسط)، على أنه بدل من (هو)، أو خبر مبتدأٍ محذوف، وقرأ أبو حنيفة:
(قيما بالقسط) (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): صفتان مقرّرّتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل، يعنى: أنه العزيز الذي لا يغالبه إلهٌ آخر، الحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله، فإن قلت: ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم هذا التعظيم؛ حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة، والبراهين القاطعة، وهم علماء العدل والتوحيد
_________________
(١) قال أبو البقاء: (قَائِمًا) حال من (هُوَ)، والعامل فيه معنى الجملة، أي: يفرد قائمًا، وقيل: هو حال من اسم الله أي: شهد لنفسه بالوحدانية، وهي حال مؤكدة على الوجهين. قوله: (وهو أوجه) أي: جعل (قَائِمًا) حالًا من (هُوَ) أوجه، قال صاحب "التقريب": وهو أوجه، أي: من انتصاب (قَائِمًا) عن فاعل (شَهِدَ) ومن انتصابه على المدح عنه للقرب، ولكون القيام بالقسط مشهودًا عليه كالتوحيد، وللاستغناء عن عذر تنكير المدح، وإنما يكون مشهودًا عليه إذا جعل حالًا من (هُوَ) أو نصبًا على المدح أو صفة للمنفي، كأنه قيل: شهدوا أنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط، وظاهر كلام المصنف أن انتصابه على المدح أوجه من أن يكون حالًا من فاعل (شَهِدَ) لدخوله في حكم أنه من شهادة الله والملائكة وأولي العلم.
[ ٤ / ٥٢ ]
وقرئ: (أنه) بالفتح، و(إِنَّ الدِّينَ) بالكسر على أنّ الفعل واقع على (أنه) بمعنى: شهد اللَّه على أنه، أو: بأنه، وقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدتها أن قوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) توحيد، وقوله: (قائِمًا بِالْقِسْطِ) تعديل، فإذا أردفه قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند اللَّه، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين
_________________
(١) قوله: (و(إِنَّ الدِّينَ) بالكسر) أي: قرئ بالكسر، قرأها الجماعة إلا الكسائي فإنه قرأها بالفتح، قال القاضي: من فتح جعله بدلًا من (أَنَّهُ): بدل الكل إن فسر الإسلام بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة، ومن كسر (إنه) وفتح "أن" أوقع الفعل على الثاني وجعل بينهما اعتراضًا، أو أجرى (شَهِدَ) مجرى "قال" تارة، ومجرى "علم" أخرى، لتضمنه معناهما. قوله: (جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى) أي: مذيلة معترضة، على أسلوب قوله تعالى: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [النساء: ١٢٥]، وإنما كانت مذيلة لأن الشهادة بالوحدانية وبالعدل والعزة والحكمة هي أس الدين وقاعدة الإيمان، ولاشك أن الدين أعم من الاعتقاد الذي هو التصديق، ثم إن التذييل صدر بـ (إِنَّ) وخصص بقوله: (عِنْدَ اللَّهِ) وهو كناية عن رفعة المنزلة، ثم التعريف في الخبر، الذي هو (الإِسْلامَ)، جاء لقصر المسند على المسند إليه، قال أبو البقاء: (عِنْدَ اللَّهِ): ظرف، والعامل فيه (الدِّينَ) وليس بحال؛ لأن "إن" لا تعمل في الحال. قوله: (فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين) يريد أن قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) يدل على إثبات التوحيد،
[ ٤ / ٥٣ ]
_________________
(١) ـ وقوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) على العدل، وأن قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) صفتان مقررتان لهما، وأن قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) جملة مؤكدة لما سبق، ومعناه معناه، فلزم على هذا أن يكون الدين عند الله دين من يقول بالعدل والتوحيد، ويلزم من المفهوم أن دين مخالفيهم لا يكون من الدين في شيء. وقلت: إنما نشأت هذه الجسارة من تأويله قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) بما اشتهاه، فإنه فسر العزيز بقوله: "الذي لا يغالبه إله آخر" ليدل على التوحيد، وحمل الحكيم على: "الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله" ليدل على العدل، فتكونان صفتين مقررتين لما سبق، فهلا حملهما على ما تقتضيه اللغة والمقام لينظر: هل يكون دين الإسلام سوى مذهب السنة والجماعة؟ وذلك أنه تعالى لما ذكر التوحيد والتعديل، وأردفهما على وجه التكميل والتوكيد معنى العزة والحكمة، ليدل قوله: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) على التوحيد الصرف، و(قَائِمًا بِالْقِسْطِ) على أنه تعالى يجري الأمور كلها على الاستقامة والسداد، وقوله: (الْعَزِيزُ) على أنه هو القوي القادر على كل شيء، الغالب الذي لا يغلبه شيء، فيفيد معنى أنه يفعل ما يشاء فلا يتصرف في ملكه أحد، وقوله: (الْحَكِيمِ) على أنه هو المحكم لخلق العالم، العالم بلطفه غوامض العلوم التي تخفى على الغير فلا يقف على أسرار حكمته أحد، جاء بقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) - كما قالـ مؤكدًا لما سبق ليؤذن أن الإسلام هو مذهب أهلا لسنة والجماعة حقيقة، والأسلوب واللغة يساعدان هذا التقرير. أما الأسلوب فإنه كرر قوله: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) ليناط به ما لم ينط به أولًا، وهو معنى (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فلو حمل الوصفان على ما يدل على الزيادة مع التأكيد، من غير تعسف وتأويل بعيد، كان أولى مما حملا على مجرد التأكيد على أن المقام مع الأول كما سبق.
[ ٤ / ٥٤ ]
_________________
(١) ـ وأما اللغة فقد ذكر الأزهري في "شرح أسماء الله الحسنى" أن العزيز هو: الممتنع الذي لا يغلبه شيء، من: عز يعز، بكسر العين: إذا غلب، والفاعل: عاز وعزيز، قال الله تعالى: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) [ص: ٢٣] أي: غلبني، فهو عام في معنى الغلبة، وتخصيصه بأن لا يغالبه إله آخر لا دليل عليه، والحكيم: المحكم لخلق الأشياء، كما قالوا: عذاب أليم، أي: مؤلم، والحكيم أيضًا: من كان عالمًا بغوامض العلم مستنبطًا للطائف المعاني. وذكر المصنف في آخر المائدة: "العزيز: القوي القادر على الثواب والعقاب، والحكيم: الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب". وقال الإمام: وقد خاض صاحب "الكشاف" ها هنا في التعصب للاعتزال، وزعم أن الآية دالة على أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وعلى أن من أجاز الرؤية أو ذهب إلى الجبر، لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام، والعجب أن أكابر المعتزلة وعظماءهم أفنوا أعمارهم في طلب الدليل على أنه لو كان مرئيًا لكان جسمًا، فما وجدوا فيه سوى الرجوع إلى الشاهد من غير جامع عقلي وقاطع، وأما حديث الجبر فالخوض فيه منه خوض فيما لا يعنيه؛ لأنه لما اعترف بأن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات، واعترف بأن العبد لا يمكنه أن يقلب علم الله تعالى جهلًا فقد اعترف بهذا الجبر، فمن أين هو والخوض في هذه المباحث! ثم قال: معنى كونه (قَائِمًا بِالْقِسْطِ): قائمًا بالعدل، كما يقال: فلان قائم بالتدبير، أي: يجريه على الاستقامة، فالعدل منه ما يتصل بباب الدنيا، ومنه ما هو متصل بباب الدين، أما المتصل بباب الدنيا فانظر أولًا في كيفية خلقه الإنسان وأعضاءه حتى
[ ٤ / ٥٥ ]
وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدّى إليه؛ كإجازة الرؤية، أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين اللَّه الذي هو دين الإسلام، وهذا بين جلي كما ترى! وقرئا مفتوحين، على أن الثاني بدل من الأوّل، كأنه قيل: شهد اللَّه أن الدين عند اللَّه الإسلام، والبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بيانا صريحًا؛ لأن دين اللَّه هو التوحيد والعدل. وقرئ الأوّل بالكسر والثاني بالفتح، على أن الفعل واقع على (إنّ)، وما بينهما اعتراض مؤكد، وهذا - أيضاـ شاهد على أن دين الإسلام هو العدل والتوحيد، فترى القراآت كلها متعاضدة على ذلك. وقرأ عبد اللَّه: (أن لا إله إلا هو) وقرأ أبي: (إن الدين عند اللَّه للإسلام)، وهي مقوية لقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية. وقرئ: (شهداء للَّه)، بالنصب على أنه حال من المذكورين قبله، وبالرفع على: هم شهداء للَّه. فإن قلت: فعلام عطف على هذه القراءة (وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ)؟ قلت: على الضمير في (شهداء)، وجاز لوقوع الفاصل بينهما. فإن قلت: لم كرر قوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ)؟ قلت: ذكره أوّلا للدلالة على اختصاصه بالوحدانية، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة، ثم ذكره ثانيًا بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل؛ للدلالة على اختصاصه بالأمرين،
_________________
(١) ـ ترى عدل الله فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح، والغنى والفقر، والصحة والسقم، وطول العمر وقصره، واقطع بأن كل ذلك عدل من الله تعالى. وأما ما يتصل بالدين فانظر إلى اختلاف الخلق في العلم والجهل، والفطانة والبلادة، والهداية والغواية، واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط. قوله: (وقرئ: "شهداء لله"، بالنصب على أنه حال من المذكورين) أي: من قوله تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ)، فعلى هذا: (وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ) مبتدأ، والخبر محذوف، أي: هما كذلك، واعترض بين الحال وصاحبها. وعلى قراءة الرفع مختصان بالشهادة لا غير، وهذا أقرب، لأن أغلب تلك الصفات، بل الكل مختصة بالإنسان.
[ ٤ / ٥٦ ]
كأنه قال: لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين؛ ولذلك قرن به قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)؛ لتضمنهما معنى الوحدانية والعدل. (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ): أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واختلافهم: أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل، (مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) أنه الحق الذي لا محيد عنه، فثلثت النصارى، وقالت اليهود عزير ابن اللَّه، وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوّة فينا من قريش، لأنهم أمّيون، ونحن أهل الكتاب، وهذا تجويز للَّه، (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي: ما كان ذلك الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسدًا بينهم وطلبا منهم للرياسة وحظوظ الدنيا، واستتباع كل فريق ناسا يطؤون أعقابهم،
_________________
(١) قوله: (كأنه قال: لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين)، يعني: أثبت التوحيد على الاختصاص له أولًا بدلالة (لَا) و(إِلَّا)، وقرن به صفة العدل لا على الاختصاص، ثم كرر كلمة التوحيد لتدل على اختصاصه بالصفتين؛ لأن الضمير المرفوع فيها راجع إلى ذلك الموصوف بالصفتين، فيحصل من رجوع الضمير تخصيص العدل أيضًا، انظر إلى هذا التعسف، والعدول عن الصراط السوي. قوله: (فثلثت النصارى، وقالت اليهود: عزير ابن الله) بيان لتركهم التوحيد، و"قالوا: كنا أحق … " إلى آخره: بيان لتركهم العدل، وإليه الإشارة بقوله: "وهذا تجوير لله"، والمجموع بيان قوله: "تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل"، وفيه لف ونشر. قوله: (يطؤون أعقابهم)، الأساس: فلان موطأ العقب: كثير الأتباع، ووشى رجل بعمار ابن ياسر إلى عمر بن الخطاب ﵄، فقال: اللهم إن كان كذبًا فاجعله موطأ العقب.
[ ٤ / ٥٧ ]
لا شبهة في الإسلام. وقيل: هو اختلافهم في نبوّة محمد ﷺ، حيث آمن به بعض وكفر به بعض. وقيل: هو اختلافهم في الإيمان بالأنبياء، فمنهم من آمن بموسى، ومنهم من آمن بعيسى. وقيل: هم اليهود، واختلافهم أن موسى ﵇ حين احتضر استودع التوراة سبعين حبرًا من بني إسرائيل، وجعلهم أمناء عليها، واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن واختلف أبناء السبعين بعدما جاءهم علم التوراة بغيًا بينهم وتحاسدًا على حظوظ الدنيا والرياسة. وقيل: هم النصارى، واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد اللَّه ورسوله.
(فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) ٢٠]
(فَإِنْ حَاجُّوكَ) فإن جادلوك في الدين (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) أي: أخلصت نفسي وجملتي للَّه وحده لم أجعل فيها لغيره شركًا بأن أعبده وأدعوه إلها معه، يعنى أن ديني دين التوحيد، وهو الدين القويم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي،
_________________
(١) قوله: (لا شبهة في الإسلام) عطف على "حسد"، أي: ما كان ذلك الاختلاف إلا حسدًا لا شبهة، وهذا التركيب أيضًا مما منعه صاحب "المفتاح"، والكلام فيه ما سبق في قوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) [آل عمران: ١٤]. قوله: (وقيل: هو اختلافهم): عطف على قوله: "واختلافهم". قوله: (وقيل: هم اليهود) عطف على قوله: "أهل الكتاب من اليهود والنصارى". قوله: (الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت) كلاهما روي بلفظ المضارع من نسخة المصنف، والسماع بلفظ الماضي في اللفظتين.
[ ٤ / ٥٨ ]
وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه، ونحوه: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) [آل عمران: ٦٤]، فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق اليقين الذي لا لبس فيه، فما معنى المحاجة فيه؟ ! (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عطف على التاء في (أسلمت)، وحسن للفاصل، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع"، فيكون مفعولا معه. (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ): من اليهود والنصارى (وَالْأُمِّيِّينَ): والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب: (أَأَسْلَمْتُمْ) يعنى: أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضى حصوله لا محالة، فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟
_________________
(١) قوله: (فهو دفع للمحاجة)، الفاء: نتيجة، وحاصل المعنى: أنه أوقع (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ) جزاء للشرط وجوابًا عن محاجتهم على سبيل الإنكار والتقريع، يعني: إن جادلوك بأن يقولوا: إن ما جئت به دين غريب وبديع، وما سمعنا به في آبائنا الأولين فأخبرهم ووبخهم بقولك: إن الذي جئت به هو التوحيد، وهو الدين القديم الذي كان عليه إبراهيم ﵇، لقوله: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: ١٣١]، و(وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) [الأنعام: ٧٩]، وكذا جميع الأنبياء ﵈، فلم يقولون: إنه بديع؟ ! وإلى الإنكار الإشارة بقوله: "فما معنى المحاجة فيه؟ ! " والضمير في (حَاجُّوكَ) لأهل الكتاب، بدليل قوله: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، وارتباط (فَإِنْ حَاجُّوكَ) بالفاء به، وإن هذه المحاجة لبغيهم وحسدهم، وأما قوله: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) فهو عطف على الجملة الشرطية، والمعنى: فإن حاجك أهل الكتاب فرد محاجتهم بذلك، فإذا أفحمتهم عمم الدعوة وقل للأسود والأحمر: (أَأَسْلَمْتُمْ) أي: جاءكم ما وجب عليكم قبوله من الدين القويم، دين أبيكم إبراهيم؟ (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا)، ودليل العموم انضمام الأميين المعني به المشركون مع أهل الكتاب، فعلى هذا قوله: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) عطف على الجملة الشرطية.
[ ٤ / ٥٩ ]
وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقًا إلا سلكته: هل فهمتها لا أم لك؟ ! ومنه قوله ﷿: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: ٩١] بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف؛ لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق، وللمعاند بعد تجلى الحجة ما يضرب أسدادًا بينه وبين الإذعان، وكذلك في: (هل فهمتها) توبيخ بالبلادة وكلة القريحة، وفي: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: ٩١] بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا): فقد نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى ومن الظلمة إلى النور، (وَإِنْ تَوَلَّوْا) لم يضروك؛ فإنك رسول منبه، ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى.
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) ٢١ - ٢٢]
_________________
(١) ـ قوله: (لم يتوقف إذعانه للحق) من الإسناد المجازي. قوله: (وللمعاند بعد تجلي الحجة) خبر، والمبتدأ قوله: "ما يضرب أسدادًا"، على أن "ما": مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف، أي: ما يضرب به. قوله: (أسدادًا) جمع سد، الأساس: سد الثلمة فانسدت، وضرب بينهما سد وسد، وضربت الأسداد.
[ ٤ / ٦٠ ]
وقرأ الحسن: (ويقتلون النبيين)، وقرأ حمزة: (ويقاتلون الذين يأمرون)، وقرأ عبد اللَّه: (وقاتلوا) وقرأ أبيّ: ([و] يقتلون النبيين، والذين يأمرون)؛ وهم أهل الكتاب قتل أولوهم الأنبياء، وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا حول قتل رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين لولا عصمة اللَّه. وعن أبي عبيدة بن الجراح ﵁: قلت يا رسول اللَّه، أي الناس أشدّ عذابا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبيًا، أو رجلًا أمر بمعروف ونهى عن منكر" ثم قرأها، ثم قال: "يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة واثنا عشر رجلًا من عباد بني إسرائيل،
_________________
(١) قوله: (وهم أهل الكتاب): الضمير في قوله: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) لأهل الكتاب، أي: إسناد (يَقْتُلُونَ) إلى الموجودينـ مع أن فعل القتل صدر من أسلافهمـ لرضاهم به، فهو من وضع المستقبل موضع الماضي لإرادة الاستمرار فيما مضى وفيما سيجيء، فإنهم لما كانوا راضين بفعل أوليهم فكأنهم قتلوهم، ولما كانوا حول قتل النبي ﷺ فكأنهم يقتلونه، كما تقول: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، أي: هذا دأب اليهود وعادتهم التي استمروا عليها أبًا عن جد، والضمير في "قتلوا أتباعهم" لـ "أولوهم"، أي: قتل أولوهم أتباع الأنبياء من الذين يأمرون بالمعروف، وإنما كرر الفعل ليشير إلى أن ما في التنزيل من تكرير (يَقْتُلُونَ) ووضع "القسط" موضع "المعروف" دلالة على رفعة منزلة الآمرين بالمعروف، وأن مراتبهم بعد مراتب الأنبياء، ودافعهم دافع الأنبياء، وأنهم المتخلقون بأخلاق الله، لما فيه رمز إلى معنى قوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) [آل عمران: ١٨] مع اشتماله على معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الآمر بالعدل والاستقامة ناه عن الجور والميل، ومن ثم صرح في الحديث الذي رواه، عن أبي عبيدة، بقوله: "أو رجلًا أمر بمعروف ونهى عن منكر"، ثم قرأها.
[ ٤ / ٦١ ]
فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعًا من آخر النهار". (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ)؛ لأنّ لهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، فإن قلت: لم دخلت الفاء في خبر (إن)؟ قلت: لتضمن اسمها معنى الجزاء، كأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم بمعنى: من يكفر فبشرهم، و"إنّ" لا تغير معنى الابتداء، "فكأنّ دخولها كلا دخول، ولو كان مكانها "ليت" أو "لعل" لامتنع إدخال الفاء؛ لتغير معنى الابتداء.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ *فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [٢٣ - ٢٥]
_________________
(١) قوله: (لتضمن اسمها معنى الجزاء) أي: ألشرط، قال الزجاج: إنما جاز دخول الفاء في خبر إن للموصول، فإن صلته بمنزلة الشرط، كأن "إن" لم تذكر، فالكلام على الابتداء فلا يجوز: إن زيدًا فقائم، ولا: ليت الذي يقوم فيكرمك، لأن التمني مزيل لمعنى الابتداء، وقال القاضي: منع سيبويه إدخال الفاء في خبر "إن" كـ "ليت" و"لعل"، ولذلك قيل: الخبر (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، كقولك: زيد فافهم رجل صالح. وقال صاحب "الفرائد": عدم جواز دخول الفاء بعد دخول "ليت" و"لعل" لانتفاء معنى الخبرية، فإن الكلام بعد دخولهما لم يبق محتملًا للصدق والكذب، بخلافه بعد دخول "إن"، وفي دخول الفاء على الخبر ها هنا بعد دخول "إن" على المبتدأ إشارة لطيفة، وهو أنهم إن بقوا على ما كانوا عليه وأصروا عليه من الارتضاء بما فعل المقدمون منهم، والعزم على ما هموا به من قتل النبي ﷺ والمؤمنين، فبشرهمـ لأنهم مستحقون للتبشيرـ بذلك، وإن رجعوا عن ذلك وأسلموا، لم يستحقوا ذلك وكانوا كسائر المؤمنين، ولا تحصل الإشارة بدون الفاء.
[ ٤ / ٦٢ ]
(أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ): يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيبا وافرًا من التوراة. و"من" إما للتبعيض وإما للبيان؛ أو حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة، وهي نصيب عظيم (يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ) وهو التوراة (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) وذلك أنّ رسول اللَّه ﷺ دخل مدارسهم فدعاهم، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت؟ فقال: "على ملة إبراهيم"، قالا: إنّ إبراهيم كان يهوديًا، قال لهما: "إنّ بيننا وبينكم التوراة، فهلموا إليها" فأبيا، وقيل نزلت في الرجم، وقد اختلفوا فيه
_________________
(١) ـ قوله: (و"من": إما للتبعيض، وإما للبيان) تفصيل وقع بين متعلقيه، فقوله: وأنهم حصلوا نصيبًا وافرًا من التوراة على تقدير أن تكون "من" للبيان، والتنكير في (نَصِيبًا) للتكثير، والتعريف في (الْكِتَابُ) للعهد، والمعهود: التوراة، وقوله: "أو حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح" على أن تكون (مِنَ) للتبعيض، والتنكير في (نَصِيبًا) للتعظيم؛ لأن التوراة وإن كانت بعضًا من الكتب لكنها حصة عظيمة القدر، ونحوه في الأسلوب قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) [الروم: ٢٣] أي: منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فصل بالقرينتين الأخيرتين بين الأوليين، ثم اللام إما للجنس إذا أريد الكتب المنزلة، أو للعهد إذا أريد اللوح، ومن ثم قال: "أو من اللوح"، ويجوز أن يقال: إن قوله: "ومن: للتبعيض، وإما للبيان" متعلق بقوله: "وأنهم حصلوا نصيبًا وافرًا من التوراة"، أما البيان فكما سبق، وأما التبعيض فالمراد من النصيب الوافر: ما فهموا من معانيه وكدحوا في الدراية فيه، والأول هو الوجه؛ لأن المقام يقتضي تعيير اليهود وتوبيخهم وأنهم مع وفور علمهم وحصولهم على النصيب العظيم يرتكبون هذا الأمر الذي يأنف منه كل جاهل غبي. قوله: (وقيل: نزلت في الرجم) عطف من حيث المعنى على قوله: "دخل مدارسهم فدعاهم"، أي: اختلف النبي ﷺ واليهود في أن إبراهيم كان يهوديًا أم حنيفًا مسلمًا؟ واختلف النبي ﷺ واليهود في أن الزاني المحصن هل يرجم أو يسخم وجهه؟ وقوله: "وعن
[ ٤ / ٦٣ ]
وعن الحسن وقتادة: كتاب اللَّه: القرآن؛ لأنهم قد علموا أنه كتاب اللَّه لم يشكوا فيه (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب اللَّه واجب، (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم. وقرئ: (ليحكم) على البناء للمفعول. والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم: وأنهم دعوا إلى كتاب اللَّه الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراةـ ليحكم بين المحق والمبطل منهم، (ثم يتولى فريق منهم) وهم الذين لم يسلموا؛ وذلك أنّ قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) يقتضي أن يكون اختلافا واقعا فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ (ذلِكَ) التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل،
_________________
(١) الحسن وقتادة: كتاب الله: القرآن"، عطف على قوله: "إلى كتاب الله، وهو التوراة"، وقوله: "والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف" عطف على قوله: "وذلك أن رسول الله ﷺ"، أي: كان الاختلاف بين رسول الله ﷺ وبين اليهود، أو بين أهل الكتاب من الذين أسلموا ومن الذين لم يسلموا، وإنما كان هذا أولى الوجوه لأن الضمير في قوله: (لِيَحْكُمَ) للتوراة، وفي (بَيْنَهُمْ) لأهل الكتاب، وإنما تحكم التوراة بينهم إذا وقع الاختلاف والمخاصمة بينهم، يؤيده إيقاع قوله: وذلك أن قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) تعليلًا لكون هذا الوجه أوجه. قوله: (وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم) إشارة إلى أن قوله: (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) جملة معترضة على رأيه، أو تذييل على رأي الأكثر، وأيًا ما كان فهي مؤكدة لمعنى ما سبق لا حال كما ذكره القاضي، نعم إنما يكون حالًا إذا لم يفسر بأنهم قوم عادتهم الإعراض.
[ ٤ / ٦٤ ]
كما طمعت المجبرة والحشوية. (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) من أنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، كما غرت أولئك شفاعة رسول اللَّه ﷺ في كبائرهم. (فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ) فكيف يصنعون؟ فكيف تكون حالهم؟ وهو استعظام لما أعدّ لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل، وتطمع بما لا يكون، وروي: أنّ أوّل راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم اللَّه على رؤوس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) يرجع إلى كل نفس على المعنى؛ لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس، تريد ثلاثة أناسي
_________________
(١) ـ قوله: (كما طمعت المجبرة والحشوية) تعصب بارد، وقياس من غير جامع؛ لأن الذي وقع فيه الكلام هو الإعراض عما يحكم به كتاب الله لأجل تمسكهم بما ليس في كتاب الله من افترائهم على الله من تلقاء أنفسهم، وأهل الحق لا يعدلون عن دليل النص من الكتاب والسنة حين يدعون إليه إلى آرائهم كمخالفيهم، فلا يدخلون تحت هذا الحكم. قوله: (فكيف تكون حالهم؟)، قال الزجاج: وهذا الحذف جار في الكلام، تقول: أنا أكرمك وأنت لم تزرني، فكيف إذا زرتني! أي: فكيف يكون إكرامي إياك إذا زرتني. قوله: «وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) يرجع إلى كل نفس)، يعني: ذكر الضمير وجمعه باعتبار معنى النفس، كما اعتبر في قولهم: ثلاثة أنفس بتأويل الأناسي؛ لأن الظاهر ثلاث أنفس، ومثله ما ذكره في البقرة في قوله: (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ) إلى قوله (وَلا هُمْ يُنصَرُونَ) [البقرة: ٤٨] يعني: ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة، والتذكير بمعنى العباد والأناسي، كما تقول: ثلاثة أنفس. فقوله: (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) توكيد لمعنى قوله: (وَوُفِّيَتْ
[ ٤ / ٦٥ ]
(قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) [٢٦ - ٢٧]
الميم في (اللَّهُمَّ) عوض من "يا"؛ ولذلك لا يجتمعان، وهذا بعض خصائص هذا الاسم، كما اختص بالتاء في القسم،
_________________
(١) ـ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) وتذييل للآية ودلالة على القسط التام والعدل الوافي، كقوله تعالى: (فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [يس: ٥٤]، وتهديد عظيم لهؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله فتولوا وأعرضوا بسبب افترائهم على الله، وإيذان بأن ذلك خسار في العاقبة ودمار، أي: كيف يصنعون إذا جمعناهم ليوم من صفته أن تقام فيه موازين القسط، ويجازى فيه على النقير والقطمير، كقوله تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) [الأعراف: ٨ - ٩]. قوله: (والميم في (اللَّهُمَّ) عوض من: "يا"، ولذلك لا يجتمعان)، قال السجاوندي: والميم عوض "يا"، شدد، بخلاف ميم "قم"، لأنه عوض حرفين، كما شدد نون "ضربتن"؛ لأنه عوض حرفين في "ضربتموا"، ولا يصح نصب (مَالِكَ) على الصفة؛ لأن الميم المشددة بمنزلة الأصوات، فلا توصف، فالتقدير: يا مالك، وقال الزجاج: زعم سيبويه أن هذا الاسم لا يوصف؛ لأنه قد ضمت إليه الميم، وما بعده منصوب بالنداء، والقول عندي أنه صفة، فكما لا تمتنع الصفة مع "يا"، فلا تمتنع مع الميم.
[ ٤ / ٦٦ ]
وبدخول حرف النداء عليه وفيه لام التعريف، وبقطع همزته في (يا اللَّه)، وبغير ذلك، (مالِكَ الْمُلْكِ) أي: تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرّف الملاك فيما يملكون. (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ) تعطى من تشاء النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك من الملك، (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ) النصيب الذي أعطيته منه،
_________________
(١) ـ قال أبو علي: قول سيبويه عندي أصح؛ لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد (اللهم)، ولذلك خالف سائر الأسماء، ودخل في حيز ما لا يوصف، نحو: حيهل، فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم فلم يوصف. وقلت: هو ضعيف، فإن نحو "سيبويه" و"خالويه" يوصف مع انضمام اسم الصوت. قوله: (وبغير ذلك)، قيل: كتفخيم لامه، وكاختصاصه بالله، فلا يطلق على غيره. قوله: (تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك)، فيه نوع تجوز، قال الراغب: الملك هو: التصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختص بسياسة الإنسان، ولهذا يقال: ملك الناس، ولا يقال: ملك الأشياء، والملك ضربان: ملك هو التملك والتولي، وملك هو القوة على ذلك تولى أو لم يتول، فمن الأول: (الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا) [النمل: ٣٤]، ومن الثاني: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا) [المائدة: ٢٠] فجعل النبوة مخصوصة والملك فيهم عامًا، فإن معنى الملك ها هنا هو القوة التي بها يترشح للسياسة، لأن جعلهم كلهم متولين للأمر خلاف الحكمة ومنافيها، كما قيل: لا خير في كثرة الرؤساء، قال تعالى: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ). فالملك: ضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم، والملك كالجنس له، فكل مُلْكٍ مِلْكٌ وليس كل مِلك مُلكًا، والأظهر في الآية أنه يعني الملك الحقيقي، لقوله: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: ٢٤٧] فأضافه إلى نفسه تعظيمًا، وملكه المطلق هو الملك الإلهي الذي لا جور فيه، ولهذا قرنه بالعز والذل، ونبه
[ ٤ / ٦٧ ]
فالملك الأوّل عام شامل، والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل. روي: أنّ رسول اللَّه ﷺ حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات! من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك
_________________
(١) ـ بقوله: (مَالِكَ الْمُلْكِ) أن الملك في الحقيقة له، وما لغيره عارية مستردة، ولم يعن بإعطاء الملك: سياسة العامة فقط، بل ملك الإنسان على قواه وهواه، وقد قيل: لا يصلح لسياسة الناس من لا يصلح لسياسة نفسه، وقيل لبعضهم: من الملك؟ فقال: من ملك هواه. قوله: (بعضان من الكل) هذا المعنى قد تكرر؛ لأن لام الجنس إذا دخلت على المفرد صلحت لأن يراد بها جميع الجنس، وأن يراد بها بعضه، بحسب القرائن، فالملك الأول مطلق شامل في جنسه؛ لأن الملك الذي تقع عليه مالكيته تعالى ليس ملكًا دون ملك، بخلاف الثاني والثالث، لأنهما حصتان من الجنس لتقييدهما بالإيتاء والنزع، ولأن المراد نزع الملك من العجم والروم وإيتاؤه المسلمين، ويحتمل الجنس، أي: أنت مالك حقيقة الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فتعطيه من تشاء وتنزعه ممن تشاء، لأن المعرفة إذا أعيدت كانت عين الأولى، ولأن (تُؤْتِي الْمُلْكَ) إلى آخره بيان على سبيل الاستئناف لقوله: (مَالِكَ الْمُلْكِ) فيدخل في هذا العام ما أجري الكلام له، وهذا أبلغ مما ذهب إليه. قوله: (وأمنع من ذلك) أي: من أن يغلبوا. ويكون ملكهم للمسلمين.
[ ٤ / ٦٨ ]
وروي: أنّ رسول اللَّه ﷺ لما خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعًا، وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول اللَّه ﷺ يخبره، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدّعتها،
_________________
(١) قوله: (لما خط الخندق عام الأحزاب)، الحديث مروي في "سنن النسائي" عن رجل من لاصحابة، وفي "مسند أحمد بن حنبل" عن البراء بن عازب، مع اختلاف. قوله: (عام الأحزاب)، النهاية: الأحزاب: الطوائف من الناس، جمع حزب، بالكسر، قال ابن الجوزي: لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير خرج نفر من أشرافهم إلى مكة فألبوا قريشًا ودعوهم إلى الخروج، ثم أتوا غطفان وسليمًا، وتجهزت قريش وجمعوا، وكانوا أربعة آلاف، وخرجت معهم بنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة، فجميع من وافى الخندق من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب. قوله: (فأخذ المعول) قيل: الفاء فصيحة، أي: فمضى سلمان فأخبره ﷺ فأتى وأخذ المعول فضربها، وفيه نظر، لأن الواو في قوله تعالى: (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) [يوسف: ٤٧] إلى قوله: (وَقَالَ الْمَلِكُ) ـ[يوسف: ٥٠] أي: فرجع الرسول إليهم وأخبرهم بمقالة يوسف فعجبوا لها، وقال الملكـ مثل هذه الفاء، وهي لا تسمى فصيحة، فكذا هذه الفاء، والتحقيق ما أسلفناه.
[ ٤ / ٦٩ ]
وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، وكبر وكبر المسلمون، وقال: "أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب"، ثم ضرب الثانية فقال: "أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم"، ثم ضرب الثالثة فقال: "أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبريل ﵇ أن أمّتي ظاهرة على كلها، فأبشروا"، فقال المنافقون: ألا تعجبون! يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا! فنزلت. فإن قلت: كيف قال (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) فذكر الخير دون الشر؟ قلت: لأنّ الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة؛ فقال (بيدك الخير) تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك؛ ولأن كل أفعال اللَّه تعالى من نافع وضارّ صادر
_________________
(١) قوله: (لابتيها)، النهاية: اللابة: الحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها، وجمعها: لابات، فإذا كثرت فهي اللاب واللوب، وألفها منقلبة عن واو، والمدينة ما بين حرتين عظيمتين. قوله: (لكأن مصباحًا) اللام فيه جواب القسم. قوله: (قصور الحيرة). النهاية: الحيرة بكسر الحاء: البلد القديم بظهر الكوفة، شبه انضمام بعضها إلى بعض مع بياضها وصغرها بأنياب الكلاب. قوله: (ولأن كل أفعال الله) إلى قوله: (فهو خير كله)، قال القاضي: ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات، والشر مقضي بالعرض، إذ لا يوجد شر إلا ويتضمن خيرًا. الراغب: أراد بالخير الخير والشر، وسماها خيرًا لأنه ليس في العالم شر خالص، كما أن فيه خيرًا خالصًا، وذلك أن ما هو شر لكذا هو خير لكذا، فالخير والشر يصدق عليهما الوصف بالخير من هذه الجهة، ولا يصدق عليهما الوصف بالشر، ولو قال: بيده الشر، لم يدخل فيه الخير.
[ ٤ / ٧٠ ]
عن الحكمة والمصلحة؛ فهو خير كله، كإيتاء الملك ونزعه. ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحيّ والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب؛ دلالة على أنّ من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده؛ فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم، ويؤتيه العرب ويعزهم، وفي بعض الكتب المنزلة: أنا اللَّه ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم لهم رحمة، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك، ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. وهو معنى قوله ﷺ: "كما تكونوا يولى عليكم"
_________________
(١) ـ قوله: (دلالة على أن من قدر) مفعول له لقوله: "ثم ذكر قدرته"، يعني: لما أمر الله ﷾ نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأن يجيب عن قول الكفار: هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم بقوله: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) الآية، أتى بجملة مستأنفة مشتملة على بيان الموجب، وذكر فيها ما يثبت به ذلك الوعد، وهو قدرته الباهرة في الآفاق والأنفس، وفي التصرف فيهما من حال الليل والنهار، ومن حال إخراج الحي من الميت، ومن فيضان جوده فيهما بتخصيص الرزق الواسع بمن يشاء، ليشير به إلى سهولة إنجاز هذا الوعد، وإذا كان مالك الملك والمعطي والمانع والرزاق هو الله، فأنتم أيها المؤمنون لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. قوله: (وفي بعض الكتب المنزلة: أنا الله ملك الملوك) الحديث، رواه أبو نعيم الأصفهاني في كتاب "حلية الأولياء" عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ مع تغيير يسير في الألفاظ. قوله: (كما تكونون يولى عليكم) أوله: "أعمالك عمالكم".
[ ٤ / ٧١ ]
(لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) ٢٨]
نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام، أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر، وقد كرّر ذلك في القرآن: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: ٥١]، (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) [المائدة: ٥٠]، (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) … الآية [المجادلة: ٢٢] والمحبة في اللَّه والبغض في اللَّه باب عظيم، وأصل من أصول الإيمان (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) يعنى: أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين؛ فلا تؤثروهم عليهم، (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ): ومن يوال الكفرة فليس من ولاية اللَّه في شيء، يقع عليه اسم الولاية،
_________________
(١) ـ قوله: (والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم)، روينا عن الترمذي، عن معاذ بن أنس، أن النبي ﷺ قال: "من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل بيانه". قوله: (مندوحة)، الأساس: ندحت المكان ندحًا: وسعته، ولك في هذه الدار منتدح: متسع، ولك عنه مندوحة: أي: سعة. قوله: (يقع عليه اسم الولاية) صفة لقوله: (شَيْءٍ) المذكور في الكتاب، وفيه إشارة إلى أن (مِنَ) في التنزيل بيانية، و(فِي شَيْءٍ) خبر "ليس"، قال أبو البقاء: التقدير: فليس في شيء من دين الله في موضع نصب على الحال، لأنه صفة النكرة قدمت عليها.
[ ٤ / ٧٢ ]
يعني أنه منسلخ من ولاية اللَّه رأسًا، وهذا أمر معقول؛ فإنّ موالاة الوليّ وموالاة عدوّه متنافيان، قال:
تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّنِي صدِيقُكَ! لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعَازِبِ
(إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً): إلا أن تخافوا من جهتهم أمرًا يجب اتقاؤه، وقرئ: (تقية)، قيل للمتقى تقاة وتقية، كقولهم: ضرب الأمير؛ لمضروبه، رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة مخالقة
_________________
(١) ـ وقلت: سلب ذوات من يوالي الكافرين عن أن يكونوا مستقرين في شيء من المكان الذي هو من ولاية الله، فيلزم كناية أنهم منسلخون من ولاية الله رأسًا كما قال: إنه منسلخ من ولاية الله رأسًا، وإنما قدرنا مكانًا، لأن (فِي شَيْءٍ) ظرف مكان ها هنا. قوله: (تود عدوي) البيت قبله: فليس أخي من ودني رأي عينه … ولكن أخي من ودني في المغايب النوك: الحمق، بعازب أي: ببعيد، يقول: إن الصديق الصدوق من يكون صديقًا لصديق صديقه، ومبغضًا لبغيض صديقه، ويراعي الأخوة بظهر الغيب، لا برأي العين. قوله: (أمرًا يجب اتقاؤه) وضع موضع (تُقَاةً) ليشير إلى أنه مصدر أقيم مقام المفعول به، لقوله بعيد هذا: "وينتصب (تُقَاةً) أو (تقية) على المصدر"، و(مِنْهُمْ): حالٍ، و(مِنَ): ابتدائية. قوله: (والمراد بتلك الموالاة) أي: الموالاة المستثناة. قوله: (مخالقة)، قال في "الأساس": وله خلق حسن وخليقة، وهي: ما خلق عليه من طبيعته، وتخلق بكذا، وخالق الناس ولا تخالفهم، الجوهري: يقال: خالص المؤمن وخالق الفاجر.
[ ٤ / ٧٣ ]
ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء، وانتظار زوال المانع من قشر العصا، كقول عيسى ﵊: كن وسطا وامش جانبًا (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه، وهذا وعيد شديد
_________________
(١) ـ قوله: (من قشر العصا) من بيان زوال المانع، قال "الميداني": قشرت له العصا، يضرب في خلوص الود، أي: أظهرت له ما كان في نفسي، ويقال أيضًا: اقشر له العصا، أي: كاشفه وأظهر له العداوة، فعلى هذا "من" متعلق بالمانع، وهذا أقرب إلى مراد المصنف. قوله: (كن وسطًا وامش جانبًا) أي: ليكن جسدك مع النسا وقلبك في حظيرة القدس. قوله: (وعيد شديد). قال القاضي: وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي في القبح، وذكر النفس ليعلم أن المحذر منه: عقاب يصدر منه، فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة. وقال الإمام: والفائدة في ذكر النفس أنه لو قال: (وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ) لم يفد أن الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من الله أو من غيره، فلما ذكر النفس زال هذا الاشتباه، ومعلوم أن الصادر عنه يكون أعظم أنواع العقاب، وأنه لا قدرة لأحد على دفعه ومنعه. وقلت: إنما كان وعيدًا شديدًا للتحذير الواقع عن النفس وإيقاع قوله: (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ) الآية [آل عمران: ٢٩]، الدال على العلم الشامل والقدرة الكاملة بيانًا له، والمراد بالبيان التعليل؛ لأن تلخيص المعنى: لا تتعرضوا لسخط الله بموالاة أعدائه، لأنه تعالى عالم بكل شيء، يعلم سركم وعلنكم وقصدكم في الموالاة، وقادر على كل شيء، يقدر على عقوبتكم لما تعرضتم له.
[ ٤ / ٧٤ ]
ويجوز أن يضمن (تَتَّقُوا) معنى "تحذروا" وتخافوا؛ فيعدى ب (من) وينتصب (تُقاةً) أو (تقية) على المصدر، كقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) [سورة آل عمران: ١٠٢]
(قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٢٩)
(إنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوه) من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى اللَّه (يَعْلَمْهُ) ولم يخف عليه، (و) هو الذي (يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) لا يخفى عليه منه شيء قط، فلا يخفى عليه سركم وعلنكم (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) ٌ فهو قادر على عقوبتكم. وهذا بيان لقوله (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨]؛ لأنّ نفسه - وهي ذاته المتميزة من سائر الذوات - متصفة بعلم ذاتي لا يختص بمعلوم دون معلوم، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور، فهي قادرة على المقدورات كلها؛ فكان حقها أن تحذر وتتقى؛ فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب، فإن ذلك مطلع عليه لا محالة فلا حق به العقاب، ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الاطلاع على أحواله، فوكل همه بما يورد ويصدر،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يضمن (تَتَّقُوا) معنى "تحذروا") عطف على قوله: "إلا أن تخافوا من جهتهم". قوله: (فإن ذلك مطلع عليه) بفتح اللام، أي: فإن الجسارة على القبيح والتقصير عن الواجب مطلع عليه، لأن الله تعالى يعلم ما في صدوركم، فلاحق بصاحبه العقاب لأن الله على كل شيء قدير، أو: فإن الذي وصف بصفة العلم والقدرة مطلع، بكسر اللام، على ما تخفون في أنفسكم، فإذا كان كذلك فلاحق بمن فعله العقاب، فالضمير في "لاحق" به راجع إلى "أحد". قوله: (فوكل همه بما يورد ويصدر) يعني: صرف همته في موارده ومصادره أن يراعى
[ ٤ / ٧٥ ]
ونصب عليه عيونًا، وبث من يتجسس عن بواطن أموره؛ لأخذ حذره وتيقظ في أمره، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به، فما بال من علم أنّ العالم الذات الذي يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن! اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك.
(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) ٣٠]
(يَوْمَ تَجِدُ) منصوب ب (تودّ)، والضمير في (بينه) لليوم، أي: يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمدًا بعيدًا. ويجوز أن ينتصب (يَوْمَ تَجِدُ) بمضمر نحو: اذكر، ويقع على (ما عملت) وحده، ويرتفع (وَما عَمِلَتْ) على الابتداء، و(تَوَدُّ) خبره، أي: والذي عملته من سوء تودّ هي لو تباعد ما بينها وبينه
_________________
(١) ـ في جميع أحواله، قال في "الأساس": وكلته بالبيع، ومن المجاز: وكل همه بكذا، وهو موكل برعي النجوم، وكلني إلى كذا: دعني أقم به. قوله: (لأخذ حذره): جواب "لو". قوله: (العالم الذات) هذا إشارة إلى مذهبه. قوله: (ويقع على (مَا عَمِلَتْ) وحده) أي: (تَجِدُ) على (مَا عَمِلَتْ) الأولى. قال أبو البقاء: (مَّا) في (مَا عَمِلَتْ): موصولة، والعائد محذوف، وهي منصوب المحل مفعول أول، و(مُحْضَرًا) المفعول الثاني، والأشبه أن يكون (مُحْضَرًا) حالًا و(تَجِدُ) هيا لمتعدية إلى مفعول واحد، و(وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) مثل الأولى معطوفة عليها، و(تَوَدُّ) على هذا: حال، والعامل: (تَجِدُ).
[ ٤ / ٧٦ ]
ولا يصح أن تكون (ما) شرطية؛ لارتفاع (تودّ) فإن قلت: فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد اللَّه: (ودّت)؟ قلت: لا كلام في صحته، ولكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى؛ لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم،
_________________
(١) ـ قوله: (ولا يصح أن تكون (مَّا) شرطية، لارتفاع (تَوَدُّ)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لمجيء قوله: وإن أتاه خليل يوم مسألة … يقول: لا غائب مالي ولا حرم وقال أبو البقاء: إنها شرطية، وارتفع (تَوَدُّ) على إرادة الفاء، أي: فهي تود، ويجوز أن يرتفع من غير تقدير حذف، لأن الشرط ها هنا ماض، وإذا لم يظهر في الشرط لفظ الجزم جاز في الجزاء الجزم والرفع. نقل الإمام عن الواحدي أنه يجوز أن تكون (مَّا) شرطية، وإلا كان يلزم أن تجزم (تَوَدُّ) وترفع، ولم يقرأ أحد إلا بالرفع، وكان هذا دليلًا على أن (مَّا) ها هنا بمعنى: الذي. وقلت: ويؤيده أن القراء لما أجمعت على الرفع، فلو حمل على الشرط وكان الجزم مختارًا، لزم أنهم أجمعوا على غير المختار، من غير ضرورة، ولو حمل على الابتداء والخبر لم يلزم ذلك ويحصل المقصود من إرادة الثبات، فكان هذا أولى. قوله: (لأنه حكاية الكائن) أي: الواقع، فلا مناسبة للشرط والجزاء، وإخبار الله عن الآتي بمنزلة الواقع الثابت، كقوله تعالى: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ) [إبراهيم: ٢١] وقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٤٤].
[ ٤ / ٧٧ ]
وأثبت لموافقة قراءة العامّة. ويجوز أن يعطف (وَما عَمِلَتْ) على (ما عَمِلَتْ)، ويكون (تَوَدُّ) حالًا، أي: يوم تجد عملها محضرًا وادّة تباعد ما بينها وبين اليوم، أو عمل السوء (محضرًا)، كقوله تعالى: (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا) [الكهف: ٤٩] يعنى مكتوبا في صحفهم يقرءونه ونحوه (فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) [المجادلة: ٦]. والأمد المسافة كقوله تعالى: (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) [الزخرف: ٣٨] وكرّر قوله (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) ليكون على بالٍ منهم لا يغفلون عنه.
(وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) يعنى: أن تحذيره نفسه، وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد؛ لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروه،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يعطف) معطوف على قوله: "يرتفع"، والحاصل أنه يجوزـ على تقدير "اذكر"ـ في (وَمَا عَمِلَتْ) وجهان، أحدهما: أن يرتفع بالابتداء، و(تَوَدُّ) خبره. والثاني: أن يكون معطوفًا على (مَا عَمِلَتْ). قلت: ويجوز أن يكون (تَوَدُّ) استئنافًا كان قابلًا لما ألقي إليه الجملة الأولى: سائل: ما حال الناس في ذلك اليوم الهائل؟ أجيب: (تَوَدُّ)، ويشهد للتهويل قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) [الزلزلة: ٦]. قوله: (أو عمل السوء) عطف على اليوم، و" (مُحْضَرًا) " منقطع عما قبله مبتدأ، خبره: "كقوله". قوله: (على بال منهم) أي: ذكر، النهاية: وفي حديث الأحنف: نعي فلان، فما ألقى له بالًا، أي: ما استمع إليه ولا جعل قلبه نحوه.
[ ٤ / ٧٨ ]
دعاهم ذلك إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه. وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه. ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذورًا لعلمه وقدرته، مرجوّ لسعة رحمته كقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ) [فصلت: ٤٣].
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) [٣١ - ٣٢].
محبة العباد للَّه مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره، ورغبتهم فيها، ومحبة اللَّه عباده: أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم، والمعنى: إن كنتم مريدين لعبادة اللَّه على الحقيقة (فَاتَّبِعُونِي) حتى يصحّ ما تدعونه من إرادة عبادته - يرض عنكم ويغفر لكم
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذورًا) عطف على قوله: "يعني أن تحذيره نفسه"، فعلى الأول (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) تذييل للكلام الأول أو تتميم له، وهو المراد من قوله: "إن تحذير نفسه من الرأفة العظيمة بالعباد"، وعلى الثاني تكميل، إذ لو اقتصر على التحذير وحده لأوهم مجرد الوعيد والتهديد، فكمل بالثاني ليجمع بين صفتي القهارية والرحمة تحريضًا على الإنابة، وإليه الإشارة بقوله: كقوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) [فصلت: ٤٣]. قوله: (محبة العباد لله مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها) يريد أن قوله: (تُحِبُّونَ اللَّهَ) استعارة تبعية: شبهت إرادة نفوس العباد اختصاص الله بالعبادة ورغبتهم فيها بميل قلب المحب إلى المحبوب ميلًا لا يلتفت إلى الغير ولا يرغب إلا فيه. وفي كل قيد من القيود فائدة، سيما قوله: "رغبتهم فيها"، لأنك كم ترى من يختص شخصًا بالخدمة، وقلبه في غاية النفار والرغبة عنه.
[ ٤ / ٧٩ ]
_________________
(١) الراغب: الحب أصله من الحب، وبه شبه حبة القلب، وحببته، يقال على وجهين، أحدهما: أصبت حبة قلبه نحو: كبدته، قال الأعشى: فرميت غفلة عينه عن شاته … فأصبت حبة قلبها وطحالها وأصبته بحبة القلب نحو: رمحته، وعنته: أصبته بالعين، فقولك: حببته وأحببته هو في اللفظ فعل وفي الحقيقة انفعال، لأن المحب منفعل للمحبوب، فإذا استعمل في الله فقيل: أحب الله فلانًا فليس إلا على سبيل الفعل، والمعنى: أصاب تعالى حبة قلبه فجعلها لنفسه مصونة عن الهوى والشيطان وسائر أعداء الله. والمحبة: إرادة ما تراه أو تظنه خيرًا، وهي أربعة أضرب بحسب أغراض الناس في أمورهم: اللذة، والنفع، والخير المحض، والمركب من اللذة والنفع، وكل محبة ينقطع سببها انقطعت بانقطاعه، ولما كانت الشهوة البدنية والمنافع الدنيوية منقطعة فالحب الذي يجلبانه منقطع لا محالة بانقطاعهما، ولما كان الخير المحض باقيًا كان الحب الذي يجلبه باقيًا ببقائه. وقال القاضي: المحبة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدرك فيه بحيث تحب ما يقربه إليه، والعبد إذا علم أن كل ما يراه كمالًا من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته.
[ ٤ / ٨٠ ]
_________________
(١) ـ قوله: (يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ): جواب الأمر، أي: يرض عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم، فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه. عبر عن ذلك بالمجاز على طريق الاستعارة أو المقابلة. وقال الإمام: اتفق المتكلمون على أن المحبة نوع من أنواع الإرادة، والإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث والمنافع، فيستحيل تعلقها بذات الله وصفاته، فإذا قيل: إن العبد يحب الله فمعناه: يحب طاعته وخدمته، أو يحب ثوابه وإحسانه، وأما محبة الله للعبد فهي عبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليه، وأما العارفون فقد قالوا: العبد قدي حب الله لذاته، وأما حب طاعته وثوابه فدرجة نازلة. والقول الأول ضعيف، وذلك أنه لا يمكن أن يقال في كل شيء: إنه إنما كان محبوبًا لأجل معنى آخر فلابد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوبًا لذاته، فكما يعلم أن اللذة محبوبة لذاتها كذلك يعلم أن الكمال محبوب لذاته، فإذا سمعت أخبار رستم وإسفنديار في شجاعتهما مال القلب غليهما مع أنا نقطع أن محبتهما معصية، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته، وأكمل الكمالات لله تعالى، فيقتضي كونه محبوبًا لذاته من ذاته. وقال صاحب "الفرائد" بعدما حكى نحوًا من هذا المعنى: وهذا أبلغ أنواع الحب، فعلى هذا: حب العبد لله حقيقة، بل المحبة الحقيقية مستحقة لله؛ إذ كل ما يحب من المخلوقات فإنما يحب لحصول أثر من آثار جوده.
[ ٤ / ٨١ ]
_________________
(١) وقلت: الذي ذهب إليه الإمام ومن تبعه يساعده المقام؛ لأنه ﷾ لما عظم ذاته وبين جلالة سلطانه بقوله: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) الآيات، تعلق قلب العبد بمولى عظيم الشأن ذي الملك والملكوت، والجلال والجبروت، ثم لما ثنى بالنهي للمؤمنين عن موالاة أعدائه، وحذر عن ذلك غاية التحذير، حيث كرر فيه: (وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ) ونبه على وجوب استئصال تلك الموالاة بقوله: (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ) الآية، وأكد ذلك الوعيد الشديد، وذلك قوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا) الآية، زاد ذلك التعلق أقصى غايته، فاستأنف قوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ)، كأنه تعالى يشير إلى أن عبيدي لم يتمالكوا أنفسهم عند ذلك بأن لا يسألوا: بأي شيء ينال كمال المحبة وموالاة ربنا؟ فقيل لهم: بعد قطع موالاة أعدائنا تنال تلك الدرجة بالتوجه إلى متابعة حبيبنا، إذ كل طريق سوى طريقه مسدود. وأما ذكر غفران الذنب بعد حصول محبته فللتخلية للتحلية، المعنى: إن أردتم تشريف محبتي، والوصول إلى دار كرامتي، فعليكم متابعة حبيبي، لتصقل إرادة محبتي نفوسكم عن صدأ الذنوب وشوائب العيوب، فتستعدوا لإشراق تجليات الأنوار. اللهم أسعدنا بتبوؤ مقعد الصدق في دار القرار. فعلى هذا قوله: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) من عطف الخاص على العام، لأن إرادة المحبة جامعة للخيرات كلها، والمهم الأولى بحسب الوقت: التخلية، وفيه أن محبة الله من العبد موقوفة على المتابعة، وكذلك محبة العبد من الله مسببة عن المتابعة، فهي الواسطة الحقيقية لا غير. وقال الإمام: خاض صاحب "الكشاف" في هذا المقام في الطعن في أولياء الله، وكتب ها هنا ما لا يليق بالعاقل أن يكتب مثله في كتب الفحش، فهب أنه اجترأ على الطعن في أولياء الله، فكيف اجترأ على كتبه ذلك الكلام الفاحش في تفسير كلام الله المجيد! ونسأل الله العصمة والهداية.
[ ٤ / ٨٢ ]
وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول اللَّه ﷺ أنهم يحبون اللَّه، فأراد أن يجعل لقولهم تصديقًا من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسول الله، فهو كذاب، وكتاب اللَّه يكذبه، وإذا رأيت من يذكر محبة اللَّه ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ويصعق فلا تشك في أنه لا يعرف ما اللَّه؟ ولا يدرى ما محبة اللَّه؟ وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا لأنه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة، فسماها اللَّه بجهله ودعارته، ثم صفق وطرب ونعر وصعق على تصوّرها، وربما رأيت المنىَّ قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته، وحمقى العامة على حواليه قد ملؤوا أردانهم بالدموع لما رققهم من حاله، وقرئ: (تحبون)، (ويحببكم) و(ويحبكم)، من حبه يحبه، قال:
أُحِبُّ أبَا ثَرْوَانَ مِنْ حُبِّ تَمْرِهِ وَأَعْلَمُ أنّ الرِّفْقَ بِالْجَارِ أَرْفَقُ
وَوَاللَّهِ لَوْلَا تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ … وَلَا كَانَ أَدْنَى مِنْ عُبَيْدٍ وَمُشْرِق
(فَإِنْ تَوَلَّوْا): يحتمل أن يكون ماضيًا، وأن يكون مضارعًا بمعنى: فإن تتولوا، ويدخل في جملة ما يقول الرسول لهم
_________________
(١) ـ قوله: (ما الله؟) أي: ما جلاله وعظمته؛ لأن ما إذا استعمل في ذوي العلم حمل على السؤال عن الوصف، ومنه الحديث: "ويحك! أتدري ما الله؟ " قاله لأعرابي. قوله: (أردانهم). الجوهري: الردن، بالضم: الكم، والجمع: أردان. قوله: (أحب أبا ثروان) … الأبيات. عبيد ومشرق: ابنا الشاعر، وفي البيتين إقواء، لاختلاف حركات الروي، يقول: أحب هذا الرجل لأجل تمره، ولولا تمره ما حببته ولا كان أقرب إلي من ولدي، لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها.
[ ٤ / ٨٣ ]
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) [٣٣ - ٣٧]
(آلَ إِبْراهِيمَ): إسماعيل وإسحاق وأولادهما. (وآلَ عِمْرانَ): موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر، وقيل: عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمان مئة سنة.
و(ذُرِّيَّةً) بدل من آل إبراهيم وآل عمران (بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) يعنى أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوي، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن إيشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق. وقد دخل في آل إبراهيم رسول اللَّه ﷺ. وقيل (بعضها من بعض) في الدين، كقوله تعالى: (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة ٦٧]. (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) يعلم من يصلح للاصطفاء،
_________________
(١) قوله: (وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله ﷺ)، قال الإمام والقاضي: وبه استدل على فضلهم على الملائكة. قوله: (كقوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ» يعني: (مِنْ) فيها: اتصالية، أي: بعضها متصل بالبعض في الدين، وعلى الأول: متصل بالنسب.
[ ٤ / ٨٤ ]
أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين. أو (سميع عليم) لقول امرأة عمران ونيتها، و(إِذْ) منصوب به.
وقيل: بإضمار "اذكر". وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أمّ مريم البتول، جدّة عيسى ﵇، وهي حنة بنت فاقوذ. وقوله: (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ) على أثر قوله: (وَآلَ عِمْرانَ) مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيرًا في الذكر. فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون، ولعمران ابن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبى مريم التي هي أخت موسى وهارون؟ قلت: كفى بكفالة زكريا دليلًا على أنه عمران أبو البتول؛ لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة
_________________
(١) ـ قوله: (أبو البتول)، النهاية: التبتل: الانقطاع عن النساء وترك النكاح، وامرأة بتول: منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم، وبها سميت مريم وسميت فاطمة ﵂ لانقطاعهما عن نساء الزمان فضلًا ودينًا وحسبًا، وقيل: لانقطاعهما عن الدنيا إلى الله تعالى. قوله: (فكان يحيى وعيسى ابني خالة) قيل: كلام المصنف يدل على أن إيشاع ومريم بنتا عمران، لكن مريم من حنة، وإيشاع من غيرها، لما ذكر أن حنة كانت عاقرًا إلى أن عجزت، وإيشاع كانت أكبر سنًا من مريم لما سيجيء، ثم قال بعيد هذا: فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فتكون إيشاع أخت مريم وخالتها. قيل في العذر: لا يبعد أن عمران تزوج أم حنة فولدت إيشاع فكانت حنة ربيبته، ثم تزوج حنة بعد ذلك بناءً على أنه كان جائزًا في شريعتهم، فولدت مريم، فتكون إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها أيضًا، وهو يوافق قوله بعد هذا: "رغب في أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أختها حنة"، فذكر أن حنة أخت إيشاع، فتكون إيشاع وحنة أختين من الأم، وكذا يوافق قوله: فقد كانت أختها كذلك، وفي نسخة المعزي: عندي أختها بدل: خالتها، وهو ظاهر. وبعدها: أمها بدل: أختها في الموضعين،
[ ٤ / ٨٥ ]
_________________
(١) ـ وهو يقتضي أن تكون حنة أم إيشاع، وهو يخالف ما ذكر من أنها كانت عاقرًا لم تلد إلى أن عجزت، مع أن إيشاع أكبر سنًا من مريم، وإنما قلنا: إنها كانت أكبر سنًا لأنها كانت تحت زكريا ﵈ حين اقترع الأحبار في مريم. وقلت: الظاهر ما رواه محيي السنة في "المعالم": أن زكريا وعمران زوجا أختين، وكانت إيشاع بنت فاقوذا أم يحيى عند زكريا، وحنة بنت فاقوذا أم مريم عند عمران، وعليه ينطبق قول المصنف أولًا: "روي أنهاـ أي: حنةـ كانت عاقرًا لم تلد إلى أن عجزت"، إلى قوله: "فحملت بمريم". وقوله ثانيًا: "أنا أحق بها، عندي خالتها". وثالثا: "رغب في أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أختها"، إلى قوله: "وإن كانت عاقرًا عجوزًا فقد كانت أختها كذلك". وأما الحديث الذي روينا عن الشيخين: "فإذا أنا بابني الخالة: عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا"، وما ذكره المصنف ها هنا: "وكان يحيى وعيسى ابني خالة"، وفي سورة مريم: "قيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا"، فتأويله ما ذكره صاحب "التقريب": والحقيقة أن يحيى وأم عيسىـ وهي مريمـ ولدا خالة؛ لأن إيشاع أم يحيى، وحنة أم مريم: أختان، والغرض أنه كان بين يحيى وعيسى ﵉ هذه الجهة من القرابة، وكان عيسى ابن بنت خالة يحيى فأطلق عليه ابن الخالة؛ لأن ابن بنت الخالة كابن الخالة، إطلاقًا مجازيًا عرفيًا، وكثيرًا ما يطلق الرجل اسم الخالة على بنت خالته لكرامتها عليه، ولكونه مربوبًا عندها، هذا وجه التوفيق، تم كلامه. ولعل المصنف نظر إلى ظاهر الحديث فبنى كلامه: "وقد تزوج زكريا بنته إيشاع أخت مريم عليه"، ثم أتى بالروايات الثلاث على ما هي عليه فوقع في الاختلاف. وأما تعبير المعزي أولًا: أنا أحق بها، عندي أختها بدل: خالتها، وثانيًا: مثل ولد أمها حنة بدل: ولد أختها، فلتصحيح الكلام الأول، وهو قد تزوج زكريا بنته إيشاع أخت مريم، إلا أنه غيرهما بناءً على أنه وجد رواية صحيحة، والله أعلم بحقيقة الحال.
[ ٤ / ٨٦ ]
روي أنها كانت عاقرًا لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخًا له، فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك عليّ نذرًا شكرًا إن رزقتني ولدًا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل (مُحَرَّرًا) معتقًا لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم. وروى أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن الشعبي (مُحَرَّرًا) مخلصًا للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكرًا (فَلَمَّا وَضَعَتْها) الضمير ل (ما في بطني)، وإنما أنث على المعنى؛ لأن ما في بطنها كان أنثى في علم اللَّه، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. فإن قلت: كيف جاز انتصاب (أُنْثى) حالا من الضمير في (وضعتها) وهو كقولك: وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال؛ لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في: "من كانت أمّك" لتأنيث الخبر، ونظيره قوله تعالى: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) [النساء: ١٧٦] وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر؛ كأنه قيل: إني وضعت الحبلة أو النسمة أنثى. فإن قلت: فلم قالت: (إني وضعتها أنثى) …
_________________
(١) ـ قوله: (علي نذرًا شكرًا)، "شكرًا": مفعول له، و"أن أتصدق": بدل من قوله: "نذرًا". قوله: (وما كان التحرير إلا للغلمان) من تتمة كلام الشعبي، وقوله: "وإنما بنت الأمر على التقدير"، كلام المصنف، أي: على تقدير العرف والعادة، أي: إن كان ذكرًا كان محررًا، وكنت عن الذكر بهذه العبارة، وهو المراد بقوله: "أو طلبت أن ترزق ذكرًا". قوله: «فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ» لما كان الخبر مثنى جاز تثنية الاسم، وإن لم يسبق إلا المفرد، وهو قوله: (وَلَهُ أُخْتٌ). قوله: (فلم قالت: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى)؟) يعني: إذا كان علم اللطيف الخبير محيطًا بما
[ ٤ / ٨٧ ]
وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسرًا على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها، فتحزنت إلى ربها؛ لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرًا، ولذلك نذرته محرّرًا للسدانة. ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال اللَّه تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه، ومعناه: واللَّه أعلم بالشيء الذي وضعت، وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا؛ فلذلك تحسرت. وفي قراءة ابن عباس: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) على خطاب اللَّه تعالى لها،
_________________
(١) ـ وضعت، فأي فائدة في قولها: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) لأن الإخبار إما للفائدة أو لازمها كما ذهب إليه صاحب "المفتاح". قلت: هذا على مقتضى الظاهر، وربما تجعل الأخبار ذريعة إلى الامتنان أو التهديد، أو على إظهار التحسر كما نحن بصدده. قوله: (وما أرادت) إذا فعل بعضهم فعلًا لا يعلم غرضه يقال: ما أردت إلى هذا؟ أي: أي شيء وأي معنى دعاك إلى هذا؟ ففيه تضمين معنى "دعا"، ولهذا عدي بـ "إلى". قوله: (بقدر ما وهب لها منه) الضمير المرفوع في "وهب" راجع إلى "ما"، والمجرور إلى أم مريم، والمجرور في "منه": راجع إلى الموضوع، و"من": بيان "ما"، ثم في وضع "ما" في "ما وهب" في موضع "من" لإرادة الإبهام والوصفية تفخيم للموهوب وتعظيم له، كقولهم: سبحان ما سخركن لنا، وإليه الإشارة بقوله: "والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور". قوله: (على خطاب الله لها) فعلى هذا لا يكون قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) تجهيلًا لأم مريم، بل نفيًا لعلمها، لأن العبد ينظر إلى ظاهر الحال ولا يعرف أسرار الله في
[ ٤ / ٨٨ ]
أي: أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب، وما علم اللَّه من عظم شأنه، وعلوّ قدره. وقرئ: (وضعت). بمعنى: ولعلّ للَّه تعالى فيه سرًا وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر؛ تسلية لنفسها. فإن قلت: فما معنى قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى)؟ قلت: هو بيان لما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد. فإن قلت: علام عطف قوله (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ)؟ قلت: هو عطف على (إني وضعتها أنثى)، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) [الواقعة: ٧٦]
_________________
(١) ـ كل شيء، وإنما كان على الأول تجهيلًا؛ لأنه تعالى حينئذ يحكي حالها لغيرها ويشكو عنها تحسرها وحزنها على الموضوع، المعنى: اسمعوا قولها وانظروا إلى تحسرها تحقيرًا للمولود العظيم الشأن، فاحكموا بجهلها بذلك. قوله: (وقرئ: "وضعت"): ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، والباقون (وَضَعَتْ) بسكون التاء إخبارًا عن الله تعالى، وعلى الأول: من كلام أم مريم. قوله: (هو بيان لما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) وذلك أن قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) وارد على تفخيم المولود وفضله على الذكر، يعني: أنه قد تعورف بين الناس فضل الذكر على الأنثى، والله هو الذي اختص بعلمه الشامل فضل هذه الأنثى على الذكر، فكان قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) بيانًا لما اشتمل عليه الأول من التعظيم. قوله: (واللام فيهما للعهد)، أما التي في (الأنْثَى) فمعهود بقولها: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى)، وأما التي في الذكر فبقولها: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا)؛ لأن المحرر لم يكن إلا غلامًا، أو طلبت أن ترزق ذكرًا. قوله: «وإنه لقسم لو تعلمون عظيم» [الواقعة: ٧٦] لأن التقدير: (فَلا أُقْسِمُ
[ ٤ / ٨٩ ]
_________________
(١) ـ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) [الواقعة: ٧٥]، (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) [الواقعة: ٧٧]، فاعترض بين القسم والمقسم به قوله: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) كما اعترض (لَوْ تَعْلَمُونَ) بين الموصوف والصفة. فإن قلت: قد ظهر أن قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) بيان لقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ)، وفي التشبيه أيضًا دلالة على تعظيم الأنثى على الذكر، وهذا إنما يصح على قراءة (وَضَعَتْ) على الغيبة، لأنه من كلام الله، وأما على التكلم فلا يستقيم؛ لأنه حينئذ من كلام أم مريم، لاسيما وقد ذهب المفسرون إلى أن قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) على القراءتين من كلام أم مريم، ومرادها تعظيم الذكر على الأنثى، لأن الذكر يصح استمراره على خدمة بيت المقدس ومجاوريه، بخلاف الأنثى لمانع الحيض وإلحاق الريبة والتهمة وسائر العوارض. قلت: على هذا يحمل الكلام على التحسر على الحرمان، ومعنى (مَا) في (بِمَا وَضَعَتْ): التحقير، المعنى: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) والله أعلم بالشيء الذي وضعت، فإنه غير صالح لما نذرت له لنقصانه، فإني طلبت ما يصلح للسدانة، وليس ما طلبت من المحرر مثل هذه الموهوبة؛ لأنها لا تصلح لذلك، ومع ذلك إني غير مأيوسة من فضل ربي أن يتقبل مني هذه بدل ذلك، (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) لذلك، (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ليحميها الله من شر التهمة والريبة، فاستجاب الله دعاءها وترحم على حرمانها حيث تقبلها (بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) كما قال، فرضي بها في النذر مكان الذكر، ولم يكن قبل ذلك مشروعًا، فالفاء في (فَتَقَبَّلَهَا) طبقت المفصل.
[ ٤ / ٩٠ ]
فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقًا لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها. ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذه لها ولولدها من الشيطان وإغوائه؟ وما يروى من الحديث: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخًا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» فاللَّه أعلم بصحته. فإن صح
_________________
(١) ـ قوله: (التقرب والطلب) قيل: هما متوجهان من حيث المعنى إلى قوله: "إليه"، وإلى قوله: "وأن يعصمها". وقلت: الأولى أن يجرى التقرب على الإطلاق ليكون كالتوطئة لما بعده، وأن يضمن الطلب معنى التوسل لتعديته بـ "إلى"، يعني: جعلت هذا الاسم وسيلة إلى الله في طلب عصمتها، والذي يؤيد أن التسمية كانت وسيلة في طلب العصمة إتباع الله تعالى هذا الطلب بطلب الإعاذة لها على سبيل الحكاية عن لسانها، فكان تعقيبها: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لقولها: (إِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) كالبيان والتفسير له، وإليه الإشارة بقوله: "ألا ترى كيف أتبعته؟ ". قوله: (وما يروى من الحديث) يعني: المراد من قوله: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) طلب الإعاذة لها ولولدها من إغواء الشيطان لا من المس كما ذهب إليه المفسرون مستشهدين بهذا الحديث، إذ هو غير معلوم الصحة، وعلى تقدير صحته فيجوز أن يكون معناه الإغواء لا غير. قوله: (فالله أعلم بصحته، فإن صح)، أقول: لا وجه لهذا الشك، فإن الحديث أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، عن أبي هريرة، واتفقا على صحته.
[ ٤ / ٩١ ]
فمعناه: أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: ٤٠ - ٤١]، واستهلاله صارخًا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه؛ كأنه يمسه ويضرب بيده عليه،
_________________
(١) ـ قال الإمام: طعن القاضيـ يعني عبد الجبار، وهو من أكابر المعتزلةـ في هذا الخبر فقال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل، وذلك أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من له تمييز، ولأنه لو تمكن من هذا لجاز أن يهلك الصالحين، وأيضًا، لم خص عيسى ﵇ دون سائر الأنبياء، ولأنه لو وجد النخس لدام أثره. ثم قال الإمام: إن هذه الوجوه محتملة، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر الصحيح. الانتصاف: الحديث مدون في الصحاح فلا يعطله الميل إلى نزعات الفلاسفة، والانتصار بقول ابن الرومي سوء أدب يجب أن يجتنب عنه. وقلت: قوله: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه" كقوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: ٤] في أن الواو داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق، فيفيد الحصر مع التأكيد، فإذًا لا معنى لقوله: "كل من كان في صفتهما"، ولا يبعد اختصاصهما بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، وأما قوله: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: ٤٠] فجوابه أي: بعد أن يمكنه الله من المس، مع أنه تعالى يعصمهم من الإغواء، وأما الشعر فهو من باب حسن التعليل فلا يصلح للاستشهاد. قوله: (فيستهل صارخًا) منصوب على المصدر، كقولك: قم قائمًا.
[ ٤ / ٩٢ ]
ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:
لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو؛ فكلا! ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخًا وعياطًا مما يبلونا به من نخسه (فَتَقَبَّلَها رَبُّها) فرضي بها في النذر مكان الذكر. (بِقَبُولٍ حَسَنٍ) فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد،
_________________
(١) ـ قوله: (لما تؤذن الدنيا) البيت بعده: وإلا فما يبكيه منها وإنها … لأوسع مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهل كأنه … بما سوف يلقى من أذاها يهدد تؤذن، أي: تعلم، آذنني: أعلمني، يقول: بكاء الطفل ساعة الولادة لما يعلم أن الدنيا موضع المحن ومقر الفتن، وإلا فما يبكيه والحال أنه قد نجا من ضيق البطن والرحم وانتقل إلى موضع هو أفسح وأرغد منه؟ قوله: «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا): فرضي بها) فسر القبول بالرضى. الجوهري: تقبلت الشيء وقبلته قبولًا، بفتح القاف، وهو مصدر شاذ، والمعنى: فتقبلها بوجه حسن، وذلك أن من يهدي إلى أحد شيئًا يرجو منه قبول هديته بوجه حسن، فشبه النذر بالإهداء ورضوان الله عنها بالقبول، والقبول الحسن على هذا: اختصاص الله لها بإقامتها مقام الذكر؛ على ما سبق أن التحرير لم يكن إلا للغلمان. قوله: (واللدود). النهاية: اللدود، بالفتح، هو: ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم، ولديدا الفم: جانباه.
[ ٤ / ٩٣ ]
وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.
وروى أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها؛ لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رءوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها،
_________________
(١) والسعوط: هو الدواء يصب في الأنف. قوله: (أو بأن تسلمها) عطف على قوله: "بإقامتها"، وهو داخل تحت الاختصاص. الجوهري: سلمت إليه الشيء فتسلمه، أي: أخذه. قوله: (للسدانة) السادن: خادم الكعبة وبيت الأصنام، والجمع: السدنة. قوله: (روي أن حنة) إلى آخره: بيان تسلمها. قوله: (وصاحب قربانهم) القربان: مصدر من قرب يقرب، وكانوا يتقربون بالبقر والغنم إلى الله تعالى، بأن يجعلوها متعرضة لنار تنزل من السماء وتأكلها، كما قال تعالى: (حَتَّى يَاتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَاكُلُهُ النَّارُ) [آل عمران: ١٨٣]، وصاحب القربان: من يتولى هذا الأمر من المتقرب، وكان قربان هذه الأمة الدماء، وفي الحديث: "صفة هذه الأمة في التوراة: قربانهم دماؤهم". قوله: (عندي خالتها) هذه رواية المصنف، وكذا في "معالم التنزيل"، وفي رواية: "عندي
[ ٤ / ٩٤ ]
فقالوا: لا، حتى نقترع عليها! فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها.
والثاني: أن يكون مصدرًا على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أي: بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون معنى (فتقبلها): فاستقبلها، كقولك: تعجله بمعنى: استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه. قال القطامي:
وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا
_________________
(١) أختها" كذا في "المطلع"، وكتب الصمصام في حاشية كتابه: أن خالتها أصح، وهذا مشعر بأن الرواية "عندي أختها" أيضًا صحيحة. قوله: (وهو الاختصاص) أي: الاختصاص المذكور، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر، أو بأن تسلمها. قوله: (ويجوز أن يكون معنى (فَتَقَبَّلَهَا): فاستقبلها) عطف على قوله: فرضي بها، يعني: معنى (فَتَقَبَّلَهَا): فرضي بها في النذر، أو معناه: فاستقبلها، أي: فأخذها في أول أمرها حين ولدت بقبول حسن. الراغب: قوله: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) قيل: معناها: قبلها، وقيل: معناه: تكفل بها، وقبول الله تعالى أعظم كفالة في الحقيقة، وإنما قيل: فتقبلها بقبول حسن، ولم
[ ٤ / ٩٥ ]
ومنه المثل: «خذ الأمر بقوابله»، أي فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن (وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا) مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. وقرئ: (وكفلها) بوزن: وعملها، (وَكَفَّلَها زكَرِيَّا) بتشديد الفاء ونصب (زكرياء)، والفعل للَّه تعالى بمعنى: وضمها إليه وجعله كافلًا لها وضامنًا لمصالحها. ويؤيدها قراءة أبيّ: (وأكفلها)، من قوله تعالى: (فَقالَ أَكْفِلْنِيها) [ص: ٢٣]. وقرأ مجاهد: (فتقبلها ربها)، (وأنبتها)، (وكفلها)، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب (ربها)، تدعو بذلك، أي: فاقبلها يا ربها، وربها، واجعل زكريا كافلًا لها.
قيل: بنى لها زكريا ﵇ محرابًا في المسجد، أي: غرفة يصعد إليها بسلم.
_________________
(١) ـ يقل: بتقبل، للجمع بين الأمرين: التقبل الذي هو الترقي في القبول، والقبول الذي يقتضي الرضا والإثابة. قوله: (خذ الأمر بقوابله) أي: بمقدماته قبل أن يدبر ويفوت، وليس من العزم أن تمهله حتى يفوت منك ثم تعدو خلفه وتتبعه بعد الفوت. قال الميداني: الباء في "بقوابله" بمعنى في، أي: فيما يستقبلك منه، يقال: قبل الشيء وأقبل، يضرب في الأمر باستقبال الأمور. قوله: (مجاز عن التربية) أي: استعارة، فإن الزارع لم يزل يتعهد زرعه، بأن يسقيه عند الاحتياج ويحميه عن الآفات، ويقلع ما عسى أن ينبت فيه شوك لئلا يخنقه. قوله: (العائدة عليها)، الجوهري: العائدة: العطف والمنفعة، يقال: هذا الشيء أعود عليك من كذا، أي: أنفع. قوله: (وكفلها) بتشديد الفاء: الكوفيون، والباقون: بتخفيفها.
[ ٤ / ٩٦ ]
وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وروى أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب (وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا) كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديًا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء (أَنَّى لَكِ هذا): من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ (قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فلا تستبعد. قيل: تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد. وعن النبي ﷺ: أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة ﵂ رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال: هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزًا ولحمًا، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند اللَّه، فقال لها ﷺ: أنى لك هذا؟ فقالت:
هو من عند اللَّه، إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب. فقال ﵊: "الحمد للَّه الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل"، ثم جمع رسول اللَّه ﷺ علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها.
(إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ) من جملة كلام مريم ﵍، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل (بِغَيْرِ حِسابٍ) بغير تقدير، لكثرته، أو تفضلًا بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق
_________________
(١) ـ قوله: (فرجع بها إليها) أي: فرجع النبي ﷺ مصاحبًا تلك الهدية إلى فاطمة ﵂.
[ ٤ / ٩٧ ]
(هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) [٣٨ - ٤١]
(هُنالِكَ) في ذلك المكان، حيث هو قاعد عند مريم في المحراب، أو في ذلك الوقت، فقد يستعار "هنا" و"ثم" وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على اللَّه ومنزلتها، رغب في أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على اللَّه، وإن كانت عاقرًا عجوزًا فقد كانت أختها كذلك. وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر (ذُرِّيَّةً) ولدًا، والذرية يقع على الواحد والجمع (سَمِيعُ الدُّعاءِ) مجيبه. قرئ: "فناداه الملائكة". وقيل: ناداه جبريل ﵇، وإنما قيل: الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) بالفتح على (بأن اللَّه)، وبالكسر على إرادة القول؛ أو لأن النداء نوع من القول
_________________
(١) قوله: (يستعار "هنا" و"ثم" و"حيث" للزمان)، قال الزجاج: (هُنَالِكَ) في موضع نصب؛ لأنه ظرف يقع في المكان وفي الأحوال، المعنى: ومن الحال دعاء زكريا ربه، كما تقول: من ها هنا قلت كذا، من هنالك قلت كذا، أي: من ذلك الوجه ومن تلك الجهة على المجاز قوله: (فلان يركب الخيل)، قال الزجاج: معناه: أتاه النداء من هذا الجنس، كما تقول: ركب فلان في السفن، أي: في هذا الجنس، وإنما ركب في سفينة واحدة. قوله: «إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ) بالفتح والكسر)، بالكسر: ابن عامر وحمزة، والباقون بالفتح،
[ ٤ / ٩٨ ]
وقرئ: (يبشرك)، "ويبشرك"، من بشره وأبشره، "ويبشرك"، بفتح الياء من بشره. ويحيى إن كان أعجميًا - وهو الظاهرـ فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربيًا فللتعريف ووزن الفعل كيعمر.
(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) مصدّقا بعيسى: مؤمنًا به. قيل: هو أول من آمن به، وسمى عيسى كلمة؛ لأنه لم يوجد إلا بكلمة اللَّه وحدها، وهي قوله: (كُنْ) من غير سبب آخر. وقيل: (مصدّقا بكلمة من اللَّه)، مؤمنًا بكتاب منه. وسمى الكتاب كلمة، كما قيل: كلمة الحويدرة لقصيدته. والسيد: الذي يسود قومه، أي: يفوقهم في الشرف. وكان يحيى فائقا لقومه، وفائقا للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويا لها من سيادة!
_________________
(١) ـ حمزة والكسائي: "يبشرك" في الموضعين هنا، وفي سبحان والكهف: بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين مخففًا، والباقون: بضم الأول وكسر الشين مشددًا. قوله: (ويا لها من سيادة) الضمير للسيادة، ومن: بيان لها، واللام: للاستغاثة، كأنه قيل: أيتها السيادة تعالي فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها، وهي حال التفخيم والإجلال، ويجوز أن يكون المنادى محذوفًا على نحو: يا لكما وللدواهي، المعنى: يا قوم تعجبوا لها. روي أن الفضل بن يحيى دخل على أبيه يتبختر فقال له: ما بقي الحكيم في طرسه؟ قال: لا أدري، قال: إن البخل والجهل مع التواضع أزين بالرجل من الكبر مع السخاء والعلم، فيا لها من حسنة غطت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيئة عفت على حسنتين كبيرتين.
[ ٤ / ٩٩ ]
والحصور: الذي لا يقرب النساء حصرًا لنفسه أي: منعًا لها من الشهوات. وقيل: هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال الأخطل:
وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكاسِ نَادَمَنِى لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَأارِ
فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روي: أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت (مِنَ الصَّالِحِينَ) ناشئًا من الصالحين؛ لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين كقوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ). [البقرة: ١٣٠] (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم
_________________
(١) قوله: (حصرًا لنفسه) أي: منعًا لها مع ميلها إلى الشهوات، ومن لم يكن له ميل إليها لا يسمى حصورًا، ولابد فيه من المنع؛ لأن السجن إنما سمي حصيرًا لما أنه يمنع من الخروج. قوله: (وشارب مربح بالكأس) البيت، مربح، أي: يشتري الخمر بالربح. ولا فيها بسأار، أي: لا يبقي من الخمر بقية في الكأس، أدخل الباء في خبر "لا" لأنه بمعنى "ليس"، يقول: رب شارب مشتر للخمر بالربح ليس ممن لا يدخل في القمار ولا مبق في الكأس منها شيئًا عاشرني، وفي رواية: بسوار، من: ساور: إذا وثب، أي: ليس بمعربد. قال الزجاج: ويروى: ولا فيها بسأار، أي: نادمني وهو كريم ينفق على الندامى، والسوار: المعربد يساور نديمه، أي: يثب عليه، والحصور: الذي يكتم الشر، أي: يحبسه في نفسه. قوله: (ناشئًا من الصالحين) وعلى هذا "من": للابتداء، وعلى قوله: "أو كائنًا من جملة الصالحين": للتبعيض. قوله: (كما قالت مريم) أي: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)، استبعادًا من حيث العادة المستمرة لا إنكارًا.
[ ٤ / ١٠٠ ]
(وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) كقولهم: أدركته السنّ العالية. والمعنى: أثر فيّ الكبر فأضعفني، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون (كَذلِكَ)، أي: يفعل اللَّه ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر؛ أو: (كذلك اللَّه)، مبتدأ وخبر، أي: على نحو هذه الصفة: اللَّه، (ويفعل ما يشاء): بيان له، أي: يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات
(آيَةً) علامة أعرف بها الحبل؛ لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر (قالَ آيَتُكَ) أَن لَّا تقدر على تكليم الناس (ثَلاثَةَ أَيَّامٍ)، وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر اللَّه، ولذلك قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ)، يعنى في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة. فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت:
ليخلص المدّة لذكر اللَّه لا يشتغل لسانه بغيره، توفرًا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر
_________________
(١) قوله: (أي: على نحو هذه الصفة) أي: على أن يرزقك ولدًا وأنت شيخ وامرأتك عاقر، أي: هو الذي يفعل ما تحير به أوهام الخلق، ولذلك كان قوله: (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) بيانًا له. قوله: (من الأفاعيل) وهي جمع أفعولة، وهذا البناء مختص بما يتعجب منه. قوله: (ولذلك قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا» أي: ولأن تخصيص الناس بالذكر دل على نفي الحكم عما عداه، قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) أي: خص ربك بالذكر، ويمكن أن يستدل بهذه الآية على إثبات هذا المطلوب. قوله: (وهي من الآيات الباهرة): أي: قدرته على التكلم بذكر الله مع حبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة.
[ ٤ / ١٠١ ]
وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال. ومنتزعا منه (إِلَّا رَمْزًا) إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما، وأصله التحرّك. يقال: ارتمز: إذا تحرّك. ومنه قيل للبحر: الراموز. وقرأ يحيى بن وثاب: (إلا رمزًا) بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل. وقرئ (رمزًا) بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله:
مَتَى مَا تَلْقَنِى فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ … رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا
_________________
(١) قوله: (مشتقًا من السؤال ومنتزعًا منه)، لم يرد بالاشتقاق الاشتقاق الاصطلاحي، لأن قوله: "ومنتزعًا منه" تفسير له، يريد أن الجواب بعد انطباق معناه على معنى السؤال ينبغي أن يراعى فيه حسن المناسبة بين الألفاظ، قيل لأبي تمام: لم تقول ما لا يفهم؟ فقال: لم لا تفهم ما يقال؟ قال: كأنه ﵇ لما سأل بقوله: (اجْعَل لِي آيَةً) أي: علامة لأتلقى هذه النعمة بشكرك، أجيب بأن آيتك أن لا تقدر على شيء من الكلام إلا على شكري. فإن قلت: ليس في سؤاله ﵇ (رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً) ما يشعر به أنه طلب الآية من أجل الشكر؟ قلت: يقدر ذلك لما في الجواب من قوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ) دلالة عليه، كأن نبي الله لما بشر بيحيى مصدقًا طلب آية عليه مزيدًا على النص طمأنينة ليتفرغ لأداء شكر تلك النعمة. قوله: (متى ما تلقني) البيت، ترجف، أي: تضطرب بشدة، ترجف: جزم جوابًا للشرط، روانف: جمع رانفة، وهي: أسفل الألية، والمراد بالجمع التثنية، وهما رانفتا المخاطب،
[ ٤ / ١٠٢ ]
بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم. و"العشىّ": من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. و"الْإِبْكارِ" من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقرئ: و"الأبكار"، بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار. يقال: أتيته بكرًا بفتحتين. فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمى كلامًا ويجوز أن يكون استثناء منقطعًا.
(وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [٤٢ - ٤٣]
(يا مَرْيَمُ) روي: أنهم كلموها شفاها، معجزة لزكريا ﵇ أو إرهاصًا لنبوّة عيسى (اصْطَفاكِ) أوّلا حين تقبلك من أمك ورباك،
_________________
(١) ـ وتستطارا: أصله تستطارن فقلبت النون ألفًا للوقف، وقيل: أصله تستطاران، وفردين: حال من ضمير الفاعل والمفعول. قوله: (الرمز ليس من جنس الكلام)، الزجاج: الرمز: تحريك الشفتين باللفظ من غير إبانة، وفي اللغة: كل ما أشرت به إلى ما يبان بأي شيء أشرت، بفم أم بيد أم بعين، والرمز: الحركة. قوله: (أو إرهاصًا لنبوة عيسى) أي: تأسيسًا وإحكامًا، من الرهص، وهو الساق الأسفل من الجدار، الأساس: ومن المجاز: أرهص الشيء: أثبته وأسسه، وكان ذلك إرهاصًا للنبوة، وذلك أن يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه المعجزة، كإظلال الغمام لرسول الله ﷺ وتكلم الحجر والمدر معه وغير ذلك، وعندنا يجوز أن يكون ذلك كرامة لها، وأن يكون إرهاصًا لعيسى، وعندهم إرهاصًا لعيسى أو معجزة لزكريا ﵇ كما ذكره.
[ ٤ / ١٠٣ ]
واختصك بالكرامة السنية (وَطَهَّرَكِ) مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود (وَاصْطَفاكِ) آخرا (عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ)؛ بأن وهب لك عيسى من غير أب، ولم يكن ذلك لأحد من النساء
_________________
(١) ـ قال القاضي: هو دليل على جواز الكرامة للأولياء، وجعل ذلك معجزة لزكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه. قوله: (واختصك بالكرامة السنية) وهي أن خصها من عنده بالرزق، لأن المراد بقوله ها هنا: "تقبلك من أمك" قوله هناك: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا)، وبقوله: "رباك" قوله: (وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)، بقي قوله: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ) فيحمل قوله: "واختصك بالكرامة السنية" عليه ضرورة. ما ألطف هذه الإشارة! وذلك أن اللام في قول زكريا: (أَنَّى لَكِ هَذَا) للاختصاص، وكان يكفيه أن يقول: أنى هذا؟ ثم جوابها: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) دليل على أن هذه الكرامة مختصة بها؛ لأن لفظ (عِنْدِ اللَّهِ) كناية عن الكرامة، نحو قوله تعالى: (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: ٥٥]، (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) [فصلت: ٣٨] إلى غير ذلك كما علم من كتابه، ثم بناؤه على الضمير مفيد للتقوي أو الاختصاص، نحو: هو عرف، وتخصيص اسم الذات مشعر بتعظيم الموهبة وأنها من الكرامة السنية، كما قال: "بالكرامة السنية"، كأنها قالت: اختصت هذه الكرامة السنية بي لا بغيري وأنها من الله لا من غيره، انظر هذه الكرامة السنية لأولياء الله، حيث أنكر أولًا أنه لا كرامة لها، ثم أقر بالاختصاص، ونص أنها كرامة، ووصفها بالسنية، أبى الله إلا إظهار الحق! قوله: (قرفك)، الجوهري: قرفت الرجل، أي: عبته، يقال: هو يقرف بكذا، أي: يرمى به ويتهم.
[ ٤ / ١٠٤ ]
أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود؛ لكونهما من هيئات الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين، أي: في الجماعة أو انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع.
(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (٤٤]
_________________
(١) ـ قوله: (ثم قيل لها: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ» يعني ذكر القنوت والسجود أولًا، والقنوت: أن يذكر الله قائمًا، أو يركد في الصلاة، وأريد بهما الصلاة، فإنهم يطلقون معظم الشيء على الكل إيهامًا لكماله فيه، ثم أتى ببعض آخر وهو الركوع، وأريد به تلك الحقيقة أيضًا على تلك الطريقة، وقيده بفائدة زائدة ليؤذن أن كماله إذا كان مقيدًا بها فهو من التكرار المعنوي لإناطة معنى زائد كما مر، ولما كان الأمر للصلاة أمرًا للمصلي بصفتها، وهي أن يكون مع الجماعة لا نفسها، قال: ولتكن صلاتك مع المصلين، على أسلوب: لا أرينك ها هنا. قوله: (أو انظمي نفسك في جملة المصلين) معناه: اتصفي بصفة المصلين وكوني من زمرتهم وعدادهم، كقوله تعالى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) [الفجر: ٢٩] أي: في جملة عبادي الصالحين، وانتظمي في سلكهم، وأما معنى الاختصاص في قوله: "ولا تكوني في عداد غيرهم"، فإنما يفيده معنى الكناية، لأن الأسلوب من قبيل قوله: فلان في عداد العلماء، أي: له مساهمة معهم في العلم، وأن الوصف كاللقب المشهود له. قال القاضي: قال: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) للإيذان بأن من ليس في صلاته ركوع ليس من المصلين.
[ ٤ / ١٠٥ ]
(ذلِكَ) إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى ﵈، يعنى أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي. فإن قلت: لم نفيت المشاهدة، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة، وترك نفى استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ قلت: كان معلوما عندهم علمًا يقينًا أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ)، [القصص: ٤٤] (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ)، [القصص: ٤٦] (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) [يوسف: ١٠٢]
(أَقْلامَهُمْ): أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين
_________________
(١) قوله: (لم نفيت المشاهدة؟) تحرير السؤال أن مقتضى الظاهر أن يقال: (ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ) وما سمعت هذا النبأ من أحد ولا قرأته في كتاب، لأن هذا متوهم منه، فاحتيج إلى رفع التوهم لا المشاهدة، فإنها منتفية لاشك في انتفائها، فلا يحتاج إليه، فلم نفيت المشاهدة وترك ذلك؟ وخلاصة الجواب: أن المراد من نفي المشاهدة: إثبات الحجة والاحتجاج على أهل الكتاب بطريق التقسيم الحاصر، ولاشك أن عدم السماع والقراءة محقق عند اليهود، وقد علموا ذلك علمًا يقينيًا لاشك فيه، وإنما كانوا ينكرون الوحي فأردي إثبات المطلوب بطريق برهاني، فقيل: طريق العلم فيما أنبئكم به، إما السماع والقراءة، وإما الوحي والإلهام، وإما الحضور والمشاهدة، فالأولان منفيان عندكم، بقي الثالث، فنفى تهكمًا بهم، وإنما خص هذه دون الأولى للتهكم لأنه لو نفى الأولى لم يكن من التهكم في شيء، لمجال الوهم فيه دونه.
[ ٤ / ١٠٦ ]
وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اختاروها للقرعة تبركا بها.
(إِذْ يَخْتَصِمُونَ) في شأنها؛ تنافسا في التكفل بها. فإن قلت: (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ) بم يتعلق؟ قلت: بمحذوف دلّ عليه: (يلقون أقلامهم)، كأنه قيل: يلقونها ينظرون (أيهم يكفل)، أو ليعلموا، أو يقولون.
(إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَاكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
(الْمَسِيحُ) لقب من الألقاب المشرفة، كالصدّيق، والفاروق، وأصله: مشيحا بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: (وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ) [مريم: ٣١]
_________________
(١) ـ وقد ذكر الزجاج في البقرة نحوه، وأشرنا إليه في قوله: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) [البقرة: ١٣٣]. قوله: (وقيل: هي الأقلام)، قال الزجاج: الأقلام ها هنا: القداح، جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة، وسمي السهم قلمًا لأنه يقلم، أي: يبرى، وكل ما قطعت منه شيئًا فقد قلمته، ومنه القلم الذي يكتب به، وتقليم الأظفار.
[ ٤ / ١٠٧ ]
وكذلك "عيسى" معرب من أيشوع، ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء! فإن قلت: (إِذْ قالَتِ) بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) [آل عمران: ٤٢] ويجوز أن يبدل من (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. فإن قلت: لم قيل: (عيسى ابن مريم) والخطاب لمريم؟
قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت: لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل: (اسمه المسيح عيسى ابن مريم)؟، وهذه ثلاثة أشياء؛ الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ …
_________________
(١) قوله: (ومشتقهما)، وهو اسم فاعل من الاشتقاق، أي: الذي يشتقهما، وهو مبتدأ، والخبر: "كالراقم"، أي: لا شيء معه، أي: لا طائل تحته. قوله: (والعيس)، الجوهري: العيس، بالكسر: الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة. وهذا المجاز، نحو إطلاقهم المرسن على أنف الإنسان. قوله: (في زمان واسع) أي: الزمان الذي وقع فيه الاختصام زمان البشارة، كلاهما على طريق لقيته سنة كذا، مع أنه لم يلقه إلا في جزء من أجزاء السنة، فيكون قوله: (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) إشارة إلى جميع ذلك الزمان، وكذا (إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ)، ويجوز أن يكون بدل اشتمال عن قوله تعالى: (إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ) نحو قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ) [مريم: ١٦]. قوله: (وهذه ثلاثة أشياء؛ الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة)، الانتصاف: أراد بهذا السؤال هو أن المسيح إن أريد به التسمية فما موقع قوله: (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)؟ والتسمية لا توصف بالبنوة، وإن أريد المسمى لم يلتئم مع قوله: (اسْمُهُ)!
[ ٤ / ١٠٨ ]
قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره؛ فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة (وَجِيهًا) حال من (كَلِمَةٍ) وكذلك قوله: (ومن المقربين)، (ويكلم)، (ومن الصالحين)، أي: يبشرك به موصوفا بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة.
والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس، وفي الآخرة: الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة
_________________
(١) ـ وجواب الأول: (الْمَسِيحُ) خبر عن قوله: (اسْمُهُ)، والمراد التسمية، و(عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ): خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عيسى ابن مريم، والضمير عائد إلى المسمى بالتسمية المذكورة منقطعًا عن قوله: (الْمَسِيحُ). وقلت: هذا كلام لا طائل تحته، ومقصود المصنف أن مؤدى كل اسم تمييز المسمى من غيره، فكما يتأتى ذلك من عبارة واحدة نحو: عيسى، يتأتى من مجموع ألفاظ نحو قوله تعالى: (الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)، وقد سبق جواز التسمية ببيت واحد. فإن قيل: كيف قدم اللقب على الاسم ولم يضف الاسم إلى اللقب كما نص عليه في "المفصل"، وإذا اجتمع للرجل اسم غير مضاف ولقب: أضيف اسمه إلى لقبه، فقيل: هذا سعيد كرز؟ قلت: الجواب ما ذكره ابن الحاجب: ذكر اللقب مطلقًا، والمراد اللقب الذي هو غير صفة. قوله: (والوجاهة في الدنيا)، الزجاج: الوجيه: هو الذي له المنزلة الرفيعة عند ذوي القدر والمعرفة، يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة، ولفلان جاه عند الناس.
[ ٤ / ١٠٩ ]
وكونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة، والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه؛ سمي بالمصدر.
و(فِي الْمَهْدِ) في محل النصب على الحال (وَكَهْلًا) عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلًا وكهلًا، ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء.
ومن بدع التفاسير: أن قولها: (رَبِّ) نداء لجبريل ﵇، بمعنى: يا سيدي (ونعلمه) عطف على (يبشرك)، أو على (وجيها) أو على (يخلق)،
_________________
(١) ـ قوله: ("ونعلمه" عطف على (يُبَشِّرُكِ»، هذا على القراءة بالياء في (وَيُعَلِّمُهُ) ظاهر، وأما بالنون ففيه التفات وإيذان بأن هذه الكرامة من المنائح التي توجب أن يعظم موليها. فإن قلت: لا شك أن قوله: (يخْلُقُ مَا يَشَاءُ) بيان لقوله: (كَذَلِكَ اللَّهُ)، وهو مبتدأ وخبر، أي: نحو هذه الصفة يخلق الله ما يشاء، فإذا عطف (وَيُعَلِّمُهُ) على (يَخْلُقُ) يكون بيانًا أيضًا، فما وجهه؟ قلت: نعم، هو بيان، ووجهه أن المشار إليه جميع ما سبق في تلك البشارة، وما بعده تفصيل لذلك، والمعنى على نحو ما مر من كونه مبشرًا بكلمة منه موجودًا بها، كذلك كل مخلوقاته موجود بها، فإنه إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون، ومن كونه مبشرًا بكونه وجيهًا في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، كذلك يقتضي أن يعلمه الكتاب والحكمة وكيْتَ وكيْتَ، ومن كونه مبشرًا بأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا، كذلك ينبغي أن يأمره بأن يقول لهم: أرسلت رسولًا ناطقًا بأني قد جئتكم بآية من ربكم، ومن كونه من الصالحين، كذلك أوحينا إليه أن يقول: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) لأنه علامة يعرف بها أنه رسول كسائر
[ ٤ / ١١٠ ]
أو هو كلام مبتدأ، وقرأ عاصم ونافع: (ويعلمه)، بالياء. فإن قلت: علام تحمل (ورسولا)، (ومصدّقًا)، من المنصوبات المتقدّمة،
_________________
(١) ـ الرسل، وأما معنى التنكير في قولها: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ) فلتتميم معنى الاستبعاد الذي يعطيه قوله: (أَنَّى يَكُونُ)، أي: ما أبعد تصور ولد ما، فكيف بالموصوف؟ قوله: (أو هو كلام مبتدأ)، قال صاحب "المرشد": إذا قرئ "نعلمه" بالنون، الأجود أن يكون الوقف على (فَيَكُونُ) تامًا و"نعلمه": استئنافًا، وإذا قرئ بالياء يكون كافيًا و(وَيُعَلِّمُهُ) عطفًا على قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ). وقلت: على الابتداء الكلام خارج من حيز البشارة وحديثها، وهي قصة مستقلة جيئت مستطردة، المعنى: ونعلمه الكتاب والحكمة ونبعثه إلى بني إسرائيل رسولًا ناطقًا بأني قد جئتكم، إلى قوله: (فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)، فلما أدى الرسالة توقفوا عنده، فلما أحس منهم الكفر قال: من أنصاري إلى الله؟ وأما المعنى على العطف فهو: أن يقدر بعد قوله: (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) قوله: ثم بعثه الله رسولًا إلى بني إسرائيل ودعاهم إلى عبادة الله وإلى صراط مستقيم، فلما لم يصدقوه وأبوا أن يعبدوا الله وأحس منهم الكفر قال: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ) [آل عمران: ٥٣] والفاء على التقديرين: فصيحة. قوله: (علام تحمل (وَرَسُولًا) (وَمُصَدِّقًا»، قال المصنف: المنصوبات قبل (رَسُولًا) و(مُصَدِّقًا) في حكم الغيبة، وهما في حكم التكلم لتعلق قوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و(لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ) بهما، فلم يصح العطف؛ لأنك لا تقول: بعث الله عيسى مصدقًا لنا، ولكن مصدقًا هو، هذا ما نقل من الحواشي. ويمكن أن يوجه السؤال على طريقة أخرى، بأن يقال: على أي شيء يحمل (رَسُولًا) و(مُصَدِّقًا) من المنصوبات السابقة،
[ ٤ / ١١١ ]
وقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و(لِما بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حمله عليها؟ قلت: هو من المضايق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولا بأني قد جئتكم، ومصدقًا لما بين يدي.
والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقًا بأني قد جئتكم، وناطقًا بأني أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: (ورسول) عطفًا على كلمة (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أصله: أرسلت بأني قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، و(أَنِّي أَخْلُقُ) نصب بدل من (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ)، أو جرّ بدل من "آية"، أو رفع على: هي أنى أخلق لكم، وقرئ: (إني)، بالكسر على الاستئناف، أي: أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير (فَأَنْفُخُ فِيهِ) الضمير للكاف، أي: في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير، (فَيَكُونُ طَيْرًا): فيصير طيرًا كسائر الطيور حيًا طيارًا، وقرأ عبد اللَّه: (فأنفخها) قال:
كَالْهَبْرَقِىِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا
_________________
(١) ـ وهي (وَجِيهًا)، (وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ) (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنْ الصَّالِحِينَ)؟ لأن قوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وقوله: (لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حملها عليها؛ لأن تلك المنصوبات واقعة في كلام الملائكة وبشارتها لها من الله، وهما حكاية قول عيسى ﵇؟ وتحرير الجواب المذكور ما قاله القاضي: (وَرَسُولًا) (وَمُصَدِّقًا) منصوبان بمضمر على إرادة القول، تقديره: ويقول: أرسلت رسولًا بأني قد جئتكم، أو بالعطف على الأحوال المتقدمة مضمنًا معنى النطق، فكأنه قال: وناطقًا بأني قد جئتكم. قوله: (كالهبرقي تنحى ينفخ الفحما) صدره: مولي الريح قرنيه وجبهته ويروى: روقيه وكلكله. والروق: القرن، والكلكل: الصدر، والهبرقي، بكسر الهاء: الحداد،
[ ٤ / ١١٢ ]
وقيل: لم يخلق غير الخفاش. الْأَكْمَهَ: الذي ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين، ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.
وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر (بِإِذْنِ اللَّهِ)؛ دفعًا لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروي أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا: هذا سحر فأرنا آية: فقال يا فلان، أكلت كذا، ويا فلان، خبئ لك كذا. وقرئ: "تذخرون"، بالذال والتخفيف
(وَلِأُحِلَّ): ردّ على قوله: (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم
_________________
(١) ـ وتنحى: أي: انتحى واعتمد، البيت للنابغة يصف ثورًا أكب في كناسه يحفر أصل الشجر، كالحداد ينفخ في الفحم، أو يصفه وهو مستقبل الريح بقرنيه وجبهته ينفخ ويتنفس كالحداد الذي ينفخ في الفحم بالمنفاخ، واستشهد بأن الشاعر عدى فعل النفخ. قوله: (غير قتادة) "غير" يروى بالرفع على البدل، وبالنصب على الاستثناء. قوله: (قتادة بن دعامة السدوسي)، في "جامع الأصول": هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري الأعمى، يعد في الطبقة الثالثة من تابعي البصرة، روى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب والحسن البصري، دعامة بكسر الدال المهملة، وسدوس بفتح السين المهملة. قوله: «وَلأُحِلَّ): رد) أي: متعلق به معطوف عليه، أي: ولأعلمكم ما أحل الله وما حرم، لأنه ليس لمخلوق تحليل الحرام وتحريم الحلال.
[ ٤ / ١١٣ ]
ويجوز أن يكون (مُصَدِّقًا) مردودا عليه أيضا، أي جئتكم بآية وجئتكم مصدقًا. وما حرم اللَّه عليهم في شريعة موسى: الشحوم، والثروب، ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. قيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرئ (حرم عليكم) على تسمية الفاعل، وهو (ما بين يدىّ من التوراة)، أو اللَّه ﷿، أو موسى ﵇؛ لأن ذكر التوراة دل عليه؛ ولأنه كان معلومًا عندهم. وقرئ: "حرم"، بوزن كرم (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ)؛ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه: وقرئ بالفتح على البدل من (آيَةٍ). وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت: لأنّ اللَّه تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل،
_________________
(١) ـ قال القاضي: هو مقدر بإضمار، أو معطوف على معنى (وَمُصَدِّقًا)، كقولهم: جئتك معتذرًا ولأطيب قلبك. قوله: «مُصَدِّقًا) مردودًا عليه أيضًا)، قال أبو البقاء: (مُصَدِّقًا): حال معطوفة على قوله: (بِآيَةٍ) أي: جئتكم بآية ومصدقًا. قوله: (والثروب): جمع ثرب، وهو شحم رقيق قد غشي الكرش والأمعاء. قوله: (ما لا صيصية له). الصيصية: شوكة الحائك التي يسوي بها السداة واللحمة، ومنه: صيصية الديك: ما يدفع به عن نفسه. قوله: (لأن الله تعالى جعله) أي: قوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ)، علامة، يعني الرسل
[ ٤ / ١١٤ ]
حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريرًا لقوله: (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من: خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا،
_________________
(١) قاطبة تواطأت على هذا القول، فكل من ادعى النبوة وقال بها كان رسولًا، قال القاضي: إنه دعوة الحق المجمع عليها بين الرسل الفارقة بين النبي والساحر. قوله: (ويجوز أن يكون تكريرًا) معطوف من حيث المعنى على قوله: (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) شاهدة على صحة رسالتي، واسم يكون ضمير يرجع إلى معنى قوله: (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)، (وَجِئْتُكُمْ) على "الأول" كرر ليعلق عليه معنى زائد، وهو قوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ)، وعلى الثاني كرر للاستيعاب، على منوال قوله تعالى: (ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) [الملك: ٤]، قال: لم يرد بالكرتين التثنية، ولكن التكرير، أيك كرة بعد كرة، ولهذا قال ها هنا: أي: جئتكم بآية بعد أخرى، فيقدر ما يناسب تلك الآيات السابقة من كونه مولودًا وجد من غير أب، وكونه يكلم الناس في المهد، ومن هذه الأجناس، وإليه الإشارة بقوله: "مما ذكرت"، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) على هذا إذا قرئ بكسر (إِنَّ): استئناف، وبفتحها: تعليل لقوله: (فَاعْبُدُوهُ) قدم للحصر، ولا يجوز أن يكون بيانًا أو بدلًا كما في الوجه الأول، لأن هذا ليس من جنس ما سبق ولا يناسب التكرير، ويؤيد هذا التقرير قراءة عبد الله، لما أن جمع الآيات مناسب للتكرير من حيث المعنى ومن حيث إن قوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) لا يصح أن يكون بدلًا أو بيانًا، بل كان استئنافًا أو تعليلًا، قال القاضي: إرادة التكرير هو الظاهر، ليكون الأول كتمهيد الحجة، والثاني كتقريبها إلى الحكم،
[ ٤ / ١١٥ ]
وبغيره من: ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد، ومن سائر ذلك. وقرأ عبد اللَّه: (وجئتكم بآيات من ربكم)، فاتقوا اللَّه لما جئتكم به من الآيات، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه.
ثم ابتدأ فقال: (إن اللَّه ربى وربكم). ومعنى قراءة من فتح: ولأنّ اللَّه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ فَلْيَعْبُدُوا) [قريش: ١، ٣]،
_________________
(١) ـ ولذلك رتب الحكم بالفاء، أي: فاتقوا الله لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة في المخالفة وأطيعوني فيما أدعوكم. ثم شرح في الدعوة بالقول المجمل، فقال: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) [آل عمران: ٥١] إشارة إلى الاعتقاد الحق ثم قال: (فَاعْبُدُوهُ) إشارة إلى الأعمال الصالحة. ثم قرر ذلك بأن بين الطريق المشهود له بالاستقامة، وهو الجمع بين الأمرين بقوله: (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [آل عمران: ٥١]، ونظيره قوله صلوات الله عليه: "قل: آمنت بالله ثم استقم". قوله: (وبغيره من ولادتي) قيل: هو عطف على "مما ذكرت"؛ لأنه بيان لقوله: (بِآيَةٍ) فكأنه قيل: جئتكم بما ذكرت لكم وبغيره، ولا يجوز العطف على "بالخفيات" لفظًا ومعنى. قوله: (كقوله: (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) [قريش: ١])، قال: (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) متعلق بقوله: (فَلْيَعْبُدُوا)، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، فحينئذ التقدير: وجئتكم بآية بعد أخرى شاهدة على صحة نبوتي فاتقوا الله وخافوا العقاب واتركوا العناد وأطيعوني، وإذ تركتم العناد وأطعتموني فاعلموا أني آمركم بعبادة من هو مالككم ومربيكم، ففيه إيجابه العبادة بواسطة النعمة التي بها تربيتهم وقوامهم.
[ ٤ / ١١٦ ]
ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن اللَّه ربى وربكم وما بينهما اعتراض.
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) [٥٢ - ٥٤]
(فَلَمَّا أَحَسَّ) فلما علم (منهم الْكُفْرَ) علمًا لا شبهة فيه، كعلم ما يدرك بالحواس. و(إِلَى اللَّهِ) من صلة (أنصارى) مضمنًا معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى اللَّه، ينصرونني كما ينصرني؟ أو يتعلق بمحذوف حالًا من الياء، أي: من أنصارى ذاهبًا إلى اللَّه ملتجئا إليه؟ (نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ) أي: أنصار دينه ورسوله. وحواريّ الرجل: صفوته وخالصته،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربي)، الظاهر أنه عطف على قوله: "معنى قراءة من فتح"، لأن المعنى: "وجئتكم بآية بعد أخرى"، أي: بدلالات واضحات متعاقبات على أن الله ربي وربكم فاعبدوه. قوله: (وما بينهما اعتراض) أي: على تقدير حذف الجارة، وكذا على البدل، والبيان اعتراض، وأما على التكرير فلا اعتراض. قوله: (مضمنًا معنى الإضافة)، قال الزجاج: معناه: من أنصاري مع الله، و"إلى" إنما قاربت معنى "مع" لأنها إذا عبر عنها بها أفاد معناها، لا أن "إلى" بمعنى "مع"؛ لأن إلى: لانتهاء الغاية، ومع: لضم الشيء إلى الشيء، المعنى: من يضيف نصرته إياي إلى نصرته تعالى؟ ولما أن الحروف قد تتقارب في الفائدة ربما يظن الضعيف بعلم اللغة أن معناها واحد.
[ ٤ / ١١٧ ]
ومنه قيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن، قال:
فَفُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا وَلَا تَبْكِنَا إلّا الْكِلَابُ النَّوَابِحُ
وفي وزانه: الحوالي، وهو الكثير الحيلة. وإنما طلبوا شهادته بإسلامهم؛ تأكيدًا لإيمانهم؛ لأنّ الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم. (مَعَ الشَّاهِدِينَ): مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، أو مع الذين يشهدون بالوحدانية. وقيل: مع أمة محمد ﷺ؛ لأنهم شهداء على الناس (وَمَكَرُوا): الواو لكفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم: أنهم وكلوا به من يقتله غيلة وَمَكَرَ اللَّهُ: أن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل، (وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) أقواهم مكرًا، وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
_________________
(١) ـ قوله: (فقل للحواريات) البيت، معناه: قل للنساء الحضريات: يبكين على غيرنا، فلسنا ممن يموت على الفراش كأهل الحضر، بل نحن من أهل الحرب، ولا يبكي علينا إلا الكلاب اللواتي نشأن معنا في البدو. قوله: (غيلة) الغيلة بالكسر: الاغتيال، يقال: قتله غيلة، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه قتله. قوله: (أقواهم مكرًا)، الراغب: المكر في الأصل: حيلة يجلب بها الإنسان إلى مفسدة، وقد يقال فيما يجلب به إلى مصلحة، اعتبارًا بظاهر الفعل دون القصد، والحكيم قد يفعل ما صورته صورة المكر لكن قصده المصلحة لا المفسدة، وعلى هذا سئل بعض المحققين عن مكر الله فأنشد: ويقبح من سواك الشيء عندي … وتفعله ويحسن منك ذاكا
[ ٤ / ١١٨ ]
(إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧» [٥٥ - ٥٧]
(إِذْ قالَ اللَّهُ) ظرف ل (خير الماكرين)، أو ل (مكر اللَّه)، (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي: مستوفي أجلك. ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته لك. ومميتك حتف أنفك لا قتيلا بأيديهم (وَرافِعُكَ إِلَيَّ): إلى سمائي ومقرّ ملائكتي، (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. وقيل (متوفيك): قابضك من الأرض، من توفيت مالي على فلان: إذا استوفيته
_________________
(١) فإذا مكر الله قد يكون تارة فعلًا يقصد به مصلحة، وتارة جزاء المكر، وأخرى أن لا يقبح مكره عندهم، وذلك بانقطاع التوفيق وتزيين ذلك في أعينهم، ويكون تارة بإعطائهم ما يريدون من دنياهم، واستعملوه على غير ما يجب، فكأنه مكر بهم واستدرجهم من حيث لا يعلمون، وإليه الإشارة بقوله: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) [الرعد: ١٣]. قوله: (ومعناه: إني عاصمك) أي: قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) بمعنى مميتك، كناية تلويحية عن العصمة؛ لأن التوفي لازم لتأخيره إلى أجل كتب له، وتأخيره ذلك لازم لإماتة الله إياه حتف أنفه، وهو لازم لعصمته من أن يقتله الكفار. قوله: (توفيت مالي على فلان) ما: موصولة، أي: الذي لي على فلان، وإنما اعتبر هذه الوجوه لأن التوفي واقع بعد رفعه ﵇ إلى السماء على ما يعلم من قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) إلى قوله: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) [النساء: ١٥٧]، وقوله ﷺ: "ليس بيني
[ ٤ / ١١٩ ]
_________________
(١) وبينه - يعني عيسىـ نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون"، أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي، عن أبي هريرة. وكان من ضربان الدهر وحدثان الزمان، وقدر الله الغالب، أن توغل شقيق لي في بعض بلاد الإفرنجة تسمى ببندقة قلما يصل إليها المسلمون، واتفق له بحث مع بعض القسيسين فقال: هذه الآية موافقة لما نحن عليه ونعتقده، ولكن قوله: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) مناقضة لها ومخالفة لما نقول به. وقلت: لا مناقضة بينهما، لأن مساق هذه الآية غير مساق تلك، وذلك أن قوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ) كما قال المصنف: ظرف لـ (خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) أو لـ (وَمَكَرَ اللَّهُ)، وقد عقب به قوله: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)، فكان المقام مظنة لاهتمام شأن النصرة والوعد بالاعتصام من مكايد الأعداء، فقيل: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي: عاصمك ممن يريد المكيدة بك، بخلافه في تلك الآية، فإنها واردة لرد زعم اليهود ودعواهم الكاذبة: (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) [النساء: ١٥٧] فوجب أن يقال: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) ويؤتى بحرف الإضراب في قوله: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ). فإن قلت: فلم عدل من "عاصمك" إلى (مُتَوَفِّيكَ)؟ قلت: ليؤذن بعصمة خارقة للعادة خارجة مما عليه المتعارف، فإن روح الله لما خاف معرة الأعداء وقتلهم إياه قيل له: لا تخف، فإنهم لن يقتلوك أبدًا ولن يصلوا إلى متمناهم؛
[ ٤ / ١٢٠ ]
وقيل: مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن: وقيل: متوفي نفسك بالنوم من قوله: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها)، [الزمر: ٤٢]، ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب
(فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، ومتبعوه: هم المسلمون؛ لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى (فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) تفسير الحكم قوله (فَأُعَذِّبُهُمْ …) (فنوفيهم أجورهم) وقرئ (فيوفيهم) بالياء
_________________
(١) ـ لأني أنا الذي مميتك وأدفع عنك شرهم وأجعل كيدهم في نحرهم، ولذلك أوقع الشبه على طالبه حتى قتلوه وأمد في حياته إلى آخر الزمان، هذا معنى قوله: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) فعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ) على المسلمين الذين يتبعونه بعد نزوله من السماء، وينصره قوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) والله أعلم. قوله: (وقيل: مميتك في وقتك … ورافعك الآن) هذا على الحذف لا الكناية. قوله: (ومتبعوه: هم المسلمون)، قال صاحب "الفرائد": من آمن بنبوته من المسلمين والنصارى وإلى الآن لم يسمع غلبة اليهود عليهم ولم يتفق لهم ملك ودولة. قوله: (كذبوه وكذبوا عليه) لف، والنشر قوله: "من اليهود والنصارى"، وقوله: "تفسير الحكم" مبتدأ، و"قوله: (فَأُعَذِّبُهُمْ) " الخبر، وإنما قال: "تفسير الحكم" دون تفصيله، لأن التفصيل هو قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)، (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، وحكم الله هو تعذيب الكفار، وتوفية أجور المؤمنين، ومعنى الآية: فاحكم بينكم فيما كنتم تختلفون فيه من كتاب أنزلته، ورسول بعثته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، فاختلفتم فيه، فمنكم من آمن، ومنكم من كفر، فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا والآخرة، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم، فالآية من باب الجمع والتقسيم.
[ ٤ / ١٢١ ]
_________________
(١) فإن قلت: التعذيب في الآخرة يصح أن يكون تفسيرًا للحكم الصادر في الآخرة، فما بال التعذيب في الدنيا؟ قلتـ والله أعلمـ: والذي يمكن أن يقال: إنه عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع وأخذ الزبدة من المجموع من غير اعتبار مفردات التركيب، كقوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ) [هود: ١٠٧]. قال المصنف: هو كقول العرب: ما دام تعار، وما أقام ثبير، وغير ذلك من كلمات التأبيد، أو المراد: مفهومهما اللغوي، أي: في الأول والآخر، أي: دائمًا، أو أقحم في الدنيا والآخرة اهتمامًا وغضبًا عليهم؛ لأن قوله: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) بعد قوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، وكذا قوله في قرينتها: (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) دل على أن العذاب في الآخرة، وأصل الكلام: ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فأعذبهم فيوفيهم أجورهم، كما قال. فإن قلت: كيف فصلت الآية الأولى بقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) والثانية بقوله: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)؟ قلت: لعل القصد إلى دليل الخطاب وأن الله يحب المؤمنين، فعدل ليعرض بالكافرين وأن الله تعالى إنما خذلهم لأنه يبغضهم، فيا له من غضب قصد في مدح الغير ذم الغير! والقوم المغضوب عليهم هم اليهود؛ لأنهم الذين كذبوا بعيسى، فعذبوا في الدنيا بضرب الذلة والمسكنة عليهم، وفي الآخرة بما لا يدخل تحت الوصف. فإن قلت: ما معنى الخطاب في قوله: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) لأن الأصل مرجعهم نظرًا إلى قوله: (الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ) و(الَّذِينَ كَفَرُوا). قلت: يجوز أن يكون التفاتًا، إيذانًا بأن الرجوع لابد منه فشافههم بذلك؛ لأن الخطاب أدل في إثبات ما أجرى له الكلام.
[ ٤ / ١٢٢ ]
(ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) ٥٨]
(ذلِكَ) إشارة إلى ما سبق من نبإ عيسى وغيره، وهو مبتدأ خبره (نَتْلُوهُ) و(مِنَ الْآياتِ) خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون (ذلك) بمعنى "الذي"، و(نتلوه) صلته، و(من الآيات) الخبر: ويجوز أن ينتصب (ذلك) بمضمر تفسيره (نتلوه)، "وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ": القرآن، وصف بصفة من هو سببه، أو: كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون (ذَلِكَ) بمعنى "الذي")، ولم يثبت "ذا" بمعنى "الذي" عند سيبويه إلا في قولهم: ماذا؟ وقد أثبته الكوفيون وأنشدوا: عدس ما لعباد عليك إمارة … أمنت وهذا تحملين طليق أي: يا عدس، وهو في الأصل زجر للبغلة، فسماها به، وهو علم هنا، وإنما بني لأنه حكاية صوت، ويجوز أن يكون زجرها بذلك، ثم قال: ما لعباد، وهو اسم ملك، "ها ذا" الأولى أن تكتب منفصلة غير متصلة فرقًا بينه وبين اسم الإشارة، يريد: تحمله نفسه، أي: أنت طليق بعد أن صرت أسيرًا، وبعضهم قال: "هذا"ـ في البيتـ على أصله، وهو اسم الإشارة، ومحله مرفوع بالابتداء، وطليق: خبره، وتحملين: حال، أي: وهذا طليق حال كونك حاملة له، وما ذكره الكوفيون ليس يثبت لخروجه عن القياس ولقلته. كله في "الإقليد". قوله: (وصف بصفة من هو سببه) وهو من الإسناد المجازي، كقوله: نهاره صائم، وليله قائم. قوله: (أو كأنه ينطق بالحكمة)، اعلم أن الضمير في قوله: (الْحَكِيمِ) العائد إلى الذكر، المراد به: القرآن إذا حمل على حقيقتهـ ولاشك أن نفس القرآن ليس بحكيمـ كان الإسناد مجازيًا؛ لأن مسببهـ أي: منزلهـ حكيم، وإذا شبه القرآن لكثرة حكمه، بإنسان ذي
[ ٤ / ١٢٣ ]
(إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ٥٩]
(إِنَّ مَثَلَ عِيسى عند الله): إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم. وقوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم ﵉، أي: خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم، وكذلك حال عيسى. فإن قلت: كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب، ووجد آدم من غير أب وأم؟ قلت: هو مثيله في أحد الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به؛ لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف؛ ولأنه شبه به في أنه وجد وجودًا خارجًا عن العادة المستمرة، وهما في ذلك نظيران؛ ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه
_________________
(١) ـ حكمة، ثم خيل القرآن نفس الشخص، ثم أطلق القرآن على المتخيل ورمز بقوله: (الْحَكِيمِ) - وهو من روادف المشبه بهـ أن القرآن مكان الاستعارة، يكون استعارة مكنية، ولا تظنن أن قوله: "كأنه ينطق بالحكمة"، مشعر بأن التركيب تشبيه لذكر الطرفين، وهو القرآن المشبه، والحكيم المشبه به، فإن التحقيق ما ذكرت لك، وتبين لك من هذا أن الفاعل في الإسناد المجازي يمكن أن يكون مشبهًا على سبيل المكنية، وأن قول صاحب "المفتاح": الذي عندي هو نظم هذا النوع، أي: الإسناد المجازي، في سلك الاستعارة بالكناية، ليس من مخترعاته، بل هو قد قيل، وذهب إليه، وأن راميه خابط في الظلمات. قوله: (جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم ﵉)، "ما" موصولة، صلتها: "شبه"، والظرف معموله، والضمير فيه راجع إلى الموصولة، أي: مفسرة للذي شبه عيسى بآدم لأجله، الجملة بيان لما يدل على وجه التشبيه بأخذ الزبدة والخلاصة التي يعطيها التركيب، وهي كونه وجد
[ ٤ / ١٢٤ ]
_________________
(١) من غير أب وأم، يعني: ما خلقت آدم إلا من تراب صرف، وليس شأنه شأن أولاده حيث خلقوا من أب وأم، وعلى هذا توجه السؤال المذكور وتوجيهه: كيف شبه عيسى بآدم ﵉، وهو ليس نظيره فيما شبه به؟ وأجاب: لا نسلم أنه ليس مثله، إذ ليس بواجب في التشبيه أن يحصل الشبه من كل الوجوه، بل ربما يكفي مجرد وصف يشتركان فيه، لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ثم ترقى في الجواب وقال: "ولأنه شبه به"، يعني: لا نسلم أن الوجه ليس شاملًا للطرفين، فإن الوجه وهو كونهما وجدا خارجين عن العادة المستمرة شامل للطرفين، إذ الغرض من إيراد التشبيه بيان حال المشبه، وإليه الإشارة بقوله: "وهما في ذلك نظيران"، ثم ترك هذه المرتبة إلى أعلى منها، بأن قال: "ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب"، أي: الغرض من إيراد التشبيه إلحاق الناقص بالكامل، فالواجب أن يكون المشبه به أقوى في وجه الشبه، وها هنا كذلك. هذا كله على أن يكون التشبيه عقليًا. ويمكن أن يكون تمثيليًا بأن ينتزع الوجه من عدة أمور متوهمة، فإن قوله تعالى: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) مشتمل على بدء الإنشاء وانتهائه، على أن القصد في إيراد الكلام أنه كيف يتصور في عيسى دعوى الإلهية؟ فإنه مثل آدم في كونه مخلوقًا من تراب، لقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) [فاطر: ١١] أي: من أحقر الأشياء وأوضعها، وفي كونه منقادًا لحكمه داخلًا تحت كلمة التسخير، وهي: كن، كسائر المكونات. والآيات من أول السورة كما ذكرنا مسوقة للاحتجاج على النصارى، وعلى أسلوبه قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) [البقرة: ١١٦] على إرادة استعمال "ما" في "أولي العلم"، ممن عبد دون الله من الملائكة والمسيح وعزير، تحقيرًا، ويؤيد هذا الوجه قول الزجاج: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ليس بمتصل بآدم إنما هو تبيين قصته، فإذا قلت: مثلك مثل زيد، أردت أنك تشبهه في فعله ثم تخبر بقصة زيد، فعل كذا وكذا، لأن اعتبار القصة والحالة في التشبيه أكثر ما يكون في قسم التمثيل منه.
[ ٤ / ١٢٥ ]
وعن بعض العلماء: أنه أسر بالروم، فقال لهم: لِمَ تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له. قال: فآدم أولى؛ لأنه لا أبوين له. قالوا: كان يحيى الموتى. قال: فحزقيل أولى؛ لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وأحيا حزقيل ثمانية آلاف. قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص. قال: فجرجيس أولى، لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالمًا
_________________
(١) قوله: (وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم)، وجدت في بعض الروايات أنه أسر ثلاثون رجلًا من المسلمين، وكان فيهم شيخ من أهل دمشق يقال له: واصل، فأدخل على بطريق من البطارقة، فسأله شيئًا، فلم يرد عليه الشيخ، فقال له: ما لك؟ قال: كيف أجيبك وأنا أسير بين يديك، فإن أجبتك بما تهوى أسخطت ربي، وإن أجبتك بما لا تهوى تخوفت على نفسي، فأعطني عهد الله وميثاقه وما أخذ على النبيين أنك لا تغدر بي، وإذا سمعت الحق أذعنت له، قال: لك بذلك عهد وميثاق، فكلمه فأفحمه، وبلغ أمره إلى الملك فأرسل إليه فأحضره ودعا بعظيم النصارى، فلما دخل سجد له الملك ومن حوله، فسأله: من هذا؟ فقيل له: هذا الذي يأخذ النصارى دينهم منه، قال الشيخ: أما له من زوجة أو عقب؟ قال الملك: أخزاك الله! هذا أزكى من أن يقذر بالولد أو ينسب إلى النساء أو يدنس بالحيض، فقال: فأنتم تكرهون لأدناكم ذلك وتأخذكم العزة من ذكر الزوجة والولد له، وتزعمون أن رب العالمين سكن ظلمة البطن وضيق الرحم ودنس بالحيض؟ فسكت القس، ثم قال: أيها القس، لم عبدتم عيسى ابن مريم؟ أمن جهة أنه لا أب له، فهذا آدم لا أب له ولا أم، خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته، فضموا آدم إلى عيسى حتى يكون لكم ربان، وإن كنتم إنما عبدتموه لأنه أحيا الموتى فهذا حزقيل تجدونه في الإنجيل لا ننكره نحن ولا أنتم، مر بميت فدعا الله فأحياه حتى كلمه، فضموه غليهما حتى يكون لكم ثلاثة آلهة، ثم قال: أيها الملك، ما عاب أهل الكتاب على أهل الأوثان؟ قال: أنهم عبدوا ما عملوا بأيديهم، فقال: ها أنتم تعبدون هذه الصور التي في كنائسكم، فإن كانت في الإنجيل فلا كلام، فإن لم تكن فلم تشبهون دينكم بدين أهل الأوثان؟ قال الملك: صدق، هل تجدونه في الإنجيل؟ فقال القس: لا، فقال: فلم تشبهون ديني بدين أهل الأوثان؟ فأمر الملك بنقض الكنائس فجعلوا ينقضونها ويبكون، فقال القس: هذا شيطان
[ ٤ / ١٢٦ ]
(خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ): قدّره جسدًا من طين، (ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ) أي: أنشأه بشرًا كقوله: (ثُمَّ أَنْشَاناهُ خَلْقًا آخَرَ). [المؤمنون: ١٤]، (فَيَكُونُ): حكاية حال ماضية.
(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) ٦٠]
(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ): خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق كقول أهل خيبر: محمد والخميس.
ونهيه عن الامتراء - وجل رسول اللَّه ﷺ أن يكون ممتريًا - من باب التهييج؛ لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفًا لغيره.
_________________
(١) من شياطين العرب فأخرجوه من دياركم ولا تقتلوه ولا تقطروا قطرة من دمه في دياركم فتفسد عليكم، فأخرجوه إلى بلاد الإسلام، والله أعلم بالحقيقة. قوله: (محمد والخميس). النهاية: الخميس: الجيش، سمي به لأنه مقسوم خمسة أقسام: المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب، وقيل: لأنه يخمس الغنائم، ومحمد: خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا محمد. روينا في "صحيح البخاري"، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلًا، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمدـ واللهـ والخميس، فقال النبي ﷺ: "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". قوله: (من باب التهييج). المغرب: هاجه فهاج، أي: هيجه، وأثاره فثار، يتعدى ولا يتعدى، وهو خبر نهيه عن الامتراء، وما توسط بينهما اعتراض، ونحوه قوله تعالى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [القصص: ٨٧].
[ ٤ / ١٢٧ ]
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) ٦١]
(فَمَنْ حَاجَّكَ) من النصارى (فِيهِ) في عيسى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)، أي: من البينات الموجبة للعلم (تَعالَوْا): هلموا. والمراد: المجيء بالرأي والعزم، كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة (نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) أي: يدع كل منى ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة (ثُمَّ نَبْتَهِلْ): ثم نتباهل بأن نقول: بهلة اللَّه على الكاذب منا ومنكم. والبهلة بالفتح، والضم: اللعنة. وبهله اللَّه لعنه وأبعده من رحمته، من قولك: أبهله إذا أهمله،
_________________
(١) ـ وفي هذا الأسلوب فائدتان، إحداهما: أنه صلوات الله عليه إذا سمع مثل هذا الخطاب تحرك منه الأريحية فيزيد في الثبات على اليقين. وثانيهما: أن السامع يتنبه بهذا الخطاب الفظيع على أمر عظيم فينزجر عما يورث الامتراء؛ لأنه صلوات الله عليه وسلم بجلالته إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره؟ وإلى هذين المعنيين الإشارة بقوله: "لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفًا لغيره". قوله: «مِنْ الْعِلْمِ) أي: من البينات الموجبة للعلم) أي: اللام في (الْعِلْمِ) للعهد، وهو تلخيص الدليل الموجب لأن عيسى مخلوق من مخلوقاته وليس بابن له، ولا تفاوت بينه وبين آدم المخلوق من التراب المكون بكلمة التسخير، ويدل على أن البينة الموجبة للعلم ذلك قوله تعالى: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ) يعني: إذا عاندوا للحق بعد ذلك لم يبق إلا الدعوة إلى الملاعنة وتعجيزهم بالمباهلة التي تستأصلهم من سنخهم، فقوله: (الْحَقُّ) وقوله: (الْعِلْمِ) معبران عن تلخيص الدليل.
[ ٤ / ١٢٨ ]
وناقة باهل: لا صرار عليها، وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. روى: «أنه لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلما تخالوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال: واللَّه لقد عرفتم يا معشر النصارى - أنّ محمدًا نبيٌ مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، واللَّه ما باهل قوم نبيًّا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكنّ فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم،
_________________
(١) ـ قوله: (لا صرار عليها)، صررت الناقة: شددت عليها الصرار، وهو خيط يشد فوق الخلف والتودية لئلا يرضعها ولدها، والتودية: واحدة التوادي، وهي الخشبات التي تشد على خلف الناقة إذا صرت، والخلف، بكسر الخاء: حلمة ثدي الناقة. قوله: (للعاقب). النهاية: جاء السيد والعاقب، همام ن رؤسائهم وأصحاب مراتبهم، والعاقب يتلو السيد. قوله: (بالفصل من أمر صاحبكم)، يعني به ما يشير إليه قوله تعالى: (قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي: فصل بينكم وبين اليهود؛ حيث قلتم: عيسى ابن الله وثالث ثلاثة، وقالوا: هو ساحر كذاب. و(قَوْلَ الْحَقِّ): هو عيسى، وإنما سمي به؛ لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها؛ وهي قوله: "كن" من غير واسطة أب. قوله: (فإن أبيتم إلا إلف دينكم)، الاستثناء مفرغ؛ لأن في "أبى" معنى النفي، يعني: إن لم تقبلوا دين الإسلام ولم ترغبوا في شيء إلا إلف دينكم فصالحوا محمدًا على شيء وانصرفوا سالمين إلى أهاليكم، يعني: إن باهلتم معه هلكتم، وإن ناصبتم الحرب فلم تقدروا عليه، وفيه أن دينه حق، والواجب عليكم ترك ما ألفتم به من الدين الباطل. قوله: (فوادعوا الرجل)، النهاية: الموادعة: المتاركة، أي: يدع كل واحد منهما ما هو فيه، يقال: توادع الفريقان: إذا أعطى كل واحد منهما الآخر عهدًا أن لا يغزوه.
[ ٤ / ١٢٩ ]
فأتوا رسول اللَّه ﷺ وقد غدا محتضنا الحسين آخذًا بيد الحسن، وفاطمة تمشى، وعليٌّ خلفها وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمّنوا» فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوهًا لو شاء اللَّه أن يزيل جبلًا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبق على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا. قال: «فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فأبوا، قال: «فإنى أناجزكم» فقالوا:
ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أنّ نؤدي إليك كل عام ألفي حلة؛ ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعا عادية من حديد. فصالحهم على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران،
_________________
(١) قوله: (أسقف)، النهاية: هو اسم سرياني لرؤساء النصارى وعلمائهم، وقال: والسقف والسقيفي: مرتبة يلونها من قبل الملوك. قوله: (ولا يبق) بغير ياء في نسخة المصنف، وقيل: الصواب بإثباتها لأنه معطوف على "فتهلكوا" وهو منصوب وليس بمجزوم، لأن الفاء في جواب النهي تنصب، وفيه نظر، لجواز أن يكون من باب (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) [المنافقون: ١٠]. وحديث المباهلة روى مختصرًا منه أحمد بن حنبل عن ابن مسعود، وروى أيضًا عن ابن عباس: لو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا. قوله: (فإني أناجزكم)، الجوهري: والمناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة، وفي المثل: المحاجزة قبل المناجزة.
[ ٤ / ١٣٠ ]
ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل اللَّه نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا» وعن عائشة ﵂: أنّ رسول اللَّه ﷺ خرج وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب: ٣٣] فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه؛ حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة، وخص الأبناء والنساء؛ لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب؛ لتمنعهم من الهرب،
_________________
(١) قوله: (خرج وعليه مرط مرحل)، الحديث رواه مسلم، المرط: الكساء، والمرحل: الموشى المنقوش الذي فيه صور الرحال. قوله: (ليتبين الكاذب منه ومن خصمه) أي: يظهر من نسب إلى الكذب من رسول الله ﷺ ومن خصمه، هذا معنى المباهلة لما سبق من قوله: "بأن يقول: بهلة الله على الكاذب منا ومنكم". قوله: (لذلك) اللام متعلق بقوله: "تعريض"، وذلك إشارة إلى المباهلة، "ولم يقتصر": عطف على "استجرأ"، و"بكذب خصمه" يتعلق بـ "ثقته"، و"على ثقته": عطف على "على ثقته". قوله: (الظعائن)، الجوهري: الظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، و: الهودج أيضًا، كانت فيه امرأة أو لم تكن.
[ ٤ / ١٣١ ]
ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس؛ لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم؛ وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ﵈، وفيه برهان واضح على صحة نبوة محمد ﷺ؛ لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.
(إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) ٦٢ - ٦٣]
(إِنَّ هذا) الذي قص عليك من نبأ عيسى (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)، قرئ بتحريك الهاء على الأصل، وبالسكون؛ لأن اللام تنزل من "هو" منزلة بعضه؛ فخفف كما خفف عضد، و"هو" إما فصل بين اسم (إن) وخبرها، وإما مبتدأ و(القصص الحق) خبره، والجملة خبر (إن)، فإن قلت: لم جاز دخول اللام على الفصل؟ قلت: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ منه وأصلها أن تدخل على المبتدأ. و(من) في قوله: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) بمنزلة البناء على الفتح
_________________
(١) قوله: (حماة الحقائق) جمع حقيقة، وهي ما يحق على الرجل أن يحميه. قوله: (قرئ بتحريك الهاء) أي: "لهو". بالسكون: قالون وأبو عمرو والكسائي، والباقون: بالتحريك. قوله: (و(مِنْ) في قوله: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ) بمنزلة البناء على الفتح)، فإن قلت: فعلى هذا الفتح هو الأصل، وقد قال ابن الحاجب: وإنما بني المفرد معه لما تضمنه من معنى الحرف؛ لأن معناه: ما من رجل. وأجيب: أن هذا إحدى علتين في بناء اسم "لا"، ذكرهما صاحب "الإقليد"، إحداهما: هذه التي ذكرها ابن الحاجب. والثانية: أن "لا" معناها النفي،
[ ٤ / ١٣٢ ]
في: (لا إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) في إفادة معنى الاستغراق، والمراد: الردّ على النصارى في تثليثهم (فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ): وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: (زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) [النحل: ٨٨]
_________________
(١) ـ كالاستفهام، في أنهما يتشبثان بمضمون الجملة لا بالاسم وحده، ألا ترى أنك إذا قلت: هل خرج زيد؟ فاستفهامك عن التباس خروج في زمان ماض بزيد، لأنك لا تجهل الخروج في زمان ماض حادثًا على الإطلاق ولم تجهل أيضًا زيدًا، بل جهلت التباس ذلك الخروج به، وكذا إذا قلت: ما خرج زيد، فالنفي متشبث بمضمون الجملة على ما سبق، ولا في "لا رجل أفضل منك" يفيد النفي الذي من شأنه أن يتشبث بالاسم المنفي لا بمضمون الجملة، وهو النفي على معنى الاستغراق، لأنه غير متصور في غير الاسم المنفي في الجملة، وهي في إفادتها هذا المعنى كلام التعريف في نفس الرجل. ولما خصت "لا" في هذا المقام بحكم أحبوا أن ينصبوا للاختصاص لتنفصل هذه الحالة من سائل حالاتها التي لم تنزل فيها منزلة حرف يحدث في الاسم وحده معنى، فبنوا الاسم المنفي لأن هذا الحكم مما يدل على فرط امتزاج الحرف بالاسم، وإنما لم يبن "الرجل"، واللام نازلة منزلة الجزء من الاسم لأن البناء للتمييز، ولا حاجة هنا للتمييز؛ لأنه ليس للام حالة تزول فيها عن صفة الامتزاج بالاسم، فيحتاج إلى النصب، بخلاف "لا"، فإنها تارة تفيد النفي المتشبث بمضمون الجملة لا غير، وأخرى تفيد النفي المتعلق بالاسم، كأن المصنف اختار هذا التعليل وبنى عليه كلامه، هذا وإنما ألحق الأصل بالفرع ها هنا لأن الفرع اشتهر بين الناس كثرة استعمال حتى صار أصلًا في الاعتبار، كالدابة في العرف العام في ذوات الأربع. قوله: (والمراد: الرد على النصارى)، يعني تقصيص إيجاد عيسى بكلمة "كن" تستلزم التوحيد، وقوله: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ) تذييل وتقرير لمعناه، فلا رد أبلغ من هذا. قوله: (وعيد لهم بالعذاب المذكور) يعني في إتيان صفة العلم بعد التولي وعيد لهم، وفي
[ ٤ / ١٣٣ ]
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [٦٤ - ٦٨]
(يا أَهْلَ الْكِتابِ) قيل: هم أهل الكتابين. وقيل: وفد نجران. وقيل: يهود المدينة (سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ):
مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل.
وتفسير "الكلمة" قوله: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) يعنى: تعالوا إليها حتى لا نقول: عزيز ابن اللَّه، ولا المسيح ابن اللَّه؛ لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا،
_________________
(١) ـ ذكر المفسدين تنبيه على اختصاص ذلك الوعيد بما في تلك الآية، فاللام في (الْمُفْسِدِينَ) للعهد، يعني: فإن تولوا فإن الله يعذبهم العذاب الذي تعورف واشتهر في حق المفسدين، وهو العذاب المضاعف. قال القاضي: وضع (الْمُفْسِدِينَ) موضع الضمير ليدل على أن التولي على الحجج، والإعراض عن التوحيد إفساد للدين، والاعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل فساد العالم. قوله: (بعضنا): خبر "أن" و"بشر مثلنا": بدل منه أو خبر بعد خبر، وعلى الوجهين الخبر معرفة والاسم نكرة، وإن صح من حيث المعنى، وتخصيص الاسم لأن التقدير أن عزيرًا بعضنا والمسيح بعضنا، لكن الظاهر أن "بعضنا": خبر مبتدأ محذوف والجملة: خبر "أن".
[ ٤ / ١٣٤ ]
ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع اللَّه، كقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا) [التوبة: ٣١]، وعن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول اللَّه، قال: "أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ " قال: نعم. قال: "هو ذاك". وعن الفضيل: لا أبالى أطعت مخلوقًا في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة. وقرئ (كلمة) بسكون اللام. وقرأ الحسن (سواء) بالنصب بمعنى استوت استواء، (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن التوحيد (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي: لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما. اعترف بأني أنا الغالب وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون؛ حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره. زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم وجادلوا رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين فيه، فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل،
_________________
(١) ـ قوله: (فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا) يريد: فإن تولوا عن الاتفاق معكم على كلمة التوحيد، وهي (أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وهو دين الأنبياء كلهم بعد أن عرضتم عليهم ذلك، فاعلموا أنهم إنما أبوا للعناد؛ لأنه لزمتهم الحجة، فقولوا لهم: إذا عرفتم ذلك من أنفسكم أنصفوا وأقروا بأنا لسنا مثلكم، وأنا على ذلكم الدين وهو دين الإسلام، وهو من أسلوب التعجيز. قوله: (ويجوز أن يكون من باب التعريض) لأنهم إذا شهدوا أن المسلمين مسلمون فقد عرضوا بأنفسهم بأنهم ليسوا كذلك.
[ ٤ / ١٣٥ ]
وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة، (أَفَلا تَعْقِلُونَ)، حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال، (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ)، "ها" للتنبيه، و"أنتم" مبتدأ و"هؤلاء" خبره، (وحاجَجْتُمْ) جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعنى: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم (فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) مما نطق به التوراة والإنجيل،
_________________
(١) قوله: (يعني: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى) يعني: قصد باسم الإشارة وهو (هَؤُلاءِ) تحقير شأنهم وتركيك عقولهم، كقولها: أبعلي هذا بالرحى المتقاعس قوله: (جادلتم (فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) مما نطق به التوراة والإنجيل)، قال الإمام: (فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) لم يقصد بالعلم حقيقته، وإنما أراد: هب أنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه، فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به البتة؟ ويمكن أن يقال: إن قوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) متصل بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا). ونوع آخر من النعي على قبائحهم، يعني: هب أنكم أشركتم بتأويل باطل وقلتم:
[ ٤ / ١٣٦ ]
(فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وعن الأخفش: (ها أنتم) هو أأنتم على الاستفهام، فقلبت الهمزة هاء، ومعنى الاستفهام: التعجب من حماقتهم. وقيل (هؤُلاءِ) بمعنى "الذين"، و(حاجَجْتُمْ) صلته، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ): علم ما حاججتم فيه (وَأَنْتُمْ) جاهلون به، ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم،
_________________
(١) عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، واتبعتم رؤساءكم وجعلتموهم أربابًا لكم فيما تأتون وتذرون، ثم ادعيتم أن ذلك عن علم منكم، وحاججتم المسلمين به لأنهم ما وقفوا على نصوص كتابكم، فكيف تحاجون فيما الشاهد يشهد بكذبكم والنص ينادي بزوركم؟ أو المقصود من إثبات العلم لهم إرخاء العنان معهم، يعني: من حماقتكم أنكم عمدتم إلى مسائل مما نطق به الكتابان وألقيتم على الناس مماراة ومجادلة، فلم تأتون بما ليس فيهما وهو أن إبراهيم كان يهوديًا أو نصرانيًا، وتجادلون به المؤمنين باطلًا، سمى الأول مجادلة لأنهم لم يريدوا بتلك المسائل إثبات حق أو إماطة شبهة، بل نفس المجاراة والمماراة، وهي مذمومة على ما جاء في "سنن الترمذي"، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له بيت في وسط الجنة". قوله: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ): علم ما حاججتم فيه)، فإن قلت: لم زيد علم؟ قلت: ليس الكلام في التهديد وأن الله تعالى يعلم محاجتهم فيجازيهم على عنادهم، بل في إزالة الجهل وبيان حقية المجادلة وبطلانها، ولذلك أتبع ذلك بقوله: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ) الآية. قوله: (ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم) يعني: جيء بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا) على سبيل الاستئناف بيانًا لما اختلفوا فيه، فإنه تعالى بعد ما بين أن ليس عندهم علم
[ ٤ / ١٣٧ ]
وما كان إلا (حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، كما لم يكن منكم. أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى؛ لإشراكهم به عزيرًا والمسيح (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ): إن أخصهم به وأقربهم منه، من الولي: وهو القرب (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) في زمانه وبعده (وَهذَا النَّبِيُّ) خصوصا، (وَالَّذِينَ آمَنُوا) من أمته. وقرئ: (وهذا النبيَ)، بالنصب عطفًا على الهاء في (اتبعوه)، أي: اتبعوه واتبعوا هذا النبي، وبالجر عطفًا على (إبراهيم)
_________________
(١) أن إبراهيم على أي ملة كان، وأثبت بأنه هو المختص به بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، اتجه لسائل أن يقول: بين لنا ما ذلك العلم الذي اختص الله به في شأن إبراهيم؟ فقيل: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا) الآية. قال القاضي: (مُسْلِمًا): منقادًا لله تعالى، وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام وإلا لاشترك الإلزام. وقلت: قوله: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) وارد استئنافًا لبيان الموجب، يعني: إذا نظرتم بعين الإنصاف عرفتم أن المحبة لا تصح بمجرد الدعوى، بل باتباع الهدى والاتصاف بسمة المحبوب، فمن شاهدتم فيه هذه المخيلة فهو أولى به، وفي مجيء اسم الإشارة وعطفه على (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) مزيد تميز وتعين واختصاص، ومن ثم قال: (وَهَذَا النَّبِيُّ) خصوصًا (وَالَّذِينَ آمَنُوا)، وهو كقوله تعالى: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨]. قوله: (أو أراد بالمشركين: اليهود) فعلى هذا هو من وضع المظهر موضع المضمر، للإشعار بالعلية، وهذا أيضًا ينصر قول المصنف: إن المراد من قوله: (مُسْلِمًا) أنه ﵇ على ملة الإسلام، أي: التوحيد. قوله: (وبالجر عطفًا على "إبراهيم") والمعنى على هذا: إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبي
[ ٤ / ١٣٨ ]
(وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [٦٩ - ٧١]
(وَدَّتْ طائِفَةٌ) هم اليهود، دعوا حذيفة وعمارًا ومعاذًا إلى اليهودية، (وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم؛ لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم. أو: وما يقدرون على إضلال المسلمين، وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم. (بِآياتِ اللَّهِ): بالتوراة والإنجيل. وكفرهم بها: أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوّة رسول اللَّه ﷺ وغيرها. وشهادتهم: اعترافهم بأنها آيات اللَّه. أو: تكفرون بالقرآن ودلائل نبوّة الرسول (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) نعته في الكتابين. أو تكفرون بآيات اللَّه جميعًا (وأنتم تعلمون) أنها حق
_________________
(١) ـ والذين آمنوا للذين اتبعوا إبراهيم، فهو من المبالغة بمنزل، كأنه قيل: لا فرق بين دين هذا النبي وأصحابه وبين دين إبراهيم، فكل من ادعى أنه متبع إبراهيم فإن أول شيء يجب عليه متابعة هذا النبي وأصحابه، لأن دينهم التوحيد، وفيه تعريض بأنهم حين أعرضوا عن الإسلام وتولوا، ظهر أنهم ما اتبعوا ملة إبراهيم ولا كانوا من التوحيد في شيء، فوقع قوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) تذييلًا لهذا المعنى أحسن موقع، كقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ). قوله: «وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنها حق) فعلى هذا "تشهدون": مجاز عن مطلق المعرفة والعلم، لأن الشاهد إنما يشهد على علم، ولهذا قال الجوهري: الشهادة: خبر قاطع. الراغب: الشهادة: الإخبار بالشيء عن مشاهدة، إما ببصر أو بصيرة، ثم يعبر بها عن المعرفة المقتضية لصحة ما يدعي، وإن كان المدعى عليه منكرًا بلسانه، كقولك لخصمك: أنت تشهد أن الأمر بخلاف ما تذكره.
[ ٤ / ١٣٩ ]
قرئ (تَلْبِسُونَ) بالتشديد، وقرأ يحيى بن وثاب: (تَلْبِسُونَ) بفتح الباء، أي: تلبسون الحق مع الباطل، كقوله: "كلابس ثوبي زور"، وقوله:
إذَا هُوَ بِالْمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا
_________________
(١) واعلم أن قوله: (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) حال مقررة لجهة الإشكال، وتتميم لمعنى التوبيخ في (لِمَ تَكْفُرُونَ)، فإن فسر "آيات الله" بالتوراة والإنجيل فالمناسب أن يحمل (تَشْهَدُونَ) على الاعتراف، وإن فسر بالقرآن ودلائل نبوة رسول الله فالمناسب: وأنتم تشهدون نعته، أي: تعاينون من المشاهدة المعاينة، وإن فسر بجميع آيات الله فالمناسب: وأنتم تعلمون ليؤذن بأن تلك الآيات بلغت في الوضوح والظهور منزلة المشاهد المحسوس، وأنهم مع ذلك عاندوا وكابروا، وفيه أن العالم المعاند لا يذعن للحق أيًا كان. قوله: (كلابس ثوبي زور) الحديث من رواية مسلم والنسائي، عن عائشة ﵂ قالت: إن امرأة قالت: يا رسول الله، أقول: إن زوجي أعطاني ما لم يعطني، فقال: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور". النهاية: يعني ثوبي ذي زور، وهو الذي يزور على الناس بأن يتزيا بزي أهل الزهد ويلبس لباس أهل التقشف رياء، أو أنه يظهر أن عليه ثوبين وإنما هو ثوب واحد، قال الأزهري: هو أن يخيط كُمًَّا على كُم. قوله: (إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا)، أوله: فلا أب وابنًا مثل مروان وابنه الابن: عبد الملك، ولفظ "هو": كناية عن الأب الذي هو مروان؛ لأن مجد الأب مجد الابن دون العكس، عطف الابن على الأب باعتبار اللفظ حيث جعله منصوبًا منونًا، ويجوز رفعه
[ ٤ / ١٤٠ ]
[(وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ٧٢ - ٧٤]
(وجْهَ النَّهارِ): أوّله. قال:
مَنْ كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ فَلْيَاتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
والمعنى: أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أوّل النهار، (وَاكْفُرُوا) به في آخره لعلهم يشكون في دينهم، ويقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم، فيرجعون برجوعكم. وقيل: تواطأ اثنا عشر من أحبار يهود خيبر، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار من غير اعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدًا ليس بذلك المنعوت،
_________________
(١) ـ باعتبار العطف على المحل، فإن موضع "لا" وما بعده: رفع بالابتداء، والنصب أشهر لأن العطف على اللفظ أكثر، وقيل: هذا الأسلوب مجاز لأنه جعل المجد رداء لنفسه، ويمكن أن يكون كناية، نحو قولهم: الكرم بين برديه، والمجد بين ثوبيه. قوله: (من كان مسرورًا) البيت، وبعده: يجد النساء حواسرًا يندبنه … يلطمن أوجههن بالأسحار حواسرًا: مكشوفات الرؤوس والوجوه، وكانت عادتهم مستمرة في الندبة على القتيل أنهم لا يندبون القتيل أو يدرك ثأره، يقول للأعداء المنابذين: من كان مسرورًا يظهر الشماتة بقتل مالك فليأت نساءنا أول النهار يجد ما كان محرمًا من الندبة والبكاء.
[ ٤ / ١٤١ ]
وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم. وقيل: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة، قال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة، وصلوا إليها في أوّل النهار، ثم اكفروا به في آخره، وصلوا إلى الصخرة، ولعلهم يقولون: هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون (وَلا تُؤْمِنُوا) متعلق بقوله: (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ)، وما بينهما اعتراض. أي: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم. أرادوا: أسرّوا تصديقكم بأنّ المسلمين قد أوتوا من كتب اللَّه مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين؛ لئلا يزيدهم ثباتا، ودون المشركين؛ لئلا يدعوهم إلى الإسلام (أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) عطف على (أن يؤتى). والضمير في (يحاجوكم) ل (أحد)؛ لأنه في معنى الجمع، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، أنّ المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق، ويغالبونكم عند اللَّه تعالى بالحجة
_________________
(١) قوله: «وَلا تُؤْمِنُوا) متعلق بقوله: (أَنْ يُؤْتَى» أي: (أَنْ يُؤْتَى) متصل به معمول له بواسطة الجار، والإيمان على هذا: بمعنى الإقرار، صرح به الواحدي؛ لأنهم كانوا يصدقون بباطنهم أن ما عليه المسلمون حق، لكن كانوا ينكرونه بألسنتهم، وما كانوا يقرون به، فأمروا بالثبات عليه، ونقل صاحب "المرشد"، عن أبي علي: من قدر الباء جعل الفعل بمعنى الاعتراف، ومن لم يقدره جعله متعديًا بنفسه، ومعناه: ولا تصدقوا أن يؤتى أحد. وعلى الوجهين هو مفعول (وَلا تُؤْمِنُوا)، ولهذا قال المصنف: أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، والجملة المتوسطة اعتراض كما قال. وقوله: "أو يتم الكلام عند قوله: (إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) ". وجه آخر مقابل للوجه المذكور، يعني: لا يكون (أَنْ يُؤْتَى) متصلًا به، والإيمان على هذا هو المتعارف المشهور، لقوله: "ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر"، فحينئذ لا يكون قوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) اعتراضًا، بل يكون أمرًا
[ ٤ / ١٤٢ ]
فإن قلت: فما معنى الاعتراض؟ قلت: معناه: أنّ الهدى هدى اللَّه، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، …
_________________
(١) ـ للنبي ﷺ بأن يرد عليهم ويبين تعكيس رأيهم ويفضحهم ويظهر ما أرادوا بهذا القول، يعني أن الذين أسلموا منكم إنما هدايتهم من الله، ومن كانت هدايته بتوفيق الله لا تضره حيلكم ومكركم، وذلك أن في إيقاع الخبر نفس المبتدأ دليلًا على كمال ذلك الشيء في نفسه، أي: هو الهدى الكامل الذي يستحق أن يسمى هدى، ومن يهد الله فلا مضل له، لكن الذي قلتم ودبرتموه إنما فعلتم لأنهم جمعوا بين الفضيلتين وحازوا الحسنتين فحسدتموهم، وهو المراد بقوله: "يعني أن ما بكم من الحسد والبغي … دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم". قال المصنف في الحاشية: القولان، أعني: (هُدَى اللَّهِ) وقوله: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ)، داخلان في حيز "قل"، كأنه قيل: قل لهم هذين القولين، ومعناه: أكد عليهم أن الهدى: ما فعل الله من إيتاء الكتاب غيرهم، وأنكر عليهم أن يمتعضوا من أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا، كأنه قيل: إن الهدى هدى الله، وقل: لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ما قلتم، وكدتم ما كدتم، تم كلامه. يقال: امتعض من كذا: غضب عنه، وقيل: أوجعه وشق عليه. قوله: (فما معنى الاعتراض) الفاء فيها شائبة الإنكار، يعني: الاعتراض ينبغي أن يؤكد معنى الكلام المعترض فيه، فأين المعنى المذكور فيه وهو إسلام الكافر وثبات المسلم فيه، أم أين التطبيق؛ لأن الأول كلامهم والثاني كلام الله؟ وأجاب: أن قوله: (هُدَى اللَّهِ) مطلق محتو على جميع أنواع الهداية، ووجه تطبيقه على الكلام السابق هو أن الكلام السابق سيق لمعنى (وَلا تُؤْمِنُوا) أي: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، لأن المسلمين إذا سمعوا ذلك يزيدهم ثباتًا في دينهم، وأن المشركين إذا علموا ذلك رغبوا في دين الإسلام، ثم إنه تعالى حكى عنهم كلامهم بعينه على سبيل التوبيخ والإنكار، وضم معه قوله: (قُلْ إِنَّ
[ ٤ / ١٤٣ ]
وكذلك قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) يريد الهداية والتوفيق. أو يتمَّ الكلام عند قوله: (إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) على معنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار (إلا لمن تبع دينكم)
إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم؛ لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم؛ ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم. وقوله: (أَنْ يُؤْتى) معناه: لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه، لا لشيء آخر، يعنى: أن ما بكم من الحسد والبغي - أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب - دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم،
_________________
(١) الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) لمزيد التوبيخ والإنكار، المعنى: إن الهدى هدى الله، وهداية الله شاملة لأن يلطف بالمشركين حتى يسلموا، وأن يزيد في ثبات المسلمين على الإسلام حتى يستقيموا عليه، وإذا كان كذلك لم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي: منعكم وإخفاؤكم، وقوله: "تصديقكم" مفعول "زيكم"، وهو مثل قوله قبيل هذا: "أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا". الأساس: انزوت الجلدة في النار: تقبضت، يقال: أسمعه كلامًا فانزوى له ما بين عينيه. قوله: (يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد) هذا الوجه أحسن التئامًا من الأول وأوفق نظمًا، فيكون قوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) كالتوطئة للجواب، أعني قوله: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) الآية، وقوله: (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) تقريرًا له، فالفضل هو ما حسدوه من الإيتاء وأظهروا البغي لأجله، والرحمة في (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) هو عين الفضل، أقيمت مقام المضمر، يدل عليه التذييل بقوله: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، فإذًا الكلام في الوحي وأنه المؤتى والفضل والرحمة، وفيه إشارة إلى أن الوقوف على حقائق كلامه المجيد الذي خص به خواص عباده الموصوفين بقوله: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) [الحاقة: ١٢] نهاية الكمال وغاية الإفضال. الراغب: الاختصاص: انفراد بعض الشيء بما لا يشاركه غيره.
[ ٤ / ١٤٤ ]
والدليل عليه قراءة ابن كثير: (أأن يؤتى أحد) بزيادة همزة الاستفهام؛ للتقرير والتوبيخ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد. فإن قلت: فما معنى قوله (أو يحاجوكم) على هذا؟ قلت: معناه: دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم به،
_________________
(١) قوله: (والدليل عليه قراءة ابن كثير) أي: على أن قوله: (أَنْ يُؤْتَى) ليس مفعولًا لقوله: (وَلا تُؤْمِنُوا) لأن قوله: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) قلتم ذلك، مصدر بهمزة الإنكار، وهو استئناف كلام داخل تحت حيز "قل" مقولًا لرسول الله ﷺ، والهمزة مزيدة لتأكيد الإنكار، وإليه الإشارة بقوله: "بزيادة همزة الاستفهام للتقرير"، أي: التأكيد. قال صاحب "المرشد": وكان ابن كثير يقرأ: "آن يؤتى أحد" بالمد، والوقف حينئذ على قوله: (إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) وقف تام، وكذا على قوله: (هُدَى اللَّهِ) و(أَنْ يُؤْتَى) في موضع رفع على الابتداء، وخبره محذوف، أي: أأن يؤتى مثل ما أوتيتم تقرون به أو تذكرونه وتعترفون به؟ ويجوز أن يكون في موضع نصب بفعل مضمر، أي: أتذكرون أن يؤتى، أو: أتشيعون. ذكر الوجهين أبو علي. قوله: (فما معنى قوله: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ) على هذا؟) يعني: إذا تم الكلام عند قوله: (لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) وابتدئ من قوله: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ)، كيف يستقيم عطف (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ) على (أَنْ يُؤْتَى) كما كان مستقيمًا على الأول، لأنه كان من جملة كلام اليهود؟ والجواب: أنه على الأول كان من عطف المفعول على المفعول، كما قال: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) عطف على (أَنْ يُؤْتَى). وقدر صاحب "المرشد": أو بأن يحاجوكم، وقال: يكون (أَنْ يُؤْتَى) وما عطف عليه مفعولًا لقوله: (وَلا تُؤْمِنُوا)، والآن هو من عطف العلة على العلة لمعلل مقدر، واللام مثلها في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [القصص: ٨] وأو
[ ٤ / ١٤٥ ]
من محاجتهم لكم عند ربكم. ويجوز أن يكون (هُدَى اللَّهِ) بدلا من (الهدى)، و(أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) خبر (إن)، على معنى: قل إن هدى اللَّه (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم) حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم.
وقرئ: (إن يؤتى أحد)، على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب، أي: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم، يعني ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم. ويجوز أن ينتصب (أَنْ يُؤْتى) بفعل مضمر؛
_________________
(١) ـ بمعنى الواوـ لتنويع، كما في قوله تعالى: (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) [المرسلات: ٦]، وإليه الإشارة بقوله: "ولما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم"، أي: لما يترتب عليه كما يترتب وجود أمر على أمر يكون الثاني مطلوبًا بالأول، ومن محاجتهم: بيان "ما"، والضمير في "يتصل" لـ "ما"، وفي "به" للتدبير. قوله: «هُدَى اللَّهِ) بدلًا من (الْهُدَى)، و(أَنْ يُؤْتَى) خبر (إِنَّ»، المعنى: أن الهدى الحقيقي هو أن يعطى المسلمون مثل ما أعطيتم من الحجة حتى يحاجوكم عند ربكم فيدحضوكم بالحجة، و(أَوْ) على هذا بمعنى: إلى أن، لا للعطف. قوله: (وقرئ: "إن يؤتى"). قال صاحب "المرشد": وهي قراءة الأعمش، وهو حكاية يحتمل أن تكون عن المسلمين وأن تكون عن اليهود، والوقف على (لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) وعلى الحكاية عن المسلمين أحسن؛ لأنك إن جعلته حكاية عن اليهود كان التقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم لأنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ففي أن يؤتى بعض التعلق بأول الكلام. قوله: (ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم) من باب نفي الشيء بنفي لازمه، كقوله: لا ترى الضب بها ينجحر قوله: (وأن ينتصب … بفعل مضمر) فعلى هذا (أَنْ يُؤْتَى) مترتب على قوله تعالى: (قُلْ إِنْ
[ ٤ / ١٤٦ ]
يدل عليه قوله: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) كأنه قيل: قل إن الهدى هدى اللَّه، فلا تنكروا ان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، لأن قولهم (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا.
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٧٦)
عن ابن عباس (مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنْطارٍ): هو عبد اللَّه بن سلام؛ استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبًا فأدّاه إليه. و(مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينارٍ): فنحاص بن عازوراء؛ استودعه رجل من قريش دينارًا فجحده وخانه. وقيل: المأمونون على الكثير النصارى، لغلبة الأمانة عليهم.
والخائنون في القليل اليهود، لغلبة الخيانة عليهم (إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا): إلا مدّة دوامك عليه يا صاحب الحق قائما على رأسه متوكلًا عليه بالمطالبة والتعنيف، أو بالرفع إلى الحاكم وإقامة البينة عليه. وقرئ (يؤده) بكسر الهاء والوصل،
_________________
(١) الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) يريد: لما أنكر اليهود أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا ردوا بقوله: (إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ)، يعني: تحجرتم على الواسع؟ كما أن الله هداكم كذلك يهدي من يشاء. قوله: (يا صاحب الحق) إشارة إلى أن المخاطب في قوله: (مَا دُمْتَ) كل من كان له حق على غريم، فهو من الخطاب العام، على نحو قوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته قوله: «يُؤَدِّهِ): بكسر الهاء والوصل) رواية ورش وابن كثير وابن ذكوان عن ابن
[ ٤ / ١٤٧ ]
وبكسرها بغير وصل، وبسكونها. وقرأ يحيى بن وثاب: تئمنه، بكسر التاء. و(دمت) بكسر الدال من دام يدام (ذلِكَ) إشارة إلى ترك الأداء الذي دلّ عليه (لم يؤدّه)، أي: تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم (لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)، أي: لا يتطرّق علينا عتاب وذم في شأن الأميين؛ يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم من حبس أموالهم، والإضرار بهم؛ لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم ويقولون: لم يجعل لهم في كتابنا حرمة. وقيل: بايع اليهود رجالًا من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا:
ليس لكم علينا حق؛ حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. وعن النبي ﷺ أنه قال عند نزولها: كذب أعداء اللَّه ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميَ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البرّ والفاجر.
وعن ابن عباس: أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة. قال: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس،
_________________
(١) ـ عامر، وبغير وصل: قالون وهشام، وبالسكون: أبو عمرو وأبو بكر وحمزة. قال الزجاج: هذا الإسكان الذي حكي عن هؤلاء غلط، لأن الهاء لا ينبغي أن تجزم ولا تسكن في الوصل، وإنما تسكن في الوقف لأنها حرف خفي يبين في الوصل نحو: ضربته وضربتها، وقيل: إنما قرؤوا باختلاس الكسرة وظنه الراوي سكونًا، وإنما جاز السكون في الوقف خاصة، يريد بالوصل: الإشباع، وسكونها إجراء الوصل مجرى الوقف. قوله: (فلما أسلموا) أي: فلما أسلم قريش تقاضوا اليهود، فقالت اليهود: ليس لكم علينا حق. قوله: (تحت قدمي) مثل لإبطال الشيء، ومنه الحديث: "ألا إن كل دم ومأثرة تحت قدمي هاتين" أراد إخفاءها وإعدامها وإذلال أمر الجاهلية ونقض سنتها. في "النهاية".
[ ٤ / ١٤٨ ]
قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل. إنهم إذا أدّوا الجزية لم يحلّ لكم أكل أموالهم إلا بطيبة أنفسهم، (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) بادعائهم أن ذلك في كتابهم (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم كاذبون (بَلى) إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي: بلى عليهم سبيل فيهم. وقوله: (مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ) جملة مستأنفة مقرّرة للجملة التي سدّت (بلى) مسدّها، والضمير في (بعهده) راجع إلى (من أوفى)، على أنّ كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى اللَّه في ترك الخيانة والغدر، فإنّ اللَّه يحبه.
فإن قلت، فهذا عام يخيل أنه لو وفي أهل الكتاب بعهودهم، وتركوا الخيانة لكسبوا محبة اللَّه. قلت: أجل؛ لأنهم إذا وفوا بالعهود وفوا أول شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم، ولو اتقوا اللَّه في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على اللَّه وتحريف كلمه. ويجوز أن يرجع الضمير إلى اللَّه تعالى، على أن كل من وفى بعهد اللَّه واتقاه فإنّ اللَّه يحبه، ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات، وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء. فإن قلت: فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى (من) قلت: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير. وعن ابن عباس: نزلت في عبد اللَّه بن سلام وبحيرا الراهب ونظرائهما من مسلمة أهل الكتاب
_________________
(١) ـ قوله: (للجملة التي سدت (بَلَى) مسدها) وهي قوله: "بلى عليهم سبيل فيهم". قوله: (وعن ابن عباس: نزلت في عبد الله بن سلام) يعني قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ) الآية. قوله: (وبحيرا الراهب) جاء على صيغة المكبر مقصورًا، وعلى المصغر ممدودًا، ورواية المعزي على المكبر، وأما حديثه فقد أورده الترمذي ورزين، عن علي بن أبي طالب، عن أبيه، أنه حدثه قال: خرجنا إلى الشام في أشياخ من قريش، وكان معي محمد صلوات الله عليه، فأشرفنا على راهب فنزلنا، فخرج إلينا الراهب، وكان قبل ذلك لا يخرج إلينا، فجعل يتخللنا حتى جاء، فأخذ بيد محمد صلوات الله عليه وقال: هذا سيد العالمين، فقيل له: وما علمك بما
[ ٤ / ١٤٩ ]
(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ٧٧ - ٧٨].
(يَشْتَرُونَ) يستبدلون (بعَهْدِ اللَّهِ): بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدّق لما معهم. (وَأَيْمانِهِمْ) وبما حلفوا به من قولهم: واللَّه لنؤمنن به ولننصرنه (ثَمَنًا قَلِيلًا): متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك. وقيل: نزلت في أبى رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيىّ بن أخطب، حرفوا التوراة وبدلوا صفة رسول اللَّه ﷺ، وأخذوا الرشوة على ذلك. وقيل: جاءت جماعة من اليهود إلى كعب بن الأشرف في سنة أصابتهم ممتارين، فقال لهم: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول اللَّه؟ قالوا: نعم،
_________________
(١) ـ تقول؟ قال: أجد صفته ونعته في الكتاب المنزل، وأنكم حين أشرفتم لم يبق شجر ولا حجر إلا خر له ساجدًا، وأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع طعامًا فأتانا به، وكان محمد صلوات الله عليه في رعية الإبل، فجاء وعليه غمامة تظله، فلما دنا وجد القوم قد سبقوه إلى شجرة، فجلس في الشمس، فمال فيء الشجرة عليه وضحوا هم في الشمس. الحديث بتمامه مذكور في "جامع الأصول". قوله: "ضحوا هم"، هم: تأكيد الفاعل، نحو قوله تعالى: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) [المطففين: ٣]، قال الزجاج: منهم من يجعل "هم" تأكيدًا لما في "كالوا". وسقوط الألف من ضمير الجمع على خلاف القياس. قوله: (ممتارين) أي: طالبين الميرة. النهاية: الميرة: الطعام ونحوه مما يجلب للبيع، يقال: مارهم يميرهم: إذا أعطاهم الميرة.
[ ٤ / ١٥٠ ]
قال: قد هممت أن أميركم وأكسوكم فحرمكم اللَّه خيرًا كثيرًا، فقالوا: لعله شبه علينا فرويدًا حتى نلقاه. فانطلقوا فكتبوا صفة غير صفته، ثم رجعوا إليه، وقالوا: قد غلطنا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا، ففرح ومارهم. وعن الأشعث بن قيس:
نزلت فىّ، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: «شاهداك أو يمينه» فقلت إذن يحلف ولا يبالى، فقال «من حلف على يمين يستحق بها ما لا هو فيها فاجر لقى اللَّه وهو عليه غضبان» وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه. والوجه أن نزولها في أهل الكتاب. وقوله: (بِعَهْدِ اللَّهِ) يقوّى رجوع الضمير في (بعهده) إلى اللَّه (وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم
_________________
(١) قوله: (شاهداك أو يمينه) أي: عليك شاهداك، أو عليه يمينه. قوله: (من حلف على يمين) سمى المحلوف عليه يمينًا، وقد سبق فيه كلام عند قوله: (عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ) [البقرة: ٢٢٤]. قوله: (يستحق بها مالًا): صفة يمين، وكذا قوله: "هو فيها فاجر"، الحديث أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، عن ابن مسعود، مع تغيير يسير. قوله: (والوجه أن نزولها في أهل الكتاب)؛ لأن سياق الآية وسياقها فيهم. قوله: «بِعَهْدِ اللَّهِ) يقوي رجوع الضمير في (بِعَهْدِهِ) إلى الله) يعني: في الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى)، وتقريره: أن المعاهد في الأول من أوفى، والمعاهد عام يحتمل أن يكون الله وغيره بخلافه في الثاني، وأما بيان النظم فإن أهل الكتاب لما قالوا: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) بمعنى: لا يتطرق إلينا عتاب، ولا ذم من الله إذا حسبنا أموال الأميين وألحقنا بهم الضرر؛ لأنهم ليسوا على الدين الحق، أجيبوا بقوله: (بَلَى) أي: عليكم سبيل فيهم لأنكم على الباطل، حيث لا توفون بعهد الله، وتشترون به ثمنًا قليلًا، وأنهم على الحق لأنهم الموفون بعهد الله المتقون الذين أحبهم الله، فجيء بهذه الآية سادة
[ ٤ / ١٥١ ]
تقول: فلان لا ينظر إلى فلان، تريد نفي اعتداده به وإحسانه إليه (وَلا يُزَكِّيهِمْ): ولا يثنى عليهم. فإن قلت:
أي فرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه؟ قلت: أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية، لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردًا لمعنى الإحسان
مجازًا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.
(لَفَرِيقًا) هم كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف وحيىّ بن أخطب وغيرهم (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ) يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف
_________________
(١) ـ مسد هذا المعنى، ثم عقبت بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) كالبيان لذلك المبهم، فأوجب ذلك عود الضمير إلى الله تعالى. قوله: (ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر) يعني: كان في بدء استعماله فيمن يجوز عليه النظر، وهو الإنسان، عبارة عن الاعتداد والإحسان؛ لأن من اعتد بالغير التفت إليه، وإنما كان كناية لأنه لا ينافي إرادة حقيقته، ثم كثر استعماله في هذا المعنى حتى صار علمًا لهذا المعنى، ثم جاء في حق الله لمجرد معنى الإحسان من غير أن يكون ثمة نظر بناءً على مذهبه، وهذا التجريد لمعنى الإحسان وارد على سبيل المجاز عن الشيء الذي وقع كناية عنه في الإنسان، وهو عدم الاعتداد. وعندنا: يجوز أن يطلق النظر على الله تعالى بالحقيقة كما يليق بجلاله، وبيان المجاز: أنه شبهت حالة معاملة الله مع هؤلاء الناقضين للعهد بحالة معاملة من لا يكلم صاحبه ولا ينظر إليه بجامع عدم الاعتداد وقطع الإحسان، ثم استعمل هنا كما كان مستعملًا هناك. قوله: (يفتلونها بقراءته عن الصحيح). الأساس: فتلته عن حاجته: صرفته، فانفتل، وانفتل عن الصلاة، ولوى الشيء فالتوى، وبلغوا ملتوى الوادي: منحناه، وكلمته فالتوى رأسه. قوله: (إلى المحرف) أي: يفتلون الألسنة في القراءة لتصير الصحيحة محرفًا ويحسب المسلمون أن المحرف من التوراة فيلتبس عليهم الأمر، كما قال تعالى: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: ٤٢].
[ ٤ / ١٥٢ ]
وقرأ أهل المدينة: يلوّون، بالتشديد، كقوله: (لووا رؤسهم) [المنافقون: ٥]، وعن مجاهد وابن كثير: (يلون).
ووجهه: أنهما قلبا الواو المضمومة همزة، ثم خففوها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في: (لتحسبوه) قلت: إلى ما دلّ عليه (يلوّون ألسنتهم بالكتاب) وهو المحرف. ويجوز أن يراد: يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب، وقرئ: ليحسبوه بالياء، بمعنى: يفعلون ذلك ليحسبه المسلمون من الكتاب (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) تأكيد لقوله: (هو من الكتاب)، وزيادة تشنيع عليهم، وتسجيل بالكذب، ودلالة على أنهم لا يعرضون ولا يورون وإنما يصرحون بأنه في التوراة هكذا، وقد أنزله اللَّه تعالى على موسى كذلك لفرط جرأتهم على اللَّه وقساوة قلوبهم ويأسهم من الآخرة. وعن ابن عباس: هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتابا بدّلوا فيه صفة رسول اللَّه ﷺ، ثم أخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يراد: يعطفون). المغرب: استعطف ناقته، أي: عطفها، بأن جذب زمامها ليميل رأسها. والمراد به: الإيهام في الكلام، أي: كانوا يوهمون المسلمين أن ذلك من نفس الكتاب ومن ثم قال: "بشبه الكتاب"، والضمير في (لِتَحْسَبُوهُ) راجع إلى هذا المضاف المحذوف، والفرق أنهمـ على الأولـ كانوا يتركون النص ويقرؤون ما بدلوا به، ولهذا قال: "يفتلونها بقراءتها عن الصحيح إلى المحرف" بحرف المجاوزة؛ لأن من فتل عن الصلاة الصحيحة خرج إلى ضدها، وعلى هذا (يَلْوُونَ): كناية عن الخلط الذي هو لازم اللبس والاشتباه. قوله: «هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) تأكيد لقوله: (هُوَ مِنْ الْكِتَابِ». الراغب: إن قيل: ما فائدة (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) بعد قوله: (مِنْ الْكِتَابِ) قيل: الأول تعريض، والثاني تصريح
[ ٤ / ١٥٣ ]
(ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَامُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَامُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ٧٩ - ٨٠].
(ما كانَ لِبَشَرٍ) تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى. وقيل: إنّ أبا رافع القرظي والسيد من نصارى نجران قالا لرسول اللَّه ﷺ: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال معاذ اللَّه أن نعبد غير اللَّه، أو أن نأمر بعبادة غير اللَّه! فما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني؛ فنزلت
_________________
(١) ـ منهم بالكذب، أي: يكذبون تعريضًا وتصريحًا أو تلاوة وتأويلًا، وفي هذا دلالة على أن إيهام الكذب قبيح كالتصريح، وفائدة (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) بعد ما تقدم ذكره أن كلا الأمرين كذب: لي الألسنة، وقولهم: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). وقوله: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) تشنيع عليهم وأنهم غير معذورين بوجه، إذ قد يعذر الإنسان في بعض ما يظنه. قوله: «مَا كَانَ لِبَشَرٍ) تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى)، يعني: لما فرغ من ذكر بعض قبائح اليهود، وهو تحريفهم كتاب الله، وتغيير صفة رسول الله صلوات الله عليه، وحط منزلته عن مرتبة النبوة، رجع إلى تكذيب معتقد النصارى وغلوهم في رسول الله عيسى ورفع درجته إلى الألوهية، ليريك إفراط أهل الكتاب وتفريطهم. قوله: (أن نأمر بغير عبادة الله)، قال المصنف: "نأمر بعبادة غير الله" أحسن طباقًا، لما سبق في المتن، لأن الكلام لم يقع في نفيهم عن أنفسهم الأمر بغير عبادة الله، بل بعبادة غير الله، ألا ترى إلى قوله ﷺ: "أن نعبد غير الله"، ولم يقل: أن نفعل غير عبادة الله؟ قيل: هذه الحاشية تدل على أن رواية الحديث: أن نأمر بغير عبادة الله، والمصنف يقول: "أن نأمر بعبادة غير الله" أحسن طباقًا، وقلت: الرواية عن محيي السنة في "معالم التنزيل": "فقال: معاذ الله أن آمر بعبادة غير الله".
[ ٤ / ١٥٤ ]
وقيل: قال رجل: يا رسول اللَّه، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: "لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون اللَّه، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله" (وَالْحُكْمَ): والحكمة، وهي السنة …
_________________
(١) وفي "الوسيط": ما كان لبشر أن يجمع بين هذين: بين النبوة وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله، فإذًا المصنف وجد الرواية كما ذكرها مترددة من الراوي، فلم تطوع له نفسه، لفصاحته، أن يقبله، لنبو المقام عنه، فذكر ما ذكر وكان على ما ذكر لله دره! ولناصر الرواية الأخرى أن يقول: إن قولهم: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربًا، يحتمل أنهم توهموا الشركة في العبادة بين الله وبين رسول الله، فنفى ذلك على الوجه الأبلغ، أي: معاذ الله أن نأمر بغير عبادة الله، يعني: أمره مقصور بالأمر بعبادة الله لا يتجاوز إلى غير عبادته فكيف آمر بعبادتي؟ قوله: (والحكمة، وهي السنة)، فسر الحكم بالسنة لأنه تالي الكتاب، روينا عن أبي داود، عن ابن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة"، قال صاحب "الجامع": السنة القائمة هي: الدائمة المستمرة التي العمل بها متصل لا يترك، والفريضة العادلة هي: التي لا جور فيها ولا حيف في قضائها. وقال التوربشتي: وقيل: المراد بالعادلة: المستنبطة عن الكتاب والسنة، وتكون هذه الفريضة وإن لم ينص عليها في الكتاب والسنة معدلة بما أخذ منهما.
[ ٤ / ١٥٥ ]
(وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ): ولكن يقول: كونوا، والربانىّ: منسوب إلى الرب، بزيادة الألف والنون كما يقال: رقبانى ولحياني، وهو الشديد التمسك بدين اللَّه وطاعته. وعن محمد ابن الحنفية: أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات ربانيّ هذه الأمّة
_________________
(١) ـ وعن عبد الله بن عروة: الفريضة العادلة: ما اتفق عليه المسلمون، أي: الحكومة المبينة المقدرة على منهاج العدل، وأولى ما يوصف بهذه الصفة الإجماع، إذ لا يتقدمه شيء بعد الكتاب والسنة. قوله: (الرباني: منسوب إلى الرب). الراغب: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) يعني: ولكن نقول: كونوا ربانيين حكماء أولياء الله، فقد قيل: إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله في الأرض ولي، وقيل: كونوا متخصصين بالله تخصيصًا تنسبون إليه وتوصفون بعامة أوصافه، نحو: الجواد والودود والرحيم، وقيل: كونوا متخصصين بالله كالذين وصفوا بقوله: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" الحديث، أو: كونوا متخصصين بالله غير ملتفتين إلى الوسائط. قوله: (رقباني) أي: منسوب إلى الرقبة، الجوهري: رجل أرقب بين الرقب، أي: غليظ الرقبة، ورقباني أيضًا على غير قياس. الزجاج: إنما زيدت الألف والنون للمبالغة في النسب، كما قالوا لذي الجمة الوافرة: جماني. قوله: (اليوم مات رباني هذه الأمة)، روى ابن عبد البر في "الاستيعاب": مات ابن عباس
[ ٤ / ١٥٦ ]
وعن الحسن (ربانيين): فقهاء علماء. وقيل علماء معلمين. وكانوا يقولون: الشارع الرباني: العالم العامل المعلم (بِما كُنْتُمْ) بسبب كونكم عالمين، وبسبب كونكم دارسين للعلم أوجب أن تكون الربانية التي هي قوّة التمسك بطاعة اللَّه مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلا على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها: وقرئ: (تعلمون) من التعليم. و(تعلمون) من التعلم. (تَدْرُسُونَ): تقرءون. وقرئ (تدرسون)، من التدريس. و(تدرسون) على أن أدرس بمعنى درّس كأكرم وكرّم وأنزل ونزَّل.
و(تدرّسون)، من التدرّس
_________________
(١) ـ بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير، وكان ابن الزبير أخرجه من مكة، فخرج إلى الطائف ومات بها وهو ابن سبعين سنة، وقيل: إحدى وسبعين، وصلى عليه محمد بن الحنفية وكبر عليه أربعًا، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة. قوله: (العالم العامل)، قال الزجاج: العالم إنما ينبغي أن يقال له: عالم إذا عمل بعلمه، وإلا فليس بعالم، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة: ١٠٢]. قوله: (وقرئ: (تَعْلَمُونَ) من التعليم): ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، والباقون بالتخفيف، من العلم، وأما "تعلمون" من التعلم فشاذ، والقراءات المذكورة في (تَدْرُسُونَ) كلها شواذ سوى الأولى.
[ ٤ / ١٥٧ ]
ويجوز أن يكون معناه ومعنى "تدرسون" بالتخفيف: تدرسونه على الناس، كقوله: (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ) [الإسراء: ١٠٦]، فيكون معناهما معنى "تدرسون" من التدريس. وفيه أن من علم ودرس العلم ولم يعمل به فليس من اللَّه في شيء، وأن السبب بينه وبين ربه منقطع؛ حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته
_________________
(١) ـ قوله: (وفيه أن من علم) يعني: أدمج فيه هذا المعنى وأشير إليه؛ لأن المعنى الذي سيقت له الآيات هو ما يقال: لا يصح ولا يستقيم للبشر أن يمنح الكتاب ويرزق الحكم والنبوة ثم يقول للناس: اعبدوني من دون الله، ولكن الواجب عليه أن يقول: كونوا عباد الله وحده، فعدل عنه إلى قوله: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) ليستقيم ترتب الحكم على تلك الصفة، لأن الرباني، أي: المتمسك بالدين والطاعة المعتصم بحبل الله المتين، لا يكون إلا عالمًا عاملًا معلمًا كما قال، فالمعنى المدمج: إيجاب طلب العلم على كل أحد من عباد الله ثم العمل به ثم إرشاد الناس إلى الطريق المستقيم، وإليه ينظر ما روي: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، ثم عدل في الدرجة الثانية من ظاهر قوله: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) فدرسوا وعلموا إلى ما عليه التلاوة، لينبه على أن لا يجعل العلم والعمل ذريعتين للتفوق والتدريس وأن يكون المقصود الأولي منهما ذلك، بل يجعلان سببي العمل ومصححي النسبة بينهم وبين ربهم. روينا عن الترمذي، عن كعب بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه، أدخله الله النار".
[ ٤ / ١٥٨ ]
وقرئ: (وَلا يأمُرَكُمْ) بالنصب عطفا على: (ثُمَّ يَقُولَ)، وفيه وجهان: أحدهما أن تجعل «لا» مزيدة؛ لتأكيد معنى النفي، في قوله: (ما كانَ لِبَشَرٍ) والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه اللَّه وينصبه للدعاء إلى اختصاص اللَّه بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادًا له، ويأمركم (أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا)، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بى. والثاني: أن يجعل «لا» غير مزيدة، والمعنى: أن رسول اللَّه ﷺ كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا له: أنتخذك ربا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه اللَّه، ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء. والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر،
_________________
(١) وقد أخرجه ابن ماجه، عن عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وإليه الإشارة بقوله: "من علم ودرس العلم ولم يعمل به فليس من الله في شيء، وأن السبب بينه وبين ربه منقطع". قوله: ("لا" مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: (مَا كَانَ». وهذه الزيادة كزيادة الهمزة في قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) [الزمر: ١٩]. قال الزجاج: جاءت الهمزة مؤكدة لمعنى الإنكار بين المبتدأ المتضمن للشرط وبين الخبر للطول. قوله: (ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة)، قيل: فسر (وَلا يَامُرَكُمْ) بـ "ينهاكم"، وقلت: الكلام في هذا الوجه رد لقول النصارى: أنتخذك ربًا؟ بعدما نهاكم رسول الله ﷺ عن عبادة الملائكة وعزير والمسيح. والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه خاصة، ولا يأمر بعبادة أمثاله من الملائكة والأنبياء، وهو وهم سواء في عدم الاستحقاق فيلزم أن يقال: التقدير: لا أجمع بين الأمر بعبادة نفسي وبين النهي عن عبادتهم.
[ ٤ / ١٥٩ ]
وتنصرها قراءة عبد اللَّه: (ولن يأمركم). والضمير في (وَلا يَامُرَكُمْ) و(أَيَامُرُكُمْ) للبشر. وقيل "لله"، والهمزة في (أَيَامُرُكُمْ) للإنكار (بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين، وهم الذين استأذنوه أن يسجدوا له
_________________
(١) قوله: (وتنصرها قراءة عبد الله: ولن يأمركم)، قيل: لأنه لا يمكن أن يكون (يَامُرَكُمْ) عطفًا على (يَقُولَ) لامتناع دخول "أن" الناصبة على "لن"، والحق أن العلة ما ذكره صاحب "المرشد": وجه رفع (لا يَامُرَكُمْ) والوقف على (تَدْرُسُونَ) أنها جاءت منقطعة، ومعناها: ولا يأمركم الله، وحجته ما روي عن ابن مسعود: (ولن يأمركم)؛ لأنه يدل على الانقطاع، فوجب رفعه على الاستئناف، وتقريره أن "لن" في النفي بمنزلة "إن" في الإثبات، في كونهما يقعان في ابتداء الكلام. قال المصنف في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) [البقرة: ٢٤] (وَلَنْ تَفْعَلُوا) اعتراض، و"لا" و"لن" أختان لنفي المستقبل، إلا أن في "لن" توكيدًا وتشديدًا، تقول لصاحبك: لا أقيم غدًا، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غدًا، كما تفعل في "أنا مقيم" و"إني مقيم". فالآية على هذه القراءة وعلى الرفع تذييل وتوكيد للكلام السابق، فإنه صلوات الله عليه لما أجاب عنهم بأنه لا ينبغي لنبي أن يأمر بعبادة نفسه عمم الحكم وزاد في التأكيد، كأنه قال: لا ينبغي لنبي أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه ويأمر البتة بعبادة غير الله من الملائكة والنبيين. قوله: «بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين)، يعني: هذه الفاصلة ترجح قول من قال: إن قوله: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ) رد لقول من قال من المسلمين: يا رسول الله، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ على قول من قال: القائل أبو رافع القرظي والسيد.
[ ٤ / ١٦٠ ]
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) ٨١ - ٨٣].
(مِيثاقَ النَّبِيِّينَ) فيه غير وجه: أحدها أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك. والثاني أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق عليه، كما تقول: ميثاق اللَّه، وعهد اللَّه، كأنه قيل: وإذ أخذ اللَّه الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم
_________________
(١) ـ وقلت: ويجوز أن يقال للنصرانيين ردًا لقولهما: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربًا؟ معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله وكيت وذيت، (أَيَامُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): منقادون مستعدون لقبول الدين الحق، إرخاء للعنان واستدراجًا. قوله: (من أخذ الميثاق على النبيين بذلك) أي: بما في الآية من قوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ) إلى آخره. قال صاحب "المرشد": وقد أجاز بعض أهل المعاني الوقف عند قوله: (النَّبِيِّينَ)، ثم أمرهم الله تعالى بعد ذلك فقال لهم: قولوا للأمم عني: مهما أوتكم من كتاب وحكمة ورسول لتؤمنن به، وهذا وجه صالح على أن يكون الضمير في (آتَيْتُكُمْ) للأمم، ويجوز أن يكون الضمير للأنبياء، كأنه أوجب على كل نبي إن جاءه رسول بعده أن يؤمن به ويصدقه وينصره، أي: أيها الرسل إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به لأجله. قوله: (إضافته إلى الموثق) أي: الفاعل، وعلى الأول كانت الإضافة إلى الموثق عليه، وهم النبيون، ويجوز أن يكون المعنى: وإذ أخذ الله على الناس ميثاقًا مثل ميثاق النبيين، أي: ميثاقًا
[ ٤ / ١٦١ ]
والثالث: أن يراد ميثاق أولاد النبيين؛ وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. والرابع: أن يراد أهل الكتاب، وأن يرد على زعمهم؛ تهكما بهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد؛ لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون. وتدل عليه قراءة أبيّ وابن مسعود: (وإذ أخذ اللَّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب)
_________________
(١) غليظًا، ثم جعل ميثاقهم نفس ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة، وعليه قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ)، ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى التعليل لأدنى ملابسة، كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين، ثم جيء بقوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ) إلى آخره بيانًا لذلك. الراغب: الصحيح أن العهد مأخوذ من الفريقين من الرسل والمرسل إليهم، وخص الأنبياء بالذكر لكونهم الرؤوس والأمة تبع لهم، ولذلك خص النبي ﷺ في كثير من المخاطبة التي تشاركه فيها أمته، نحو: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ) [الطلاق: ١]، ولأنه إذا أخذ الميثاق على الأنبياء فقد أخذ على أممهم لمشاركتهم أنبياءهم في عامة ما شرع لهم. قوله: (وأن يرد على زعمهم تهكمًا بهم)، وبيانه: أنه تعالى عهد إليهم أنه مهما جاءهم رسول مصدق لما معهم يؤمنوا به وينصروه، وهم ما وفوا بذلك العهد ونقضوا الميثاق، بل عكسوا، كما قال تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) [البقرة: ٨٧]، ولما جاءهم رسول الله ﷺ كذبوه وقالوا: نحن أحق بالنبوة منه، فقيل فيهم تعييرًا وتهكمًا: وإذ أخذ الله ميثاق هؤلاء النبيين الزاعمين أنهم أحق بالنبوة، وكذا وكذا، وهذا كمن ائتمنته على شيء وهو خائن به، ثم ادعى بعد ذلك أنه أمين، فقلت له: يا أمين، اذكر حين استودعتك ذلك الشيء وعهدت إليك بحفظه.
[ ٤ / ١٦٢ ]
واللام في (لَما آتَيْتُكُمْ) لام التوطئة؛ لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف؛ وفي (لتؤمنن) لام جواب القسم، و«ما» يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و(لتؤمنن) سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعًا، وأن تكون موصولة بمعنى: للذي آتيتكموه لتؤمنن به. وقرئ: (لما آتيناكم) وقرأ حمزة: (لما آتيتكم). بكسر اللام ومعناه: لأجل إيتائى إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به، على أن «ما» مصدرية، والفعلان معهاـ أعني (آتيتكم) و(جاءكم) في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل على معنى: أخذ اللَّه ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه،
_________________
(١) قوله: (لام التوطئة) هي من قولهم: وطؤ الموضع يوطأ وطأة: صار وطيئًا، ووطأته أنا توطئة، فهذه اللام كأنها وطأت طريق القسم، أي: سهلت تفهم الجواب على السامع، وهي اللام التي تدخل على الشرط بعد تقدم القسم لفظًا أو تقديرًا ليؤذن أن الجواب له، لا للشرط، كقولك: لئن أكرمتني لأكرمنك، ولو قلت: أكرمك، أو: فإني أكرمك وما أشبهه مما يجاب به الشرط لم يجز، قاله ابن الحاجب. قوله: (وأن تكون موصولة) واللام أيضًا موطئة لما في الموصولة وصلتها من معنى الشرط، على أن المصنف يجوز أن تدخل الموطئة على غير الشرط كما صرح به في سورة هود في قوله: (وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) [هود: ١١١]، وقال: اللام في (لَمَّا): موطئة للقسم، و(مَا): مزيدة. قوله: (وقرئ: "لما آتيناكم")، هي قراءة نافع. قوله: (على معنى: أخذ الله ميثاقهم) إلى آخره: تكرير لتقرير المعنى وبسط لما سبق، مما يدل عليه إجمالًا، وهو قوله: "ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به".
[ ٤ / ١٦٣ ]
لأجل أني آتيتكم الحكمة وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف. ويجوز أن تكون «ما» موصولة. فإن قلت: كيف يجوز ذلك والعطف على (آتيتكم) وهو قوله (ثُمَّ جاءَكُمْ) - لا يجوز أن يدخل تحت حكم الصلة، لأنك لا تقول: للذي جاءكم رسول مصدق لما معكم؟
_________________
(١) ـ والحاصل: أن أخذ الميثاق وارد على شيء له موجبان، أحدهما: قوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ) يعني: أنكم أهل كتاب وعلم تعرفون أمارات النبوة وشواهد على صدق من ادعاها، سيما وذكره مسطور في كتابكم، وثانيهما: قوله: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ)، وتقريره أن يقال: إن أصوله موافقة لأصولكم في التوحيد، ومع هذا هو مصدق للتوراة والإنجيل وأنهما من عند الله، فعلى هذا قوله: "لأجل أني آتيتكم"، تعليل لقوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) لا لأخذ الميثاق فيجتمع عليه القسم، والسببان للتوكيد. قوله: (كيف يجوز ذلك؟) أي: كيف يسوغ أن تكون (ما) موصولة على القراءتين وعطف قوله: (ثُمَّ جَاءَكُمْ) على (آتَيْتُكُمْ) مانع؛ لأن مثل هذا العطف يستدعي الموافقة بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، والموصولة تستدعي الراجع من صلتها، وليس في قوله: (جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) من راجع، وأجاب: أن (مَا مَعَكُمْ) و(مَا آتَيْتُكُمْ) شيء واحد، فصح العطف، فكأنه قيل: وجاءكم رسول مصدق له. قال أبو البقاء: (لِمَا مَعَكُمْ) في موضع الضمير، قال السجاوندي: فكأنه قال: مصدق أو مصداق له، كما أن معنى قوله: (لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: ٩٠]: لا يضيع أجرهم، لأن المحسن من يتقي ويصبر.
[ ٤ / ١٦٤ ]
قلت: بلى؛ لأنّ "ما معكم" في معنى "ما آتيتكم"، فكأنه قيل: للذي آتيتكموه وجاءكم رسول مصدق له. وقرأ سعيد بن جبير «لما» بالتشديد،
_________________
(١) ـ وقلت: ومما يختص هذا الموضع من الفائدة الإشعار بوجوب الإيمان به، فإن مجيئه أيضًا لأجلكم ولأجل تصديق كتابكم، و(مِن) في قوله: (مِن كِتَابٍ) مبينة، ولهذا لم يقدر موقعها كما قدره بالبعض في (لِمَا) بالكسر و(لَمَّا) بالتشديد، ويشعر كلامه أن السؤال إنما يرد إذا جعلت (مَا) موصولة. قال مكي: فإذا كانت "ما" للشرط لم تحتج الجملة المعطوفة إلى عائد كما لم تحتج إليه المصدرية، ولذلك اختاره الخليل وسيبويه لما لم يريا في الجملة الثانية عائدًا جعلا "ما" للشرط، وهذا تفسير المازني وغيره لمذهب الخليل وسيبويه. قوله: (وقرأ سعيد بن جبير: "لما" بالتشديد)، قال ابن جني: قرأ الأعرج "لما" بفتح اللام وتشديد الميم، و"آتيناكم" بألف قبل الكاف، وفي هذه القراءة إغراب؛ لأن "لما" في اللغة على أوجه: تكون حرفًا جازمًا، تعالى: (وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ) [آل عمران: ١٤٢]، وظرفًا كقوله تعالى: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) [القصص: ٢٢]، وبمعنى: إلا في قولهم: أقسمت عليك لما فعلت، أي: إلا فعلت، ولا وجه لواحدة منهن في هذه الآية، وأقرب ما فيه أن يراد: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمن ما آتيناكم، وهو يؤيد القراءة العامة (لَمَا آتَيْتُكُمْ)، فزاد "من" على مذهب أبي الحسن في الواجب فصارت: لمن ما، فلما التقت ثلاث ميمات حذفت الأولى للثقل، فبقي "لما" مشددًا كما ترى، هذا أوجه ما فيها إن صحت الرواية بها.
[ ٤ / ١٦٥ ]
بمعنى: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة، ثم جاءكم رسول مصدّق له وجب عليكم الإيمان به ونصرته. وقيل: أصله لمن ما، فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات؛ وهي الميمان والنون المنقلبة ميما بإدغامها في الميم؛ فحذفوا إحداها فصارت لما.
ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى (إِصْرِي): عهدى.
وقرئ: (أصري)، بالضم. وسمى إصرًا؛ لأنه مما يؤصر، أي يشدّ ويعقد، ومنه الإصار، الذي يعقد به. ويجوز أن يكون المضموم لغة في أصر كعبر وعبر، وأن يكون جمع إصار. (فَاشْهَدُوا) فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار (وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ) من إقراركم وتشاهدكم (مِنَ الشَّاهِدِينَ) وهذا توكيد عليهم، وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة اللَّه وشهادة بعضهم على بعض
_________________
(١) قوله: (وسمي إصرًا: لأنه مما يوصر، أي: يشد)، الراغب: الإصر: العهد المؤكد الذي يثبط ناقضه عن الثواب والخيرات، قال تعالى: (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي)، والإصار: الطنب والأوتاد التي يعمد بها البيت. قوله: (كعبر وعبر)، الجوهري: جمل عبر أسفار وجمال عبر أسفار، وناقة عبر أسفار، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث، مثل: الفلك، أي: لا يزال يسافر عليها، وكذلك عبر أسفار بالكسر، والعبر أيضًا بالضم: الكثير من كل شيء. قوله: «وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ) من إقراركم وتشاهدكم (مِنْ الشَّاهِدِينَ»، قيل: الصواب: أنا معكم من الشاهدين، وإنما هذا تفسير لما في سورة اقترب: (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ) [الأنبياء: ٥٦]. وقلت: بل هو تفسير لقوله: (وَأَنَا مَعَكُمْ) لما أنه ﷾ لما حكى حكاية أخذ الميثاق مع النبيين وتوكيده معهم، وأراد أن يقررهم عليه ويشهدهم بذلك مزيدًا للتأكيد،
[ ٤ / ١٦٦ ]
وقيل: الخطاب للملائكة.
(فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ) الميثاق والتوكيد (فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) أي: المتمردون من الكفار، دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة، والمعنى: فأولئك هم الفاسقون فغير دين اللَّه يبغون؛ ثم توسطت الهمزة بينهما
_________________
(١) ـ قال لهم بعد ذلك: (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ) على ذلك الميثاق عهدي؟ (قَالُوا أَقْرَرْنَا)، أي: أقررنا وأخذنا على الميثاق العهد، ثم قال الله تعالى: (فَاشْهَدُوا) على ذلك الإقرار (وَأَنَا مَعَكُمْ) على ذلكم من إقراركم وتشاهدكم (مِنْ الشَّاهِدِينَ). فإن قلت: قوله تعالى: (وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ) يقتضي أنه تعالى شاهد معهم على ذلك الإقرار فحسب، فكيف قال: من إقراركم وتشاهدكم؟ قلت: و(مَعَكُمْ) ليس متعلقًا بالشاهدين، بل هو مع (مِنْ الشَّاهِدِينَ) خبران لـ "أنا"، لإرادة معنى الرقيب والمهيمن في الشاهدين، ولذلك ترك لفظ (مَعَكُمْ) في التقدير، وعليه أحد وجهي ما ذكره في قوله تعالى: (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) [الشعراء: ١٥] وضمير الجمع لموسى وهارون وعدوهما، فظهر من هذا الفرق بين الشهادتين، فإن شهادة الله معبرة عن كونه تعالى رقيبًا ومهيمنًا عليهم وعلى جميع أحوالهم لا يخفى عليه شيء، فيجب التحذير منه، وشهادتهم عبارة عن التشاهد وأن يشهد بعضهم على بعض. قوله: (وقيل: الخطاب للملائكة) أي: بقوله: (فَاشْهَدُوا). قوله: (والمعنى: فأولئك هم الفاسقون، فغير دين الله يبغون؟) تحريره: فمن أعرض عن ذلك الميثاق والتوكيد فيه فاعلموا أنه الكامل في الفسق، المتوغل في الكفر، المعقب لفسقه الشرك، ولا ينبغي له ذلك بعدما علم من أخذ الميثاق أن العالمين منقادون له، مستسلمون لما يراد منهم.
[ ٤ / ١٦٧ ]
ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره (أيتولون فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) وقدم المفعولـ الذي هو "غير دين اللَّه"ـ على فعله لأنه أهم من حيث إنّ الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل. وروي: أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول اللَّه ﷺ فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم ﵊ وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به، فقال ﷺ: «كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم»، فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك. فنزلت: وقرئ: (يبغون)، بالياء: و(ترجعون)، بالتاء وهي قراءة أبى عمرو، لأنّ الباغين هم المتولون، والراجعون جميع الناس؛ وقرئا بالياء معا، وبالتاء معا طَوْعًا بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه، (وَكَرْهًا): بالسيف، أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام؛ كنتق الجبل على بنى إسرائيل، وإدراك الغرق فرعون، والإشفاء على الموت؛ (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا باللَّه وحده) [غافر: ٨٤]. وانتصب (طوعًا وكرهًا) على الحال، بمعنى طائعين ومكرهين.
(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٨٤ - ٨٥)
_________________
(١) ـ قوله: (من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل) تعليل لوجوب تقدم المفعول على الفعل للاهتمام، يعني: أن المقام يقتضي إنكار اتخاذ المعبود من دون الله، ليكون الدين كله لله، بدليل قوله: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [آل عمران: ٨٣] فوجب لذلك التقديم. قوله: (وقرئا بالياء معًا وبالتاء معًا): بالياء التحتاني: حفص، والفوقاني: الباقون. قوله: (والإشفاء على الموت) أي: إشرافه عليه.
[ ٤ / ١٦٨ ]
أمر رسول اللَّه ﷺ بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان؛ فلذلك وحد الضمير
في (قُلْ) وجمع في (آمَنَّا). ويجوز أن يؤمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك؛ إجلالا من اللَّه لقدر نبيه. فإن قلت: لم عدّي (أنزل) في هذه الآية بحرف الاستعلاء، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء؟ قلت: لوجود المعنيين جميعا؛ لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسول، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر. ومن قال: إنما قيل (عَلَيْنا) لقوله: (قُلْ)، و(إلينا) لقوله (قُولُوا) [البقرة: ١٣٦] تفرقة بين الرسل والمؤمنين؛ لأن الرسول يأتيه الوحى على طريق الاستعلاء، ويأتيهم على وجه الانتهاء، فقد تعسف! ألا ترى إلى قوله: (بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) [المائدة: ٦٨]، وَ(أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) [النساء: ١٠٥]؟ وإلى قوله: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) [آل عمرن: ٧٢]. (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ): موحدون مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكا في عبادتها ثم قال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ)، يعنى التوحيد وإسلام الوجه للَّه تعالى (دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ). (مِنَ الْخاسِرِينَ) من الذين وقعوا في الخسران
_________________
(١) قوله: (وفيما تقدم من مثلها) يعني في البقرة، وهو قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) [البقرة: ١٣٦]. قوله: (فقد تعسف)، الأساس: الركاب يعسفن الطريق، أي: يخبطنه على غير هداية. قوله: (لا نجعل له شريكًا في عبادتها) أي: في عبادة أنفسنا له. قوله: (وإسلام الوجه لله) هو تفسير للتوحيد. ولما عقب بقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا) قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) - والمراد به التوحيد، مؤكدًا بتقديم المتعلق على المتعلق، وتعقيب الجملة قوله: (آمَنَّا) أي: صدقنا بأنه إلهنا ومعبودنا وأسلمنا أنفسنا له لا نجعل له شريكًا، كقول بني يعقوب ﵇: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٣]ـ يجب أن يفسر الإسلام
[ ٤ / ١٦٩ ]
_________________
(١) ـ بما يطابقه من التسليم وتفويض الأمر إلى الله، لا الإسلام المتعارف، ومن ثم قال: يعني التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى. قال القاضي: واستدل به على أن الإيمان هو الإسلام، إذ لو كان غيره لم يقبل. وأجيب: أنه ينفي قبول كل دين يغايره، لا قبول كل ما يغايره. وقلت: والذي عليه النظم أن الإسلام هو: التوحيد كما سبق، والتعريف فيه للعهد الخارجي التقديري، وكان مشتملًا على الإيمان بالله وكتبه ورسله مقيدًا بالاستسلام فينبغي أن يحمل الإسلام على ذلك، ولأن (دِينًا) تمييز وتبيين للإسلام، والدين مشتمل على التصديق والأعمال الصالحة، فالإسلام كذلك؛ لأن المبين لا يكون على خلاف المبين، وعلى هذا حمل الإسلام على الدين في قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) [آل عمران: ١٩]، وتعريف الخبر فيه ينفي غير الإسلام أن يكون دينًا، كما أن عدم القبول فيما نحن بصدده ينفيه، و"إن" لتأكيد الإثبات، كما أن "لن" لتأكيد النفي؛ فحق لذلك قول السلف الصالح. الراغب: في الآية قولان، أحدهما: أن الإسلام: الاستسلام إلى الله وتفويض الأمر إليه، وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان وفي كل شريعة، والدين في اللغة: الطاعة، وفي التعارف: وضع إلهي ينساق به الناس إلى النعيم، فبين تعالى أن من تحرى طاعة وانسياقًا إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به ويصرفه فيه فلن يقبل منه شيء من أعماله، وهو في الآخرة من الخاسرين. والثاني: أن المراد بالإسلام: شريعة محمد صلوات الله عليه، فبين أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة الله من غير متابعته فغير مقبول منه، وهذا الوجه داخل في الأول؛ لأنه علم من الاستسلام الانقياد لأوامر من صحت نبوته وظهر صدقه.
[ ٤ / ١٧٠ ]
مطلقًا من غير تقييد للشياع. وقرئ: (ومن يبتغ غير الإسلام) بالإدغام.
(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٨٦ - ٨٩]
(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا): كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف؛ لما علم اللَّه من تصميمهم على كفرهم، ودل على تصميمهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم،
_________________
(١) قوله: (مطلقًا من غير تقييد)، إما بجعل المتعدي منزلة اللازم، أي: هم من أهل الخسران من غير قصد إلى شيء دون شيء، وإما بأن يقصد به التعميم والامتناع عن أن يقصر على ما يذكر معه، وعليه كلام المصنف، ولكن الأول هو الظاهر؛ لأن المراد أن المعرض عن الإسلام فاقد النفع لإبطاله الفطرة السليمة والنفع الحقيقي الذي هو دين التوحيد. قال مكي: (فِي الآَخِرَةِ) متعلق بما دل عليه الكلام، أي: هو خاسر في الآخرة من الخاسرين، ولا يحسن تعلقه بالخاسرين لتقدم الصلة على الموصول، إلا أن تجعل اللام للتعريف لا بمعنى: الذي، ذكر قريبًا منه ابن الحاجب سنورده إن شاء الله تعالى في "سورة يوسف". قوله: (وقرئ: "ومن يبتغ غير [الإسلام] " بالإدغام) رواها السوسي عن أبي عمرو. قوله: (وليسوا من أهل اللطف لما علم الله من تصميمهم على كفرهم)، هذا العلم هو الذي يهدم قاعدة الاعتزال! قوله: (ودل على تصميمهم بأنهم) فاعل دل: ضمير الله، أي: دل الله على تصميمهم بقوله: (كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) الآية.
[ ٤ / ١٧١ ]
وبعدما شهدوا بأن الرسول حق، وبعد ما جاءتهم الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التي تثبت بمثلها النبوّة وهم اليهود كفروا بالنبي ﷺ بعد أن كانوا مؤمنين به؛ وذلك حين عاينوا ما يوجب قوّة إيمانهم من البينات: وقيل: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، منهم طعمة ابن أبيرق، ووحوح بن الأسلت، والحارث بن سويد بن الصامت. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَشَهِدُوا)؟ قلت: فيه وجهان: أن يعطف على ما في (إيمانهم) من معنى الفعل؛ لأن معناه بعد أن آمنوا، كقوله تعالى: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) [المنافقون: ١٠]،
_________________
(١) ـ قوله: (علام عطف قوله: (وَشَهِدُوا)؟) إذ لا يجوز أن يكون معطوفًا على (كَفَرُوا)؛ لأنه لا يساعده المعنى. قوله: «فَأَصَّدَّقَ» موضعه جزم، ولهذا صح عطف قوله: (وَأَكُنْ) عليه، سأل سيبويه الخليل عن قوله: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي) [المنافقون: ١٠] الآية، قال الخليل: جزم (وَأَكُنْ) لأن الفعل الأول يكون مجزومًا حين لا فاء فيه فهو من قبيل العطف على المحل، وهو في كلامهم سائغ شائع، كأنه قيل: أخرني إلى أجل قريب أصدق وأكن من الصالحين. الراغب: تقديره: بعد إيمانهم وأن شهدوا، فيكون "أن" مقدرًا نحو قولها: للبس عباءة وتقر عيني لكن في الفعل أظهر لانتصاب "تقر".
[ ٤ / ١٧٢ ]
وقول الشاعر:
لَيْسُوا مُصْلِحِينَ وَلَا ناعِبٍ
ويجوز أن تكون الواو للحال بإضمار «قد» بمعنى: كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق. (وَاللَّهُ لا يَهْدِي): لا يلطف بالقوم الظالمين المعاندين الذين علم أن اللطف لا ينفعهم (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) الكفر العظيم والارتداد،
_________________
(١) ـ قوله: (ليسوا مصلحين) أوله: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة … ولا ناعب إلا ببين غرابها عشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون، نعب الغراب: صاح، يقول: هم مشائيم لا يصلحون حال قبيلة ولا ينعب غراب قبيلتهم إلا بالبين، وناعب: جر عطف على محل "مصلحين"، أي: ليسوا بمصلحين ولا ناعبن وحق الظاهر: ناعبًا، كأن الشاعر قدر أن الباء في مصلحين موجودة لأنها تدخل في خبر ليس كثيرًا ثم عطف عليه المجرور. قوله: (المعاندين الذين علم أن اللطف لا ينفعهم) بعد قوله: "ليسوا من أهل اللطف لما علم الله من تصميمهم" إعلام بأن قوله: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) تذييل لما سبق، وقد دخل الأولون في هذا العام دخولًا أوليًا، ثم جيء بـ (أُوْلَئِكَ) ليؤذن بأن ما يرد عقيبه جدير بالمذكورين قبله لاكتسابهم تلك الرذائل. قال أبو البقاء: (أُوْلَئِكَ): مبتدأ، و(جَزَاؤُهُمْ): مبتدأ ثان، و(أَنَّ) واسمها وخبرها،
[ ٤ / ١٧٣ ]
(وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا أو: ودخلوا في الصلاح. وقيل: نزلت في الحارث بن سويد بعد أن ندم على ردّته، وأرسل إلى قومه: أن سلوا: هل لي من توبة؟ فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية، فأقبل إلى المدينة فتاب، وقبل رسول اللَّه ﷺ توبته.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) (٩١)
(ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا) هم اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بموسى والتوراة، ثم ازدادوا كفرًا بكفرهم بمحمد والقرآن. أو كفروا برسول اللَّه بعد ما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرًا بإصرارهم على ذلك وطعنهم في كل وقت، وعداوتهم له، ونقضهم ميثاقه، وفتنتهم للمؤمنين، وصدهم عن الإيمان به، وسخريتهم بكل آية تنزل. وقيل: نزلت في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، ازديادهم الكفر أن قالوا نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون، وإن أردنا الرجعة تافقنا بإظهار التوبة
_________________
(١) أي: (عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ) - خبر "جزاء"، أي: جزاؤهم اللعنة، ويجوز أن يكون (جَزَاؤُهُمْ) بدلًا من (أُوْلَئِكَ) بدل الاشتمال. قوله: «وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا، أو دخلوا في الصلاح)، هذا الثاني أبلغ، لأنه من باب قوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) [الأحقاف: ١٥]. قوله: (الجلاس)، قال المصنف: بالتخفيف، وقيل: بالتشديد. قوله: (ريب المنون) وهو حوادث الدهر.
[ ٤ / ١٧٤ ]
فإن قلت: قد علم أنّ المرتد كيفما ازداد كفرا فإنه مقبول التوبة إذا تاب، فما معنى (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)؟ قلت: جعلت عبارة عن الموت على الكفر؛ لأنّ الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل: إن اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر، داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم. فإن قلت: فلم قيل في إحدى الآيتين (لَنْ تُقْبَلَ) بغير فاء، وفي الأخرى: (فَلَنْ يُقْبَلَ)؟ قلت: قد أوذن بالفاء أنّ الكلام بني على الشرط والجزاء. وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر. وبترك الفاء أن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب، كما تقول: الذي جاءني له درهم، لم تجعل المجيء سببا في استحقاق الدرهم، بخلاف قولك: فله درهم. فإن قلت: فحين كان المعنى (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) بمعنى الموت على الكفر؛ فهلا جعل الموت على الكفر مسببا عن ارتدادهم وازديادهم الكفر
_________________
(١) ـ قوله: (فهلا جعل الموت على الكفر مسببًا عن ارتدادهم؟) وحاصل السؤال: أن الآيتين سواء في صحة إدخال الفاء لتصور المسببية وأجاب بالفرق، وذلك أن المرتد قد يرجى منه الرجوع إلى الإيمان، فلا يترتب عليه عدم قبول التوبة، بخلاف المائت على الكفر، فإن عدم قبول الفدية مترتب على الموت حالة الكفر لا محالة، والحاصل: منع السببية في الأولى لجواز تخلف الثاني عن الأول، وتقريره: أن التي عريت عن الفاء واردة على الكناية، وجعل الموصولة مع صلتها ذريعة إلى تحقيق الخبر، كقوله: إن التي ضربت بيتًا مهاجرة … بكوفة الجند غالت ودها غول والتي حليت بها موجبة، كقولك: إن الذين آمنوا فلهم جنات النعيم. والفرق أن الصلة على الأول منبهة على تحقيق الخبر ملوحة إليه، فيكون كالأمارة عليه، فإن الكفر بعد الإيمان والتمادي فيه عناد، وليس بموجب لعدم قبول التوبة، فحقق الخبر للتغليظ، بخلاف الموت على الكفر، فإنه موجب للدمار والهلاك البتة، فإخلاء الفاء ثمة وإدخالها هناك لذلك.
[ ٤ / ١٧٥ ]
لما في ذلك من قساوة القلوب وركوب الرين وجرّه إلى الموت على الكفر؟ قلت: لأنه كم من مرتد مزداد للكفر يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر! فإن قلت: فأي فائدة في هذه الكناية؟ أعني أن كني عن الموت على الكفر بامتناع قبول التوبة؟ قلت: الفائدة فيها جليلة؛ وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار، وإبراز حالهم في صورة حالة الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدّها،
_________________
(١) ـ قوله: (التغليظ في شأن أولئك الفريق) يعني: وضع قوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) موضع "مائتون على الكفر داخلون في زمرة الكافرين"، ليكون أردع وأخوف، فإن قلت: في قوله: "الفائدة فيها جليلة وهي التغليظ"، تعسف، إذ من الجائز حمله على التغليظ ابتداء كما في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ) [آل عمران: ٩٧] بمعنى: ومن لم يحج. قلت: إذًا تفوت فائدة التصوير التي تعطيه الكناية، على أن الكناية لابد منها؛ لأن التركيب من باب تحقيق الخبر كما سبق، ولأن قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) تكرير من حيث المعنى لما سبق ليناط به حكم آخر، وهو قوله: (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا). قوله: (وإبراز حالهم في صورة الآيسين) بيان لفائدة الكناية، وذلك أنا لكناية أبلغ من التصريح لما فيها من تصوير حال المكنى عنه وتخييل معناه، فإنك إذا قلت: فلان جواد، لم يكن كما إذا قلت: كثير الرماد، لأن في تصوير صفة الجود بكثرة الرماد وكثرة إحراق الحطب وكثرة الطبائخ وكثرة تردد الضيفان زيادة روعة للجود وتفخيمًا له. كذلك في إبراز حال هؤلاء في صورة الآيسين من الرحمة استحضارًا لحالهم وهم في صورة المائلين بين يدي الجبار، وقد تجلى بصفة القهارية ناكسي رؤوسهم قائلين: ربنا أسرفنا في أمرنا فاغفر لنا ذنوبنا، مردودين بـ (اخْسَئُوا)، فإن توبتكم غير مقبولة، وأعذاركم غير مسموعة، فتجد عند ذلك في نفسك ما لا تجد لو قيل: مائتون على الكفر.
[ ٤ / ١٧٦ ]
ألا ترى أنّ الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة؟ (ذَهَبًا) نصب على التمييز. وقرأ الأعمش: (ذهب)، بالرفع؛ ردا على (ملء)، كما يقال: عندي عشرون نفسا رجال. فإن قلت: كيف موقع قوله: (وَلَوِ افْتَدى بِهِ)؟ قلت: هو كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا. ويجوز أن يراد: ولو افتدى بمثله، كقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ) [الزمر: ٤٧]، والمثل يحذف كثيرًا في كلامهم، كقولك: ضربته ضرب زيد، تريد: مثل ضربه،
_________________
(١) ـ قوله: (ردًا على (مِلْءُ»: أي بدلًا من (مِلْءُ)، قاله القاضي، كأنك تقول: فلن يقبل من أحدهم ذهب، والتنوين فيه للتكثير، كقوله تعالى: (إِنَّ لَنَا لأَجْرًا) [الأعراف: ١١٣]. قوله: (كيف موقع قوله: (وَلَوْ افْتَدَى بِهِ)؟) يعني أن الضمير في (بِهِ) راجع إلى قوله: (مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا) فيرجع حاصل الكلام إلى: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا إذا افتدى به، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا فإنه يتم المقصود بدونه، فما وجهه؟ وأجاب عنه بوجوه، أحدها: أن الكلام وارد على اللفظ وعلى المعنى معًا، فيجعل ملء الأرض ذهبًا بمعنى ما دل عليه (افْتَدَى بِهِ)، وهو الفدية؛ لأن قوله: (مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا) عين الفدية، فيعتبر اللفظ بحسب عود الضمير في (بِهِ)، والمعنى بحسب وقوعه موقعه وإفادته المبالغة المقصودة، فكأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا. قوله: (ويجوز أن يراد: ولو افتدى بمثله) لابد من تقدير كلام ليستقيم المعنى، وهو أن يقال: ولو افتدى به وبمثله، أو: افتدى به وزاد عليه مثله.
[ ٤ / ١٧٧ ]
و: أبو يوسف أبو حنيفة، تريد: مثله، و:
لا هيثم الليلة للمطيّ
و: قضية ولا أبا حسن لها، تريد: ولا مثل هيثم، ولا مثل أبى حسن، كما أنه يراد في نحو قولهم: مثلك لا يفعل كذا، تريد: أنت؛ وذلك أنّ المثلين يسدّ أحدهما مسدّ الآخر؛ فكانا في حكم شيء واحد،
_________________
(١) قوله: (و: لا هيثم الليلة للمطي) تمامه: ولا فتى إلا ابن خيبري في "لا هيثم" وجهان، أحدهماـ وعليه النحويونـ: لا مثل هيثم، و"مثل" لا يتعرف بالإضافة مذكورًا، فلأن لا يتعرف محذوفًا أجدر، وثانيهما: أن العلم متى اشتهر في معنى ينزل منزلة الجنس الدال على ذلك المعنى كما في قولهم: لكل فرعون موسى، فمعنى لا هيثم: لا راعي جيد الرعي للإبل، فإن هيثم كان مشهورًا بالرعي، ولذا جاز دخول "لا" عليه. قوله: (وقضية ولا أبا حسن)، يراد به علي ﵁، فإنه كان مشهورًا بالقضاء، روى البخاري عن عمر ﵁: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي. وروى ابن عبد البر في "الاستيعاب"، عن إسماعيل، قال: قلت للشعبي: إن مغيرة حلف بالله ما أخطأ علي في قضاء قضى به قط، فقال الشعبي: لقد أفرط.
[ ٤ / ١٧٨ ]
وأن يراد: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا كان قد تصدق به، ولو افتدى به ـأيضًا ـلم يقبل منه. وقرئ: (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا) على البناء للفاعل، وهو اللَّه عزّ وعلا، ونصب "ملء". و(مل لرض) بتخفيف الهمزتين.
(لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ٩٢]
(لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ) لن تبلغوا حقيقة البرّ، ولن تكونوا أبرارًا
_________________
(١) قوله: (كان قد تصدق به ولو افتدى به)، وهو قول الزجاج: أي: عمل من الخير وقدم مثل ملء الأرض ذهبًا لم ينفعه ذلك مع كفره، وكذلك لو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهبًا لم يقبل منه، فأعلم الله تعالى أنه لا يثيبهم على أعمالهم ولا يقبل منهم الفداء من العذاب. قوله: (بتخفيف الهمزتين) أصله (مِلْءُ الأَرْضِ) ألقيت حركة همزة "أرض" على لام التعريف حين خففت، كما في (الْخَبْءَ) [النمل: ٢٥] ومثله، وحذفت همزتها فصار: "ملء لارض"، لأن همزة الوصف حذفت على القياس، ثم حذفت همزة (مِلْءُ) بعد إلقاء حركتها على اللام، فصار: "مل لرض". قوله: (لن تبلغوا حقيقة البر)، النهاية: البر، بالكسر: الإحسان، والبر، بالفتح: من أسماء الله تعالى: العطوف على عباده ببره ولطفه. ثم التعريف في (الْبِرَّ) إذا حمل على الجنس، كان التركيب كناية عن كون عامله بارًا، ولهذا أوقع قوله: "ولن تكونوا أبرارًا"، تفسيرًا لقوله: "لن تبلغوا حقيقة البر"، وأوقع "لن تبلغوا حقيقة البر" تفسيرًا لقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ)، فيكون كناية؛ لأن نيله البر يدل
[ ٤ / ١٧٩ ]
وقيل: لن تنالوا بر اللَّه وهو ثوابه (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها، كقوله: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ) [البقرة: ٢٦٧]، وكان السلف ﵏ إذا أحبوا شيئا جعلوه للَّه. وروي أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: يا رسول اللَّه. إن أحبّ أموالى إليّ بيرحى،
_________________
(١) على البلوغ إليه، والبلوغ إليه يدل على كون فاعله بارًا، ومثله قول الخنساء: وما بلغت كف امرئ متناولًا … من المجد إلا والذي نال أطول أي: أنه ماجدٌ فاق كل ماجد. وإذا حمل التعريف على العهد كان المراد بالبر الثواب المعهود من عند الله، وهو الجنة، كقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: ٢٦]. قال محيي السنة: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) يعني: الجنة، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد، والقول الأول: مذهب الحسن. قوله: (لما نزلت جاء أبو طلحة) الحديث. أخرجه الشيخان وغيرهما من الأئمة. "بيرحاء": النهاية: هذه اللفظة كثيرًا ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها، فيقولون: بيرحاء بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها، والمد فيهما والقصر. وهي: اسم مال وموضع بالمدينة، وقال الزمخشري في "الفائق": إنها فيعلى، من: البراح، وهي الأرض الظاهرة. والمروي من الأئمة المذكورين أنها كانت مستقبل المسجد. النهاية: بخ بخ: كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء، وتكرر للمبالغة، وهي مبنية على السكون، فإن وصلت جررت ونونت فقلت: بَخٍ بَخٍ، وربما شددت.
[ ٤ / ١٨٠ ]
فضعها يا رسول اللَّه حيث أراك اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ «بخ بخ ذاك مال رابح - أو: مال رائحـ وإنى أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: افعل يا رسول اللَّه فقسمها في أقاربه. وجاء زيد ابن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: هذه في سبيل اللَّه، فحمل عليها رسول اللَّه ﷺ أسامة بن زيد، فكأن زيدًا وجد في نفسه، وقال: إنما أردت أن أتصدق به. فقال رسول اللَّه ﷺ: أما إن اللَّه تعالى قد قبلها منك.
وكتب عمر ﵁، إلى أبى موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما جاءت أعجبته فقال: إن اللَّه تعالى يقول: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) فأعتقها. ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي ائتني بخير إبلى فجاء بناقة مهزولة. فقال: خنتني، قال: وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتكم إليه فقال: إنّ يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي. وقرأ عبد اللَّه: (حتى تنفقوا بعض مما تحبون). وهذا دليل على أنّ «من» في: (مِمَّا تُحِبُّونَ) للتبعيض. ونحوه: أخذت من المال. و(من) في (مِنْ شَيْءٍ) لتبيين (ما تنفقوا)، أي: من أي شيء كان طيبا تحبونه أو خبيثًا تكرهونه فَإِنَّ اللَّهَ عليم بكل شيء تنفقونه فمجازيكم بحسبه.
_________________
(١) ـ قوله: (مال رائح) يقال لضيعة الإنسان إذا كانت قريبة من بلده: رايح، أي: يروح نفعه وثوابه إليه، ويروى: مال رابح بالباء، أي: ذو ربح، كقولك: لابن وتامر. قوله: (فكأن زيدًا وجد في نفسه) أي: شق عليه، النهاية: في الحديث: "فلا تجد علي" أي: فلا تغضب. قوله: (سبي جلولاء) قيل: جلولاء، بالجيم: أرض بقرب فارس، ويوم جلولاء: يوم فتحت مدائن كسرى في قتال سعد بن أبي وقاص.
[ ٤ / ١٨١ ]
(كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٩٣ - ٩٤]
(كُلُّ الطَّعامِ) كل المطعومات، أو كل أنواع الطعام. والحل: مصدر. يقال: حل الشيء حلا، كقولك: ذلت الدابة ذلا، وعزّ الرجل عزًا، وفي حديث عائشة اللَّه عنها: كنت أطيبه لحله وحرمه
_________________
(١) ـ قوله: (كل المطعومات، أو كل أنواع الطعام)، اعلم أن لفظة "كل" تقتضي تعددًا في مدخولها، والطعام: اسم لما يؤكل، كالشراب: اسم ما يشرب، فإن حمل التعريف فيه على الاستغراق لم يحتج إلى تقدير، وإن حمل على غيره فلابد من تقدير مضاف. قوله: (وفي حديث عائشة: كنت أطيبه لحله وحرمه) وفي رواية لمسلم: "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت بيدي"، وفي رواية للنسائي: "لحله وحرمه وحين يريد أن يزور البيت". النهاية: يقال: حل المحرم يحل حلالًا، وأحل يحل إحلالًا: إذا أحل له ما حرم عليه من محظورات الحج، ورجل حل من الإحرام، أي: حلال، والحلال: ضد الحرام، ورجل حلال، أي: غير محرم ولا متلبس بأسباب الحج. الحرم، بضم الحاء وسكون الراء: الإحرام بالحج، وبالكسر: الرجل المحرم، يقال: أنت حل وأنت حرم، والإحرام: مصدر أحرم الرجل يحرم إحرامًا: إذا أهل بالحج أو العمرة، أو باشر أسبابهما وشروطهما.
[ ٤ / ١٨٢ ]
ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع. قال اللَّه تعالى:
(لا هنّ حلٌّ لهم) [الممتحنة: ١٠]. والذي حرم إسرائيل - وهو يعقوب ﵇ على نفسه: لحوم الإبل وألبانها وقيل: العروق، كان به عرق النسا، فنذر إن شفي أن يحرّم على نفسه أحب الطعام إليه، وكان ذلك أحبه إليه، فحرّمه.
وقيل: أشارت عليه الأطباء باجتنابه، ففعل ذلك بإذن من اللَّه؛ فهو كتحريم اللَّه ابتداء. والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالا لبنى إسرائيل من قبل إنزال التوراة، وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم لم يحرم منها شيء قبل ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه فتبعوه على تحريمه، وهو رد على اليهود وتكذيب لهم، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعي عليهم في قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) إلى قوله تعالى (عَذابًا أَلِيمًا) [النساء: ١٦٠ - ١٦١]، وفي قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما) إلى قوله: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ) [الأنعام: ١٤٦]،
_________________
(١) ـ قوله: (أشارت عليه الأطباء)، الجوهري: أشار إليه باليد: أومأ، وأشار عليه بالرأي، قال القاضي: احتج بالآية من جوز للنبي أن يجتهد، وللمانع أن يقول: وذلك بإذن من الله، فهو كتحريمه ابتداء. قوله: (وهو رد على اليهود … حيث أرادوا براءة ساحتهم) يعني: لما شنع عليهم في قوله: (فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ) [النساء: ١٦٠] قالوا: لسنا بأول من حرمت عليه، وما هو إلا تحريم قديم، قيل لهم: كذبتم، بل كل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل إلا طعامًا واحدًا، والتوراة شاهدة بذلك، وما حرم عليكم ما حرم إلا لبغيكم وظلمكم.
[ ٤ / ١٨٣ ]
وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه وامتعضوا مما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم، فقالوا: لسنا بأوّل من حرّمت عليه، وما هو إلا تحريم قديم؛ كانت محرّمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بنى إسرائيل وهلم جرا، إلى أن انتهى التحريم إلينا، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة اللَّه عليهم بالبغي، والظلم، والصدّ عن سبيل اللَّه، وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل، وما عدّد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حُرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم (قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها): أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم مما هو ناطق به من أن تحريم ما حرّم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم قديم كما يدعونه، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة وبهتوا وانقلبوا صاغرين، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي ﷺ، وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه (فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) بزعمه أن ذلك كان محرما على بني إسرائيل قبل إنزال التوراة من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة (فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات.
(قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ٩٥]
(قُلْ صَدَقَ اللَّهُ) تعريض بكذبهم كقوله: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) [الأنعام: ١٤٦]،
_________________
(١) قوله: (وجحود): معطوف على "براءة ساحتهم". قوله: (واشمأزوا)، النهاية: اشمأز، أي: انقبض وتجمع، وهمزته زائدة، يقال: اشمأز يشمئز اشمئزازًا. قوله: (امتعضوا)، أي: غضبوا، يقال: معض من شيء سمعه، وامتعض: إذا غضب وشق عليه.
[ ٤ / ١٨٤ ]
أي: ثبت أن اللَّه صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا) وهي ملة الإسلام التي عليها محمد ﷺ ومن آمن معه حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم، حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب اللَّه لتسوية أغراضكم، وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها اللَّه لإبراهيم ولمن تبعه.
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧»
(وُضِعَ لِلنَّاسِ) صفة ل (بيت)، والواضع هو اللَّه ﷿، تدل عليه قراءة من قرأ: (وُضِعَ لِلنَّاسِ) بتسمية الفاعل، وهو اللَّه. ومعنى وضع اللَّه بيتا للناس، أنه جعله متعبدًا لهم، فكأنه قال: إن أوّل متعبد للناس الكعبة
_________________
(١) قوله: «مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) وهي ملة الإسلام) المعنى: أن بغيكم هو الذي أوقعكم في فساد دينكم بأن حرفتم التوراة، وفي فساد دنياكم حيث حرم عليكم الطيبات، فاتركوا البغي وارجعوا إلى الحق وكونوا على دين إبراهيم الذي ليس فيه شيء من ذلك، ثم انظروا بعين الإنصاف أن ما عليه محمد صلوات الله عليه والمؤمنون: هل فيه ذانك الفسادان أم هو عين دين إبراهيم؟ فلو قيل: فاتبعوا ملة المسلمين لم يكن كذلك، فالكلام وارد على الكناية الإيمائية، ففي قوله: "دينكم ودنياكم لف"، وما بعدهما: نشر، كما بينه. قوله: (فكأنه قال: إن أول متعبد للناس الكعبة) يعني: وضع (بَيْتٍ) موضع المتعبد، ووضع (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) موضع الكعبة، ليدل بالبيت على تشريفه، فإن المراد بيت الله، ولا يكون بيت إلا للعبادة، وبقوله: (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) على تعظيم ما وضع فيها، وأن الموضوع مما
[ ٤ / ١٨٥ ]
وعن رسول اللَّه ﷺ: أنه سئل عن أوّل مسجد وضع للناس، فقال: «المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» وسئل كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة». وعن علىّ ﵁ أن رجلا قال له: أهو أوّل بيت؟ قال: لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أوّل بيت وضع للناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة. وأوّل من بناه إبراهيم ثم بناه قوم من العرب من جرهم، ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبناه قريش
_________________
(١) لا يلتبس على أحد، كأنه قيل: للذي يزدحم الناس فيه، أو: الذي يدق عنق من قصده، وفي بناء (وُضِعَ) على ما لم يسم فاعله إشعار بتعظيم واضعه. قوله: (عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن أول مسجد وضع للناس) الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي ذر. قوله: (جرهم): هم حي من اليمن، قال محمد بن إسحاق: جرهم هم الذين تولوا أمر البيت بعد نابت بن إسماعيل ﵇، وكانوا في خفض عيش ورخاء وسعة، ثم بغوا فسلط الله تعالى عليهم كنانة وخزاعة فنفوهم إلى اليمن، فحزنوا على ما فارقوا حزنًا شديدًا، فقال عمرو بن الحارث الجرهمي: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا … صروف الليالي والجدود العواثر وكنا ولاة البيت من بعد نابت … نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ملكنا فعززنا وأعظم بملكنا … فليس لحي غيرنا ثم فاخر فأخرجنا منها المليك بقدرة … كذلك بالإنسان تجري المقادر قوله: (العمالقة)، وهم قوم من ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، والله أعلم.
[ ٤ / ١٨٦ ]
وعن ابن عباس: هو أوّل بيت حُجَّ بعد الطوفان. وقيل: هو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض، خلقه قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض تحته. وقيل: هو أوّل بيت بناه آدم في الأرض. وقيل: لما أهبط آدم قالت له الملائكة: طف حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام، وكان في موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح، فرفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السماوات
(لَلَّذِي بِبَكَّةَ) البيت الذي ببكة، وهي علم للبلد الحرام: ومكة وبكة: لغتان فيه، نحو قولهم: النبيط والنميط، في اسم موضع بالدهناء، ونحوه من الاعتقاب: أمر راتب وراتم، وحمى مغمطة ومغبطة. وعن قتادة: يبك الناس بعضهم بعضا، الرجال والنساء يصلي بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا بمكة، كأنها سميت ببكة؛ وهي الزحمة، قال:
إذَا الشَّرِيبُ أَخَذَتْهُ الأَكَّهْ فَخَلِّهِ حَتَّى يَبُكَّ بَكَّهْ
_________________
(١) ـ قوله: (يقال له: الضراح)، النهاية: الضراح: بيت في السماء حيال الكعبة، ويروى "الضريح"، وهو: البيت المعمور، من: المضارحة: المقابلة، والمضارعة، ومن رواه بالصاد المهملة فقد صحف، والذي صح أن البيت المعمور في السماء السابعة، روينا عن البخاري ومسلم والنسائي، عن رسول الله ﷺ في حديث المعراج: "ثم عرج بنا إلى السماء السابعة"، وفيه: "فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور". قوله: (مغمطة ومغبطة) أغبطت عليه الحمى: دامت. قوله: (كأنها سميت ببكة، وهي الزحمة) ينبغي أن يجعل هذا من تتمة كلام قتادة؛ لئلا يلزم التكرار. قوله: (إذا الشريب أخذته) الشريب: الذي يشرب معك ويسقي إبله مع إبلك، وهي
[ ٤ / ١٨٧ ]
وقيل: تبك أعناق الجبابرة أي تدقها. لم يقصدها جبار إلا قصمه اللَّه تعالى.
(مُبارَكًا): كثير الخير لما يحصل لمن حجه، واعتمره وعكف عنده، وطاف حوله؛ من الثواب وتكفير الذنوب، وانتصابه على الحال من المستكن في الظرف؛ لأن التقدير للذي ببكة هو، والعامل فيه المقدر في الظرف من فعل الاستقرار (وَهُدىً لِلْعالَمِينَ)؛ لأنه قبلتهم ومتعبدهم (مَقامُ إِبْراهِيمَ) عطف بيان لقوله (آياتٌ بَيِّناتٌ). فإن قلت: كيف صح بيان الجماعة بالواحد؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة اللَّه ونبوة إبراهيم من تأثير قدمه في حجر صلد، كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) النحل: ١٢٠]. والثاني: اشتماله على آيات؛ لأنّ أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء ﵈ آية لإبراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنة آية. ويجوز أن يراد: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله؛ لأنّ الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة،
_________________
(١) ـ فعيل بمعنى مفاعل، مثل: نديم وأكيل، الجوهري: الأكة: شدة الحر، وبك فلان يبك بكة، أي: زحم، يقول: إذا ضجر الذي يورد إبله مع إبلك لشدة الحر انتظارًا فخله حتى يزاحمك، وبكة: اسم بطن مكة، سميت بذلك لازدحام الناس. قوله: (وحفظه مع كثرة أعدائه) إلى (ألوف سنة)، قال صاحب "الجامع": كان بين مولد إبراهيم ﵇ وبين الهجرة ألفان وثمان مئة وثلاث وتسعون سنة، وعلى ما يوجبه تاريخ اليهود ألفان وأربع مئة واثنتان وثلاثون سنة.
[ ٤ / ١٨٨ ]
ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما. دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قبل: فيه آيات بينات: مقام إبراهيم، وأمن من دخله، وكثير سواهما. ونحوه في طىِّ الذكر قول جرير:
كَانَتْ حَنِيفَةُ أثْلَاثًا فَثُلْثُهُمُ مِنَ الْعَبِيدِ وَثُلْثٌ مِنْ مَوَالِيهَا
ومنه قوله ﷺ: «حبب إلىّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وقرة عيني في الصلاة". وقرأ ابن عباس وأبىّ ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة: (آية بينة)، على التوحيد. وفيها دليل على أنّ مقام إبراهيم واقع وحده عطف بيان.
_________________
(١) ـ قوله: (ويطوى ذكر غيرهما)، قال القاضي: كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار، وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرض لها، وأن كل جبار قصده بسوء قهره كأصحاب الفيل، والجملةـ أي قوله: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) - مفسرة للـ (هُدىً) أو حال أخرى. قوله: (كانت حنيفة) البيت. يقول: هذه القبيلة أثلاث: ثلث من العبيد، وثلث من الموالي، فكره أن يذكر الخالص منهم لأنه يهجوهم. قوله: (حبب إلي من دنياكم) الحديث من رواية النسائي عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "حبب إلي النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة"، فعلى هذا لا يكون من الباب،
[ ٤ / ١٨٩ ]
فإن قلت: كيف أجزت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان للآيات؟ وقوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا) جملة مستأنفة إما ابتدائية وإما شرطية؟ قلت: أجزت ذلك من حيث المعنى، لأن قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا) دلّ على أمن داخله، فكأنه قيل: فيه آيات بينات: مقام إبراهيم، وأمن داخله. ألا ترى أنك لو قلت: فيه آية بينة، من دخله كان آمنا؛ صحّ؛ لأنه في معنى قولك: فيه آية بينة، أمن من دخله.
فإن قلت: كيف كان سبب هذا الأثر؟ قلت: فيه قولان: أحدهما أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه. وقيل: إنه جاء زائرا من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى يغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه، ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر، فبقى أثر قدميه عليه. ومعنى (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا) معنى قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت: ٦٧] وذلك بدعوة إبراهيم ﵇ (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) [البقرة: ١٢٦]، وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر ﵁ «لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه» وعند أبى حنيفة: من لزمه القتل في الحل بقصاص أو ردّة أو زنى فالتجأ إلى الحرم؛ لم يتعرض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج. وقيل: آمنا من النار. وعن النبي ﷺ «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا» وعنه ﵊ «الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة» وهما مقبرتا مكة والمدينة. وعن ابن مسعود ﵁: وقف رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم على ثنية الحجون وليس بها يومئذ مقبرة، فقال «يبعث اللَّه من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر، يدخلون الجنة
_________________
(١) وعلى رواية المصنف: "قرة عيني" ليس بمعطوف على المذكورين، وإنما هو ابتداء كلام، كأنه لما ذكر الأولين أعرض عنهما فقال: ما لي وللدنيا.
[ ٤ / ١٩٠ ]
بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر"، وعن النبي ﷺ: «من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار، تباعدت منه جهنم مسيرة مئتي عام» (من استطاع) بدل من (الناس). وروى أنّ رسول اللَّه ﷺ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وكذا عن ابن عباس وابن عمر، وعليه أكثر العلماء
_________________
(١) ـ قوله: (أن رسول الله ﷺ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة)، الحديث أخرجه ابن ماجة عن ابن عباس، قال القاضي: هذا يؤيد قول الشافعي: إن الاستطاعة بالمال، ولذلك أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه، وقال أبو حنيفة بمجموع الأمرين. الراغب: الطوع: الانقياد، ويضاده الكره، والطاعة مثله، وأكثر ما يقال في الائتمار فيما أمر، وقد طاع له يطوع، وأطاعه يطيعه، والتطوع في الأصل: تكلف الطاعة، وفي العرف: التبرع بما لا يلزم كالتنفل، والاستطاعة: استفالة من الطوع، وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتيًا، وهو عند المحققين اسم للمعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل، وهي أربعة: بنية مخصوصة للفاعل، وتصور للفعل، ومادة قابلة لتأثيره، وآلة إن كان الفعل آليًا كالكتابة، فإن الكاتب يحتاج إلى الأربعة، ولذلك يقال: فلان غير مستطيع للكتابة: إذا فقد واحدًا منها، ويضاده العجز. ومتى وجد هذه الأربعة فهو مستطيع مطلقًا، ومتى فقدها فهو عاجز مطلقًا، وإلا فهو مستطيع من وجه وعاجز من وجه، ولأن يوصف بالعجز أولى، والاستطاعة أخص من القدرة، قال ﷿: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، وهي تحتاج إلى هذه الأربعة، وقوله ﷺ: "الاستطاعة: الزاد والراحلة".
[ ٤ / ١٩١ ]
وعن ابن الزبير: هو على قدر القوّة. ومذهب مالك: أن الرجل إذا وثق بقوته؛ لزمه. وعنه: ذلك على قدر الطاقة، وقد يجد الزاد والراحلة من لا يقدر على السفر، وقد يقدر عليه من لا راحلة له ولا زاد، وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع. وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ بل كان ينطلق إليه ولو حبوا فكذلك يجب عليه الحج. والضمير في (إِلَيْهِ) للبيت أو للحج. وكل مأتىّ إلى الشيء فهو سبيل إليه وفي هذا الكلام أنواع من التوكيد والتشديد، ومنها قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) يعنى: أنه حق واجب للَّه في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته. ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل عنه (من استطاع إليه سبيلا)، وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له، والثاني أن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين
_________________
(١) ـ بيان لما يحتاج إليه من الآلة، وخصه بالذكر دون الآخر، إذ كان معلومًا من حيث العقل ومقتضى الشرع أن التكليف من دون الآخر لا يصح، وقد يقال: فلان لا يستطيع كذا لما يصعب عليه فعله، وذلك يرجع إلى افتقاد الآلة أو عدم التصور، وعلى هذا الوجه قال (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا) [الكهف: ٦٧]، وقال تعالى: (وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) [الكهف: ١٠١]. والله أعلم. قوله: (وكل مأتى إلى الشيء) أي: كل ما تأتي به إلى الشيء من الأسباب، فهو سبيل إليه. قوله: (أنواع من التوكيد)، زاد القاضي على الوجوه: أنه ذكره بصيغة الخبر وأبرزه في الصورة الاسمية، لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وإتعاب البدن، وبين صرف المال والإقبال على الله تعالى. وقلت: الذي يحتمل من الوجوه أن في تخصيص اسم الذات الجامع وتقديم الخبر على المبتدأ الدلالة على أنها عبادة لا ينبغي أن تختص إلا بمعبود جامع للكمالات بأسرها، وأن في
[ ٤ / ١٩٢ ]
ومنها قوله: (وَمَنْ كَفَرَ) مكان "ومن لم يحج" تغليظا على تارك الحج؛ ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا»، ونحوه من التغليظ «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر»،
_________________
(١) إقامة المظهرـ وهو قوله: (الْبَيْتِ) - مقام المضمر بعد سبقه منكرًا لمبالغة في وصفه أقصى الغاية، كأنه رتب الحكم على الوصف المناسب، وكذا في ذكر (النَّاسِ) بعد ذكره معرفًا الإشعار بعلية الوجوب، وهي كونهم ناسًا، وفي تذييل (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) - لأنها في المعنى تأكيدـ الإيذان بأن ذلك هو الإيمان على الحقيقة، وهو النعمة العظمى، وأن مباشرة مستأهل بأن الله ﷾ بجلالته وعظمته يرضى عنه رضًا كاملًا كما كان ساخطًا على تاركه سخطًا عظيمًا، ولهذا عقب بالآيات قوله: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)، والمراد بها ملة الإسلام، وفي تخصيص هذه العبادة وكونها مبينة لملة إبراهيم ﵇ بعد الرد على أهل الكتاب فيما سبق من الآيات، والعود إلى ذكرهم بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) خطب جليل وشأن خطير لتلك العبادة العظيمة. قوله: (من مات ولم يحج) الحديث أخرجه الترمذي عن علي ﵁ مع تغيير يسير. وقوله: (من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر)، رواه أحمد بن حنبل.
[ ٤ / ١٩٣ ]
ومنها ذكر الاستغناء عنه، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان. ومنها قوله: (عَنِ الْعالَمِينَ) وإن لم يقل عنه، وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة؛ ولأنه يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدلّ على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه. وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود؛ فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) جمع رسول اللَّه ﷺ أهل الأديان كلهم فخطبهم، فقال، إن اللَّه كتب عليكم الحج فحجوا» فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلى إليه ولا نحجه، فنزل (وَمَنْ كَفَرَ)،
_________________
(١) ـ قوله: (وأن لم يقل: عنه) "أن": هي المخففة من الثقيلة، وهو عطف على قوله: "قوله: (عَنْ الْعَالَمِينَ) " على التأكيد، أي: قال: كذا ولم يقل: كذا، وقوله: "وما فيه من الدلالة": عطف عليه أيضًا، لكن على التفسير والبيان، نحو: أعجبني زيد وكرمه. وتلخيصه: أنه تعالى وضع المظهر موضع المضمر وأتى به عامًا وخص بالذكر (الْعَالَمِينَ) ليتناول العام هذا المتمرد الخاص على سبيل الكناية الإيمائية، وهو المراد من قوله: "من الدلالة على الاستغناء ببرهان"، ويدل التخصيص بالذكر على الاستغناء الكامل، وهو على عظم السخط، على الكناية التلويحية، وإليه الإشارة بقوله: "يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط"، فقوله: "ولأنه يدل على الاستغناء" عطف على قوله: "لأنه إذا استغنى". قوله: (خمس ملل) وهم الذين ذكرهم الله تعالى في: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) [الحج: ١٧].
[ ٤ / ١٩٤ ]
وعن النبي ﷺ «حجوا قبل أن لا تحجوا، فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة» وروي «حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه» وعن ابن مسعود ﵁: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت «١». وعن عمر ﵁: لو ترك الناس الحج عاما واحدا ما نوظروا. وقرئ (حج البيت) بالكسر.
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩»
(وَاللَّهُ شَهِيدٌ): الواو للحال. والمعنى: لم تكفرون بآيات اللَّه التي دلتكم على صدق محمد ﷺ؟ والحال أن اللَّه شهيد على أعمالكم، فمجازيكم عليها، وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته
_________________
(١) قوله: (قبل أن يمنع البر جانبه) أي: يتعذر عليكم قطع البر إما لعدم الأمن أو غيره. قوله: (نفقت)، الجوهري: نفقت الدابة تنفق نفوقًا، أي: ماتت. قوله: (ما نوظروا) أي: ما أمهلوا، وترك المناظرة عبارة عن الإعجال بالعقوبة.
[ ٤ / ١٩٥ ]
قرأ الحسن: (تصدّون)، من أصدّه (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) عن دين حق علم أنه سبيل اللَّه التي أمر بسلوكها، وهو الإسلام، وكانوا يفتنون المؤمنين، ويحتالون لصدّهم عنه، ويمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم. وقيل: أتت اليهود الأوس والخزرج فذكروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب؛ ليعودوا لمثله.
(تَبْغُونَها عِوَجًا) تطلبون لها اعوجاجًا وميلا عن القصد والاستقامة.
فإن قلت: كيف تبغونها عوجا وهو محال؟ قلت: فيه معنيان: أحدهما: أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أنّ فيها عوجا بقولكم: إن شريعة موسى لا تنسخ،
_________________
(١) ـ قوله: (علم أنه سبيل الله): يريد أنه تعالى وضع سبيل الله موضع دين الإسلام؛ دلالة على أنهم يعلمون أن دين الإسلام هو سبيل الله ولكنهم معاندون، وإليه أشار بقوله: (وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ) أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل. قوله: «تَبْغُونَهَا عِوَجًا): تطلبون لها اعوجاجًا)، قال الزجاج: يقال: أبغني كذا، أي: اطلبه لي، بكسر الهمزة وبفتحها: أعني على طلبه. الانتصاف: في تقدير الجار مع ضمير المفعول نقص من حيث المعنى، والأحسن جعل الهاء من (تَبْغُونَهَا) مفعولًا، و(عِوَجًا): حال وقع موقع الاسم مبالغة، كأنهم طلبوا أن تكون الطريقة القويمة نفس العوج، وفيه نظر؛ إذ لا يستقيم المعنى إلا على أن يكون (عِوَجًا) هو المفعول به؛ لأنه مطلوبهم؛ فلابد من تقدير الحال. قوله: (فيه معنيان) على المعنى الأول: الاستفهام في قوله: (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) للإنكار والتقريع، ولهذا قال: إنكم تلبسون على الناس، وعلى الثاني: للاستبعاد والتوبيخ،
[ ٤ / ١٩٦ ]
وبتغييركم صفة رسول اللَّه ﷺ عن وجهها، ونحو ذلك. والثاني: أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم.
(وَأَنْتُمْ شُهَداءُ) أنها سبيل اللَّه لا يصدّ عنها إلا ضال مضل، أو (وأنتم شهداء) بين أهل دينكم، عدول يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم أمورهم، وهم الأحبار (وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ): وعيد، ومحل (تبغونها) نصب على الحال.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ) (١٠٠)
قيل: مرَّ شأس بن قيس اليهودي، وكان عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شابا من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار، وكان يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج،
_________________
(١) وإليه الإشارة بقوله: "وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم"، وينصره قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ) لأنه حال مقررة لجهة الإشكال، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) ومن ثم قال: "وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر". قوله: (يوم بعاث) بضم الباء والثاء المثلثة، النهاية: هو يوم مشهور، وفيه حرب بين الأوس والخزرج، وبعاث: هو اسم حصن للأوس، وبعضهم يقوله بالغين المعجمة، وهو تصحيف.
[ ٤ / ١٩٧ ]
وكان الظفر فيه للأوس. ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا: السلاح السلاح! فبلغ النبي ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار، فقال: أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم اللَّه بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم؟ "،
_________________
(١) وكان من خبره ما رواه ابن الأثير في "الكامل"، أن قريظة والنضير، جددوا العهود مع الأوس على المؤازرة والتناصر، واستحكم أمرهم، فلما سمعت بذلك الخزرج جمعت واحتشدت وراسلت حلفاءها من أشجع وجهينة وراسلت الأوس حلفاءها من مزينة، والتقوا ببعاث، وهي من أموال قريظة، وعلى الأوس حضير والد أسيد صاحب رسول الله ﷺ، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان، فلما التقوا اقتتلوا قتالًا شديدًا وصبروا جميعًا، ثم إن الأوس وجدت مس السلاح، فولوا منهزمين، فلما رأى حضير ذلك نزل وطعن قدمه وصاح: واعقراه! والله لا أعود حتى أقتتل، فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا، فعطفوا عليه، وأصاب عمرو بن النعمان البياضي رئيس الخزرج سهم فقتله، وانهزمت الخزرج، فوضعت فيهم الأوس السلاح، فصاح صائح: يا معشر الأوس، أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم، فجوارهم خير من جوار الثعالب، فانتهوا عنهم، وكان يوم بعاث آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج، ثم جاء الإسلام واتفقت الكلمة واجتمعوا على نصر الإسلام وأهله. قوله: (أتدعون الجاهلية؟)، النهاية: في الحديث: "ما بال دعوى الجاهلية؟ " وهو قولهم: يا لفلان! كانوا يدعون بعضهم بعضًا عند الأمر الحادث الشديد، وفي حديث زيد بن أرقم: فقال قوم: يا للأنصار!، وقال قوم: يا للمهاجرين!، فقال ﷺ: "دعوها؛ فإنها منتنة".
[ ٤ / ١٩٨ ]
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول اللَّه ﷺ، فما كان يوم أقبح أوّلا وأحسن آخرًا من ذلك اليوم.
(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) ١٠١].
(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ): معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجيب. والمعنى: من أين يتطرق إليكم الكفر، والحال أن آيات اللَّه وهي القرآن المعجز (تُتْلى عَلَيْكُمْ) على لسان الرسول ﷺ غضة طرية، وبين أظهركم رسول اللَّه ﷺ ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم! (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ) ومن يتمسك بدينه. ويجوز أن يكون حثا لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم (فَقَدْ هُدِيَ) فقد حصل له الهدى لا محالة …
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون حثًا لهم على الالتجاء إليه): عطف على قوله: "ومن يتمسك بدينه"، يعني: إما أن يقدر ها هنا مضاف بأن يقال: ومن يعتصم بدين الله، أي: يتمسك به، على الاستعارة، أو لا يقدر، فيجعل الاعتصام بالله استعارة للالتجاء إلى الله تعالى، وعلى الأول: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ): معطوف على (وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ) أي: كيف تكفرون والحال أن القرآن يتلى عليكم وأنتم عالمون بأن من تمسك بدين الله فقد هدي! وعلى الثاني تذييل لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)؛ لأن مضمونه: أنكم إنما تطيعونهم لما تخافون شرورهم ومكايدهم، فلا تخافوهم والتجئوا إلى الله في دفع شرورهم فلا تطيعوهم، أما علمتم أن من التجأ إلى الله تعالى كفاه شر ما يخافه! وهو المراد بقوله: "حثًا لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكائدهم"، فعلى الأول (وَمَنْ يَعْتَصِمْ) جيء لإنكار الكفر مع هذا الصارف القوي، كقوله: (وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ)، وعلى الثاني: للحث على الالتجاء، ويحتمل على الأول التذييل، وعلى الثاني الحال أيضًا. قوله: (فقد حصل له الهدى لا محالة)، وذلك لمجيء فعل الماضي مع "قد"، قال الجوهري:
[ ٤ / ١٩٩ ]
كما تقول: إذا جئت فلانا فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصل، فهو يخبر عنه حاصلا، ومعنى التوقع في «قد» ظاهر؛ لأنّ المعتصم باللَّه متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ١٠٢ - ١٠٣].
(حَقَّ تُقاتِهِ): واجب تقواه وما يحق منها،
_________________
(١) ـ قد: جواب لما يفعل، وزعم الخليل أن هذا لمن ينتظر الخبر، تقول: قد مات فلان، ولو أخبره وهو لا ينتظره لم يقل: قد مات فلان، وإنما يصدق (فَقَدْ هُدِيَ) إذا وجد المتوقع، وهو المعتصم بالله، منتظرًا للهدى، فإذا حصل الهدى فقيل له: فقد هدي، ولو لم يحصل لم يقل ذلك، ولهذا قال: "لا محالة". قوله: (واجب تقواه وما يحق منها) أي: (حَقَّ) هنا من: حق بمعنى: وجب وثبت، أي: الذي ثبت ووجب من التقاة، و"من" في "منها": بيان ما يحق، أي: اتقوا الله التقاة التي تجب وتحق له. قال القاضي: هو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب والاجتناب عن المحارم، وقيل: أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاة عليها، وأصل تقاة: وقية، فقلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤدة وتخمة، والياء ألفًا. الراغب: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، والتقوى: جعل الشيء في وقاية مما يخاف، وفي الشرع: حفظ النفس مما يؤثم، وذلك بترك المحظور، وذلك بترك بعض المباحات لما روي: "الحلال بيّن والحرام بيّن، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه".
[ ٤ / ٢٠٠ ]
وهو القيام بالمواجب واجتناب المحارم، ونحوه (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦] يريد: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا. وعن عبد اللَّه: هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى وروي مرفوعا.
وقيل: هو أن لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو ابنه أو أبيه. وقيل: لا يتقى اللَّه عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه،
_________________
(١) قوله: (ونحوه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦])، وكذا عن القاضي، وروى الزجاج بخلافه، وهو أن قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) منسوخ بقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]، وقال الكواشي: ولما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من يقوى على هذا؟ فنزل (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ولعل مخالفة المصنف لأجل الاحتراز أنه لا يجوز التكليف بما لا يطاق ابتداء بناءً على العدل، ولهاتين الآيتين، أسوة بقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) فإنها ناسخة لقوله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ). قوله: (وروي مرفوعًا) الحديث المرفوع هو: ما أضيف إلى رسول الله ﷺ، قال الخطيب الحافظ: المرفوع: ما أخبر به الصحابي عن قول رسول الله ﷺ أو فعله.
[ ٤ / ٢٠١ ]
والتقاة: من اتقى كالتؤدة من اتأد. (وَلا تَمُوتُنّ) َ معناه: ولا تكوننّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، كما تقول لمن تستعين به على لقاء العدوّ: لا تأتني إلا وأنت على حصان، فلا تنهاه عن الإتيان، ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان.
قولهم اعتصمت بحبله: يجوز أن يكون تمثيلا لاستظهاره به ووثوقه بحمايته، بامتساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، وأن يكون الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد، أو ترشيحا لاستعارة الحبل بما يناسبه
_________________
(١) قوله: (كالتؤدة)، الجوهري: أتأد في مشيه، وهو افتعل، من التؤدة، واصل التاء في "اتأد" واو، يقال: اتئد في أمرك، أي: تثبت. قوله: (ولا تكون على حال سوى حال الإسلام) وقد سبق تقريره في "البقرة". قوله: (قولهم: اعتصمت بحبله) كان من المقتضى أن يقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ) استعارة، لكن مراده أن هذه الاستعارة فاشية في كلامهم غير مختصة بالقرآن. قوله: (والاعتصام) هو معطوف على "الحبل"، والباء في "بالعهد": متعلق بـ "وثوقه". قوله: (أو ترشيحًا): معطوف على الاستعارة المقدرة في المعطوف، أي: يجوز أن يكون الاعتصام استعارة لوثوقه بالعهد، أو ترشيحًا "لاستعارة الحبل بما يناسبه"، والباء متعلق بـ "ترشيحًا" ولا يجوز أن يكون عطفًا على المذكورة؛ لأن قوله: لاستعارة الحبل بما يناسبه يأباه. الأساس: كل ما عصم به الشيء فهو عصام وعصمة، وعلق القربة بعصامها، وهو حبل يجعل في خربتيها، أي: عروتيها، ومن المستعار: أمر أعصم، وأنا معتصم بفلان ومستعصم بحبله.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
والمعنى: واجتمعوا على استعانتكم باللَّه ووثوقكم به، ولا تفرقوا عنه، أو واجتمعوا على التمسك بعهده إلى عباده، وهو الإيمان والطاعة، أو بكتابه؛ لقول النبي ﷺ "القرآن حبل اللَّه المتين"
_________________
(١) والحاصل أنَّ قوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ) إما استعارة تمثيلية، بأن شبهت الحالة بالحالة لجامع ثبات الوصلة بين الجانبين كما سبق مرارًا، واستعير لحالة المستعار له ما يستعمل في المستعار منه من الألفاظ، فقيل: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ)، وإما استعارتان مترادفتان، فاستعارة الحبل لعهده مصرحة أصلية: تحقيقية أو تخييلية، والقرينة: الإضافة، واستعارة الاعتصام لوثوقه بالعهد وتمسكه به مصرحة تبعية تحقيقية، والقرينة اقترانها بالاستعارة الثانية، وهو المراد بقوله: "وأن يكون الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد"، وإما أن تكون الاستعارة في الحبل على طريقة التخييل أو التحقيق، ويكون الاعتصام ترشيحًا لها، والقرينة: إضافة الحبل إلى الله تعالى، وإما أن تكونا استعارتين غير مستقلتين، بأن تكون الاستعارة في الحبل مكنية وفي الاعتصام تخييلية، لأن المكنية مستلزمة للتخييلية. قوله: (والمعنى: واجتمعوا على استعانتكم بالله)، وقوله: (أو واجتمعوا على التمسك بعهده): نشر لما لف من التقديرين: التمثيلية وغيرها. قوله: (أو بكتابه) معطوف على "بعهده"، فتقدير الكلام: يجوز أن يكون الحبل استعارة لعهده أو لكتابه، على طريقة اللف، وحذف لدلالة النشر عليه. قوله: (لقول النبي ﷺ)، الحديث مختصر من "سنن الترمذي"، عن الحارث الأعور.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الردّ، من قال به صدق، ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم. (وَلا تَفَرَّقُوا): ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلفت اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم بعضا ويحاربه، أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق،
_________________
(١) ـ قوله: (لا يخلق عن كثرة الرد) ليس في "كتاب الترمذي"، وذكره صاحب "الجامع" عن ابن عمر. وأخلق يتعدى ولا يتعدى، يقال: أخلق الثوب، وأخلقته أنا. والرد: التكرار والترديد في القراءة. قوله: (متدابرين)، النهاية: لا تدابروا، أي: لا يعط كل واحد منكم أخاه دبره، فيعرض عنه ويهجره. قوله: (أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق) عطف على قوله: "ولا تتفرقوا عن الحق"، وعلى الأول النهي وارد على التفرق في الدين بواسطة الاختلاف بينهم، وهو المشاقة والمجادلة، وعلى الثاني النهي وارد على التفرق على الإطلاق، والمراد: النهي عن المجادلة والمشاقة التي هي سبب التفرق في الأبدان المؤدي إلى التفرق في الأديان، ومرجع النهي على الوجهين إلى الاختلاف المؤدي إلى التفرق في الدين، لكن الأول من إطلاق المسبب على السبب، والثاني من الكناية التلويحية، ولما كان أصل الفساد إنما ينشأ من التحدث كما قال نصر بن سيار: فإن النار بالعودين تصلى … وإن الحرب أولها كلام
[ ٤ / ٢٠٤ ]
ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها، مما يأباه جامعكم والمؤلف بينكم، وهو اتباع الحق والتمسك بالإسلام. كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف اللَّه بين قلوبهم بالإسلام. وقذف فيها المحبة فتحابوا وتوافقوا وصاروا إِخْوانًا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم، وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في اللَّه: وقيل: هم الأوس والخزرج، كانا أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت الحروب مئة وعشرين سنة إلى أن أطفأ اللَّه ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول اللَّه ﷺ (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ): وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر. (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها): بالإسلام. والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة، ـ
_________________
(١) اعتبر في الوجهين ذلك المعنى. قوله: (مما يأباه جامعكم): بيان ما يكون، وقوله: "وهو إتباع الحق"، تفسير للجامع والمؤلف. قوله: (مشفين)، النهاية: لا يكاد يقال: أشفى إلا في الشر، ومنه حديث سعد: مرضت مرضًا أشفيت على الموت، أي: أشرفت عليه، الجوهري: شفا كل شيء: حرفه. قوله: (والضمير للحفرة)، الانتصاف: هو كقولك: أكرمت غلام هند، وأحسنت إليها، فالمنة من الإنقاذ منها أتم، والكون على الشفا يستلزم الهوي غالبًا، فمن عليهم بإنقاذهم من الحفرة التي هي موقع الهوي، أي: كنتم صائرين إليها لولا الإنقاذ الإلهي، وأبو علي رأى في "التعاليق" تأنيث المذكر بإضافة المؤنث من الضرورات، ورأيت في "الإيضاح" بخلافه.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
وهو منها، كما قال:
كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ
وشفا الحفرة وشفتها: حرفها، بالتذكير والتأنيث، ولامها واو، إلا أنها في المذكر مقلوبة، وفي المؤنث محذوفة، ونحو الشفا والشفة: الجانب والجانبة.
فإن قلت: كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت: لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها مشفين على الوقوع فيها. (كَذلِكَ): مثل ذلك البيان البليغ (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ): إرادة أن تزدادوا هدى
_________________
(١) ـ قوله: (وهو منها) أي: الشفا من الحفرة، أي: متصل بها، قيل: المضاف لا يكتسي من المضاف إليه التأنيث إلا إذا كان بعضًا منه، نحو "تلتقطه بعض السيارة" [يوسف: ١٠]، أو فعله، نحو: أعجبتني مشي هند، أو صفته نحو: أعجبتني حسن هند، ولا يجوز: أعجبتني غلام هند. قوله: (كما شرقت صدر القناة من الدم)، أوله: ويشرق بالقول الذي قد أذعته شرقت بالماء، كما يقال: غصصت باللقمة. أذعته: أفشيته، يقول: يشرق بالقول الذي أفشيته وأظهرته للناس كما أن القناة عند الطعن تشرق بالدم، أنث شرقت لإضافة الصدر إلى القناة.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ١٠٤].
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ): "من" للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات؛ ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته؟ وكيف يباشر؟ فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا، أو على مَن الإنكار عليه عبث، كالإنكار على أصحاب المآصر والجلادين وأضرابهم
_________________
(١) ـ قوله: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) "من" للتبعيض)، الانتصاف: وفي تنكير (أُمَّةٌ) دليل على قلتهم، ومن هذا الأسلوب: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [الحشر: ١٨] تنكير (نَفْسٌ) دليل على قلة الناظر في معاده. الإنصاف: ويحتمل إرادة تعظيمها لنظرها في معادها، وقد سبقت نظائره، وكذلك (أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) [الحاقة: ١٢]. قال القاضي: خاطب الجميع وطلب فعل بعضهم ليدل على أنه واجب على الكل، حتى لو تركوه رأسًا أثموا جميعًا، ولكن يسقط بفعل بعضهم، هذا معنى تعليل المصنف: "لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات". قوله: (المآصر) أي: السجون، الجوهري: يقال: أصره يأصره أصرًا: حبسه، والموضع: مأصر ومأصر، والجمع: مآصر، والعامة تقول: مياصر.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
وقيل «من» للتبيين، بمعنى: وكونوا أمّة تأمرون، كقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ). [آل عمران: ١١٠]، (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) هم الأخصاء بالفلاح دون غيرهم. وعن النبي ﷺ أنه سئل وهو على المنبر: من خير الناس، قال: "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم للَّه وأوصلهم للرحم" وعنه عليه الصلاة السلام: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة اللَّه في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه» وعن علي ﵁: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر. ومن شنئ الفاسقين وغضب للَّه، غضب اللَّه له. وعن حذيفة ﵁: يأتي على الناس زمان تكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محببًا في جيرانه، محمودًا عند إخوانه، فاعلم أنه مداهن. والأمر بالمعروف تابع للمأمور به؛ إن كان واجبا فواجب، وإن كان ندبًا فندب،
_________________
(١) ـ قوله: (بمعنى: وكونوا أمة) أخرج من الكل الأمة، فيكون من باب التجريد، وقال الزجاج: المعنى: ولتكونوا كلكم أمة، "من" دخلت لتخص المخاطبين من سائر الأجناس، وهي مؤكدة، وأنشد الزجاج: أخو رغائب يعطيها ويسألها … يأبى الظلامة منه النوفل الزفر يسألها، أي: الرغائب من غيره ويعطي الذي يحتاج إليها، وفيه أنه جواد مطاع، الظلامة: ما يطلبه عند الظالم، النوفل: الكثير الإعطاء للنوافل، والزفر: الذي يحمل الأثقال. والدليل على أن المأمورين كلهم قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ). قوله: (ومن شنئ الفاسقين) أي: أبغضهم.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
وأما النهي عن المنكر فواجب كله؛ لأنّ جميع المنكر تركه واجب؛ لاتصافه بالقبح. فإن قلت: ما طريق الوجوب؟ قلت: قد اختلف فيه الشيخان؛ فعند أبى علي: السمع والعقل، وعند أبى هاشم: السمع وحده. فإن قلت: ما شرائط النهي؟ قلت: أن يعلم الناهي أن ما ينكره قبيح؛ لأنه إذا لم يعلم لم يأمن أن ينكر الحسن، وأن لا يكون ما ينهى عنه واقعا، لأن الواقع لا يحسن النهي عنه، وإنما يحسن الذم عليه والنهى عن أمثاله، وأن لا يغلب على ظنه أن المنهي يزيد في منكراته، وأن لا يغلب على ظنه أن نهيه لا يؤثر؛ لأنه عبث.
فإن قلت: فما شروط الوجوب؟ قلت: أن يغلب على ظنه وقوع المعصية؛ نحو أن يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلاته، وأن لا يغلب على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة. فإن قلت: كيف يباشر الإنكار؟ قلت: يبتدئ بالسهل، فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب؛ لأنّ الغرض كف المنكر. قال اللَّه تعالى: (فأصلحوا بينهما)، ثم قال: (فقاتلوا) [الحجرات: ٩]، فإن قلت: فمن يباشره؟ قلت: كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه، وقد أجمعوا أن من رأى غيره تاركا للصلاة وجب عليه الإنكار؛ لأنه معلوم قبحه لكل أحد.
وأما الإنكار الذي بالقتال، فالإمام وخلفاؤه أولى؛ لأنهم أعلم بالسياسة ومعهم عدتها. فإن قلت: فمن يُؤمر ويُنهى؟ قلت: كل مكلف، وغير المكلف إذا همَّ بضرر غيره مُنع، كالصبيان والمجانين، وينهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعوّدوها، كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها. فإن قلت: هل يجب على مرتكب المنكر أن ينهى عما يرتكبه؟ قلت: نعم يجب عليه؛ لأن ترك ارتكابه وإنكاره واجبان عليه فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر. وعن السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا. وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد اللَّه يقول: لا أقول ما لا أفعل. فقال: وأينا يفعل ما يقول! ودّ الشيطان لو ظفر بهذه منكم، فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر …
_________________
(١) ـ قوله: (فلا يأمر أحد) نصب على التمني الذي اشتمل عليه جملة قوله: "ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم"، المعنى: تمنى الشيطان منكم حصول هذه الكلمة لئلا يأمر أحد بالمعروف.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
فإن قلت: كيف قيل: (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)؟ قلت: الدعاء إلى الخير عامّ في التكاليف من الأفعال والتروك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص، فجيء بالعام ثم عطف عليه الخاص؛ إيذانا بفضله، كقوله: (وَالصَّلاةِ الْوُسْطى). [البقرة: ٢٣٨].
(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ١٠٥ - ١٠٧].
(كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا): وهم اليهود والنصارى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة، وهي كلمة الحق. وقيل: هم مبتدعو هذه الأمة، وهم المشبهة والمجبرة والحشوية وأشباههم. (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ) نصب بالظرف وهو (لهم)، أو بإضمار اذكر، وقرئ:
(تبيض) و(تسود)، بكسر حرف المضارعة، و(تبياض) و(تسوادّ)، والبياض من النور، والسواد من الظلمة،
_________________
(١) ـ قوله: (والحشوية)، وهم طائفة يجوزون أن يخاطب الله الناس بالمهمل. قوله: (وقرئ: "تبيض" و"تسود" بكسر حرف المضارعة)، قال الزجاج: إنما كسروا ليتبين أنها من قولك: ابيض واسود، في الماضي، وقرأ بعضهم: "تبياض" و"تسواد"، وهو جيد في العربية إلا أنها خلاف المصحف، وأنا أكره ذلك.
[ ٤ / ٢١٠ ]
فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه، وابيضت صحيفته وأشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده، واسودّت صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب. نعوذ باللَّه وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله.
(أَكَفَرْتُمْ): فيقال لهم: أكفرتم، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم. والظاهر أنهم أهل الكتاب. وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم رسول اللَّه ﷺ بعد اعترافهم به قبل مجيئه.
وعن عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسودّ وجوه بني قريظة والنضير. وقيل هم المرتدون. وقيل: أهل البدع والأهواء، وعن أبى أمامة: هم الخوارج، ولما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ثم قال: كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء. فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك، أم شيء سمعته من رسول اللَّه ﷺ. قال: بل سمعته من رسول اللَّه ﷺ غير مرة.
قال: فما شأنك دمعت عيناك، قال: رحمة لهم، كانوا من أهل الإسلام فكفروا، ثم قرأ هذه الآية، ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضكم منهم كثيرًا. فأعاذك اللَّه منهم
_________________
(١) قوله: (والظاهر أنهم أهل الكتاب) يعني: قوله: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) مطلق، بل مجمل فيمن كفر بعد الإيمان يحتمل المرتد وأهل الكتاب وجميع الكفار كما ذكر، لكن قرائن السياق قامت على ترجيح الثاني، وذلك قوله في الآيات السابقة: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ)، ثم قوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وانتصاب (يَوْمَ تَبْيَضُّ) من (لَهُمْ)، ثم قوله بعد الفراغ من حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ). قوله: (وعن أبي أمامة). الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة، عن أبي غالب.
[ ٤ / ٢١١ ]
وقيل: هم جميع الكفار؛ لإعراضهم عما أوجبه الإقرار حين أشهدهم على أنفسهم: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢].
(فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ): ففي نعمته، وهي الثواب المخلد، فإن قلت: كيف موقع قوله: (هُمْ فِيها خالِدُونَ) بعد قوله: (فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ)؟ قلت: موقع الاستئناف، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: (هم فيها خالدون) لا يظعنون عنها ولا يموتون.
(تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ١٠٨ - ١٠٩].
(تِلْكَ آياتُ اللَّهِ): الواردة في الوعد والوعيد، (نَتْلُوها عَلَيْكَ) ملتبسة (بِالْحَقِّ) والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا للعالمين)، فيأخذ أحدًا بغير جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن
_________________
(١) ـ قوله: «فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ): ففي نعمته، وهي الثواب المخلد)، إنما فسر الرحمة بالجنة لأنها مقابلة لقوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) ومقارنة لقوله: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، قال القاضي: عبر عن الجنة والثواب المخلد بالرحمة تنبيهًا على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله لا يدخل الجنة إلا برحمته وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم ذكرهم، ولكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين، أي: أن الكلام من اللف والنشر، لكن على غير ترتيب، بناءً على تلك النكتة. قوله: «وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا) فيأخذ أحدًا بغير جرم) إلى آخره، قال القاضي: يستحيل تصور الظلم منه تعالى؛ لأنه لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يمنع عن شيء فيظلم بفعله، لأنه المالك على الإطلاق كما قال: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ).
[ ٤ / ٢١٢ ]
ونكر ظلمًا وقال: (لِلْعالَمِينَ) على معنى: ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه. فسبحان من يحلم عمن يصفه بإرادة القبائح والرضا بها.
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) ١١٠ - ١١١].
«كان» عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام،
_________________
(١) قوله: (فسبحان من يحلم): كلمة تعجب، أي: ما أحلمه حيث ينسبون إليه القبيح والظلم مع أنه لا يستعجلهم بالعذاب! وفيه تشنيع على أهل السنة؛ لما يلزم من مذهبهم إثبات القبائح والظلم على الله تعالى على زعم المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله تعالى مريد المعاصي ثم يعذبهم على ذلك، وهو قبيح؛ لما يلزم منه أن يكون الله ظالمًا. وجوابه: أنه يفعل ما يشاء، ويتصرف في ملكه كيف يشاء ولا مجال للعقل في أفعاله، مع أن قوله: "والرضا بها" محل نظر؛ لأنهم لا يقولون به؛ لقوله تعالى: (وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) [الزمر: ٧]. قوله: ("كان" عبارة عن وجود شيء في زمان ماض)، الراغب: "كان" في كثير من وصف الله تعالى تنبئ عن معنى الأزلية، قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: ٤٠]، وما استعمل منه في جنس الشيء متعلقًا بوصف له هو موجود فيه فتنبيه أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك، ومنه قوله تعالى: (وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا) [الإسراء: ٦٧]، (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) [الكهف: ٥٤]، وإذا استعمل في الزمان الماضي فقد يكون المستعمل فيه باقيًا على حاله، وقد يكون متغيرًا، ولا فرق بين أن يكون الزمان المستعمل فيه قد تقدم تقدمًا كثيرًا، وبين أن يكون قد تقدم بآن واحد.
[ ٤ / ٢١٣ ]
وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارئ. ومنه قوله تعالى: (وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: ٩٦] ومنه قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)، كأنه قيل: وجدتم خير أمّة. وقيل: كنتم في علم اللَّه خير أمّة. وقيل: كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمّة موصوفين به (أُخْرِجَتْ) أظهرت، وقوله (تَامُرُونَ) كلام مستأنف بين به كونهم خير أمّة، كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم. (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) جعل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إيمانًا باللَّه؛
_________________
(١) ـ وقال ابن الحاجب في "الأمالي": لا يصح التعلق بالأفعال الناقصة، لأنها لم يقصد بها في التحقيق نسبة حدث محقق إلى فاعلها، ومعنى قولنا: حدث محقق: أنه لم يرد أن زيدًا ثبت، وإنما أريد أن القيام المنسوب إلى زيدـ وهو خبرهـ ثبت، وذلك حاصل لو لم تذكر كان، وإنما قصد بالإتيان بها على المبتدأ والخبر، وتقييد الخبر معنى بالنسبة إلى المبتدأ مع بقائه مخبرًا عنه على ما كان عليه في الابتداء، ولذلك توهم كثير من النحويين أنه لا دلالة لها على الحدث أصلًا، وإنما وضعت للدلالة على مجرد الزمان، فلذلك لم تأت عاملة في شيء غير الاسم والخبر. قوله: (ولا على انقطاع طارئ)، قال الإمام: "كان" إذا كانت ناقصة، كانت عبارة عن وجود شيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، فلا تدل على انقطاع طارئ، يعني: ليس معناه أنه كان على تلك الصفة ثم ما بقي على ما كان، وعليه يبتنى قوله: "كنتم في علم الله"، أو: "كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة". قوله: (كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة) أي: ترك العاطف ليكون الكلام الأول كالمورد للسؤال عن موجب ما سيق له الحديث، فيجاب بالآتي ويعاد بصفة من استؤنف عنه الحديث لبيان الموجب. قوله: (جعل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إيمانًا بالله) يعني: ذكر الإيمان بالله وأريد
[ ٤ / ٢١٤ ]
_________________
(١) ـ الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به؛ لأن الإيمان إنما يعتد به ويستأهل أن يقال له: إيمان، إذا آمن بالله على الحقيقة، وحقيقة الإيمان بالله: أن يستوعب جميع ما يجب الإيمان به، فلو أخل بشيء منه لم يكن من الإيمان بالله في شيء، والمقام يقتضيه لكونه تعريضًا بأهل الكتاب، وأنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به، ويدل على مكان التعريض قوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)، ولاشك أنهم كانوا مؤمنين بالله وموافقين للمؤمنين في بعض الشرائع، لكنهم لما تركوا بعض الإيمان، كأنهم لم يؤمنوا! وأيضًا، المقام مقام مدح للمؤمنين وكونهم خير الناس؛ لأن قوله: (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) عطف على (تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)، وهو كلام مستأنف بيَّن به أن المؤمنين خير أمة في ماذا؟ فينبغي أن يكون هو أيضًا تعليلًا للخيرية، وأن يندرج تحته جميع ما يجب الإيمان به ليكون معتدًا به صالحًا لأن يتمدح به، فلو خرج بعض الإيمان لم يكن مدحًا. قال القاضي: إنما أخر، أي: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) وحقه التقديم؛ لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيمانًا بالله وإظهارًا لدينه. وقلت: يعني إنما أخر ليكون تلويحًا إلى مكان التعليل، فإنه حينئذ من باب الإخبار عن حصول الجملتين في الوجود وتفويض الترتب إلى الذهن، ولو قدم لم يتنبه لتلك النكتة. ثم قال: واستدل بهذه الآية أن الإجماع حجة، لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر، إذ اللام فيهما للاستغراق، فلو اجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك. وقلت: ويجوز أن يراد بتقديم الأمر بالمعروف على الإيمان: الاهتمام، وأن سوق الكلام لأجله، وذكر الإيمان كالتتميم، ويجوز أن يجعل من باب قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: ٨٧] تنبيهًا على أن جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين أظهر شيء مما اشتمل عليه الإيمان بالله، لأنه من وظيفة الأنبياء.
[ ٤ / ٢١٥ ]
لأنّ من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول لله أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتد بإيمانه، فكأنه غير مؤمن باللَّه (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا، أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) [النسا: ١٥٠ - ١٥١] والدليل عليه قوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ) مع إيمانهم باللَّه (لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ) لكان الإيمان خيرًا لهم مما هم عليه؛ لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة واستتباع العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين. (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) كعبد اللَّه بن سلام وأصحابه (وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ) المتمرّدون في الكفر.
(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً): إلا ضررًا مقتصرًا على أذى، بقول من طعن في الدين، أو تهديد أو نحو ذلك (وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ) منهزمين ولا يضروكم بقتل أو أسر. (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ): ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم
_________________
(١) قوله: (لكان لهم من الرياسة) "لهم": خبر "كان"، والاسم: "ما هو خير"، و"مما آثروا": متعلق بخير، و"من الرياسة والأتباع": بيان ما آثروا، والمعنى: بما هو خير الإيمان أي: لكان الإيمان خيرًا لهم مما هم عليه، كما قدره أولًا. قوله: (بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين)، لعل المراد به قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) [الحديد: ٢٨] أي: الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ): نصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ)، أي: أجرين، وقوله ﷺ: "ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد" الحديث، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁.
[ ٤ / ٢١٦ ]
وفيه تثبيت لمن أسلم منهم؛ لأنهم كانوا يؤذنونهم بالتلهي بهم، وتوبيخهم وتضليلهم، وتهديدهم بأنهم لا يقدرون أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرر يبالى به مع أنه وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم وأنّ عاقبة أمرهم الخذلان والذل.
فإن قلت: هلا جزم المعطوف في قوله: (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)! قلت: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت: فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى؟ قلت:
لو جزم لكان نفى النصر مقيدًا بمقاتلتهم، كتولية الأدبار، وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا، كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها، وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوّة، لا ينهضون بعدها بجناح، ولا يستقيم لهم أمر
_________________
(١) قوله: (وتوبيخهم وتضليلهم) في نسخة المعزي: "وتوبيخهم"، بالرفع: عطف على: "وفيه تثبيت"، وفي نسخة الصمصام بالجر: عطف على "التلهي"، والضمير في "توبيخهم وتضليلهم وتهديدهم" عائد إلى "من أسلم"، والباء في "بأنهم" متعلق بقوله: "تثبيت"، وعلى تقدير الرفع: الضمير في الثلاثة للكفار، والباء متعلق بقوله: "تهديدهم"، والجر ليس بالوجه، لأنه لا معنى لتعلق "بأنهم" بتهديدهم، إلا أن يقال: إنه متعلق بتثبيت أيضًا، والتضليل: هو النسبة إلى الضلال، والحاصل: أن الآية الأولى سيقت لبيان أن أهل الكتاب فرقتان، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون، وجيء بقوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) الآية؛ مستطردًا لذكرهم، يعني: أن شأن أهل الكتاب مع المؤمنين قاطبة محاولة الإضرار التي لا طائل تحتها في المآل، وقصد المقاتلة التي الدبرة فيها عليهم. وأدمج فيه إما تثبيت من أسلم منهم وحده إذا روي "توبيخهم" بالجر، وإما توبيخ من تمرد في الفسق مع تثبيت من أسلم إذا روي بالرفع، والإشارة إلى الإدماج بقوله: "فيه".
[ ٤ / ٢١٧ ]
وكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر. فإن قلت: فما الذي عطف عليه هذا الخبر؟ قلت: جملة الشرط والجزاء، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت: فما معنى التراخي في (ثمَّ)؟ قلت: التراخي في المرتبة؛ لأنّ الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار. فإن قلت: ما موقع الجملتين، أعني (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) و(لَنْ يَضُرُّوكُمْ)؟ قلت: هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان؛ فإنّ من شأنه كيت وكيت، ولذلك جاء من غير عاطف.
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليهم الأدبار)، الانتصاف: هذا من الترقي: وعدهم بتولية عدوهم الأدبار عند المقاتلة، ثم ترقى فوعد أنهم لا ينصرون مطلقًا، وزيد في الترقي بدخول "ثم" بتراخي الرتبة، كأنه قال: ثم ها هنا ما هو أعلى في الامتنان أنهم لا ينصرون البتة. قوله: (وعلى ذكر فلان): حال، أي: والحال أن القائل مشتمل كلامه على ذكر شخص، كما إذا كان عمرو في حكاية زيد بأنه يصلح له أن يفعل كذا، ثم سنح له كلام آخر لزيد، فقال: فإن من شأنه كيت وكيت، وكذا أنه عز شأنه أورد ذكر أهل الكتاب وأنهم إن آمنوا كان خيرًا لهم، وأن منهم المؤمنين وأكثرهم متمردون، استطرد حكاية حالهم مع المسلمين وطعنهم في دينهم ومقاتلتهم معهم، وذلك لما رأى من التفات خاطر المسلمين. أما بيان النظم فهو أن قوله: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ) وما يتصل به، إلى قوله: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) عطف على جملة أحوال المؤمنين من قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) على سبيل التقابل، ألا ترى كيف وصف بعضهم الذين امتازوا منهم وانخرطوا في زمرة المؤمنين بقوله: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ
[ ٤ / ٢١٨ ]
_________________
(١) قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ) بما وصف المؤمنين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله واليوم الآخر؟ فإذا المراد بالإيمان بالله: الإيمان المعتبر عند المؤمنين، لا إيمانهم، لأنهم لا يؤمنون بالله حق الإيمان ولا باليوم الآخر كما سبق في أول البقرة، والمراد بالخير في قوله: خيرًا لهم مما هم: ما هو عليه المسلمون، وبالشر: ما هو عليه اليهود، لأن (خَيْرًا) يقتضي المفضل والمفضل عليه، ولهذا قال: لكان الإيمان خيرًا لهم مما هم عليه، وما هو عليه المؤمنون: هو تعاطي مكارم الأخلاق، والعزة والنصرة والفتح في البلاد، وحسن الأحدوثة في الدنيا، والزلفى عند الله في العقبى، وما عليه اليهود: مزاولة رذائل الأخلاق من المكر والخديعة والدهاء، وضرب الذلة والمسكنة عليهم في الدنيا، واستحقاق غضب الله ونكاله في العقبى، فقوله: (مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ) تفصيل لأصنافهم، وقوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) إلى قوله: (وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)، وقوله: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ) الآية، تفصيل لأحوال الطائفتين منهم، وإنما أعاد ذكر الطائفة المؤمنة منهم بقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) ثم رتب عليه بيان أحوالهم لطول الكلام، وخص من أحوال الفسقة ما اختص بالمؤمنين من قوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) لأن الخطاب مع المؤمنين، فذكر من دغلهم وخبثهم ما أرادوا بالمؤمنين من الأذى على سبيل الاستئناف، لأن "لن" في النفي، واستعماله في جواب منكر نظيرة "إن" في الإثبات، فظهر أن قوله: (تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) كلمة جامعة حائزة لجميع أنواع الخيرات دنيا وعقبى، ولذلك علل خيرية هذه الأمة بها على سائر الأمم وفاقت عليها بها. وفيه: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعلى مناصب من له العزة والسلطان من الأنبياء والمرسلين والخلفاء الراشدين، لا من ضربت عليهم الذلة والمسكنة، والله أعلم.
[ ٤ / ٢١٩ ]
(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) ١١٢].
(بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) في محل النصب على الحال، بتقدير: إلا معتصمين، أو متمسكين، أو ملتبسين بحبل من اللَّه وهو استثناء من أعم عام الأحوال. والمعنى: ضربت عليهم الذلة في عامّة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل اللَّه وحبل الناس، يعنى ذمّة اللَّه وذمّة المسلمين، أي لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمّة لما قبلوه من الجزية
_________________
(١) ـ قوله: (وهو استثناء من أعم عام الأحوال)، وعزي إلى المصنف أنه قال: الاستثناء من أعم العام نحو قولك: ما رأيت إلا زيدًا، والمراد بأعم العام: ما لا أعم منه، وهو الشيء، كأنك قلت: ما رأيت شيئًا إلا زيدًا، فهذا الاستثناء يقع في جميع مقتضيات الفعل، أعني: فاعله ومفاعيله وما شبه بها، فقولك: "إلا زيدًا" مستثنى من أعم عام المفعول به، وكذلك: ما لقيته إلا راكبًا: استثناء من أعم عام أحواله، وما ضربته إلا تأديبًا، مستثنى من أعم عام أعراضه، والإضافة في قوله: "من أعم عام الأحوال" مثل إضافة "حب زمانه" إلى من لا زمان له، وإنما له المضاف الذي هو الحب لا غير، كما تقول: "ابن قيس الرقيات" بإضافة "قيس" إلى "الرقيات"، في أن الغرض إضافة "الابن" إلى "الرقيات"؛ لأن قيسًا ما شبب بالرقيات، وإنما المشبب بهن ابنه، ولا طريق إلى ذلك إلا بذكر المضاف والمضاف إليه جميعًا. قوله: (يعني ذمة الله وذمة المسلمين)، الراغب: إنما أعاد ذكر الحبل وفصل ولم يقل: بحبلين؛ لأن الكافر يحتاج إلى حبلين، أي: عهدين: عهد من الله، وهو أن يكون من أهل الكتاب، وإلا لم يكن مقرًا على دينه بالذمة، ثم يحتاج إلى حبل من الناس، أي: أمان وعهد يبذلونه، والناس ها هنا خاص بالمسلمين.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
(وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) استوجبوه
_________________
(١) قوله: «وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ): استوجبوه)، الراغب: أصل البواء: مساواة الأجزاء في المكان، خلاف النبو الذي هو: منافاة الأجزاء، يقال: مكان بواء: إذا لم يكن نابيًا بنازله، وبوأت له مكانًا: سويته، وبوأت الرمح: هيأت له مكانًا ثم قصدت الطعن به، وقال ﷺ: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". ويستعمل البواء في مراعاة التكافؤ في المصاهرة والقصاص، فيقال: فلان بواء فلان: إذا ساواه، وقوله تعالى: (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ) [الأنفال: ١٦] أي: حل مبوأ، أو معه غضب الله، أي: عقوبته. وقوله: (بِغَضَبٍ): في محل الحال، نحو: خرج بسيفه. واستعمال "باء" تنبيه أن مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله، فكيف غيره من الأمكنة! ونظيره: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١]، وقوله تعالى: (أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) [المائدة: ٢٩] أي: تقيم بهذه الحالة، قال الشاعر: أنكرت باطلها وبؤت بحقها وقول من قال: "أقررت بحقها" فليس تفسيره بحسب مقتضى اللفظ. والباءة: كناية عن الجماع. وحكي عن خلف الأحمر أنه قال في قولهم: حياك الله وبياك، أصله: بوأك منزلًا، فغير لازدواج الكلام كما غير جمع الغداة في قولهم: آتيه بالغدايا والعشايا.
[ ٤ / ٢٢١ ]
(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) كما يضرب البيت على أهله، فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها، وهم اليهود عليهم لعنة اللَّه وغضبه. (ذلِكَ) إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبواء بغضب اللَّه، أي: ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات اللَّه وقتلهم الأنبياء.
ثم قال: (ذلِكَ بِما عَصَوْا) أي: ذلك كائن بسبب عصيانهم للَّه واعتدائهم لحدوده؛ ليعلم أنّ الكفر وحده ليس بسبب في استحقاق سخط اللَّه، وأنّ سخط اللَّه يستحق بركوب المعاصي كما يستحق بالكفر. ونحوه (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: ٢٥]، (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) [النساء: ١٦١].
_________________
(١) ـ قوله: (كما يضرب البيت على أهله) أي: شبهت المسكنة بالقبة تشبيهًا بليغًا، ثم أخلت المسكنة في جنسها، ثم خيلت أنها هي، ثم جعلت تلك القبة المتخيلة مضروبة عليهم كما تضرب الخيمة على أهلها، فهم ساكنون فيها، ففي الكلام استعارة مكنية، ويدل عليه قوله: "كما يضرب البيت على أهله"، لأن الاستعارة مسبوقة بالتشبيه، وقد سبق تمام تقريره في البقرة، وليس بكناية كما ذهب إليه وهم أكثر الناس، وأنه من باب قوله: إن السماحة والمروءة والندى … في قبة ضربت على ابن الحشرج قوله: (ليعلم أن الكفر) إلى قوله: (وأن سخط الله يستحق بركوب المعاصي) قلت: دلالة الآية أن ضرب الذلة والمسكنة والبواء بغضب الله سببهما الكفر بآيات الله، وسبب ذلك اعتداؤهم وعصيانهم، وليس فيه أن سخط الله بمجرد ركوب المعاصي. نعم، إنها تؤدي إلى ذلك في بعض الأحوال، قال القاضي: الإصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر، والاستمرار عليها يؤدي إلى الكفر.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
(لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) [١١٣ - ١١٦]
الضمير في (لَيْسُوا سواء) لأهل الكتاب، أي: ليس أهل الكتاب مستوين.
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ) كلام مستأنف لبيان قوله: (لَيْسُوا سَواءً) كما وقع قوله: (تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) [آل عمران: ١١٠] بيانًا لقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)، (أمّة قائمة): مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهم الذين أسلموا منهم. وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود؛
_________________
(١) وقلت: أما قوله: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: ٢٥] فمن باب التعريض، وكذا قوله: (وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) [النساء: ١٦١]؛ لأنها نازلة في اليهود تخويفًا للمسلمين لئلا يتصفوا بصفة الكفرة واليهود ومنعًا لهم بارتكابها، وهذه الآية ها هنا محمولة على أحد الوجهين المذكورين في البقرة، وهو أن لفظة (ذَلِكَ) غير مكررة، وإذا جعل مكررًا كما سبق في البقرة، كان التقدير: ذلك الضرب بسبب عصيانهم وتعديهم حدود الله مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء. قوله: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) مستقيمة) قال الزجاج: حقيقة معنى (قَائِمَةٌ): مستقيمة، ذكرها الأخفش، أي: ذو أمة قائمة، والأمة: الطريقة، من أممت الشيء: إذا قصدته. المعنى: لا يستوي الذين قتلوا الأنبياء بغير حق والذين يتلون آيات اللهم وهم ذوو طريقة مستقيمة.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
لأنه أبين لما يفعلون، وأدل على حسن صورة أمرهم. وقيل عنى صلاة العشاء؛ لأن أهل الكتاب لا يصلونها.
وعن ابن مسعود ﵁: أخر رسول اللَّه ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: "أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر اللَّه في هذه الساعة غيركم"، وقرأ هذه الآية.
وقوله (يَتْلُونَ) و(يُؤْمِنُونَ) في محل الرفع: صفتان ل (أمّة)، أي: أمّة قائمة تالون مؤمنون، وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات اللَّه بالليل ساجدين، ومن الإيمان باللَّه؛ لأن إيمانهم به كلا إيمان؛ لإشراكهم به عزيرًا، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض. ومن الإيمان باليوم الآخر؛ لأنهم يصفونه بخلاف صفته، ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة في الخيرات؛
_________________
(١) قوله: (لأنه أبين) أي: المذكور من التلاوة مع السجود وتخصيص الوقت على سبيل الكناية الإيمائية، والتعبير به عن التهجد أبين مما لو قال: أمة يتهجدون، لما في ذكرهما وذكر الليل تصوير تلك الحالة في أحسن صورة، فكأنه دعوى الشيء بالبرهان. قوله: (وعن ابن مسعود) الحديث. أخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده"، وقريب منه عن البخاري. قوله: (من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين) هذا التقدير يؤذن بأن قوله تعالى: (وَهُمْ يَسْجُدُونَ): حال من الضمير في (يَتْلُونَ)، وقوله فيما سبق: "بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود"، مشعر بالعطف، ولعل الذي عليه التعويل، لتكثير التصوير وتصحيح المعنى: العطف. قوله: (كلا إيمان) وهو كما سبق في أول الكتاب، وإلا كان فعلًا كلا فعل، قيل: "لا" ليست بنافية للجنس؛ لأنها لو كانت للجنس لما تم الكلام بهذا القدر.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها - والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيهـ لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به، وآثر الفور على التراخي.
(وَأُولئِكَ) الموصوفون بما وصفوا به (مِنَ) جملة (الصَّالِحِينَ): الذين صلحت أحوالهم عند اللَّه، ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم. ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين. (فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) لما جاء وصف اللَّه عز وعلا بالشكر في قوله: (وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) [التغابن: ١٧] في معنى توفيه الثواب - نفي عنه نقيض ذلك
_________________
(١) قوله: (الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم)، وهو من قوله تعالى: (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) [الأحقاف: ١٥]، اعلم أن الصلاح هو: وجود الشيء على حال استقامته وكونه منتفعًا به، وإنما فسر (الصَّالِحِينَ) ها هنا بهذه المعاني لأنه موجب للصفات المذكورة من قبل، والإيذان بالإيجاب توسيط أولئك؛ لأنه أعلم أن ما بعده جدير بمن قبله لاكتسابه ما يوجبه، فالتعريف في (الصَّالِحِينَ) للجنس، أي: الكاملين فيه، وعلى الوجه الآتي: للعهد. قوله: «فَلَنْ يُكْفَرُوهُ» قال المصنف: (فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) تعريض بكفرانهم نعمته، وأنه تعالى لا يفعل مثل فعلهم، وجيء به على لفظ المبني للمفعول لأمرين: لتنزيهه عن إسناد الكفران إليه، كقوله تعالى: (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) [الجن: ١٠]، وليأتي به على لفظ الكبرياء والعظمة، نحو: (قِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) [هود: ٤٤]. قوله: (نقيض ذلك) يعني: لا يجوز أن يضاف إلى الله تعالى الكفران؛ لأنه ليس لأحد عليه نعمة حتى يكفره، لكن لما وصف ﷾ بالشكور في تلك الآية، والشكور: مجاز عن توفية الثواب، نفى عنه ﷾ على سبيل المشاكلة الكفران الذي هو مجاز عن تنقيص الثواب.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
فإن قلت: لم عدي إلى مفعولين و"شكر" و"كفر" لا يتعديان إلا إلى واحد، تقول شكر النعمة وكفرها؟ قلت: ضمن معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه بمعنى: فلن تحرموا جزاءه. وقرئ (يفعلوا)، و(يكفروه)، بالياء والتاء (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) بشارة للمتقين بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.
(مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [١١٧]
الصرُّ: الريح الباردة، نحو: الصرصر، قال:
لَا تَعْدِلَنَّ أَتَاوِيِّينَ تَضْرِبُهُمْ نَكْبَاءَ صِرً بِأصْحَابِ الْمَحَلَّات
_________________
(١) قوله: (وقرئ (يَفْعَلُوا) و(يُكْفَرُوهُ) بالياء والتاء)، بالياء التحتانية: حمزة والكسائي وحفص، والباقون بالتاء. قوله: (بشارة للمتقين .. ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى) يعني: في إيراد العلم بعد الأعمال المذكورة بشارة؛ لأن الله تعالى إذا علم منهم أحوالهم ومجاهدتهم فيما لا يضيع أجرهم فيوفيهم بأحسن ما عملوا، وفي وضع (الْمُتَّقِينَ) موضع المضمر إشعار بالعلية وإيذان بأنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى. قوله: (لا تعدلين أتأويين) البيت: لا تعدلن: لا تسوين، والأتاوي: الغريب البعيد الدار، والنكباء: الريح الشديدة، والصر: الريح الباردة، والمحلات: الماعون مثل: الفأس والقدر والدلو وغيرها، يقول: لا تسوين الغرباء الفقراء الذين لا منزل لهم ولا ديار تكنهم من البرد والرياح بأصحاب الديار والمنازل والأثاث، روى الجوهري: "لا يعدلن" بالياء، على ما لم يسم فاعله، و"الأتاويون" بالرفع.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
كما قالت ليلى الأخيلية ترثي توبة:
وَلَمْ يَغْلِبِ الْخَصْمَ الألَدَّ وَيَمْلَأ الْ جِفَانَ سَدِيفًا يَوْمَ نَكْبَاءَ صَرْصَرِ
فإن قلت: فما معنى قوله: (كمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ)؟ قلت: فيه أوجه: أحدهما: أنّ الصرٌّ في صفة الريح بمعنى الباردة، فوصف بها القرّة بمعنى: فيها قرة صرّ، كما تقول: برد بارد على المبالغة. والثاني:
أن يكون الصر مصدرًا في الأصل، بمعنى البرد فجيء به على أصله
_________________
(١) ـ قوله: (ولم يغلب الخصم) البيت، ترثي ليلى صاحبها توبة بن الحمير، وقيل: الصواب: "يغلب" و"يملأ" بالياء؛ لأن ما قبله: كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ … بنجد، ولم يطلع على المتغور وأجيب أن الالتفات أبلغ. لم ينخ، من: أناخ البعير، والألد: الشديد الخصومة، والجفنة: القصعة، والجمع جفنات وجفان، والسديف: قطع السنام، تعدد مناقبه في الندبة. قوله: (فما معنى قوله: (كَمَثَلِ رِيحٍ» يعني: إذا كان الصر بمعنى الريح الباردة فكيف معنى قوله: (فِيهَا صِرٌّ)، إذ يصير المعنى: ريح فيها ريح باردة؟ قوله: (فوصف بها القرة) أي: هي صفة موصوف محذوف وصف بها للمبالغة، وهو من الإسناد المجازي، كقولهم: جد جده. قوله: (قرة)، النهاية: القر: البرد، ويوم قر، بالفتح، أي: بارد. قوله: (على أصله) أي: الصر في الأصل: مصدر بمعنى البرد مطلقًا، ثم سمي به الريح الباردة، فلمح هنا الأصل.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
والثالث: أن يكون من قوله تعالى (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]، ومن قولك: إن ضيعني فلان ففي اللَّه كاف وكافل. قال:
وَفِى الرَّحْمنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِي
_________________
(١) قوله: (من قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]) أي: أنه من باب التجريد، انتزع من الريح الباردة شيء يسمى صرًا، والصر هو الريح نفسه. قوله: (وفي الرحمن للضعفاء كافي)، أوله: لقد زاد الحياة إلي حبًا … بناتي أنهن من الضعاف مخافة أن يذقن السم بعدي … وأن يشربن رنقًا بعد صافي وأن يعرين إن كسي الجواري … فتنبو العين عن كرم عجاف ولولاهن قد سومت مهري … وفي الرحمن للضعفاء كاف قائله رجل من بني تيم اللات بن ثعلبة، ندب للخروج مع أبي بلال بن مرداس، فمنعته الشفقة على بناته، أي: إن حبي الحياة وتخلفي عن الغزو لهؤلاء البنات لأني إن قتلت لم يبق من يكسب لهن، فعرين وجعن، ونبت عين من يتزوجهن عنهن، ولولاهن سومت مهري للغزو، أي: جعلت عليه علامة، والرنق: كدر الماء، من كرم عجاف، يقال: رجل كرم، وقوم كرم، ونسوة كرم. الانتصاف: هذا الوجه أحسن الوجوه؛ لأنك إذا قلت مثلًا: ففي عمرو بعد الله كاف،
[ ٤ / ٢٢٨ ]
شبه ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناسـ لا يبتغون به وجه اللَّهـ بالزرع الذي حسه البرد فذهب حطاما. وقيل: هو ما كانوا يتقربون به إلى اللَّه مع كفرهم. وقيل: ما أنفقوا في عداوة رسول اللَّه ﷺ فضاع عنهم؛ لأنهم لم يبلغوا بإنفاقه ما أنفقوه لأجله. وشبه بحرث قوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ،
_________________
(١) فكان نكرة مجردة من القيود المشخصة المخصصة، ثم جعلت عمرًا المعين محلًا له، وشخصت المطلق المجرد بهذا المعين، وهي طريقة صحيحة، إذ المطلق بعض المقيد. قوله: (الذي حسه) أي: استأصله، النهاية: في الحديث: "حسوهم" أي: استأصلوهم قتلًا، وحس البرد الكلأ: إذا أهلكه واستأصله. قوله: (وقيل: ما أنفقوا في عداوة رسول الله ﷺ). إنما قدر الوجوه لأن قوله: (مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ) فيه شيوع يحتمل المذكورات. قوله: (فضاع عنهم؛ لأنهم لم يبلغوا بإنفاقه ما أنفقوه لأجله). "ما أنفقوا": مفعول "لم يبلغوا"، وهو مترتب على الوجهين الأخيرين لا الأول لما كان يحصل لهم من حسن الثناء وجميل الذكر، والوجه هو الأول، وهو أن يكون في المكارم والمفاخر؛ لأن قوله: (فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تعريض بأن النفقة لم تكن لوجه الله وطلب مرضاته، أي: جعلوا مكان النفقة وظرفها هذه الهناة الحقيرة التي تشاهد، وأبوا أن تكون في مرضاة الله فتكون كحبة (أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)، ولذلك خاب سعيهم وبطل عملهم (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا). قوله: (وشبه بحرث قوم): عطف على قوله: "شبه ما كانوا ينفقون" على طريقة التتميم وإعادة اللفظ لإناطة معنى آخر، يعني: ما اكتفى بتشبيه النفقة بالزرع الذي ذهب حطامًا،
[ ٤ / ٢٢٩ ]
فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم؛ لأنّ الإهلاك عن سخط أشدّ وأبلغ [فإن قلت: فلم قال: ظلموا أنفسهم، ولم يقتصر بقوله: أصابت الحرث أو أصابت حرث قوم؟ قلت: لأن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب على الكلية حتى لا يبقى منه شيء، وحرث الكافرين هو الذي يذهب على الكلية لا منفعة لهم فيه، لا في الدنيا ولا في الأخرة، فأما حرث المسلم فلا يذهب على الكلية؛ لأنه وإن كان يذهب صورة إلا أنه لا يذهب معنى؛ لما فيه من حصول الأعواض لهم في الآخرة، والثواب بالصبر على الذهاب]، فإن قلت: الغرض تشبيه ما أنفقوا في قلة جدواه وضياعه بالحرث الذي ضربته الصر، والكلام غير مطابق للغرض؛ حيث جعل ما ينفقون ممثلا بالريح. قلت: هو من التشبيه المركب الذي مر في تفسير قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا) [البقرة: ١٧]، …
_________________
(١) ـ بل خص الزرع بأن يكون لقوم ظالمين، ليكون أبلغ في القصد، لأن الإهلاك إذا كان عن سخط كان أشد وأبلغ، ثم إذا أخذ مع التشبيه معنى: (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ليكون تتميمًا آخر للمشبه به، على أن يكون (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ) معطوفًا على مقدر هو استئناف كلام، المعنى: بلغ هلاك أهل الحرث واستئصالهم إلى حد إذا شهد الناظر إلى أحوالهم يقول مترفقًا: هؤلاء المرحومون حملوا ما لا يد لهم عليه، فقد ظلموا، فيجاب: بأنه ما حملهم الله ما لا طاقة لهم عليه وما ظلمهم ولكن أنفسهم يظلمون، يبلغ بالتشبيه إلى حد يناطح السماك في المبالغة لما علم في موضعه أن التشبيه كلما كان أكثر تفصيلًا كان أدخل في القبول وأبلغ في الاعتبار، وأما إذا جعل تتميمًا للمشبه فلم يكن كذلك، وإلى الوجهين الإشارة بقوله: (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ) الضمير للمنفقين أو لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم. قوله: (الذي مر في تفسير قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: ١٧])، وهو أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد، وإنما شبهت قصتهم بقصته، فكذلك ها هنا: لم يشبه النفقة بالريح، وإنما شبهت حالة نفقتهم في قلة جدواها وضياعها بالحرث الذي ضربته الصر وأهلكته.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
ويجوز أن يراد: مثل إهلاك ما ينفقون مثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح، وهو الحرث. وقرئ: (تنفقون)، بالتاء. (وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ): الضمير للمنفقين على معنى: وما ظلمهم اللَّه بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم؛
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يراد) أي: يكون من التشبيه المركب العقلي الذي يؤخذ فيه الزبدة والخلاصة من المجموع، وهو المراد بقوله: "مثل إهلاك ما ينفقون" إلى آخره، والوجه: قلة الجدوى والضياع، ويجوز أيضًا أن يكون من التشبيه المفرق الذي يتكلف لكل واحدٍ واحدٍ من المشبه به شيء يقدر شبهه في المشبه، فشبه إهلاك الله بإهلاك الربح، وما ينفقون بالحرث، وما في غضب الله من جعل أعمال المرائين هباء منثورًا كما في الريح الباردة من حس الزرع وجعله حطامًا، وعليه الوجه الأخير. الانتصاف: وفي لفظ السؤال سوء أدب، وهو أن الكلام غير مطابق للغرض، والواجب أن يقال: ما وجه مطابقته؟ ولو أورد هذا اللفظ على إمام معتبر بحضرته لتلطف في إيراده، مع أنه قد يكون ذلك الاعتراض محققًا لا جواب عنه، فلم لا يتأدب مع عالم السر وأخفى في كلامه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! ثم يرد عليه جوابه الثاني بأن السؤال باق على تقدير إهلاك ما ينفقون، إذ لا يشبه المصدر بالاسم الذي هو الربح المهلكة، وتقديرهـ والله أعلمـ: مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم أصابتهم ريح فيها صر فأهلكته، لكن خولف ذلك لفائدة جليلة، وهو تقديم الأهم وهي الريح التي هي مثل العذاب، تهديدًا واعتمادًا على الأفهام الصحيحة. وقلت: أما مؤاخذته عليه في اللفظ المؤذن بسوء الأدب فليس بذاك؛ لأن مراده من سؤاله أن كلام الله غير مطابق للغرض الذي ذكرته، وهو قولك: "شبه ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم بزرع حسه البرد"، فالإنكار متوجه إلى نفسه، وأما قوله: إذ لا يشبه المصدر
[ ٤ / ٢٣١ ]
حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم، أي: وما ظلمهم اللَّه بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. وقرئ (ولكن) بالتشديد، بمعنى ولكنّ أنفسهم يظلمونها هم. ولا يجوز أن يراد: ولكن أنفسهم يظلمون، على إسقاط ضمير الشأن، لأنه إنما يجوز في الشعر.
_________________
(١) ـ بالاسم الذي هو الريح، فخطأ، فإنه قدر المضاف في الطرفين، والمعنى: بإهلاك الله ما ينفقونه، وأما الذي استنبط من الوجه فمنحول من قول المصنف: "شبه ما كانوا ينفقون بالزرع الذي حسه البرد"، والسؤال وارد على تصحيح ذلك المعنى. قوله: (ولكن أنفسهم يظلمونها هم)، فإن قلت: هل في زيادة "هم" فائدة؟ قلت: نعم، ففي المشهورة تقديم المفعول يؤذن بالاختصاص، وفي الشاذة: لما وقع المنصوب اسم "لكن" بطل التقديم وذهب معنى الاختصاص ولكن انقلب إلى تقوي الحكم، فأشار بهذه الزيادة إلى أن الظالمين هم لا غيرهم. قوله: (على إسقاط ضمير الشأن) أي: لا يجوز حذف ضمير الشأن في "لكن" وأخواتها إلا في الشعر، كقوله: إن من لام في بني بنت حسا … ن ألمه وأعصه في الخطوب تقديره: إنه من لام، وقوله: ألمه: جزاء الشرط، وهو مع الشرط خبر "إن"، واسمها ضمير الشأن، وكقول المتنبي: وما كنت ممن يدخل العشق قلبه … ولكن من يبصر جفونك يعشق
[ ٤ / ٢٣٢ ]
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ١١٨ - ١١٩]
بطانة الرجل ووليجته: خصيصه وصفيه الذي يفضى إليه بشقوره ثقة به، شبه ببطانة الثوب، كما يقال: فلان شعاري. وعن النبي ﷺ «الأنصار شعار، والناس دثار» (مِنْ دُونِكُمْ) من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون. ويجوز تعلقه بـ: (لا تتخذوا)، وب (بطانة) على الوصف، أي بطانة كائنة من دونكم مجاورة لكم (لا يَالُونَكُمْ خَبالًا) يقال: ألا في الأمر يألو، إذا قصر فيه، ثم استعمل معدّي إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحا، ولا آلوك جهدا، على التضمين، والمعنى: لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه. والخبال: الفساد (وَدُّوا ما عَنِتُّمْ): ودّوا عنتكم، على أنّ «ما» مصدرية. والعنت: شدّة الضرر والمشقة. وأصله انهياض العظم بعد جبره،
_________________
(١) قوله: (بشقوره) أي: بأموره وحاجاته. الجوهري: يقال: أخبرته بشقوري، كما يقال: أفضيت إليه بعجري وبجري. قوله: (الأنصار شعار، والناس دثار)، قاله ﷺ حين فتح حنينًا، في حديث طويل أخرجه الشيخان عن عبد الله بن زيد بن عاصم. النهاية: الشعار: الثوب الذي يلي الجسد، لأنه يلي شعره، والدثار هو: الثوب الذي يكون فوق الشعار، أي: أنتم الخاصة والبطانة، والناس العامة والدثار. قوله: (انهياض العظم) أي: انكساره.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
أي: تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشدّ الضرر وأبلغه (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ)؛ لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين.
وعن قتادة: قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم بعضا على ذلك.
وفي قراءة عبد اللَّه (قد بدأ البغضاء). (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ) الدالة على وجوب الإخلاص في الدين، وموالاة أولياء اللَّه ومعاداة أعدائه (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ما بين لكم، فعملتم به. فإن قلت: كيف موقع هذه الجمل؟ قلت يجوز أن يكون (لا يَالُونَكُمْ خَبَالًا) صفة للبطانة، وكذلك (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ) كأنه قيل: بطانة غير آليكم خبالا بادية بغضاؤهم. وأما (قَدْ بَيَّنَّا) فكلام مبتدأ، وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستأنفات كلها على وجه التعليل للنهى عن اتخاذهم بطانة
_________________
(١) قوله: (وتحاملهم عليها)، الأساس: تحاملت الشيء: حملته على مشقة. قوله: (أن ينفلت من ألسنتهم) مفعول "لا يتمالكون"، أي: لا يتماسكون انفلات ما يعلم به بغضهم، يعني: أنهم ضابطون أنفسهم مما في صدورهم من الغيظ جدًا لكن ينفلت أحيانًا من ألسنتهم ما يعلم منه شيء مما انطوت عليه ضمائرهم. قوله: (أن يكون (لا يَالُونَكُمْ) صفة [للبطانة]، وكذلك (قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ). سأل عن مواقع الجمل وهي أربعة، وذكر في الجواب مواقع الثلاث وترك موقع قوله: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ): إما لظهورها أنها صفة مثلها؛ لأنها توسطت بين الصفتين، أو أنها حال من الواو في (لا يَالُونَكُمْ)، و"قد" معها: مقدرة و"ما": مصدرية، أي: لا يألونكم خبالًا وادين عنتكم، وأما إيثار الماضي على المضارع هنا فكإيثاره في قوله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [الممتحنة: ٢]. قوله: (مستأنفات كلها على وجه التعليل) قيل: يريد أن الكل جواب عن السؤال عن النهي، والأحسن أن يجري الكل مستأنفات على الترتيب، كأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة؟
[ ٤ / ٢٣٤ ]
"ها" للتنبيه. و"أَنْتُمْ" مبتدأ، و(أُولاءِ) خبره، أي: أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب. وقوله: (تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) بيان لخطئهم في موالاتهم؛ حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء. وقيل (أُولاءِ) موصول، (تُحِبُّونَهُمْ) صلته
_________________
(١) فأجيب: لأنهم لا يقصرون في إفساد أمركم، فقيل: ولم يفعلون ذلك؟ فأجيب: لأنهم يبغضونكم، ولما كان كل من ذلك مترتبًا على الآخر صح أن يقال: مستأنفات، على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة. قوله: (بيان لخطئهم) يعني: لما قال: (هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ) أي: أنتم هؤلاء المشاهدون، تحقيرًا لشأنهم وازدراء بحالهم لما شوهد منهم ما يجب تخطئتهم به، بين ما به استحقوا هذا التحقير فقال: (تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ)، قال القاضي: (تُحِبُّونَهُمْ): خبر ثان أو خبر لـ (أُوْلاءِ)، والجملة خبر (أَنْتُم)، كقولك: أنت زيد تحبه، أو: حال والعامل فيها معنى الإشارة، وقال أبو البقاء في "البقرة": (هَؤُلاءِ): على تقدير حذف المضاف، أي: أنتم مثل هؤلاء، و(تَقْتُلُونَ): حال، ويعمل فيها معنى التشبيه. ويمكن أن يكون (وَتُؤْمِنُونَ): عطفًا على (تُحِبُّونَهُمْ) أي: أنتم هؤلاء الخاطئون في موالاتهم، لأنكم تحبونهم ولا يحبونكم، وتؤمنون بكتابهم ولا يؤمنون بكتابكم، فقد أخطأتم حيث واليتموهم في الدين والدنيا ولا يوالونكم فيهما. وأما تأليف النظم فهو أنه تعالى لما نهى المؤمنين أن يتخذوا المنافقين بطانة وعلله بما أسند إليهم من إرادة الخبال وودادة العنت وإظهار البغضاء وإخفاء الضغن والإحن، ثم قال: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) توبيخًا للمؤمنين وأنهم إن لم يرجعوا من ذلك ولم ينتبهوا من رقدة الغفلة، كانوا كمسلوبي العقول، عقب ذلك بقوله: (هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ) تنبيهًا لهم على الثبات على الغفلة بعد تلك البيانات الشافية، المعنى: ها أنتم بعدما تلونا
[ ٤ / ٢٣٥ ]
والواو في (وَتُؤْمِنُونَ) واو للحال، وانتصابها من "لا يحبونكم"، أي: لا يحبونكم، والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله، وهم مع ذلك يبغضونكم. فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم.
وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم، ونحوه (فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَما تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) [النساء: ١٠٤]، ويوصف المغتاظ والنادم بعضّ الأنامل والبنان والإبهام. قال الحارث بن ظالم المري:
فَأقْتُلُ أقْوَامًا لِئَامًا أَذِلَّةً يَعُضُّونَ مِنْ غَيْظٍ رُؤُوسَ الْأبَاهِمِ
_________________
(١) عليكم ما تلونا هؤلاء المشاهدون ثابتين على غفلتكم وخطاياكم تحبونهم، ولا يحبونكم، مع أنكم تؤمنون بكتابهم كله ولا يؤمنون بشيء من كتابكم؛ ما غيرتم من أحوالكم شيئًا ولا أثر فيكم ذلك التحذير، ولا نجح فيكم ذلك الوعظ البليغ. قوله: (أي: لا يحبونكم، والحال أنكم تؤمنون بكتابهم) يريد أنها حال مقررة لجهة الإشكال، كقولهم: أتحسن إلى هؤلاء وإنهم يحاولون مضرتك؟ فعلى هذا يقدر "إنكم" ليصح إيقاع المضارع حالًا مع الواو، ويجوز أن لا يقدر، والجملة تكون معطوفة على "تحبون، "، أي: تجمعون بين المحبة والإيمان وكيت وكيت. قوله: (ونحوه: (فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ» أي: مثله في تقييد الحكم بحال تختص بالمؤمنين، وتنتفي عن أعدائهم، يعني: قيد محبة المؤمنين بالإيمان بكتابهم كله وعدم إيمان أهل الكتاب بشيء من كتاب المؤمنين، وإليه الإشارة بقوله: "وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم"، كما قيد (تَالَمُونَ) برجاء المؤمنين ثواب الله وعدم رجاء الكافرين الثواب. قوله: (فأقتل أقوامًا لئامًا) البيت، الأباهم: أصله الأباهيم، فحذفت الياء تخفيفًا، يقول: أقتل الأعداء اللئام الأذلة، الذين يعضون أناملهم من الغيظ.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ): دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به. والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم؛ من قوّة الإسلام، وعز أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي والتبار (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ): فهو يعلم ما في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء، وما يكون منهم في حال خلوّ بعضهم ببعض، وهو كلام داخل في جملة المقول أو خارج منها. فإن قلت: فكيف معناه على الوجهين؟ قلت: إذا كان داخلا في جملة المقول فمعناه: أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظا إذا خلوا، وقل لهم: إنّ اللَّه عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم؛ وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا أنّ شيئا من أسراركم يخفى عليه. وإذا كان خارجا فمعناه: قل لهم ذلك ـيا محمدـ ولا تتعجب من إطلاعى إياك على ما يسرون فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك؛ وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم
_________________
(١) ـ قوله: (من الحنق والبغضاء وما يكون منهم): بيان لما في الصدور، وذلك أن "ذات": عام، وإنما يتخصص بحسب ما أضيف إليها لاقتضاء المقام، وها هنا لما انطوت صدور المنافقين على الحنق والبغضاء خصصها بهما. قوله: (قل لهم ذلكـ يا محمدـ ولا تتعجب)، فإن قلت: كيف فسر في الوجه الأول: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) بقوله: "أخبرهم"، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) بقوله: "وقل لهم"، وفي هذا الوجه أتى بـ "قل" في موضعه؟ قلت: لأن الكلام على الأول وارد على توبيخ المنافقين، وأنه صلوات الله عليه مأمور بأن يواجههم ويكافحهم بقوله: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) ليعلموا أن الله تعالى أطلع نبيه صلوات الله عليه على ما كانوا عليه من أنهم إذا خلوا أظهروا الغيظ الكامن، ويخبرهم أيضًا بأن الله تعالى عليم بما هو أخفى مما يسرونه بينهم، فيجازيهم عليه مزيدًا للتوبيخ وترقيًا من الأدنى إلى الأغلظ، وعلى الثاني: الكلام جار على تعجيب النبي ﷺ، يعني: إني مطلعك على خبثهم وسوء دخيلتهم، فقل لهم: موتوا بغيظكم، ولا تتعجب من هذا فإني أعلم ما هو أخفى منه.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
ويجوز أن لا يكون ثمَّ قول، وأن يكون قوله: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) [آل عمران: ١١٩]، أمرًا لرسول اللَّه ﷺ بطيب النفس، وقوة الرجاء، والاستبشار بوعد اللَّه أن يهلكوا غيظًا بإعزاز الإسلام، وإذلالهم به، كأنه قيل: حدث نفسك بذلك.
(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ١٢٠]
الحسنة: الرخاء، والخصب، والنصرة، والغنيمة، ونحوها من المنافع. والسيئة: ما كان ضدّ ذلك. وهذا بيان لفرط معاداتهم؛ حيث يحسدونهم على ما نالهم من الخير، ويشمتون بهم فيما أصابهم من الشدّة. فإن قلت: كيف وصفت الحسنة بالمس والسيئة بالإصابة؟ قلت: المس مستعار لمعنى الإصابة؛ فكان المعنى واحدًا،
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن لا يكون ثم قول): أي: لا يكون الرسول ﷺ مأمورًا بتبليغ هذا الأمر إليهم، بل يكون مأمورًا بتطييب النفس بالاستبشار بوعد الله بالنصرة على سبيل الكناية، وهذا أبلغ مما إذا قيل ابتداء: حدث نفسك بطيب النفس وإرغام الأعداء؛ لأن هذا القول إنما يقال إذا حصل موجبه من النصرة وإعزاز الدين وإذلال الكفرة، ونحوه قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: ١٣١] حيث قال: "ومعنى قال له: أسلم: أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية على المعرفة والإسلام، فقال: (أَسْلَمْتُ) أي: فنظر وعرف". قوله: (كيف وصفت الحسنة بالمس؟) هذا سؤال وارد على فقدان المطابقة بين القرينتين ظاهرًا، يعني: من حق التقابل بين الفقرتين التوافق بين الكلمتين، فكيف خولف بينهما؟ وأجاب: أن الموافقة حاصلة من حيث المؤدى وأصل المعنى، بشهادة الآيات، ونقل في "الحواشي" عن المصنف أنه قال: وإنما جمع المس والإصابة لافتنان الكلام؛ لأنه أفصح وأحسن،
[ ٤ / ٢٣٨ ]
ألا ترى إلى قوله: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ) [التوبة: ٥٠]، (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء: ٧٩]، (إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) [المعارج: ٢٠ - ٢١]. (وَإِنْ تَصْبِرُوا) على عداوتهم (وَتَتَّقُوا) ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو: وإن تصبروا على تكاليف الدين
_________________
(١) هذا على تقدير سؤال آخر، يعني: هب أن التوافق حاصل بين القرينتين في أصل المعنى، فما فائدة الاختلاف بينه وبين الآيات المستشهدة؟ وأجاب: أن الاختلاف للافتنان في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب، ولو قال: لاقتضاء المقام والتنبيه على الخطأ العظيم للمخاطبين كما سبق في قوله: (هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) فإنه يقتضي عنفًا شديدًا وتعييرًا بليغًا، ولذلك استعير لجانب الحسنة المس، وذكر في السيئة الإصابة ليدل على الإفراط الشديد والتفريط البليغ، وليس كذلك في سائر الآيات، لكان أحسن، وإلى هذا المعنى أشار صاحب "الانتصاف" حيث قال: يمكن أن يقال: المس أقل تمكنًا من الإصابة، وهو أقل درجاتها، أي: إن تصبك حسنة أدنى إصابة تسؤهم ويحسدوكم، وإن تتمكن منكم المصيبة وتنتهي الحد الذي يرثي عندها الشامت فهؤلاء لا يرثون ولا يرجعون عن حسدهم، بل يفرحون ويسرون. الإنصاف: هذا حسن لكن يحتاج الجواب عن الآية التي استشهد بها الزمخشري (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) [النساء: ٧٩]، وهو ذكر جوابًا عامًا. وقلت: الجواب ما ذكرناه من أن التخصيص بحسب المقام وإخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر، والذي ينصر قول صاحب "الانتصاف" مجيء الفرح بمعنى البطر مقابلًا للسوء، قال الجوهري: الفرح أيضًا: البطر، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص: ٧٦]. قوله: (أو: وإن تصبروا على تكاليف الدين) وذلك أن الصبر على مكابدة أعداء الله
[ ٤ / ٢٣٩ ]
ومشاقه وتنقوا اللَّه في اجتنابكم محارمه؛ كنتم في كنف اللَّه؛ فلا يضركم كيدهم. وقرئ (لا يَضِركُمْ) من ضاره يضيره،
_________________
(١) ـ التجاء إلى كنف الله، فيورث النصرة، وكف ضررهم والصبر على مشاق التكاليف يورث الزلفى من جناب الله والأمان من عذابه الدنيا والآخرة. قوله: (كنتم في كنف الله فلا يضركم) فيه إشعار بأن قوله: (لا يَضُرُّكُمْ) ليس بجزاء تحقيقًا، بل الجزاء محذوف وهو مسبب عنه، الأساس: هم في أكناف الحجاز: في نواحيه، ومن المجاز: حرك الطائر كنفيه: جناحيه، وتقول: في حفظ الله وكنفه. قوله: (وقرئ: لا يَضِركُمْ) بكسر الضاد وتخفيف الراء: نافع وابن كثير وأبو عمرو، على أنه جواب الشرط، والباقون بالضم، والفتح شاذ، قال مكي: من شدد وضم الراء احتمل أن يكون مجزومًا على جواب الشرط، ولكنه لما احتاج إلى تحريك المشدد أتبعه ضمة ما قبله، وقيل: هو مرفوع على إضمار الفاء أو على نية التقديم قبل (وَإِنْ تَصْبِرُوا)، نحو: إنك إن يصرع أخوك تصرع فرفع "تصرع" على نية التقديم. والأول أحسنها، وقد حكي عن عاصم أنه قرأ بفتح الراء مشددة، وهو أحسن من الضم، ومن خفف جزم الراء جوابًا وهو من: ضاره يضيره، وحكى الشافعي: يضوره، فيجب جواز ضد الضاد، وقال صاحب "الكشف" أبو إسحاق: جعله مجزومًا وبناه على الضم كما يبنى على الفتح نحو: لم يرد، فالضمة عنده بناء لا إعراب، وكأنه هو الوجه، وقال: وقياس سيبويه أن يكون على التقديم والتأخير.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
و(يضركم) على أن ضمة الراء لإتباع ضمة الضاد، كقولك: مدّ يا هذا؛ وروي المفضل عن عاصم (لا يَضُرُّكُمْ) بفتح الراء، وهذا تعليم من اللَّه وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى. وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك
(إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ) من الصبر والتقوى وغيرهما (مُحِيطٌ) ففاعل بكم ما أنتم أهله. وقرئ بالياء بمعنى أنه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه.
(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون) ١٢١ - ١٢٢]
_________________
(١) ـ قوله: (وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلًا في نفسك)، نظم الشافعي ﵁ المعنى: إذا ما شئت إرغام الأعادي … بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى … على الأعداء من نوب الزمان وأما تنزيل هذا المعنى على الآية فهو أن قوله: (لا يَضُرُّكُمْ) وقع جزاء لصبرهم وتقواهم، ولا يستقيم ذلك المعنى على ظاهره، لكن مفهوم قوله: (لا يَضُرُّكُمْ) بعد ذكر الصبر والتقوى يؤذن أن القوم إنما حاولوا الإضرار بسبب الحسد لاشتمال المقام عليه، والحاسد إنما يتغيظ بما يتصور في المحسود من صفة الكمال، ولا كمال في الإنسان أكمل من الاكتساء بلباس الصبر والتزيي بزي التقوى، ولما علم أن غيظ الحاسد لا يؤثر إلا فيه وأن غائلة ضرره راجعة إليه قيل: (إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) أي: يرجع ضرره إليهم.
[ ٤ / ٢٤١ ]
(وَ) اذكر (إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) بالمدينة؛ وهو غدوّه إلى أحد من حجرة عائشة ﵂. روى: أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار النبي ﷺ أصحابه ودعا عبد اللَّه بن أبىّ ابن سلول ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره، فقال عبد اللَّه وأكثر الأنصار: يا رسول اللَّه، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فو اللَّه ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وقال بعضهم: يا رسول اللَّه، اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب؛ لا يرون أنا قد جبنا عنهم. فقال ﷺ: "إني قد رأيت في منامي بقرًا مذبحة حولي، فأوّلتها خيرًا، ورأيت في ذباب سيفي ثلمًا فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم"، فقال رجال من المسلمين قد فاتتهم بدر وأكرمهم اللَّه بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا. فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته؛ فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا:
بئسما صنعنا، نشير على رسول اللَّه ﷺ والوحي يأتيه، وقالوا: اصنع يا رسول الله. ما رأيت، فقال: "لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل"، فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة، ..
_________________
(١) ـ قوله: (في ذباب سيفي) أي: طرفه الذي يضرب به، النهاية: وفي الحديث: "رأيت أن ذباب سيفي كسر، فأولته أنه يصاب رجل من أهلي، فقتل حمزة". قوله: (لأمته)، النهاية: اللأمة مهموزة: الدرع، وقيل: السلاح، ولأمة الحرب: أداته، وقد تترك الهمزة تخفيفًا.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال يمشى على رجليه، فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القدح؛ إن رأى صدرًا خارجا قال: "تأخر"، وكان نزوله في عدوة الوادي وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وأمّر عبد اللَّه بن جبير على الرماة،
_________________
(١) ـ قوله: (وأصبح بالشعب)، الجوهري: الشعب، بالكسر: الطريق في الجبل، وشعبت الشيء: فرقته، وشعبته: جمعته، وهو من الأضداد. الراغب: الشعب من الوادي: ما اجتمع منه طرف وتفرق طرف، فإذا نظرت من الجانب الذي يتفرق أخذت في وهمك واحدًا يتفرق، وإذا نظرت إليه من جانب الاجتماع أخذت في وهمك اثنين اجتمعا، فلذلك قيل: شعبت الشيء إذا فرقته، وشعبته: إذا جمعته. قوله: (كأنما يقوم بهم القدح)، النهاية: هو السهم الذي كانوا يستقسمون به، أو الذي يرمى به عن القوس. أراد أن يقول: كأنما يقومهم بالقدح، أي: يسوي صفوفهم تسوية السهم، فقلب وقال: كأنما يقوم بهم القدح، كقوله: عرضت الناقة على الحوض، مبالغة في التقويم، ويجوز أن يكون تجريدًا، أي: يسوي صفوفهم تسوية السهم. قوله: (في عدوة) العدوة: شط الوادي. قوله: (وأمر عبد الله بن بجير) على المصغر والباء مقدم على الجيم، ورواية البخاري
[ ٤ / ٢٤٣ ]
وقال لهم: «انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا» (تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ): تنزلهم.
وقرأ عبد اللَّه للمؤمنين، بمعنى: تسوي لهم وتهيئ. (مَقاعِدَ لِلْقِتالِ): مواطن ومواقف، وقد اتسع في "قعد وقام" حتى أجريا مجرى "صار". واستعمل المقعد والمقام في معنى المكان. ومنه قوله تعالى: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) [القمر: ٥٥]، (قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ) [النمل: ٣٩]: من مجلسك وموضع حكمك. (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لأقوالكم (عليم) بنياتكم وضمائركم (إِذْ هَمَّتْ) بدل من (إِذْ غَدَوْتَ) أو عمل فيه معنى (سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
_________________
(١) ـ وأبي داود عن البراء: عبد الله بن جبير، قال صاحب "الجامع": هو عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري، جبير: بضم الجيم والباء الموحدة. قوله: (وقال لهم: انضحوا عنا بالنبل) أي: ادفعوا، النهاية: أنه ﷺ قال للرماة يوم أحد: "انضحوا عن الخيل، لا نؤتى من خلفنا"، أمرهم بالثبات، يقال: نضحوهم بالنبل: إذا رموهم. قوله: (عمل فيه معنى (سَمِيعٌ عَلِيمٌ» قيل: لم يقل: عمل سميع عليم؛ لأن الصفة المشبهة لا تكون في الأفعال المتعدية، ويلزم منه أن ينتصب مفعولًا به، كأنه قيل: والله يعلم إذ همت طائفتان، ويمكن أن يقال: إن قوله: (إِذْ هَمَّتْ) إذا أبدل من (وَإِذْ غَدَوْتَ) تبقى الصفتان على إطلاقهما فيحملان على الأصل، والذهاب إلى أنهما صفتان مشبهتان، وإذا جعل معمولًا لهما وجب أن يذهب إلى أنهما اسما الفاعل على المبالغة، وأما معنى قوله: "عمل فيه معنى (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) " فهو أن الأصل في العمل الفعل، وأنهما إن عملا لما فيهما من معناه، قال في قوله: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم: ٣٩]: "ذكر سيبويه فعيلًا في جملة أبنية المبالغة
[ ٤ / ٢٤٤ ]
والطائفتان: حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان. خرج رسول اللَّه ﷺ في ألف، وقيل في تسعمائة وخمسين، والمشركون في ثلاثة آلاف ووعدهم الفتح إن صبروا، فانخزل عبد اللَّه بن أبيّ بثلث الناس وقال: يا قوم، علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ ! فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري فقال: أنشدكم اللَّه في نبيكم وأنفسكم، فقال عبد الله: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فهمّ الحيان باتباع عبد اللَّه، فعصمهم اللَّه فمضوا مع رسول اللَّه ﷺ. وعن ابن عباس ﵁: أضمروا أن يرجعوا، فعزم اللَّه لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه،
_________________
(١) ـ العاملة عمل الفعل، كقولك: هذا ضروب زيدًا وضارب أخاه، ومنحار إبله، وحذر أمورًا، ورحيم أباه". قوله: (أنشدكم الله)، الجوهري: نشدت فلانًا أنشده نشدًا: إذا قلت له: نشدتك الله، أي: سألتك بالله، كأنك ذكرته إياه. قوله: (أضمروا أن يرجعوا) أي: عزموا وقصدوا، يدل عليه قوله: "والظاهر أنها ما كانت إلا همة"، أي: لم تكن عزمًا ولا قصدًا. قوله: (فعزم الله لهم على الرشد)، النهاية: في حديث أم سلمة: فعزم الله لي أي: خلق لي قوة وصبرًا. قوله: (أنها ما كانت إلا همة)، أي: ما كانت تلك الخطرة إلا ما لا تخلو النفس عنه من حديث النفس.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
كما قال عمرو بن الأطنابة:
أَقُولُ لَهَا إذَا جَشَأتْ وَجَاشَتْ: مَكَانَكِ تُحْمَدِى أوْ تَسْتَرِيحِى
حتى قال معاوية: عليكم بحفظ الشعر، فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين، فما ثبت منى إلا قول عمرو بن الأطنابة.
ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية، واللَّه تعالى يقول (وَاللَّهُ وَلِيُّهُما) ويجوز أن يراد: واللَّه ناصرهما ومتولي أمرهما، فما لهما تفشلان ولا تتوكلان على اللَّه!
_________________
(١) قوله: (أقول لها: إذا جشأت) البيت، وقبله في رواية اليميني: أبت لي عفتي وأبى بلائي … وأخذ الحمد بالثمن الربيح وإجشامي على المكروه نفسي … وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت … البيت: أبت لي قبول الضيم والبلاء، من أبلى في الحرب: إذا أظهر بأسه وجلادته، والمشيح من: شاح الرجل: جد في الأمر، وجشأت، أي: تحركت، وجاشت القدر: إذا غلت، وكل شيء يغلي فهو يجيش، حتى الهموم والغصة في الصدر، مكانك: أي: الزمي مكانك حتى تغلبي فتحمدي، أو تقتلي فتستريحي من نصب الدنيا. الإطنابة، بكسر الهمزة وسكون الطاء المهملة والنون والباء الموحدة. يخاطب نفسه على التجريد. قوله: (ويجوز أن يراد: والله ناصرهما) عطف على قوله: "ما كانت إلا همة"، يعني: لا يجوز
[ ٤ / ٢٤٦ ]
فإن قلت: فما معنى ما روي من قول بعضهم عند نزول الآية: واللَّه ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا اللَّه بأنه ولينا؟ قلت: معنى ذلك: فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء اللَّه وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمة غير المأخوذ بها - لأنها لم تكن عن عزيمة وتصميم - كانت سببًا لنزولها. والفشل: الجبن والخور. وقرأ عبد اللَّه: واللَّه وليهم كقوله: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا). [الحجرات: ٩]
_________________
(١) ـ أن تكون عزيمة بل تكون حديث نفس، لأن الله تعالى يقول: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) والله تعالى لا يكون ولي من عزم خذلان الرسول ﷺ ومتابعة عدوه عبد الله بن أبي بن سلول، ويجوز أن تكون عزيمة كما قال ابن عباس، ويكون قوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) جملة حالية مقررة للتوبيخ والاستبعاد، أي: لم وجد منهما الفشل والجبن وتلك العزيمة، والحال أن الله ﷾ بجلالته وعظمته هو الناصر يدل على التوبيخ قوله: "فما لهما تفشلان"، وعلى الأول كانت جملة معطوفة على الجملة السابقة، أخبر الله تعالى أنه كان منهم الفشل ومن الله الولاية، وإليه الإشارة بقوله: "وقد أخبرنا الله بأنه ولينا". الراغب: الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية: النصرة، والولاية: تولي الأمر، وقيل: هما واحدة كالدلالة والدلالة، وحقيقته تولي الأمر، والولي والمولى يستعملان في ذلك، وكل واحد منهما يقال في معنى الفاعل، أي: الموالي، وفي معنى المفعول، أي: الموالى، ويقال للمؤمن: هو ولي الله، ولم يرد: مولاه، ويقال: الله ولي المؤمن ومولاه. قوله: (ما روي من قول بعضهم عند نزول الآية)، وهو جابر بن عبد الله، قال: فينا نزلت:
[ ٤ / ٢٤٧ ]
_________________
(١) ـ (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)، أخرجه البخاري ومسلم. قوله: ما يسرني أنها لم تنزل، أي: ما يسرني عدم نزول الآية، والمفهوم: أن نزولها سره لما حصل لهم الشرف وثبتت الولاية، ودل ذلك على أنه سرتهم تلك الهمة، وأما رواية المصنف: "ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به" فمعناه: أن همتهم سرتهم لما نزل بسببها توقيع الولاية، وفي كلام المصنف إشعار بأن لك الهمة ما كانت عزيمة، وقول ابن عباس مرجوح. وقلت: وكلام ابن عباس ﵁ مبني على التوبيخ كما مر، وينصره قوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ) فإنه يأبى إلا أن يكون تعريضًا وتغليظًا في هذا المقام، وكذا (فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) مشتمل على تشديد عظيم، يعني: فاتقوا الله في الثبات معه، ولا تضعفوا، فإن نعمته، وهي نعمة الإسلام، لا يقابل شكرها إلا ببذل المهج وبفداء النفس والنصرة له والشهادة في سبيله، فاثبتوا معه لعلكم تدركون شكر هذه النعمة، أو: فاتقوا الله في الثبات معه والنصرة له ليحصل لكم نعمة الظفر، فتشكرونها، فوضع الشكر موضع النعمة إيذانًا بكونها حاصلة، وإليه الإشارة بقوله: "فوضع الشكر موضع الإنعام"، وكل هذه التشديدات لا ترد على حديث النفس. وأما قول جابر: نحن بنو حارثة وبنو سلمة، وامتيازه إياهما عن الغير، فلا يستقيم إلا على العزيمة، وقوله: وما يسرني أنها لم تنزل، إنما يحسن إذا حملت على العزيمة، ليفيد المبالغة، فهو على أسلوب قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) [التوبة: ٤٣].
[ ٤ / ٢٤٨ ]
(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ) ١٢٣ - ١٢٧]
أمرهم بألا يتوكلوا إلا عليه، ولا يفوّضوا أمورهم إلا إليه، ثم ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل مما يسر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حالة قلة وذلة. والأذلة: جمع قلة والذُّلان: جمع الكثرة.
_________________
(١) ـ قوله: (ثم ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل): عطف على قوله: "أمرهم بأن لا يتوكلوا إلا عليه"، وفيه إشارة إلى بيان النظم، فإن قوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ) تذييل للكلام السابق وتعريض بما صدر عن بعضهم من الفشل والخور؛ لأن قوله: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) الآية تذكير للأصحاب قلة صبرهم ومخالفة أمر رسولهم وتركهم المركز، وهو متصل بقوله: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) بدليل قوله في قصة بدر: (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ) يعني: عليكم بالصبر والتقوى، واذكروا ما جرى عليكم يوم أحد حين عدمتم الصبر والتقوى، وما منحتم يوم بدر حين صبرتم واتقيتم الله من الظفر والنصرة، هذا هو المراد من قوله: "ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل". قوله: (والأذلة: جمع قلة)، قال الزجاج: الأذلة: جمع ذليل، والأصل في فعيل إذا كان صفة أن يجمع على فعلاء، نحو ظريف وظرفاء وشريك وشركاء، لكن فعلاء اجتنبت في التضعيف، فلو قيل: في جليل وقليل، جللاء وقللاء، لاجتمع حرفان من جنس واحد، فعدل به إلى أفعلة، نحو: جريب وأجربة، وقفيز وأقفزة.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
وجاء بجمع القلة؛ ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلا. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال وقلة السلاح والمال والمركوب؛ وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوّهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس والشكة والشوكة. وبدر: اسم ماء بين مكة والمدينة، كان لرجل يسمى بدرًا؛ فسمي به (فَاتَّقُوا اللَّهَ) في الثبات مع رسوله ﷺ (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته. أو لعلكم ينعم اللَّه عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام؛ لأنه سبب له (إِذْ تَقُولُ) ظرف ل (نصركم)، على أن يقول لهم ذلك يوم بدر، أو بدل ثان من (إِذْ غَدَوْتَ) على أن يقوله لهم يوم أحد. فإن قلت. كيف يصح أن يقول لهم يوم أحد ولم تنزل فيه الملائكة؟ قلت: قاله لهم مع اشتراط الصبر والتقوى، فلم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا، حيث خالفوا أمر رسول اللَّه ﷺ،
_________________
(١) ـ قوله: (والشكة)، الجوهري: الشكة، بالكسر: السلاح، يقال: رجل شاك السلاح وشاك في السلاح، والشاك السلاح، وهو اللابس التام. قوله: (كيف؟) السؤال وارد على أن يكون (إِذْ تَقُولُ) بدلًا، أي: كيف يقول لهم يوم أحد: ألن يكفيكم إمداد ربكم بثلاثة آلاف؟ وأجاب: أن الكلام وارد على الوعد ومقارن بالشرطية، كأنه قيل: ألن يكفيكم ثلاثة آلاف إن صبرتم كما في بدر، بلى يكفيكم الله، إن زدتم على الصبر التقوى يزدكم في الإمداد، نحوه قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) [البقرة: ١١٢] أي: (بَلَى): رد لقولهم، ثم يقع (مَنْ أَسْلَمَ) كلامًا مبتدأ، ويكون (مَنْ) متضمنًا معنى الشرط، وجوابه: (فَلَهُ أَجْرُهُ). قوله: (حيث خالفوا أمر رسول الله ﷺ)، وذلك أنه ﷺ قال للرماة، وكانوا خمسين رجلًا: "إذا رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"، فهزمهم الله، أي: المشركين، فقال الرماة: الغنيمة، ظهر أصحابكم، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
فلذلك لم تنزل الملائكة ولو تموا على ما شرط عليهم لنزلت؛ وإنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر اللَّه.
ومعنى (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ): إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وإنما جيء ب"لن" الذي هو لتأكيد النفي؛ للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوّهم وشوكته كالآيسين من النصر. و(بَلى): إيجاب لما بعد "لن"، بمعنى: بل يكفيكم الإمداد بهم، فأوجب الكفاية،
_________________
(١) ـ رواه البخاري وأحمد وأبو داود، عن البراء، تخطفنا الطير، أي: تسلبنا وتطير بناء، وهو مبالغة في الهلاك. قوله: (ولو تموا) يقال: تم على الأمر: استمر عليه. قوله: (ومعنى (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ): إنكار أن لا يكفيهم)، الكواشي: أدخل همزة الاستفهام على النفي توبيخًا لهم على اعتقادهم أنهم لا ينصرون بهذا العدد، فنقلته إلى إثبات الفعل على ما كان عليه مستقبلًا فقال: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ). قوله: (كالآيسين من النصر)، وذلك أن "لن" فيها معنى رد إنكار منكر، قال: "تقول لصاحبك: لا أقيم غدًا، فإن أنكر عليك، قلت: لن أقيم غدًا"، نزلهم، لإياسهم من النصر، منزلة المنكرين.
[ ٤ / ٢٥١ ]
ثم قال (إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) يمددكم بأكثر من ذلك العدد (مسوّمين) للقتال. (وَيَاتُوكُمْ) يعنى: المشركين (مِنْ فَوْرِهِمْ هذا): من قولك: قفل من غزوته، وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبي حنيفة ﵁: الأمر على الفور لا على التراخي. وهو مصدر من: فارت القدر، إذا غلت، فاستعير للسرعة
_________________
(١) ـ قوله: (ثم قال: (إِنْ تَصْبِرُوا»، ويروى: (وإن تصبروا وتتقوا) بالواو، قيل: أتى بالعاطف مع أنه ليس في التنزيل ليؤذن بأنها مرادة، وإن لم تكن ملفوظة، إذ المعنى: بلى يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف، وإن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم بأكثر من ذلك. قلت: هذا غير مرضي، فإن التنزيل إن اقتضى العاطف فلا يجوز تركها، ولكن هذا ابتداء وعد واستئناف كلام آخر وارد على الشرط والجزاء مقيد بقيد الصبر والتقوى والزيادة في المدد وسرعة الظفر، والكلام السابق وارد على الرد على ما اعتقدوه وإنكار أن لا يكفيهم الإمداد بهذا العدد، فيكون كالتوطئة للوعد، ولهذا قال: "ثم قال: إن تصبروا" بـ "ثم" ليدل على أن بين الكلامين تراخيًا من حيث المعنى، فإذًا لا مجال لتوسيط الواو. وقال القاضي: (بَلَى): إيجاب لما بعد "لن"، أي: بلى يكفيكم، ثم وعد لهم الزيادة على الصبر والتقوى حثًا عليهما وتقوية لقلوبهم. تم كلامه. وإذا لم يكن الكلام الأول كالتوطئة لم يصح قوله: "قاله لهم مع اشتراط الصبر والتقوى عليهم، فلم يصبروا عن الغنائم"، وعلى ما قال الزاعم: المعنى: إن لم تصبروا يمددكم بثلاثة آلاف، وإن صبرتم واتقيتم يمددكم بخمسة آلاف. قوله: (قفل) أي: رجع، "ولا تعريج": ولا إقامة، "لا ريث": لا بطء. قوله: (فاستعير للسرعة)، الراغب: الفور: شدة الغليان، ويقال ذلك في النار نفسها
[ ٤ / ٢٥٢ ]
ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء من صاحبها فقيل: خرج من فوره، كما تقول: خرج من ساعته، لم يلبث، والمعنى: أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يريد: أنّ اللَّه يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم. وقرئ (منزلين) بالتشديد. ومنزلين بكسر الزاي، بمعنى: منزلين النصر؛ و(مُسَوِّمِينَ) بفتح الواو وكسرها، بمعنى: معلمين. ومعلمين أنفسهم أو خيلهم. قال الكلبي: معلمين
_________________
(١) ـ إذا هاجت، وفي القدر والغضب، قال تعالى: (وَهِيَ تَفُورُ* تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ) [الملك: ٧ - ٨]، وفلان من الحمى يفور، والفوارة: ما تقذف به القدر من فورانها، وفوارة الماء سميت تشبيهًا بغليان القدر، ويقال: فعلت كذا من فوري، أي: في غليان الحال، وقيل: سكون الأمر، قال تعالى: (وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ) [آل عمران: ١٢٥]. قوله: (وقرئ: "منزلين" بالتشديد): ابن عامر، والباقون: بالتخفيف، وبالتخفيف مع كسر الزاء: شاذ. قوله: (و(مُسَوِّمِينَ»، أي: وقرئ: (مُسَوِّمِينَ) بكسر الواو: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، وبفتحها: الباقون. قوله: (الكلبي: معلمين) صح بكسر اللام عن نسخة المصنف.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم. وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض من نواصي الدواب وأذنابها. وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم. وعن قتادة: كانوا على خيل بلق. وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك، وعن رسول اللَّه ﷺ أنه قال لأصحابه «تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت»
(وَما جَعَلَهُ اللَّهُ) الهاء ل (أن يمدكم). أي: وما جعل اللَّه إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ) كما كانت السكينة لبنى إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) لا من عند المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة، ولكن ذلك مما يقوي به اللَّه رجاء النصرة والطمع في الرحمة، ويربط به على قلوب المجاهدين الْعَزِيزِ الذي لا يغالب في حكمه (الْحَكِيمِ) الذي يعطى النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة.
(لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا): ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر،
_________________
(١) ـ قوله: (بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم)، في كتاب "الوفا"، عن ابن الجوزي، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه، قال نافع: وكان ابن عمر يفعل ذلك. قوله: (ليهلك طائفة منهم) فسر الطرف بالطائفة، وجعلها من الإشراف بحسب التركيب والمقام، أما التركيب فإن التنكير في (طَرَفًا) للتفخيم، وأما المقام فإن المقطوع طرفهم صناديد قريش، قال في "الأساس": وهو من أطراف العرب، أي: من أشرافها، وأهل بيوتاتها. وقيل: تخصيص ذكر الطرف من حيث إن أطراف الشيء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته، ولاشك أن يوم بدر هو فتح الفتوح، وفيه فل شوكة المشركين، وطلوع تباشير الظفر للمؤمنين، ومن ثم روي "هذا يوم له ما بعده".
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم. (أَوْ يَكْبِتَهُمْ): أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة. (فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ): غير ظافرين بمبتغاهم، ونحوه (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا) [الأحزاب: ٢٥] ويقال: كبته بمعنى كبده؛ إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة. وقيل في قول أبى الطيب:
لِأَكْبِتَ حَاسِدًا وَأرِى عَدُوًّا
هو من الكبد والرئة.
واللام متعلقة بقوله: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ) أو بقوله: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).
(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ١٢٨ - ١٢٩].
_________________
(١) ـ قوله: (لأكبت حاسدًا وأري عدوًا)، تمامه: كأنهما وداعك والرحيل "كأنهما"، أي: الحاسد والعدو، "وأري" بياء خالصة، يريد به الضرب على الرئة، واللام في "لأكبت" متصل بما قبله، وهو: رويدك أيها الملك الجليل … تأن وعده مما تنيل وجودك بالمقام ولو قليلًا … فما فيما تجود به قليل أي: أمهل سيرك وأخره واجعل ذلك مما تعطيه، قوله: وجودك، أي: وجد جودك بالمقام، أي: بالإقامة، ولو فعلته قليلًا، ويجوز: ولو جودًا قليلًا، يعني: أن ما كان من جهتك فهو كثير وإن قل، ثم شبه الحاسد والعدو بوداعه وارتحاله، لأنهما ينكيان في قلبه ويوجعانه.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
(أَوْ يَتُوبَ) عطف على ما قبله، و(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) اعتراض، والمعنى: أنّ اللَّه مالك أمرهم، فإما يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم. وقيل: (أو يَتُوبَ) منصوب بإضمار «أن» و«أن يتوب» في حكم اسم معطوف ب"أو" على (الأمر)، أو على (شيء)، أي: ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم. أو ليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة عليهم، أو تعذيبهم،
_________________
(١) ـ قوله: (عطف على ما قبله) أي: على قوله: (يَكْبِتَهُمْ) أي: ليكبتهم أو يتوب عليهم، و"أو" للتنويع لا للترديد. قوله: (أي: ليس لك من أمرهم شيء)، هذا على تقدير العطف على "الأمر"، فهو من عطف الخاص على العام، أي: أمورهم كلها لله تعالى وليس لك من أمورهم شيء، لا من التوبة ولا من التعذيب. قوله: (أو: ليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة عليهم، أو تعذيبهم)، هذا على تقدير العطف على "شيء"، وهو أيضًا من عطف الخاص على العام، أي: ليس لك من أمورهم شيء: لا أمر التوبة ولا أمر التعذيب، والفرق بين الوجهين: هو أنه على الأول سلب ما يتبع التوبة والتعذيب منه صلوات الله عليه بالكلية من القبول والرد والخلاص من العذاب والمنع من النجاة، وعلى الثاني: سلب نفس التوبة والتعذيب منه، يعني: لا تقدر أن تجبرهم على التوبة ولا أن تمنعهم عنها، ولا تقدر أن تعذبهم ولا أن تعفو عنهم، فإن الأمور كلها بيد الله، والمعنى مع الأول كما سنبينه إن شاء الله تعالى. ويمكن أن يقال: إن التعريف في الأمر للجنس، والمعنى: ليس لك من الأمور الإلهية شيء، وهي إما أن يهلكهم الله في الدنيا، أو يتوب عليهم فيثيبهم في الآخرة ويفلحوا، أو يمهلهم إلى أن يعذبهم فيها، وإنما أنت منذر،
[ ٤ / ٢٥٦ ]
وقيل: (أو) بمعنى «إلا أن» كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، على معنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب اللَّه عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.
وقيل: شجه عتبة ابن أبى وقاص يوم أحد، وكسر رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه، وسالم مولى أبى حذيفة يغسل عن وجهه الدم وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم، فنزلت. وقيل: أراد أن يدعو اللَّه عليهم فنهاه اللَّه تعالى؛ لعلمه أن فيهم من يؤمن. وعن الحسن: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ): بالتوبة، ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين، (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب. وعن عطاء: يغفر لمن يتوب إليه ويعذب من لقيه ظالما. وإتباعه قوله (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ) تفسير بين ل (من يشاء)،
_________________
(١) ـ إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب. "أو" للعهد، والإشارة باللام إلى معنى قوله ﷺ: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " وسلب الفلاح عنهم يؤذن بالموت على الكفر، وسبب النجاة في الآخرة، وذلك ليس إليك. ويدخل هذا المعنى في الوجه الأول دخولًا أوليًا. قوله: (وقيل: شجه)، الحديث من رواية الشيخين والترمذي، عن أنس، أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عن وجهه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته"، وهو يدعوهم إلى الله تعالى؟ " فأنزل الله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ) الآية. سلت الدم، أي: أماطه. قوله: (وإتباعه) هو مبتدأ مضاف إلى الفاعل، وقوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) مفعول أول، و(أَوْ يُعَذِّبَهُمْ): مفعول ثان، وقوله: "تفسير" خبر المبتدأ، يعني: لما ذكر الله تعالى: (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
[ ٤ / ٢٥٧ ]
_________________
(١) فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) بعد قوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) علم ما المراد بقوله: (مَنْ يَشَاءُ) يعني: (مَنْ يَشَاءُ) في الموضعين مطلق، قيد الأول بالتائبين والثاني بالظالمين. وقلت: هذا لعمري تعويج عن المحجة، وتعريج عن المستقيم، وفسر للقرآن بالرأي، ومفسره داخل تحت وعيد قوله صلوات الله عليه: "من قال في كتاب الله برأيه، فأصاب، فقد أخطأ". أخرجه الترمذي وأبو داود. والحق الذي لا محيد عنه: أن هذا معاتبة من الله لرسوله صلوات الله عليه على تعجيله في القول برفع الفلاح عن القوم يوم أحد، كما أن قوله: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا) معاتبة على أصحابه رضوان الله عليهم، وتعيير لهم بالفشل، ويدل على أن هذا معاتبة ما روينا أنه قال حين كسر رباعيته وشج في وجهه: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " أي: لن يفلحوا أبدًا، فرد بقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ)، كيف تستبعد الفلاح وبيد الله أزمة أمور ما في السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء؟ وليس لك من الأمر إلا التفويض والرضا بما قضى، فهؤلاء إن استوجبوا العذاب بما فعلوا بك فبمشيئة الله لا بمشيئتك، وإن استحقوا الغفران بأن يتوب عليهم فبإرادته ﷾ لا بإرادتك، فقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) تأكيد لقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) وتذييل له، وقوله: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) تقرير معنى التذييل على سبيل الاستئناف بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث، فالغفران والتعذيب عامان لا يخصصان. نعم، يدخل هؤلاء فيه دخولًا أوليًا، وقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تتميم مناد على أن جانب الرحمة راجح على جانب العذاب، وفي قوله: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) تتميم لأمر التعذيب وإدماج لرجحان المغفرة، يعني: سبب التعذيب كونهم ظالمين، وإلا فالرحمة مقتضية للغفران، انظر إلى
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وأنهم المتوب عليهم، أو الظالمون، ولكن أهل الأهواء والبدع يتصامون ويتعامون عن آيات اللَّه فيخبطون خبط عشواء، ويطيبون أنفسهم بما يفترون على ابن عباس من قولهم: يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *) ١٣٠ - ١٣٢].
(لا تَاكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً): نهى عن الربا مع توبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه؛ كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل؛ فاستغرق بالشيء الطفيف مال المديون
_________________
(١) هذا النظم الأنيق والترتيب السوي، وأعجب بمن يفككه بالتقديم والتأخير ويقول: "يتصامون ويتعامون عن آيات الله فيخبطون خبط عشواء" عفا الله عنه. قال القاضي: قوله: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) صريح في نفي وجوب التعذيب، والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له، والله غفور رحيم لعباده، فلا تبادر إلى الدعاء عليهم. قوله: (نهي عن الربا مع توبيخ بما كانوا عليه) الباء: صلة "توبيخ"، أي: وبخهم به، يريد أن قوله: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) قيد للنهي بحسب ما كانوا عليه، لا للنهي مطلقًا، ليستدل بالمفهوم على أن الربا بدون القيد جائز، ولهذا قال: "كان الرجل منهم إذا بلغ الدين .. " إلى آخره، نهاهم أولًا عن الربا، ثم وبخهم على التضعيف، ثم نعى عليهم بالمضاعفة، فدل على النعي بالتنكير في توبيخ. قال مكي: (أَضْعَافًا): حال، أي: مضاعفًا، و(مُضَاعَفَةً): نعته.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
(وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) كان أبو حنيفة ﵀، يقول: هي أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد اللَّه المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه. وقد أمدّ ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله. ومن تأمّل هذه الآية وأمثالها لم يحدث نفسه بالأطماع الفارغة والتمني على اللَّه تعالى، وفي ذكره تعالى «لعلّ» و«عسى» في نحو هذه المواضع - وإن قال الناس ما قالوا - ما لا يخفى على العارف الفطن من دقة مسلك التقوى، وصعوبة إصابة رضا اللَّه، وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه.
_________________
(١) ـ قوله: (كان أبو حنيفة ﵀ يقول: هي أخوف آية في القرآن)، يعني: كان من مقتضى الظاهر أن يقال: واتقوا النار التي أعدت لآكلي الربا، فوضع موضعه (لِلْكَافِرِينَ) تغليظًا على المؤمنين، أي: هذه الصفة مؤدية إلى الكفر لأنها مما لا يكتسي بها إلا الكافرون، أو تعريضًا بهم، أي: هذه الصفة من صفات الكافرين فلا تتصفوا بها. قال القاضي في قوله: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ): تنبيه على أن النار بالذات معدة للكفار وبالعرض للعصاة. قوله: (وقد أمد ذلك بما أتبعه) أي: أتبعه إياه، فحذف المفعول الثاني، وهو عائد إلى ذلك، يريد أن قوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) تتميم لذلك المعنى ومبالغة فيه؛ لأن (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) مطلق صالح لكل ما يسمى طاعة، نحو: فلان يعطي ويمنع إما بإجراء المتعدي مجرى اللازم، وإما بحذف المفاعيل، أي: لم يقل في أي شيء أطاعوهما لئلا يقتصر على المذكور، وإليه الإشارة بقوله: "بتوفرهم على طاعته". قوله: (وفي ذكره تعالى) خبر، والمبتدأ: "ما لا يخفى"، وقوله: "وإن قال الناس ما قالوا" اعتراض، وفي كلامه تعصب لمذهبه، فيقال: ما المانع عن حمل "لعل" على القطع مجازًا كما
[ ٤ / ٢٦٠ ]
(وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ١٣٣ - ١٣٧]
في مصاحف أهل المدينة والشام (سارعوا) بغير واو. وقرأ الباقون بالواو. وتنصره قراءة أبىّ وعبد اللَّه: (وسابقوا). ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يستحقان به (عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) أي: عرضها عرض السموات والأرض، كقوله: (عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) [الحديد: ٢١] والمراد وصفها بالسعة والبسطة،
_________________
(١) ذكرت في أول "البقرة"؟ فمن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا: عسى ولعل، فإذا عثروا على ذلك لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب، سيما وقد عقب بالترغيب البليغ، وهو: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ) الآيات. قوله: ("سارعوا" بغير واو): نافع وابن عامر، قلت: الفصل للاستئناف، كأنه قيل: كيف نطيعهما؟ فقيل: سارعوا إلى ما تستحق به المغفرة بالإسلام والتوبة والإخلاص، وكل ما يتقرب به إلى جنة هذه صفتها، والوصل على أنه عطف تفسيري.
[ ٤ / ٢٦١ ]
فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه. وخص العرض؛ لأنه في العادة أدنى من الطول؛ للمبالغة، كقوله: (بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) [الرحمن: ٥٤]. وعن ابن عباس ﵁: كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ): في حال الرخاء واليسر وحال الضيقة والعسر، لا يخلون بأن ينفقوا في كلتا الحالتين ما قدروا عليه من كثير أو قليلـ كما يحكي عن بعض السلف: أنه ربما تصدّق ببصلة. وعن عائشة ﵂: أنها تصدّقت بحبة عنبـ أو في جميع الأحوال؛ لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرّة، لا تمنعهم حال فرح وسرور، ولا حال محنة وبلاء، من المعروف. وسواء عليهم كان الواحد منهم في عرس أو في حبس، فإنه لا يدع الإحسان، وافتتح بذكر الإنفاق؛ لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص؛ ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال؛ للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين.
كظم القربة: إذا ملأها وشد فاها، وكظم البعير: إذا لم يجتر. ومنه كظم الغيظ، وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثرا. وعن النبي ﵌» من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللَّه قلبه أمنا وإيمانًا» وعن عائشة ﵂: أن خادمًا لها غاظها فقالت: للَّه درّ التقوى، ما تركت،
_________________
(١) قوله: (بأوسع ما علمه الناس): تنبيه أن ذلك مما لا يقاس بشيء، ولكن ذهب فيه إلى المذهب المتعارف، على نحو قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ) [هود: ١٠٧]. قوله: (كقوله تعالى: (بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) [الرحمن: ٥٤]) قال: من ديباج ثخين، وإذا كانت البطائن من الإستبرق فما ظنك بالظهائر؟ قوله: (إذا لم يجتر)، الجوهري: اجتر البعير: من الجرة، وكل ذي كرش مجتر. قوله: (من كظم غيظًا)، الحديث من رواية الترمذي وأبي داود وابن ماجة، عن سهل ابن سعد، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من كظم غيظًا وهو يقدر أن ينفذه دعاه الله
[ ٤ / ٢٦٢ ]
لذي غيظ شفاء. (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه. وروي «ينادى مناد يوم القيامة: أين الذين كانت أجورهم على اللَّه فلا يقوم إلا من عفا» وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل، فخلاه. وعن النبي ﷺ: «إن هؤلاء في أمّتي قليل إلا من عصم اللَّه، وقد كانوا كثيرًا في الأمم التي مضت (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ): يجوز أن تكون اللام للجنس؛ فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورين. وأن تكون للعهد؛ فتكون إشارة إلى هؤلاء (وَالَّذِينَ): عطف على المتقين، أي: أعدت للمتقين وللتائبين. وقوله: (أُولئِكَ) إشارة إلى الفريقين. ويجوز أن يكون (والذين) مبتدأ خبره (أولئك) (فاحِشَةً) فعلة متزايدة القبح
_________________
(١) على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء". النهاية: كظم الغيظ: تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه. قوله: (لذي غيظ شفاء) جعلت ﵂ الانتقام شفاء للغيظ تنبيهًا على أن الغيظ مرض، لأنه عرض نفساني يجده الإنسان عند غليان دم قلبه، تريد أن المتقي إذا كظم غيظه لا يمرض قلبه فلا يحتاج على التشفي، أي: لا غيظ له حتى يتشفى بالانتقام، كقوله تعالى: (لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) [البقرة: ٢٧٣]. قوله: «وَالَّذِينَ) مبتدأ)، قال أبو البقاء: (الَّذِينَ): مبتدأ، و(أُوْلَئِكَ): مبتدأ ثان، و(جَزَاؤُهُمْ): ثالث و(مَغْفِرَةٍ): خبر الثالث، والجميع خبر (الَّذِينَ)، و(ذَكَرُوا): جواب (إِذَا)، و(مَن): مبتدأ و(يَغْفِرُ): خبره، و(إِلاَّ اللَّهُ) فاعل (يَغْفِرُ) أو: بدل من المضمر فيه، وهو الوجه، لأنك إذا جعلت (اللَّهُ) فاعلًا احتجت إلى تقدير ضمير، وقال القاضي: (مَن) استفهام بمعنى النفي.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
(أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ): أي: أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذون به. وقيل: الفاحشة: الزنا، وظلم النفس: ما دونه؛ من القبلة واللمسة ونحوهما. وقيل: الفاحشة: الكبيرة. وظلم النفس: الصغيرة (ذَكَرُوا اللَّهَ): تذكروا عقابه، أو وعيده، أو نهيه، أو حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء منه (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ): فتابوا عنها لقبحها نادمين عازمين (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة، وإنّ التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه، وأنّ عدله يوجب المغفرة للتائب؛
_________________
(١) قوله: (وجلاله الموجب للخشية والحياء منه)، وأحسن منه قول السجاوندي ﵀: (ذَكَرُوا اللَّهَ): ذكروا جماله فاستحيوا، أو جلاله فهابوا، وأنشدوا: أشتاقه فإذا بدا … أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة … وصيانة لجماله قوله: «وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ) وصف لذاته بسعة الرحمة)، اعلم أن المصنف سلك بهذا التركيب في هذا المقام مسلكًا عجيبًا، وخرج به تخريجًا غريبًا قلما تذهب إليه الأذهان إلا من ريض نفسه في علم البيان وتمرن في الأصول، فنقول: المصنف ساق كلامه أولًا في بيان ما يقتضي التركيب من الخواص بدلالة عبارته من جهة المولى، ثم ثنى إلى بيان ما يقتضيه بدلالة إشارته من جهة العبد، أما الأول فعلى وجوه: أحدها: دلالة اسم الذات بحسب ما يقتضيه هذا المقام من معنى الغفران الواسع، وإيراد التركيب على صيغة الإنشاء دون الإخبار، بأن لم يقل: وما يغفر الذنوب إلا الله تقرير لذلك المعنى وتأكيد له، كأنه قيل: هل تعرفون أحدًا يقدر على عفو الذنوب كلها صغيرها
[ ٤ / ٢٦٤ ]
_________________
(١) ـ وكبيرها، سالفها وغابرها، غير من وسعت رحمته كل شيء؟ وفي نقيضه قال صاحب "المفتاح": في قراءة (من فرعون) على الاستفهام: من فرعون، هل تعرفون من هو في فرط عتوه وشدة شكيمته وتفرعنه، ما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله؟ . ويعضد ما قلناه قوله في آخر هذه السورة في قوله: (لإٍلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) [آل عمران: ١٥٨]: "لإلى الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون". وثانيها: تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقره، فإنه اعترض بين المبتدأ والخبر ثم بين المعطوف والمعطوف عليه، أي: فاستغفروا، ولم يصروا، للدلالة على شدة الاهتمام به والتنبيه على أنه كما وجد الاستغفار لم يتخلف عنه الغفران، وهو المراد بقوله: "وقرب المغفرة". وثالثها: الإتيان بالجمع المحلى بلام التعريف إعلامًا بأن التائب إذا تقدم بالاستغفار يتلقى بغفران ذنوبه كلها فيصير كمن لا ذنب له. ورابعها: دلالة الحصر بالنفي والإثبات على أن لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه، وذلك أن من وسعت رحمته كل شيء لا يشاركه أحد في نشرها كرمًا وفضلًا. وخامسها: إسناد غفران الذنوب إلى نفسه وإثباته لذاته المقدس بعد وجود الاستغفار، وتنصل عبيده يدل على وجود ذلك قطعًا إما بحسب الوعد عندنا أو العدل عندهم، وفي ذكر العدل بعد الفضل لطيفة، وأما النظر من جهة العبد باعتبار دلالة إشارة النص، وهو المراد بقوله: "وفيه تطييب النفوس"، إلى آخره، ففيه وجوه أيضًا. أحدها: أن في إبداء سعة الرحمة واستعجال المغفرة بشارة عظيمة وتطييبًا للنفوس. وثانيها: أن العبد إذا نظر إلى هذه العناية الشديدة والاهتمام العظيم في شأن التوبة
[ ٤ / ٢٦٥ ]
لأن العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه؛ وجب العفو والتجاوز. وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها،
_________________
(١) ـ يتحرك نشاطه ويهز عطفه فلا يتقاعد عنها، ومن ثم لم تمكث توبة وحشي ﵁ عند سماع (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) [الزمر: ٥٣] وإليه الإشارة بقوله: "وبعث عليها". وثالثها: أن في ضمن معنى الاستغراق قلع الإياس والقنوط، ولهذا علل ﷾ النهي عن الإقناط في قوله: (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا). ورابعها: أطلقت الذنوب وعممت بعد ذكر الفاحشة وظلم النفس، وترك مقتضى الظاهر ليدل به على عدم المبالاة في الغفران، وأن الذنوب وإن جلت فعفوه أعظم. وخامسها: أن الاسم الجامع في تركيب قوله: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ) كما دل على سعة الغفران بحسب المقام يدل أيضًا مع شهادة أداة الحصر على أنه تعالى وحده معه مصححات المغفرة من كونه عزيزًا ليس أحد فوقه ليرد عليه حكمه، وكونه حكيمًا يغفر لمن تقتضي حكمته غفرانه على رأي المصنف، وإليه ينظر قوله تعالى حكاية عن المسيح ﵇: (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: ١١٨]، قال المصنف: " (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) القوي القادر على الثواب والعقاب (الْحَكِيمُ) الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب". قوله: (والتنصل)، الجوهري: التنصل: التبرؤ من الذنب، يقال: تنصل فلان من ذنبه: إذا تبرأ منه.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
وردع عن اليأس والقنوط؛ وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم، والمعنى: أنه وحده معه مصححات المغفرة. وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه (وَلَمْ يُصِرُّوا) ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين. وعن النبي ﷺ «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرّة» وروي «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» (وهُمْ يَعْلَمُونَ): حال من فعل الإصرار وحرف النفي منصب عليهما معًا. والمعنى: وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهى عنها والوعيد عليها، لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح
_________________
(١) ـ قوله: (غير مستغفرين) هو حال من الضمير في (يُقِيمُوا)، والجملة تفسير لقوله: (وَلَمْ يُصِرُّوا). قوله: (ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة) أخرجه الترمذي وأبو داود عن أبي بكر الصديق ﵁، إلا أن أبا داود قال: "ولو فعله"، والترمذي: "ولو عاد". قوله: (وحرف النفي منصب عليهما معًا) يريد أن هؤلاء المستغفرين إذا صدر عنهم ذنب في أثناء توبتهم تداركوا بالاستغفار، وإن صدر عن السهو والغفلة لا يضرهم ولا يخرجهم عن حكم قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ)؛ لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح، وفيه أن من أصر على الذنوب وهو عالم بها ولا يتلافى بالاستغفار خارج من هذا الوعد، وإليه الإشارة بقوله: "وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين". وقال الإمام: يجوز أن يكون المراد من قوله: (يَعْلَمُونَ) العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز من الفواحش، فيجري مجرى قوله ﷺ: "رفع القلم عن ثلاث".
[ ٤ / ٢٦٧ ]
وفي هذه الآيات بيان قاطع أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متقون، وتائبون، ومصرّون، وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرّين، ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه
_________________
(١) قوله: (فقد كابر عقله، وعاند ربه)، قال صاحب "الفرائد": دلت الآية على أن غير المصر يجب في الحكمة أن تغفر ذنوبه ويدخل الجنة، وأما المصر فالآية تدل على أن لا تغفر ذنوبه ولا يدخل الجنة، ومن عدم الدليل لا يلزم عدم المدلول، أراد بهذا إثبات مذهبه الذي هو أن العاصي المصر يبقى في النار خالدًا، من غير دليل، فالمكابرة والمعاندة من جانبه، وقال القاضي: ولا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاءً لهم أن لا يدخلها المصرون، كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم. وقلتـ والله أعلمـ: قوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) [آل عمران: ١٣١ - ١٣٢] خطاب لآكلي الربا من المؤمنين ردعًا لهم عن الإصرار إلى ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين، وتحريضًا على التوبة والمسارعة إلى نيل درجات الفائزين من المتقين والتائبين، فإدراج المصرين في هذا المقام بعيد المرمى؛ لأنه إغراء وتشجيع على الذنب لا زجر وترهيب، وكان أصل الكلام أن يقال: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة واتقوا النار التي أعدت للكافرين، وارغبوا في الجنة التي أعدت للمتقين، فبين بالآيات معنى المتقين للترهيب والترغيب، ومزيد تصوير مقامات الأولياء ومراتبهم ليكون حثًا لهم في الانخراط في سلكهم، ولابد من ذكر التائبين واستغفارهم وعدم الإصرار ليكون لطفًا بهؤلاء، وجميع الفوائد التي ذكرها في قوله: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ) تدخل في المعنى، فعلم من هذا أن دلالة مفهوم قوله: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) - كما قالـ مهجور؛ لأن مقام التحريض والحث أخرج المصرين، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
قال (أَجْرُ الْعامِلِينَ) بعد قوله: (جَزاؤُهُمْ)؛ [آل عمران: ٨٧] لأنهما في معنى واحد، وإنما خالف بين اللفظين؛ لزيادة التنبيه على أنّ ذلك جزاء واجب على عمل وأجر مستحق عليه، لا كما يقول المبطلون. وروى أنّ اللَّه ﷿ أوحى إلى موسى: «ما أقلّ حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي؟ !
_________________
(١) ـ قوله: (لا كما يقول المبطلون)، قال صاحب "الفرائد": هذا مآل مذهبه، وهو أن الجزاء واجب على الله تعالى من غير دليل؛ لأن الآية إنما تدل على أن العاملين يجازون بعملهم، فأما الوجوب على الله فغير مستفاد منها أصلًا، وقال القاضي: كفاك فارقًا بين القبيلين أنه فصل آيتهم، أي: قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ) بأن بين أنهم محسنون مستوجبون لمحبة الله لأنهم حافظوا على حدود الشرع وتخطوا إلى التخصيص بمكارمه، وفصل آية هؤلاءـ أي: الذين إذا فعلوا فاحشةـ بقوله: (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران: ١٣٦]؛ لأن المتدارك للتقصير كالعامل لتحصيل ما فوت على نفسه، وكم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير، ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذه النكتة. وقلت: مآل كلام القاضي أن اختصاص ذكر الأجر لمقتضى المقام وإلا فلم خولف بين الجزاءين والمتقون أيضًا عاملون؟ ثم في قوله: (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) وجوه من المحسنات، أحدها: أنها كالتذييل للكلام السابق فيفيد مزيد تأكيد للاستلذاذ بذكر الوعد، وثانيها: في إقامة الأجر موضع ضمير الجزاء، وحذف ضمير الجزاء لأن الأصل: ونعم جزاؤهم هو إيجاب إنجاز هذا الوعد، وتصوير صورة العمل والعمالة تنشيطًا للعامل، وثالثها: في تعميم (الْعَامِلِينَ) وإقامته مقام الضمير الدلالة على حصول المطلوب للمذكورين بطريق برهاني.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة. وعن الحسن:
يقول اللَّه تعالى يوم القيامة «جوزوا الصراط بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم» وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد:
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا إنّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِى عَلَى اليَبَسِ
والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: ونعم أجر العاملين ذلك، يعنى المغفرة والجنات. (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) يريد ما سنه اللَّه في الأمم المكذبين من وقائعه، كقوله: (وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) [الأحزاب: ٦١ - ٦٢]، (ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا*سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ) [الفتح: ٢٢ - ٢٣].
(هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ١٣٨ - ١٣٩].
(هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ): إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب،
_________________
(١) قوله: (شهر بن حوشب)، في "الجامع": هو تابعي شامي سكن البصرة. قوله: (ترجو النجاة) البيت قبله: ما بال نفسك ترضى أن تدنسها … وثوب نفسك مغسول من الدنس أي: ما بالك ترضى بدنس نفسك ولا ترضى بدنس ثوبك؟ ومنه ما روي: عبدي، طهرت منظر الخلق سنين، وما طهرت منظري ساعة.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
يعني: حثهم على النظر في سوء عواقب المكذبين قبلهم، والاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم. (وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) يعنى: أنه مع كونه بيانا وتنبيهًا للمكذبين فهو زيادة تثبيت وموعظة للذين اتقوا من المؤمنين
_________________
(١) ـ قوله: (حثهم على النظر في سوء عواقب المكذبين قبلهم)، وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أن تلك الآيات واردة في الترهيب والترغيب لآكلي الربا، لأن المخاطبين بقوله: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ) هم الذين سبق خطابهم بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا)، وذلك أنه تعالى بعد ما حذرهم عن النار المعدة للكافرين، وأمرهم بالمسارعة إلى نيل درجات الفائزين، بين لهم سوء عاقبة من كذب الأنبياء في ترهيبهم وترغيبهم، أي: إنذارهم وبشارتهم؛ لأنهم ما بعثوا إلا لهما، فعلى هذا قوله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) إشارة إلى ما لخص للمخاطبين من الترهيب والترغيب والبحث، وقوله: (قَدْ خَلَتْ) إلى قوله: (وَلا تَهِنُوا) كالتخلص من قصة آكلي الربا التي استطردت لذكر المحاربة إلى ما أجرى الكلام له من مجاهدة الكفار، وهذا أولى من جعلها معترضة؛ لأنها توجب أن تجعل الآيات كلها موافقة لها، لأن المعترضة مؤكدة للمعترض فيه بأن يقال: إن تلك الآيات دلت على الترهيب والترغيب، وهذه الآية دلت على الترهيب، ومعنى الترهيب راجع إلى الترغيب بحسب التضاد، كما أن بعض الآيات الواردة في الرحمن للوعيد تعد من الآلاء بحسب الزجر عن المعاصي، وذلك تعسف. قوله: (مع كونه بيانًا وتنبيهًا للمكذبين) إشارة إلى أن المراد بالناس: المكذبون المخاطبون بقوله: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ)، لا الذين سبق ذكرهم، والأولى أن يراد به الجنس، أي: بيان لجميع الناس، لكن المنتفع به المتقون لأنهم يهتدون به وينتجعون بوعظه.
[ ٤ / ٢٧١ ]
ويجوز أن يكون قوله: (قَدْ خَلَتْ) جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق به ما ذكر من أجر العاملين، ويكون قوله: (هذا بَيانٌ) إشارة إلى ما لخص وبين من أمر المتقين والتائبين والمصرّين. (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا): تسلية من اللَّه سبحانه لرسوله ﷺ وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد، وتقوية من قلوبهم،
_________________
(١) قوله: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا) تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد)، هذا يؤذن أن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) إلى آخر الآيات مستطردة بين القصة، وسلوك طريقة النظم فيها صعب، ولهذا قال الإمام: من الناس من قال: إنه تعالى لما شرح عظيم نعمته على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد، أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي، والترغيب والتحذير، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا)، فعلى هذا تكون الآية ابتداء كلام لا تعلق لها بما قبلها، وقال القفال: يحتمل أن يكون متصلًا بما تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالًا جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعيًا للمسلمين على الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوا على العساكر فيتمكنوا من الانتقام منهم، فلا جرم نهاهم الله تعالى عن ذلك؟ . والذي نقولـ والعلم عند اللهـ: إنه تعالى لما عاتب رسوله صلوات الله عليه بقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) أتبعه قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا) بمعنى أنك ما بعثت أن تتصرف في الأمور الإلهية كما سبق في موضعه، ولكنك عبد مبعوث للإنذار والبشارة، وهؤلاء الكفار أمرهم في التوبة أو التعذيب إلى مالكهم، وما كان عليك سوى الإنذار، فقد أنذرتهم وبذلت وسعك فيه، ففوض أمورهم إلى الله: إن شاء تاب عليهم وإن شاء عذبهم، وانثن بالإنذار إلى أصحابك
[ ٤ / ٢٧٢ ]
يعني: ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم، أي: لا يورثنكم ذلك وهنا وجبنا، ولا تبالوا به، ولا تحزنوا على من قتل منكم وجرح (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ): وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب؛ لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد. أو: وأنتم الأعلون شأنا؛ لأنّ قتالكم للَّه ولإعلاء كلمته، وقتالهم للشيطان لإعلاء كلمة الكفر؛ ولأنّ قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار. أو هي بشارة لهم بالعلو والغلبة، أي: وأنتم الأعلون في العاقبةَ، (إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) [الصافات: ١٧٣]، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) متعلق بالنهي، يعني: ولا تهنوا إن صح إيمانكم، على أن صحة الإيمان توجب قوة القلب، والثقة بصنع اللَّه، وقلة المبالاة بأعدائه؛ أو ب (الأعلون)، أي: إن كنتم مصدّقين بما يعدكم اللَّه ويبشركم به من الغلبة
_________________
(١) ـ في أمر عظيم ارتكبوه وهو محاربتهم مع الله في أمر الربا، قال الله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة: ٢٧٩]، فأرهبهم بالنار ليحترزوا عن الربا، ورغبهم في الجنة وأمرهم بالاعتبار والنظر في عاقبة المكذبين، وبين لهم البيان الشافي، ثم مع ذلك كله لا يكن منك ولا من أصحابكم ضعف ووهن في الجهاد، ولا يورثنكم ما أصابكم حزنًا في هذه الوقعة؛ لأن حالكم أعلى من حال الكفرة، لأن قتالكم: لله ولإعلاء كلمته، وقتالهم: للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر، والله أعلم. قوله: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ): متعلق بالنهي) أي: تتميم له كالتعليل، لأن الخطاب مع رسول الله ﷺ والمؤمنين من الصحابة الكرام تسلية لما أصابهم يوم أحد، فلا جائز أن يجري على حقيقة الشرط. قال المصنف في قوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) إلى قوله: (إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا) [الممتحنة: ١]: " (إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ) متعلق بـ (لا تَتَّخِذُوا) أي: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي"، أيك لأجل أنكم أوليائي"، إذ المجاهد من الصحابة لا يكون إلا وليًا، ثم قال: "وقول النحويين في مثله: هو شرط جوابه محذوف". وسيجيء الكلام فيه في "الممتحنة" مستقصى إن شاء الله تعالى.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) ١٤٠ - ١٤١].
قرئ: (قرح) بفتح القاف وضمها، وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل: هو بالفتح: الجراح، وبالضم ألمها. وقرأ أبو السمال (قرح) بفتحتين. وقيل القرح والقرح كالطرد والطرد. والمعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال، فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه (فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَما تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) [النساء: ١٠٤] وقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول اللَّه ﷺ. فإن قلت: كيف قيل (قَرْحٌ مِثْلُهُ) وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلت: بلى كان مثله، ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ). [آل عمران: ١٥٢]
(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ) تلك مبتدأ، و(الأيام) صفته. و(نُداوِلُها) خبره، ويجوز أن يكون (تِلْكَ الْأَيَّامُ)
مبتدأ وخبرًا،
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: (قَرْحٌ» بضم القاف: حمزة والكسائي وأبو عمرو، وبفتحها: الباقون. قوله: (هو بالفتح: الجراح)، الجوهري: الجراح: جمع جراحة بالكسر. قوله: (فكيف قيل: (قَرْحٌ مِثْلُهُ)؟)، هذا السؤال وارد على أن ذلك جرى يوم أحد.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
كما تقول: هي الأيام تبلي كل جديد. والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة. (نداولها): نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كقوله، وهو من أبيات "الكتاب":
فَيَوْمًا عَلَيْنَا وَيَومًا لَنَا وَيَوْمًا نُسَاءُ وَيَوما نُسَرّ
_________________
(١) قوله: (هي الأيام) قيل: هي: ضمير مبهم فسر بقوله: الأيام، ومثله: ربه رجلًا، وليس ضمير الشأن قال أبو البقاء: (تِلْكَ): مبتدأ، و(الأَيَّامُ): خبره، و(نُدَاوِلُهَا): حال، والعامل فيها معنى الإشارة، ويجوز أن تكون (الأَيَّامُ) بدلًا أو عطف بيان، و(نُدَاوِلُهَا): الخبر. والمبتدأ والخبر، هو الوجه، فتلك إشارة إلى شيء مبهم لا يدرى ما هو؟ فيفسر بالأيام، وقريب منه قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]. قال المصنف: قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده، وأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه كما تقول: هذا أخوك. قوله: (نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء)، الراغب: الدَّولة والدُّولة واحدة، وقيل: الدولة بالضم: في المال، وبالفتح: في الحرب والجاه، وقيل: الضم: اسم الشيء الذي يتداول بعينه، قال تعالى: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [الحشر: ٧]، والفتح: المصدر، يقال: تداول القوم كذا، أي: تناولوه من حيث الدولة. قوله: (فيومًا علينا) البيت، وقبله: فلا وأبي الناس لا يعلمون … فلا الخير خير ولا الشر شر
[ ٤ / ٢٧٥ ]
ومن أمثال العرب: "الحرب سجال". وعن أبى سفيان: أنه صعد الجبل يوم أحد، فمكث ساعة ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللَّه ﷺ، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر. فقال أبو سفيان يوم بيوم والأيام دول، والحرب سجال. فقال عمر ﵁: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال: إنكم تزعمون ذلك فقد خبنا إذا وخسرنا. والمداولة مثل المعاورة،
_________________
(١) نساء: من سيء فلان: أصيب بسوء، أي: حزن، ومنه قوله تعالى: (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الملك: ٢٧] ولا: لتأكيد القسم، أي: أقسم بأبي البشر، وهو آدم ﵇. قوله: (الحرب سجال)، قالا لميداني: المساجلة إنما تكون من جري أو سقي، وأصله من السجل: الدلو فيها ماء قل أو كثر، ولا يقال لها ذلك وهي فارغة، وقال أبو سفيان يوم أحد بعدما وقعت الهزيمة على المسلمين: يوم بيوم، والحرب سجال، والحديث على غير ما رواه المصنف في "صحيح البخاري"، و"مسند أحمد بن حنبل"، و"سنن أبي داود"، عن البراء بن عازب. قوله: (ابن أبي كبشة)، النهاية: كان المشركون ينسبون النبي ﷺ إلى أبي كبشة، وهو رجل من خزاعة خالف قريشًا في عبادة الأوثان، شبهوه به، وقيل: إنه كان جد النبي ﷺ من قبل أمه، فأرادوا أنه نزع في الشبه إليه. قوله: (فقد خبنا إذًا وخسرنا): تهكم منه. قوله: (والمداولة مثل المعاورة)، النهاية: يقال: تعاور القوم فلانًا: إذا تعاونوا عليه بالضرب واحدًا بعد واحد.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
وقال:
يَرِدُ المِيَاهَ فَلَا يَزَالُ مُدَاوِلا فِي النَّاسِ بَيْنَ تَمَثُّلٍ وَسَمَاعِ
يقال: داولت بينهم الشيء فتداولوه (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا): فيه وجهان: أحدهما أن يكون المعلل محذوفًا، معناه: وليتميز الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف، فعلنا ذلك، وهو من باب التمثيل، بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت، وإلا فاللَّه ﷿ لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها. وقيل: معناه وليعلمهم علمًا يتعلق به الجزاء،
_________________
(١) ـ قوله: (يرد المياه)، قبله: فلأهدين مع الرياح قصيدة … مني محبرة إلى القعقاع محبرة، أي: قصيدة حسنة غراء، ومعناه: لأهدين إلى هذا الرجل قصيدة غراء متداولة بين الناس يتمثلون بها وينشدونها في القبائل، ولأنهم كانوا ينزلون عند المياه قال: يرد المياه، وفي المثل: أسير من شعر، لأنه يرد الأخبية ويلج الأندية. قوله: (وإلا فالله ﷿ لم يزل عالمًا) أي: الواجب أن يحمل على التمثيل، فإنه عن لم يحمل عليه يلزم ذلك المحذور، وذلك باطل؛ لأن الله ﷿ لم يزل عالمًا بالأشياء قبل كونها، فالفاء فصيحة. قوله: (وليعلمهم علمًا يتعلق به الجزاء)، قال الزجاج: المعنى: ليقع ما علمناه غيبًا مشاهدة للناس ويقع منكم، وإنما تقع المجازاة على ما علمه الله من الخلق وقوعًا، لا على ما لم يقع، وقال أيضًا في قوله: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ) [آل عمران: ١٥٤]
[ ٤ / ٢٧٧ ]
وهو أن يعلمهم موجودًا منهم الثبات. والثاني أن تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه، معناه:
وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت، (وليعلم اللَّه). وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة؛ ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم أن العبد يسوؤه ما يجرى عليه من المصائب، ولا يشعر أنّ للَّه في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه. (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ): وليكرم ناسا منكم بالشهادة،
_________________
(١) أي: ليختبره بأعمالكم؛ لأنه قد علمه غيبًا فيعلمه شهادة، لأن المجازاة تقع على ما علم مشاهدة، أعني: على ما وقع من عامليه، لا على ما هو معلوم منهم. قوله: (موجودًا منهم الثبات) الثبات: مفعول أقيم مقام الفاعل، لقوله: "موجودًا". قوله: (وفعلنا ذلك) "ذلك": إشارة إلى قوله: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا) [آل عمران: ١٤٠]، فالمعلل مذكور، وإحدى العلل محذوفة على عكس الأول، وفائدة الحذف: التعميم. فإن قلت: فلم قدر المعلل في الوجه الأول متأخرًا؟ قلت: ليفيد ضربًا من التخصيص، أي: ما فعلت تلك المداولة إلا لمثل هذه الأغراض، فإن أفعال الله عندهم معللة بالغرض، وعند أهل السنة هذا من باب التمثيل. قوله: (وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت)، أي: سلطناهم عليكم لرفع درجاتكم، ولأن الأيام دول ولاستدراجهم ونحوها، وليتميز الثابتون عن المتزلزلين. قوله: (للإيذان بأن المصلحة): تعليل للحذف، وقوله: "ليسليهم": تعليل لمضمون الجملة، وهو الحذف للإيذان. قوله: (وليكرم ناسًا منكم بالشهادة) كنى بالاتخاذ عن الإكرام؛ لأن من يتخذ شيئًا يتخذه لينتفع به أو يتزين به، كقوله تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه: ٤١]؛ لأن الشهيد مقرب حاضر في حظيرة القدس.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
يريد المستشهدين يوم أحد. أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما يبتلي به صبركم من الشدائد، من قوله تعالى: (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: ١٤٣]. (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) اعتراض بين بعض التعليل وبعض. ومعناه: واللَّه لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان، المجاهدين في سبيل اللَّه، الممحصين من الذنوب. والتمحيص: التطهير والتصفية. (وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) ويهلكهم، يعنى: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وغير ذلك مما هو أصلح لهم، وإن كانت على الكافرين، فلمحقهم ومحو آثارهم
_________________
(١) قوله: (من قوله تعالى: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: ١٤٣]) يريد أن قوله: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) من باب قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) وذلك أن قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) علة لقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، ولا تكونون وسطًا، أي: خيارًا، حتى تكونوا أصحاب عزم وصبر كما قال ها هنا بما يبتلي به صبركم من الشدائد. قوله: (فللتمييز والاستشهاد والتمحيص) يفهم منه أن المعطوفات سوى (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)، فإنهـ كما قالـ اعتراض منسوق بعضها على بعض على نسق واحد، وقد ذهب إلى أن "ليعلم" معلله مقدر، والنظم يستدعي أن يكون قوله: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) مع معطوفه "عطفًا على "ليعلم" مع معطوفه على طريقة قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ* وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ). قال المصنف: بعض الواوات ضمت شفعًا إلى شفع [و] وترًا إلى وتر، لذل كرر حرف التعليل؛ دلالة على الاستقلال، وأعيد (الَّذِينَ آمَنُوا) ليعلق به تمحيص المؤمنين ومحق الكافرين بعدما علق به تمييز المؤمنين واستشهادهم وبغض الظالمين، وأن يكون قوله: (وَلِيَعْلَمَ) عطفًا من حيث المعنى على قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)؛ لأنه تذييل لقوله: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) على نحو قولهم: حدثت الحوادث، والحوادث جمة، وفيه شائبة من التعليل لمقام التسلية لرسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم عما أصيبوا يوم
[ ٤ / ٢٧٩ ]
_________________
(١) أحد، يعني: لا يكن في صدوركم حرج مما أصبتم؛ فإن ذلك شأننا وسنتنا في الأولين من الأنبياء السالفة والأمم الخالية، فلكم فيهم أسوة حسنة؛ وليتميز الثابت على الإيمان ممن نكص على عقبيه؛ ولتصفية المؤمنين وتطهيرهم مما آثروا عرض الدنيا على الآخرة، حيث أخذوا الفدية من أسارى بدر وتركوا أئمة الكفر أحياء؛ وأن الله تعالى يريد أن يحق الحق ويمحق الباطل باستئصالهم، فقوله ها هنا في معنى التمييز، كما في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا) الآية؛ لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. فإن قلت: على ما ذكرت ما معنى عطف قوله تعالى: (وَيَتَّخِذَ) على "يعلم"؟ وكيف عطل (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) على (وَيَتَّخِذَ) مع اختلافهما: فعلية واسمية؟ قلت: (وَيَتَّخِذَ) مع معطوفه عطف على "يعلم" عطف المفصل على المجمل، كما عطف قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ) الآية [البقرة: ٧٤]، على قوله: (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)؛ بيانًا له، وإنما حسن عطف الاسمية على الفعلية؛ لما يراد من الأولى: التجدد، ومن الثانية: الاستمرار، كأنه قيل: ليحدث بذلك التمييز كرامة أوليائه الذين ثبتوا بالشهادة ويستمر على المتزلزلين بغضه، ففيه معنى التصديق، كأنه قيل: إن الله يحب الثابتين على الإيمان الذين عرج بهم على منازل الصديقين والشهداء، ولا يحب المتزلزلين الذين ظلموا على أنفسهم بالنكوص على أعقابهم، على ما تقرر في قوله تعالى: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [الروم: ٤٥] أنه من باب الطرد والعكس، وعلى هذه الوتيرة وردت القرينة اللاحقة. قال الإمام: قوبل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين؛ لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة لطيفة. انتهى كلامه. فقد تبين من هذا التقرير أن الواو في (وَتِلْكَ الأَيَّامُ) استئنافية، وفي (وَلِيَعْلَمَ) عطف معنوي، وفي (وَيَتَّخِذَ) بياني، وفي (وَلِيُمَحِّصَ) عطف شفع على شفع، وفي (والله لا يحب)، (وَيَمْحَقَ) عطف وتر على وتر، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) ١٤٢]
(أَمْ) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار. (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ) يعني ولما تجاهدوا؛ لأنّ العلم متعلق بالمعلوم، فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة؛ لأنه منتف بانتفائه. يقول الرجل: ما علم اللَّه في فلان خيرًا، يريد: ما فيه خير حتى يعلمه. و"لما" بمعنى "لم"، إلا أن فيها ضربا من التوقع فدلّ على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل. وتقول: وعدني أن يفعل كذا، ولما، تريد، ولم يفعل، وأنا أتوقع فعله
_________________
(١) قوله: (فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقه)، وهو نوع من الكناية، أي: حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم مجاهدة قط، ودخل فيه من جاهد بسيفه ويده ولسانه، وبيان الكناية أن كل معلوم يقتضي علمًا من الله تعالى البتة، فإذا نفى العلم ينتفي المعلوم لا محالة، قال القاضي: والقصد في أمثاله ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه، بل إلى إثبات المعلوم ونفيه على طريق البرهان. الانتصاف: التعبير عن نفي العلم خاص بعلم الله، إذ يلزم من عدم تعلقه بوجود شيء إعدام ذلك الشيء، ولا كذلك علم المخلوقين، فلا يعبر عنه بذلك لعدم اللزوم، فظهر من كلام الزمخشري جواز ذلك مطلقًا؛ لأنه قال في قول فرعون: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: ٣٨]: عبر عن نفي المعلوم بنفي العلم؛ لأنه من عناده أراد أن علمه لا يعزب عنه شيء، وفيه نظر. قوله: (و"لما" بمعنى "لم"، إلا أن فيه ضربًا من التوقع)، قال الزجاج: فإذا قيل: قد فعل فلان، فجوابه: لما يفعل، وإذا قيل: فعل فلان، فجوابه: لم يفعل، وإذا قيل: لقد فعل،
[ ٤ / ٢٨١ ]
وقرئ: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ) بفتح الميم. وقيل أراد النون الخفيفة: و"لما يعلمن" فحذفها. (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) نصب بإضمار "أن" والواو بمعنى الجمع، كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن
_________________
(١) ـ فجوابه: ما فعل، كأنه قال: والله لقد فعل، فقال المجيب: والله ما فعل، وإذا قيل: هو يفعل، يريد ما يستقبل، فجوابه: لا يفعل. وإذا قيل: سيفعل، فجوابه: لن يفعل. قوله: (وقيل: أراد النون الخفيفة، أي: ولما يعلمن، فحذفها)، قيل: مثاله قول الشاعر: إذا قال: قدني قال: بالله حلفة … لتغني عني ذا إنائك أجمعا على رواية فتح اللام والياء في لتغني، وقيل: الرواية الصحيحة بكسر اللام، إذ لا تحذف النون الخفيفة من مثله إلا بشرط ملاقاة الساكن، والصواب جوازه من غير الشرط. قال: اضرب عنك الهموم طارقها … ضربك بالسيف قونس الفرس أصله: "اضربن" فحذفت النون الخفيفة وأبقيت فتحة الباء. قوله: (كقوله: لا تأكل السمك وتشرب اللبن)، قال أبو البقاء: والتقدير: أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين؟ ويقرب عليك هذا المعنى أنك لو قدرت الواو بمعنى "مع".
[ ٤ / ٢٨٢ ]
وقرأ الحسن بالجزم على العطف. وروى عبد الوارث عن أبي عمرو (ويعلم) بالرفع على أنّ الواو للحال، كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.
(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) ١٤٣].
(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) خوطب به الذين لم يشهدوا بدرًا وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهدًا مع رسول اللَّه ﷺ ليصيبوا من كرامة الشهادة ما نال شهداء بدر، وهم الذين ألحوا على رسول اللَّه ﷺ في الخروج إلى المشركين، وكان رأيه في الإقامة بالمدينة، يعني: وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدّته وصعوبة مقاساته. (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)، أي: رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تقتلوا، وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت، وعلى ما تسببوا له من خروج رسول اللَّه ﷺ بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه وقلة ثباتهم عنده. فإن قلت: كيف يجوز تمنى الشهادة، وفي تمنيها تمني غلبة الكافر المسلم؟ قلت: قصد متمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء لا غير، ولا يذهب وهله إلى ذلك المتضمن، كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني قاصد إلى حصول المأمول من الشفاء، ولا يخطر بباله أنّ فيه جرّ منفعة وإحسان إلى عدوّ اللَّه وتنفيقًا لصناعته. ولقد قال عبد اللَّه بن رواحة ﵁
_________________
(١) قوله: (أي: رأيتموه معاينين مشاهدين)، ونحوه قوله: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥] في كونه حالًا مؤكدة. قال الزجاج: المعنى: فقد رأيتموه وأنتم بصراء، كما تقول: قد رأيت كذا وليس في عينيك علة، أي: قد رأيته رؤية حقيقية، ففيه توكيد.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
حين نهض إلى مؤتة، وقيل له ردكم اللَّه:
لكِنَّنِى أَسْألُ الرَّحْمنَ مَغْفِرَةً … وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا
أو طَعْنَةً بِيَدَىْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً … بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الأَحْشَاءَ وَالكَبِدَا
حَتَّى يَقُولُوا إذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِى … أرشدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَد رَشَدَا
(وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) ١٤٤].
_________________
(١) قوله: (مؤتة) بالهمزة: موضع قتل فيها جعفر بن أبي طالب. النهاية: هي موضع من بلد الشام، مهموز. الاستيعاب: كانت هذه الغزوة في سنة ثمان من الهجرة. قوله: (ردكم الله) أي: ردكم الله سالمين إلى أهلكم. قوله: (ذات فرغ) أي: واسعة، تقذف الزبد، أي: الدم الذي له زبد من كثرته، الحران: العطشان، والحران: ذو الحرقة، مجهزة: صفة طعنة، أي: مسرعة القتل، والمجهز هو: الذي يكون به رمق، جهزت عليه: إذا أسرعت قتله. الأبيات مذكورة في "الاستيعاب"، ومعنى قوله: حتى يقولوا إذا مروا: ليس للرياء والسمعة، كما جاء في الحديث الصحيح: "قاتلت حتى قيل: جريء"، فإن ساحته بريئة منها، بل قاله ليتأسى به ويقتفى أثره.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
لما رمى عبد اللَّه بن قمئة الحارثي رسول اللَّه ﷺ بحجر فكسر رباعيته، وشج وجهه، أقبل يريد قتله، فذب عنه ﷺ مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد، حتى قتله ابن قمئة وهو يرى أنه رسول اللَّه ﷺ، فقال: قد قتلت محمدًا. وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل. وقيل: كان الصارخ الشيطان، ففشا في الناس خبر قتله فانكفؤوا، فجعل رسول اللَّه ﷺ يدعو: «إليّ عباد اللَّه» حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم على هربهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين؛ فنزلت. وروي: أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد اللَّه بن أبيّ يأخذ لنا أمانا من أبى سفيان. وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. فقال أنس بن النضر - عم أنس بن مالك ـ: يا قوم، إن كان قتل محمد فإن رب محمد حيٌ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول اللَّه ﷺ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه؛ ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل
_________________
(١) ـ قوله: (لما رمى عبد الله بن قمئة) مخالف لما سبق عند قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ)، فإنه ذكر أنه عتبة بن أبي وقاص، وهذا الذي ذكره ها هنا أصح لما جاء في كتاب "الوفا" لابن الجوزي أنه ابن قمئة. قوله: (ثم شد بسيفه) أي: حمل وصال، الراغب: الشد: العقد القوي، شددت الشيء: قويت عقده، قال تعالى: (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) [الإنسان: ٢٨]، وشد فلان واشتد: إذا أسرع،
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وعن بعض المهاجرين: أنه مرّ بأنصاري يتشحط في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قتل، فقال: إن كان قتل فقد بلغ، قاتلوا على دينكم. والمعنى (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه؛ لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة، لا وجوده بين أظهر قومه (أَفَإِينْ ماتَ): الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبيب،
_________________
(١) قوله: (الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبيب) أي: قوله: "فإن مات" مسبب عن جملة قوله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ) وقوله: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) صفة (رَسُولٌ)، فدخلت همزة الإنكار بين المسبب والسبب لإعطاء مزيد الإنكار الذي يتضمنه قوله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وذلك أن التركيب من باب القصر القلبي، لأنه جعل المخاطبون بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبي ﷺ كأنهم اعتقدوا أن محمدًا صلوات الله عليه ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم، بل حكمه على خلاف حكمهم، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك وبين أن حكمه حكم من سبق من الأنبياء في أنهم ماتوا وبقي أتباعهم متمسكين بدينهم ثابتين عليه، ثم عقب الإنكار بقوله: "فإن مات"، وادخل الهمزة لمزيد ذلك الإنكار، يعني: إذا علم أن أمره أمر الأنبياء السالفة فلم عكستم الأمر؟ فإن لم يجعل ذلك العلم سببًا للثبات فلا أقل من أن لا يجعل سببًا للانقلاب، وإليه الإشارة بقوله: "يجب أن يكون سببًا للتمسك لا للانقلاب". وقال الزجاج: ألف الاستفهام دخلت على حرف الشرط، وفي الحقيقة داخلة على الجزاء، كما أنك إذا قلت: هل زيد قائم؟ فإنما تستفهم عن قيامه إلا أنك أدخلت "هل"
[ ٤ / ٢٨٦ ]
والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببًا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أنّ خلو الرسل قبله، وبقاء دينهم متمسكًا به، يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين محمد ﷺ، لا للانقلاب عنه. فإن قلت: لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت: لكونه مجوّزا عند المخاطبين. فإن قلت: أما علموه من ناحية قوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: ٦٧] قلت: هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوى البصيرة، ألا ترى أنهم سمعوا بخبر قتله فهربوا، على أنه يحتمل العصمة من فتنة الناس وإذلالهم
_________________
(١) ـ على الاسم ليعلم الذي استفهمت عن قيامه من هو؟ وكذا قولك: ما زيد قائمًا: إنما نفيت القيام ولم تنف زيدًا؛ ليعلم من الذي نفي عنه القيام، كذلك ها هنا، المنكر: انقلابهم على أعقابهم لا الموت، وإن دخلت الهمزة عليه، فتقرير المصنف ها هنا تلخيص كلام الزجاج، يعني: حكمه حكم سائر الأنبياء المتقدمة في أنه إذا مات أو قتل يجب إتباع دينه، فإن مات أو قتل لم كان منكم النكوص؟ وأما كلام صاحب "المفتاح" أن التركيب من باب القصر الإفرادي، أي: محمد مقصور على الرسالة لا يتجاوزها إلى البعد عن الهلاك، يعني أنهم أثبتوا له صفة الرسالة والخلد استعظامًا لهلاكه، فقصر على صفة الرسالة فحديث خارج من مقتضى المقام وبمعزل عن موجب النظم، ويؤيده قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)، كما قال: إنه تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل النبي ﷺ. قوله: (على أنه يحتمل العصمة من فتنة الناس) يعني: إن سلم أنهم علموا أنه تعالى
[ ٤ / ٢٨٧ ]
والانقلاب على الأعقاب: الإدبار عما كان رسول اللَّه ﷺ يقوم به من أمر الجهاد وغيره. وقيل: الارتداد. وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين. ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول اللَّه ﵌ وإسلامه (فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) يعني: فما ضر إلا نفسه؛ لأن اللَّه تعالى لا يجوز عليه المضارّ والمنافع
_________________
(١) يعصمه من الناس ألبتة، لكن لم لا يجوز أن حمل العصمة على غير القتل من الإضلال وغيره؟ قوله: (إلا ما كان من قول المنافقين) استثناء منقطع، ويجوز أن يكون من باب قوله: وبلدة ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس قوله: (ويجوز أن يكون على وجه التغليظ): عطف على قوله: "ما ارتد أحد من المسلمين"، أي: يجوز أن ينسب الارتداد إلى المسلمين تغليظًا، كقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) تعظيمًا لما صدر عنهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله ﷺ وخذلانه. الأساس: كشف عنه الثوب وكشفه، وانكشف، ورجل أكشف: لا ترس معه. وقلت: ومن ثم سمي الترس جنة، كأنها تستر صاحبه عما يصيبه من العدو. قوله: (وإسلامه) من أسلمه: إذا خذله، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي: غادروا رسول الله ﷺ بيد الكفار. قوله: (فما ضر إلا نفسه) جعلهم كأنهم زعموا أنهم يضرون الله ورسوله لا أنفسهم، أو يضرون أنفسهم معه، فإذا انقلبوا رجعت المضرة إلى من يضرونه، فرد عليهم بـ "لن" في قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ)، أي: لا يضرون الله شيئًا، وإنما يضرون أنفسهم.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
(وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) الذي لم ينقلبوا، كأنس بن النضر وأضرابه، وسماهم شاكرين؛ لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا. المعنى: أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة اللَّه، فأخرجه مخرج فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا أن يأذن له الله فيه تمثيلًا؛ ولأن
_________________
(١) ـ قوله: (وسماهم شاكرين) إشارة إلى مجاز في الكلام، أي: وضع الشاكرين موضع الثابتين على الإسلام تسمية للشيء باسم سببه، إذ أصل الكلام: ومن ينقلب على عقبيه يكن كافرًا لنعمة الله التي أنعم عليه بالإسلام، فيضر نفسه حيث كفر نعمة الله، والله يجزيه ما يستحقه، ومن ثبت عليه يكن شاكرًا لتلك النعمة والله يجزيه الجزاء الأوفى! ولم يذكر ما يجزي به ليدل على التعميم والتفخيم، ففي الكلام تعريض، وإليه أشار بقوله: " (الشَّاكِرِينَ): الذين لم ينقلبوا كأنس بن النضر وأضرابه". قوله: (المعنى: أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله)، يعني: ليس لأحد تأخير أجله ولا تقديمه، بل ذلك بمشيئة الله، فاستعير للمشيئة الإذن على التمثيل، بأن شبه حال من يحاول ما يتوصل به إلى موته من طلب تسهيله لا يجد إلى ذلك سبيلًا إلا بتيسير الله، بحال من يتوخى الوصول إلى قرب من هو محتجب عنه ولا يحصل مطلوبه إلا بإذن منه وتسهيل الحجاب له، ونحوه قوله في تفسير قوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) [إبراهيم: ١]: أي: تسهيله وتيسيره، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب، ومعنى هذا الوجه قريب من معنى قوله تعالى: "والذين يتوفون منكم" [البقرة: ٢٣٤] على بناء الفاعل، وفيه أن الموت مقطوع حصوله وأن أسبابه متآخذة، حتى إن الذين يفر منه فهو في الحقيقة طالبه.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
ملك الموت هو الموكل بذلك فليس له أن يقبض نفسًا إلا بإذن من اللَّه. وهو على معنيين: أحدهما: تحريضهم على الجهاد، وتشجيعهم على لقاء العدوّ بإعلامهم أن الحذر لا ينفع، وأن أحدًا لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خوّض المهالك، واقتحم المعارك. والثاني: ذكر ما صنع اللَّه برسوله عند غلبة العدوّ والتفافهم عليه وإسلام قومه له، نهزة للمختلس من الحفظ والكلاءة وتأخير الأجل.
(وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) ١٤٥].
(كِتابًا) مصدر مؤكد؛ لأن المعنى: كتب الموت كتابا. (مُؤَجَّلًا): موقتًا، له أجل معلوم لا يتقدّم ولا يتأخر (وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا) تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد. (نُؤْتِهِ مِنْها)، أي: من ثوابها،
_________________
(١) وهذه الآية موقعها موقع التذييل للكلام السابق، فأخرجت مخرج المثل، فنسبتها إلى المؤمنين: التحريض والتشجيع على القتال والجهاد، ومن ثم قيل: إذا كانت الأبدان للموت أنشئت .. فقتل امرئ في الله بالسيف أجمل وإليه الإشارة بقوله: "تحريضهم على الجهاد" إلى آخره، وإلى الرسول ﷺ: الوعد بالحفظ وتأخير الأجل، وهو المراد بقوله: "ذكر ما صنع … من الحفظ والكلاءة وتأخير الأجل". قوله: (نهزة)، الأساس: وانتهز الفرصة: اغتنمها، وهذه نهزة فاختلسها، قيل: هي مفعول له من المصدر، وهو الإسلام، أو: حال من ضمير النبي ﷺ، والمختلس: المستلب.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
(وَسَنَجْزِي) الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة اللَّه، فلم يشغلهم شيء عن الجهاد.
وقرئ: (يؤته). (وسيجزي)، بالياء فيهما.
(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ١٤٦ - ١٤٨].
قرئ: (قاتل). و(قتل). و(قتل)، بالتشديد. والفاعل (ربيون)، أو ضمير النبي. و(مَعَهُ رِبِّيُّونَ)، حال عنه بمعنى: قتل كائنا معه ربيون
_________________
(١) قوله: «وَسَنَجْزِي): الجزاء المبهم) إشارة إلى أن ما جوزوا به غير مذكور، فيعم جميع ما يصح أن يجزى به، وهو مقابل لقوله: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ)، المعنى: من يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنزيده في الآخرة من الجزاء ما لا يدخل تحت الحصر، كقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا) [الشورى: ٢٠]. قوله: (قرئ: (قَاتَلَ»: ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، والباقون "قتل"، وبالتشديد: شاذ. قال أبو البقاء: (وَكَأَيِّنْ) الأصل فيه: "أي" التي هي بعض من كل أدخلت عليها كاف التشبيه وصارا في معنى "كم" التي للتكثير، وموضع "كأي": رفع بالابتداء، ولا تكاد تستعمل إلا وبعدها "من"، والخبر: (قَاتَلَ)، وفيه ضمير النبي، وهو عائد على "كأي"، لأن "كأي" في معنى نبي، والجيد أن يعود الضمير إلى لفظ (كَأَيِّنْ)، فإن قيل: لو كان كذلك لأنثت، فقلت: قتلت؟ قيل: هذا محمول على المعنى، لأن المعنى: كثير من
[ ٤ / ٢٩١ ]
والقراءة بالتشديد تنصر الوجه الأوّل
_________________
(١) الرجال قتل، فعلى هذا (مَعَهُ رِبِّيُّونَ) في موضع الحال من الضمير في (قَاتَلَ)، ويجوز أن يكون (قَاتَلَ) في موضع جر صفة لـ (نَبِيٍّ)، و(مَعَهُ رِبِّيُّونَ): الخبر، كقولك: كم من رجل صالح معه مال. قوله: (والقراءة بالتشديد تنصر الوجه الأول)، وهو أن يكون الفاعل (رِبِّيُّونَ). قال أبو البقاء: فعلى هذا لا ضمير في الفعل لأجل التكثير، والواحد لا تكثير فيه، كذا ذكره ابن جني. وقلت: قال ابن جني: "قتل" بالتشديد: قراءة قتادة، وفيها دلالة على أن من قرأ من السبعة: (قتل) أو (قَاتَلَ)، فإن (رِبِّيُّونَ) مرفوع في قراءته بـ (قُتِلَ) أو (قَاتَلَ)، ولي مرفوعًا بالابتداء ولا بالظرف الذي هو معه، ألا ترى أنه لا يجوز كم نبي قتل مشددة التاء على "فعل"، فلابد أن يكون (رِبِّيُّونَ) مرتفعًا بـ "قتل"، وهذا واضح، فإن قلت: فهلا جاز "فعل"، أي: قتل نبي، حملًا على معنى كم؟ قيل: لما انصرف عن اللفظ إلى المعنى لم يحسن العود من بعد إلى اللفظ، وقد قال تعالىـ كما تراهـ: (مَعَهُ) ولم يقل: معهم، فافهم ذلك. وقلت: يريد أن الشيء إذا انصرف عن اللفظ إلى المعنى لم يحسن بعد ذلك العود إلى اللفظ، فإن الضمير في (مَعَهُ) مفرد رجع إلى (وَكَأَيِّنْ) من حيث المعنى لأنه في معنى نبي، ولم يحسن بعد ذلك أن يقال: إن الضمير (قَاتَلَ) راجع إلى (وَكَأَيِّنْ) من حيث اللفظ؛ لأن "قتل"، بالتشديد، يقتضي متعددًا، و"كأين" لفظه متعدد، ولا يجوز ذلك، والظاهر الوجه الثاني، وهو اختيار الزجاج.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
وعن سعيد بن جبير ﵀: ما سمعنا بنبيّ قتل في القتال. والربيون: الربانيون. وقرئ بالحركات الثلاث،
_________________
(١) قال صاحب "المرشد": من قرأه (قتل) بالتخفيف فله وجهان: أحدهما: أن يكون الفعل واقعًا على النبي، أي: كم من نبي قتل ومعه ربيون كثير فما وهنوا بعد قتله، ولكنهم ثبتوا على الحق، وهذا وجه يختاره كثير من أهل العلم، والزجاج، وإنما قيل للمسلمين هذا لأنهم لما توهموا أن النبي ﷺ قتل انكسرت قلوب بعضهم وضعفوا. وثانيهما: أن الفعل واقع على "الربيون"، كأنه قيل: كم من نبي قتل ربيون معه، فما وهن من بقي منهم وما ضعفوا، أي: ما فتروا وما جبنوا عن قتال عدوهم. وقلت: الوجه الأول أقرب إلى معنى التعريض الذي ذكره المصنف. الراغب: قيل: (قَاتَلَ) مسندًا إلى ضمير النبي، (و(مَعَهُ رِبِّيُّونَ): استئناف في موضع الحال، وقال الحسن: ما قتل نبي في حرب قط، وقال بعضهم ما قال الحسن: وإن صح فإنه لا ينفي أنه قتل في غير حرب، وقيل: مسندًا إلى (رِبِّيُّونَ) أي: قتل جماعة منهم فمل يهن الباقون، ومن قرأ (قَاتَلَ) فيحتمل الوجهين، والوهن: ضعف من حيث الخلق أو الخلق، والفرق بين الوهن والضعف أن الوهن: اختلال يعتري الإنسان، ويضاده الشدة، والضعف: اختلال ينقصه وتضاده القوة، والاستكانة: الخشوع والتضرع للمخافة. والقتل: إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال: قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة، يقال: موت، قال تعالى: (أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ). قوله: (ما سمعنا بنبي قتل في القتال) استشهاد لأن الفاعل (رِبِّيُّونَ). قوله: (وقرئ بالحركات الثلاث): الكسر: للسبعة، والفتح والضم شاذان.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
فالفتح على القياس، والضم والكسر من تغييرات النسب. وقرئ: (فَما وَهَنُوا) بكسر الهاء. والمعنى: فما وهنوا عند قتل النبي (وَما ضَعُفُوا) عن الجهاد بعده، (وَمَا اسْتَكانُوا) للعدوّ. وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول اللَّه ﷺ، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم، حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد اللَّه بن أبيّ في طلب الأمان من أبى سفيان. وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم، مع كونهم ربانيين؛ هضما لها واستقصارًا
_________________
(١) ـ قوله: (وما كان قولهم إلا هذا القول، وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين) إشارة إلى أن هذا المعنى كالتتميم، والمبالغة في صلابتهم في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف فيهم، وذلك من إفادة الحصر وإيقاع "أن" مع ذلك الفعل اسمًا لـ "كان"، قال في قوله تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) [النور: ٥١]: "وعن الحسن: (قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ) بالرفع والنصب أقوى؛ لأن أولى الاسمين بكونه اسمًا لـ "كان" أوغلهما في التعريف، وأن يقولوا: أوغل في التعريف؛ لأنه لا سبيل عليه في التنكير، بخلاف قول المؤمنين، فكان هذا من قبيل "كان" في قوله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) [مريم: ٣٥] ". وقال صاحب "المطلع": معنى قوله: "بخلاف قول المؤمنين"، أن قول المؤمنين إن اختزل عنه الإضافة يبقى منكرًا، بخلاف (أَن قَالُوا). وقال أبو البقاء: اسم "كان" ما بعد "إلا"، وهو أقوى من أن يجعل خبرًا، والأول اسمًا، لوجهين: أحدهما: أن (أَن قَالُوا) يشبه المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف، وكذا عن ابن جني.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
والدعاء بالاستغفار منها مقدّما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدوّ، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع وأقرب إلى الاستجابة
_________________
(١) والثاني: أن ما بعد (إِلَّا) مثبت، والمعنى: كان قولهم: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا) دأبهم في الدعاء. وقلت: كأن المعنى: ما صح ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول، وكأن غير هذا القول مناف لحالهم، وهذه الخاصية يفيدها إيقاع "أن" مع الفعل اسمًا لـ (كَانَ)، وتحقيقه ما ذكره صاحب "الانتصاف"، قال: فائدة دخول كان المبالغة في نفي الفعل الداخل عليه بتعديه جهة فعله عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار خصوصية المقام، فهو نفي مرتين. وقلت: فعلى هذا لو جعلت رب الجملة (أَن قَالُوا)، واعتمدت عليه وجعلت قولهم كالفضلة، حصل لك ما قصدته، ولو عكست ركبت المتعسف، ألا ترى إلى أبي البقاء كيف جعل الخبر نسيًا منسيًا واعتمد على ما بعد (إِلَّا) في الوجه الثاني. الراغب: الفرق بين الذنب والإسراف من وجهين. أحدهما: أن الإسراف حقيقة: تجاوز الحد في فعل ما يجب، والذنب عام فيه وفي التقصير. والثاني: أن الذنب: التقصير وترك الأمر حتى يفوت ثم يؤخذ بالذنب، فالذنب إذًا مقابل للإسراف وكلاهما مذمومان، والمحمود هو العدالة. قوله: (أقرب) روي مرفوعًا خبرًا، لقوله: "والدعاء بالاستغفار"، وقوله: "ليكون" متعلق بالدعاء، والأولى أن يكون "أقرب" منصوبًا خبرًا لقوله: "ليكون"، وليكون خبرًا لقوله: "والدعاء"؛ لأن المعنى عليه.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
(فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا) من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر، وخص ثواب الآخرة بالحسن؛ دلالة على فضله وتقدّمه، وأنه هو المعتدّ به عنده (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ). [الأنفال: ٦٧]
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَاواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى ١٤٩ - ١٥١].
(إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا) قال علىّ ﵁: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم، وعن الحسن ﵁: إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم، لأنهم كانوا يستغوونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين، ويقولون: لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوما له ويوما عليه. وعن السدي: إن تستكينوا لأبى سفيان وأصحابه وتستأمنوهم (يَرُدُّوكُمْ) إلى دينهم. وقيل: هو عامّ في جميع الكفار، وإنّ على المؤمنين أن يجانبوهم،
_________________
(١) ـ قوله: (إن تستكينوا لأبي سفيان) الاستكانة: الخضوع، وأصله: استكن، من السكون، قال القاضي: لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة، أو استكون، من الكون؛ لأنه يطلب من نفسه أن يكون لمن يخضع له. قوله: (وقيل: هو عام): معطوف على قوله: "قال علي ﵁: نزلت في قول المنافقين".
[ ٤ / ٢٩٦ ]
ولا يطيعوهم في شيء، ولا ينزلوا على حكمهم ولا على مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم. (بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ)، أي: ناصركم، لا تحتاجون معه إلى نصرة أحد وولايته. وقرئ بالنصب على: بل أطيعوا اللَّه مولاكم (سَنُلْقِي) قرئ بالنون والياء. و(الرُّعْبَ) بسكون العين وضمها. قيل: قذف اللَّه في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة. وقيل: ذهبوا إلى مكة،
_________________
(١) ـ اعلم أن التعريف في قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) إذا حمل على العهد، فالمخاطبون أصحاب الرسول ﷺ، ثم المراد بالذين كفروا إما المنافقونـ وإليه الإشارة بقوله: "نزلت في قول المنافقين"ـ أو أهل الكتابـ وهو الذي رواه عن الحسنـ أو المشركون، وهو الذي رواه عن السدي، وإذا حمل على الجنس فالمخاطبون: جماعة المسلمين في جميع الأزمنة، كما أن الكفار عام في اليهود والمنافقين والمشركين، وهو المراد بقوله: "وأن على المؤمنين أن يجانبوهم". قوله: (ولا على مشورتهم)، الراغب: المشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، من قولهم: شرت العسل وأشرته: استخرجته، والشورى: الأمر الذي يتشاور فيه. قوله: (و(الرُّعْبَ): أي: وقرئ: (الرُّعْبَ) بسكون العين: كلهم سوى ابن عامر والكسائي فإنهما قرآ بالضم. قوله: (قذف الله في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة) يوجب أن يكون هذا الوعد أي: قوله: (سَنُلْقِي) بعد القتال، ويؤيده قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا) الآية، لأن هذا الكلام مسوق لتسلية المؤمنين والمنع من أن يطيعوا الكفار فيما كانوا يوقعونهم في الشبه في الدين بسبب ما أصيبوا يوم أحد، وهي أنه لو كان نبيًا حقًا لما غلب، وغير ذلك، وقوله بعد ذلك: "ويجوز أن يكون الوعد قوله: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) فلما فشلوا تنازعوا لم يرعبهم"، يوجب أن يكون قبل القتال، فأي الوجهين أقرب إلى النظم؟
[ ٤ / ٢٩٧ ]
فلما كانوا ببعض الطريق قالوا: ما صنعنا شيئا، قتلنا منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى اللَّه الرعب في قلوبهم فأمسكوا. (بِما أَشْرَكُوا) بسبب إشراكهم، أي: كان السبب في إلقاء اللَّه الرّعب في قلوبهم إشراكهم به (ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا): آلهة لم ينزل اللَّه بإشراكها حجة. فإن قلت: كأن هناك حجة. حتى ينزلها اللَّه فيصح لهم الإشراك؟ قلت: لم يعن أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل عليهم؛ لأن الشرك لا يستقيم أن يقوم عليه حجة، وإنما المراد نفى الحجة ونزولها جميعا، كقوله:
وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِر
_________________
(١) ـ قلت: الأول، ولذلك قال: "ويجوز"؛ لأن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا) من تتمة المعاتبات من لدن قوله: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا) [آل عمران: ١٢٣] وقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ) [آل عمران: ١٢٨]، وقوله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) [آل عمران: ١٤٤]، وهلم جرًا إلى ما نحن بصدده تسلية لقلوب المؤمنين، فأوجب ذلك أن يجري قوله: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا) وعدًا عامًا لهم، مزيدًا للتسلي، فيدخل فيه هذا الرعب الخاص دخولًا أوليًا. ويدل على عمومه تعليله بقوله: (بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ) وبقوله: (وَمَاوَاهُمْ النَّارُ)، يعني: أنهم محقوقون بأن يخذلوا ويخيبوا؛ لأنهم أعداء الله، وأن الله تعالى قدر أن تكون عاقبتهم وخيمة، و(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: ١١]، ألا ترى كيف عقب الوعد قوله: (بَلْ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) [آل عمران: ١٥٠]، وعقب قوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ) [آل عمران: ١٥٢] هذا الوعد ليؤذن بأن الذي جرى عليكم يوم أحد من الوهن والإصابة أمر على خلاف ما أنتم تستأهلونه؟ وذلك لمخالفتكم الأمر، وإلا كان أصل أمركم على النصر والظفر؛ لأن الله مولاكم وناصركم. قوله: (ولا ترى الضب بها ينجحر)، أوله: لا تفزع الأرنب أهوالها
[ ٤ / ٢٩٨ ]
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ١٥٢ - ١٥٤].
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ): وعدهم اللَّه النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله تعالى: (إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ) [آل عمران: ١٢٥] ويجوز أن يكون الوعد قوله تعالى: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)،
_________________
(١) ـ أي: ليس بها أرنب ليفزع أهوالها، وليس بها ضب يدخل الجحر، يصف مفازة خالية من الحيوان. قوله: (بشرط الصبر والتقوى)، يعني: المراد بقوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ) هو الوعد بالنصر المقيد بالصبر والتقوى في تلك الآية، وهي: (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ) الآية [آل عمران: ١٢٥]، فلما لم يوجد الشرط، وهو الصبر، فقد المشروط، وهو النصر، فالآية على هذا متصلة بتلك الآية، وهي متصلة بقوله: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) [آل عمران: ١٢٠] وقد سبق تقريره، وما بينهما من الآيات مناسبة للقصة، وقوله: "وقيل: لما رجعوا": بيان لسبب نزول الآية.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
فلما فشلوا وتنازعوا لم يرعبهم. وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا اللَّه النصر؟ فنزلت. وذلك أنّ رسول اللَّه ﷺ جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم. يحسونهم أي يقتلونهم قتلا ذريعًا، حتى إذا فشلوا؛ والفشل: الجبن وضعف الرأي؛ وتنازعوا، فقال بعضهم: قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا؟ وقال بعضهم: لا نخالف أمر رسول اللَّه ﷺ، فممن ثبت مكانه عبد اللَّه بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)، ونفر أعقابهم ينهبون، وهم الذين أرادوا الدنيا، فكرّ المشركون على الرماة، وقتلوا عبد اللَّه بن جبير ﵁، وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح دبورا وكانت صبا، حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا، وهو قوله (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ): ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها (وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ) لما علم من ندمكم على ما فرط منكم من عصيان أمر رسول اللَّه ﷺ (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) يتفضل عليهم بالعفو، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال،
_________________
(١) ـ قوله: (وذلك أن رسول الله ﷺ) إشارة إلى تطبيق الآية على الوجهين. قوله: (يحسونهم، أي: يقتلونهم)، قال الزجاج: تستأصلونهم قتلًا، يقال: حسهم القاتل يحسهم حسًا: إذا قتلهم. قوله: (فممن ثبت) تفصيل لمجمع محذوف، أي: فثبت بعضهم ونفر بعضهم، فممن ثبت مكانه: عبد الله بن جبير، وممن نفر: أعقابهم. قوله: (عبد الله بن جبير)، وفي بعض الحواشي: بجير، وسبق أن الصحيح جبير.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
سواء أديل لهم أو أديل عليهم؛ لأنّ الابتلاء رحمة كما أنّ النصرة رحمة. فإن قلت: أين متعلق (حَتَّى إِذا)؟ قلت: محذوف تقديره: (حتى إذا فشلتم) منعكم نصره. ويجوز أن يكون المعنى: صدقكم اللَّه وعده إلى وقت فشلكم (إِذْ تُصْعِدُونَ)، نصب ب (صرفكم)، أو بقوله: (لِيَبْتَلِيَكُمْ)،
_________________
(١) قوله: «حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ) منعكم نصره)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن "منعكم" ليس متعلق (حَتَّى) لأدائه إلى كون زمان الفشل غاية لمنع النصر، فالتحقيق أن (حَتَّى) متعلق بـ (صَدَقَكُمُ): إما جارة و(إِذَا): للظرفية المجردة، أي: إلى زمان فشلكم، أو عاطفة تبتدأ بعدها الجملة، فـ (إِذَا): للشرطية ويقدر له جواب وهو: منعكم نصره. والجواب أن السؤال ليس أن (حَتَّى) غاية ماذا، لما سبق في قوله: إنه غاية (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ) حيث قال: "والمسلمون على آثارهم يحسونهم، أي: يقتلونهم قتلًا ذريعًا حتى إذا فشلوا"، بل السؤال عن جواب (إِذَا)، ولذلك ضمها مع (حَتَّى)، أي: الجواب: "منعكم" ولًا يقتضي الجواب؛ لأنه غاية الوعد بالنصر، و(إِذَا) بمعنى الوقت، و(حَتَّى) هي الجارة، والسؤال وارد على ذلك التقدير، لأنه يقتضي تقدير الشرط لا الظرف؛ لأن الكلام في الامتنان على المسلمين بالنصر والوعد بالظفر والغلبة، فلا يجوز أن يقال: وعدكم الله بالنصر إذ تحسونهم حتى إذا انتهى بكم الحس إلى الفشل؛ إذ لا يعلم منه انقطاع النصر، فلابد من تقدي ر"منعكم"، بأن يقال: حتى إذا فشلتم منعكم النصر، ولذلك فسر (حَتَّى) بـ "إلى حين" كان غاية النصر؛ لحصول المعنى مع عدم التقدير. قوله: (إلى وقت فشلكم)، اعلم أن "حتى" إما أن تكون حرف جر بمنزلة "إلى" لانتهاء الغاية، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أي: إلى رأسها، أو تكون حرف عطف، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أي: ورأسها، أوي ستأنف بها الكلام نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أي: حتى رأسها مأكول، و"حتى" هذه لا يجوز أن تكون عاطفة؛ لأنها تجمع
[ ٤ / ٣٠١ ]
أو بإضمار «اذكر» والإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد فيه. يقال: صعد في الجبل، وأصعد في الأرض. يقال: أصعدنا من مكة إلى المدينة: وقرأ الحسن ﵁: تصعدون، يعنى في الجبل، وتعضد الأولى قراءة أبيّ: (إذ تصعدون في الوادي). وقرأ أبو حيوة: (تصعدون)، بفتح التاء وتشديد العين، من تصعد في السلم وقرأ الحسن: (تلون)، بواو واحدة وقد ذكرنا وجهها. وقرئ: يصعدون، ويلوون بالياء. (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) كان يقول «إلىّ عباد اللَّه، إلىّ عباد اللَّه، أنا رسول اللَّه، من يكرّ فله الجنة» (فِي أُخْراكُمْ): في ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وهي المتأخرة. يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول: في أوّلهم وأولاهم، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى،
_________________
(١) ـ بين الأول والثاني في الحكم الذي ثبت للأول، مثل "ثم" في المهلة، ومعطوفها جزء من متبوعه ليفيد قوة أو ضعفًا، وهي هنا متعذرة، فبقي أن تكون حرف جر أو حرف ابتداء، فإن كان الثاني فلابد أن تكون "إذا": شرطية، وجوابها محذوفًا وهو متعلق "حتى إذا"، ليكون الواقع بعد "حتى" الابتدائية جملة، وإن كان حرف جر، فتكون "إذا" ظرفية مجرورة، نحو قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) [الليل: ١]. قوله: (أو بإضمار "اذكر") يعني: اذكر إذ تصعدون، قيل: فيه إشكال، إذ يصير المعنى: اذكر يا محمد إذ تصعدون، وقيل: الصواب أن تقدير "اذكر" على قراءة "يصعدون" بالياء، ويمكن أن يقال: ليس مراده أنه منصوب بإضمار "اذكر" صيغة أمر الواحد، بل المراد أنه منصوب بما ينتصب به أمثاله من لفظ الذكر بحسب ما يطابق الموقع، فيقدر "اذكروا"، وإنما أفرد إذا الغالب في أمثال هذه المواضع الإفراد، ويجوز أن يكون من باب قوله: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ) [الطلاق: ١]. قوله: (وقد ذكرنا وجهها) أي: في قوله: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ) [آل عمران: ٧٨] قبل هذا، وهو أن الواو المضمومة قلبت همزة ثم خففت.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
(فَأَثابَكُمْ) عطف على (صرفكم)، أي: فجازاكم اللَّه (غَمًّا) حين صرفكم عنهم وابتلاكم بسبب (غم) أذقتموه رسول اللَّه ﷺ بعصيانكم له، أو: (غمًا) مضاعفا، (غما) بعد غم، وغما متصلا (بغم)، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول اللَّه ﷺ، والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر. (لِكَيْلا تَحْزَنُوا): لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار
_________________
(١) قوله: (و(غَمًّا) متصلًا (بِغَمٍّ) تفسير لقوله: " (غَمًّا) بعد غم" على أن التكرير للاستيعاب، نحو قوله تعالى: (ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) [الملك: ٤] ولذلك عدد أشياء كثيرة، فقوله: "من الاغتمام": بيان لقوله: " (غَمًّا) متصلًا (بِغَمٍّ)، وقوله: "والجرح" وما يتبعه: عطف على "ما أرجف"، "ومن قتل رسول الله ﷺ": بيان "ما أرجف". قوله: (بما أرجف به)، الأساس: رجف البحر: اضطرب، ومن المجاز: أرجفوا في المدينة بكذا، أي: أخبروا به على أن يوقعوا في الناس الاضطراب من غير أن يصح عندهم، وهذا من أراجيف الغواة. قوله: (وظفر المشركين) قيل: ولو قال: وغلبة المشركين كان أحسن؛ لأن الظفر للمؤمنين. قوله: «لِكَيْلا تَحْزَنُوا) لتتمرنوا على تجرع الغموم … فلا تحزنوا)، يعني: كنى عن قوله: لتتمرنوا بقوله: (لِكَيْلا تَحْزَنُوا) أي: جازاكم غمًا متضاعفًا لتتمرنوا على تجرع الغموم وتأتلفوا بها، فلا تحزنوا على كل شيء؛ لأن العادة طبيعة خامسة، ولابد من هذا التأويل؛ لأن المجازاة بالغم بعد الغم سبب للحزن لا لعدمه، وقد قال الله تعالى: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ). قوله: (وتضروا) يقال: ضري بكذا، أي: غري به وأولع، النهاية: يقال: ضري بالشيء يضرى ضراوة فهو ضار: إذا اعتاده.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
ويجوز أن يكون الضمير في: (فَأَثابَكُمْ) للرسول، أي فآساكم في الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، (فأثابكم غما) اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره: وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم؛ لئلا (تحزنوا على ما فاتكم) من نصر اللَّه، (ولا) على (ما أصابكم) من غلبة العدو. وأنزل اللَّه الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم. وعن أبي طلحة ﵁: غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه. وما أحد إلا ويميل تحت حجفته.
وعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبيرعن أبيه عن جده، قال: والله إني لمع رسول الله ﷺ، وإن النعاس ليغشانا بعد الغم والكرب الذي كنا فيه، إذ سمعت معتب بن قشير أخا بني عمرو بن عوف، وما أسمعها منه إلا كالحلم، يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. وعن الزبير ﵁: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد علينا الخوف، فأرسل الله علينا النوم، والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا.
_________________
(١) قوله: (فآساكم)، الجوهري: آسيته مالي مؤاساة، أي: جعلته إسوتي فيه، وقال: ثاب الرجل يثوب ثوبًا وثوبانًا بعد ذهابه، وثاب الناس: اجتمعوا وجاؤوا، وكذلك الماء إذا اجتمع في الحوض، ومثاب الحوض: وسطه الذي يثوب إليه. ولعل "أثابكم" بمعنى: آساكم، من قولك: ثاب الماء: إذا اجتمع في الحوض. قوله: (ولم يثربكم)، الجوهري: التثريب: كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللوم، يقال: لا تثريب عليك. قوله: (وعن الزبير)، وفي كتاب صدر الأئمة: وعن ابن الزبير، وعن محيي السنة: قال عبد الله بن الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
والأمنة: الأمن. وقرئ (أمنة) بسكون الميم، كأنها المرة من الأمن. و(نُعاسًا) بدل من (أمنة). ويجوز أن يكون هو المفعول، و(أمنة) حالًا منه مقدمة عليه، كقولك: رأيت راكبا رجلا، أو مفعولا له بمعنى نعستم أمنة. ويجوز أن يكون حالا من المخاطبين، بمعنى: ذوى أمنة، أو على أنه جمع آمن، كبار وبررة (يَغْشى) قرئ بالياء والتاء ردا على النعاس، أو على الأمنة
_________________
(١) ـ وقال ضياء الدين أخطب الخطباء: الصواب: وعن الزبير، هكذا صح عند أصحاب التواريخ وأرباب المغازي؛ لأن ابن الزبير في رواية الواقدي ولد بعد عشرين شهرًا من الهجرة، وغزوة أحد كانت في شوال سنة ثلاث من الهجرة. وفي "جامع الأصول": عبد الله بن الزبير بن العوام أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة أول سنة من الهجرة. قوله: (و(أَمَنَةً): حالًا منه)، قال أبو البقاء: والأصل أنزل عليكم نعاسًا ذا أمنة؛ لأن النعاس ليس هو الأمن بل هو الذي حصل الأمن. قوله: «يَغْشَى) قرئ بالياء والتاء): حمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. قوله: (ردًا على النعاس أو على الأمنة) يعني: فاعل (يَغْشَى) بالياء: ضمير (نُعَاسًا) صفة له، وبالتاء: ضمير (أَمَنَةً) صفة لها.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
(طائِفَةً مِنْكُمْ): هم أهلُ الصدق واليقين و(طائِفَة): ٌ هم المنافقون (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ): ما بهم إلا هم أنفسهم لا هم الدين ولا هم الرسول ﷺ والمسلمين، أو قد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان؛ فهم في التشاكي والتباثّ (غَيْرَ الْحَقِّ): في حكم المصدر، ومعناه: يظنون باللَّه غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به. و(ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ) بدل منه. ويجوز أن يكون المعنى: يظنون باللَّه ظن الجاهلية. و(غير الحق): تأكيد ل (يظنون)، كقولك: هذا القول غير ما تقول، وهذا القول لا قولك
_________________
(١) قوله: (ما بهم إلا هم أنفسهم) هذا الحصر يعلم من المعنى؛ لأن من كان مهتمًا بشأن نفسه في تلك الحالة الفظيعة لا يلتفت إلى الغير، ولأن قوله: (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) صفة لـ (طَائِفَةً)، وهو مقابل لقوله تعالى: (نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ)، فلا تخلو الحال حينئذ من هذين الأمرين، ولهذا قدر المصنف (طَائِفَةً مِنْكُمْ): "هم أهل الصدق واليقين، و(طَائِفَةً) هم المنافقون قد أهمتهم"، التقدير: قد أنزل عليكم نعاسًا يغشى طائفة منكم لأنهم أهل الصدق واليقين، ولم يغش طائفة أخرى لما قد أهمهم هم أنفسهم فهم مستغرقون في هم أنفسهم لا تنزل عليهم السكينة؛ لأنها وارد روحاني لا يتلوث بهم. قوله: «غَيْرَ الْحَقِّ» يفهم منه أن هناك ظنًا غيره، نحو قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ) [البقرة: ٤٦]، هذا هو الظن الحق الذي يجب أن يظن به، فإن الظن قد يستعمل في الاعتقاد الحق أيضًا، فعلى هذا هو مصدر لقوله: (يَظُنُّونَ) لأنه نوع منه. قوله: (و«غَيْرَ الْحَقِّ) تأكيد لـ (يَظُنُّونَ» على تقدير حذف عامله، أي: يظنون بالله ظن الجاهلية يقولون قولًا غير الحق، كقولك: هذا زيد غير ما تقول، معناه: هذا زيد أقول قولًا غير ما تقول، وقولك: هذا القول لا قولك، أي: قولي لك هذا القول، لا أقول قولك، هذا التأكيد في الحقيقة تأكيد للحكم لتكريره.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
و(ظن الجاهلية) كقولك: حاتم الجود، ورجل صدق، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية، ويجوز أن يراد أهل الجاهلية، أي: لا يظنُّ مثل ذلك الظنِّ إلا أهل الشرك الجاهلون باللَّه. (يَقُولُونَ) لرسولِ اللَّه ﷺ يسألونه: (هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) معناه: هل لنا معاشر المسلمين من أمر اللَّه نصيب قط؟ يَعنون النصر والإظهار على العدو (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) ولأوليائه المؤمنين، وهو النصر والغلبة (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: ٢١]، (وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) [الصافات: ١٧٣] (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ) معناه: يقولون لك فيما يظهرون: (هل لنا من الأمر من شيء) سؤال المؤمنين المسترشدين، وهم فيما يبطنون على النفاق، يقولون في أنفسهم، أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم: (إن الأمر كله للَّه): (لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، أي: لو كان الأمر كما قال محمدٌ: إن الأمر كله للَّه ولأوليائه وأنهم الغالبون؛ لما غُلِبْنا قط، ولما قُتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) يعنى من عَلِمَ اللَّهُ منه أنه يُقتلُ ويُصْرَع في هذه المصارع،
_________________
(١) ـ قال بعض الشارحين للمفصل: هذا يؤكد فعلك لا قولك، فإن قولك: "هذا عبد الله حقًا" جملة خبرية تحتمل الصدق والكذب، وقولك: "حقًا" بمنزلة قولك: حق ذلك حقًا، أي: ثبت ما حكمت بأن المشار إليه عبد الله. وقال ابن الحاجب: (غَيْرَ الْحَقِّ) و(ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ): مصدران، أحدهما: للتشبيه والآخر: توكيد لغيره، والمفعولان محذوفان، أي: يظنون أن إخلاف وعده حاصل. قوله: (حاتم الجود، ورجل صدق) من إضافة الاسم إلى المصدر، وكان الأصل حاتم الجواد ورجل صادق على الصفة، ثم أضيف الموصوف إلى الصفة لزيادة التخصيص، ثم لما أريد مزيد مبالغة جعلت الصفة مصدرًا، نحو: رجل عدل، فالإضافة بمعنى اللام، ولا بد من تقدير موصوف ليستقيم المعنى، ولهذا قال: "يريد الظن المختص بالملة الجاهلية".
[ ٤ / ٣٠٧ ]
وَكُتِبَ ذلكَ في اللوحِ لم يكنْ بُدُّ من وجوده، فلو قعدتم في بيوتكم (لَبَرَزَ) من بينكم (الَّذِينَ) علم اللَّه أنهم يُقتلون (إِلى مَضاجِعِهِمْ)، وهي مصارعهم ليكون ما علم اللَّه أنه يكون. والمعنى أن اللَّه كتب في اللوح قتْلَ من يُقتلُ من المؤمنين، وكتَبَ مع ذلك أنهم الغالبون، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما يُنكبونَ به في بعْضِ الأوقات تمحيص لهم، وترغيبٌ في الشهادة، وحِرْصُهم على الشهادة مما يحرّضهم على الجهاد، فتحصل الغلبة. وقيل: معناه هل لنا من التدبير من شيء؟ يعنون: لم نملك شيئًا من التدبير؛ حيث خرجْنا من المدينة إلى أحد، وكان علينا أن نقيمَ ولا نبرح، كما كان رأي عبد اللَّه بن أبيّ وغيْره، ولو ملكْنا من التدبير شيئًا لما قُتلنا في هذه المعركة، قل: إن التدبير كله للَّه، يريد: أن اللَّه ﷿ قد دبَّر الأمرَ كما جرى، ولو أقمتُم بالمدينةِ ولم تخرجوا من بيوتكم لما نجا من القتْلِ من قُتِلَ منكم. وقرئ: (كتب عليهم القتال) (وكتب عليهم القتل)، على البناء للفاعل
_________________
(١) ـ قوله: (لم يكن بد من وجوده) أي: من وجود أنه يقتل، ويجوز أن يرجع الضمير إلى من، أي: لابد من وجود من علم الله منه أنه يقتل. قوله: (وقيل: معناه هل لنا من التدبير من شيء؟) عطف على قوله: "هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب؟ " فعلى هذا، الاستفهام بمعنى الإنكار، وإليه الإشارة بقوله: "لم نملك شيئًا من التدبير"، وعلى الأول: سؤال استرشاد لكن على النفاق. قوله: (قل: إن التدبير كله لله) جعل المصنف (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) جوابًا لقوله: (هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ)، وجعل الأمر في السؤال والجواب شيئًا واحدًا، وحيث جعل الأمر بمعنى النصر أعاد في الجواب النصر، وحيث جعل بمعنى التدبير أعاد التدبير في الجواب، وذلك أن المعرف باللام إذا أعيد لم يكن غير الأول.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
ولبرِّز، بالتشديد وضم الباء (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ): وليمتحن ما في صدورِ المؤمنينَ من الإخلاص، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان فعل ذلك. أو فعل ذلك لمصالح جمةٍ وللابتلاء والتمحيص. فإن قلت: كيف مواقع الجمل التي بعد قوله: (وطائفة)؟ قلت: (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ) صفة ل (طائفة). و(يَظُنُّونَ) صفة أخرى، أو حالٌ بمعنى: قد أهمتهم أنفسهم ظانّين. أو استئناف على وجه البيان للجملة قبلها. و(يَقُولُونَ) بدل من (يظنون). فإن قلت: كيف صحَّ أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلا من الإخبار بالظن؟ قلت: كانت مسألتهم صادرة عن الظنّ، فلذلك جازَ إبداله منه. و(يخفون) حال من (يقولون). و(قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) اعتراض بين الحال وذوي الحال. و(يَقُولُونَ) بدل من (يُخْفُونَ)،
_________________
(١) قوله: (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ): صفة لـ (طَائِفَةً)، و(يَظُنُّونَ): صفة أخرى)، قال صاحب "التقريب": فيه نظر، لأنه لم يبق لـ (طَائِفَةً) خبر، فينبغي أن يقدر له خبر نحو: وثم، أو: ومنهم طائفة، أو يجعل (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ) صفة وأحد الأفعال بعده خبرًا، وقالوا: الأولى قول الزجاج: وجائز أن يرتفع، أي: (طَائِفَةً) على أن يكون الخبر (يَظُنُّونَ)، و(أَهَمَّتْهُمْ): نعت (طَائِفَةً)، أي: طائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون، قال سيبويه: المعنى: وطائفة قد أهمتهم أنفسهم، وهذه واو الحال. وقلت: الحق ما سبق: أن الخبر محذوف يدل عليه قوله: (يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ)، أي: طائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق، لم يغشهم النعاس، فعلى هذا الواو للعطف، وفائدة عطف الجملة الاسمية على الفعلية: الإيذان بحدوث الأمن لأولئك، واستمرار الخوف على هؤلاء. قوله: (كيف صح أن يقع ما هو مسألة عن الأمر؟) توجيه السؤال: أن مسألة الأمر،
[ ٤ / ٣٠٩ ]
_________________
(١) وهي قوله: (هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ)، ظاهرها سؤال مسترشد، وفي الحقيقة سؤال منكر كما سبق، وقوله: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ): إخبار عن الظن الباطل، فبينهما اختلاف، فكيف صح أن يقعا بدلا ًومبدلًا منه؟ وأجاب: أن سؤالهم ذلك لما نشأ من الظن الفاسد، صح الإبدال، إذ لولا الظن الفاسد لما أظهروا الاسترشاد وأبطنوا النفاق، فكان قولهم: هل لنا من الأمر شيء لذلك بدل اشتمال من قوله: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ). وقريب منه قول صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: معنى سؤالهم الإنكار، فكأنهم يقولون: ما لنا من الأمر شيء، لأنه ليس قصدهم فيما سألوا أن يبين لهم، فكأنه قيل: يظنون وينكرون. ووجدت في الحواشي: بيان تقدير السؤال وهو أن يقال: إن قوله: (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا): تفسير لـ (يَظُنُّونَ)، وترجمة له، والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر، لا يصح أن يقال: أخبرني زيد قال لي: لا تذهب؟ وكذلك كل ما لا طباق فيه، كما لو قال: نهاني قال لي: اضرب، أو أمرني قال لي: لا تضرب. قلت: هذا ليس بشيء؛ لأن الجواب لا ينطبق عليه، على أن البدل هو (يَقُولُونَ)، والسؤال مقول، على أن صاحب "المفتاح" جعل قوله تعالى: (قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ) [طه: ١٢٠] بيانًا لجملة قوله: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ)، والبدل في الحقيقة بيان كما سبق مرارًا، وأيضًا ناقص، حيث قال: والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر، وعلام بنى كلامه؟ على عدم الطباق بين الأمر والنهي، وعكسه يجوز أن يقال: نهاني قال لي: لا تضرب، أو: أمرني قال لي: اضرب، وإحدى الجملتين إخباري والأخرى إنشائي، وقيل أيضًا: في قوله: "كيف صح أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلًا من الإخبار؟ " نظر، إذ لم تقع المسألة عن الأمر بدلًا من الإخبار بالظن، بل وقع الإخبار عن المسألة بدلًا من الإخبار بالظن، إذ (يَقُولُونَ): بدل من (يَظُنُّونَ).
[ ٤ / ٣١٠ ]
والأجودُ أن يكونَ استئنافًا.
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ١٥٥].
_________________
(١) ـ وقلت: ما سأل هذا السؤال إلا بعد أن قال: "و(يَقُولُونَ): بدل من (يَظُنُّونَ) "، أي: كيف يصح ذلك الإبدال ومقول القول مسألة عن الأمر، والبدل إنما هو الكلام بجملته؟ قوله: (والأجود أن يكون استئنافًا) قيل: أي قوله: (يُخْفُونَ) لئلا يعترض بين الحال وذي الحال شيء. وقلت: لا يخلو الضمير في قوله: "أن يكون استئنافًا" من أن يرجع إلى قوله: (يُخْفُونَ)، أو إلى (يَقُولُونَ) الثاني، فإن كان الأول فمورد السؤال قوله: (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) وحده، فكأن سائلًا سأل عند هذا القول: هل سألوا ذلك سؤال المسترشدين كالمؤمنين أم لا؟ فقيل: لا، لأنهم يخفون في أنفسهم ما لا يبدون، وإن كان الثاني فمورد السؤال جملة قوله: (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) مع الحال، وتقريره: ما ذلك القول الذي كانوا يخفون في هذا القول؟ فأجيب: يقولون: أي: يقولون في أنفسهم، قولًا معناه: لو كان لنا من الأمر من شيء ما قُتلنا ها هنا، ويدل على هذا التأويل قوله فيما سبق: "وهم فيما يبطنون على النفاق يقولون في أنفسهم"، وفيه إثبات الكلام النفسي، فكانت الجملة المعترضة توكيدًا لهذا النعي عليهم، وأنت تعلم أن المعترضة مما يزين الكلام، فكيف يقال: لئلا يعترض بين الحال وذي الحال شيء؟ فقوله: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) على التفسير الأول: تذييل، وعلى الثاني: اعتراض، فظهر أن الأجود أن يكون الاستئناف من قوله: (يَقُولُونَ)؛ لأنه إملاء فائدة، ويجوز أن يكون استئنافًا بعد استئناف.
[ ٤ / ٣١١ ]
(اسْتَزَلَّهُمُ) طلب منهم الزَّلل ودعاهم إليه
_________________
(١) قوله: «اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ): طلب منهم الزلل). اعلم أن تأويل هذه الآية من المعضلات، والتركيب من باب الترديد للتعليق، كقول الشاعر: لو مسها حجر مسته سراء لأن قوله: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ): خبر (إِنَّ)، وزيدت "إن" للتوكيد وطول الكلام، و"ما": لتكفها عن العمل، وأصل التركيب: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما تولوا لأن الشيطان وليهم بسبب اقتراف الذنوب، كقولك: إن الذي أكرمك إنما أكرمك لأنك تستحقه، ثم قوله: (اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ): ما أن يراد به ذنوب اقترفوها قبل التولي، فصارت تلك الذنوب سببًا لهذا التولي، فيكون من باب إطلاق السبب على المسبب، يدل عليه قوله: "كانوا أطاعوا الشيطان … حتى تولوا"، ونحوه: إن الذي أعطاك إنما أكرمك لأنه جواد وأنت مستحق، أو أن يراد به هذا الذنب الخاص، وهو التولي يوم أحد، فهو المراد من قوله: "وقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي"، فالمعنى: إن الذين انهزموا يوم أحد إنما ارتكبوا هذا الذنب لما تقدمت لهم الذنوب، والوجوه الآتية مترتبة على هذا الوجه بحسب تفسير (بَعْضِ مَا كَسَبُوا)، فإن أريد به: اقتراف الذنوب، كان المعنى: إن الذين انهزموا إنما انهزموا لأنهم اقترفوا ذنوبًا قبل ذلك، وإليه الإشارة بقوله: "لأن الذنب يجر إلى الذنب"، وإن أريد به قبول ما زين لهم الشيطان، كان المعنى: إن الذين انهزموا إنما انهزموا لأنهم قبلوا ما زين لهم الشيطان من الهزيمة، وعلى هذا التقدير: "ما زين لهم الشيطان" هو تركهم المركز، يعني أنهم إنما انهزموا لما خالفوا أمر الرسول ﷺ في ثباتهم على المركز، وإن أريد به التذكير
[ ٤ / ٣١٢ ]
(بِبَعْضِ ما كَسَبُوا) من ذنوبهم، ومعناه: أنّ الذين انهزموا يوم أُحُدٍ كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبًا؛ فلذلك منعتهم التأييدَ وتقويةَ القلوبِ حتى تولَّوْا. وقيل: استزلالُ الشيطان إياهم هو التولّي، وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت لهم؛ لأنّ الذنب يجرّ إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفًا فيها. وقال الحسنُ ﵁: استزلّهم بقبول ما زيَّن لهم من الهزيمة. وقيل: (بِبَعْضِ ما كَسَبُوا): هو تركهم المركز الذي أمرهم رسول اللَّه ﷺ بالثبات فيه. فجرَّهم ذلك إلى الهزيمة.
وقيل: ذكَّرهم تلك الخطايا فكرهوا لقاءَ اللَّه معها، فأخَّروا الجهاد حتى يُصلحوا أمرهم، ويجاهدوا على حال مرضية. فإن قلت: لم قيل (بِبَعْضِ ما كَسَبُوا)؟ قلت: هو كقوله تعالى (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ). [المائدة: ١٥]، …
_________________
(١) فالمعنى: إن الذين تولوا إنما تولوا لأن الشيطان ذكرهم مقارفة الذنوب التي تقدمت لهم، فلذلك كرهوا لقاء الله، والتركيب على التقادير من باب تحقيق الخبر، كقوله: إن التي ضربت بيتًا مهاجرة … بكوفة الجند غالت ودها غول وليس من باب أن الصلة علة للخبر، كقولهم: إن الذين آمنوا لهم درجات النعيم؛ لأن قوله: (بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) يأباه التحقيق. قوله: (فلذلك منعتهم) أي: لأجل أنهم أطاعوا الشيطان واقترفوا ذنوبًا منعتهم التأييد جزاء لهم على طاعة الشيطان. قوله: (وتكون لطفًا فيها) أي: تكون الطاعة الأولى سببًا لمنح التوفيق على الطاعة الثانية. قوله: (وقيل: ذكرهم تلك الخطايا): عطف على قوله: "وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت". قوله: (هو كقوله تعالى: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [المائدة: ١٥])، قيل: يعني: بما كسبوا،
[ ٤ / ٣١٣ ]
(وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) لتوبتهم واعتذارِهم (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) للذنوب، (حَلِيمٌ) لا يعاجل بالعقوبة
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) ١٥٦ - ١٥٨].
(وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ)، أي: لأجل إخوانهم، كقوله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ)، [الأحقاف: ١١] ومعنى الأخوّة: اتفاق الجنس أو النسب. (إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها. (أَوْ كانُوا غُزًّى) جمع غاز،
_________________
(١) والبعض زائدة كما أن "عن" زائدة في قوله: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، والأشبه أن يقال: هذه العقوبة ليست بكل ما كسبوا، فإنكم تستحقون به عقوبة أزيد منها، لكنه تعالى من عليكم بفضله وعفا عن كثير وأخذ ببعض ما كسبتم، يبين ذلك قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) [فاطر: ٤٥]، ولذلك ذيله بقوله: (أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) فالتشبيه بين الآيتين بحسب المفهوم، لا في زيادة اللفظ. قوله: (والله غفور)، وفي بعض النسخ: (أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ)، وعليه التلاوة. قوله: (جمع غاز)، قال الزجاج: (غُزًّى) جاء على القصر، وفعل: جمع فاعل، نحو: ضارب وضرب وشاهد وشهد، ويجمع على فعال، نحو: ضارب وضراب، وغزاء يجوز ولكن لم يقرأ به.
[ ٤ / ٣١٤ ]
كعاف وعفى، كقوله:
عُفَّى الحِياضِ أُجُونُ
وقُرِئ بتخفيفِ الزاي على حذف التاء من غزاة
_________________
(١) ـ قال أبو البقاء: والقياس: غزاة، كقاض وقضاة، ولكنه جاء على "فعل" حملًا على الصحيح نحو: شاهد وشهد. قوله: (عفى الحياض أجون) أوله: على كالختيف السحق يدعو به الصدى ويروى: ومغبرة الآفاق خاشعة الصوى الصوى: الأعلام من الحجارة. ويروى: له قلب عفى الحياض أجون النهاية: الختيف، بالخاء المعجمة والتاء المنقوطة من فوق: نوع غليظ من أردى الكتان، السحق: الثوب البالي، وقلب: جمع القليب، وهي البئر العادية القديمة، والأجون: المياه المتغيرة. يصف مفازة اندرست سبيلها كما بلي هذا النوع من الثياب، وعفت حياضها وأجن ماؤها. قوله: (وقرئ بتخفيف الزاي)، قال أبو البقاء: فيه وجهان، أحدهما: أن أصله غزاة
[ ٤ / ٣١٥ ]
فإن قلت: كيف قيل:
(إِذا ضَرَبُوا) مع (قالُوا)؟ قلت: هو على حكاية الحال الماضية، كقولك: حين يضربون في الأرض فإن قلت: ما متعلق (ليجعل)؟ قلت: (قالوا)، أي: قالوا ذلك واعتقدوه؛ ليكون (حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ)
_________________
(١) ـ فحذفت الهاء تخفيفًا؛ لأن التاء دليل الجمع، وقد حصل ذلك من نفس الصيغة. وثانيهما: أنه أراد قراءة الجماعة فحذف إحدى الزاءين كراهية التضعيف. قوله: (كيف قيل: (إِذَا ضَرَبُوا)؟) أي: القياس أن يقال: إذ ضربوا، لأن "إذا" مختصة بالاستقبال، والجملة واردة على صيغة المضي فناسب "إذ". قوله: (على حكاية الحال الماضية) يعني: كان قولهم ذلك مقيدًا في ذلك الزمان بهذا القيد، فاستحضر الآن أيها المخاطب تلك الحال لأنها مستمرة، وينصره ما قال الزجاج: (إِذَا) ها هنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل جميعًا، والأصل الماضي، تقول: أتيتك إذ قمت، والمعنى: إذا ضربوا في الأرض شأنهم هذا أبدًا، ونحو: فلان إذا حدث صدق، وإذا ضرب صبر. قوله: (كقولك: حين يضربون في الأرض) يعني: معنى قوله: (إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ) معنى حين يضربون في الأرض، ومؤداه مؤداه، قال أبو البقاء: يجوز "إذا" أن يحكى بها حالهم فلا يراد بها المستقبل، فعلى هذا يجوز أن يعمل فيها (قَالُوا) وهو للماضي، ويجوز أن يكون (كَفَرُوا) و(وَقَالُوا) ماضيين، ويراد بهما المستقبل المحكي به الحال، فالتقدير: يكفرون ويقولون لإخوانهم. قوله: (ليكون (حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ» لما كان إيقاع الحسرة مترتبًا على قولهم، من غير أن يكون الثاني مطلوبًا بالأول، شبه بأمر مترتب على أمر يكون الأول غرضًا في الثاني على التهكم، ثم استعير لترتب المشبه كلمة الترتب المشبه به وهي اللام.
[ ٤ / ٣١٦ ]
على أنّ اللام مثلها في: (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [القصص: ٨]؛ أو (لا تكونوا)، بمعنى: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده، ليجعله اللَّه حسرة في قلوبهم خاصَّة ويصون منها قلوبكم. فإن قلت:
ما معنى إسناد الفعل إلى اللَّه تعالى؟ قلتُ: معناه: أنّ اللَّه عزَّ وعلا عند اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغمَّ والحسْرةَ في قلوبهم، ويُضيِّق صدورَهم عقوبةً، فاعتقادُه فعلُهم وما يكون عنده من الغمِّ والحسرة وضيق الصدر فعلُ اللَّه ﷿ كقوله: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) [الأنعام: ١٢٥] ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دلّ عليه النهى، أي: لا تكونوا مثلهم، ليجعل اللَّه انتفاء كونِكم مثلَهم حسرة في قلوبهم؛
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون ذلك إشارة): عطف على قوله: "بمعنى لا تكونوا مثلهم"، أي: يتعلق (لِيَجْعَلَ) بقوله: (لا تَكُونُوا) على أن يكون ذلك إشارة إلى القول والاعتقاد، أو يكون إشارة إلى ما دل عليه النهي. وتلخيص الوجوه الثلاثة هو: أن التعليل في الوجه الأول دخل في حيز الصلة ومن جملة المشبه به، والمعنى: لا تكونوا مثلهم في القول الباطل والمعتقد الفاسد المؤديين إلى الحسرة والندامة والدمار في العاقبة، وفي الثاني: العلة خارجة عن جملة المشبه به، لكن القول والمعتقد داخلان فيه، أي: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل انتفاء كونكم معهم في ذلك القول والاعتقاد حسرة في قلوبهم خاصة، وفي الثالث: الكل خارج منه، والمعنى: ما قدر، أي: لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، وقوله: (وَقَالُوا): ابتداء كلام عطف على مقدرات شتى كما تقتضيه أقوال المنافقين وأحوالهم، ودل على العموم قوله: "لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون، ومضادتهم، مما يغمهم ويغيظهم"، وسيجيء مثل هذا القطع والابتداء بعيد هذا في قوله: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ).
[ ٤ / ٣١٧ ]
لأنّ مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون، ومضادّتهم مما يَغمُّهم ويغيظُهم. (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) ردٌّ لقولهم. أي: الأمر بيده، قد يحيى المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد كما يشاء. وعن خالد بن الوليد ﵁ أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبرٍ إلا وفيه ضربةٌ أو طعْنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العَيْر، فلا نامت أعينُ الجبناء! (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فلا تكونوا مثلهم. وقُرِئ بالياء، يعنى الذين كفروا.
_________________
(١) فإن قلت: فما وجه اتصاله بالتشبيه، وما تلك المقدرات؟ قلت: لما وقع التشبيه على عدم الكون عم جميع ما يتصل بهم من الرذائل وخص المذكور لكونه أشنع وأبين لنفاقهم، أي: بأنهم أعداء الدين؛ لم يقصروا في المضادة والمضارة، بل فعلوا كيت وكيت، وقالوا: كذا وكذا! ونظير موقعه موقع قوله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [الممتحنة: ٢] من قوله: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) [الممتحنة: ١]. قوله: (قد يحيي المسافر) أراد تحقيق قولهم: الشجاع موقى، والجبان ملقى. قوله: (وعن خالد بن الوليد أنه قال عند موته) على آخره مذكور في "الاستيعاب"، وفيه: أن رسول الله ﷺ ذكر خالدًا فقال: "نعم عبد الله وأخو العشيرة وسيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين". قوله: (وقرئ بالياء): قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: "يعملون" بالياء التحتانية.
[ ٤ / ٣١٨ ]
(لَمَغْفِرَةٌ) جوابُ القسم، وهو سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرْط، وكذلك (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ).
كذَّبَ الكافرينَ أوّلًا في زعمهم: أن من سافرَ من إخوانِهم أو غزا لو كان في المدينة لَمَا مات، ونهى المسلمين عن ذلك؛ لأنه سبب التقاعد عن الجهاد، ثم قال لهم: ولئنْ تمَّ عليكم ما تخافونَه من الهلاك بالموتِ أوالقتْلِ في سبيل اللَّه، فإنّ ما تنالونه من المغفرة والرَّحمة بالموتِ في سبيل اللَّه خيرٌ مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا. وعن ابن عباس ﵄: خير من طِلاعِ الأرض ذهبة حمراء
_________________
(١) قوله: «لَمَغْفِرَةٌ): جواب القسم، وهو ساد مسد جواب الشرط)، فاللام في قوله: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ): موطئة للقسم، وقوله: "ولئن تم عليكم ما تخافونه"، إلى قوله: "فإن ما تنالونه". بيان لمعنى القسم مع الشرط وجوابه، وفيه إيذان بأن الجزاء مضمن معنى الإعلام والتنبيه. قوله: (من الهلاك بالموت أو القتل في سبيل الله)، قدم "الموت" على "القتل"، والتلاوة على العكس؛ لأن سياق كلامه على ما عليه المتعارف أن الهلاك بالموت أكثر منه بالقتل، يدل عليه قوله: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ)؛ لأن المحشور الميت أكثر من المقتول، وإنما قدم في التنزيل القتل في قوله: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ) لأن الكلام في الرد على من قال: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)، وفي بيان عدم المساواة بينهما، لأن المطلوب من المؤمنين الشهادة والإنفاق في سبيل الله، يعني: هلاككم في سبيل الله لنيل المغفرة والفوز بالثواب سبب لأن تخبروا أن ذلك الهلاك الجالب للمغفرة خير من الحياة التي هي موجب جمع المال، فوضع قوله: (مِمَّا يَجْمَعُونَ) موضع حياتكم، استهجانًا لما عليه الإنسان من الكدح في جمع المال وجعله قصارى مباغيه من الحياة الدنيوية، وفي توكيد التركيب بالقسم تتميم لهذه الدقيقة. قوله: (طلاع الأرض)، الجوهري: طلاع الشيء: ملؤه، قال الحسن: لأن أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهبًا، قال الأصمعي: طلاع الأرض: ملؤها. قوله: (ذهبة حمراء)، الجوهري: الذهب معروف، وربما أنث، والقطعة منه: ذهبة.
[ ٤ / ٣١٩ ]
وقُرِئَ بالياءِ، أي يجمعُ الكفّار (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) لَإلى اللَّه الرحيم الواسع الرحمة، المثيب العظيم الثواب تحشرون. ولوقوع اسم اللَّه تعالى هذا الموقع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به، شأن ليس بالخفي. قرئ (مُتُّمْ) بضم الميم وكسرها، من مات يموت ومات يمات.
_________________
(١) قوله: (وقرئ بالياء): حفص: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. قوله: (شأن ليس بالخفي) وهو ما ذكره لإلى الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب، وإنما كرر هذه المعاني لما أن اسم الذات الجامع لمعاني الأسماء الحسنى كما نقلنا عن الأزهري والمالكي في أول الكتاب، تتجلى لكل مقام بما يناسبه، وهذا مقام من بذل مهجته لوجهه تعالى فوصل إلى مقام تجلي الرحمة والثواب العظيم، فكان على ما قاله ولله دره، والحرف وإن دخل على الحرف صورة، فهو على التحقيق دخل على الجملة عن المصنف. قوله: (وقرئ: (مُتُّمْ) بضم الميم): ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: حيث وقع، وتابعهم حفص على الضم في (متُّ) و(مُتُّمْ) في هذه السورة خاصة، والباقون: بكسر الميم. قال صاحب "الكشف": (مُتُّمْ) بالكسر والضم لغتان، من كسر قال: أصله: موت، فنقلت الكسرة من الواو إلى الميم، كما في: خاف وخفت، وأصله: خوفت، وهاب هبت، وأصله: هيبت، ومن ضم قال: أصله: موت، مثل: قال، في أن أصله: قول، فكما تقول: قلت، قل: مت.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
(فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) ١٥٩].
«ما» مزيدة للتوكيد والدلالة على أنّ لِينَه لهم ما كان إلا برحمةٍ من اللَّه. ونحوه (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ) [المائدة: ١٣]، ومعنى الرحمة: ربطه على جاشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم،
_________________
(١) قوله: ("ما": مزيدة للتوكيد والدلالة) لابد من تقدير محذوف ليصح الكلام؛ لأن الحصر مستفاد من تقديم الجار والمجرور على العامل، والتوكيد من زيادة "ما"، فالمعنى: "ما" مزيدة للتوكيد، والجار والمجرور مقدم للدلالة، فهو من باب اللف التقديري. قوله: (ربطه على جأشه) بالهمز، الجوهري: يقال: فلان رابط الجأش، أي: شديد القلب، كأنه يربط نفسه عند الفرار لشجاعته. قوله: (ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق) يعني: أفاد قوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ) في هذا المقام فائدتين: إحداهما: ما يدل على شجاعته، وثانيتهما: ما يدل على رفقه، وهو من باب التكميل، قال: حليم إذا ما الحلم زين أهله … مع الحلم في عين العدو مهيب وقد اجتمع فيه صلوات الله عليه هاتان الصفتان يوم أحد، حيث ثبت حتى كر إليه أصحابه مع أنه شج وكسر رباعيته ثم ما زجرهم ولا عنفهم على الفرار، بل آساهم في الغم كما قال: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ)، وهو المراد بقوله: "ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق"، وفيه أن هذه الآيات: من ها هنا إلى قوله: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) مرتبط
[ ٤ / ٣٢١ ]
حتى أثابهم غمًّا بغم وآساهم بالمباثة بعدما خالفوه وعصَوْا أمَره وانهزموا وتركوه. (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا) جافيًا (غَلِيظَ الْقَلْبِ) قاسيه (لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ): لتفرّقوا عنك حتى لا يبقى حولَكَ أحدٌ منهم (فَاعْفُ عَنْهُمْ) فيما يختص بك، (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) فيما يختص بحق اللَّه؛ إتماما للشفقة عليهم (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) يعنى: في أمرِ الحرْبِ ونحوِه مما لم ينزل عليك فيه وحْيٌ لتستظهر برأيهم، ولما فيه من تطييب نفوسِهم، والرفع من أقدارهم. وعن الحسن ﵁: قد علم اللَّه أنه ما به إليهم حاجة، ولكنه أراد أن يستنّ به من بعده. وعن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: «ما تشاور قومٌ قطُّ إلا هُدوا لأرشد أمرهم»، وعن أبى هريرة ﵁: ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة من أصحاب الرسول ﷺ، وقيل: كان ساداتُ العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شقَّ عليهم فأمر اللَّه رسوله ﷺ بمشاورة أصحابه؛ لئلا يثقُلَ عليهم استبدادُه بالرأي دونهم. وقرئ: (وشاورهم في بعض الأمر) (فَإِذا عَزَمْتَ): فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح،
_________________
(١) بعضها ببعض، فإن قلت: جعل الله تعالى الرحمة من الله علة للينه صلوات الله عليه مع أصحابه، وقد فسرها بأمرين، وثانيهما ظاهر المدخل في العلية، فبين وجه الأول؟ قلت: الشجاع الحقيقي من ملك نفسه عند الغضب كما جاء في صحاح الحديث: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، فربط الله جأشه سبب لكسر سورة الغضب الموجب لغلظة القلب، والحمل على اللين، فاعجب بشدة هي في الحقيقة لين! قوله: (بالمباثة) البث: إظهار الحال والحزن، الجوهري: أبثثتك سري، أي: أظهرته لك. قوله: «فَظًّا): جافيًا)، الزجاج: الفظ: الغليظ الجانب السيء الخلق، يقال: فظظت تفظ فظاظة وفظظًا.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
فإنّ ما هو أصلح لك لا يعلمُه إلا اللَّه لا أنتَ ولا من تُشاور. وقُرِئ (فَإِذا عَزَمْتُ) بضم التاء، بمعنى: فإذا عزمتُ لك على شيءٍ وأرشدتُك إليه فتوكّل علي ولا تُشاوِرْ بعدَ ذلكَ أحدًا.
(إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَاتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَاواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ١٦٠ - ١٦٢].
(إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ) كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ) كما خذلكم يوم أحد (فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ) وهذا تنبيه على أن الأمر كله للَّه، وعلى وجوب التوكل عليه. ونحوه (ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ). [فاطر: ٢] (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد خذلانه، أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان، تريد: إذا جاوزته. وقرأ عبيد بن عمير: وإن يخذلكم، من: أخذله إذا جعله مخذولا،
_________________
(١) قوله: (من بعد فلان، تريد: إذا جاوزته)، الجوهري: بعد نقيض قبل، وهما اسمان يكونان ظرفين إذا أضيفا، وأصلهما الإضافة. فقول المصنف (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد خذلانه، وارد على الزمان، لكن بحذف المضاف، وأما قوله: "من بعد فلان تريد: إذا جاوزته"، فوارد على المكان، ومن ثم قيل: تقول: جئت بعد فلان ومن بعد فلان بمعنى واحد، ولكن إذا جئت بـ "من" كأنك تتعرض بالابتداء، أي: موضع ابتداء المجيء.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
وفيه ترغيب في الطاعة وفيما يستحقون به النصر من اللَّه تعالى، والتأييد، وتحذير من المعصية ومما يستوجبون به العقوبة بالخذلان (وَعَلَى اللَّهِ) وليخصَّ المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه؛ ولأن إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه
_________________
(١) ـ وجاء في "المغرب": قوله، أي: قول محمد: وإن كان ليس بالذي لا بعد له، يعني: ليس بنهاية في الجودة، وكأنه ﵀ أخذه من قولهم: هذا مما ليس بعده غاية في الجودة والرداءة، وربما اختصروا فقال: ليس بعده، ثم أدخل عليه "لا" النافية للجنس واستعمله استعمال الاسم المتمكن. قوله: (وفيه ترغيب في الطاعة .. وتحذير من المعصية)، هذا القول بعد قوله: "وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله" إشارة إلى أن عبارة النص دلت على أن الأمر كله لله، وعلى وجوب التوكل عليه، وأن إشارة النص دلت على أن الله تعالى لا ينصر ابتداءً بل ينصر بسبب تقدم الطاعة، ولا يخذل إلا بعد استحقاق المكلف الخذلان بسبب المعاصي، بناءً على مذهبه. وأما تقدير الآيات على مذهب أهل السنة: فإن قوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ) تذييل للكلام السابق وتوكيد له، وفيه إشارة إلى أن المكلف إذا علم أن الأمر كله لله رجع في جميع ما سنح له من المطالب والمآرب إليه ﷾، فإذا لابد من تحري رضا مولاه وتقدم الوسيلة بين يدي المآرب، ولا يحصل الرضا إلا بالاحتراز عن المعاصي، ولا تنجح المطالب إلا بتقدم الوسيلة، ولا وسيلة للعباد سوى العبادة والطاعة، فصح قوله: فيه ترغيب وتحذير. ثم إن الآية السابقة واردة في صفة الرسول ﷺ، والمقصود منها إظهار الشفقة على المؤمنين والرفع من أقدارهم، ومذيلة بالأمر بالتوكل المعلل بالمحبة، وهذه في وصف الله تعالى، والمقصود أيضًا راجع إليهم، ومذيلة بالأمر بالاختصاص بالتوكل إيذانًا بأن عمدة الأمر هو التوكل. قوله: (لعلمهم أنه لا ناصر سواه) يعني: وضع "المؤمنون" موضع الضمير؛ للإشعار بأن صفة الإيمان هي المقتضية لاختصاص الله بالتوكل، وفيه تعريض بأن من لم يتوكل على الله تعالى لم يكن من كمال الإيمان في شيء
[ ٤ / ٣٢٤ ]
يقال: غلّ شيئًا من المغنم غلولا، وأغلّ إغلالًا، إذا أخذه في خفية. يقال: أغلّ الجازر: إذا سرق من اللحم شيئًا مع الجلد. والغل: الحقد الكامن في الصدر، ومنه قوله ﷺ «من بعثناه على عمل فغلّ شيئًا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه». وقوله ﷺ: «هدايا الولاة غلول» وعنه «ليس على المستعير غير المغل ضمان» وعنه «لا إغلال ولا إسلال» ويقال: أغله إذا وجده غالًا، كقولك: أبخلته وأفحمته.
ومعنى (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) وما صحّ له ذلك، يعنى أن النبوة تنافي الغلول، وكذلك من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى معنى الأوّل؛ لأن معناه: وما صح له أن يوجد غالًا، ولا يوجد غالًا إلا إذا كان غالًا.
وفيه وجهان: أحدهما أن يبرأ رسول اللَّه ﷺ من ذلك وينزه، وينبه على عصمته
بأن النبوّة والغلول متنافيان؛ لئلا يظن به ظانّ شيئًا منه وألا يستريب به أحد،
_________________
(١) ـ قوله: (غير المغل) هو صفة المستعير. قوله: (ولا إسلال)، النهاية: الإسلال: السرقة الخفية، يقال: سل البعير وغيره في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الإبل، وهي السلة، وأسل، أي: صار ذا سلة، وإذا أعان غيره عليه، ويقال: الإسلال: الغارة الظاهرة. قوله: (من قرأ على البناء للمفعول): ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: (أَنْ يَغُلَّ) بفتح الياء وضم الغين، والباقون: بضم الياء وفتح الغين. ولما كان معنى هذه القراءة على سبيل الكناية راجعًا إلى القراءة الأولى قال: "فهو راجع إلى معنى الأول" وإن كانت أبلغ.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
كما روي: أنّ قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض المنافقين: لعل رسول اللَّه ﷺ أخذها. وروي: أنها نزلت في غنائم أحد، حين ترك الرماة المركز، وطلبوا الغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول اللَّه ﷺ: من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال لهم النبي ﷺ: (ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمرى) فقالوا:
تركنا بقية إخواننا وقوفًا، فقال ﷺ: (بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم).
والثاني: أن يكون مبالغة في النهي لرسول اللَّه ﷺ على ما روي: أنه بعث طلائع فغنمت غنائم
_________________
(١) ـ قوله: (وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر) مخالف لما رواه في سورة الأنفال: عن عبادة بن الصامت: نزلت فينا يا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل، فنزعه الله من أيدينا وجعله لرسول الله ﷺ، فقسمه بين المسلمين على السواء، ولعله أراد بالغنائم الأنفال، وأن المراد ما قال أيضًا فيها: "النفل: ما ينفله الغازي، أي: يعطى زائدًا على سهمه من المغنم، وهو أن يقول الإمام تحريضًا على البلاء في الحرب: "من قتل قتيلًا فله سلبه"، أو قال لسرية: ما أصبتم فهو لكم، أو: فلكم نصفه، أو ربعه". قوله: (والثاني: أن يكون مبالغة في النهي) يعني: أجرى الخبري مجرى الطلبي مبالغة، الانتصاف: يشهد لورود هذه الصيغة نهيًا مواضع من التنزيل: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) [الأنفال: ٦٧]، (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ١١٣]، (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) [الأحزاب: ٥٣].
[ ٤ / ٣٢٦ ]
فقسمها ولم يقسم للطلائع؛ فنزلت. يعنى: وما كان لنبيّ أن يعطى قومًا ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية. وسمي حرمان بعض الغزاة «غلولًا» تغليظًا وتقبيحًا لصورة الأمر، ولو قرئ: (أَنْ يَغُلَّ) من أغل، بمعنى غل، لجاز (يَاتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) يأت بالشيء الذي غله بعينه يحمله
_________________
(١) ـ الإنصاف: يعارضه ورود هذه الصيغة للامتناع العقلي كثيرًا: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) [مريم: ٣٥]، وكذا: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا) [النمل: ٦٠]. قوله: (لم يقسم للطلائع)، النهاية: هم القوم الذين يبعثون ليطلعوا طلع العدو كالجواسيس، واحدهم: طليعة، وقد تطلق على الجماعة، والطلائع: الجماعات. قوله: (تغليظًا وتقبيحًا لصورة الأمر)، الانتصاف: هذا مخالف لعادة لطف الله برسوله ﷺ في التأديب ومزجه باللطف، (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) بدأه بالعفو، فما كان للزمخشري أن يعبر بهذه العبارة. وقلت: قد جاء أغلظ من ذلك بناء على التهييج والإلهاب، نحو قوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥] أو التعريض: (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ) ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: ١٨٧] قال: كنى عن مباشرة النساء بالرفث استهجانًا لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختيانًا. قوله: (بالشيء الذي غله بعينه) أي: لا يؤول قوله: (يَاتِ بِمَا غَلَّ) بما احتمل من وباله وإثمه، بل يجري الكلام على حقيقته كما جاء في الحديث، والحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك"
[ ٤ / ٣٢٧ ]
كما جاء في الحديث «جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» وروى: «ألا لا أعرفنّ أحدكم يأتي ببعير له رغاءٌ وببقرة لها خُوارٌ وبشاةٍ لها ثًغاءٌ، فينادى: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من اللَّه شيئًا فقد بلغتك» وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسكٍ، فتليت عليه الآية، فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. ويجوز أن يراد: يأتي بما احتمل من وباله وتبعته وإثمه فإن قلت: هلا قيل: ثم يوفى ما كسب، ليتصل به! قلت: جيء بعامّ دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى، وهو أبلغ وأثبت؛ لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيرًا أو شرًا مجزي فموفى جزاءه؛ علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب.
(وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي: يعدل بينهم في الجزاء، كلٌّ جزاؤه على قدر كسبه.
(هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ١٦٣ - ١٦٤].
_________________
(١) الحديث، وعن الترمذي وأبي داود: "فوالذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" الحديث. قوله: (لا أعرفن) من باب قولهم: لا أرينك ها هنا. قوله: (إذن أحملها طيبة الريح) لابد أن يكفر القائل؛ لأنه إما قالها تهكمًا أو استخفافًا وقلة مبالاة بالمطلوب، أو تحقيرًا للذنب، ولا ينبغي أن يذكر أمثال هذه الهنات في تفسير كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. قوله: (فاتصل به من حيث المعنى، وهو أبلغ وأثبت). قلت: لأن الكناية أبلغ من التصريح؛ لأنها كدعوى الشيء بالبينة.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
(هُمْ دَرَجاتٌ) أي: هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات كقوله:
أَنَصْبٌ لِلْمَنِيَّةِ تَعْتَرِيهِمْ رِجَالِى أمْ هُمُو دَرَجُ السُّيُولِ
وقيل: ذوو درجات، والمعنى: تفاوت منازل المثابين منهم، ومنازل المعاقبين، أو التفاوت بين الثواب والعقاب.
(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ): عالم بأعمالهم ودرجاتها فمجازيهم على حسبها.
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ): على من آمن مع رسول اللَّه ﷺ من قومه، وخص المؤمنين منهم؛ لأنهم هم المنتفعون بمبعثه (مِنْ أَنْفُسِهِمْ): من جنسهم، عربيا مثلهم. وقيل: من ولد إسماعيل، كما أنهم من ولده، فإن قلت: فما وجه المنة عليهم في أن كان من أنفسهم؟ قلت: إذا كان منهم كان اللسان واحدًا، فسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه، وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به، وفي كونه من أنفسهم شرف لهم،
_________________
(١) ـ قوله: (أنصب للمنية) البيت، النصب: رفعك شيئًا تنصبه قائمًا مثل الغرض والهدف، تعتريهم أي: تصيبهم وتلحقهم، المعنى: كأن رجالي لكثرة ما يموتون غرض للموت. قال الزجاج: أي: هم ذوو درج، أو هم درج السيول، على الظرف، أي: في درج. الجوهري: قولهم: خل درج الضب، أي: طريقه. قوله: «وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) عالم بأعمالهم)، النهاية: وفي أسماء الله تعالى البصير، وهو الذي يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وباطنها وخافيها بغير جارحة، والبصر عبارة في حقه عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات، وقال الأزهري: البصير في صفة العباد هو المدرك ببصره الألوان، وسمع الله وبصره لا يكيفان ولا يحدان، والإقرار بهما واجب كما في وصف نفسه.
[ ٤ / ٣٢٩ ]
كقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) [الزخرف: ٤٤] وفي قراءة رسول اللَّه ﷺ وقراءة فاطمة ﵂: من أنفسهم، أي: من أشرفهم؛ لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد ﷺ.
وفيما خطب به أبو طالب في تزويج خديجة ﵂ وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر:
الحمد للَّه الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معدّ وعنصر مضر،
_________________
(١) قوله: «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) [الزخرف: ٤٤]) أي: شرف ونباهة، كقوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) [ص: ١]. قوله: (الحمد لله) الخطبة مذكورة في كتاب "الوفا" لابن الجوزي، رواه عن أبي الحسين ابن فارس، وتمامه فيه: "فإن كان في المال قل، فالمال ظل زائل، ولهو حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالي، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل". الضئضئ: الأصل، النهاية: يقال: ضئضئ صدق وضؤضؤ صدق: العنصر، بضم العين وفتح الصاد: الأصل، وقد تضم الصاد، والنون زائدة عند سيبويه؛ لأنهل يس عنده فعلل بالفتح.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
وجَعَلَنا حَضَنةَ بيته، وسُوّاس حرمه، وجَعَل لنا بيتًا محجوجًا وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد اللَّه من لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح به، وهو - واللَّه - بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل. وقرئ: (لمن منّ اللَّه على المؤمنين إذ بعث فيهم). وفيه وجهان: أن يراد لمن منّ اللَّه على المؤمنين منه أو بعثه إذ بعث فيهم، فحذف لقيام الدلالة، أو يكون إذ في محل الرفع كـ "إذا" في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائمًا، بمعنى لمن منّ اللَّه على المؤمنين وقت بعثه
_________________
(١) ـ قوله: (وجعلنا حضنة بيته)، النهاية: في الحديث: "أنه خرج محتضنًا أحد ابني بنته" أي: حاملًا له في حضنه، والحضن كالجنب، جعل الكعبة كالولد: يحتاج في خدمتها إلى الحاضنة. قوله: (وسواس حرمه)، النهاية: أي: متولي أمره كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية، والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه. قوله: ("إذ" في محل الرفع، كـ "إذا" في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائمًا)، اعلم أن في قوله: "اخطب ما يكون الأمير قائمًا"، مذاهب: أحدها: مذهب البصريين، وتقديره: أخطب ما يكون الأمير حاصل إذا كان قائمًا، حذف متعلق الظرف على القياس؛ لأن الظرف إذا وقع خبرًا للمبتدأ أو نحوه حذف متعلقه إذا كان عامًا. وثانيها: مذهب الكوفيين، وتقديره: أخطب ما يكون الأمير قائمًا حاصل. والثالث: مذهب بعضهم أن "ما" في هذه المسألة: ظرفية، فالتقدير: أخطب أوقات الأمير وقت قيامه؛ ضرورة أن "أفعل" لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له، والخبر إذًا نفس الظرف فلا يحتاج إلى حاصل، وإنما جعلوه ظرفًا لكثرة وقوع "ما" المصدرية ظرفًا،
[ ٤ / ٣٣١ ]
(يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِه) بعد ما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي (وَيُزَكِّيهِمْ) ويطهرهم من دنس القلوب بالكفر ونجاسة سائر الجوارح بملابسة المحرمات وسائر الخبائث، وقيل: ويأخذ منهم الزكاة (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ): القرآن والسنة بعد ما كانوا أجهل الناس وأبعدهم من دراسة العلوم.
(وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ): من قبل بعثة الرسول. (لَفِي ضَلالٍ) إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتقديره: وإنّ الشأن والحديث كانوا من قبل في ضلال (مُبِينٍ) ظاهر لا شبهة فيه.
(أَوَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) ١٦٥ - ١٦٨].
(أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ): يريد ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم، (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها) يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين. و(لَمَّا) نصب ب (قلتم)، و(أَصابَتْكُمْ) في محل الجرّ بإضافة (لَمَّا) إليه وتقديره: أقلتم حين أصابتكم. و(أَنَّى هذا) نصبٌ، لأنه مقول، والهمزة للتقرير والتقريع، فإن قلت: علام عطفت الواو هذه الجملة؟
_________________
(١) ـ والمصنف اختار ها هنا هذا المذهب، وتقرير معنى هذا الوجه: أنه إذا جعلت أوقاته خطبًا فقد جعل الرجل خطيبًا على المبالغة، كقولهم: نهاره صائم، فالإسناد مجازي، ومآل معنى الآية على ما ذهب إليه: على الكناية؛ لأن وقت البعث إذا جعل منة لأجل المبعوث فبأن يجعل المبعوث أجل امتنانًا على المؤمنين كان أحرى. قوله: (علام عطفت الواو هذه الجملة؟)، قال الزجاج: الواو في (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ)
[ ٤ / ٣٣٢ ]
قلت: على ما مضى من قصة أحد من قوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) [آل عمران: ١٥٢]، ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، كأنه قيل: أفعلتم كذا وقلتم حينئذٍ: (أنى هذا): من أين هذا، كقوله تعالى: (أَنَّى لَكِ هذا) [آل عمران: ٣٧] لقوله: (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، وقوله: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [آل عمران: ٣٧]، …
_________________
(١) ـ حرف نسق دخلت عليها ألف الاستفهام فبقيت مفتوحة، ونحوه قول القائل: تكلم فلان في كذا، فيقول القائل: أوَهو ممن يقول؟ . وقلت: المعطوف عليه إن كان ما مضى فالهمزة داخلة بين المعطوف والمعطوف عليه للطول مزيدًا للإنكار، ولابد إذًا من إنكار في الكلام السابق، ومضمون المعطوف عليه وهو جملة قوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ) الآية، أكان من الله الوعد بالنصر على أعدائكم بشرط الصبر والتقوى، فلما فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم أمر الرسول صلوات الله عليه، ونفر أعقابكم يريدون الدنيا، وأصابكم الله بما أصابكم و(قُلْتُمْ) حين أصابكم ذلك: (أَنَّى هَذَا)؟ (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أنتم السبب فيما أصابكم. قوله: (ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف) وتقديره: أفعلتم كذا، أي: الفشل والتنازع والعصيان أو الخروج من المدينة والإلحاح على النبي ﷺ، ولما أصابتكم مصيبة قلتم: أنى هذا؟ فالهمزة حينئذ دخلت على صدر الكلام. قوله: (لقوله: (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، وقوله: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»: تعليل لتفسير (أَنَّى هَذَا)، و(أَنَّى لَكِ هَذَا) [آل عمران: ٣٧]، فقوله: من أين، على طريقة النشر، يعني معنى قولهم: (أَنَّى هَذَا): من أين هذا؟ ليطابقه جوابه (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، ولو قيل: معناه: كيف هذا؟ لم يطابقه؛ لأن السؤال عن الحال لا يجاب بالظرف، وكذا معنى (أَنَّى لَكِ هَذَا): من أين لك هذا ليطابق جواب مريم (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [آل عمران: ٣٧].
[ ٤ / ٣٣٣ ]
والمعنى: أنتم السبب فيما أصابكم، لاختياركم الخروج من المدينة، أو لتخليتكم المركز،
وعن علىّ ﵁: لأخذكم الفداء من أسارى بدرٍ قبل أن يؤذن لكم، (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو قادر على النصر، وعلى منعه، وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى، (وَما أَصابَكُمْ) يوم أحد يوم التقى جمعكم وجمع المشركين (فـ) هو كائن (بإذن الله) أي: بتخليته، استعار الإذن لتخليته الكفار، وأنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم؛ لأنّ الإذن مخل بين المأذون له ومراده،
_________________
(١) قوله: (وأنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم)، أي: المسلمين من الكفار: عطف تفسيري على قوله: "استعار الإذن لتخليته الكفار"، وقد مر كيفية استعارة الإذن في هذه السورة. فإن قلت: ذكرت أن الإذن مستعار لتيسير الأمور من تسهيل الحجاب، وبينت أن من قضى عليه الموت كأنه يستوفي مدة أجله ويطلب من الله تيسير ذلك، فما وجهه ها هنا؟ قلت: لما بنى التكليف على الاختيار والابتلاء، استعير ها هنا الإذن لتخلية الكفار وغلبتهم على المسلمين، فكأن التكليف يستدعي التخلية ويطلب التيسير للابتلاء. وقوله: (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ): عطف على محذوف يدل عليه قوله: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أي: ما أصابكم يوم التقى الجمعان فبتيسير الله لابتلاء المؤمنين والمنافقين، وليقع ما علمناه غيبًا مشاهدًا للناس، فيترتب عليه الجزاء. ويؤيده تقديره فيما سبق في قوله: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)، والثاني: أن تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليها، ومعناه: وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت، وليعلم الله، وقال فيه أيضًا: وليعلمهم علمًا يتعلق به الجزاء، فعلى هذا يكون قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) وعيدًا للمنافقين، وطوى وعد المؤمنين ليفيد ضربًا مبهمًا من الوعد، فقوله: " (وَلِيَعْلَمَ) وهو كائن" معناه: وليعلم الذي أصابكم يوم التقى الجمعان حال وجوده ليجازي عليه، وهو المعني بقولنا: ليعلمهم علمًا يتعلق به الجزاء. قوله: (لأن الإذن مخل) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة، هو تعليل للاستعارة.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
(وَلِيَعْلَمَ): وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون، وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء (وَقِيلَ لَهُمْ) من جملة الصلة، عطف على (نافقوا)، وإنما لم يقل فقالوا؛ لأنه جواب لسؤال اقتضاه دعاء المؤمنين لهم إلى القتال، كأنه قيل: فماذا قالوا لهم؟ فقيل: قالوا: لو نعلم. ويجوز أن تقتصر الصلة على: (نافَقُوا)، ويكون (وَقِيلَ لَهُمْ) كلامًا مبتدأ، قُسم الأمرُ عليهم بين أن يقاتلوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون، وبين أن يقاتلوا - إن لم يكن بهم غم الآخرة - دفعًا عن أنفسهم وأهليهم وأموالهم، فأبوا القتال وجحدوا القدرة عليه رأسًا لنفاقهم ودغلهم؛
_________________
(١) قوله: (وإنما لم يقل: فقالوا) أي: في قوله تعالى: (قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا) أي: لِمَ لم يجيء بالرابط بين متعلقي صلة الموصول؟ إذ التقدير: قيل لهم: تعالوا قاتلوا، فقالوا: لو نعلم قتالًا لقاتلنا. وأجاب: أن الربط المعنوي قائم، وهو الاستئناف على الجواب والسؤال. قوله: (ويكون (وَقِيلَ لَهُمْ): كلامًا مبتدأ). لما ذكر الله تعالى أحوال المؤمنين وما جرى لهم وعليهم في الآيات، وبين أن الدائرة إنما كانت للابتلاء وليتميز المؤمنون عن المنافقين، وليعلم كل واحد من الفريقين أن ما قدره الله من إصابة المؤمنين كائن لا محالة، أورد قصة من قصصهم مناسبة لهذا المقام مستطردة، وجيء بالواو لأنها ملائمة لأصل الكلام، والنفاق على هذا مطلق متعارف، وعلى أن يكون (وَقِيلَ لَهُمْ): عطفًا على (نَافَقُوا) يكون بيانًا له، وأنه نفاق خاص أظهروه في ذلك المقام حيث قالوا: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ)، وإليه الإشارة بقوله: "وجحدوا القدرة عليه رأسًا لنفاقهم ودغلهم". قوله: (قسم الأمر) شروع في تفسير قوله: (وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا) إلى آخره. قوله: (ودغلهم)، الأساس: الدغل: نحو الغيل والشجر الملتف، ومن المجاز: اتخذ الباطل دغلًا، ومنه: دغل فلان، وفيه دغل، أي: فساد وريبة.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
وذلك ما روي: أن عبد اللَّه بن أبيّ انخزل مع حلفائه، فقيل له، فقال ذلك.
(أَوِ ادْفَعُوا) العدوّ بتكثيرِكم سواد المجاهدين وإن لم تقاتلوا؛ لأنّ كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه. وعن سهل بن سعد الساعدي - وقد كف بصره: لو أمكننى لَبِعتُ دارى ولحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوهم. قيل: وكيف وقد ذهب بصرك؟ قال لقوله: (أَوِ ادْفَعُوا) أراد أكثر سوادهم.
ووجه آخر؛ وهو أن يكون معنى قولهم: (لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا): لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا (لَاتَّبَعْناكُمْ): يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالأنفس إلى الهلكة؛
_________________
(١) ـ قوله: (انخزل مع حلفائه)، الأساس: كلمته فخجل وانخزل في مشيته: استرخى، وأقدم على الأمر ثم انخزل عنه، أي: ارتد وضعف. قوله: (لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالًا) أي: ليس ما تدعونا إليه من جنس القتال، وإنما هو من جنس التهلكة، وهو من باب إخراج نوع من جنس وإدخاله في جنس آخر بالادعاء والمبالغة، كما إذا رأيت إنسانًا تشجع وفاق أقرانه في الإقدام قلت لصاحبك: إذا أردت أسدًا فعليك بفلان، وإنما هو أسد وليس آدميًا، بل هو أسد، وإليه الإشارة بقوله: "ولا يقال لمثله: قتال، وإنما هو إلقاء النفس إلى التهلكة"، وعلى الوجه الأول يراد بـ (قِتَالًا) نوع منه، أي: هذا الذي تدعونا إليه من القتال لا طاقة لنا به لضعفنا وشوكة العدو، ولذلك عرف القتال في قوله: "فأبوا القتال وجحدوا القدرة عليه رأسًا"، وعلى الثاني: المنفي القتال، وعلى الأول: القدرة عليه؛ لأن التقدير: لو نحسن قتالًا تدعونًا إليه لاتبعناكم، يقال: فلان لا يحسن القتال، أي: لا يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان، وعليه كلام القاضي: لو نحسن قتالًا لاتبعناكم، وإنما قالوه دغلًا واستهزاء.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
لأنّ رأي عبد اللَّه كان في الإقامة بالمدينة، وما كان يستصوب الخروج، (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ) يعنى: أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخزلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا؛ تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر. وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان؛ لأنّ تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال تقوية للمشركين. (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ): لا يتجاوز إيمانُهم أفواههم ومخارج الحروف منهم، ولا تعي قلوبهم منه شيئًا. وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم، وأنّ إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم
_________________
(١) ـ قوله: (تباعدوا بذلك عن الإيمان … واقتربوا من الكفر) هذا يشعر بأن (أَقْرَبُ) عمل في الكفر وفي الإيمان، قال أبو البقاء: اللام في "الكفر" و"الإيمان" متعلقة بـ «أَقْرَبُ)، وجاز أن يعمل فيهما؛ لأنهما يشبهان الظرف؛ لأن "أفعل" يدل على معنيين: على أصل الفعل، وعلى زيادته؛ فيعمل كل واحد من الطرفين بمعنى غير الآخر، فتقديره: يزيد قربهم إلى الكفر على قربهم إلى الإيمان، واللام على بابها، وقيل: هي بمعنى "إلى"، قال السجاوندي: (لِلْكُفْرِ) أي: لأهله، أو إليه، يلازم الكفر كل منهم كأنه قريب له يحنو عليه. قوله: (لا يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم) مقتبس من قوله ﷺ: "يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، الحديث أخرجه أبو داود عن أنس وأبي سعيد.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ) من النفاق، وبما يجرى بعضهم مع بعض من ذمّ المؤمنين، وتجهيلهم، وتخطئة رأيهم والشماتة بهم، وغير ذلك؛ لأنكم تعلمون بعض ذلك علمًا مجملًا بأمارات، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته.
(الَّذِينَ قالُوا) في إعرابه أوجه: أن يكون نصبًا على الذمّ، أو على الردّ على (الذين نافقوا)، أو رفعا على: هم (الذين قالوا)، أو على الإبدال من واو (يكتمون)، ويجوز أن يكون مجرورًا بدلا من الضمير في (بأفواههم) …
_________________
(١) والترقوة: العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق، وذلك أن الهمزة والهاء مخرجهما من أقصى الحلق قريب من الترقوة. والرمية: الصيد المرمي، يقال: بئس الرمية الأرنب، أي: بئس الشيء مما يرمى الأرنب، وإنما جاءت بالهاء لأنها صارت في عداد الأسماء. قوله: (وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته). هذا معتقد المحقين المحققين دون مذهب المبطلين المذممين، فإنهم ينسبون العلم المجمل إلى الله تعالى والمفصل إلى المخلوقين. قوله: (أو على الرد) أي: البدلية، وإنما قال: "على الرد"؛ لأنه أتبع إعرابه إعراب ذلك، وهو منصوب على أنه مفعول (وَلِيَعْلَمَ). قوله: (هم الذين نافقوا)، وفي نسخة: "هم (الَّذِينَ قَالُوا) "، والتنزيل مطابق لهذا وهو الأصح. قوله: (من واو (يَكْتُمُونَ» المعنى، والله أعلم: بما يكتم الذين قالوا. قوله: (بدلًا من الضمير في (بِأَفْوَاهِهِمْ» أي: يقولون بأفواه الذين قالوا لإخوانهم، فيكون من باب التجريد، قال الشاعر: دعوت كليبًا دعوة فكأنما … دعوت به ابن الطود أو هو أسرع
[ ٤ / ٣٣٨ ]
أو (قلوبهم)، كقوله:
عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حَاتِمُ
(لِإِخْوانِهِمْ): لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد، أو إخوانهم في النسب وفي سكنى الدار. (وَقَعَدُوا) أي: قالوا وقد قعدوا عن القتال: لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من القعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل (قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) معناه:
قل: إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلًا وهو القعود عن القتالـ فجدوا إلى دفع الموت سبيلًا. يعنى: أن ذلك الدفع غير مغن عنكم،
_________________
(١) ـ قوله: (أو (قُلُوبُهُمْ»، المعنى: ما ليس في قلوب الذين قالوا، فهو أيضًا تجريد على نحو قوله تعالى: (لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ) [فصلت: ٢٨]. قوله: (على جوده)، أوله: على حالة لو أن في القوم حاتمًا على جوده: حال من ضمير الاستقرار، أي: لو أن حاتمًا مستقر في القوم، أي: كائنًا على جوده، "حاتم" بالجر؛ لأن القوافي كلها مجرورة، وهو: بدل من الهاء، من جوده: بدل المظهر من المضمر نحو: مررت به أبي زيد. قبله: فجاء بجلمود له مثل رأسه … ليشرب ماء القوم بين الصرائم الصرائم: جمع الصرمة، وهي القطيعة من الإبل. قوله: (فجدوا) بالتخفيف: أمر من وجد، الجوهري: وجد مطلوبه يجده وجودًا.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة، ولا بُدَّ لكم مِنْ أن يتعلق بكم بعضها. روي: أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقًا. فإن قلت: فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، فما معنى قوله: (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)؟ قلت: معناه أن النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال وأن يكون غيره؛ لأن أسباب النجاة كثيرة، وقد يكون قتال الرجل سبب نجاته ولو لم يقاتل لقتل، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وأنكم صادقون في مقالتكم وما أنكرتم أن يكون السبب غيره؟ ووجهٌ آخرُ: إن كنتم صادقين في قولكم:
لو أطاعُونا. وقعدوا ما قتلوا، يعنى: أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقُتلوا قاعدين كما قُتلوا مُقاتِلين. وقوله: (فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ): استهزاء بهم، أي: إن كنتم رجالا دفاعين لأسبابِ الموت، فادرؤوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا
_________________
(١) قوله: (وما أنكرتم أن يكون السبب غيره)، قيل: "ما" في "ما أنكرتم": مصدرية، وهو معطوف على مقالتكم، ويجوز أن تكون استفهامية إنكارية كقوله: "فما يدريكم؟ " أي: لم تخصون السبب بما تذكرون وتنكرون غيره. قوله: (ووجه آخر): عطف على قوله: "معناه: إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلًا، وهو القعود عن القتال"، وهو مبني على مفهوم قولهم: على ما قدره: "لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا"، وهذا على لفظه، والسؤال، وهو قوله: "فقد كانوا صادقين"، وارد على الأول، وحاصله: أن كونهم دافعين القتل عن أنفسهم حاصل، والحاصل لا يعلق به شيء، وتلخيص الجواب: أن التعليق وارد على خلاف مقتضى الظاهر، لأن الكلام مبني على إنكار حصرهم سبب النجاة في القعود وجزمهم فيه، بدليل قوله: "وما أنكرتم أن يكون السبب غيره"، وفيه تسليم أن قعودهم كان سببًا للنجاة، يدل عليه قوله فيما سبق: "إن دفعتم القتل، الذي هو أحد أسباب الموت، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة"،
[ ٤ / ٣٤٠ ]
_________________
(١) ـ وفيه شائبة من الاعتزال ومنع القدر، والذي يقتضيه النظم أن قولهم: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا)، متصل بقوله: (وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وقولهم: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ)، وذلك أنهم حين جبنوا وقعدوا ما اكتفوا بذلك، بل ثبطوا المؤمنين بأن قالوا: إن ما أنتم متوجهون فيه ليس بقتال بل إلقاء للنفس إلى التهلكة، وإنا لو (نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ)، وحين سمعوا بالمقتولين يوم أحد قالوا: (لَوْ أَطَاعُونَا) في أن ذلك كان إلقاء للنفس إلى التهلكة، (مَا قُتِلُوا)، فقيل لهم: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أن القتال إلقاء للنفس إلى التهلكة، وأن القعود سبب النجاة، يعني أن الموت والقتل سيان في أنكم لا تقدرون على دفع كل واحد منهما، وأن القعود لم يكن دفعًا للقتل كما قال تعالى: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ). قال الإمام: هذا الذي ذكره الله تعالى لا يتمشى إلا بالاعتراف بالقضاء والقدر، فإن القتل والموت سيان حينئذ، وأما إذا قلنا: إن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه، كان الفرق بين القتل والموت ظاهرًا، وهذا يفضي إلى فساد الدليل، فثبت أن هذه الآية دالة على أن الكل بقضاء الله وقدره. وتقريره: أن قوله: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ) رد لقولهم: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا)، فلو لم يجعل القتل كالموت لم يصح الرد، أي: لا فرق بين القتل والموت في أنكم غير قادرين على دفعه لكونهما من قضاء الله وقدره. الراغب: القتل: إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال: قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موت، قال تعالى: (أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ).
[ ٤ / ٣٤١ ]
(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) ١٦٩ - ١٧١].
(وَلا تَحْسَبَنَّ) الخطاب لرسول اللَّه ﷺ أو لكل أحد. وقُرئ بالياء على:
ولا يحسبنّ رسول اللَّه ﷺ، أو: ولا يحسبنّ حاسبٌ. ويجوزُ أن يكونَ (الَّذِينَ قُتِلُوا) فاعلًا، التقدير: ولا يحسَبَنَّهم الذين قُتِلوا أمواتًا، أي: ولا يحسَبَنَّ الذين قُتِلوا أنفُسَهم أمواتًا. فإن قلتَ: كيف جازَ حذفُ المفعول الأوّل؟ قلتُ: هو في الأصل مبتدأٌ، فحُذِفَ كما حُذف المبتدأُ في قوله (أَحْياءٌ) والمعنى: هم أحياءٌ لدلالةِ الكلام عليهما. وقُرئ: (تحسبنّ) بفتح السين،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ بالياء على: ولا يحسبن): هشام وابن عامر. قوله: (كما حذف المبتدأ) وحذف أحد المفعولين في باب الحسبان مذهب الأخفش، خلافًا لسيبويه. قال صاحب "التحفة": وأجاز الكوفيون الاقتصار على الأول إذا سد شيء مسد الثاني، كما في باب المبتدأ، نحو: أقائم أخواك؟ وقال المالكي: إذا دل الدليل على أحدهما جاز حذفه. وقال المصنف في قوله تعالى: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) [النور: ٥٧] "والأصل: لا تحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول وكأن الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كان لشيء واحد اقتنع بذكر الاثنين عن ذكر الثالث".
[ ٤ / ٣٤٢ ]
و(قُتِّلوا) بالتشديد، و(أحياءً) بالنَّصب على معنى: بل احسبْهم أحياءً (عِنْدَ رَبِّهِمْ) مقرّبون عنده ذَوُو زُلفى، كقوله: (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ). [فصلت: ٣٨]. (يُرْزَقُونَ) مِثْلَ ما يُرزَقُ سائرُ الأحياء يأكلون ويشربون. وهو تأكيدُ لكونِهم أحياءً، ووصفٌ لحالهِم التي هُمْ عليها من التنعُّم برِزْق اللَّه. (فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ): وهو التوفيقُ في الشَّهادة وما ساقَ إليهم من الكَرامةِ والتفضيل على غيرِهم، مِنْ كَوْنِهم أحياءً مقرّبين مُعجَّلا لهم رِزْقُ الجنَّة ونعيمُها. وعن النبي ﷺ «لما أُصِيبَ إخوانُكم بأُحدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرواحَهم في أجوافِ طَير خُضرٍ تَدُورُ في أنهارِ الجنَّة وتأكُلُ مِن ثِمارِها وتأوي إلى قنَاديلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعلَّقة في ظِلِّ العَرْش»
_________________
(١) قوله: (و"قتلوا" بالتشديد): ابن عامر. قوله: (ذوو زلفى) قيل: الخليل يكتب الألف عند ضمير الجماعة فرقًا بينه وبين سائر الواوات، وغيره لا يثبتها جريًا على القياس، فإن الخط مع اللفظ وليس في اللفظ ألف. قوله: (كقوله: (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ» يعني: قوله: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) كناية عن الزلفى والمكانة، نحو قوله تعالى: (فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ) [فصلت: ٣٨] أي: فإن لم يمتثلوا ما أمروا به فدعهم، فإن الله ﷿ لا يعدم عابدًا بالإخلاص، وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل والنهار. قوله: (وعن النبي ﷺ: "لما أصيب إخوانكم بأحد") الحديث من رواية أحمد بن حنبل وأبي داود، عن ابن عباس، مذكور في مسندهما مع تغيير يسير، ومن رواية مسلم، عن مسروق، في "صحيحه"، قال الإمام التوربشتي: أراد بقوله: "أرواحهم في أجواف طير خضر" أن الروح الإنسانية المتميزة المخصوصة بالإدراكات، بعد مفارقتها البدن يهيأ لها طير أخضر، فتنتقل إلى جوفه ليعلف ذلك الطير من ثمر الجنة، فتجد الروح بواسطته لذة
[ ٤ / ٣٤٣ ]
(وَيَسْتَبْشِرُونَ بـ) إخوانهم المجاهدين (الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ) أي: لم يقتلوا فيلحقوا بهم، (مِنْ خَلْفِهِمْ): يريد الذين من خلفهم قد بَقُوا بَعدَهم وهُم قد تقدموهم. وقيل: (لم يلحقوا بهم)، لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) بدل من (الَّذِينَ)، والمعنى: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين؛
_________________
(١) الجنة وروح البهجة والسرور، ولعل الروح تحصل لها تلك الهيئة إذا تشكلت وتمثلت بأمر الله طيرًا أخضر كتمثل الملك بشرًا، وعلى أية حال كانت، فالتسليم واجب علينا لورود البيان الواضح على ما أخبر عنه الكتاب والسنة ورودًا صريحًا، ولا سبيل إلى خلافه. وقلت: والله أعلم: في الآية تشبيه؛ لأن باب علمت وحسبت من دواخل المبتدأ والخبر، فالواجب حمل المفعول الثاني على الأول، ولا يصح ذلك في الآية إلا بالتشبيه نحو: حسبت زيدًا أسدًا، على أن بعض الأصحاب عد هذا الباب من أداة التشبيه، كأنه قيل: لا تحسبنهم كالأموات بل احسبنهم كالأحياء، ثم بين ما به شبهوا بهم بقوله: (يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ) فيكون حديث الطير بيانًا لكيفية حياتهم وإيصال الرزق إليهم، وإلى التشبيه أشار المصنف بقوله: "مثل ما يرزق سائر الأحياء"، ومما يشد من عضد أن حكمهم خلاف حكم سائر الأموات ما روينا عن أبي داود والترمذي، عن فضالة بن عبيد، أن رسول الله ﷺ قال: "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة". قوله: «أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) بدل من (الَّذِينَ»، أي: بدل الاشتمال، لأن الضمير في (عَلَيْهِمْ) عائد إلى (بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ)، وقد ضم إليه السلامة من الخوف والحزن. قوله: (ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم) أي: يسرون بالبشارة بإخوانهم المؤمنين الذين لم يقتلوا وهو أنهم إذا ماتوا أو قتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدرها خوف وقوع محذور وحزن فوات محبوب، فعلى هذا (يَسْتَبْشِرُونَ) بمعنى: يبشرون، الجوهري: وبشرت بكذا، بالكسر أبشر، أي: استبشرت به.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
وهو أنهم يُبْعَثون آمِنين يومَ القيامة، بشَّرَهم اللَّهُ بذلك؛ فهم مُستبشِرون به. وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على ازدياد الطاعة، والجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم، وإحْمادٌ لحالِ من يرى نَفْسَه في خيرٍ فيتمنّى مثله لإخوانِه في اللَّه، وبُشرى للمؤمنينَ بالفوزِ في المآب. وكُرّر (يَسْتَبْشِرُونَ) ليعلق به ما هو بيان لقوله: (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) مِن ذِكْرِ النعمة والفضل، وأنّ ذلك أجرٌ لهم على إيمانِهم يجبُ في عَدْلِ اللَّه وحِكْمتِه أن يُحصَّلَ لهم ولا يُضيَّع. وقُرئ: (وَأَنَّ اللَّهَ) بالفتح عطفًا على النَّعمةِ والفضل، وبالكسر على الابتداء وعلى أنّ الجملة اعتراض، وهي قراءة الكسائي. وتعضدها قراءة عبد اللَّه، واللَّه لا يضيع.
_________________
(١) ـ الراغب: بشرت الرجل وأبشرته وبشرته: أخبرته بسار يبسط بشرة وجهه، وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجر، وبين هذه الألفاظ فروق، فإن بشرته عام، وأبشرته نحو أحمدته وبشرته على التكثير، واستبشر: إذا وجد ما يبشره من الفرح. قال القاضي: الآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس. قوله: (بيان لقوله: (أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» يعني: كرر (يَسْتَبْشِرُونَ) ليعلق به قوله: (بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)، وهو بيان وتفسير لقوله: (أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)؛ لأن الخوف: غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء، والحزن: غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار مما فات منه، فمن كان متقلبًا في نعمة من الله وفضل فلا يحزن أبدًا، ومن جعلت أعماله مشكورة غير مضيعة فلا يخاف العاقبة. قوله: (على أن الجملة اعتراض) أي: تذييل للآيات السابقة من لدن قوله: (لا تَحْسَبَنَّ
[ ٤ / ٣٤٥ ]
(الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) ١٧٢ - ١٧٤].
(الَّذِينَ اسْتَجابُوا): مبتدأ خبره (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا)، أو صفة ل (المؤمنين)، أو نصب على المدح.
رُوي أنّ أبا سُفيان وأصحابَه لما انصرفوا مِنْ أُحدٍ فبَلَغوا الرَّوْحاءَ نَدمُوا وهموا بالرجوع، فبَلَغَ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ، فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوّة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان،
_________________
(١) الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وفي ذكر المؤمنين إشعار بأن من وسم بسمة المؤمنين كائنًا من كان، شهيدًا مقربًا أو من أصحاب اليمين، فإنه تعالى لا يضيع أجره (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه) [الزلزلة: ٧]. قال القاضي: هو دال على أن ذلك أجر لهم على إيمانهم، وذلك مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة. قوله: «الَّذِينَ اسْتَجَابُوا): مبتدأ، وخبره: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا» أي: الذين استجابوا مع ما في حيز الصلة: مبتدأ، وقوله: (أَجْرٌ عَظِيمٌ): مبتدأ ثان، و(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا): خبره، والجملة: خبر المبتدأ الأول. قوله: (أو صفة لـ (الْمُؤْمِنِينَ)، أو نصب على المدح)، فعلى هذا يجب أن تكون "أن" المفتوحة مع ما بعدها معطوفة على النعمة والفضل، ويكون (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) الآية، مستأنفة، أي: ما لهم حينئذ؟ فقيل: "لهم أجر عظيم". قوله: (ويريهم من نفسه وأصحابه قوة) أي: تجلدًا.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
وقال: (لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس)، فخرج رسول اللَّه ﷺ مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال،
وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى اللَّه الرعب في قلوب المشركين فذهبوا، فنزلت. و«من» في (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ) للتبيين مثلها في قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً) [الفتح: ٢٩]؛ لأنّ الذين استجابوا للَّه والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، لا بعضهم
_________________
(١) ـ قوله: (من حضر يومنا) أي: وقعتنا، الأساس: ذكر في أيام العرب بكذا، أي: في وقائعها، (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) [إبراهيم: ٥]: بدمادمه على الكفرة. قوله: (حمراء الأسد) ليست هي بدرًا الصغرى كما في الحواشي، قال ابن الجوزي في كتاب "الوفا": لما انصرفوا من أحد بات الناس يداوون جراحاتهم، فلما صلى رسول الله ﷺ الصبح أمر بلالًا فنادى: أن رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، وخرج فعسكر بحمراء الأسد وذهب العدو فرجع إلى المدينة، وسيجيء بعد هذا قصة بدر الصغرى عند قوله: "حتى وافوا بدرًا". قوله: (فتحاملوا)، الأساس: تحاملت الشيء: حملته على مشقة. قوله: (و"من" في (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ): للتبيين)، فالكلام فيه تجريد، جرد من الذين استجابوا لله والرسول: المحسن والمتقي، قال القاضي: المقصود من ذكر الوصفين المدح لا التقييد؛ لأن المستجيبين كلهم محسنون متقون.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
وعن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة ﵂: «إن أبويك لمن الذين استجابوا للَّه والرسول. تعنى: أبا بكر والزبير. (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ): روى أنّ أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمّدُ موعِدُنا موسم بَدْرٍ لقابلٍ إنْ شئت. فقال ﷺ: إن شاء اللَّه فلمّا كان القابلُ خرج أبو سُفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران، فألقى اللَّه الرعب في قَلْبِه فبدا له أن يرَجِعَ، فلَقِيَ نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قَدِمَ معتمرًا فقال: يا نعيم، إني واعدت محمدًا أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة، فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون، فقال لهم: ما هذا بالرأي. أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريدًا، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم؟ ! فو اللَّه لا يفلت منكم أحد. وقيل: مرّ بأبي سفيان ركب من عبد القبس يريدون المدينة للميرة، فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم، فكره المسلمون الخروج.
فقال ﷺ: والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد"، فخرج في سبعين راكبا وهم يقولون: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل - وقيل: هي الكلمة التي قالها إبراهيم صلوات الله عليه حين ألقي في النارـ
_________________
(١) قوله: (إن أبويك لمن الذين استجابوا لله …، تعني: أبا بكر والزبير)؛ لأن أمه أسماء بنت أبي بكر، روينا عن البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ) الآية، قالت لعروة: كان أبواك منهم؛ الزبير وأبو بكر ﵄، لما أصاب نبي الله ما أصاب يوم أحد فانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم؟ "، فانتدب منهم سبعون رجلًا، فيهم أبو بكر والزبير.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
حتى وافوا بدرًا فأقاموا بها ثماني ليال، وكانت معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيرًا، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، ورجع أبو سفيان إلى مكة، فسمى أهل مكة جيشه جيش السَّويق. قالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق. فالناس الأوّلون: المثبطون، والآخرون: أبو سفيان وأصحابُه. فإن قلت: كيف قيل (النَّاسُ) إن كان نعيم هو المثبط وحده؟ قلتُ: قيل ذلك؛ لأنه من جنس الناس، كما يقال: فلان يركب الخَيْلَ ويلبس البُرود، وما له إلا فرس واحدٌ وبردٌ فَرد؛ أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه، ويَصِلون جَناح كلامِه، ويُثبِّطون مِثلَ تَثْبيطهِ. فإن قلت: إلام يرجعُ المستكنُّ في (فَزادَهُمْ)؟ قلت: إلى
المقُولِ الذي هو (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) كأنه قيل: قالوا لهم هذا الكلام فزادهم إيمانًا؛
_________________
(١) قوله: (جيش السويق)، قال ابن الجوزي: إن أبا سفيان قال: حرام أن ندهن حتى نثأر من محمد وأصحابه، فوصل إلى نحو المدينة فقتل رجلين وأحرق، ورأى أن يمينه قد حلت فهرب، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج في أثرهم، فجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون يلقون جرب السويق، فيأخذها المسلمون، ولم يلحقوه، فرجع النبي ﷺ وسميت الغزوة غزوة السويق. قوله: (الأولون: المثبطون، والآخرون: أبو سفيان) يعني: في قوله تعالى: (قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) يروى الآخرون، بكسر الخاء وفتحها، وكلاهما جائزان، الجوهري: الآخر بعد الأول، وهو صفة، تقول: جاء آخرًا، أي: أخيرًا، وبالفتح: أحد الشيئين، وهو اسم إلا أن فيه معنى الصفة. قوله: (ويصلون جناح كلامه) استعارة: شبه ما يصلونه من كلام بكلامه الذي يريد ترويجه عند المسلمين بقدح لا ريش له: فيوصل بالجناح ليكون سهمًا مرسلًا، أو بطائر يريد الطيران فيضم إلى أجنحته ما يزيد به طيرانه.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
أو إلى مصدر (قَالُوا)، كقولك: مَن صَدَقَ كان خيرًا له؛ أو إلى (الناس) إذا أريد به نُعَيمٌ وَحْدَه.
فإن قلت: كيف زادهم نُعَيمٌ أوْ مَقُولُه إيمانًا؟ قلتُ: لمّا لم يَسمَعُوا قولَه وأخْلصوا عنده النيَّة والعزمَ على الجهاد، وأظهَروا حَميّة الإسلام، كان ذلك أثبتَ ليَقينِهم وأقوى لاعتقادِهم، كما يزدادُ الإيقانُ بتناصُرِ الحُجج؛ ولأنّ خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان؛ لأنّ الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن عمر: قلنا يا رسول اللَّه إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: «نَعمْ يزيدُ حتى يُدخِلَ صاحبه الجنّة. ويَنْقُصُ حتى يُدخِل صاحبَه النار». وعن عمر ﵁: أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: قُم بنا نزدَدْ إيمانًا. وعنه: لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ هذه الأُمّة لرجَحَ به (حَسْبُنَا اللَّهُ) مُحْسِبُنا الله، أي: كافِيْنا. يقالُ: أحسبَه الشيءُ إذا كَفاه. والدليلُ على أنه بمعنى المُحسب: أنك تقول: هذا رجلٌ حَسْبُك، فتصف به النكرة؛ لأنّ إضافته لكونِه في معنى اسم الفاعل غيرُ حقيقة. (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): ونعم الموكول إليه هو. (فَانْقَلَبُوا): فرجعوا من بدر (بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ): وهي السلامة وحذر العدوّ منهم (وَفَضْلٍ): وهو الربح في التجارة، كقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ). [البقرة: ١٩٨]، (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ): لم يلقَوا ما يَسوءهم من كيد عدوّ (وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ) بجرأتهم وخروجهم (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ): قد تفضَّل عليهم بالتَّوفيق فيما فعلوا.
وفي ذلك تحسير لمن تخلف عنهم، وإظهار لخطأ رأيهم؛
_________________
(١) ـ قوله: (ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة)، هذا مبني على أن الإيمان ذو شعب، وكل طاعة تزيد فيه، وعلى الأول كان الإيمان عبارة عن التصديق، والمراد بالزيادة: الطمأنينة في اليقين وأن تظاهر الأدلة يقوي اليقين. قوله: (وفي ذلك تحسير لمن تخلف عنهم)، يعني في عطف قوله: (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ)
[ ٤ / ٣٥٠ ]
حيث حَرَموا أنفُسَهم ما فازَ به هؤلاء. وُروي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا؟ فأعطاهم اللَّه ثواب الغزو ورضي عنهم.
(إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ١٧٥].
(الشَّيْطانُ) خَبَرُ (ذلكم)، بمعنى: إنما ذلك المثبط هو الشيطان
_________________
(١) على قوله: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ) على سبيل التكميل، وتذييل الآية بقوله: (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) مع التصريح بالاسم الجامع، وإسناد (ذُو فَضْلٍ) إليه ووصفه بـ (عظيم)، إيذان بأن المخلفين فوتوا على أنفسهم أمرًا عظيمًا لا يكتنه كنهه، وهم أحقاء بأن يتحسروا عليه تحسرًا ليس بعده. قوله: «الشَّيْطَانِ): خبر (ذَلِكُمُ»، ذكر في الآية وجوهًا: أحدها: (الشَّيْطَانِ): خبر (ذَلِكُمُ)، والظاهر أن المشار إليه (النَّاسُ) المذكور أولًا في قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)، وهو نعيم بن مسعود، لقوله: (إِنَّمَا ذَلِكُمْ) المثبط، والمراد بأوليائه: أبو سفيان وأصحابه، فيكون قوله: (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) على تقدير جواب سائل: لم قصرت الشيطنة فيه؟ وأجيب: بأنه يخوف المسلمين أبا سفيان وأصحابه خديعة ومكرًا، وتخويفه قوله: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد. وثانيهما: أن يكون (الشَّيْطَانِ): صفة، و(يُخَوِّفُ): الخبر، وحينئذ يجوز أن يراد بالمشار إليه الناس المذكور أولًا، وهو نعيم، أو الثاني، وهو أبو سفيان، والمراد بتخويف أبي سفيان نداؤه عند انصرافه من أحد: يا محمد، موعدنا موسم بدر لقابل، ولما كان الوجه الأول أبلغ لمكان التخصيص بتعريف الخبر وموقع الاستئناف، وكان تخويف نعيم ظاهرًا، اختص به. وثالثها: أن يكون المضاف محذوفًا، والمراد بالشيطان إبليس كما صرح به. وعلى هذه الوجوه المفعول الأول محذوف، والمراد بالأولياء أبو سفيان وأصحابه، ويدل
[ ٤ / ٣٥١ ]
_________________
(١) ـ على هذا التقدير قراءة ابن عباس وابن مسعود، ويجوز أن يراد بالأولياء: القاعدون، والمفعول الثاني محذوف، والمراد بالتخويف: ما أوقع الشيطان في قلوبهم من الجبن والخور والرعب، وكأن أقرب الوجوه الوجه الأخير؛ لأنه قيل في حق السابقين غير القاعدين: (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، فوضع موضع فما خافوا فزادهم إيمانًا، وقال في حق هؤلاء القاعدين: (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي)، وسموا أولياء الشيطان تغليظًا، ولذلك قرن به (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) مقابلًا لقوله: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا). ثم إن أريد بالأولياء أبو سفيان وأصحابه والخطاب بقوله: (يخوفكم): المؤمنون الخلص، كان قوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) في معنى التعليل، فلا يقتضي الجزاء كما سبق. وإن أريد به المتخلفون كان المعنى: إن كنتم مؤمنين فخافوني وجاهدوا مع رسولي، لأن الإيمان يقتضي أن يؤثروا خوف الله على خوف الناس، كما قال الإمام: المعنى: الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره، وأما أولياء الله فهم لا يخافونه إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره، وهذا قول الحسن والسدي. وقلت: النظم يساعد عليه، فإنه تعالى لما بين أن الذي أصاب المؤمنين يوم التقى الجمعان إنما أصابهم ليتميز المؤمن المخلص من المنافق، فقسمهم أقسامًا بدأ بذكر المنافقين، ثم ثنى بذكر المؤمنين، وجعلهم طبقات، فذكر من استشهد وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، واستتبع مدحهم مدح الطبقة الثانية الذين لم يلحقوا بهم، فذكر من أوصافهم أنهم الذين استجابوا لله والرسول تعريضًا بالمتخلفين وأنهم الذين (قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا)، ولما فرغ من مدحهم التفت إلى الطبقة الثالثة، وقال: (إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ)، ثم ثلث بذكر الذين محضوا الكفر وواطأت قلوبهم ألسنتهم، فقال: (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) [آل عمران: ١٧٦] مستطردًا لذكر أولياء الشيطان،
[ ٤ / ٣٥٢ ]
و(يخوّف أولياءه) جملةٌ مستأنَفة بيانٌ لشَيْطنتِه. أو (الشَيْطَانُ) صفةٌ لاسم الإشارة، و(يخوّفُ) الخبرُ. والمراد بالشيطانِ نُعيم، أو أبو سفيان. ويجوزُ أنْ يكونَ على تقدير حَذْف المُضاف، بمعنى: إنما ذلكم قول الشيطان، أي: قولُ إبليسَ لَعَنَه اللَّه (يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) يخوّفكم أولياءَه الذين هم أبو سفيان وأصحابُه. وتدلُّ عليه قراءةُ ابنِ عباسٍ وابنِ مسعود: يخوفكم أولياءه. وقوله: (فلا تخافوهم). وقيل: (يخوّف أوليَاءَهُ): القاعدين عن الخروج مع رسول اللَّه ﷺ. فإن قلت: فإلامَ رَجَعَ الضَّميرُ في (فَلا تَخافُوهُمْ) على هذا التفسير؟ قلت: إلى (النَّاسَ) في قوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمران: ١٧٣]، (فَلَا تَخَافُوهُمْ) فتقعُدوا عن القِتالِ وتَّجبْنُوا
_________________
(١) ـ ثم عاد إلى ما بدأ منه من قوله: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) [آل عمران: ١٧٩] توكيدًا وتقريرًا، ولما أراد أن يذكر اليهود جعل قوله: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) [آل عمران: ١٨٠] تخلصًا إليه، ثم قال: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) [آل عمران: ١٨١]، والله أعلم. قوله: (القاعدين عن الخروج مع رسول الله ﷺ) عن: متعلق بالقاعدين، ومع: يتعلق بالخروج، فعلى هذا مفعوله الثاني محذوف، أي: يخوف أولياءه القاعدين (النَّاسُ)، وهم أبو سفيان وأصحابه، والضمير في (فَلا تَخَافُوهُمْ) راجع إلى (النَّاسُ) المذكور. قوله: (فإلام رجع الضمير؟) جاء في السؤال بالفاء للإنكار، يعني: أن الضمير في (فَلا تَخَافُوهُمْ) على الأول كان راجعًا إلى أولياء الشيطان، وهم أبو سفيان وأصحابه، وحين فسرت الأولياء بالمخلفين لا يصح ذلك؛ لأن الشيطان ما خوفهم أنفسهم فإلام يرجع الضمير؟ قوله: «فَلا تَخَافُوهُمْ) فتقعدوا) فتقعدوا: قيل: ليس منصوبًا بـ "أن"، ليكون جوابًا للنهي، بل هو مجزوم بـ "لا" معطوف على (تَخَافُوهُمْ) بدليل قوله بعد ذلك: " (وَخَافُونِ)
[ ٤ / ٣٥٣ ]
(وَخافُونِ) فجاهِدوا مع رَسُولي، وسارِعُوا إلى ما يأمُرُكم به، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يعنى: أنّ الإيمان يقتضى أن تُؤثرِوا خوف اللَّه على خوف الناس، (وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ). [الأحزاب: ٣٩].
(وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) ١٧٦ - ١٧٨].
(يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ): يَقَعُون فيه سريعًا، ويَرغَبون فيه أشدّ رَغْبة، وهم الذين نافَقُوا من المتخلِّفين. وقيل: هم قومٌ ارتدّوا عن الإسلام. فإن قلت: فما معنى قوله: (وَلا يَحْزُنْكَ)؟ ومن حق الرسول أن يحزَنَ لنفاقِ من نافَقَ وارتِدادِ من ارتدّ؟ قلتُ: معناه: لا يحزُنوكَ لخوفِ أن يضرّوك ويُعينوا عليك، ألَا ترى إلى قوله: (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا)، يعنى: أنهم لا يضرُّون بُمسارعتِهم في الكُفْر غيرَ أنفُسِهم،
_________________
(١) فجاهدوا"، ويجوز أن يكون منصوبًا، أي: لا يكن منكم خوف، فقعود عن القتال، كقوله تعالى: (وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [طه: ٨١] على قراءة النصب، أي: لا يكن منكم طغيان فحلول غضب مني. قوله: «وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا» يروى بالياء والتاء، بالتاء الفوقانية: اقتباس، وبالياء التحتانية: استشهاد. قوله: (يقعون فيه سريعًا) يشير إلى أن (يُسَارِعُونَ) مضمن معنى: يقعون؛ لأن المسارعة تعدى بـ "إلى". قوله: (معناه: لا يحزنوك لخوف أن يضروك) يعني: ما أوقع فاعل (لا يَحْزُنْكَ) موصولة لتدل على علة النهي، بل أوقعه ليكني به عن إيصال المضرة، لأن من يرغب في
[ ٤ / ٣٥٤ ]
وما وَبالُ ذلك عائدًا على غيرهم. ثمَّ بيَّن كيف يعودُ وَبالُه عليهم بقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ) أي: نصيبًا من الثواب، (وَلَهُمْ) بدَلَ الثَّواب (عَذابٌ عَظِيمٌ)، وذلك أبلغ ما ضرّ به الإنسان نفسه …
_________________
(١) الكفر سريعًا غرضه مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم، يدل عليه إيتاء قوله: (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) ردًا وإنكارًا لظن الخوف، وإلى هذا المعنى أشار صاحب "المفتاح": ربما جعل ذريعة إلى التنبيه للمخاطب على الخطأ. قوله: (ثم بين كيف يعود وباله عليهم) يعني: أصل الكلام: لن يضروا الله شيئًا، بل أنفسهم يضرون، فوضع المفسر وهو قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، موضع المفسر المحذوف، وهو قوله: بل أنفسهم يضرون، وفيه أن الله خلق الخلق ليعبدوا فيربحوا وينالوا حظًا في الآخرة، فهؤلاء بدلوا ذلك الحظ بسبب المسارعة في الكفر بالعذاب العظيم، وأي مضرة أبلغ من ذلك؟ وإليه الإشارة بقوله: "وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه". قوله: «وَلَهُمْ): بدل الثواب (عَذَابٌ عَظِيمٌ» هذا ينبئ أن قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ) يدل على أن لكل أحد حظًا في الآخرة لولا أنه حرمه على نفسه بسبب الكفر والمعاصي، ويؤيده ما ذكر في "مريم" في قوله: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) [مريم: ٦٣]: "أورثوا من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا"، وعليه: ما ورد في سؤال منكر ونكير، عن أنس، عن النبي ﷺ: "أما المؤمن فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة". الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وفي رواية أبي داود: "فينطلق به إلى بيت كان له في النار فيقال له: هذا كان لك ولكن الله عصمك فأبدلك به بيتًا في الجنة" الحديث.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
فإن قلتَ: هلّا قيل: لا يجعلُ اللَّهُ لهم حظًا في الآخرة! وأيُّ فائدةٍ في ذِكرِ الإرادة؟ قلتُ: فائدتُه الإشعار بأنّ الداعيَ إلى حِرمانِهم وتعذيبِهم قد خَلَصَ خُلوصًا لم يَبقَ معه صارفٌ قطُّ حين سارَعُوا في الكُفر، تنبيهًا على تَمادِيهم في الطُّغيان وبُلوغهم الغاية فيه، حتى إنّ أرحم الراحمين مُريدٌ أن لا يرحمهم. (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ): إمّا أن يكونَ تكريرًا لذِكْرهم للتأكيدِ والتَّسجيلِ عليهم بما أضافَ إليهم، وإمّا أن يكونَ عامًّا للكفّار، والأوّلُ خاصًًّا فيمن نافَقَ من المتخلِّفين، أوِ ارتدّ عن الإسلام أوْ على العَكْس. و(شَيْئًا) نصبٌ على المَصدر؛ لأن المعنى: شيئًا من الضَّرر وبعض الضرر (الَّذِينَ كَفَرُوا) فيمن قرأ بالتاء: نصب، و(أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) بدلٌ منه، أي: ولا تحسبنّ أنّ ما نملي للكافرين خيرٌ لهم،
_________________
(١) قوله: (وأي فائدة في ذكر الإرادة؟). السؤال والجواب مبني على مذهبه، والسؤال من أصله غير متوجه؛ لأنه عدول عن الظاهر، فإن قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ): استئناف لبيان الموجب، كأنه قيل: لم يسارعون في الكفر مع أن المضرة عائدة إليهم؟ فأجيب: بأنه تعالى يريد ذلك منهم، فكيف لا يسارعون؟ قوله: (إما أن يكون تكريرًا لذكرهم) أي: هذه الآية والمتلوة قبلها سيان من حيث المعنى، فإن معنى (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) و(اشْتَرَوْا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ) سواء، ألا ترى إلى قوله: (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) يقعون فيه سريعًا ويرغبون فيه أشد الرغبة" لأن المشتري راغب في المشترى؟ و(لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) مقابل لمثله، وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ) إلى آخره: تلخيص قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). قوله: (أو على العكس) أي: الأول عام في الكفار، والثاني خاص في المنافقين، والأظهر أن يكون تكريرًا لما سبق من بيان النظم. قوله: (فيمن قرأ بالتاء) أي: الفوقانية: حمزة، قال الزجاج: (وَلا تَحْسَبَنَّ) على القراءة بالتاء لم يجز عند البصريين إلا بكسر "إن"، المعنى: لا تحسبن الذين كفروا إملاؤنا خير لهم،
[ ٤ / ٣٥٦ ]
و«أن» مع ما في حيِّزه ينوبُ عن المفعولَين، كقولِه: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ) [الفرقان: ٤٤]، وما مصدريةٌ، بمعنى: ولا تحسبنّ أنّ إملاءَنا خيرٌ، وكانَ حقُّها في قياسِ عِلْمِ الخطِّ أنْ تُكتَبَ مفصولةٌ. ولكنَّها وقعتْ في الإمامِ متَّصلةً؛ فلا تُخالَف، وتُتَّبَعُ سُنَّةُ الإمامِ في خطِّ المصاحف.
فإن قلت: كيفَ صحّ مجيءُ البَدَلِ ولم يُذْكَر إلا أحدُ المفعولَيْن، ولا يجوزُ الاقتصارُ بفعلِ الحسْبانِ على مفعول واحد؟ قلتُ: صحّ ذلك مِنْ حيثُ إنّ التعويلَ على البَدَلِ والمُبدَلِ منه في حُكمِ المنَحَّى، ألا تَراكَ تقول: جعلتُ متاعَك بعضَه فوقَ بعضٍ،
_________________
(١) ودخلت "أن" مؤكدة، وإذا فتحت صار المعنى: لا تحسبن الذين كفروا إملاءنا، وهو عندي: بدل من (الَّذِينَ)، المعنى: لا تحسبن أن إملاءنا للذين كفروا خيرًا لهم، وقد قرأها خلق كثير، ومثل هذا البدل قول الشاعر: فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدما أي: فما كان هلك قيس هلك واحد. وقال أبو البقاء: ويجوز أن تجعل "أن" وما عملت فيه بدلًا من (الَّذِينَ كَفَرُوا) بدل اشتمال، والجملة تسد مسد المفعولين. قال السجاوندي: هذا كقولك: لا تحسبن زيدًا أن علمه نافع له، تلخيصه: لا تحسبن علم زيد نافعًا له، فلم ينصف من خطأ حمزة في قراءته. قوله: (جعلت متاعك بعضه فوق بعض). "بعضه": بدل من "متاعك"، و"فوق": ثاني مفعولي "جعل"، أي: جعلت بعض متاعك فوق بعض، قيل: وإنما لم يجعله مفعولًا ثانيًا لكون التقدير كون الإملاء خيرًا لهم، فلا يصح حمله على (الَّذِينَ كَفَرُوا)؛ لأنك لا تقول: إن
[ ٤ / ٣٥٧ ]
مَعَ امتناعِ سُكوتِك على "متاعك"! ويجوزُ أن يُقدّر مضافٌ محذوفٌ على: ولا تحسبنّ الذين كَفَروا أصحابَ أنّ الإمْلاءَ خيرٌ لأنفُسِهم. أوْ: ولا تحسبنّ حالَ الذين كَفَروا أنّ الإمْلاءَ خيرٌ لأنفُسِهم.
وهو فيمن قرأَ بالياءِ رفعٌ، والفعلُ متعلِّق بأن وما في حيِّزه، والإملاء لهم: تَخلِيتُهم وشأنُهم، مُستعارٌ من: أمْلى لفَرَسِه إذا أرْخى له الطِّوَلَ ليَرْعى كيف شاء. وقيل: هو إمهالُهم وإطالةُ عُمرهم. والمعنى: ولا تحسبنّ أن الإمْلاءَ خيرٌ لهم من منعهم أو قطع آجالهم
_________________
(١) ـ الذين كفروا كون الإملاء خيرًا لهم، على الابتداء والخبر، ويجوز ذلك على حذف المضاف، إما في الخبر أو في الابتداء لتصحيح الحمل، فيقال: الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير لأنفسهم، أو: لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم. قوله: (وهو فيمن قرأ بالياء رفع) أي: (الَّذِينَ كَفَرُوا) رفع؛ لأنه فاعل (وَلا يَحْسَبَنَّ) على قراءة من قرأ بالياء التحتانية: القراء كلهم سوى حمزة. روى الزجاج عن المبرد أن من قرأ بالياء فتح "أن" وكانت تنوب عن الاسم والخبر، تقول: حسبت أن زيدًا منطلق، ويقبح الكسر مع الياء؛ لأن الحسبان ليس بفعل حقيقي، فهو يبطل عمله مع "إن"، كما يبطل مع اللام. قوله: (أرخى له الطول) الطول، بكسر الطاء: الحبل الذي يطول للدابة فترعى به. قوله: (والمعنى: ولا تحسبن أن الإملاء خير لهم من منعهم): بناءً على أن يراد بالإملاء تخليتهم وشأنهم، وقوله: (أو قطع آجالهم): بناءً على أن يراد بالإملاء الإمهال، ففي الكلام لف ونشر. قوله: (أو قطع آجالهم) بناءً على مذهبه، قيل: إن من مذهب المعتزلة أن الميت مقطوع الأجل.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
(إَنَّما نُمْلِي لَهُمْ) «ما» هذه حقها أن تكتب متصلة؛ لأنها كافةٌ دون الأُولى، وهذه جملةٌ مستأنفةٌ تعليل للجُملة قَبلَها، كأنّه قيل: ما بالُهم لا يَحسَبون الإملاءَ خيرًا لهم، فقيل: (إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمً) ا. فإنْ قلتَ: كيفَ جازَ أنْ يكونَ ازديادُ الإثمِ غرضًا للَّه تعالى في إملائه لهم؟ قلتُ: هو علةٌ للإملاءِ، وما كلُّ علةٍ بغَرَض، ألا تَراكَ تقولُ: قعدتُ عن الغَزْوِ للعَجْزِ والفاقة، وخرجتُ من البلدِ لمخافةِ الشرِّ، وليسَ شيءٌ منها بغَرض لك. وإنّما هي عللٌ وأسباب، فكذلك ازديادُ الإثم جُعِلَ عِلةً للإمهالِ وسببًا فيه. فإن قلت: كيف يكونُ ازديادُ الإثم علةً للإمْلاء كما كانَ العَجز علةً للقُعودِ عن الحَرْب؟ قلتُ: لِما كانَ في عِلْمِ اللَّه المحيطِ بكلِّ شيء أنهم مُزدادُون إثمًا، فكأنَّ الإملاءَ وَقَع من أجلهِ وبسَبِبه على طَريقِ المَجاز
_________________
(١) ـ قوله: (كيف يكون ازدياد الإثم؟) أي: لا يجوز القياس؛ لأن العجز علة للقعود وسببه، وهو مقدم عليه، ولا كذلك ازدياد الإثم، فإنه مسبب عن الإملاء ومؤخر عنه. قوله: (لما كان في علم الله المحيط) توجيهه: أنه قد سبق في علمه تعالى بأنهم مزدادون إثمًا ولابد أن يقع الازدياد؛ لأن المعلوم تابع للعلم، وذلك الازدياد موقوف على حصول الإملاء والإمهال، والموقوف على الشيء لا يكون علة للشيء، فجعله علة مجازًا لما أن الموقوف على الشيء سبب حامل لتحصيل ذلك الشيء، فكأنه علة له، وهذا معنى قوله: "وكأن الإملاء وقع من أجله وبسببه"، والعجب من المصنف وركوبه المتعسف وتركه الجادة المستقيمة، أما يعلم أن ما يقتضيه علم الله تعالى لابد من وقوعه؟ الانتصاف: بنى سؤاله على أن الإثم الواقع منهم خلاف الإرادة، فأعمل الحيلة بجعله سببًا وليس غرضًا. وقال القاضي: اللام في "ليزداد" عندنا: لام الإرادة، قال السجاوندي: إرادة زيادة الإثم جائزة عند أهل السنة، ولا يخلو عن حكمة.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
وقرأَ يحيى بن وثابٍ بكَسر الأُولى وفتحِ الثانية. ولا يحسبنّ بالياءِ، على معنى: ولا يحسبنّ الذين كَفَروا أنّ إملاءنا لازدياد الإثم كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان. وقوله: (أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) اعتراض بين الفعل ومعموله. ومعناه: أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام اللَّه عليهم
بتفسيح المدّة وترك المعاجلة بالعقوبة. فإن قلت: فما معنى قوله (وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) على هذه القراءة؟ قلت: معناه: ولا تحسبوا إن إملاءنا لزيادة الإثم وللتعذيب، والواو للحال، كأنه قيل: ليزدادوا إثما معدًا لهم عذاب مهين.
(ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ١٧٩].
_________________
(١) ـ قوله: (ومعناه) أي: معنى الاعتراض، وذلك أن قوله: "أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه": تأكيد لقوله: "إنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان"، لأن الإمهال للتوبة والدخول في الإيمان خير كله. قوله: (فما معنى قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) على هذه القراءة؟) أي: قراءة يحيى بن وثاب، والفاء في السؤال للإنكار، لأن المعنى على تلك القراءة: إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا فيستحقوا لذلك العذاب؛ لأن قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) عطف على قوله: (لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)، فيكون الإملاء سببًا للعذاب، وعلى هذه القراءة سببه التوبة والدخول في الإيمان، الموجبان للثواب العظيم لا العذاب كما سبق، وأجاب: أن الواو للحال، والعلة مقيدة، أما قوله: "لزيادة الإثم وللتعذيب"، فتلخيص المعنى: لأنه قد ذهب على أن الواو للحال لا
[ ٤ / ٣٦٠ ]
اللام لتأكيد النفي، (عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ) من اختلاط المؤمنين الخلص والمنافقين، (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ): حتى يعزل المنافق عن المخلص. وقرئ: يميز. من ميز. وفي رواية عن ابن كثير: يميز، من: أماز بمعنى ميز. فإن قلت: لمن الخطاب في: (أَنْتُمْ)؟ قلت: للمصدّقين جميعًا من أهل الإخلاص والنفاق،
_________________
(١) للعطف حينئذ، وهذه القراءة شاذة، ومع ذلك غير مخالفة لمذهب أهل السنة، وتقريرها: أنها جارية على البعث على التفكر والنظر، فالمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أن مطلق الإملاء في حقهم لأجل الازدياد في الإثم والانهماك في الشر فقط حتى يسارعوا في الكفر والإضرار بنبي الله فيهلكوا، بل قد يكون الإنظار للنظر المؤدي إلى الإنصاف، فيتداركهم الله بلطفه بالتوبة والدخول في الإسلام فيفلحوا، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: ٥٣]، ونحوه قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ): إنهم إذا نظروا إلى هذا الكلام المنصف تركوا العناد وأنصفوا من أنفسهم. والفرق بين القولين: أن إملاء الله على قولهم مقصور على إرادة التوبة مراعاة للأصلح، وعلى قولنا: الإرادة كما تتعلق بالتوبة تتعلق بازدياد الإثم. قوله: (وقرئ: "يميز"): حمزة والكسائي، و"يميز" من: أماز، شاذة. قال الواحدي: في "يميز" قراءتان: التشديد والتخفيف، وهما لغتان، يقال: مزت الشيء بعضه من بعض، فأنا أميزه ميزًا، وميزته تمييزًا، ومنه الحديث: "من ماز أذى من الطريق فهو له صدقة". قوله: (للمصدقين جميعًا) فسر المؤمنين بالمصدقين؛ لأن الذي يترتب عليه التمييز هو ما اشتملت عليه الصدور من الإيمان: الحقيقي والمجازي، قال الواحدي: المعنى: ما كان ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المنافق بالمؤمن، والمؤمن بالمنافق.
[ ٤ / ٣٦١ ]
كأنه قيل: ما كان اللَّه ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها - من اختلاط بعضكم ببعض، وأنه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعًا - حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم، ثم قال (وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي: وما كان اللَّه ليؤتى أحدًا منكم علم الغيوب، فلا تتوهموا عند إخبار الرسول ﵊ بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب اطلاع اللَّه فيخبر عن كفرها وإيمانها وَلكِنَّ اللَّهَ يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأنّ في الغيب كذا، وأن فلانا في قلبه النفاق، وفلانا في قلبه الإخلاص، فيعلم ذلك من جهة إخبار اللَّه لا من جهة اطلاعه على المغيبات. ويجوز أن يراد: لا يترككم مختلطين (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِبِ)؛ بأن يُكلفكم التكاليفَ الصَّعبةَ التي لا يصبرُ عليها إلا الخُلَّص الذين امتَحَنَ اللَّه قلوبَهم - كبذل الأرواحِ في الجِهاد، وإنفاقِ الأموالِ في سبيلِ اللَّه، فيَجعل ذلك عيارًا على عقائِدكم، وشاهدًا بضمائرِكم، حتى يعلَمَ بعضُكم ما في قَلْب بعضٍ مِنْ طريقِ الاسْتِدْلال، لا مِن جهةِ الوُقوف على ذاتِ الصُّدور والاطِّلاع عليها، فإنّ ذلك مما استأثَرَ اللَّهُ به.
وما كانَ اللَّه ليُطْلِعَ أحدًا منكم على الغَيْبِ ومُضْمَرات القلوب حتى يعرفَ صحيحها من فاسِدِها مُطَّلعًا عليها (وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ) فيخبره ببعضِ المغيَّبات.
(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) بأنْ تَقدِروه حقَّ قَدْرِه، وتعلموه وحدَه مطَّلعًا على الغُيوب، وأنْ تُنزلُوهم مَنازِلَهم؛ بأنْ تعلَموهم عبادًا مُجتبينَ، لا يَعلمون إلا ما عَلَّمَهم اللَّه، ولا يُخبرُون إلا بما أخبرهم اللَّهُ به من الغُيوب، وليسُوا مِن عِلمِ الغَيْبِ في شيء
_________________
(١) قوله: (مطلعًا): حال من ضمير "أحدًا" في "يعرف"، ولو روي بفتح اللام ليكون حالًا من "صحيحها": جاز. قوله: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» لف، وقوله: "بأن تقدروه"، وقوله: "وأن تنزلوهم": نشر، ويروى: "تقدروه" بكسر الدال وضمها، والكسر أصح.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
وعن السُّديِّ قالَ الكافرون: إنْ كانَ محمدٌ صادقًا فليُخبرْنا مَن يؤمنُ منّا ومَن يكفُر. فنَزَلتْ.
(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ١٨٠].
(وَلَا يَحسَبَنَّ) مَن قرأَ بالتاء قَدّر مُضافا محذوفًا، أي: ولا تَحْسِبنَّ بُخلَ الذين يَبْخَلون هو خيرًا لهم. وكذلك من قرأَ بالياءِ وجَعَلَ فاعلَ (يَحْسَبَنَّ) ضميرَ رسولِ اللَّه، أو ضميرَ أحَدٍ، ومَن جَعَلَ فاعِلَه (الَّذينَ يَبْخَلُونَ) كانَ المفعولُ الأوّلُ عنده محذوفًا تقديره: ولا يحسبنَّ الذين يَبْخلون بُخْلَهم هُوَ خَيْرًا لَهُمْ والذي سوَّغ حَذْفَه دلالةُ (يَبْخَلُونَ) عليه،
_________________
(١) قوله: «وَلا يَحْسَبَنَّ) من قرأ بالتاء): حمزة، والباقون: بالياء التحتانية. قال الزجاج: من قرأ بالياء: الاسم محذوف، المعنى: لا يحسبن الذين يبخلون البخل هو خيرًا لهم، وهو كما تقول: من كذب كان شرًا له. وعن المصنف: إنما يجوز حذف أحد مفعولي "حسب" إذا كان فاعل "حسب" ومفعولاه شيئًا واحدًا في المعنى، كقوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) [آل عمران: ١٦٩] على القراءة بالياء التحتانية، أي: لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتًا، وإنما حذفت لقوة الدلالة، وما نحن بصدده ليس كذلك، فلابد من التأويل، وذلك أن الموصولة اشتملت على (يَبْخَلُونَ)، فالفاعل مشتمل على معنى البخل، فكأن الجميع في حكم معنى واحد، ولذلك حذف، وإليه الإشارة بقوله: "والذي سوغ حذفه دلالة (يَبْخَلُونَ) عليه".
[ ٤ / ٣٦٣ ]
و(هُوَ): فَصْل. وقرأَ الأعمشُ بغيرِ (هُوَ). (سَيُطَوَّقُونَ) تفسير لقوله: (هُوَ شَرٌّ لَهُمْ)، أي: سيُلْزَمون وَبَالَ ما بَخلوا به إلزامَ الطَّوق، وفي أمْثالهم: تقلَّدها طَوقَ الحَمامة؛ إذا جاء بِهَنَةٍ يُسَبُّ بها ويُذَمُّ. وقيل: يُجْعَلُ ما بَخِلَ به من الزَّكاةِ حيةً يطوَّقُها في عُنقِه يومَ القيامة، تَنْهَشُه من قَرْنِه إلى قَدَمِه وتَنْقُرُ رأسَه وتقول: أنا مالُكَ. وعن النبيِّ ﷺ في مانع الزكاة «يطوق بشجاع أقرَعَ» وروي "بشجاع أسود". وعن النخعي (سَيُطَوَّقُونَ): بطوقٍ من نار
_________________
(١) ـ قوله: (و(هُوَ): فصل)، قال الزجاج: زعم سيبويه أن "هو" ونحوه إنما يكون فصلًا مع الأفعال التي تحتاج إلى اسم وخبر، ولم يذكر الفصل مع المبتدأ والخبر. قوله: (تقلدها طوق الحمامة)، الميداني: الهاء كناية عن الخصلة القبيحة، أي: تقلدها تقلد طوق الحمامة، أي: لا تزايله ولا تفارقه حتى يفارق طوق الحمامِة الحمامةَ. قوله: (بهنة) أي: بفعلة قبيحة، النهاية: هنات: خصال شر، ولا تقال في الخير، واحدها: هنت، وقيل: هنة، تأنيث هن. قوله: (تنهشه)، الجوهري: نهشته الحية: لسعته، النهاية: النهس: أخذ اللحم بأطرف الأسنان، والنهش: بالشين المعجمة: الأخذ بجميعها. قوله: (يطوق بشجاع أقرع)، الحديث من رواية البخاري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاة ماله مثل له ماله مثل له ماله شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك".
[ ٤ / ٣٦٤ ]
(وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي: وله ما فيها مما يَتوارَثُه أهلُهما مِنْ مالٍ وغيرِه فما لهم يَبْخلون عليه بمُلْكِه ولا يُنفِقونه في سَبيله! ونحوُه قولُه: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) [الحديد: ٧] وقرُئ: (بِما يَعْمَلُونَ) بالتاء والياء، فالتاءُ على طريقةِ الالتفات، وهي أبلغُ في الوَعيد، والياء على الظاهر.
(لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) ١٨١ - ١٨٢].
_________________
(١) ـ النهاية: الأقرع: الذي لا شعر على رأسه، يريد حية قد تمعط جلد رأسه لكثرة سمه وطول عمره. الزبيبة: نكتة سوداء فوق عين الحية، وقيل: هما نقطتان مكتنفتان فاها. قوله: (أي: وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما)، قال الزجاج: أي: الله يغني أهلهما فيبقيان بما فيهما ليس لأحد فيهما ملك، فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثًا ملكًا له. قوله: (وقرئ: (بِمَا يَعْمَلُونَ) بالياء والتاء): ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتانية، والباقون بالتاء، والقراءة بالتاء الفوقانية أبلغ لمكان الالتفات، مثاله ما ذكره في أول "البقرة"، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيًا عن ثالث لكما: إن فلانًا من قصته كيت وكيت، ثم عدلت إلى الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة، أوجدت فيه بمواجهته إياه، هازًا من طبعه [ما] لا يجده إذا استمررت على الغيبة.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
قال ذلك اليهودُ حين سَمِعوا قولَ اللَّه تعالى: (مَّن ذَا الذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قرضًا حسنًا) [البقرة: ٢٤٥]، فلا يَخْلو: إمّا أن يَقولُوه عن اعتقادٍ لذلك، أو عن استهزاءٍ بالقرآن، وأيّهما كان فالكلمةُ عظيمةٌ لا تصدُرُ إلا عن متمرِّدين في كُفرِهم. ومعنى سَماعِ اللَّه له: أنه لم يَخْفَ عليه، وأنّه أعَدّ له كِفاءَه مِنَ العقاب (سَنَكْتُبُ ما قالُوا): في صحائفِ الحَفَظة. أو سنَحفَظُه ونثبته في عِلْمِنا لا نَنْساه كما يُثْبَتُ المكتوب. فإنْ قلتَ: كيف قال: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ) ثم قال: (سَنَكْتُبُ)؟
_________________
(١) قوله: (وأيهما كان)، روي مرفوعًا ومنصوبًا، فالرفع على أن "كان" تامة، والنصب على أنها ناقصة، والاسم مضمر فيها، كقولهم: أيًا كان وأيًا ما كان، أي: ذلك أو المذكور. قوله: (ومعنى سماع الله) إلى آخره يشير إلى أن قوله: (سَمِعَ اللَّهُ) كناية تلويحية عن الوعيد؛ لأن السماع لازم العلم بالمسموع، وهو لازم للوعيد في هذا المقام، فقوله: "وأنه أعد له كفاءه": عطف تفسيري على قوله: "أنه لم يخف". قوله: (كيف قال: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ)؟) وجه السؤال: أن قوله: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ) ماض فلا يطابقه قوله: (سَنَكْتُبُ) لأنه مستقبل، فلو قيل: "كتبنا"، لطابقه؟ وأجاب: أن المراد توكيد الكلام فابتدأ بالإخبار عن كونه ووجوده، وأكده بالقسمية، وثنى بالإخبار عن تحققه وثبوته فيما يستقبل، وأكده بالسين، وكلتا العبارتين معبرتان عن الوعيد، ألا ترى كيف قال أولًا: "وأنه أعد له كفاءه من العقاب"، وثانيًا: " (سَنَكْتُبُ) على جهة الوعيد"، ثم لخص المعنيين بقوله: "لن يفوتنا أبدًا إثباته وتدوينه"، أي: ماضيًا ومستقبلًا! وإلى هذا المعنى ينظر قول من قال: لها بين أحناء الضلوع مودة … ستبقى لها ما ألفي الدهر باقيا وإتيان السين في (سَنَكْتُبُ) للمبالغة؛ لأن سين الاستقبال لتأكيد الفعل في الإثبات، كما أن "لن" لتأكيده في النفي. قال الخليل: "إن سيفعل" جواب "لن يفعل".
[ ٤ / ٣٦٦ ]
وهلّا قيل: ولقد كَتَبْنا؟ قلتُ: ذَكَرَ وُجودَ السَّماع أوّلًا مؤكَّدًا بالقَسَم ثم قال: (سَنَكْتُبُ) على جهةِ الوَعيد، بمعنى: لنْ يفوتَنا أبدًا إثباتُه وتَدْوينُه كما لن يفوتَنا قتلُهم الأنبياءَ. وجَعَلَ قَتْلَهم الأنبياءَ قرينةً له إيذانًا بأنّهما في العِظَم أخَوان، وبأنّ هذا ليس بأوّلِ ما رَكِبوه من العَظائم، وأنهم أُصلاءُ في الكفر ولهم فيه سوابقُ، وأنّ مَن قَتَلَ الأنبياءَ لم يُستبعَدْ منه الاجتراءُ على مثلِ هذا القول.
ورُويَ: أن رسول اللَّه ﷺ كَتَبَ مع أبى بكرٍ ﵁ إلى يهود بني قينُقاع يَدْعُوهم إلى الإسلام وإلى إقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاة، وأن يُقرِضُوا اللَّه قَرضًا حسنًا، فقال فِنْحاصُ اليهوديُّ: إنّ اللَّه فقيرٌ حينَ سَأَلَنا القَرْض فلَطَمَه أبو بكرٍ في وجْهه، وقال: لولا الذي بَيْنَنا وبَيْنَكم مِنَ العَهْدِ لَضَربْتُ عُنُقَك فشَكاه إلى رسول اللَّه ﷺ وجَحَدَ ما قاله؛ فنَزَلتْ. ونحوُه قولُهم (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: ٦٤]. (وَنَقُولُ ذُوقُوا): وننتقِمُ منهم بأن نقولَ لهم يومَ القيامة: (ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ)
_________________
(١) ـ وفي كلامه إيذان بأن المعطوف يكتسب من المعطوف عليه معناه بحسب اقتضاء المقام، وهو قوله: "لن يفوتنا أبدًا إثباته وتدوينه، كما لن يفوتنا قتلهم الأنبياء"، وأن المعطوف عليه أيضًا يكتسب من المعطوف معناه، وهو المراد بقوله: "بأن هذا ليس بأول ما ركبوه من العظائم" إلى آخره، وفي (سَنَكْتُبُ) التفات من الغيبة إلى التكلم، ووضع لضمير الجماعة مكان الواحد للتعظيم والتفخيم. قوله: (وننتقم منهم بأن نقول لهم يوم القيامة: (ذُوقُوا» أي: ونقول: عطف على (سَنَكْتُبُ)، والباء في "بأن نقول"، كالباء في كتبت بالقلم، أي: ننتقم منهم بواسطة هذا القول، ولن يوجد هذا القول إلا وقد وجد العذاب وألمه، فالكلام فيه كناية، والمعنى: لن يفوتنا أبدًا إثباته وتدوينه وننتقم منهم لأجل هذا القول وذلك القتل بأن نعذبهم يوم القيامة بالعذاب الحريق، ونقول بعد التعذيب: (ذُوقُوا).
[ ٤ / ٣٦٧ ]
كما أذقْتمُ المسْلمين الغُصَص. يقالُ للمُنتقَمِ منه: أُحْسُ، وذُقْ. وقالَ أبو سفيانَ لحمزةَ ﵁: ذُقْ عُقَقُ. وقرأَ حمزةُ: (سيُكتَبُ)، بالياءِ على البناءِ للمفعول، (ويقول) بالياء. وقرأَ الحسَنُ والأعْرج: سيكتُبُ بالياءِ وتسميةِ الفاعل. وقرأ ابن مسعود: ويقال ذوقوا (ذلِكَ): إشارة إلى ما تقدّمَ من عِقابِهم وذَكَرَ الأيدي؛ لأنّ أكثرَ الأعمالِ تُزاوَلُ بهنّ، فجعَلَ كلَّ عملٍ كالواقعِ بالأيدي على سبيلِ التغليب فإنْ قلتَ: فلِمَ عُطِفَ قولُه: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) على (ما قدّمت أيديكم)؟ وكيف جُعل كونُه غيرَ ظلامٍ للعبيد شريكًا لاجتراحِهم السيِّئاتِ في استحقاقِ التعذيب؟ قلتُ: معنى كونِه غيرَ ظلامٍ للعبيد: أنه عادلٌ عليهم ومن العدلِ أن يُعاقِبَ المسيءَ منهم ويثيب المحسن
_________________
(١) قال الزجاج: "ذوقوا" كلمة تقال للذي يؤيس من العفو، أي: ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص منه. وقال القاضي: الذوق: إدراك المطعوم، ويستعمل على الاتساع لإدراك سائر المحسوسات والحالات، وذكره ها هنا لأن العذاب مرتب على قولهم الناشئ عن البخل والتهالك على المال وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم، ومعظم بخله للخوف من فقدانه، ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال. وقلت: ناسب "ذق" في الاتساع للإدراك قوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) في الاتساع في مزاولة الأعمال. قوله: (ذق عقق) أي: ذق جزاء فعلك يا عاق، من: عق والده يعق عقوقًا. قوله: (فلم عطف قوله؟) وجه السؤال أن الجهة الجامعة بين المعطوف والمعطوف عليه واجب، وهي في قوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) مفقودة؛
[ ٤ / ٣٦٨ ]
(الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَاتِيَنا بِقُرْبانٍ تَاكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) ١٨٣ - ١٨٤].
(عَهِدَ إِلَيْنا): أمَرَنا في التوراةِ وأوْصانا بأنْ لا نؤمِنَ لرسولٍ حتى يأتيَنا بهذه الآيةِ الخاصّة؛ وهو أن يُرِيَنا قُربانًا تَنْزِلُ نارٌ من السّماءِ فتأكلُه، كما كانَ أنبياءُ بني إسرائيلَ تلك آيتُهم، كان يُقَّرب بالقُربانِ، فيقومٌ النبيُّ فيدعو، فتنزلُ نارٌ من السماء فتأكلُه، وهذه دعوى باطلةٌ وافتراءٌ على اللَّه؛ لأن أكلَ النار القُربان لم يُوجِبِ الإيمانَ للرسولِ الآتي به إلا لكونِه آيةً ومُعجزة فهو إذنْ وسائرُ الآياتِ سواء فلا يجوزُ أن يعيِّنه اللَّهُ تعالى مِن بين الآيات، وقد ألزَمهم اللَّهُ أنّ أنبياءَهم جاؤوهم بالبيّناتِ الكثيرةِ التي أوجبتْ عليهم التصديق، وجاءوهم أيضًا بهذه الآيةِ التي اقترحُوها فلِمَ قَتَلوهم إنْ كانوا صادقينَ أنّ الإيمانَ يلزمُهم بإتْيانها وقُرئ (بِقُرْبانٍ) بضمَّتَيْن. ونظيرُه السُلُطان. فإن قلتَ: ما معنى قوله (وَبِالَّذِي قُلْتُمْ)؟ قلتُ: معناه، وبمعنى الذي قُلتموه مِن قولكم: قربانٌ تأكلُه النار. ومؤدّاه كقوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) [المجادلة: ٣] أي: لمعنى ما قالوا
_________________
(١) لأن الذي دل عليه المعطوف عليه استحقاق التعذيب لكونه تعليلًا لقوله: (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)، وهذا كيف يتصور في قوله: (لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)؟ وأجاب: أن مفهوم الآية دل على أنه عادل، والعدل مستلزم لعقاب المسيء وإثابة المحسن، كأنه قيل: ذلك العذاب بسبب فعلكم وبسبب أن الله عادل لا يترك معاقبة المسيء، فحصلت الجهة الجامعة. قوله: (وبمعنى الذي قلتموه)، ومعناه: إراءتهم القربان والنار النازلة من السماء آكلة له، كأنه قيل: جاءتكم رسله بالبينات، وبهذه البينة خاصة، فهو من عطف الخاص على العام.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
في مصاحفِ أهلِ الشام: (وبالزُّبر) وهي الصحف (وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) التوراةُ والإنجيلُ والزَّبور. وهذه تَسْلِيةٌ لرسولِ اللَّه ﷺ من تَكْذيبِ قومِه وتكذيبِ اليهود.
(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ) ١٨٥].
وقرأَ اليَزيديُّ: (ذائِقَةُ الْمَوْتِ) على الأصْل، وقرأ الأعمشُ: (ذائقة الموتَ) بطَرْحِ التنوينِ مع النَّصب كقوله:
وَلَا ذَاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلَا
_________________
(١) ـ قوله: ("وبالزبر"؛ وهي الصحف)، قال القاضي: الزبر: جمع زبور، وهو الكتاب المقصور على الحكم، من زبرت الشيء: إذا حسنته، والكتاب في عرف القرآن: ما يتضمن الشرائع والأحكام، ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين في عامة القرآن. قوله: (ولا ذاكر الله إلا قليلًا)، أوله: فألفيته غير مستعتب قبله: ذكرته ثم عاتبته … عتابًا رفيقًا وقولًا جميلًا غير مستعتب، أي: غير راجع بالعتاب مني على قبح فعله، واستعتب وأعتب بمعنى، واستعتب أيضًا: طلب أن يعتب، والأصل: "ولا ذاكرًا الله" بالتنوين فطرح مع نصب "الله"، فإنهم قد يحذفون التنوين عند ملاقاته ساكنًا إما طلبًا للخفة أو فرارًا من التقاء الساكنين، والدليل على تقدير التنوين نصبه "الله"، فلو كان قصده إلى الإضافة لجره.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
فإنْ قلتَ: كيفَ اتَّصل به قولُه (وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ)؟ قلتُ: اتِّصالُه به على أنْ: كلُّكم تَموتون، ولا بُدّ لكم من الموت، ولا تُوفَّون أُجورَكم على طاعاتِكم ومعاصيكم عَقِيبَ مَوتِكم، وإنما توفَّونها يومَ قيامِكم منَ القُبور. فإنْ قلتَ: فهذا يوهِمُ نَفْي ما يروى: أنّ القَبْر روضةٌ من رِياضِ الجنّةِ أو حُفرةٌ من حُفَرِ النار"؟ قلتُ: كلمةُ التَّوفية تُزِيلُ هذا الوهم؛ لأن المعنى: أنّ توفيةَ الأُجور وتَكْميلَها يكونُ ذلك اليومَ، وما يكونُ قبلَ ذلك فبَعْضُ الأُجور. الزَّحْزَحةُ: التَّنْحِيةُ والإبْعاد تكريرُ الزَّحِّ، وهو الجَذْب بعَجَلة
_________________
(١) ـ قوله: (اتصاله به على أن: كلكم تموتون)، وتمام تقريره: أنه سبق أن قوله: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) تسلية لرسول الله ﷺ وتصبير له على أذى قومه، يعني أن الرسل قاطبة كذبوا وأوذوا فصبروا حتى انكشف عنهم الكرب؛ لأن مشاق الدنيا ومتاعبها ونعيمها ولذاتها في وشك الزوال، وهو المعنى بقوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)، ثم جيء بقوله: (إِنَّمَا) الدالة على الحصر لما عسى أن يتردد في الخلد: هل يتلقى كل من الرسل والمكذبين جزاء ما عمل بعد الموت؟ فقيل: نعم، يجازون جزاء غير واف؛ بأن يكون القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، وإنما يوفون أجورهم يوم القيامة جزاء وافيًا، وإلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ* النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٥ - ٤٦] ثم جيء بالفاء التفصيلية بيانًا للجزاءين في قوله: (فَمَنْ زُحْزِحَ) أي: فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، ومن زحزح عن الجنة وأدخل النار فقد خاب، وفيه رد لزعم من يزعم أن لا بعث ولا حشر، وأن الأرواح المفارقة بعد الموت إما في السعادة أو الشقاوة، والحديث أخرجه الترمذي عن أبي سعيد.
[ ٤ / ٣٧١ ]
(فَقَدْ فازَ): فقد حَصَلَ له الفوزُ المُطلَق المُتناوِلُ لكلِّ ما يُفازُ به، ولا غايةَ للفوزِ وراءَ النَّجاةِ مِنْ سَخَطِ اللَّه والعذابِ السَّرْمد، ونَيْلِ رِضْوانِ اللَّه والنَّعيمِ المُخلَّد. اللهمَّ وفِّقنا لِما نُدرك به عندك الفوزَ في المآب. وعن النبي ﷺ: «مَن أحبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عن النارِ ويُدْخَلَ الجنّةَ فلْتُدْرِكْه منيَّتُه وهو مؤمنٌ باللَّه واليومِ الآخر، ويأتي إلى الناسِ ما يُحِبُّ أنْ يؤتى إليه» وهذا شاملٌ للمُحافظة على حُقوقِ اللَّه وحُقوقِ العِباد. شَبَّهَ الدنيا بالمَتاع الذي يُدَلَّسُ به على المُسْتام ويُغَرُّ حتى يَشترِيَه ثُمَّ يتبيَّنُ له فَسادُه ورَداءتُه. والشيطانُ هو المدلِّس الغرُور. وعن سَعيدِ بن جُبَير: إنَّما هذا لِمَن آثَرَها على الآخرة فأمّا مَن طَلَبَ الآخرةَ بها فإنّها مَتاعُ بَلاغ،
_________________
(١) قوله: (فقد حصل له الفوز المطلق)، أوقع (فَقَدْ فَازَ) المطلق جزاء للشرط المقيد للزحزحة عن النار وإدخال الجنة ليدل على أن حقيقة الفوز هذا وليس دونه فوز وإن سمي به، روينا عن الإمام أحمد والترمذي والدارمي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، فاقرؤوا إن شئتم: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) ". قوله: (ما يحب أن يؤتى إليه)، الضمير المستتر في "يؤتى" راجع إلى "ما". الأساس: أتى إليه إحسانًا: إذا فعله، أي: يحسن إلى الناس ما يحب أن يحسن إليه. قوله: (المستام)، أي: المشتري، المغرب: لا يسوم الرجل على سوم أخيه، أي: لا يشتري، وروي: لا يستام ولا يبتاع. قوله: (متاع بلاغ)، أي: يبلغ بالدنيا إلى الآخرة.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
خوطب المؤمنون بذلك؛ ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها، حتى إذا لقوها لقوها وهم مستعدون، لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه.
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ١٨٦].
والبلاء في الأنفس: القتل، والأسر، والجراح، وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب، وفي الأموال: الإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات؛ وما يسمعون من أهل الكتاب: المطاعن في الدين الحنيف، وصدّ من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن، وما كان من كعب بن الأشرف من هجائه لرسول اللَّه ﷺ وتحريض المشركين، ومن فنحاص، ومن بني قريظة والنضير (فَإِنَّ ذلِكَ): فإن الصبر والتقوى ٠ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) من معزومات الأمور، أي: مما يجب العزم عليه من الأمور أو مما عزم اللَّه أن يكون، يعنى: أنّ ذلك عزمة من عزمات اللَّه، لا بد لكم أن تصبروا وتتقوا.
_________________
(١) قوله: (وما يسمعون) إلى آخره: عطف على قوله: البلاء أي: البلاء في الأنفس: القتل وما يرد عليها، وفي الأموال: الإنفاق وما يقع فيها، وفي الدين: المطاعن وما يسمعون، لكن غير العبارة فجعل "ما يسمعون" مبتدأ والخبر "المطاعن"، وعطف "صد" و"تخطئة" وما كان على الخبر. قوله: (من معزومات الأمور)، جعل المصدر في تأويل المفعول وجمعه لإضافته إلى الأمور، أو "مما عزم الله": معطوف على "ما يجب"، ويجوز أن يعطف على "معزومات". قوله: (عزمة من عزمات الله)، العزم يجيء لمعنيين: بمعنى الجد والصبر، وبمعنى الفريضة أيضًا، والمصنف حمل الآية على المعنيين.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ) ١٨٧].
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ): واذكُر وقتَ أخذ اللَّه ميثاقَ أهلِ الكتاب. (لَتُبَيِّنُنَّهُ): الضمير ل (الكِتَابَ)، أُكد عليهم إيجابُ بيانِ الكتاب واجتنابُ كِتْمانه، كما يؤكَّد على الرَّجلِ إذا عُزم عليه وقيل له:
آللَّه لتفعلنّ. (فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ): فنَبَذُوا الميثاقَ وتأكيدَه عليهم، يعنى: لَم يراعُوه ولم يَلتفِتُوا إليه والنَّبْذُ وراءَ الظَّهر: مَثَلٌ في الطَّرْحِ وتَرْكِ الاعتداد، ونقيضُه جَعَلَه نَصْبَ عَينيه و: ألقاه بين عينيه، وكفى به دَليلًا على أنه مأخوذٌ على العُلماء أن يُبيِّنوا الحقَّ للناس وما عَلموه، وأن لا يَكتُموا منه شيئًا لغَرَض فاسد؛ من تَسهيلٍ على الظَّلمة، وتطيبٍ لنُفوسِهم. واستِجْلابٍ لِمَسارّهم، أو لجرّ منفعةٍ وحُطامِ دنيا،
_________________
(١) ـ النهاية: في الحديث "خير الأمور عوازمها" أي: فرائضها التي عزم الله عليك بفعلها، المعنى: ذوات عزمها التي فيها عزم، وقيل: ما وكدت رأيك وعزمك عليه ووفيت بعهد الله فيه، والعزم: الجد والصبر، ومنه: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ) [الأحقاف: ٣٥]، ومنه: ليعزم المسألة، أي: ليقطعها. قوله: (النبذ وراء الظهر: مثل في الطرح وترك الاعتداد)، وأنشد الزجاج للفرزدق: تميم بن قيس لا تكونن حاجتي … بظهر فلا يعيا علي جوابها أي: لا تتركها لا تعبأ بها، ويقال للذي يطرح الشيء ولا يعبأ به: قد جعلت هذا الأمر بظهر.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
أو لتقيَّةٍ مما لا دليلَ عليه ولا أَمارة، أو لبُخلٍ بالعِلْم، وغَيْرةٍ أن يُنْسَبَ إليه غيرهم. وعن النبيِّ ﷺ «مَن كَتَمَ عِلْمًا عن أهْلِه أُلجِمَ بلِجامٍ مِنْ نار»، وعن طاووس: أنه قال: لوهْبٍ: إنِّي أرى اللَّه سوف يعذِّبُك بهذه الكُتب. وقال: واللَّه لو كنتَ نبيَّا فكَتمتَ العِلْمَ كما تكتُمُه لرأيتُ أنّ اللَّهَ سيُعذبك. وعن محمدِ بن كَعْبٍ: لا يَحِلُّ لأحدٍ من العُلماءِ أنْ يسكُتَ على عِلمِه ولا يحلُّ لجاهلٍ أن يسكُتَ على جَهْلِه حتى يَسأل. وعن علي ﵁. ما أخذ اللَّه على أهل الجَهْل أن يتعلَّموا حتى أخَذَ على أهلِ العلمِ أن يُعَلَّموا: وقُرئ: (ليُبينُنَّه). (ولا يَكتمونه)، بالياء، لأنهم غَيَبٌ؛ وبالتاءِ على حكايةِ مُخاطبتِهم، كقوله: (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ) [الإسراء: ٤].
(لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ١٨٨].
(لا تَحْسَبَنَّ): خطاب لرسول اللَّه ﷺ. وأحد المفعولين (الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) والثاني (بِمَفازَةٍ) وقوله: (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) تأكيد،
_________________
(١) ـ قوله: (مما لا دليل عليه): متعلق بتقية، أي: الاتقاء من شيء لا دليل ولا أمارة على اتقائه. قوله: (من كتم علمًا عن أهله). الحديث من رواية أبي داود والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من سئل علمًا يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار". قوله: (وقرئ: ليبيننه) بالياء التحتانية: ابن كثير وأبو عمرو، والباقون: بالتاء. قوله: «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ): تأكيد)، قال الزجاج: العرب تعيد إذا طالت القصة "حسبت" وما أشبهها إعلامًا أن الذي جرى متصل بالأول وتوكيدًا، فتقول: لا تظنن زيدًا إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا فلا تظننه صادقًا، فتعيد "لا تظننه" توكيدًا وتوضيحًا.
[ ٤ / ٣٧٥ ]
تقديره: لا تحسبنَّهم، فلا تحسبنَّهم فائزين. وقُرئ: (لا تحسبن). فلا تحسبنهم، بضمِّ الباء على خِطابِ المؤمنين؛ (ولا يحسبن). (فلا يحسبنهم)، بالياء وفتح الباء فيهما، على أنّ الفعل للرسول. وقرأ أبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأوّل وضمها في الثاني، على أن الفعل ل (الَّذِينَ يَفْرَحُونَ)، والمفعول الأوّل محذوفٌ على: لا يحسبنَّهم الذين يَفرحون بمَفازة، بمعنى: لا يحسبنَّ أنفسُهم الذين يفرحون فائزين، و(فلا يحسبنهم)، تأكيدٌ. ومعنى (بِما أُوتُوا): بما فعلوا. و"أتى" و"جاء"، يُستعملان بمعنى "فعل". قال اللَّه تعالى: (إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا) [مريم: ٦١]، (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) [مريم: ٢٧]، وتدل عليه قراءةُ أُبىّ: (يفرحون بما فعلوا). وقرئ: آتوا، بمعنى أعطوا. وعن علي ﵁: بما أوتوا. ومعنى (بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ) بمنجاة منه. رُوى: أن رسول اللَّه ﷺ سأل اليهود عن شيءٍ مما في التوراة فكَتَمُوا الحقَّ وأخبروه بخلافه، وأرَوه أنهم قد صدقوه، واستحمدوا إليه، وفَرحوا بما فَعلوا، فأطلع اللَّه رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم: أي: لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا - من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه - ناجين من العذاب. ومعنى (يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا) بما أوتوه من علم التوراة. وقيل يفرحون بما فعلوا من كتمان نعت رسول اللَّه ﷺ. (وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) من اتباع دين إبراهيم حيثُ ادَّعوا أن إبراهيمَ كان على اليهودية وأنهم على دينه
_________________
(١) وقال القاضي: المعنى: ولا تحسبن الذين يفرحون بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الوفاء بالميثاق وإظهار الحق والإخبار بالصدق بمنجاة من العذاب. قوله: ("فلا يحسبنهم" بالياء وفتح الباء)، قرأها: نافع وابن عامر، والباقون: بالتاء الفوقانية فيهما وفتح الباء.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
وقيل: إنهم قومٌ تخلَّفوا عن الغَزْو مع رسول اللَّه ﷺ، فلما قَفَلَ اعتَذَرُوا إليه بأنّهم رأَوُا المصلحةَ في التخلُّف، واستَحْمَدوا إليه بتَرْكِ الخُروج. وقيل: هم المنافقون يَفْرَحون بما أتَوا مِنْ إظهارِ الإيمانِ للمسلمين ومُنافقتهم وتوصُّلهم بذلك إلى أغراضِهم، ويَستحمِدون إليهم بالإيمانِ الذي لم يَفْعَلوه على الحقيقة؛ لإبطانِهم الكُفر. ويجوزُ أن يكون شاملًا لكلِّ مَن يأتي بحَسَنةٍ فيفرحُ بها فرَحَ إعجابٍ، ويُحبُّ أن يحمدَه الناسُ ويُثنوا عليه بالديانةِ والزهدِ وبما ليس فيه.
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ) ١٨٩ - ١٩١].
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون شاملًا لكل من يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب)، يعني: إن فرح أنه موفق من الله فلا بأس به، روينا عن مسلم، عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله ﷺ: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمنين". وعن البخاري ومسلم والترمذي، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما نزلت في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) الآية وتلا ابن عباس: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا) الآية، وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه. استحمدوا إليه أي: طلبوا منه أن يحمدهم. الأساس: استحمد الله على خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم.
[ ٤ / ٣٧٧ ]
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فهو يملك أمرهم. وهو (عَلَى كُلِّ شَيء قَديرٌ)، فهو يقدر على عقابهم (لَآياتٍ) لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته، (لِأُولِي الْأَلْبابِ): للذين يفتحون بصائرَهم للنَّظر والاستدلالِ والاعتبار، ولا يَنْظُرون إليها نَظَرَ البَهائم غافِلينَ عما فيها مِنْ عجائب الفِطَر. وفي النَّصائح الصِّغار: املأ عينَيك من زينةِ هذه الكواكب، وأجِلهما في جُملةِ هذه العجائب، متفكِّرًا في قُدرةِ مقدّرها، متدبرا حكمة مدبرها، قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر.
وعن ابن عمر ﵄: قلت لعائشة ﵂: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول اللَّه ﷺ، فبكت وأطالت، ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال: "يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربى؟ فقلت: يا رسول اللَّه، إني لأحب قربك وأحب هواك، قد أذنت لك. فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء،
_________________
(١) قوله: (فهو يملك أمرهم)، فيه تهديد اليهود، والفاء جواب شرط محذوف، والمراد بالسماوات والأرض جميع العالم، أو التقدير: إذا كان الله مالك العالم، وهو من جملته، قادرًا على كل شيء، وهم من مقدوراته؛ فيلزم أن يكون مالكًا لأمرهم وقادرًا على عقابهم. قوله: (وأحب هواك) يعني: مهواك أي: ما تهواه من العبادة، أما الحديث فقد روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود، عن ابن عباس قال: بت في بيت خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ) ثم قام فتوضأ واستن فصلى، وفي رواية: ثم خرج إلى الصلاة فصلى، فجعل يقول في صلاته أو
[ ٤ / ٣٧٨ ]
في ثم قام يصلى، فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه، ثم جلس فحمد اللَّه وأثنى عليه وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكى فقال له: يا رسول اللَّه، أتبكي وقد غفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال أفلا أكون عبدًا شكورًا!؟ !، ثم قال: ومالي لا أبكى وقد أنزل اللَّه علىّ في هذه الليلة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)؟ ! ثم قال: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها". وروى: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمّلها» وعن علي ﵁: أنّ النبيّ ﷺ كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ). وحكي أنّ الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد اللَّه ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله، فقالت له أمّه: لعلّ فرطة فرطت منك في مدّتك
_________________
(١) سجوده: "اللهم اجعل في قلبي نورًا وبصري نورًا، وعن يميني نورًا وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا وخلفي نورًا، وفوقي نورًا وتحتي نورًا، واجعلني نورًا". وفي رواية: ثم تلا هذه الآيات. قوله: (حقويه)، النهاية: الأصل في الحقو: معقد الإزار، وجمعه أحق وأحقاء، ثم سمي به الإزارة للمجاورة. قوله: (لاكها)، الأساس: لاك اللقمة يلوكها، ولاك الفرس اللجام، ومن المجاز: وهو يلوك أعراض الناس. قوله: (فعبدها فتى من فتيانهم فلم) أي: فعبد الله في تلك المدة فلم تظله أو فلم ير شيئًا، وقيل: الصواب أن لا يسكت عن متعلق "لم" دون "لما"، وفي بعض النسخ: فلم تظله.
[ ٤ / ٣٧٩ ]
فقال: ما أذكُر. قالت: لعلَّك نَظَرْت مرّةً إلى السماءِ ولم تَعتبِرْ قال: لعلّ. قالت:
فما أُتيتَ إلا من ذاك (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ) ذكرًا دائبًا على أي حالٍ كانوا؛ من قيام وقُعود واضطجاع لا يُخلُّون بالذِّكر في أغلبِ أحوالهم. وعن ابن عمرَ وعُروةَ بنِ الزُّبير وجماعةٍ أنهم خَرَجُوا يومَ العِيدِ إلى المُصلى فجعلُوا يذكُرون اللَّه، فقال بعضُهم: أما قال اللَّه تعالى: (يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا) فقاموا يذكرون اللَّه على أقدامهم. وعن النبي ﷺ «من أحبّ أن يَرتَعَ في رياضِ الجنة فليكثر ذكر اللَّه» وقيل: معناه يُصلُّون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم. قال رسول اللَّه ﷺ لعمران بن الحصين «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنبٍ، تُومئ إيماءً» وهذه حجةٌ للشافعي ﵀ في إضجاع المريض على جنبِه كما في اللحد
_________________
(١) ـ قوله: (ذكرًا دائبًا)، الجوهري: يقال: دأب فلان في عمله: جد وتعب، دأبًا ودؤوبًا، فهو دئيب. قال أولًا: على كل حال وعلى أي حال ثم في أغلب أحوالهم، وذلك أن قوله: "لا يخلون بالذكر في أغلب أحوالهم" جملة مؤكدة لقوله: "يذكرون الله ذكرًا دائبًا على كل حال"، ومفسرة له؛ لأن الكل يطلق على الأكثر، قال الله تعالى على لسان سليمان ﵇: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ١٦]، وفي حق بلقيس: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣]، كما تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، تريد كثرة قصاده، ورجوعه إلى غزارة في العلم. قوله: (لعمران بن الحصين)، الحديث أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما، وهذا الحديث حجة للشافعي ﵁ في أن المريض يصلي مضطجعًا على جنبه الأيمن، مستقبلًا بمقاديم بدنه.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
وعندَ أبي حَنيفةَ ﵀: أنه يستلقي حتى إذا وجد خفة قعد. ومحل عَلى جُنُوبِهِمْ نصبٌ على الحالِ عطفًا على ما قبلَه، كأنه قيل: قيامًا وقعودًا ومضطجعين (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)، وما يدلُّ عليه اختراعُ هذه الأجرامِ العظام، وإبداع صَنعتها وما دُبِّر فيها بما تكِلُّ الأفهامُ عن إدراكِ بعضِ عجائبِه على عِظَمِ شأن الصانع وكبرياء سلطانه.
وعن سفيان الثوري: أنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء، فلما رأى الكواكب غشي عليه، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته. وعن النبيّ ﷺ «بينما رجل مستلق على فراشه، إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أنّ لك ربًا وخالقًا، اللهمّ اغفر لي، فنظر اللَّه إليه فغفر له» وقال النبي ﷺ «لا عبادة كالتفكر» وقيل: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة.
وروى عن النبي ﷺ «لا تفضلوني على يونس بن متى،
_________________
(١) قوله: (على عظم شأن الصانع). عظم: بدل من الضمير المجرور في قوله: "وما يدل عليه"، بإعادة العامل، كقوله تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ) [الأعراف: ٧٥]، والأولى أن لا يعطف "ما دبر" على "ما يدل عليه"، بل على "صنعتها" ويجعل "ما" في "ما دبر": موصولة، و"من" في "مما تكل": بيان "ما دبر"، لئلا يلزم الفصل بين البدل والمُبدل بالأجنبي فيؤدي إلى المعاظلة. قوله: (لا تفضلوني على يونس بن متى) إلى آخره، الرواية عن البخاري ومسلم وأبي داود، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي لأحد أني قول: أنا خير من يونس بن متى"، وعن البخاري، عن أبي هريرة: "من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"، ورواه أبو داود، عن أبي سعيد. فإن قلت: كيف الجمع بين هذه الأحاديث وبين ما جاء في فضائل سيد المرسلين، منها ما
[ ٤ / ٣٨١ ]
_________________
(١) ـ روينا عن الترمذي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي" الحديث. قلت: الوجه ما قال صاحب "الجامع" أن قوله: "أنا سيد ولد آدم" إنما هو إخبار عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد، وتحدث بنعمة الله عنده، وإعلام لأمته بذلك ليكون إيمانهم به على حسب ذلك، وأما قوله ﷺ في يونس ﵇ فيحمل على سبيل الهضم وإظهار التواضع لربه، أي: لا ينبغي لي أن أقول: أنا خير منه؛ لأن الفضيلة التي نلتها كرامة من الله تعالى وخصوصية منه لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها، وإنما يجب علي الشكر عليها، وإنما خص يونس بالذكر لما قصه الله من قلة صبره على أذى قومه، فخرج مغاضبًا ولم يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. وقلت: وعلم من ذلك أن قوله ﷺ: "من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"، معناه: تعصبًا، ولذلك قال ﷺ: "لا تخايروا بين الأنبياء"، رواه أبو داود عن أبي سعيد. والأوجه أن تحمل المخايرة على معنى الرسالة والنبوة، لقوله تعالى: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة: ٢٨٥]، وأما قوله: "فإنه كان يرفع له في يوم مثل عمل أهل الأرض"، فلم أجده في الأصول.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
فإنه كانَ يُرفَعُ له في كلِّ يومٍ مثلُ عَمَلِ أهلِ الأرض» قالوا: وإنما كان ذلك التفكُّر في أمر اللَّه الذي هو عمل القلب؛ لأن أحدًا لا يقدِر أن يعملَ بجوارحِه في اليومِ مثلَ عملِ أهلِ الأرض. (ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا) على إرادة القول، أي: يقولون ذلك. وهو في محل الحال، بمعنى يتفكرون قائلين. والمعنى: ما خلقته خلقًا باطلا بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين، وأدلة لهم على معرفتك، ووجوب طاعتك، واجتناب معصيتك، ولذلك وصل به قوله: (فَقِنا عَذابَ النَّارِ)؛ لأنه جزاء من عصى ولم يطع. فإن قلت: هذا إشارة إلى ماذا؟ قلت: إلى الخلق على أن المراد به المخلوق، كأنه قيل: ويتفكرون في مخلوقِ السمواتِ والأرض، أي: فيما خُلق منها. ويجوزُ أن يكون إشارةً إلى السموات والأرض؛ لأنها في معنى المخلوق، كأنه قيل: ما خلقت هذا المخلوقَ العجيب باطلًا. وفي (هَذَا) ضرب من التعظيم كقوله: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: ٩] ويجوزُ أن يكونَ (بَاطِلًا) حالا من (هَذَا)، و(سُبْحَانَكَ) اعتراض للتنزيهِ من العَبَث، وأن يخلق شيئًا بغير حكمة.
_________________
(١) ـ قوله: (ولذلك وصل): تعليل لتفسيره (مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) بما أدى إلى وجوب الطاعة واجتناب المعصية، يعني: دل قوله: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أن المقدر ما ذكر؛ لأن الفاء الفصيحة دلت على محذوف يرتبط معها تقديره: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) بل خلقته للدلالة على معرفتك، ومن عرفك يجب عليه أداء طاعتك واجتناب معصيتك؛ ليفوز بدخول جنتك ويتوقى به من عذاب نارك؛ لأن النار جزاء من يخل بذلك. قوله: (فيما خلق منها) "من" في "منها": بيان "ما". قوله: (وفي (هَذَا) ضرب من التعظيم) أي: لفظة (هَذَا)، وذلك أن المشار إليه به هو خلق السماوات والأرض، وكونهما خلقتا بحق، وما فيهما من بدائع فطرته وعجائب صنعه وحسن تدبيره مما تكل الأفهام عن إدراك بعضه، وهذه معان دقيقة لطيفة جعلت كالمحسوس المشار إليه بما يشار به إلى المدركات بالمشاعر.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
(رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) ١٩٢ - ١٩٤].
(فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) فقد أبلغت في إخزائه. وهو نظير قوله (فَقَدْ فَازَ) [آل عمرن: ١٨٥]، ونحوه في كلامِهم: مَن أدرَك مَرعى الصَّمّان فقد أدْرَك، ومن سَبَقَ فلانًا فقد سَبَق.
_________________
(١) ـ قوله: (فقد أبلغت في إخزائه)، الراغب: خزي الرجل: لحقه انكسار إما من نفسه أو من غيره، فالأول هو الحياء المفرط، ومصدره: الخزاية، ورجل خزيان وامرأة خزياء، وجمعه: خزايا، وفي الحديث: "اللهم احشرنا غير خزايا ولا نادمين". والثاني: يقال: هو ضرب من الاستخفاف، ومصدره الخزي، ورجل خز، قال تعالى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا) [المائدة: ٣٣]. وأخزى: يقال منهما، وقوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) يحتملهما. قوله: (وهو نظير قوله: (فَقَدْ فَازَ» يعني في الإطلاق، وأن الجزاء والشرط متحدان معنى. قال ابن الحاجب في "الأمالي" في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧] وضع قوله: (فَمَا بَلَّغْتَ) في موضع أمر عظيم، أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا، ونحوه قولك: إذا جئت إلي فقد جئت إلى حاتم، أي: إلى رجل كريم. قوله: (من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك) أي: أدرك مرعى ليس بعده مرعى، الصمان: جبل.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
(وَما لِلظَّالِمِينَ) اللامُ إشارةٌ إلى من يُدخَلُ النار، وإعلامٌ بأنّ مَنْ يُدخلُ النارَ فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها. تقول: سمعتُ رجلًا يقولُ كذا، وسمعتُ زيدًا يتكلّم، فتُوقعُ الفعلَ على الرّجل وتَحذِفُ المسموع؛ لأنك وصفْتَه بما يُسْمَع، أو جعلْتَه حالًا عنه فأغناك عن ذِكْرِه، ولولا الوصفُ أو الحالُ لم يكنْ منه بدٌّ، وأن يُقال سمعتُ كلامَ فلانٍ أو قولَه. فإن قلتَ: فأيُّ فائدةٍ في الجمْع بينَ المنادِى وينادي؟ قلتُ: ذُكِرَ النداءُ مُطلقًا ثم مقيَّدًا بالإيمان تفخيمًا لشأنِ المنادي؛ لأنه لا منادي أعظمُ من منادٍ يُنادي للإيمان، ونحوُه قولك: مررتُ بهادٍ يَهدي للإسلام، وذلكَ أنّ المنادي إذا أُطلِقَ ذَهَبَ الوهْم إلى منادٍ للحربِ، أو لإطفاءِ النائرةِ، أو لإغاثةِ المكروبِ، أو لكفايةِ بعضِ النوازلِ، أو لبعضِ المنافع، وكذلك الهادي قد يُطلَقُ على مَنْ يَهْدي للطريقِ ويَهْدي لسدادِ الرّأيِ وغيرِ ذلك، فإذا قلتَ: ينادى للإيمانِ، ويهدى للإسلامِ، فقد رَفَعْتَ من شأنِ المُنادى والهادي وفخمته
_________________
(١) ـ قوله: (فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها)، قال القاضي: لا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة؛ لأن النصرة: دفع بقهر. قوله: (وأن يقال: سمعت) عطف على المضمر المجرور في "لم يكن منه بد"، والجار في التقدير معاد، لأن حذف الجار مع أن وأنَّ قياس شائع، أي: ولولا الوصف أو الحال لم يكن بد من أن يقال: سمعت كلام فلان. قوله: (لأنه لا منادي أعظم): بيان أن المقام مقام التفخيم، وقوله: "وذلك": إشارة إلى كيفية حصول التفخيم وتحقيق حصوله. قوله: (النائرة)، المغرب: يقال: بينهم نائرة، أي: عداوة وشحناء، وإطفاء النائرة عبارة عن تسكين الفتنة، وهي فاعلة، من "النار".
[ ٤ / ٣٨٥ ]
ويقال: دعاه لكذا وإلى كذا، أوندَبَه له وإليه، وناداه له وإليه، ونحوُه: هداه للطّريقِ وإليه، وذلك أنّ معنى انتهاءِ الغايةِ ومعنى الاختصاصِ واقعانِ جميعًا، والمنادي هو الرسول (أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ) [يوسف: ١٠٨]، (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ) [النحل: ١٢٥] .. وعن محمّدِ بن كعْب: القرآن
_________________
(١) ـ قوله: (معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعًا) أي: حاصلان؛ لأن من انتهى إلى الشيء اختص به، قال في قوله: (يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى) [الرعد: ٢] و(يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) [لقمان: ٢٩]: "يعني: الانتهاء والاختصاص؛ كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض، فمعنى (يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) يبلغه وينتهي إليه، و(لِأَجَلٍ مُسَمًّى) معناه: يجري لإدراك أجل". قوله: (والمنادي هو الرسول) ﷺ، عن البخاري والترمذي، عن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا فاضربوا له مثلًا، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مائدة وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المائدة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المائدة، فقالوا: أولوها يفقهها، فقال بعضهم: عن العين نائمة والقلب يقظان، فالدار: الجنة، والداعي: محمد، فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس. وفي رواية الترمذي: فالله هو الملك، والدار: الإسلام، والبيت: الجنة، وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل مما فيها. قوله: (وعن محمد بن كعب: القرآن) عن الإمام أحمد بن حنبل، عن النواس بن سمعان، أن رسول الله ﷺ قال: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعند رأس الصراط داع يقول: استقيموا على
[ ٤ / ٣٨٦ ]
(أَنْ آمِنُوا)، أي: آمِنوا، أو بأنْ آمِنوا. (ذُنُوبَنا): كبائرَنا. (سَيِّئاتِنا): صغائرنا. (مَعَ الْأَبْرارِ): مخصوصينَ بصُحْبَتِهم، معدودين في جملتهم
_________________
(١) الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو كلما هم عبد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك! لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه"، ثم فسره فأخبر أن الصراط هو الإسلام، وأن الأبواب المفتحة: محارم الله، والستور المرخاة: حدود الله، والداعي على رأس الصراط: هو القرآن، وأن الداعي من فوقه: هو واعظ الله في قلب كل مؤمن. هذا رواية رزين عن ابن مسعود. قوله: «أَنْ آمِنُوا) أي: آمنوا، أو بأن آمنوا) الأول على أن "أن" مفسرة؛ لأن في (يُنَادِي لِلإِيمَانِ) معنى القول، والثاني: على أن "أنْ" مصدرية، قال أبو البقاء: "أنْ" مصدرية وصلت بالأمر، المعنى: ينادي للإيمان بأن آمنوا. قوله: «ذُنُوبَنَا): كبائرنا، (سَيِّئَاتِنَا): صغائرنا) خولف بين معنييهما ليكون من باب التتميم للاستيعاب كقوله تعالى: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [الفاتحة: ٣]، أو لأن المناسب بالذنب الكبائر لأنه مأخوذ من الذنوب وهو الدلو الملآن. الأساس: تذنب علي فلان: تجنى وتجرم، وأصبت من ذنوبك، وهي ملاء الدلو من الماء. ولأن الشرك يسمى ذنبًا ولا يسمى سيئة، ولأن الغفران مختص بفعل الله، والتكفير قد يستعمل في فعل العبد، يقال: كفر عن يمينه، ولأنها مقابلة للحسنة لقوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤] ولاشك أنها صغائر. قوله: (مخصوصين بصحبتهم). الاختصاص مستفاد من استعمال التوفي مع الأبرار،
[ ٤ / ٣٨٧ ]
والأبرار: جمع برّ أو بارّ، كرَب وأرْباب، وصاحِب وأصحاب (عَلى رُسُلِكَ): "على" هذه صلةٌ للوعد، كما في قولِك: وعدَ اللَّهُ الجنَّة على الطاعة. والمعنى: ما وعدتَنا على تصديقِ رُسلِك. ألا تراه كيفَ أُتْبِعَ ذِكْرَ المنادي للإيمانِ وهو الرسول وقوله: (ءَامَنَّا) وهو التصديق. ويجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف، أي: ما وعدتنا مُنزَلًا على رسلِك، أو مَحْمولًا على رَسُلِك؛ لأن الرسل مُحَملون ذلك؛ (فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ) [النور: ٥٤] وقيل: على ألسنة رسلك. والموعود هو الثواب. وقيل: النُّصرة على الأعداء. فإن قلتَ: كيفَ دَعَوُا اللَّه بإنجاز ما وعد واللَّه لا يخلف الميعاد؟ قلت: معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد، وهو بابٌ من اللجأ إلى اللَّه والخضوع له، كما كان الأنبياء ﵈ يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم والتضرع إليه، واللجأ الذي هو سيما العبودية.
(فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) ١٩٥].
_________________
(١) وذلك أن التوفي مع الأبرار محال، لأن بعضًا منهم تقدم وبعضًا لم يوجد، فالمراد: الانخراط في سلكهم على سبيل الكناية، فإنه إذا كان منخرطًا في سلكهم لا يكون مع غيرهم. قوله: (ألا تراه كيف أتبع ذكر المنادي للإيمان؟) يعني: الدليل على أن "على" صلة الوعد والمضاف المقدر التصديق: أنه تعالى لما قال: (مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ) والمراد بالمنادي: الرسول وبالإيمان: التصديق لتعديته بالباء، أتبعه قوله: (مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ)، كأنه قيل: إنا سمعنا رسولًا يدعو الناس إلى التصديق فصدقناه، فإذا كان كذلك فآتنا ما وعدتنا من الأجر على ذلك التصديق.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
يقال استجاب له واستجابه.
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
(أَنِّي لا أُضِيعُ) قرئ بالفتح على حذف الياء، وبالكسر على إرادة القول.
وقرئ: لا أضيع، بالتشديد (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى): بيان ل (عَامِلٍ). (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: يجمع ذكوركم وإناثكم أصلٌ واحد، فكل واحد منكم من الآخر، أي: من أصله، أو كأنه منه لفَرطِ اتصالكم واتحادِكم. وقيل المرادُ: وصلةُ الإسلام. وهذه جملةٌ معترضةٌ بُيّنت بها شِركةُ النساء مع الرجال فيما وعد اللَّه عباده العاملين
_________________
(١) ـ قوله: (فلم يستجبه عند ذاك مجيب)، أوله: وداع دعا: يا من يجيب إلى الندا أي: رب داع دعا: هل من مجيب إلى الندا؟ أي: هل أحد يمنح المستمنحين؟ فلم يستجبه أحد. قوله: (أي: يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد) يريد أن (مِن) في (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ): اتصالية كما جاء: "ما أنا من دد ولا الدد مني"، ثم الاتصال إما بحسب أن أباكم آدم، فهو المراد بقوله: "يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد"، وإما بسبب محبتكم وخلتكم فهو المراد بقوله: "لفرط اتصالكم واتحادكم"، ولما كان الاتصال في هذا الوجه ليس على الحقيقة قال: "كأنه منه"، أي: كأن كل واحد من الآخر، وإما باعتبار الأخوة في الإسلام فهو المراد بقوله: "المراد: وصلة الإسلام".
[ ٤ / ٣٨٩ ]
ورُوي: أنّ أمّ سلمة قالت: يا رسول اللَّه، إني أسمعُ اللَّه تعالى يذكرُ الرّجالَ في الهجْرةِ ولا يذكرُ النساء؛ فنزلت (فَالَّذِينَ هاجَرُوا): تفصيل لعمَلِ العاملِ منهم على سبيلِ التعظيم له والتفخيم، كأنه قال: فالذين عَمِلوا هذه الأعمالَ السنيّة الفائقة، وهي المهاجَرَةُ عن أوطانِهم فارّين إلى اللَّه بدينهم من دار الفتنة، واضطرّوا إلى الخروج من ديارهم التي وُلدوا فيها ونشؤوا بما سامهم المشركون من الخسف
_________________
(١) قوله: (وروي أن أم سلمة قالت) الحديث رواه الترمذي. قوله: (تفصيل لعمل العامل منهم)، واللام في "العامل" للعهد، والمجمل هو العمل المضاف إلى عامل، وكان من حق الظاهر أن يقال: فالمهاجرة حكمها كذا، وتحمل مشقة الجلاء عن الأوطان كذا، وتحمل أذى الكفار والمجاهدة في سبيل الله بالقتال كذا، لأن تفصيل العمل هذا، فعدل منها إلى إعادة ذكر العامل بالموصول وإيقاع الأعمال صلة لها ليدل على العامل وعلى العمل مزيدًا لتقرير تلك الأعمال وتصويرًا لتلك الحالة السنية، تعظيمًا للعامل وتفخيمًا لشأنه، ثم في بناء الخبر، وهو قوله: (لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)، على المسند إليه الموصول مع إرادة القسم، وتكرير اللام في (وَلأدْخِلَنَّهُمْ): إشعار بأن هذه الكرامة لأجل تلك الأعمال الفاضلة والخصائل النابهة، وأن لابد من تحقيق كل من هذين الوعدين، على سبيل الاستقلال. قوله: (واضطروا إلى الخروج): عطف على قوله: "عملوا هذه الأعمال السنية"، وفيه إيذان بأن قوله: (وَأُخْرِجُوا)، والأفعال المذكورة بعده: عطف على قوله: (هَاجَرُوا) عطف المفصل على المجمل تفصيلًا لعمل العامل، فالمراد بقوله: (هَاجَرُوا) المهاجرة من جميع المألوفات، فيدخل فيه المهاجرة عن الشرك والأوطان والنفس والمال والأهل والأولاد، ولذلك قال: "فارين إلى الله بدينهم"، والمراد بقوله: (وَأُخْرِجُوا): الهجرة المتعارفة، وهي الخروج من الديار، ولو قيل: والذين عملوا جميع هذه الأعمال السنية الفائقة وأخرجوا وأوذوا وقاتلوا
[ ٤ / ٣٩٠ ]
(وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي) من أجله وبسببِه، يريدُ سبيل الدين (وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا): وغزوا المشركين واستشهدوا. وقرئ: وقتلوا، بالتشديد. وقتلوا وقاتلوا - على التقديم - بالتخفيف والتشديد. وقتلوا، وقتلوا، على بناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول. وقتلوا، وقاتلوا، على بنائهما للفاعل (ثَوابًا) في موضع المصدر المؤكد بمعنى إثابة أو تثويبًا (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)؛
_________________
(١) وقتلوا، أفاد هذا المعنى. وينصره قول القاضي: المعنى: فالذين هاجروا الشرك والأوطان والعشائر للدين. وقول صاحب "التقريب": (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا): تفصيل للمهاجرة والفرار بالدين من بين الأعمال. قوله: «فِي سَبِيلِي): من أجله وبسببه) أي: من أجل سبيلي في هذه، كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) [العنكبوت: ٦٩]. قوله: (على التقديم): حمزة والكسائي، قالا لقاضي: الواو لا توجب الترتيب، والثاني أفضل، أو لأن المراد: لما قتل منهم قوم قاتل الباقون ولم يضعفوا، وشدد ابن كثير وابن عامر (قُتِلُوا) للتكثير. قوله: (بمعنى: إثابة أو تثويبًا)، قال أبو البقاء: (ثَوَابًا): مصدر، وفعله دل عليه الكلام، لأن تكفير السيئات إثابة، فكأنه قيل: لأثيبنكم ثوابًا، الثواب بمعنى الإثابة، وقد يقع بمعنى الشيء المثاب به، كقولك: هذا الدرهم ثوابك، فعلى هذا يجوز أن يكون حالًا من ضمير الجنات، أي: مثابًا بها، أو من ضمير المفعول في (وَلأدْخِلَنَّهُمْ)، أي: مثابين.
[ ٤ / ٣٩١ ]
لأن قوله: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ) (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ) في معنى. لأثيبنهم. و(عِنْدَهُ) مثل، أي: أن يختص به وبقدرته وفضله، لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه، كما يقول الرجل: عندي ما تريد، يريد اختصاصه به وبملكه وإن لم يكن بحضرته، وهذا تعليم من اللَّه كيف يدعى وكيف يبتهل إليه ويتضرّع؟ وتكرير (رَبَّنا) من باب الابتهال، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة، من احتمال المشاق في دين اللَّه،
_________________
(١) قوله: (من باب الابتهال)، النهاية: هو التضرع والمبالغة في السؤال. قوله: (وإعلام بما يوجب حسن الإجابة) هو عطف على قوله: "تعليم"، والمشار إليه بلفظة "وهذا"، المذكور من قوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ) إلى قوله: (حُسْنُ الثَّوَابِ). وأما بيان الابتهال والمبالغة في السؤال فهو أنه قرن بكل من (رَبَّنَا) الوسيلة إلى إجابة الدعاء، فعلق بالأولى قوله تعالى: (مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) وقد تقرر أن المراد به المعرفة والإتيان بالطاقة والاجتناب عن المعصية، وبالثانية قوله: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)، وفيه مبالغة في الاستعاذة، وبالثالثة قوله: (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، وأي وسيلة أسنى من الإجابة بالإيمان! وبالرابعة قوله: (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)، فرتب طلب الحاجة على الوسيلة، وقد اشتمل على: التخلية عما لا ينبغي من تكفير الذنوب والسيئات، والتحلية بما ينبغي من الانخراط في سلك الأبرار، وبالخامسة الوعد على لسان الرسول، وهو كالختم؛ لأن الوعد واجب الوفاء من الكريم على لسان الصادق، والمراد بقوله: "ما يوجب حسن الإجابة" قوله: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) الآية، يعني ختم الابتهال بذكر الأعمال ليؤذن أن الإجابة إنما كانت بسبب أنهم أتوا بتلك الأعمال السنية، وفيه إشارة إلى أن لام التعليل في قوله تعالى: (أَنِّي لا أُضِيعُ) مقدر، وينطبق عليه قول الحسن: إلا أنه أتبع ذلك، يعني أنه تعالى أخبر أنه استجاب لهم لكن بشرط رافع الدعاء، أي: العمل الصالح، وهو قوله: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا) الآية، وإنما سمى العمل برافع الدعاء لقوله تعالى: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠].
[ ٤ / ٣٩٢ ]
والصبر على صعوبة تكاليفه، وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه، وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولًا إليه، بالعمل بالجهل والغباوة.
وروي عن جعفر الصادق ﵁: من حزبه أمر فقال خمس مرات (ربنا)، أنجاه اللَّه مما يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية.
وعن الحسن: حكي اللَّه عنهم أنهم قالوا خمس مرات: (ربنا) ثم أخبر أنه استجاب لهم، إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد من تقديمه بين يدي الدعاء.
(لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ) ١٩٦ - ١٩٧].
(لا يَغُرَّنَّكَ): الخطاب لرسول اللَّه ﷺ أو لكل أحد، أي: لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق والمضطرب،
_________________
(١) قوله: (وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولًا إليه بالعمل بالجهل) مذهبه، ولا ارتياب أن الثواب مترتب على العمل، لكن الكلام في إيجابه لما روينا عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة وجابر قالا: قال رسول الله ﷺ: "قاربوا وسددوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله" قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وفي رواية أخرى لأبي هريرة: "لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة". قوله: (والمضطرب) قيل: هو من قولهم: ضرب في الأرض: إذا سار لابتغاء الرزق، والاضطراب في الأمور: التردد والمجيء والذهاب في أمور المعاش. الأساس: ومن المجاز: فلان ضرب المجد: يجمعه، وقد ضرب مناقب جمة، واضطربها: حازها، قال الكميت: رحب الفناء اضطراب المجد رغبته … والمجد أنفع مضروب لمضطرب
[ ٤ / ٣٩٣ ]
ودَرْكِ العاجل، وإصابةِ حظوظِ الدنيا، ولا تغترَّ بظاهرِ ما ترى من تبسُّطهم في الأرض، وتصرُّفهم في البلاد يتكسبون ويتجرون وبتدهقنون. عن ابن عباس: هم أهل مكة، وقيل: هم اليهود. وروي أن أناسًا من المؤمنين كانوا يَرَوْن ما كانوا فيه من الخصبِ والرَّخاء ولين العَيش فيقولون: إن أعداءَ اللَّه فيما نرى من الخير، وقد هلَكنا من الجُوع والجَهد! فإن قلت: كيف جاز أن يغتر رسول اللَّه ﷺ بذلك حتى ينهى عن الاغترار به؟ قلت: فيه وجهان أحدهما: أن مِدرِة القوم ومتقدّمهم يخاطبُ بشيء، فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعًا، فكأنه قيل: لا يغرَّنكم. والثاني: أنّ رسول اللَّه ﷺ كان غير مغرورٍ بحالهم فأكَّد عليه ما كانَ عليه وثُبِّتَ على التزامِه، كقوله: (وَلا تَكُوننْ ظَهِيرًا الْكافِرِينَ) [القصص: ٨٦]، (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٤]، (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) [القلم: ٨]، وهذا في النهي نظير قولِه في الأمر (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: ٦]، (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) [النساء: ١٣٦]، وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب، وهو في المعنى للمخاطب، وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب؛ لأنّ التقلب لو غرّه لاغتر به، فمُنع السبب ليمتنع المسبب. وقرئ: لا يغرنك بالنون الخفيفة
_________________
(١) ـ قوله: (ويتدهقنون)، النهاية: الدهقان، بكسر الدال وضمها: رئيس القرية ومقدم أصحاب الزراعة، وهو معرب، ونونه أصلية لقولهم: تدهقن الرجل، وله دهقنة، وقيل: النون زائدة، وهو من الدهق: الامتلاء. قوله: (من تنزيل السبب منزلة المسبب). السبب: تقلبهم في البلاد، والمسبب: التباس الغرور به، فنهي تقلبهم لينتفي غروره به، يعني: لا تغتر بسبب تقلبهم في البلاد وتمتعهم بالمال والمنال، فإن ذلك في وشك الزوال، يعني: لا تكن بحيث إن شاهدت ذلك وقعت في الغرور، وهو على منوال: لا أرينك ها هنا، فإن حصول المخاطب في ذلك في ذلك المكان سبب لرؤية المتكلم إياه فيه، فنهى نفسه عن رؤيته هناك لينتهي المخاطب عن حضوره فيه.
[ ٤ / ٣٩٤ ]
(مَتاعٌ قَلِيلٌ): خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك متاعٌ قليل، وهو التقلُّب في البلاد، أراد قلَّته في جَنْبِ ما فاتَهم من نعيم الآخرة، أو في جَنْبِ ما أعدَّ اللَّهُ للمؤمنين من الثواب، أو أراد أنه قليلٌ في نفسه لانقضائه وكل زائل قليل. قال رسول اللَّه ﷺ: «ما الدّنيا في الآخرةِ إلا مثلُ ما يجْعلُ أحدُكم أصبَعَه في اليمِّ فلينظرْ بِمَ يَرجع».
(وَبِئْسَ الْمِهادُ): وساء ما مهدوا لأنفسهم.
(لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) ١٩٨].
النُزْل والنُزُل: ما يُقامُ للنّازل. وقال أبو الشَّعْراء الضَّبِّيّ:
وَكُنَّا إذَا الْجَبَّارُ بِالْجَيْشِ ضَافَنَا جَعَلْنَا الْقَنَا وَالْمُرهِفَاتِ لَهُ نُزْلَا
وانتصابُه: إمّا على الحال من (جَنَّاتٌ) لتخصصِها بالوصْف والعاملُ الّلام
_________________
(١) قوله: (ما الدنيا في الآخرة). الحديث رواه مسلم والترمذي عن مستورد بن شداد، مع تغيير يسير، يعني: ليست الدنيا في جنب الآخرة إلا كذا وكذا. قوله: (وكنا إذا الجبار) البيت. الجبار: الملك المتسلط، ضافنا: أي: نزل بنا ضيفًا، والباء في "بالجيش" للتعدية أو للمصاحبة، يقول: إذا جعل الجيش ضيفًا لنا، أو: إذا صار مع الجيش ضيفًا لنا. والمرهفات: السيوف الباترات، جعل المرهفات نزلًا على التهكم. قوله: (والعامل اللام) أي: الجار والمجرور، أعني: (لَهُمْ)، لأنه قوي بالاعتماد على المبتدأ، فعمل في (جَنَّاتُ)، على أنها فاعلة فتعمل في الحال؛ لأن العامل في الحال هو العامل في ذي الحال، أو ارتفاع (جَنَّاتُ) بالابتداء، و(لَهُمْ) الخبر، و(نُزُلًا) حال مما في الظرف من الضمير.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
ويجوزُ أن يكونَ بمعنى مصدرٍ مؤكِّد، كأنه قيل: زرقًا، أو عطاءً. (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ) من الكثير الدائم (خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) مما يتقلَّب فيه الفجارُ من القليل الزائل. وقرأ مسلَمةُ بنُ محارِبٍ والأعْمش (نُزُلًا) بالسكون. وقرأ يزيدْ بن القعقاع: لكنّ الذين اتقوا، بالتشديد.
(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) ١٩٩].
(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) عن مجاهد: نزلت في عبد اللَّه بن سلام وغيره من مسلمة أهل الكتاب. وقيل: في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثينَ من الحَبَشة، وثمانيةٍ من الروم كانوا على دين عيسى ﵇ فأسْلموا. وقيل: في أصْحَمةَ النّجاشيِّ مَلِكِ الحَبَشة، ومعنى أصْحمة: عطية، بالعربية. وذلك أنه لمّا ماتَ نعاه جبريلُ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ: (اخرجوا فصلّوا على أخٍ لكم ماتَ بغير أرضكم)، فخرج إلى البقيع ونَظَرَ إلى أرضِ الحبشة، فأبصَرَ سريرَ النجاشيّ وصلى عليه واستغفر له: فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْجٍ نصرانيّ لم يَرَه قطّ وليسَ على دينه، فنزلت.
_________________
(١) ـ قوله: (أصحمة النجاشي)، قال صاحب "جامع الأصول": النجاشي، بفتح النون وتخفيف الجيم وبالشين المعجمة: لقب ملك الحبشة، فالذي أسلم وآمن بالنبي ﷺ هو أصحمة، أسلم قبل الفتح ومات قبله أيضًا، وصلى عليه النبي ﷺ لما جاءه خبر موته ولم يره. قيل: إنما قال: "أبصر سرير النجاشي"، لأن الصلاة لا تجوز على الغائب عند الحنفية. قوله: (على علج)، النهاية: العلج: الرجل من كفار العجم وغيرهم، والأعلاج: جمعه، ويجمع على علوج أيضًا.
[ ٤ / ٣٩٦ ]
ودخلت لامُ الابتداءِ على اسم «إنّ» لفصْلِ الظرْفِ بينهما كقولهِ: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ). [النساء: ٧٢].
(وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) من القرآن (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) من الكتابين (خاشِعِينَ لِلَّهِ) حال من فاعل (يُؤْمِنُ)؛ لأن من يؤمن في معنى الجمع. (لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) كما يفعل من لم يُسلم من أحبارِهم وكبارِهم.
(أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، أي: ما يختص بهم من الأجر، وهو ما وعدوه في قوله: (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) [القصص: ٥٤]، (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) [الحديد: ٢٨]. (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)؛ لنفوذِ علمه في كل شيء، فهو عالمٌ بما يستوجبُه كلُّ عاملٍ من الأجر. ويجوز أن يُراد: إنما تُوعدون لآتٍ قريبٌ بعد ذكر الموعد.
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يراد: إن ما توعدون لآت) يريد أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) إما كناية عن قرب الموعد فيكون كالتكميل لقوله: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) فإنه في معنى الوعد، ولذلك قال بعد ذكر الموعدـ أي: الوعدـ: كأنه قيل: لهم أجرهم عند ربهم عن قريب. قال القاضي: المراد من قوله: (سَرِيعُ الْحِسَابِ): أن الأجر الموعود سريع الوصول، فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء. وإما تعليل له على سبيل التذييل، يعني أن يجزيهم بما عملوا لأنه تعالى سريع الحساب، ولم يكن سريعًا للحساب إلا وهو عالم بالمحسوب الذي هو أعمال العباد، وإذا علم ذلك يوفي ما يستأهله العامل من الأجر؛ لأنه عادل متفضل كريم لا يضيع عنده عمل عامل من ذكر أو أنثى، فعلى هذا هو كناية تلويحية.
[ ٤ / ٣٩٧ ]
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ٢٠٠].
(اصْبِرُوا) على الدينِ وتكاليفِه (وَصابِرُوا) أعداءَ اللَّه في الجهاد، أي: غالِبُوهم في الصّبْرِ على شدائدِ الحرْب، لا تكونوا أقلَّ صبرًا منهم وثباتًا. والمصابرةُ: بابٌ من الصَّبْر ذُكِرَ بعْدَ الصَّبْرِ على ما يجبُ الصَّبر عليه؛ تخصيصًا لشدّته وصعوبته. (وَرابِطُوا): وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، مترصِّدين مُستعدينَ للغزْو. قال اللَّه تعالى: (وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال: ٦٠]
_________________
(١) قوله: (تخصيصًا) أي: ذكر تخصيصًا؛ لأن المصابرة نوع خاص من الصبر، كأنه قيل: اصبروا على ما يجب الصبر عليه، وخصوا الصبر مع أعداء الله لأنه أصعب، فيكون من باب قوله: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨]. ثم قوله: (وَرَابِطُوا) أخص من مطلق المصابرة؛ لأنه أرهب للأعداء، قال تعالى: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ) [الأنفال: ٦٠]، روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: الرباط أفضل من الجهاد؛ لأنه حصن دماء المسلمين، والجهاد سفك دماء المشركين، وحصن دماء المسلمين أفضل من سفك دماء المشركين. واعلم أن هذه خاتمة شريفة منادية على ما اشتملت عليه السورة من التحريض على الصبر في تكاليف الله، والحث على المصابرة مع أعداء الله، والبعث على التقوى في جنب الله، ولذلك افتتحت السورة بذكر الكتب المنزلة على أنبياء الله لتكون الفاتحة مجاوبة للخاتمة، فإن كتب الله ما نزلت إلا للحث على التقوى، والصبر على التكاليف، والمصابرة مع الكفار، والمرابطة في سبيل الله، وشحنت السورة بقصتي بدر وأحد، وأطنبت فيما يتصل بهما من المكابدة والمشقة وتعيير من عدم الصبر، وكرر فيها ذكر الصبر والتقوى كما سبق بيانه.
[ ٤ / ٣٩٨ ]
وعن النبي ﷺ «من رابطَ يومًا وليلةً في سبيل اللَّه كان كعِدْلِ صيامِ شهرٍ وقيامِه، لا يُفْطِرُ، ولا يَنْفَتِلُ عن صلاتِه إلا لحاجة».
وعن رسول اللَّه ﷺ «مَنْ قرأَ سورةَ آلِ عمرانَ أُعطىَ بكلِّ آيةٍ منها أمانًا على جِسْرِ جهنم». وعنه ﵊: «من قرأَ السورةَ التي يُذْكَرُ فيها آلُ عمرانَ يومَ الجمعةِ صلَّى اللَّهُ علَيه وملائكتُه حتى تُحجَبَ الشمس».
_________________
(١) ـ قوله: (من رابط يومًا وليلة في سبيل الله) الحديث من رواية مسلم والترمذي والنسائي، عن سلمان، عن رسول الله ﷺ: "من رابط يومًا في سبيل الله كان له كأجر صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطًا جرى له مثل ذلك من الأجر، وأجري عليه الرزق، وأمن من الفتان"، أي: المنكر والنكير. الراغب: ربط الفرس: شده بالمكان للحفظ، ومنه ربط الجيش، وسمي المكان الذي خص بإقامة حفظة فيه: رباطًا، والرباط: مصدر ربطت ورابطت، والمرابطة كالمحافظة، قال تعالى: (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ) [الأنفال: ٦٠]، والمرابطة: ضربان: مرابطة في ثغور المسلمين، ومرابط النفس البدن، فإنها كمن أقيم في ثغر وفوض إليه مراعاته، فيحتاج أن يراعيه غير مخل به، وذلك كالمجاهدة، وقد روي عن النبي ﷺ: "من الرباط انتظار الصلاة". وفلان رابط الجأش: إذا قوي قلبه، وقال تعالى: (لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) [القصص: ١٠]، فذلك إشارة إلى قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) [الفتح: ٤].
[ ٤ / ٣٩٩ ]
_________________
(١) ـ وقلت: الحديث من رواية مسلم، ومالك، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به لدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلك الرباط"، وفيه معنى ما يروى: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"؛ لإتيان اسم الإشارة الدال على بعد المشار إليه القريب في مقام التعظيم، وإيقاع "الرباط" المحلى بلام الجنس خبرًا لاسم الإشارة، كقوله تعالى: (الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ) [البقرة: ١ - ٢] أي: المذكور هو الذي يستحق أن يسمى رباطًا، كأن غير ذلك لا يستأهل أن يسمى بهذا الاسم بالنسبة إليه؛ لما فيه من قهر أعدى عدو الله: النفس الأمارة بالسوء، وقمع شهواتها. ثم التكرير في الإيراد لدفع زعم من يتوهم أن ذلك من قبيل التجوز والمبالغة، وما في الآية أن يحمل على عموم المجاز ليكون من الجوامع لكونه خاتمة للسورة وفذلكة لمعانيها، والله أعلم. تمت السورة والحمد لوليه، والصلاة على نبيه
[ ٤ / ٤٠٠ ]