مكية، غير ثمان آيات: (واسئلهم عن القرية) [١٦٣] إلى: (وإذ نتقنا الجبل) [١٧١]
وهي مائتان وست آيات
[(المص* كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ)].
(كِتابٌ) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هو كتاب. و(أُنْزِلَ إِلَيْكَ) صفة له. والمراد بالكتاب: السورة، (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) أي: شك منه، كقوله (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ) وسمي الشك حرجًا، لأن الشاك ضيق الصدر حرجه،
_________________
(١) سورة الأعراف مكية غير ثمان آيات: (واسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ) إلى (وإذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ) وهي مئتان وأربع آيات. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (لأن الشاك ضيق الصدر)، أي: الحرج لضيق الشك ولازمه، فأطلق الحرج،
[ ٦ / ٣١٣ ]
كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه. أي: لا تشك في أنه منزلٌ من الله، أو (حرج) من تبليغه، لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له فأمّته الله ونهاه عن المبالاة بهم.
_________________
(١) وأريد الشك، فيكون كناية. قوله: (أو (حرج) من تبليغه). فعلى هذا "الحرج" في موضعه على ظاهره، والمضاف محذوف. ويمكن أن يكون كناية عن الخوف، لأن الخائف أيضًا غير منشرح الصدر. يشهد للأول: "وكان يضيق صدره من الأداء"، وللثاني: "فأمنه الله". قال الزجاج: معناه: لا يضق صدرك بالإبلاغ، ولا تخافن، يروى أنه صلي الله عليه وسلم قال: "أخاف أن يثلغوا رأسي". وقلت: الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل ومسلم، عن عياض المجاشعي، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "قال الله تعالى: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان. وإن الله أمرني أن أحرق قريضًا، فقلت: رب إذا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزةً. قال: استخرجهم كما استخرجزك، واغزهم نغزك، وأنفق، فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسةً مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك" الحديث.
[ ٦ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قوله: (لا يغسله الماء": إما عبارة عن أن يكون محفوظًا في الصدور، غير متكل مما في المصاحف، كما جاء في الحديث: "أنا جيلهم في صدورهم"، يؤيده قوله: "تقرؤه نائمًا ويقظان". أو عبارة عن ثباته وبقائه، وأنه يغلب ولا يغلب، ويعلو ولا يعلى. الثلغ: الشدخ. قال القاضي: "الفاء في (فلا يكن) تحتمل العطف والجواب، فكأنه قيل: إذا أنزل إليك لتنذر به، فلا يحرج صدرك". وقلت: إن الفاء آذنت بترتيب النهي على كون الكتاب منزلًا - وتقريره على "الشك" - أن يقال: إذا حققت أن الكتاب منزل من عند الله، فلا ينبغي أن تشك فيه، لأن اليقين والشك لا يجتمعان. فالنهي من باب التهييج والإلهاب، ليداوم على اليقين، ويزيد فيه، كقوله تعالى: (فَإن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا) [يونس: ٩٤]، وقوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) [البقرة: ١٤٧]. وعلى نفي الضيق والحرج أن يقال: إن (المص) إما وارد على قرع العصا لمن تحدي بالقرآن وبغرابة نظمه، أو هو تقدمة لدلائل الإعجاز. والمعنى: (المص) هو كتاب منزل من عند الله، بالغ حد الإعجاز، فكن منشرح الصدر، فسيح البال، قوي الجأش، ولا تبال بهم، وأنذرهم به، فإن لك الغلبة والسلطان، وهم مقهورون. وإليه الإشارة بقوله: "ونهاه عن المبالاة بهم". فالنهي من باب التشجيع. هذا هو الوجه معنى ونظمًا كما سيجيء.
[ ٦ / ٣١٥ ]
فإن قلت: بم تعلق قوله (لِتُنْذِرَ)؟ قلت: بـ (أنزل)، أي: أنزل إليك لإنذارك به أو بالنهي، لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار، لأن صاحب اليقين جسورٌ متوكل على ربه، متكل على عصمته.
فإن قلت: فما محل "ذكرى"؟ قلت: يحتمل الحركات الثلاث. والنصب بإضمار فعلها، كأنه قيل: لتنذر به وتذكر تذكيرًا، لأن "الذكرى" اسم بمعنى التذكير، والرفع عطفًا على (كتاب)، أو بأنه خبر مبتدأٍ محذوف. والجر للعطف على محل "أن تنذر"، أي: للإنذار وللذكرى.
_________________
(١) قوله: (وكذلك إذا أيقن): تعليل لتعلق (لتنذر) بالنهي على تأويل الحرج بالشك. قوله: (متكل على عصمته)، التوكل: إظهار العجز، والاعتماد على الغير. قوله: (النصب بإضمار فعلها). روي عن المصنف أنه قال: "لم أزعم معطوفًا على محل (لتنذر)، لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحدًا حتى يجوز حذف اللام منه". قوله: (أو بأنه خبر مبتدأ محذوف). قال الزجاج: "التقدير: هو ذكرى للمؤمنين. كقولك: هو ذكر للمؤمنين". تم كلامه. فإذا قلت: ما الفرق بينه إذا كان عطفًا على (كتب) وبينه إذا كان خبر مبتدأ محذوف؟ قلت: المعنى على الأول: هو جامع بين كونه كتابًا وكونه ذكرى للمؤمنين أنذر به. وعلى الثاني: عطف جملةٍ على جملة، أي: هو كتاب منزل من عند الله، لإنذار الكافرين،
[ ٦ / ٣١٦ ]
فإن قلت: النهي في قوله (فَلا يَكُنْ) متوجه إلى الحرج فما وجهه؟ قلت: هو من قولهم: لا أرينك هاهنا.
[(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ)].
(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) من القرآن والسنة، (وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ): من دون الله (أَوْلِياءَ) أي: ولا تتولوا من دونه من شياطين الجن والإنس، فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع،
_________________
(١) وهو ذكرى للمؤمنين، وبشارة لهم، فيكون كل من الوصفين مستقلين بنفسهما، والتركيبان مستبدين برأسهما. وهذا يؤيد الوجه الثاني في تفسير الحرج، فيكون من إرادة التبليغ والتحدي، فتكون الآية على وزان قوله تعالى: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) إلى قوله: (فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا ولَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ) إلى قوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: ٢٣ - ٢٥] كما سبق تقريره في موضعه. قوله: (هو من قولهم: لا أرينك هاهنا). أي: هو من الكناية، ظاهره يقتضي أن المتكلم ينهي نفسه عن أن يرى المخاطب هناك، والمراد نهي المخاطب، أي: لا تكن هاهنا حتى لا أراك فيه، فإن كينونتك هاهنا مستلزمة لرؤيتي إياك. المعنى: أن الحرج لو كان مما ينهي لنهيناه عنك، فانته عنه بترك التعرض له. قوله: «اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم) من القرآن والسنة). أمر الله ﷾ الأمة بمتابعة جميع ما أنزل إليهم، بعدما نهى حبيبه عن ضيق الصدر، بتبليغ ما أوحي إليه، ليكون أدعى لانشراح الصدر.
[ ٦ / ٣١٧ ]
ويضلوكم عن دين الله وما أنزل إليكم، وأمركم باتباعه.
وعن الحسن: "يا ابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمدٍ ﷺ، والله ما نزلت آيةٌ إلا وهو يحب أن تعلم فيم نزلت وما معناها؟ ".
وقرأ مالك بن دينار: "ولا تبتغوا"، من الابتغاء، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا) [آل عمران: ٨٥].
ويجوز أن يكون الضمير في (مِنْ دُونِهِ) لـ (ما أنزل)، على: ولا تتبعوا من دون دين الله دين أولياء.
(قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ) حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره
_________________
(١) قال الزجاج: " (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم) أي: القرآن، وما أتي عن النبي صلي الله عليه وسلم لأنه مما أنزل عليه، لقوله تعالى: (ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: ٧] ". قوله: (ما نزلت آية إلا وهو يحب أن تعلم فيم أنزلت وما معناها؟). يعن: ما أنزل الله آية إلا لأن تتبع، حتى يعلم معناها، ويعمل بمقتضاها. روينا عن الدارمي، عن ابن مسعود: "ليس من مؤدبٍ إلا وهو يحب أن يرتى أدبه، وإن أدب الله القرآن". قوله: «قليلا ما تذكرون) حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره). تخصيص الذكر بقوله: "تتركون دين الله" يوهم أن هذه الفاصلة متعلقة بالتفسير الثاني: يعني أن الضمير في (من دونه) لما أنزل الله تعالى، لقوله: "ولا تتبعوا من دون دين الله أولياء" لكنها
[ ٦ / ٣١٨ ]
وقرئ: (تذكرون) بحذف التاء، (ويتذكرون)، بالياء. و(قَلِيلًا): نصب بـ (تذكرون)، أي: تذكرون تذكرًا قليلًا. وما مزيدة لتوكيد القلة.
_________________
(١) تذييل على التفسيرين، لأن معنى: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ): هو دين الله. وعقب بقوله: (ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ). فيرجع معناه - على تقدير أن يكون الضمير لله أيضًا - إلى دين الله. ويؤيده قوله: "ويضلوكم عن دين الله"، فيكون في قوله: (اتبعوا)، وتوكيده بقوله: (ولا تتبعوا) دلالة على التقريع على توانيهم وتقاعدهم عن متابعة دين الله إلى إتباع غيره، فجيء بقوله: (قليلًا ما تذكرون) توكيدًا لذلك. ثم أتبعه قوله: (وكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) [الأعراف: ٤] يعني: إن كان مواعظ الله لا تنجع فيكم، فاعتبروا بأحوال الأمم السالفة، الذين ظلموا أنبياءهم، وانظروا كم أهلكنا؟ فعلى هذا قوله: و(اتبعوا) شروع في تفصيل ما أجمل في قوله: (لتنذر) أي: كيف أنذرهم؟ فقيل: قل اتبعوا وانظروا. قوله: (و"يتذكرون" بالياء): ابن عامر، والباقون: بغير ياء. قال الزجاج: " (تذكرون): أصله: تتذكرون، حذفت التاء الثانية لا الأولي، فإنها تدل على الاستقبال، فلا يجوز حذفها. والثانية إنما دخلت على معنى: فعلت الشيء على تمهل، نحو: تفهمت الشيء وتعلمت، أي: أخذت الشيء على مهل، وعلى معنى إظهار الشيء والحقيقة غيره، نحو: تقيست، أي: أظهرت أني قيسي. والمحذوف التاء الثانية، لأن الباقي في الكلمة من تشديد العين يدل على المعنى، ولو حذفت الأولى لبطل معنى الاستقبال". قوله: (و(ما) مزيدة لتوكيد القلة) فيؤذن بالعدم، كقوله:
[ ٦ / ٣١٩ ]
[(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَاسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ)].
(فَجاءَها): فجاء أهلها (بَياتًا) مصدرٌ واقعٌ موقع الحال، بمعنى بائتين. يقال: بات بياتًا حسنًا، وبيتةً حسنة، وقوله: (هُمْ قائِلُونَ) حالٌ معطوفةٌ على (بياتا)، كأنه قيل: فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين.
فإن قلت: هل يقدر حذف المضاف الذي هو "الأهل" قبل (قَرْيَةٍ) أو قبل الضمير في (أَهْلَكْناها)؟ قلت: إنما يقدّر المضاف للحاجة ولا حاجة،
_________________
(١) قليل التشكي … البيت. وقال القاضي: "أو: زمانًا قليلًا تذكرون. وإن جعلت (ما) مصدريةً لم ينتصب (قليلًا) بـ (تذكرون) " وقال أبو البقاء: "لا يجوز أن تكون (ما) مصدرية، لأن (قليلًا) لا يبقى له ناصب".
[ ٦ / ٣٢٠ ]
فإنّ القرية تهلك كما يهلك أهلها، وإنما قدّرناه قبل الضمير في (فَجاءَها) لقوله: (أَوْ هُمْ قائِلُونَ).
فإن قلت: لا يقال: جاءني زيدٌ هو فارسٌ، بغير واو، فما بال قوله (هُمْ قائِلُونَ)؟ قلت: قدّر بعض النحويين الواو محذوفة، ورده الزجاج وقال: لو قلت: جاءني زيدٌ راجلًا، أو هو فارس. أو جاءني زيدٌ هو فارسٌ، لم يحتج فيه إلى "واو"، لأن الذكر قد عاد على الأول. والصحيح أنها إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالًا،
_________________
(١) قوله: (فإن القرية تهلك كما يهلك أهلها). يعني: أن الهلاك كما يطلق على الحيوان حقيقة، كذا يطلق على الجماد. الجوهري: "هلك الشيء يهلك هلاكًا وهلوكًا ومهلكًا وتهلكةً"، قال الله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ) [القصص: ٨٨]. قوله: (وإنما قدرناه قبل الضمير في (فجآءها» يعني: إنما يقدر المضاف ضرورة طلب الراجع، ولولاه لكان لنا مندوحة عن التقدير، لصحة إطلاق الهلاك على القرية نفسها. قال صاحب "الفرائد": "إرادة الحقيقة مانعة من إرادة المجاز، وهو "الأهل" هاهنا. فإن كان المراد من ذكر القرية هنا الأهل بدليل قوله: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) امتنع أن يكون مفهوم القرية مرادًا، وأن يكون داخلًا في الإرادة". والجواب: إرادة الحقيقة والمجاز إنما تلزم إذا أريد بالقرية أهلها ونفسها معًا، وليس بذاك، فإنا نقدر المضاف في الثاني لا في الأول. فعلى هذا توجه الإهلاك إلى الأهل أصالةً، ليستلزم إهلاك القرية على الكناية. فكأنه قيل: وكم من قريةٍ أردنا إهلاكها، فأهلكنا أهلها
[ ٦ / ٣٢١ ]
لاجتماع حرفي عطف، لأنّ واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل، فقولك: جاءني زيدٌ راجلًا أو هو فارس، كلامٌ فصيحٌ واردٌ على حدّه، وأمّا جاءني زيدٌ هو فارسٌ، فخبيث.
_________________
(١) لتبقى معطلةً خاوية على عروشها، لتكون عبرةً لمن بعدها. فالضمير في (أهلكنها) وفي (فجآءها) راجع إلى "القرية"، وفي "أولهم" راجع إلى الأهل المقدر في (فجآءها). قال ابن الحاجب: "وفي الضمائر على "القرية" وجهان؛ أحدهما: أنك أقمته مقام المحذوف، فصارت المعاملة معه"، يعني: أن الضمائر الثلاثة راجعة إلى "القرية" تارة باعتبار لفظها، وأخرى باعتبار المحذوف. "وثانيهما: أن يقدر في الثاني حذف المضاف، كما قدر في الأول"، أي: وكم من قريةٍ أهلكنا أهلها، فجاء أهلها (بَاسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ). قوله: (وأما: "جاءني زيد هو فارس" فخبيث)، قال صاحب "الفرائد": فيه نظر، لأنه يشكل بقوله: (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) [البقرة: ٣٦]، والجملة حال بدون الواو. وإنما صح ذلك لمكان العائد، وقد حصل به الارتباط المطلوب بالواو. فعلى هذا لا وجه لما ذكر أن الحال المعطوفة على الحال صحت بدون الواو لاستثقال حرفي العطف، وأن الحال التي لم يعطف عليها لم تصح بدون الواو، فلم يمتنع صحة قولنا: "جاءني زيد هو فارس" - لتحقيق العائد". والجواب أن المصنف قابل قوله: "خبيث" بقوله: "فصيح"، فلا يلزم منه الامتناع، بل عدم الفصاحة.
[ ٦ / ٣٢٢ ]
فإن قلت: فما معنى قوله: (أَهْلَكْناها فَجاءَها بَاسُنا بيتًا)، والإهلاك إنما هو بعد مجيء البأس؟ قلت: معناه أردنا إهلاكها، كقوله: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: ٦]،
_________________
(١) وقال صاحب "المفتاح": "الأصل في غير الحال المؤكدة أن يكون وصفًا غير ثابت من الصفات الجارية، وكالجملة الفعلية. وأما الاسمية فالوجه الواو، لأنها دالة على الثبوت، إلا صورًا معدودة". وأما قوله: تعالى: (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) فعلى تأويل متعاديين يعديهما إبليس ويعاديانه، كما قال ابن الحاجب: (معنى قولهم: كلمته فوه إلى في: كلمته مشافهًا. والوجه أنه لما كثر استعماله حتى علم منه معنى المشافهة، من غير نظرٍ إلى التفصيل؛ حتى يفهم ذلك من لا يخطر بباله فاه المتكلم، ولا فاه [غير] المتكلم، ولا مدلول الحال، فصار كالمفردات". فعلم أن التأويل إنما يصح في جملة يمكن أن ينتزع من طرفي الجملة هيئة تدل على معنى مفرد، ولا كذلك: جاءني زيد هو فارس. فعلى هذا معنى قوله: "حذفت الواو استثقالًا" أن الواو المحذوفة مرادة، لأن الذكر وحده غير رابط، ولولا الاستثقال لم يجز حذفها. الانتصاف: "الاكتفاء بالضمير في الجملة الاسمية الواقعة حالًا ضعيف، والأفصح دخول الواو، كما اختاره الزمخشري، ولكن في قوله: "إن واو الحال واو عطف" نظر، فإنها امتازت بدخولها على جملة اسميةٍ بعد جملة فعلية. تقول: جاءني زيد وهو راكب. ويقبح ذلك
[ ٦ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في العاطفة، فلامتيازها يصح اجتماعها معها، وإن كان معنى العطف فيها. ولهذا لم يقبح دخولها كما يقبح الجمع بين حرفي عطف، فنقول: سبح الله وأنت راكع، أو: وأنت ساجد. والتحقيق أن المصحح لوقوع الجملة المعطوفة على الحال حالًا [من غير واو] هو العطف المقتضي للمشاركة، واستغني به عن واو الحال، كما تعطف على المقسم به، فتدخله في حكم القسم من غير حرف قسم في مثل: (وَالضُّحَى * واللَّيْلِ) [الضحى: ١ - ٢]، ولو قلت في غير التلاوة: "وبالليل" لصح. والحاصل أنه لو جاءت واو الحال مع العاطف لم يكن مستكرهًا، بل مؤكدًا، وإن لم تأت بها كان فصيحًا مختصرًا". قال في "الإنصاف": "تنظيره بالقسم فاسد، لأن حرف القسم لا يشارك حرف العطف في معناه، بخلاف واو الحال. والعلة التي علل بها مفقودة في القسم". وقلت: الجواب عن "الانتصاف" أن قول المصنف: "واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصول" صريح في أن واو الحال غير العاطفة الصرفة. وكذا قوله: "استثقالًا" ليس غير ما قال: "وإن لم تأت بها لكان فصيحًا مختصرًا". وتحقيق ذلك ما قال صاحب "المفتاح": "وحق النوعين - أي: الحال بالإطلاق والحال المؤكدة - ألا يدخلهما الواو، نظرًا إلى إعرابهما الذي ليس بتبع، لأن هذه الواو، وإن كنا
[ ٦ / ٣٢٤ ]
وإنما خُصّ هذان الوقتان - وقت البيات ووقت القيلولة- لأنهما وقت الغفلة والدعة. فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع، وقوم لوطٍ أهلكوا بالليل وقت السحر، وقوم شُعيب وقت القليلوة.
[(فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَاسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ)].
(فَما كانَ دَعْواهُمْ): ما كانوا يدعونه من دينهم وينتحلونه من مذهبهم، إلا اعترافهم ببطلانه وفساده، وقولهم: (إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) فيما كنا عليه. ويجوز: فما كان استغاثتهم إلا قولهم هذا، لأنه لا مستغاث من الله بغيره،
_________________
(١) نسميها واو الحال - أصلها العطف"، وقال أيضًا: "إن الأصل في الجملة إذا وقعت موقع الحال ألا يدخلها الواو، ولكن النظر إليها من حيث كونها جملة مفيدة مستقلة بفائدة، غير متحدة بالأولى، وغير منقطعةٍ عنها كجهات جامعةٍ بينهما، يبسط العذر في أن يدخلها واو للجمع بينها وبين الأولي. مثله في نحو: قام زيد وقعد [عمرو] ". قوله: (والدعة)، الجوهري: "الدعة: الخفض، والهاء: عوض من الواو. تقول: ودع الرجل - بالضم - فهو وديع، أي: ساكن، ووادع أيضًا. مثل: حمض فهو حامض". وإنما خولف بين العبارتين، وبنيت الحال الثانية على تقوي الحكم، والدلالة على قوة أمرهم فيما أسند إليهم، لأن القيلولة أظهر في إرادة الدعة، وخفض العيش، فإنها من دأب المترفين والمتنعمين، دون من اعتاد الكدح والتعب. وفيه إشارة إلى أنهم كانوا أرباب أشر وبطر. قوله: «فما كان دعواهم): ما كانوا يدعونه من دينهم). اعلم أن (دعواهم) إما من الدعوى، أو من الدعاء. وعلى الأول: قوله: (إنا كنا ظالمين): كناية عن اعترافهم ببطلان
[ ٦ / ٣٢٥ ]
من قولهم: دعواهم: يا لكعبٍ. ويجوز: فما كان دعواهم ربهم إلا اعترافهم؛ لعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم، وأن لات حين دعاء، فلا يزيدون على ذمّ أنفسهم وتحسرهم على ما كان منهم،
_________________
(١) ما كانوا يدعونه، أي: وضعنا الشيء في غير موضعه، وعلى الثاني: الدعاء، إما محمول على الاستغاثة، أي: فما كان استغاثتهم إلا عن أنفسهم، والإقرار بالعجز، فيكون قوله: (إنا كنا ظالمين) كناية عن أنهم رجعوا مما كانوا يستغيثون إليه قبل ذلك، لأنهم علموا حينئذٍ أن لا مستغاث من الله بغيره. وإما هو مجرى على ظاهره. فقوله: (إنا كنا ظالمين) أيضًا كناية عن اعترافهم، لكن بالظلم على أنفسهم، بسبب المعاصي، من قوله: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا) [الأعراف: ٢٣]، وقوله: (فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا) [غافر: ١١]. وإليه الإشارة بقوله: "فلا يزيدون على ذم أنفسهم، وتحسرهم على ما كان منهم". قوله: (دعواهم: يا لكعبٍ). قل: إنما أدخلوا اللام على المستغاث، لأن النداء حينئذٍ اضطراري، نحو: يا لكعب، فلابد من نصب علامةٍ ليتميز من النداء الاختياري، نحو: يا غلام، وعينت اللام للاختصاص، والموضع موضعه. قوله: (وأن لات حين دعاء)، قال صاحب "المقتبس": "إن التاء إنما أردفت بـ"لا" المشبهة بـ"ليس" لتصير بها مشبهًا بـ"ليس" صورةً، كما لها شبه معنى، فيحسن فيها إضمار اسمها، لأن إضمار الاسم لا يكون في الحروف. والإضمار في "لات" كما في "ليس" ذكره سيبويه. وإنما اختصت بالأحيان لما في دخولها على غيرها من إلباس، لأن "لا" ليست لنفي الحال صريحًا، فتختص بالدخول على الأحيان، بخلاف "ليس" فهي أينما وقعت: لنفي الحال، فلا تختص بالأحيان".
[ ٦ / ٣٢٦ ]
و(دَعْواهُمْ) نصبٌ؛ خبرٌ لـ (كان)، و(أَنْ قالُوا) رفعٌ اسمٌ له، ويجوز العكس.
_________________
(١) قوله: (ويجوز العكس). أي: يكون (دعواهم) الاسم، و(أن قالوا) الخبر. وفيه إشعار بأن الوجه هو الأول. قال أبو البقاء: "جعل (أن) مع ما بعدها اسمًا أولى، لأنه يشبه المضمر في أن لا يوصف". ولا يعلم الفرق بين الوجهين من أداة الحصر، لأنك سواء جعلت (دعواهم) اسمًا أو خبرًا لـ (كان) أفاد معنى الدعوى، على هذا القول، لأن التقدير: فما كان دعواهم قولًا من الأقوال إلا هذا القول المخصوص، أو: ما كان دعواهم قولًا من الأقوال إلا هذا، لأنه من قصر المطلق على المقيد. مثاله: "ما كان كلامهم إلا أن قالوا: كيت وكيت". وإياك أن تأتي بمثال على غير هذا المنوال، فتزل عن الصواب. نعم، التفاوت فيه من كون الاسم والخبر معرفتين، وفيهما التقديم والتأخير. أما الأول: فإنك إذا قلت: كان زيد أخاك، أو: كان زيدًا أخوك، وجدت الفرق، فإن الأول يقال لمن عرف زيدًا، لكنه متردد: هل هو أخوه أم لا، والثاني لمن عرف أخًا له، لكنه شاك في أنه زيد أم غيره. فإذا أتيت بالنفي والإثبات، أشرت إلى أن ذلك التردد ارتقى إلى الإنكار، فأنت تقصد ردة إلى الصواب بما أمكن لكون "ما" و"لا" إنما يتلقى بهما من يصر على الإنكار.
[ ٦ / ٣٢٧ ]
[(فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ* فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ)].
(فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ): (أُرْسِلَ) مسندٌ إلى الجار والمجرور، وهو (إِلَيْهِمْ) ومعناه: فلنسألنّ المرسل إليهم وهم الأمم، يسألهم عما أجابوا عنه رسلهم، كما قال: (وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: ٦٥] ويسأل المرسلين عما أجيبوا به، كما قال: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ) [المائدة: ١٠٩].
_________________
(١) كذا هاهنا إذا جعلت "الدعوى" اسمًا، وقع التردد في القول، أي: الدعوى هي القول ليست غيره، فيتفق معنى هذا مع معنى القصر، فكان توكيدًا مثله. وإذا عكست وقع التردد في "الدعوى"، أي: القول هو هذه الدعوى ليس غيرها. وفيه إشكال. وأما اعتبار التقديم، فإنك إذا جعلت "الدعوى" خبرًا، فقد أزلتها عن مقرها، فكان الاهتمام بشأنها، والمقام يقتضيه، لأن المقصود من الإيراد إظهار عجزهم، وإبداء تضرعهم واستغاثتهم. وأما تخصيص القول فتابع، والله أعلم. قوله: (كما قال: (ويَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ»: دليل على أن قوله: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ) واقع في الحشر، كما يدل عليه في هذا المقام قوله: (والْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ) الآية [الأعراف: ٨]، قوله: (فما كان دعواهم): وارد في الدنيا، لأنه متعقب لقوله: (وكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) الآية: فالفاء في (فَلَنَسْئَلَنَّ) فصيحة، كأنه قيل: فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا في الدنيا إلا أن قالوا: إنا كنا ظالمين، فقطعنا دابرهم، ثم لنحشرنهم فلنسألنهم، فجيء بالجملة القسمية، ووضع (الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ) موضع الضمير، لمزيد التقرير.
[ ٦ / ٣٢٨ ]
(فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ): على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم (بِعِلْمٍ): عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم (وَما كُنَّا غائِبِينَ) عنهم وعما وجد منهم.
فإن قلت: فإذا كان عالمًا بذلك وكان يقصه عليهم، فما معنى سؤالهم؟ قلت: معناه التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم.
[(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ)].
(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) يعني وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، ورفعه على الابتداء، وخبره: (يَوْمَئِذٍ)، و(الْحَقُّ) صفته، أي: والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحق، أي: العدل. وقرئ: "القسط".
واختلف في كيفية الوزن فقيل: توزن صحف الأعمال بميزانٍ له لسانٌ وكفتان، تنظر إليه الخلائق، تأكيدًا للحجة، وإظهارًا للنصفة، وقطعًا للمعارة، كما يسألهم عن أعمالهم فيعترفون بها بألسنتهم، وتشهد بها عليهم أيديهم وأرجلهم وجلودهم،
_________________
(١) وكذا الفاء في (فلنقصن)، وذلك أنه لما سأل المرسلين عما أجيبوا به، والمرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم، وكل منهم أجابوا بما له وعليه إجمالًا، فيقص الله تعالى تفصيل ما أقروا به مجملًا بالنقير والقطمير لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وإليه أشار بقوله: (بعلم)، ثم تتميمه بقوله: (ومَا كُنَّا غَائِبِينَ)، فيكون أدخل في التقريع والتوبيخ. قوله: (إذا فاهوا): متعلق بقوله: "والتقرير". يعني: تكلموا بألسنتهم، فكان تقريرًا لاستحقاق الوعيد.
[ ٦ / ٣٢٩ ]
وتشهد عليهم الأنبياء والملائكة والأشهاد، وكما تثبت في صحائفهم فيقرءونها في موقف الحساب. وقيل: هي عبارةٌ عن القضاء السويّ والحكم العادل.
_________________
(١) قوله: (وقيل: هي عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل). قال الإمام: "هذا قول مجاهد، والضحاك، والأعمش. وهو كناية عن العدل، كما يقال في رجل لا قدر له: فلان لا يقيم لفلان وزنًا". وقلت: الأول هو الصحيح، وعليه الاعتقاد، وهو قول ابن عباس. قال: "يؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان". ذكره محيي السنة. والأحاديث الصحيحة متعاضدة له، منها: ما روى أبو داود، عن عائشة ﵂ قالت: ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ما يبكيك؟ " قالت: ذكرت النار فبكيت. فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل" الحديث. روى صاحب "جامع الأصول"، عن رزين العبدري، عن عائشة ﵂ أن أبا بكرٍ ﵁ حين حضرته الوفاة، دعا عمر ﵁ فقال: "إني مستخلفك على
[ ٦ / ٣٣٠ ]
٠
_________________
(١) أصحاب رسول الله ﷺ. يا عمر، إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه غلا الحق أن يكون ثقيلًا. يا عمر، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزانٍ لا يوضع فيه سوى الباطل أن يكون خفيفًا". وقال الزجاج: "الأولي أن يتبع ما جاء في الإسناد الصحيح، أنه ميزان له كفتان، من حيث ينقل عن أهل الثقة". وقال القاضي: "والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزانٍ له لسان وكفتان، ينظر إليه الخلائق إظهارًا للمعدلة، وقطعًا للمعذرة". ويؤيده ما روي أن "الرجل يؤتى به إلى الميزان، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة". وقلت: الحديث أخرجه الترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، مع تغيير يسير. البطاقة: رقيعة صغيرة، وهي ما يجعل في طي الثوب يكتب فيها ثمنه.
[ ٦ / ٣٣١ ]
(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) جمع "ميزانٍ" أو "موزون"، أي: فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزنٌ وقدر، وهي الحسنات. أو ما توزن به حسناتهم. وعن الحسن: "وحقّ لميزانٍ توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحق لميزانٍ توضع فيه السيئات أن يخف".
(بِآياتِنا يَظْلِمُونَ): يُكذبون بها ظلمًا، كقوله: (فَظَلَمُوا بِها) [الإسراء: ٥٩].
[(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ)].
(مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ): جعلنا لكم فيها مكانًا وقرارًا، أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها،
_________________
(١) قوله: (أو ما توزن به حسناتهم) عطف على قوله: "أعماله الموزونة". هذا على أن يراد بقوله: (موازينه) جمع: ميزان. فقوله: "فمن رجحت … " إلى آخره نشر لقوله: "جمع ميزان أو موزون" من غير ترتيب، بناءً على تفسير الميزان، على الخلاف. قال القاضي: " (فمن ثقلت موازينه) أي: حسناته، أو ما يوزن به حسناته فهو جمع "موزون" أو "ميزان"، وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات، وتعدد الوزن". قوله: (يكذبون بها ظلما). يريد أن قوله: (يظلمون) ضمن معنى التكذيب، فعدي بالباء. قوله: (أو ملكناكم فيها): يعني: (مكناكم في الأرض)، إما: مجرى على ظاهره، أي: "جعلنا لكم فيها مكانًا وقرارًا"، أو: هو كناية عن: "أقدرناكم على التصرف فيها".
[ ٦ / ٣٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فإن قلت: قد ذكر في "الأنعام" عند قوله: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ) [الأنعام: ٦]، أن كلتا العبارتين كناية، وخالف هاهنا. قلت: الخطاب في "الأنعام" مع أهل مكة، كما صرح به، وتضمين الكلام معنى الاعتبار بالأمم السالفة، فالمناسب سلوك طريق الكناية، ليكون أبلغ. يعني: أن أهل مكة لم يكونوا متمكنين في الأرض تمكنهم من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال، والاستظهار بالدنيا، وهاهنا الخطاب عام، والكلام متضمن للامتنان، لدلالة قوله: (ولَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: ١١]، فالمناسب الإجراء على الظاهر، لأن جميع بني آدم لم يكونوا متصرفين في الأرض، مملكين، وكذلك عطف قوله: (وجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) عليه، وأخر المصنف الكناية عن التصريح. واعلم أن هذا نوع آخر من أنواع الإنذار. فإن قوله: (ولَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ) جملة قسمية معطوفة على جملة قوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) [الأعراف: ٣] على تقدير: قل اتبعوا، وقل: والله لقد مكناكم، ولهذا ذيله بقوله: (قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)، كما ذيل ذلك بقوله: (قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ)، فإن الشكر مناسب لتمكنهم في البلاد، والتصرف فيها، كما أن التذكر موافق للتمييز بين إتباع دين الحق ودين الباطل.
[ ٦ / ٣٣٣ ]
(وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) جمع معيشة، وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها. وما يتوصل به إلى ذلك. والوجه تصريح الياء، وعن ابن عامرٍ: أنه همز، على التشبيه بـ"صحائف".
[(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ)].
(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) يعني خلقنا أباكم آدم طينًا غير مصوّر، ثم صورناه بعد ذلك، ألا ترى إلى قوله: (ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) الآية؟
(مِنَ السَّاجِدِينَ): ممن سجد لآدم.
_________________
(١) قوله: (والوجه تصريح الياء، وعن ابن عامرٍ أنه همز؛ تشبيهًا بالصحائف). قال الزجاج: "قرأ نافع بالهمز، وأجمع البصريون على أن الهمز لا يكون إلا إذا كانت الياء زائدة، نحو: صحيفة وصحائف، لأنها من "الصحف"، وأما "معايش" فمن "العيش"، فالياء أصلية، وإنما همزت الزائدة، لأنها لا حظ لها في الحركة، وقد قربت من آخر الكلمة، ولزمتها الحركة، فأوجبوا الهمز. وحكوا في "مصائب" الهمز في جمع "مصيبة"، وأجمعوا على أن الاختيار "مصاوب" ولا أعرف وجه "معائش" إلا أن هذه الياء أسكنت في "معيشة"، فصارت على لفظ "صحيفة". فحمل الجمع على ذلك". قوله: (ألا ترى إلى قوله: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ)؟). يعني: لا يجوز أن يحمل قوله: (خلقناكم) على "خلقناكم يا بني آدم" بل على خلقنا أباكم، لأن التعقيب بقوله: (ثم قلنا" يأباه.
[ ٦ / ٣٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الزجاج: "زعم الأخفش أن (ثم) هاهنا بمعنى الواو، يعني في قوله: (ثم قلنا)، لأنه يستدعي أن يعقب القول خلق المخاطبين بعد زمانٍ متراخٍ، وليس كذلك، والواو ليست للترتيب، فـ (ثم) بمعنى الواو". ثم قال الزجاج: "وهذا خطأ كبير لا يجيزه الخليل وسيبويه، ولا من يوثق بعلمه. وإنما المعنى إنا بدأنا خلق آدم من تراب، ثم صورناه. أي: هذا أصل خلقكم، ثم بعد الفراغ من أصلكم أمرت الملائكة بالسجود". ولخصه القاضي حيث قال: "ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا، وقيل: (ثم قلنا) لتأخير الإخبار". وقال السجاوندي: "المراد بهما آدم. يقال: ضربناكم وهزمناكم. كقوله تعالى: (وإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ورَفَعْنَا فَوْْقَكُمُ الطُّورَ) [البقرة: ٦٣]. وفائدته الامتنان على المخاطبين". وقلت: يمكن أن تحمل (ثم) على التراخي في الرتبة، لأن مقام الامتنان يقتضي أن يقال: إن كون أبيهم مسجودًا للملائكة، أرفع درجة من خلقهم وتصويرهم. وفيه تلويح إلى شرف العلم، وتنبيه للمخاطبين على تحصيل ما فاز به أبوهم من تلك الفضيلة، ومن ثم عقب في "البقرة" الأمر بالسجود مسألة التحدي بالعلم.
[ ٦ / ٣٣٥ ]
[(قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)].
(أَلَّا تَسْجُدَ) «لا» في "أَلَّا تَسْجُدَ" صلةٌ، بدليل قوله: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) [ص: ٧٥]. ومثلها: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) [الحديد: ٢٩] بمعنى ليعلم.
فإن قلت: ما فائدة زيادتها؟ قلت: توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل: ليتحقق علم أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك، (إِذْ أَمَرْتُكَ) لان أمري لك بالسجود أوجبه عليك إيجابًا، وأحتمه عليك حتما لا بدّ لك منه.
_________________
(١) قوله: (توكيد معنى الفعل): قال صاحب "المفتاح": "وللتعليق بين الصارف عن فعل الشيء وبين الداعي إلى تركه يحتمل عندي أن يكون (منعك) في قوله علت كلمته: (ما منعك ألا تسجد) مرادًا به: ما دعاك إلى أن لا تسجد، وأن تكون "لا" غير صلة قرينة للمجاز". وقال الراغب: "المنع يقال في ضد العطية، وقد منع، وفلان ذو منعة، أي: عزيز ممتنع على من يرومه، وقوله: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) ما حملك، وقيل: ما الذي حملك على ترك ذلك". قوله: «إذ أمرتك)، لأن أمري لك بالسجود أوجبه عليك إيجابًا). قال القاضي: "هذا دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور".
[ ٦ / ٣٣٦ ]
فإن قلت: لم سأله عن المانع من السجود، وقد علم ما منعه؟ قلت: للتوبيخ، ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه بأصل آدم، وأنه خالف أمر ربه معتقدًا أنه غير واجب عليه، لما رأى أنّ سجود الفاضل للمفضول خارجٌ من الصواب.
فإن قلت: كيف يكون قوله: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) جوابًا لـ (ما منعك)، وإنما الجواب أن يقول: منعني كذا؟ قلت: قد استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم، وبعلة فضله عليه، وهو أنّ أصله من نارٍ، وأصل آدم من طين، فعلم منه الجواب وزيادة عليه، وهي إنكار للأمر واستبعادٌ أن يكون مثله مأمورًا بالسجود لمثله، كأنه يقول: من كان على هذه الصفة كان مستبعدًا أن يؤمر بما أُمر به.
_________________
(١) قوله: (وأنه خالف أمر ربه): عطف تفسيري على قوله: "معاندته وكفره". وقال الزجاج: "كل من خالف الله في أمره، ولم يره واجبًا عليه، فهو كافر بالإجماع". قوله: (كيف يكون [قوله:] (أنا خير منه) جوابًا؟): قال الزجاج: "موضع (ما) في قوله تعالى: (ما منعك) رفع. المعنى: أي شيءٍ منعك من السجود؟ والجواب: منعني كذا وكذا. لكن أتى بشيءٍ في معنى الجواب، ولفظه غير جواب، لأن قوله: (أنا خير منه) إنما هو جواب أيكما خير؟ المعنى: منعني من السجود فضلي عليه". وقلت: فالجواب من الأسلوب الأحمق، كقول نمروذ: (أَنَا أُحْيِي وأُمِيتُ) [البقرة: ٢٥٨]. قال القاضي: "قد غلط إبليس فيما قال، لأنه رأي الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، قال: (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: ٧٥]، وباعتبار الصورة،
[ ٦ / ٣٣٧ ]
[(قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)].
(فَاهْبِطْ مِنْها): من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة، إلى الأرض التي هي مقرّ العاصين المتكبرين من الثقلين (فَما يَكُونُ لَكَ): فما يصح لك (أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها) وتعصي، (فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ): من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه لتكبرك، كما تقول للرجل: قم صاغرًا؛ إذا أهنته. وفي ضدّه: قم راشدًا، وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار.
_________________
(١) قال: (ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر: ٢٩]، وباعتبار الغاية وهو ملاكه، (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ) [البقرة: ٣٣]. وفي الآية دليل على أن الشياطين أجسام كائنة. وفيه أن إبليس بني كلامه على كون الحسن والقبح عقليين". قوله: (إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين). وفيه أن مكان المتكبر السفل وإن استعلى، ومكان المتواضع العلو وإن سفل، ومن ثم قال: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر: ٦٠]. وروينا عن الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكانٍ، يساقون إلى سجنٍ في جهنم يقال له: بولس" الحديث.
[ ٦ / ٣٣٨ ]
وعن عمر ﵁: من تواضع لله رفع الله حكمته، وقال: انتعش أنعشك الله، ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله إلى الأرض.
[(قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ)].
فإن قلت: لم أجيب إلى استنظاره، وإنما استنظر ليفسد عباده ويغويهم؟ قلت: لما في ذلك من ابتلاء العباد، وفي مخالفته من أعظم الثواب، وحكمه حكم ما خلق في الدنيا من صنوف الزخارف وأنواع الملاذ والملاهي، وما ركب في الأنفس من الشهوات؛ ليمتحن بها عباده.
_________________
(١) ـ .. قوله: (رفع الله حكمته). أي: قدره ومنزلته. النهاية: "يقال: له عندنا حكمة، أي: قدر". الأساس: "يقال: لا يقدر على الله من هو أعظم حكمةً منك". الراغب: "الحكمة من الإنسان: أسفل وجهه. ورفع الحكمة: كناية عن الاعتزاز، لأن من صفة الذليل أن ينتكس، ويضرب بذقنه صدره. وقيل: الحكمة: القدر والمنزلة، من قولهم: لا يقدر على هذا من هو أعظم حكمةً منك". قوله: (انتعش). أي: ارتفع. يقال: نعشه الله ينعشه: إذا رفعه. وانتعش العاثر: إذا نهض من عثرته. وهو اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه من قول عمر ﵁، أو هو عطف على "رفع الله"، أي: أراد الله رفعه. قال: "انتعش نعشك الله" أي: رفعك. ولا قول ثمة، كقوله تعالى: (كُن فَيَكُونُ) [البقرة: ١١٧]. قوله: (وهصه الله)، النهاية: "وهصه الله إلى الأرض، أي: رماه رميًا شديدًا. والوهص أيضًا: شدة الوطء، وكسر الشيء الرخو".
[ ٦ / ٣٣٩ ]
[(قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ)].
(فَبِما أَغْوَيْتَنِي): فبسبب إغوائك إياي: (لأقعدنّ لهم)، وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي، ولم يثبت كما ثبتت الملائكة، مع كونهم أفضل منه ومن آدم أنفسا ومناصب.
وعن الأصم: أمرتني بالسجود فحملني الأنف على معصيتك. والمعنى: فبسبب وقوعي في الغىّ لأجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي، كما فسدت بسببهم.
فإن قلت: بم تعلقت الباء، فإن تعلقها بـ (لأقعدنّ) يصدّ عنه لام القسم، لا تقول: والله بزيد لأمرّنّ؟ قلت: تعلقت بفعل القسم المحذوف، تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدنّ، أي: فبسبب إغوائك أقسم.
ويجوز أن تكون الباء للقسم، أي: فأقسم بإغوائك لأقعدنّ،
_________________
(١) قوله: (وهو تكليفه إياه): بيان للسبب، و(ما وقع به في الغي): ثاني مفعولي التكليف. يعني: إغواء الله هو تكليفه إياه ما وقع به في الغي من أمره بالسجود. وفيه ميل إلى مذهبه. قال الزجاج: "في (أغويتني) قولان، أحدهما: فبما أضللتني. وثانيهما: فبما دعوتني إلى شيء غويت به". قوله: (فحملني الأنف)، النهاية: "الأنف: الحمية، من الغيرة والغضب". قوله: (لا تقول: والله بزيدٍ لأمرن)، لأن معمول المقسم عليه لا يتقدم عليه.
[ ٦ / ٣٤٠ ]
وإنما أقسم بالإغواء، لأنه كان تكليفًا، والتكليف من أحسن أفعال الله، لكونه تعريضًا لسعادة الأبد، فكان جديرًا بأن يقسم به.
ومن تكاذيب المجبرة ما حكوه عن طاووس: "أنه كان في المسجد الحرام، فجاء رجلٌ من كبار الفقهاء يرمى بالقدر، فجلس إليه فقال له طاووس: تقوم أو تقام؟ فقام الرجل، فقيل له: أتقول هذا لرجلٍ فقيه؟ فقال: إبليس أفقه منه، قال: (رَبِّ بِما أَغْوَيْتَني) [الحجر: ٣٩]، وهذا يقول: أنا أغوى نفسي"، وما ظنك بقوم بلغ من تهالكهم على إضافة القبائح إلى الله سبحانه، أن لفقوا الأكاذيب على الرسول والصحابة والتابعين.
وقيل: (ما) للاستفهام، كأنه قيل: بأي: شيءٍ أغويتني، ثم ابتدئ: (لأقعدنّ)، وإثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على «ما» الاستفهامية: قليلٌ شاذ.
وأصل الغيّ: الفساد. ومنه: غوى الفصيل؛ إذا بشم، والبشم: فسادٌ في المعدة.
_________________
(١) قوله: (وإنما أقسم بالإغواء؛ لأنه كان تكليفًا) خلاصته: أنه إقسام بفعل الله. وللفقهاء فيه خلاف ذكرناه في سورة "الحجر". قوله: (يرمي بالقدر)، أي: بالاعتزال. وقوله هذا حكاية عن لسان أهل السنة، لأنه لا يسمى أصحابه قدرية، فكيف وقد سمى أهل السنة بالقدرية في "حم" السجدة؟ ويعيد هذا في قوله: (وإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) [الأعراف: ٢٨]. قوله: (وأصل الغي: الفساد)، الراغب: "الغي: جهل من اعتقادٍ فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقدٍ اعتقادًا لا صالحًا ولا فاسدًا، وقد يكون من اعتقاد شيءٍ فاسد. وهذا الثاني يقال له: الغي. قال تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ومَا غَوَى) [النجم: ٢]. وقال تعالى: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًا) [مريم: ٥٩] أي: أثر الغي. وقوله: (وعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) [طه: ١٢١] أي: خاب. قال:
[ ٦ / ٣٤١ ]
(لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ): لأعترضن لهم على طريق الإسلام، كما يعترض العدوّ على الطريق ليقطعه على السابلة وانتصابه على الظرف، كقوله:
كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
_________________
(١) ومن يغو لا يعدم على الغي لائما وقيل: فسد عيشه. من: غوى الفصيل". قوله: (وانتصابه على الظرف): وقيل: فيه إشكال، لأن حكم مؤقت المكان كحكم غير الظروف، فلا يحذف "في" والبيت شاذ. وعذره ما قاله الزجاج: "لأقعدن لهم على صراطك المستقيم. ولا اختلاف بين النحويين في أن "على" محذوفه. ومثله قوله: ضرب زيد الظهر والبطن، أي: على الظهر والبطن". قوله: (كما عسل الطريق الثعلب) أوله: لدن بهز الكف يعسل متنه … فيه كما عسل
[ ٦ / ٣٤٢ ]
وشبهه الزجاج بقولهم: ضرب زيد الظهر والبطن، أي: على الظهر والبطن.
وعن رسول الله ﷺ: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة؛ قعد له بطريق الإسلام فقال له:
تدع دين آبائك، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له: تدع ديارك وتتغرب، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك، فعصاه فقاتل».
_________________
(١) يصف الرمح. لدن، أي: لين. عسل الذئب، يعسل عسلًا وعسلانًا، أي: أسرع. وعسل الرمح: اهتز واضطرب. والضمير في "فيه" للهز أو الكف. قوله: (إن الشيطان قعد لابن آدم باطرقه). الحديث: أخرجه النسائي عن سبرة بن معبد، مع زيادة ونقصان. النهاية: "الطريق يذكر ويؤنث، فجمعه على التذكير: أطرقة، كرغيفٍ وأرغفة، وعلى التأنيث: أطرق، كيمين وأيمن".
[ ٦ / ٣٤٣ ]
(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ) من الجهات الأربع التي يأتي منها العدوّ في الغالب. وهذا مثلٌ لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [الإسراء: ٦٤].
فإن قلت: كيف قيل: (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) بحرف الابتداء، (وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه عدّي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به، فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط، فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه، وعن شماله وعلى شماله، قلنا: معنى «على يمينه» أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه.
_________________
(١) قوله: (مثل لوسوسته إليهم)، أي: استعمال، أي: استعمال هذه الألفاظ على التمثيل والتخييل، وهو أن يؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، وهي تسويله ما أمكنه، وقدر عليه، من غير تصور الجهات. قال القاضي: "من أي وجه يمكنه، كإتيان العدو من الجهات الأربع، ولذلك لم يقل: من فوقهم ومن تحت أرجلهم". قوله: (وتسويله)، النهاية: "التسويل: تحسين الشيء وتزيينه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله". قوله: «واستزز». استفزه الخوف: استخفه، وأفززته، أي: أزعجته. قوله: (وكانت لغةً تؤخذ)، "لغة": خبر "كان"، و"تؤخذ": صفته.
[ ٦ / ٣٤٤ ]
ومعنى «عن يمينه»: أنه جلس متجافيًا عن صاحب اليمين منحرفًا عنه غير ملاصقٍ له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره، كما ذكرنا في «تعال».
ونحوه من المفعول به قولهم: "رميت عن القوس"، و"على القوس"، و"من القول"؛ لأنّ السهم يبعد عنها، ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي، ويبتدئ الرمي منها. كذلك قالوا: "جلس بين يديه وخلفه" بمعنى: في؛ لأنهما ظرفان للفعل، و"من بين يديه ومن خلفه"، لأن الفعل يقع في بعض الجهتين، كما تقول: جئته من الليل، تريد بعض الليل.
وعن شقيق: "ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربع مراصد: من بين يديّ، ومن خلفي، وعن يمينى، وعن شمالي
_________________
(١) وقيل: "لغة": تمييز، و"تؤخذ" خبر "كان"، واسمه ضمير "الحروف". وزبدة الجواب: أن اختصاص كل من المفعول فيه والمفعول به بما اختص به من الحرف، إنما كان بوضع الواضع، فلا يسأل عن علة ذلك، وإنما يسأل عن حسن موقع كل واحدٍ عند الاستعمال. كأن الجواب من الأسلوب الحكيم. قوله: (كما ذكرنا في "تعال") أي: "تعال" من الخاص الذي صار عامًا. وقد مر في قوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ) [الأنعام: ١٥١]. قوله: (على كبدها)، الجوهري: "كبد القوس: مقبضها. يقال: ضع السهم على كبد القوس، وهي: ما بين طرفي مقبضها ومجرى السهم منها".
[ ٦ / ٣٤٥ ]
أمّا من بين يدي فيقول: لا تخف، فإن الله غفور رحيم، فأقرأ: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا) [طه: ٨٢]، وأمّا من خلفي، فيخوّفني الضيعة على مخلفي فأقرأ: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) [هود: ٦]، وأمّا من قبل يميني، فيأتيني من قبل الثناء، فأقرأ: (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: ١٢٨]، وأمّا من قبل شمالي، فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ) [سبأ: ٥٤] ".
(وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) قاله تظنينًا، بدليل قوله: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) [سبأ: ٢٠]، وقيل: سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى لهم.
[(قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ)].
_________________
(١) قوله: (أما من بين يدي). تقديره: أما إذا جلس بين يدي فيقول. قوله: (فأقرأ: (وإنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ»: أي: أدفع هذه الوسوسة بهذه الآية، لأنها تدل على أن الغفران منوط بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، فمن ليس له هذا المجموع كيف يأمن؟ ! قوله: (على مخلفي) بفتح اللام وتشديدها، وتشديد الياء، على الجمع المضاف. مخلف الرجل: من يخلف بعده، كالأولاد. النهاية: "الخلف - بالتحريك والسكون -: من يجيء من بعد من مضى، إلا أنه بالتحريك في الخير، وبالتسكين في الشر. يقال: خلف صدق، وخلف سوء". قوله: (قاله تظنينًا، بدليل قوله: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ»، قال القاضي: "لما رأى فيهم مبدأ الشر متعددًا، ومبدأ الخير واحدًا، قاله".
[ ٦ / ٣٤٦ ]
(مَذْؤُمًا) من: ذأمه: إذا ذمّه. وقرأ الزهري: "مذومًا" بالتخفيف، مثل مسولٍ في مسؤول. واللام في (لَمَنْ تَبِعَكَ) موطئة للقسم، (ولَأَمْلَأَنَّ) جوابه، وهو سادّ مسدّ جواب الشرط، (مِنْكُمْ): منك ومنهم، نغلب ضمير المخاطب، كما في قوله: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف: ١٣٨].
وروى عصمة عن عاصم: "لمن تبعك" بكسر اللام، بمعنى: لمن تبعك منهم هذا الوعيد، وهو قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ)، على أن (لَأَمْلَأَنَّ) في محل الابتداء، و"لَمَنْ تَبِعَكَ" خبره.
[(وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ* وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ* فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ)].
(وَيا آدَمُ) وقلنا: يا آدم
_________________
(١) قوله: (منك ومنهم): تفسير لقوله: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ). قوله: (كما في قوله: (إنكم قوم تجهلون» الأصل: "يجهلون" بالياء التحتاني، على الغيبة، لأنه صفة "قوم"، فغلب المخاطبين. قوله: «ويا آدم): وقلنا: يا آدم)، إنما قدر: "قلنا"، ليؤذن بأن هذه القصة بتمامها معطوفة على مثلها، وهي قوله: (قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا) [الأعراف: ١١] لا على (قال)، وهو أقرب. وأنها كرامة أخرى، منحت أبا البشر، امتنانًا على المخاطبين من أولاده، ومن ثم
[ ٦ / ٣٤٧ ]
وقرئ: "هذي الشجرة"، والأصل الياء، والهاء بدلٌ منها، ويقال: وسوس، إذا تكلم كلامًا خفيًا يكرره، ومنه: وسوس الحليّ، وهو فعلٌ غير متعدّ،
_________________
(١) أتى بصيغة التعظيم. وأن قوله: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) [الأعراف: ١٢] إلى آخره، وارد على الاستطراد لحديث الأمر بالسجدة، وامتناع إبليس منه، كما أن قوله: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا) [الأعراف: ٢٨] مستطرد لذكر بدو السوآت. وقوله: (وإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) [الأعراف: ٢٨] استطراد في استطراد، لأنه حكاية عن فعل قبيحٍ كانوا يفعلونه، ويزعمون أنه نسك من المناسك، وهو طوافهم بالبيت عراةً، فشنع عليهم بتسميته فاحشة. والدليل على كونه متسطردًا: العود إلى حديث الاستطراد الأول، بقوله: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: ٣١]. وفائدة تأخيره عنه الأمر بالتستر، وأكل المباحات، بعد تقبيح تلك الفعلة، والتزني بزي المتقين، ولذلك صرح بذكر (كل مسجدٍ). ويؤيده قول الإمام: "إن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون الطعام في الموسم إلا القليل، ويحترزون عن الدسم تعظيمًا، فأنزل الله تعالى: (وكُلُوا واشْرَبُوا) [الأعراف: ٣١] بيانًا لفساد تلك الطريقة". وسبيل هذا الاستطراد سبيل قوله تعالى: (ولَيْسَ البِرُّ بِأَن تَاتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى واتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) [البقرة: ١٨٩] سواء بسواء. قوله: (وقرئ: "هذي الشجرة")، قال ابن جني: "قرأها ابن محيصن. والهاء في "ذه": بدل من الياء في "ذي". ويدل على أن الياء الأصل قولهم في المذكر: "ذا"، فالألف: بدل
[ ٦ / ٣٤٨ ]
كولولت المرأة ووعوع الذئب، ورجلٌ موسوسٌ - بكسر الواو - ولا يقال: موسوسٌ -بالفتح-، ولكن: موسوس له، وموسوسٌ إليه، وهو الذي تلقى إليه الوسوسة. ومعنى "وسوس له": فعل الوسوسة لأجله، و"وسوس إليه": ألقاها إليه.
(لِيُبْدِىَ) جعل ذلك غرضًا له ليسوءهما
_________________
(١) من الياء، فإن أصله عندنا "ذي" مثل "حي" فحذفت الياء الثانية، فبقي "ذي". قال أبو علي: فكرهوا أن يشبه آخره آخر "كي" و"أي" فأبدلوها ألفًا. والذي يدل على أن "ذا": "ذي"، وأنه ثلاثي، جواز تحقيره في قولك: "ذيا"، ولو كان ثنائيًا لما جاز تحقيره، كما لا تحقر "ما" و"من"". قوله: «ليبدي) جعل ذلك غرضًا له)، قال القاضي: "وقيل: اللام للعاقبة أو للغرض، على أنه أراد أيضًا بوسوته أن يسوءهما بانكشاف عورتيهما، ولذلك عبر عنهما بالسوآة". وقيل: إن اللام، على هذا، غير واقعةٍ موقعها، لأن شرائط الإضمار موجودة، وهو كونه: مصدرًا، وفعلًا لفاعل الفعل المعلل، ومقارنًا في الوجود. وأجيب: أن عند فقدان الشرط ينعدم المشروط، ولا يجب عند وجوده، كما أن الوضوء شرط للصلاة، ولا يجب من وجوده وجود الصلاة. والدليل على أنه شرط قوله في "المفصل": "وفيه ثلاث شرائط. واللام هاهنا للتأكيد، ليؤذن أن هذا الغرض كان مهتمًا بشأنه في الوسوسة".
[ ٦ / ٣٤٩ ]
إذا رأيا ما يؤثران ستره وأن لا يطلع عليه مكشوفًا. وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل مستهجنًا في الطباع مستقبحًا في العقول.
_________________
(١) قال صاحب "المفتاح": "والأصل فيه اللام، فإذا لم يجتمع ما ذكر، التزم الأصل. ويعلم من المفهوم أنه إذا اجتمع لا يلتزم الحذف". قوله: (ما يؤثران ستره)، "ما": موصولة، وهي عبارة عن العورة، أي: الذي يختار أن ستره، لأن كل أحد يجتهد في ستر عورته، و"أن لا يطلع" معطوف على "ستره" على سبيل التفسير. قوله: (وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور): أي: في جعل الإبداء غرضًا للشيطان في الوسوسة، دليل على أنه المطلوب الأولي منه، وأنه مهتم بشأنه، لكونه مستتبعًا للإخراج من الجنة، وموجبًا للفضيحة وشماتة العدو، ثم في إيقاع الصلة والموصولة، وهي (ما ورى عنهما)، موضع العورة، على نحو قوله تعالى: (ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) [يوسف: ٢٣]، إشعار بزيادة التقبيح، وفي جعل (سوءاتهما) بيانًا له إيذان بمزيد الشناعة والقبح، على منوال قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: ١٨٧]. وإنما كان مستقبحًا في الطباع والعقول، لأنه لم يكن في الجنة تكليف سوى المنع من قربان الشجرة، وإنما علم قبحة من جهة العقل. قال في "الانتصاف": "فيه ميل إلى الاعتزال، وأن العقل يقبح ويحسن. وهذا اللفظ لو
[ ٦ / ٣٥٠ ]
فإن قلت: ما للواو المضمومة في (وورى) لم تقلب همزةً كما قلت في "أويصل"؟ قلت: لأن الثانية مدّة كألف "وارى". وقد جاء في قراءة عبد الله "أوري"، بالقلب.
(إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ): إلا كراهة أن تكونا ملكين. وفيه دليلٌ على أن الملكية بالمنظر الأعلى، وأن البشرية تلمح مرتبتها كـ"لا" و"لا". وقرئ: "ملكين" بكسر اللام، كقوله: (وَمُلْكٍ لا يَبْلى) [طه: ١٢٠]. (مِنَ الْخالِدِينَ): من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين. وقرئ: "من سوأتهما" بالتوحيد، "وسوّاتهما" بالواو المشدّدة.
_________________
(١) صدر من السني، كان تأويله أن العقل أدرك المعنى الذي لأجله حسن المشرع الستر، وقبح الكشف". قوله: (في "أو يصل") وهو تصغير: واصل، والأصل: وويصل. قوله: (لأن الثانية مدة). أي: إنما تقلب إذا كانت الثانية متحركة. شبه الواو الثانية بالألف لسكونها في أن لا أثر لها. أما "أو يصل": فحركتها أخرجتها من ذلك الحكم. قوله: (في قراءة عبد الله: "أوري" بالقلب). قال الزجاج: " (ورى): يجوز فيه "أوري"، لأن الواو مضمومة، فإن شئت أبدلت منها همزة، إلا أن القراءة المشهورة تتبع، لأنها موافقة لخط المصحف". قوله: (تلمح مرتبتها كـ"لا" و"لا"): أي: ينظر إلى مرتبتها العليا لمحًا، كـ: "لا لمح ولا لمح"، والثاني تأكيد. قال المطرزي: "وفي الأمثال: أسرع من "ها" و"لا"، وأقل من لفظ (لا) ". وأنشد: يكون نزول الركب فيها كلا ولا … غشاشًا ولا يدنون رحلًا على رحل
[ ٦ / ٣٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي: ما كان بطؤهم إلا مدةً يسيرة، كالتفوه بـ"لا" و"لا". غشاشًا، بالكسر، أي: على عجلةٍ. قال القاضي: "واستدل على فضل الملائكة على الأنبياء بهذه الآية. وجوابه: أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أيضًا ما للملائكة من الكمالات الفطرية، والاستغناء عن الأطعمة والأشربة. وذلك لا يدل على فضلهم مطلقًا". وقلت: بل كان رغبتهما في الأكل لأجل القسم، لا لإخباره المتقدم، لما علم أنه لا يحتمل الصدق، كما قال المصنف: "فنزلهما إلى الأكل من الشجرة بما غرهما به من القسم بالله"، وقوله بعيد هذا: "بلي وعزتك، ولكن ما ظننت أحدًا من خلقك يحلف بك كاذبًا"، لا لأن يصيرا ملكين بالأكل، لأنه على خلاف ما عليه الملك، ولا لطلب المرتبة، لأن كونه مسجودًا للملائكة كفاه دلالةً على أنه أفضل منهم، ومن ثم امتنع إبليس من السجود. نعم، قد يمكن أن تكون رغبته لأجل الخلود، لقوله: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لاَّ يَبْلَى) [طه: ١٢٠]. وقال الإمام: "المحققون أنكروا حصول التصديق، وقالوا: إنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة، لا أنهما صدقاه علمًا أو ظنًا كما نجد من أنفسنا عند الشهوة نقدم على الفعل إذا زينه الغير، وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال". وقال صاحب "الانتصاف": "لا يلزم من اعتقاد إبليس ذلك أن يكون الأمر على ما اعتقده، ووسوس به، فقد علل إبليس منع الشجرة بأنه كراهة أن يخلدا أو يكونا ملكين، وهو كاذب فيه، فلم يقرر الله قوله، بل أشار إلى كذبه بقوله: (فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ)، فلعل تفضيله الملائكة من الغرور".
[ ٦ / ٣٥٢ ]
(وَقاسَمَهُما): وأقسم لهما (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ).
فإن قلت: المقاسمة: أن تقسم لصاحبك ويقسم لك، تقول: قاسمت فلانًا: حالفته، وتقاسما: تحالفا. ومنه قوله تعالى: (تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ) [النمل: ٤٩]؟ . قلت: كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين، وقالا له: أتقسم بالله إنك لمن الناصحين، فجعل ذلك مقاسمةً بينهم. أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أُخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم.
_________________
(١) قوله: (كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين. وقالا له: أتقسم بالله إنك لمن الناصحين؟)، جعل تقريرهما بقسم إبليس بمنزلة قسمهما، فإن الهمزة في: "أتقسم بالله" للتقرير. قال صاحب "الانتصاف": "فيكون في الكلام لف، لأن آدم وحواء لا يقسمان بلفظ المتكلم، بل بلفظ الخطاب". وقلت: كلام المصنف إلى التغليب أقرب. قوله: (أو أقسم لهما بالنصيحة، وأقسما له بقبولها)، الانتصاف: "إنما يتم هذا لو لم يذكر المقسم عليه، أما إذا ذكره، فلا يتم إلا بأن يسمى قبول النصح نصحًا، للمقابلة، كما قرئ: (ووعدنا موسى) [الأعراف: ١٤٢]، جعل التزامه بالوعد وحضوره: وعدًا، وكلامه من أوله إلى آخره مدخول، لأن الكلام لما دل على القسم من الطرفين، فيجب تقدير المقسم والمقسم عليه بغير المذكور".
[ ٦ / ٣٥٣ ]
(فَدَلَّاهُما): فنزّلهما إلى الأكل من الشجرة، (بِغُرُورٍ): بما غرهما به من القسم بالله. وعن قتادة: وإنما يخدع المؤمن بالله. وعن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا رأى من عبده طاعةً وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلبًا للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.
(فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ): وجدا طعمها آخذين في الأكل منها. وقيل: الشجرة هي السنبلة. وقيل: شجرة الكرم، (بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) أي: تهافت عنهما اللباس، فظهرت لهما عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر. وعن عائشة ﵂: "ما رأيت منه ولا رأى مني". وعن سعيد بن جبير: "كان لباسهما من جنس الأظفار". وعن وهب: "كان لباسهما نورًا يحول بينهما وبين النظر".
ويقال: طفق بفعل كذا، بمعنى: جعل يفعل كذا. وقرأ أبو السمال: "وطفقا" بالفتح (يَخْصِفانِ) ورقة فوق ورقةٍ على عوراتهما ليستترا بها، كما تخصف النعل، بأن تجعل طرقةً على طرقة وتوثق بالسيور.
_________________
(١) قوله: «فدلاهما): فنزلهما)، روى الإمام عن الأزهري: "أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر، ليأخذ الماء، فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه. فيقال: دلاه: إذا أطعمه، أو بمعنى: جرأهما، من الدال والدالة، أي: الجرأة". السجاوندي: " (فدلاهما): حطهما عن درجتهما، وأجرأهما. والدالة: الجرأة. قوله: (بأن تجعل طرقةً على طرقة)، الجوهري: "الطرقة: مثل العرقة والصف". الأساس: "وضع الأشياء طرقةً طرقةً وطريقةً طريقة، أي: وضع بعضها فوق بعض". قوله: (وتوثق بالسيور)، الجوهري: "السير: ما يقد من الجلد. والجمع: السيور".
[ ٦ / ٣٥٤ ]
وقرأ الحسن: "يخصفان" بكسر الخاء وتشديد الصاد، وأصله يختصفان. وقرأ الزهري: "يخصفان"، من أخصف، وهو منقولٌ من خصف، أي: يخصفان أنفسهما، وقرئ: "يخصفان"، من: خصف بالتشديد. (مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) قيل: كان ورق التين، (أَلَمْ أَنْهَكُما) عتابٌ من الله تعالى وتوبيخٌ وتنبيه على الخطأ، حيث لم يتحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس. وروي: أنه قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزتك، ولكن ما ظننت أنّ أحدًا من خلقك يحلف بك كاذبًا. قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدّا. فأهبط وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وسقى، وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز.
_________________
(١) قوله: (وأصله: يختصفان)، قال ابن جني: "آثر إدغام التاء في الصاد، فأسكنها، والخاء قبلها ساكنة، فكسرها لالتقاء الساكنين، فصار "يخصفان"". قوله: (وهو منقول من "خصف")، قال أبو البقاء: " (يخصفان) ": ماضيه "خصف"، وهو متعد إلى مفعول واحد، والمفعول: شيئًا من ورق الجنة. وقرئ بضم الياء وكسر الصاد مخففًا، وماضيه "أخصف"، وبالهمزة يتعدى إلى اثنين. والتقدير: يخصفان أنفسهما". قوله: (حصد وداس وذرى وعجن)، يقال: ذرت الريح التراب. ومنه ذرى الناس الحنطة. اختصر في الكلام، لأن بين التذرية والعجن أمورًا كثيرة.
[ ٦ / ٣٥٥ ]
[(قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ)].
وسميا ذنبهما وإن كان صغيرًا مغفورًا ظلمًا لأنفسهما، وقالا: (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) على عادة الأولياء والصالحين في استعظامهم الصغير من السيئات، واستصغارهم العظيم من الحسنات.
[(قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ* قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ)].
(اهْبِطُوا) الخطاب لآدم وحواء وإبليس، و(بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) في موضع الحال، أي: متعادين؛ يعاديهما إبليس ويعاديانه، (مُسْتَقَرٌّ) استقرار، أو موضع استقرار، (وَمَتاعٌ): وانتفاعٌ بعيشٍ (إِلى حِينٍ): إلى انقضاء آجالكم. وعن ثابتٍ البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة، فجعلت حواء تدور حولهم،
_________________
(١) قوله: (وسميا ذنبهما) إلى قوله: (ظلمًا) أتى بالواو ليدل على معطوف عليه، فإنه تعالى لما وبخهما بقوله: (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وأَقُل لَّكُمَا إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ) استكانا إلى الله، واعترفا بالتقصير، وقالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا)، وسميا ذنبهما ظلمًا، هضمًا لأنفسهما، على عادة الأنبياء. قال الإمام: "كان ذلك قبل النبوة، لأنه بعد النبوة لا يجوز عليهم صغيرة ولا كبيرة". وقيل: إن ذلك صدر منه سهوًا، لقوله تعالى: (فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: ١١٥]، وعليه ظاهر كلام المصنف. وقيل: عن قصد، لأن قوله: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ)، إلى قوله: (وقَاسَمَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) صدر عن إبليس حال إقدامه على الذنب.
[ ٦ / ٣٥٦ ]
فقال لها: خلي ملائكة ربي، فإنما أصابني الذي أصابني فيك، فلما توفي غسلته الملائكة بماءٍ وسدرٍ وترًا، وحنطته وكفنته في وترٍ من الثياب، وحفروا له ولحدوا، ودفنوه بسرنديب بأرض الهند، وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده.
[(يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)].
_________________
(١) قوله: (أصابني فيك): أي لأجلك وسببك. الجوهري: "ربما استعمل "في" بمعنى الباء. قال زيد الخيل: ويركب يوم الروع فيها فوارس … بصيرون في طعن الكلى والأباهر أي: بطعن الكلى والأباهر". لعله أراد ما رواه الإمام في سورة "البقرة": "رأيت في بعض التفاسير أن حواء سقته في الجنة خمرًا، فسكر، فتناول الشجرة". ويرده قوله: (لا فِيهَا غَوْلٌ) [الصافات: ٤٧]. قوله: (حنطته)، النهاية: "الحنوط: ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى".
[ ٦ / ٣٥٧ ]
جعل ما في الأرض منزلًا من السماء، لأنه قضي ثم وكتب، ومنه (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) [الزمر: ٦]، والريش: لباس الزينة، استعير من ريش الطير، لأنه لباسه وزينته، أي: أنزلنا عليكم لباسين: لباسًا يواري سوآتكم، ولباسًا يزينكم، لأن الزينة غرضٌ صحيح، كما قال: (لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً) [النحل: ٨]، (وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ) [النحل: ٦]. وقرأ عثمان ﵁: "ورياشًا" جمع ريش، كشعبٍ وشعاب.
(وَلِباسُ التَّقْوى): ولباس الورع والخشية من الله تعالى، وارتفاعه على الابتداء، وخبره: إمّا الجملة التي هي (ذلِكَ خَيْرٌ)، كأنه قيل: ولباس التقوى هو خير، لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر، وإمّا المفرد الذي هو (خيرٌ)، و(ذلك) صفةٌ للمبتدأ،
_________________
(١) قوله: (لأن الزينة غرض صحيح). يعني إنما عطف (وريشًا) على (لباسًا)، ليؤذن بأن الزينة أيضًا غرض صحيح، كقوله تعالى: (والْخَيْلَ والْبِغَالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وزِينَةً) [النحل: ٨]. وكما أن ستر العورة مأمور به، كذلك أخذ الزينة مأمور به. قال تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: ٣١]. قوله: (فيما يرجع إلى عود الذكر)، قال الزجاج: " (ذلك) بمنزلة "هو": أي: لباس التقوى هو خير، لأن أسماء الإشارة تقرب فيما يعود من الذكر من المضمر". قوله: (و(ذلك): صفة للمبتدأ)، قال نور الدين الحكيم: "الوصف بـ"ذلك" غير سديد على الظاهر، لأن حق الموصوف أن يكون أخص، و"ذلك" أخص من (ولباس التقوى) وقد صرحوا بأن عامهم هذا جائز. والمضاف إلى المعرف باللام أحط درجةً من المعرف باللام".
[ ٦ / ٣٥٨ ]
كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير. ولا تحلو الإشارة من أن يراد بها تعظيم لباس التقوى، أو أن تكون إشارةً إلى اللباس المواري للسوأة، لأنّ مواراة السوأة من التقوى، تفضيلًا له على لباس الزينة.
وقيل: "لباس التقوى" خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو لباس التقوى، ثم قيل: (ذلك خيرٌ). وفي قراءة عبد الله وأبيّ: "ولباس التقوى خيرٌ"، وقيل: المراد بلباس التقوى: ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقى به في الحروب. وقرئ: "ولباس التقوى" بالنصب عطفًا على (لباسًا وريشًا).
_________________
(١) قال أبو البقاء: "يجوز ذلك على تأويل المذكور أو المشار إليه". وقال صاحب "الكشف": "كأنه قيل: المشار إليه خير، كما تقول: زيد هذا قائم". قوله: (تعظيم لباس التقوى)، لأن المشار إليه قريب، و"ذلك" موضوع للبعيد، كقوله: (الم (١) ذَلِكَ الكِتَابُ) [البقرة: ١ - ٢]. قوله: (أو أن تكون إشارةً إلى اللباس المواري): عطف على مجموع قوله: "وارتفاعه" إلى آخره، من حيث المعنى، أي: يجوز أن يكون (ذلك) إشارة إلى (ولباس التقوى) على الوجهين المذكورين، أو أن يكون إشارة إلى اللباس المواري، ويكون إما صفة والخبر: (خير"، أو الجملة خبر. وصح لأن اللباس المواري عين لباس التقوى. وإليه الإشارة بقوله: "لأن مواراة السوأة من التقوى". قوله: (تفضيلًا له): مفعول له. والفعل المعلل معنى قوله: "أن تكون إشارة" أي: أشير إلى اللباس المواري تفضيلًا له على لباس الزينة.
[ ٦ / ٣٥٩ ]
(ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) الدالة على فضله ورحمته على عباده، يعني إنزال اللباس، (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) فيعرفوا عظيم النعمة فيه.
وهذه الآية واردةٌ على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوآت وخصف الورق عليها، إظهارًا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإظهارًا بأنّ التستر بابٌ عظيمٌ من أبواب التقوى.
[(يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)].
(لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ): لا يمتحننكم بأن لا تدخلوا الجنة، كما محن أبويكم بأنّ أخرجهما منها (يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما) حال، أي: أخرجهما نازعًا لباسهما،
_________________
(١) قوله: (وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد) يعني: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ) جاءت تابعةً لحديث آدم والشيطان، وإظهار عداوته له، والتحذير عن متابعته، فجرى فيه حديث كشف العورة وقبحه، فاستطرد حديث ستر العورة وحسنه، حتى أنكر على من أعرض عنه، وقال بتحريمه، الدال عليه قوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ) الآية [الأعراف: ٣٢]. ثم عاد إلى بيان الزجر عن متابعة الشيطان بقوله: (يَا بَنِي آدَمَ إمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ) الآيات [الأعراف: ٣٥]. قوله: (كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها)، يريد أن قوله: (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم) وضع موضع مصدر (يفتنتكم)، وضعًا للسبب موضع المسبب، أي: أوقعه في المحن والبلاء بسبب الإخراج.
[ ٦ / ٣٦٠ ]
بأن كان سببًا في أن نزع عنهما، (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ) تعليل للنهي، وتحذير من فتنته، بأنه بمنزلة العدوّ المداجي يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون.
وعن مالك بن دينار: إنّ عدوًا يراك ولا تراه، لشديد المؤنة إلا من عصم الله.
(وَقَبِيلُهُ): وجنوده من الشياطين، وفيه دليل بين أن الجنّ لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدّعي رؤيتهم زورٌ
_________________
(١) قوله: (العدو المداجي)، الجوهري: "المداجاة: المداراة. يقال: داجيته، أي: داريته، كأنك ساترته العداوة". قوله: (إلا من عصم الله). يجوز أن يكون الاستثناء متصلًا، أي: لا يخلص من مؤنته وكيده، إلا من عصمه الله. ويمكن أن يكون منقطعًا، أي: لكن من عصمه الله خفيف المؤنة. قوله: (وأن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة)، هذا يناقض ما رواه في "الأحقاف"، عن عبد الله بن مسعود، في قصة الجن، وفيها: "غشيته - أي: رسول الله صلي الله عليه وسلم - أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، إلى قوله صلي الله عليه وسلم: "هل رأيت شيئًا؟ " قلت: نعم، رجالًا سودًا، مستثفري ثيابٍ بيض، فقال: "أولئك جن نصيبين". وأورده الإمام أحمد في "مسنده".
[ ٦ / ٣٦١ ]
ومخرقة. (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) أي: خلينا بينهم وبينهم، لم نكفهم عنهم حتى تولوهم
_________________
(١) والحق أن الآية واردة في التحذير منهم ومن مكائدهم، والخطاب عام، ويمكن أن يمكن الله بعض البشر على رؤيتهم. وقد ورد في "الصحاح" أحاديث في ذلك؛ منها: ما رواه البخاري، عن أبي هريرة: "وكلني رسول الله صلي الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو … " إلى أن ساق الحديث إلى قوله صلي الله عليه وسلم: "تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟ " قلت: لا، قال: "ذلك شيطان". قوله: (مخرقة)، الأساس: "خرق الكذب واخترقه وتخرقه: افتراه"، والمخرقة: الكذب. قوله: «إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)، أي: خلينا بينهم وبينهم، لم نكفهم عنهم حتى تولوهم). جعل "الجعل" تخليةً، بناءً على مذهبه. قال الزجاج: "جعل: على ضروب منها: جعلت بعض الشيء فوق بعض، أي: عملته وهيأته. ومنها: جعل زيد فلانًا عاقلًا، أي: سماه عاقلًا. ومنها: بمعنى: أخذ وطفق". وما في الآية على الأول، أي: أنهم عوقبوا بأن سلطت عليهم الشياطين، تزيدهم في غيهم، كقوله تعالى: (أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًا) [مريم: ٨٣] أي: تحملهم على المعاصي حملًا شديدًا.
[ ٦ / ٣٦٢ ]
وأطاعوهم فيما سئلوا لهم من الكفر والمعاصي، وهذا تحذير آخر أبلغ من الأول.
فإن قلت: علام عطف (وقبيله)؟ قلت: على الضمير في (يراكم) المؤكد بـ (هو)، والضمير في (إنه) للشأن والحديث، وقرأ اليزيدي: "وَقَبِيلُهُ" بالنصب.
_________________
(١) قوله: (وهذا تحذير آخر أبلغ من الأول)؛ لأن فيه التسلط والإطاعة والتسويل، لقوله: "تولوهم وأطاعوهم". وقلت: ليس بتحذيرٍ آخر، إذ لو كان لوجب العطف عليه، بل هو تعليل للتعليل، ولذلك فصل بيانًا للموجب. فإن تعالى لما حذر بني آدم من فتنة الشيطان، ونهاهم عنها نهيًا بليغًا، اتجه لهم أن يسألوا: لم هذا التحذير والنهي البليغ؟ فقيل: لأنه بمنزلة العدو المداجي يراكم ولا ترونه. ثم قيل: كيف تمكن هذا التمكن؟ ومن أين تسنى له ذلك؟ فقيل: لأنا جعلناه متوليًا على أوليائه، ومسلطًا عليهم، كما قال: (واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ والأَوْلادِ) [الإسراء: ٦٤]. وعليه كلام الزجاج، كما مر آنفًا. وقال الإمام: "احتج أصحابنا بهذا النص على أنه تعالى هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم". قوله: (على الضمير في (يرياكم) المؤكد بـ"هو")، قال المصنف: "فإن قيل: لم امتنع العطف على الضمير المنفصل؟ قلت: لأن العاطف يجعل ما بعده شريكًا لما قبله من معمول الفعل، والذي هو معمول الفعل "هو" المستكن دون البارز، فوجب العطف عليه". قالوا: لعل هذا النقل خطأ، لأن القول بالانسحاب في التوابع هو المختار عنده وعند ابن الحاجب.
[ ٦ / ٣٦٣ ]
وفيه وجهان: أن يعطفه على اسم "إن"، وأن تكون الواو بمعنى "مع"، وإذا عُطف على اسم "إن" وهو الضمير في (أنه)، كان راجعًا إلى إبليس.
[(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)].
الفاحشة: ما تبالغ في قبحه من الذنوب، أي: إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم، وبأنّ الله تعالى أمرهم بأن يفعلوها، وكلاهما باطلٌ من العذر، لأن أحدهما تقليد، والتقليد ليس بطريق العلم. والثاني: افتراء على الله وإلحادٌ في صفاته، كانوا يقولون: لو كره الله منا ما نفعله لنقلنا عنه.
_________________
(١) وقلت: إنما لم يحسن هاهنا، لأن اعتبار الفرع مع وجود الأصل بعيد، لأن استجلاب الثاني لتصحيح العطف عليه، فلا تنقلب الوسيلة أصلًا. قوله: (وإذا عطف على اسم "إن" وهو الضمير في (إنه) كان راجعًا إلى إبليس)، لأن هذا العطف يأبى أن يكون الضمير للشأن، بخلاف الرفع والعطف على الضمير في (يراكم) فإنه غير مانع، وإنما جعل الضمير للشأن، وإن جاز أن يكون للشيطان، لأن مقام التفخيم يقتضيه، لأن قوله: (إنه يراكم) تعليل للنهي، وتحذير من فتنة الشيطان، كأنه قيل: لا يفتننكم الشيطان، لأن الشأن والأمر كيت وكيت. وعلى النصب لا يبقي لضمير المرفوع المؤكد مزيد فائدة.
[ ٦ / ٣٦٤ ]
وعن الحسن: إن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ إلى العرب وهم قدرية مجبرةٌ يحملون ذنوبهم على الله. وتصديقه قول الله تعالى: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشاءِ)، لأنّ فعل القبيح مستحيل عليه لعدم الداعي ووجود الصارف، فكيف يأمر بفعله؟ !
(أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) إنكارٌ لإضافتهم القبيح إليه وشهادةٌ على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط.
وقيل: المراد بالفاحشة: طوافهم بالبيت عراةً.
_________________
(١) قوله: (هم قدرية مجبرة يحملون ذنبهم على الله تعالى)، هذه فرية على الحسن، فإن القدرية من يثبت خالقًا غير الله. ووجه المناسبة بين هذا الاسم والمسمى يجيء في (حم) السجدة، على وجه يلزم طائرهم في عنقهم. قوله: (لأن فعل القبيح مستحيل عليه، لعدم الداعي، ووجود الصارف)، قال القاضي: "إن الله لا يأمر بالفحشاء، لأن عادته جرت على الأمر بمحاسن الأفعال، والحث على مكارم الخصال، ولا دلالة فيه على أن قبح الفعل - بمعنى ترتب الذم عليه آجلًا - عقلي". قوله: (وقيل: المراد بالفاحشة: طوافهم بالبيت عراةً)، هذا قول ابن عباس ومجاهد. كذا في "معالم التنزيل". ويساعد عليه السياق والسباق. أما السياق فإن قوله: (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا) يدل على وجه التشبيه في قوله: (لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ) [الأعراف: ٢٧] أي: لا تتصفوا بصفةٍ يوقعكم الشيطان بسببها في الفتنة، وهي: العري
[ ٦ / ٣٦٥ ]
[(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)].
(بِالْقِسْطِ): بالعدل وبما قام في النفوس أنه مستقيم حسن عند كل مميز. وقيل: بالتوحيد، (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ): وقل: أقيموا وجوهكم، أي: اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها،
_________________
(١) في الطواف، فتحرموا دخول الجنة، كما حرمها على أبويكم، حين أخرجهما من الجنة، ونزع عنهما لباسهما، بسبب وسوسته. وأما السباق فقوله: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: ٣١]. فعلى هذا: المراد بقولهم: (واللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا): نحن متدينون بالطواف عراةً، وهو شرع شرعه الله لنا. قوله: (وبما قام في النفوس أنه مستقيم)، "أنه": فاعل "قام"، والضمير المنصوب عائد إلى "ما"، أي: بما قام في النفوس استقامته وحسنه. قوله: (وقل: أقيموا وجوهكم)، يريد: أن (وأقيموا) عطف على (أمر ربي بالقسط) على تقدير العامل، لا الانسحاب، لئلا يلزم عطف الإنشائي على الإخباري. وقال أبو البقاء: "في (وأقيموا) وجهان: أحدهما: هو معطوف على موضع "القسط"، أي: أمر ربي، فقال: "أقسطوا وأقيموا". وثانيهما: في الكلام حذف، أي: فأقبلوا وأقيموا".
[ ٦ / ٣٦٦ ]
(عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ): في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود وهو الصلاة (وَادْعُوهُ): واعبدوه (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي: الطاعة، مبتغين بها وجه الله خالصًا، (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ): كما أنشأكم ابتداءً يعيدكم، احتجّ عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق، والمعنى: أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم، فأخلصوا له العبادة.
[«فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)].
(فَرِيقًا هَدى) وهم الذين أسلموا، أي: وفقهم للإيمان (وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) أي: كلمة الضلالة، وعلم الله أنهم يضلون ولا يهتدون. وانتصاب قوله: (وَفَرِيقًا) بفعل مضمرٍ يفسره ما بعده، كأنه قيل: وخذل فريقًا حق عليهم الضلالة، (إِنَّهُمُ): إنّ الفريق الذي حقّ عليهم الضلالة (اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ) أي: تولوهم بالطاعة فيما أمروهم به، وهذا دليلٌ على أن علم الله لا أثر له في ضلالهم، وأنهم هم الضالون باختيارهم وتوليهم الشياطين دون الله.
_________________
(١) قوله: (في كل وقت سجود): إشارة إلى أن قوله: (مسجدٍ) مصدر ميمي والوقت مقدر، أو اسم مكانٍ كني به عن الصلاة. وإليه الإشارة بقوله: "وهو الصلاة". قوله: (وهذا دليل على أن علم الله لا أثر له في ضلالهم)، وجه الاستدلال أن قوله: (إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ) جملة استثنافية على سبيل التعليل، كأنه قيل: لم حق عليهم الضلالة؟ أي: لم ثبت في علم الله أنهم يضلون ولا يهتدون؟ فأجيب: لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله. فيكون علمه تعالى تابعًا لضلالتهم وتوليهم الشياطين؛ فلا يكون مؤثرًا فيها. وقلت: إذا أجرى قوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) على ما يقتضيه النظم، وورد فيه
[ ٦ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الآثار من السلف الصالح، نظر: هل يستقيم دليله أم لا؟ كما روى محيي السنة عن ابن عباس: "إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمنًا وكافرًا كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ) [التغابن: ٢] ثم يعيدهم يوم القيامة على ما خلقهم: مؤمنًا وكافرًا"، وقال سعيد بن جبير: "كما كتب عليكم تكونون". وقال محمد بن كعب: "من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بأعمال أهل الشقاوة". ويؤيده ما روينا عن الترمذي، عن عمرو بن العاص، قال: خرج علينا رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قلنا: لا يا رسول الله. فقال للذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا". ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا". فقال أصحابه. ففيم العمل يا رسول الله، إن كان الأمر قد فرغ منه؟ فقال: "سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل. وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل". ثم قال - أي: أشار - رسول الله صلي الله عليه وسلم بيديه، فنبذهما، ثم قال: "فرغ ربكم من العباد: فريق في الجنة، وفريق في السعير".
[ ٦ / ٣٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والظاهر أن قوله: "هذا كتاب من رب العالمين" صار على طريق التمثيل والتصوير. و"أجمل على آخرهم": من قولهم: أجمل الحساب: إذا تمم، ورد من التفصيل إلى الجملة، فأثبت في آخر الورقة مجموع ذلك وجملته. و"فرغ ربكم": فذلكة الكلام ونتيجته. قاله القاضي. وأما النظم، فإنهم لما ادعوا أن الله شرع لهم الطواف عرايا، وأمر به كما سبق، ورد الله عليهم بأنه لا يشرع ولا يأمر بما فيه الفحشاء والمنكر، بل يشرع بما فيه القسط والعدل من التوحيد والإخلاص في العمل، نبههم على دقيقةٍ جليلة، وهي التنبيه على خطأ رأي من لا يفرق بين الأمر والإرادة. يعني: أن الله تعالى وإن أمر بالقسط، لكن لا يهدي إليه إلا من أراده له، وسبق حكمه به، وأبرم قضاءه له، لأنه (كما بدأكم تعودون). ومن قضائه وقدره أن هؤلاء الكفرة اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، وزين لهم سوء عملهم، حيث افتروا على الله الكذب، ومع ذلك يحسبون أنهم مهتدون. ويجوز الاستئناف، كأنه قيل: فإذا ما حكم هؤلاء الضلال؟ فأجيب: (إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ). وحاصل التقرير أن قوله: (كما بدأكم تعودون) متصل بالأمر على ما سبق، لا على ما قال: "كما أنشأكم ابتداءً يعيدكم"، احتج عليهم في إنكارهم الإعادة؛ لأنه لا مدخل له في هذا المقام. وأن قوله: (فَرِيقًا هَدَى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ): بيان وتفصيل لقوله: (كَمَا بَدَأَكُمْ
[ ٦ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تَعُودُونَ). وموقع هذا البيان مع هذا المبين موقع قوله تعالى: (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) مع قوله: (إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [آل عمران: ٥٩]. هاهنا نكتة سرية، وهي أنه تعالى قدم في قوله (كما بدأكم تعودون): المشبه به على المشبه، لينبه العاقل على أن قضاء الشؤون لا يخالف القدر والعلم الأزلي ألبتة. وكما روعي هذه الدقيقة في المفسر، روعيت في التفسير، وزيدت عليها، وهي أن قدم مفعول (هدى) للدلالة على الاختصاص، وأن فريقًا آخر ما أراد الله هدايتهم، وقرر ذلك بأن عطف عليه (وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ)، وأبرزه في صورة الإضمار على شريطة التفسير، أي: أضل فريقًا حق عليهم الضلالة. وفيه مع الاختصاص التوكيد، كما قرره صاحب "المفتاح" في كتابه، ليقلع ريبة المخالف من نسخها، ولا يقول: إن علم الله لا أثر له في ضلالهم. فانظر إلى هذا الطريق الواضح، ثم انظر كيف تعسف أولًا بقوله: "كما أنشأكم ابتداءً يعيدكم"، ثم ثنى بقوله: "وخذل فريقًا حق عليهم الضلالة"، كأنه ما التفت إلى تلك
[ ٦ / ٣٧٠ ]
[(يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)].
(خُذُوا زِينَتَكُمْ) أي: ريشكم ولباس زينتكم (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) كلما صليتم أو طفتم، وكانوا يطوفون عراة. وعن طاووس: لم يأمرهم بالحرير والديباج، وإنما كان أحدكم يطوف عريانًا ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت عنه، لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: تفاؤلًا ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب. وقيل: الزينة المشط. وقيل: الطيب. والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة.
وكان بنو عامرٍ في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتًا، ولا يأكلون دسمًا؛ يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: فإنا أحق أن نفعل، فقيل لهم: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا". وعن ابن عباسٍ ﵁: "كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة".
_________________
(١) الروايات، ولا إلى هذه الإشارات، مع دقة نظره، حبًا لمذهبه، (واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب: ٤]. قوله: (وعن ابن عباس: "كل ما شئت") الحديث: رواه البخاري عنه تعليقًا. المخيلة: الكبر. النهاية: "اختال، فهو مختال، وفيه خيلاء ومخيلة، والمخيلة: الكبر". يقال: أخطأ فلان كذا: إذا عدمه. الأساس: "ومن المجاز: لن يخطئك ما كتب لك. وأخطأ المطر الأرض: لم يصبها. وتخاطأته النبل: تجاوزته".
[ ٦ / ٣٧١ ]
ويحكى: أنّ الرشيد كان له طبيبٌ نصرانيٌ حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء. والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آيةٍ من كتابه. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا)، فقال النصراني: ولا يؤثر من رسولكم شيءٌ في الطب؟ فقال: قد جمع رسولنا ﷺ الطب في ألفاظٍ يسيرة. قال: وما هي؟ قال: قوله: «المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواءس، وأعط كل بدن ما عوّدته"، فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبًا.
_________________
(١) قوله: ("المعدة بيت الداء")، معنى الحديث ما رواه البيهقي في "شعب الإيمان" وابن الجوزي في "لقط المنافع" عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة، صدرت العروق بالصحة، وإذا فسدت المعدة صدرت العروق بالسقم". شبه صلي الله عليه وسلم المعدة بالحوض، والبدن بالشجرة، والعروق الواردة إليها بعروق الشجر الضاربة إلى الحوض، الجاذبة ماءه إلى الأغصان والأوراق، فمتى كان الماء صافيًا، ولم يكن ملحًا أجاجًا، كان سببًا لنضارة الأشجار وغضارتها، وإلا كان سببًا لذبولها وجفافها. فكذا حكم البدن مع المعدة. وذلك أن الله تعالى بلطف حكمته، وبديع فطرته، جعل
[ ٦ / ٣٧٢ ]
[(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)].
(زِينَةَ اللَّهِ) من الثياب وكل ما يتجمل به، (وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) المستلذات من المآكل والمشارب. ومعنى الاستفهام في (من): إنكار تحريم هذه الأشياء. قيل: كانوا إذا أحرموا حرّموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها.
(قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) غير خالصةٍ لهم، لأنّ المشركين شركاؤهم فيها، (خالِصَةً) لهم (يَوْمَ الْقِيامَةِ) لا يشركهم فيها أحد.
_________________
(١) الحرارة الغريزية في بدن الإنسان مسلطةً عليه، تحلل الرطوبات، تسليط السراج على السليط، وخلق فيه أيضًا قوة جاذبةً ساريةً في مجاري عروق واردةٍ إلى الكبد، طالبة منه ما صفا فيها من الأخلاط التي حصلت فيه، بسبب عروقٍ واردةٍ منه إلى المعدة، جاذبةٍ منها ما انهضم فيها من المشروب والمطعوم، لينطبخ في الكبد مرة أخرى، فيصير بدلًا لما تحلل منه. هذا معنى الصدور بعد الورود، لأن العروق مجارٍ لما يرد فيها ويصدر منها، كعروق الشجر. فالأسلوب من باب: سال الوادي، وجرى الميزاب. فإذا كان ما في المعدة غذاءً صالحًا، وانحدر في تلك العروق إلى الكبد يحصل منه الغذاء المحمود للأعضاء، خلفًا لما تحلل منها، وإذا كان فاسدًا، إما لكثرة أكلٍ وشرب، أو إدخال
[ ٦ / ٣٧٣ ]
فإن قلت: هلا قيل: هي للذين آمنوا ولغيرهم. قلت: لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأن الكفرة تبعٌ لهم، كقوله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ) [البقرة: ١٢٦].
وقرئ: (خالصةً) بالنصب على الحال، وبالرفع على أنها خبر بعد خبر.
[(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)].
_________________
(١) طعام على طعام، أو غير ذلك، كان سببًا لتولد الأخلاط الرديئة، المؤدية للأمراض المردية. وذلك بتقدير العزيز العليم. وهذا الحديث أجمع وأعرف وأبين مما أورده المصنف. قوله: (كقوله: (ومن كفر فأمتعه قليلًا»، وذلك أن إبراهيم ﵇ لما قال: (وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم) [البقرة: ١٢٦] لقنه سبحانه تعالى: (ومن كفر فأمتعه قليلًا). والاستشهاد على قراءة ابن عباس: "فأمتعه" - بلفظ الأمر - أظهر. قال السجاوندي: "الذين آمنوا": الأصل في ضيافة الدنيا، لكن التبع أكثر تمتعًا، والمتبوع أقرب تشرفًا. ولهذا قال: (وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا) [الأعراف: ٦]. قوله: (وقرئ: (خالصةً) بالنصب)، نافع: بالرفع، والباقون: بالنصب.
[ ٦ / ٣٧٤ ]
(الْفَواحِشَ): ما تفاحش قبحه، أي: تزايد، وقيل هي ما يتعلق بالفروج، (وَالْإِثْمَ) عام لكل ذنب، وقيل: شرب الخمر،
_________________
(١) قال السجاوندي: " (خالصةً): حال. نحو: "صائدًا به غدًا". وعامله اللام المحذوفة، أي: في الحياة الدنيا مشتركة، ولهم في الآخرة خالصة". وقال أبو البقاء: "العامل فيها (للذين) أو (في الحيوة الدنيا) إذا جعلته خبرًا أو حالًا. أي: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، في حال خلوصها لهم يوم القيامة. أي: [أن] الزينة يشاركون فيها في الدنيا، وتخلص لهم في الآخرة. ولا يجوز أن يعمل في (خالصةً) (زينة الله)، لأنه قد وصفها بقوله (التي)، والمصدر إذا وصف لا يعمل. ولا قوله: (أخرج) لأجل الفصل الذي بينهما، وهو قوله: (قل). وأجاز أبو علي أن يعمل فيها (حرم)، وهو بعيد، لأجل الفصل أيضًا". قوله: «الفواحش): ما تفاحش قبحه، أي: تزايد)، والظاهر أنه أراد أنه تكرار لقوله قبيل هذا: "الفاحشة: ما تبالغ في قبحه من الذنب"، لأن الفواحش: جمع فاحشة. وأما في التنزيل فإن هذه أعم وأشمل من الأولى، كما تقرر أن المراد بالأولى طوافهم بالبيت عرايا، ومن ثم جمعها، ثم فصلها بقوله: (ما ظهر منها وما بطن)، وعطف عليه "الإثم والبغي والشرط"، لأن هذه الآية كالخاتمة للآيات السابقة، وما يعقبها كالأخذ في مشرعٍ آخر، وتلك مستطردة لحديث قبح كشف العورة، كما سبق.
[ ٦ / ٣٧٥ ]
(وَالْبَغْيَ): الظلم والكبر، أفرده بالذكر كما قال: (وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) [النحل: ٩٠]. (ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا) فيه تهكم، لأنه لا يجوز أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره، (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ): وأن تتقوّلوا عليه وتفتروا الكذب من التحريم وغيره.
_________________
(١) قوله: «والبغي): الظلم والكبر، أفرده بالذكر)، قال القاضي: "أفرده بالذكر للمبالغة وعلق به قوله: (بغير الحق) توكيدًا". قلت: هو مثل قولك: أخذته بيدي، ونظرته بعيني. وقال أبو البقاء: " (بغير الحق): حال من الضمير الذي في المصدر، أي: وأن تبغوا بغير الحق". وقلت: الحال مؤكدة، كما مر في قوله تعالى: (ثُمَّ ولَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥]. ذكر "الإثم" في هذه الآية، وهو عام لكل ذنب، ثم عطف عليه "البغي" المقيد، كما ذكر "المنكر" في تلك الآية، وهو عام، وعطف عليه "البغي"، ليؤذن بأن الكبر أفحش الإثم وأقبح المنكر، ولذلك ورد: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار". أخرجه أبو داود عن أبي هريرة. فالمتكبر يبغي على ربه وينازعه، ويبغي على الخلق، لأنه ينزل نفسه فوق منزلته، ويرى الناس دونه، فيهضم حقهم، والله أعلم. قوله: «ما لم ينزل به سلطانًا): فيه تهكم، لأنه لا يجوز أن ينزل به برهانًا بأن يشرك به غيره)، قال في "الانتصاف": قياسه أن يكون كقوله:
[ ٦ / ٣٧٦ ]
[(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)].
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) وعيدٌ لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم وقرئ: "فإذا جاء آجالهم".
_________________
(١) على لاحبٍ لا يهتدى بمناره وقلت: هذا هو الحق، لأن المعنى: حرم ربي أن تشركوا بالله شركاء لا ثبوت لها، ولا أنزل الله بإشراكها سلطانًا. بالغ في نفي الشريك، فنفي لازمه، لينتفي ملزومه بالطريق البرهاني. قوله: (وقرئ: "فإذا جاء آجالهم")، قال ابن جني: "قرأها ابن سيرين. هذا هو
[ ٦ / ٣٧٧ ]
وقال: (ساعَةً) لأنها أقل الأوقات في استعمال الناس. يقول المستعجل لصاحبه: في ساعة، يريد أقصر وقت وأقربه.
[(يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)].
(إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ) هي «إن» الشرطية ضمت إليها «ما» مؤكدةً لمعنى الشرط، ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة أو الخفيفة.
فإن قلت: فما جزاء هذا الشرط؟ قلت: الفاء وما بعده من الشرط والجزاء. والمعنى: فمن اتقى وأصلح منكم، والذين كذبوا منكم. وقرئ: "تأتينكم" بالتاء.
_________________
(١) الظاهر، لأن لكل إنسان أجلًا. وأما إفراده فإنه جنس، أتته الجنسية من قبل المصدر. وحسن الإفراد أيضًا لإضافته إلى الجماعة. وقد علم أن لكل إنسانٍ أجلًا". قوله: (أقل الأوقات في استعمال الناس)، يريد أن تقدير "الساعة" ليس للتحديد، بل للمثل لأقصر وقت، لأن التأخير والتقديم لا يتصور ثمة. قال الزجاج: "ولا أقل من ساعة، ولكن ذكرت الساعة، لأنها أقل أسماء الأوقات". قوله: (ضمت إليها "ما" مؤكدةً)، قال الزجاج: "إنما تلزم "ما" النون، لأن "ما" تدخل مؤكدة، كما تلزم اللام النون في القسم، إذا قلت: والله لتفعلن. فـ"ما" توكيد، كما أن اللام توكيد، فلزمت النون".
[ ٦ / ٣٧٨ ]
[(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ)].
(فَمَنْ أَظْلَمُ): فمن أشنع ظلمًا ممن تقوّل على الله ما لم يقله، أو كذب ما قاله. (أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ) أي: مما كتب لهم من الأرزاق والأعمار، (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا): (حتى) غايةٌ لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له، أي: إلى وقت وفاتهم، وهي «حتى» التي يُبتدأ بعدها الكلام، والكلام هاهنا الجملة الشرطية، وهي (إذا جاءتهم رسلنا قالوا)، و(يَتَوَفَّوْنَهُمْ) حالٌ من الرسل، أي: متوفيهم. والرسل: ملك الموت وأعوانه.
و«ما» وقعت موصولة بـ"أين" في خط المصحف، وكان حقها أن تفصل؛ لأنها موصولةٌ بمعنى: أين الآلهة الذين تدعون (ضَلُّوا عَنَّا): غابوا عنا فلا نراهم ولا ننتفع بهم، اعترافًا منهم بأنهم لم يكونوا على شيءٍ فيما كانوا عليه، وأنهم لم يحمدوه في العاقبة.
[(قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ* وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)].
_________________
(١) وقيل: إن "ما" تفيد زيادة عموم، فمعنى قولك: "إما تفعلن": إن اتفق منك وجود الفعل بوجهٍ من الوجوه. قوله: (أي: متوفيهم)، الياء فيه: ياء الجمع، لا ياء التوفي، أي: متوفين لهم. قوله: (لم يحمدوه) الضمير راجع إلى "ما" في "فيما كانوا عليه".
[ ٦ / ٣٧٩ ]
(قالَ ادْخُلُوا) أي: يقول الله تعالى يوم القيامة لأولئك الذين قال فيهم: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) [الأعراف: ٣٧]، وهم كفار العرب، (فِي أُمَمٍ) في موضع الحال، أي: كائنين في جملة أمم، وفي غمارهم مصاحبين لهم، أي: ادخلوا في النار مع أمم، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ) وتقدّم زمانهم زمانكم (لَعَنَتْ أُخْتَها) التي ضلت بالاقتداء بها، (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها) أي: تداركوا، بمعنى: تلاحقوا واجتمعوا في النار، (قالَتْ أُخْراهُمْ) منزلةً وهي الأتباع والسفلة، (لِأُولاهُمْ) منزلةً وهي القادة والرؤوس
_________________
(١) قوله: (وفي غمارهم)، الجوهري: "الغمرة: الزحمة من الماء والناس، والجمع: غمار. ودخلت في غمار الناس - يضم ويفتح -، أي: في زحمتهم وكثرتهم". روي عن المصنف أنه قال: (في) في هذه الآية: مثل "في" في قول عروة بن أذينة: إن تك عن أحسن الصنيعة مأ … فوكًا ففي آخرين قد أفكوا أي: في جملة آخرين هم في مثل حالك. أفكه يأفكه أفكًا، أي: قلبه وصرفه عن الشيء. يقول: إن لم توفق للإحسان، فأنت في قومٍ قد صرفوا عن الإحسان. قوله: «اداركوا فيها) أي: تداركوا)، قال الزجاج: (اداركوا): تداركوا، فأدغمت التاء في الدال. (جميعًا): حال، أي: إذا تداركوا فيها مجتمعين".
[ ٦ / ٣٨٠ ]
ومعنى (لأولاهم): لأجل أولاهم؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم، (عَذابًا ضِعْفًا): مضاعفًا، (لِكُلٍّ ضِعْفٌ) لأنّ كلًا من القادة والأتباع كانوا ضالين مضلين، (وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) قرئ بالياء والتاء.
(فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة: (لِكُلٍّ ضِعْفٌ)، أي: فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا، وأنا متساوون في استحقاق الضعف، (فَذُوقُوا الْعَذابَ) من قول القادة، أو من قول الله لهم جميعًا.
_________________
(١) قوله: (لأن كلًا من القادة والأتباع كانوا ضالين مضلين)، هذا في حق القادة ظاهر، وأما الأتباع فلأنهم لما اتخذوهم رؤساء عظماء، ورضوا بذلك كأنهم أضلوهم. كقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) [التوبة: ٣١]. والأحسن أن يقال: إن ضعف الأتباع لإعراضهم عن الحق الواضح وتولي الرؤساء لينالوا منهم عرض الدنيا إتباعًا للهوى، يدل عليه قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الهُدَى بَعْدَ إذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ) (سبأ: ٣٢. قوله: (قرئ: بالياء والتاء): بالياء التحتانية: أبو بكر. قال الزجاج: "من قرأ بالتاء، فمعناه: لا تعلمون، أيها المخاطبون، ما لكل فريقٍ منكم من العذاب، ومن قرأ بالياء فالمعنى: لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر". قوله: (عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى): أي: رتبوا كلامهم على كلام الله، على وجه التسهيب، لأن إخبار الله بقوله: (لكل ضعف) سبب لعلمهم بالمساواة، وحملهم على أن يقولوا: وإذا كان كذلك فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا في استحقاق الضعف.
[ ٦ / ٣٨١ ]
[(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ* لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)].
(لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ): لا يصعد لهم عملٌ صالح؛ (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر: ١٠]، (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) [المطففين: ١٨]، وقيل: إنّ الجنة في السماء، فالمعنى: لا يؤذن لهم في صعود السماء ولا يطرّق لهم إليها ليدخلوا الجنة. وقيل: لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين. وقيل: لا تنزل عليهم البركة ولا يغاثون، (ففتحنا أبواب السماء) [القمر: ١١].
وقرئ: (لا تفتح) بالتشديد، "ولا يفتح" بالياء. "ولا تفتح" بالتاء والبناء للفاعل ونصب "الأبواب" على أنّ الفعل للآيات، وبالياء على أن الفعل لله ﷿.
وقرأ ابن عباس: "الجُمَّل" بوزن "القُمَّل"، وسعيد بن جبير: "الجُمل" بوزن النغر. وقرئ: "الجمل" بوزن "القفل". "والجمل" بوزن "النصب". "والجمل" بوزن "الحبل". ومعناها: القلس الغليظ «لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة،
_________________
(١) قوله: (لا تنزل عليهم البركة)، هذا أولى الوجوه، لظهور فائدة قوله: (ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ). كأنه قيل: ينسد عليهم طريق خير الدارين، وتنغلق سبيل بركة المنزلين. قوله: (وقرئ: (لا تفتح) بالتشديد): نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم. وبالتخفيف والتاء: أبو عمرو. والياء: حمزة والكسائي. قوله: (بوزن النغر)، وهو طير كالعصافير حمر المناقير.
[ ٦ / ٣٨٢ ]
وعن ابن عباسٍ ﵁: إنّ الله أحسن تشبيهًا من أن يشبه بالجمل، يعني: أن الحبل مناسب للخيط الذي يُسلك في سم الإبرة، والبعير لا يناسبه؛ إلا أن قراءة العامّة أوقع لأن سم الابرة مثلٌ في ضيق المسلك. يقال: أضيق من خرت الابرة. وقالوا للدليل الماهر: خِرّيت، لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر.
والجمل: مثل في عظم الجرم. قال:
جسم الجمال وأحلام العصافير
إن الرجال ليسوا بجزرٍ
_________________
(١) قوله: (لأن سم الإبرة مثل في الضيق)، الراغب: "السم والسم: كل ثقب ضيق، كخرت الإبرة، وثقب الأنف. وجمعه: سموم. وقد سمه: أدخله فيه. قال تعالى: (حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ). والسم: القاتل، هو مصدر في معنى الفاعل، فإنه يلطف تأثيره، ويدخل في بواطن البدن. والسموم: الريح الحارة، التي تؤثر تأثير السم". قوله: (جسم الجمال وأحلام العصافير) أوله لحسان: لا بأس بالقوم من طولٍ ومن عظم يقول: لا يعجبنك من القوم عظم أجسامهم، وطول قامتهم، إنما المرء بالحلم والعلم، لا بالشحم واللحم. قوله: (إن الرجال ليسوا بجزرٍ)، الجزر: جمع الجزور، وهو الإبل.
[ ٦ / ٣٨٣ ]
تراد منهم الأجسام.
_________________
(١) قال الميداني: "قاله شقة بن ضمرة، وكان المنذر يسمع قوله، ويعجبه ما يبلغه عنه، فلما رآه قال: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". فأرسلها مثلًا. قال شقة: أبيت اللعن، وأسعدك إلهك، إن القوم ليسوا بجزر، وإنما الرجل بأصغريه: لسانه وقلبه. فأعجب المنذر كلامه، وسره كل ما رأى منه". قوله: (تراد منهم الأجسام)، قيل: هو صفة "جزر" وليس بذلك، إذ لا عائد. وهو إما حال من اسم "ليسوا"، أو على تقدير: ليسوا بجزرٍ لأن تراد منهم الأجسام كما يراد منها، ثم حذف "أن" كما في قوله: أحضر الوغى
[ ٦ / ٣٨٤ ]
فقيل: لا يدخلون الجنة، حتى يكون ما لا يكون أبدًا من ولوج هذا الحيوان - الذي لا يلج إلا في بابٍ واسع- في ثقب الإبرة. وعن ابن مسعودٍ أنه سئل عن الجمل، فقال: زوج الناقة، استجهالًا للسائل، وإشارةً إلى أن طلب معنى آخر تكلف.
وقرئ: (فِي سَمِّ) بالحركات الثلاث، وقرأ عبد الله: "في سم المخيط"، والخياط، والمخيط - كالحزام والمحزم-: ما يخاط به، وهو الإبرة، (وَكَذلِكَ): ومثل ذلك الجزاء الفظيع (نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب، وأن كلّ من أجرم عوقب،
_________________
(١) والوجه أن يكون خبرًا بعد خبر لقوله: "ليسوا". قوله: (فقيل: لا يدخلون) مترتب على قوله: "لأن سم الإبرة مثل … والجمل مثل" أي: أريد أن يوقع التمثيل فيهما، فقيل: "لا يدخلون" إلى آخره. قوله: (ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب)، يريد أنه من باب ترتب الحكم الذي هو الجزاء بالعقاب، على الوصف المناسب الذي هو الإجرام.
[ ٦ / ٣٨٥ ]
وقد كرره فقال: (وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) لأن كلّ مجرم ظالمٌ لنفسه.
_________________
(١) قوله: (وقد كرره، فقال: (وكذلك)، يعني: أوقع قوله: (وكذلك نجزى المجرمين) تذييلًا للكلام السابق، لتلك العلة، لأن فائدة التذييل غالبًا توكيد المذيل، وإبراز حكمه في صورةٍ كلية. ومن ثم فسره لك بقوله: "وأن كل من أجرم عوقب، لأن كل مجرمٍ ظالم لنفسه". ونحوه قوله تعالى: (إنَّ المُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: ٣٤] أي: الإفساد. أي: كل من ملك دأبه الإفساد، إذا دخل أرض العدو. وقوله: (لأن كل مجرم ظالم لنفسه) مشعر بأن قوله: (الظالمين) وضع موضع الضمير، وكرر التذييل، ليناط بما لم ينط به أولًا، فآذن أولًا بحرمانهم من دخول الجنة، وثانيًا بحرمان خروجهم من النار، لأنهم في بحبوحتها. قال القاضي: "عبر عنهم بالمجرمين تارة، وبالظالمين أخرى، إشعارًا بأنهم بتكذيبهم
[ ٦ / ٣٨٦ ]
(مِهادٌ): فراشٌ، (غَواشٍ): أغطية. وقرئ: "غواشٌ" بالرفع، كقوله تعالى: (وله الجوار المنشآت) [الرحمن: ٢٤] في قراءة عبد الله.
[(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)].
(لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها) جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد، مع التعظيم بما هو في الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل الصالح. وقرأ الأعمش: "لا تكلف نفسٌ".
_________________
(١) الآيات، اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة. وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة، والظلم مع التعذيب بالنار، تنبيهًا على أنه أعظم الإجرام". قوله: (وقرئ: "غواش" بالرفع) جعل عين الفعل معتقبًا للإعراب. قوله: (ما لا يكتنهه وصف الواصف): مقتبس من معنى قوله: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". وفائدة الاعتراض توكيد الترغيب، وذلك أن في جعل (آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) صلة للموصول، وإيقاع (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ) خبرًا له، إشعارًا بأن العمل الصالح سبب لدخول الجنة، وأن اسم الإشارة دل على أن ما بعده جدير بما قبله، بما اكتسب من الخصال الفاضلة. فإذا سمع المكلف هذا الترغيب، نشط لاكتسابها، ثم إذا سمع أن ذلك على السعة لا الضيق، يزيد في نشاطه ورغبته.
[ ٦ / ٣٨٧ ]
[(وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].
من كان في قلبه غلٌّ على أخيه في الدنيا نزع منه، فسلمت قلوبهم وطهرت، ولم يكن بينهم إلا التوادّ والتعاطف، وعن عليّ ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم.
(هَدانا لِهذا) أي: وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم، وهو الإيمان والعمل الصالح، (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) اللام لتوكيد النفي، ويعنون: وما كان يستقيم أن تكون مهتدين لولا هداية الله وتوفيقه. وفي مصاحف أهل الشام: "ما كنا لنهتدي" بغير واو، على أنها جملةٌ موضحة للأولى، (لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) فكان لنا لطفًا وتنبيهًا على الاهتداء فاهتدينا،
_________________
(١) قوله: (اللام لتوكيد النفي)، وقد سبق تقريره في آخر سورة "النساء". قوله: «لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) فكان لنا لطفًا وتنبيهًا على الاهتداء، فاهتدينا). جعل الجملة القسمية علةً لهدايتهم، وهي إلى إثبات صدق وعدهم بالجنة أقرب وأولى، لتبقي الهداية منحةً من الله، وفضلًا منه، لأن الهداية عقلية، ونبهنا عليها، كما قال في "الانتصاف": "هذه الآية تشهد بنفي الهدى عمن لم يهده الله، لا كمن يزعم أنه يخلق لنفسه الهدى، وإن لم يهده الله. فحرف الزمخشري "الهدى" إلى "اللطف"، فانظر أي المعنيين أقرب إلى لفظ: (ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) المقول في دار الجزاء، بعد تحقق الحق، وهم في مقعد صدق".
[ ٦ / ٣٨٨ ]
يقولون ذلك سرورًا واغتباطًا بما نالوا، وتلذذًا بالتكلم به لا تقربًا وتعبدًا، كما نرى من رزق خيرًا في الدنيا يتكلم بنحو ذلك ولا يتمالك أن لا يقوله للفرح لا للقربة.
(أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) (أن) مخففةٌ من الثقيلة،
_________________
(١) قوله: (واغتباطًا)، النهاية: "يقال: غبطت الرجل أغبطه غبطًا: إذا أنت تمنيت أن يكون لك مثل ما له، وأن يدوم عليه ما هو فيه". الجوهري: "الغبطة: أن تتمنى مثل حال المغبوط، من غير أن تريد زوالها عنه، وليس بحسد. وتقول منه: غبطته بما نال، أغبطه غبطًا وغبطةً، فاغتبط، هو كقولك: منعته فامتنع، وحبسته فاحتبس. قال الشاعر: وبينما المرء في الأحياء مغتبط … إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير أي: هو مغتبط". فقوله: "اغتباطًا بحالهم" معناه: المبالغة، وأنهم يغتبطون بحال أنفسهم، وبما نالوا من الكرامة، فهم مغتبطون.
[ ٦ / ٣٨٩ ]
تقديره: ونودوا بأنه تلكم الجنة، (أُورِثْتُمُوها) والضمير ضمير الشأن والحديث، أو تكون بمعنى: أي؛ لأنّ المناداة من القول، كأنه قيل: وقيل لهم أي: تلكم الجنة أورثتموها (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): بسبب أعمالكم لا بالتفضل، كما تقول المبطلة.
_________________
(١) قوله: (ونودوا بأنه تلكم الجنة)، ذكر ضمير الشأن، مع أن في الكلام مؤنثًا، كقولهم: وأنه أمة الله ذاهبة. قال ابن الحاجب: "كأنهم قصدوا بقولهم: يجيء مؤنثًا إذا كان في الكلام مؤنث، إلى المناسبة، وإلا فالمعنى سواء، سواء كان مذكرًا أو مؤنثًا". وقال الزجاج: "إنما قيل: (تلكم) لأنهم وعدوا بها في الدنيا، وجائز أن يكون عاينوها، فقيل لهم من قبل دخولها، إشارة إلى ما يرونه، كما تقول لمن تراه: ذلك الرجل أخوك. ولو قلت: هذا الرجل، لأنه يراك، جاز". قوله: (بسبب أعمالكم، لا بالتفضل كما تقول المبطلة)، هذا قول باطل، مناقض لما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة وجابر قالا: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعلمه". قالوا: ولا أنت؟ ! قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته".
[ ٦ / ٣٩٠ ]
[(وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ)].
(أن) في (أَنْ قَدْ وَجَدْنا) يحتمل أن تكون مخففةً من الثقيلة، وأن تكون مفسرةً كالتي سبقت آنفًا، وكذلك (أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، وإنما قالوا لهم ذلك اغتباطًا بحالهم، وشماتةً بأصحاب النار، وزيادةً في غمهم، لتكون حكايته لطفًا لمن سمعها،
_________________
(١) وفي رواية أخرى لأبي هريرة: "لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة". ذكره الحميدي في "الجمع بين الصحيحين". النهاية: "أن يتغمدني الله برحمته، أي: يلبسنيها، ويسترني بها. مأخوذ من "غمد السيف" وهو: غلافه: "سددوا وقاربوا" أي: اقتصدوا في الأمور كلها، واتركوا الغلو فيها والتقصير. قارب فلان في أموره: إذا اقتصد". الانتصاف: "الآية جعلت الجنة جزاءً للعلم فضلًا ورحمة، لا أنه واجب لهم وجوب الديون. والذين كذبوا الخبر، وأوجبوا على الله ما لا يوجبه على نفسه، هم المبطلون". قوله: (ولتكون حكايته): معطوف على قوله: "اغتباطًا". وصرح باللام لعدم كونه فعلًا لفاعل الفعل المعلل، أي: لتكون حكاية الله قولهم الذي هو بمنزلة الكائن لطفًا لمن سمعها، ليزجرهم عما يبعدهم عن تلك المنزلة، وترغيبًا في حصولها. فالظاهر أن معلله محذوف، والجملة عطف على الجملة، أي: إنما قالوا لهم ذلك اغتباطًا، وحكى الله عنهم ذلك ليكون لطفًا لمن سمعها.
[ ٦ / ٣٩١ ]
وكذلك قول المؤذن بينهم: "لعنة الله على الظالمين"، وهو ملك يأمره الله فينادي بينهم نداءً يُسمِعُ أهل الجنة وأهل النار. وقرئ: (أنّ لعنة الله) بالتشديد والنصب، وقرأ الأعمش: "إن لعنة الله" بكسر "إن" على إرادة القول، أو على إجراء (أَذَّنَ) مُجرى "قال".
فإن قلت: هلا قيل: ما وعدكم ربكم، كما قيل: ما وعدنا ربنا؟ قلت: حذف ذلك تخفيفًا لدلالة (وعدنا) عليه، ولقائلٍ أن يقول: أطلق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة؛ لأنهم كانوا مكذبين بذلك أجمع، ولأن الموعود كله مما ساءهم، وما نعيم أهل الجنة إلا عذاب لهم فأطلق لذلك.
[(وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ)].
(وَبَيْنَهُما حِجابٌ) يعني: بين الجنة والنار، أو بين الفريقين، وهو السور المذكور في قوله تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) [الحديد: ١٣].
(وَعَلَى الْأَعْرافِ): وعلى أعراف الحجاب - وهو السور المضروب بين الجنة والنار-، وهي أعاليه، جمع "عُرفٍ"، استعير من عرف الفرس وعرف الديك،
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "أن لعنة الله" بالتشديد والنصب): ابن عامر وحمزة والكسائي. قوله: (أطلق ليتناول كل ما وعد الله)، يعني أن الله تعالى وعد المؤمنين الثواب، والكافرين العقاب، فلو قيل: "وعدكم" لاختص بالعقاب، لأن المخاطبين أصحاب النار، كما أن (وعدنا) مختص بالثواب، يدل عليه ذكر الجنة والنار في قوله: (ونَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ). فأطلق ليتناول الثواب والعقاب، وما يتصل بهما. يعني: هل وجدتم الوعود كلها صدقًا؟ توبيخًا وتقريعًا. أو قالوا كلك شماتةً بهم.
[ ٦ / ٣٩٢ ]
(رِجالٌ) من المسلمين من آخرهم دخولًا في الجنة لقصور أعمالهم، كأنهم المرجون لأمر الله، يحبسون بين الجنة والنار إلى أن يأذن الله لهم في دخول الجنة، (يَعْرِفُونَ كُلًّا) من زمر السعداء والأشقياء (بِسِيماهُمْ): بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها، يلهمهم الله ذلك: أو تعرّفهم الملائكة.
[(وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ* أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)].
_________________
(١) قوله: (المرجون لأمر الله) بفتح الجيم، وسكون الواو. النهاية: "الإرجاء: التأخير. وهو مهموز، يقال: أرجأت الأمر، وأرجيته: إذا أخرته". هذا تفسير بين، يؤيده قوله: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال) أي: على أعراف الحجاب، وهو الأعالي منه. روى الإمام أنه قيل للحسن: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فضرب على فخذه، وقال: هم قوم جعلهم الله على تعرف أهل الجنة وأهل النار، يميزون البعض من البعض. والله لا أدري، لعل بعضهم الآن معنا. ثم آتى الإمام بوجوه ثلاثة متضمنة على أنهم: الأشراف من الملائكة، والأنبياء، والشهداء، وأطال فيها.
[ ٦ / ٣٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والذي يقتضيه النظم ما ذهب إليه المصنف، فإنه تعالى بعد أن ذكر الفريقين: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، أتى بمقاولاتهم ومناظراتهم، وما جرى بينهم، فقال أولًا: (ونَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وجَدْنَا مَا وعَدَنَا رَبُّنَا حَقًا) [الأعراف: ٤٤]. ثم حكى نداء أصحاب النار أصحاب الجنة، بقوله: (ونَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ) [الأعراف: ٥٠]. فوسط بين المقالتين ذكر قوم توسطت حالهم بين حاليهما في المكان والمقام: أما المكان فقوله: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال). وأما المقام فهو الخوف والرجاء، فقد أشار إليه بقوله تعالى: (لم يدخلوها وهم يطمعون)، وقوله: (لا تجعلنا مع القوم الظالمين). ويؤيد هذا التقسيم قوله تعالى في التوبة: (وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إمَّا يُعَذِّبُهُمْ وإمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٦] بعد ذكر الفريقين من أهل الثواب والعقاب. وإليه الإشارة بقوله: (كأنهم المرجون". وإنما لم يجزم لاختلاف المفسرين. وقوله: "يعرفون كلا من زمرة السعداء والأشقياء بسيماهم"، الراغب: "المعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، فهو أخص من العلم، يقال: فلان يعرف الله، ولا يقال: يعلم الله، متعديًا إلى مفعول واحد، لما كان معرفة البشر لله تعالى هي بتدبر آثاره دون إدراك ذاته، ويقال: الله يعلم، ولا يقال: يعرف، لأن المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل إليه بتفكر، وأصله من عرفت، أي: أصبت عرفه، أي: رائحته، أو من أصبت عرفه، أي: خده، قال تعالى: (تعرفهم بسيماهم)، ويضاد المعرفة الإنكار، كالعلم الجهل، قال تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا)، (فَعَرَفَهُمْ وهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)، والعارف في تعارف القوم: هو المختص بمعرفة الله تعالى، ومعرفة ملكوته، وحسن معاملته لله تعالى".
[ ٦ / ٣٩٤ ]
إذا نظروا إلى أصحاب الجنة نادوهم بالتسليم عليهم، (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ) ورأوا ما هم فيه من العذاب استعاذوا بالله، وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم.
ونادرًا رجالًا من رؤوس الكفرة يقولون لهم: (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) إشارةً لهم إلى أهل الجنة، الذين كان الرؤساء يستهينون بهم ويحتقرونهم لفقرهم وقلة حظوظهم من الدنيا، وكانوا يقسمون: أن الله لا يدخلهم الجنة (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) يقال لأصحاب الأعراف: (ادخلوا الجنة)، وذلك بعد أن يحبسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين، ويعرفوهم بسيماهم، ويقولوا ما يقولون. وفائدة ذلك: بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن التقدّم والتأخر على حسبها، وأن أحدًا لا بسبق عند الله إلا بسبقه في العمل، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه فيه، وليرغب السامعون في حال السابقين، … ..
_________________
(١) قوله: (إذا نظروا إلى أصحاب الجنة نادوهم)، إشارة إلى أن قوله: (ونادوا أصحاب الجنة) [الأعراف: ٤٦] جزاء شرطٍ محذوف، لدلالة قوله: (وإذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ). وكلاهما كالتفصيل لقوله: (يعرفون كلا بسيماهم) [الأعراف: ٤٦]. وإنما قدر: "نظروا" دون (صرفت) للمقابلة، ليؤذن بأن النظر إلى أصحاب الجنة وجد منهم على الرغبة، وميل النفس، وإلى أصحاب النار بخلافه. وإلى هذا المعنى أشار بقوله: "وفيه أن صارفًا يصرف أبصارهم". قوله: (ونادوا رجالًا من رؤوس الكفرة، يقولون لهم: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ»، وفي التنزيل: (ونَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُم قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ ومَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ).
[ ٦ / ٣٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ. أخر تفسير قوله: (ما أغنى عنكم جمعكم) لينبهك على مكان نكتة، وهي: أن أصل الكلام جار في شأن أصحاب الجنة وتكريمهم، وتقريع أصحاب النار وتعييرهم متفرع عليه، وذلك أن أصحاب الأعراف لما سلموا على أصحاب الجنة، أقبلوا إلى أعدائهم ومن كانوا يستهينون بهم، ويحتقرونهم لفقرهم، قائلين: أهؤلاء الذين أقسمتم: إن الله لا يدخلهم الجنة؟ ثم لمزيد التوبيخ ادخلوا: (مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ ومَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) بين الكلامين اعتراضًا. ويمكن أن يقال: إن قوله: (مآ أغني عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) في مقابل قولهم لأصحاب الجنة: (سلم عليكم). وكل من المتقابلين مضاد لمعنى الآخر، فقيل لهم: (سلام عليكم)، أي: سلمتم من متابع الدنيا، وتبعاتها، وما كنتم تسمعون من أذى المتكبرين الذين كانوا يفتخرون عليكم، ويستضعفونكم، ويستقلون بأحوالكم، وقيل لهؤلاء: ما أغنى عنكم أموالكم وما كنتم به تتنعمون، وتفتخرون على فقرائكم، فقد وقعتم في العذاب. ثم زيد فيما يزيد في حسرتهم وغيظهم، بقوله: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) لأن الإحسان إليهم نكال لهم فوق النكال. ويؤيده قول الإمام: "قوله: (وما كنتم تستكبرون) كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف
[ ٦ / ٣٩٦ ]
ويحرصوا على إحراز قصبتهم، وليتصوروا أن كل أحدٍ يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشر، فيرتدع المسيء عن إساءته، ويزيد المحسن في إحسانه، وليعلم أنّ العصاة يوبخهم كل أحدٍ حتى أقصر الناس عملًا.
وقوله: (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ) فيه: أن صارفًا يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا وقرأ الأعمش: "وإذا قلبت أبصارهم"، وقرئ: "أدخلوا الجنة" على البناء للمفعول، وقرأ عكرمة: "دخلوا الجنة".
فإن قلت: كيف لاءم هاتين القراءتين قوله: (لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)؟ قلت: تأويله: أدخلوا، أو دخلوا الجنة مقولًا لهم: لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون.
_________________
(١) بوقوع أولئك في العقاب، وعلى تبكيتٍ عظيم. ثم زادوا على هذا التبكيت بقولهم: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ)، لأنهم كانوا يستضعفونهم، ويستهزئون بهم، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم". قوله: (فيه: أن صارفًا يصرفهم)، يعني: في بناء الفعل للمفعول إشارة إلى هذه الرمزة، وهي الإلجاء إلى النظر وإلى الاستعاذة وإلى التوبيخ: أما الاستعاذة فهي قولهم: (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظلمين)، وأما التوبيخ فهو قولهم: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمةٍ). قوله: (كيف لاءم هاتين القراءتين؟) أي: "أدخلوا" على البناء للمفعول، و"دخلوا" على الماضي، لأن مقتضاهما أن يقال: "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
[ ٦ / ٣٩٧ ]
فإن قلت: ما محل قوله: (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ)؟ قلت: لا محل له لأنه استئناف؛ كأن سائلًا سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل: لم يدخلوها وهم يطمعون، يعني: حالهم أنّ دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة، فلم يدخلوها لكونهم محبوسين، وهم يطمعون لم ييأسوا. ويجوز أن يكون له محل، بأن يقع صفة لـ (رجال).
(ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ) المال، أو كثرتكم واجتماعكم (وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) واستكباركم عن الحق وعلى الناس، وقرئ: "تستكثرون"؛ من الكثرة.
[(وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ* الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ)].
(أَفِيضُوا عَلَيْنا) فيه دليلٌ على أن الجنة فوق النار، (أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) من غيره من الأشربة؛ لدخوله في حكم الإفاضة، ويجوز أن يراد: أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة، كقوله:
_________________
(١) ـ .. قوله: (كأن سائلًا سأل) أي: قال: ما حال أصحاب الأعراف حينئذ؟ وأجيب: لم يدخلوا الجنة، لكنهم طامعون أن يدخلوها لم ييأسوا عن دخولها. قوله: «أو مما رزقكم الله) من غيره من الأشربة)، يعني: عطف قوله: (مما رزقكم الله) على (الماء)، فدخل تحت حكم الإفاضة، فيحمل على غير الماء من الأشربة، ليصح.
[ ٦ / ٣٩٨ ]
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا
وإنما يطلبون ذلك مع يأسهم من الإجابة إليه حيرةً في أمرهم، كما يفعل المضطر الممتحن.
(حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ): منعهم شراب الجنة وطعامها، كما يمنع المكلف ما يحرّم عليه ويحظر، كقوله:
حَرَامٌ عَلَى عَيْنَيَّ أَنْ تَطْعَمَ الْكَرَى
(فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ): نفعل بهم فعل الناسين الذين ينسون عبيدهم من الخير لا يذكرونهم به،
_________________
(١) قوله: (علفتها تبنًا وماءً باردا)، أنشد تمامه ابن قتيبة الدينوري في كتاب "مشكل القرآن" عن الفراء: حتى شكت همالةً عيناها وفي الحواشي أن هذا المصراع تمام قوله: حرام على عيني أن تطعما الكرى قوله: (نفعل بهم فعل الناسين)، يعني: أنه تمثيل، لأنه متعالٍ أن ينسى شيئًا، لكن شبه معاملته مع هؤلاء المنكرين بمعاملة من ينسى عبده من الخير، فلا يلتفت إليه.
[ ٦ / ٣٩٩ ]
(كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا): كما فعلوا بلقائه فعل الناسين، فلم يخطروه ببالهم ولم يهتموا به.
[(وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)].
(فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ): عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه وسائر معانيه، حتى جاء حكيمًا قيمًا غير ذي عوج؟
_________________
(١) قوله: (كما فعلوا بلقائه فعل الناسين)، يعني: أن وصفهم بالنسيان أيضًا تمثيل، لأنهم في الدنيا لم يكونوا ذاكري الله حتى نسوا، فشبه عدم إخطارهم لقاء الله، أي: القيامة، ببالهم، وقلة مبالاتهم، بحال من عرف شيئًا ثم نسيه. قوله: (عالمين كيف نفصل أحكامه؟)، يعني: أوقع (على علم) حالًا عن ضمير الفاعل في (فصلناه)، ليكون كنايةً عن كون الكتاب حكيمًا غير ذي عوج، لأن الفاعل إذا كان عالمًا بما يفعل، متقنًا فيه، جاء فعله محكمًا مستقيمًا. قوله: (كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه وسائر معانيه؟) كأنه يشير إلى أن هذه
[ ٦ / ٤٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الآية كالخاتمة لجميع ما سبق، والتخلص إلى مشرع آخر من التذكير بالدلائل الدالة على القدرة الباهرة، وتعداد أحوال الأمم السالفة، تنبيهًا للغافلين، وتبصرةً للمتذكرين، وعبرة للمعتبرين. فإذن الآية متصلة بفاتحة السورة وبما بعدها، على سبيل الاعتراض، والتخلص، وذلك أنه تعالى لما نهاه عن ضيق الصدر، وعلله بإنزال هذا الكتاب المعجز، كما سبق، ثم أمره بأن ينذرهم، بقوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) [الأعراف: ٣]، ويذكرهم بقوله: (ولَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ) الآية [الأعراف: ١٠] ما أولاهم من نعمة التمكين، وما خولهم من الكرامة، بأن جعل أباهم مسجودًا للملائكة، وطرد الشيطان بسبب امتناعه عن السجود، وحذرهم عن متابعته، وأدمج الكلام بعضه في بعض، على أساليب عجيبة، وفنون غريبة - عقبه بقوله: (ولَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ) أي: جئناهم بمثل هذا الكتاب الظاهر التفصيل، البين التأويل، الهادي السعداء إلى الصراط المستقيم. ثم بقوله: (هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ تَاوِيلَهُ) أي: ما لهم بعد هذا التفصيل والتوضيح لا يؤمنون، وينتظرون فيما ينتظرون، إلا يوم يأتي عاقبة أمره، وما نطق به من قوارع الساعة، حتى "لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل"، وحينئذٍ يقولون متحسرين نادمين: (فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)! فما أخسرهم! وما أوخم مآل أمرهم! ثم قال: (وضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: يفترونه في إبطال ما أنزل عليهم.
[ ٦ / ٤٠١ ]
وقرأ ابن محيصن: "فضلناه" بالضاد المعجمة، بمعنى: فضلناه على جميع الكتب، عالمين أنه أهلٌ للتفضيل عليها، و(هُدىً وَرَحْمَةً) حالٌ من منصوب (فضلناه)، كما أن (على علمٍ) حال من مرفوعه.
(إِلَّا تَاوِيلَهُ): إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، (قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) أي: تبين وصحّ أنهم جاءوا بالحق، (نُرَدُّ) جملة معطوفةٌ على الجملة التي قبلها، داخلة معها في حكم الاستفهام، كأنه قيل: هل لنا من شفعاء، أو هل نُردّ؟ ورافعه: وقوعه موقعًا يصلح للاسم، كما تقول ابتداءً: هل يضرب زيد؟ ولا يطلب له فعلٌ آخر يعطف عليه، فلا يقدّر: هل يشفع لنا شافعٌ أو نردّ؟
_________________
(١) وقوله: (الذين نسوه): مظهر وضع موضع الضمير. والمراد بالنسيان: الترك، وطلب التأويل. قوله: «نرد): جملة معطوفة على الجملة التي قبلها)، وهي قوله: (لنا من شفعاء) وهي: مبتدأ وخبر، و(من): زائدة، لأن الكلام منفي معنى. قوله: (ورافعه: وقوعه موقعًا يصلح للاسم). يعني به في ابتداء الكلام، لأن الابتداء صالح لأن يقع فيه الاسم أو الفعل المضارع. وأما الماضي لما انتفى استحقاقه الإعراب، انتفى ما هو مبني عليه، وهو استحقاقه الرفيعة. قوله: (فلا يقدر: هل يشفع لنا شافع). يعني: لا يجوز تقدير "يشفع" ليعطف (نرط) عليه فيطابقه، لأن جواب الاستفهام، وهو (فيشفعوا) يأبي ذلك، لما يؤدي هذا العطف إلى الانسحاب والاشتراك فيه، إذ التقدير:
[ ٦ / ٤٠٢ ]
وقرأ ابن أبي إسحاق: "أو نردّ" بالنصب عطفًا على (فيشفعوا لنا)، أو تكون (أو) بمعنى «حتى أنّ» أي: يشفعوا لنا حتى نردّ فنعمل، وقرأ الحسن بنصب "نُرَدُّ" ورفع "فَنَعْمَلَ"؛ بمعنى: فنحن نعمل.
[(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ)].
_________________
(١) "هل نرد، فيشفعوا لنا؟ "، فيفسد المعنى، ويعطل أيضًا (فنعمل)، لأنه جواب، أي: للاستفهام الثاني، بخلاف ما عليه الظاهر، فإنه عطف الفعل مع جوابه، على مثلها من الجملة، وإن لزم عطف الجملة الفعلية على الاسمية، على أن "هل" تستدعي الفعلية، فكأنه عطف الفعلية على مثلها. وفائدة العدول إظهار القصد إلى توخي الشفعاء، وأنه أهم شيءٍ عندهم حينئذ، ليتخلصوا من تلك الورطة، بخلاف الرد. قال صاحب "المفتاح": " (فهل): أدعى للفعل من الهمزة. فترك الفعل معه يكون أدخل في الإنباء عن استدعاء المقام عدم التجدد". ومن ثم أدخل (من) الاستغراقية على "الشفعاء". قوله: ("أو نرد" بالنصب: عطفًا على (فيشفعوا». قال ابن جني: " (فيشفعوا): منصوب لأنه جواب الاستفهام، وفيه معنى التمني. كأنهم
[ ٦ / ٤٠٣ ]
(يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) وقرئ: (يغشي) بالتشديد، أي: يلحق الليل النهار، أو النهار بالليل يحتملهما جميعًا. والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس: "يغشى الليل النهار"، بفتح الياء ونصب "الليل" ورفع "النهار"، أي: يدرك النهار الليل و(يطلبه حثيثًا) حسن الملاءمة لقراءة حميد.
_________________
(١) قالوا: أنرزق شفعاء فيشفعوا لنا، أو نرد به فنعمل غير الذي كنا نعمل؟ وذلك أنهم مع نصب "نرد" تمنوا الشفعاء وحدهم، وقطعوا بالشفاعة والرد. وعلى قراءة الجماعة برفع (نرد): تمنوا الشفعاء، وقطعوا بالشفاعة، وتمنوا الرد أيضًا، كأنه قال: أو هل نرد فنعمل". قوله: (وقرئ: "يغشى الليل" بالتشديد): أبو بكر وحمزة والكسائي، والباقون: بالتخفيف. قوله: (يحتملهما جميعًا)، أي: يحتمل أن يكون النهار ملحقًا بالليل، وأن يكون الليل ملحقًا بالنهار. قوله: (والدليل على الثاني) أي: على أن يكون الليل ملحقًا بالنهار، قراءة حميد: "يغشى الليل النهار" بنصب "الليل" ورفع "النهار". فقوله: (يطلبه حثيثًا) مبتدأ، وقوله: "حسن الملاءمة" خبره.
[ ٦ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يعني: يلزم على قراءة حميد، أن يكون الطالب النهار، والليل ملحق به، والطلب بالنهار أولى، والليل أحسن أن يكون ملحقًا به. قال ابن جني: "يغشى الليل النهار" - على قراءة حميد - حال من قوله: (ثم استوى على العرش)، والعائد محذوف، أي: يغشى الليل النهار بأمره أو بإذنه، وإنما التزم هذا الحذف لتتفق القراءتان. فقوله: (يطلبه حثيثًا): يدل من قوله: "يغشى الليل النهار" للتوكيد. وعلى قراءة الجماعة: حال من (لليل)، أي: يغشى الليل النهار طالبًا له حثيثًا، و(حثيثًا): حال من الضمير في (يطلبه). ووجه التقاء القراءتين أن الليل والنهار يتعاقبان، وكل واحد منهما فاعل، وإن كان مفعولًا فإن كل واحدٍ منهما مزيل لصاحبه، على أن الظاهر في الاستحثاث هو النهار، لأنه بسفوره وشروقه يظهر أثر الاستحثاث، لأن ضوء النهار هو الهاجم على الظلمة، ويطالبه حثيثًا، وقوله: (يطلبه حثيثًا) على هذا: حال من (النهار)، وإن كان مفعولًا، كقولك: "ضربت هند زيدًا مؤلمةً له". فإن "مؤلمةً له" يجوز أن يكون حالًا من كل واحد منهما، لما اشتمل على ضميرهما. وهو نظير قوله: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ) [مريم: ٢٧]، (تحمله) يجوز أن يكون حالًا من كل واحد منهما، ومنهما معًا. قلت: قوله: "على أن الظاهر في الاستحثاث هو النهار": هو المراد من قول المصنف: " (يطلبه حثيثًا): حسن الملاءمة لقراءة حميد". هذا هو التحقيق، لا ما قال صاحب "التقريب": "حسن الملاءمة اتحاد الإسناد، ورجوع الضمير إلى الأقرب"، وتبعه الجمهور. والذي يؤيد قول ابن جني قوله تعالى: (وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) [يس: ٣٧].
[ ٦ / ٤٠٥ ]
(بِأَمْرِهِ): بمشيئته وتصريفه، وهو متعلق (مسخرات)، أي: خلقهنّ جارياتٍ بمقتضى حكمته وتدبيره، وكما يريد أن يصرفها سمى ذلك "أمرًا" على التشبيه،
_________________
(١) قال المرزوقي: "يعلم منه أن الليل قبل النهار، لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ". وقال الفراء: "الأصل هي الظلمة، والنهار داخل عليها". وفي معناه أنشد بعضهم: كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجي … نطير غرابًا ذا قوادم جون النهاية: "حث وأسرع. يقال: حثه على الشيء، وحثحثه بمعنى". قوله: (وكما يريد أن يصرفها): عطف على قوله: "بمقتضي حكمته"، أي: خلقهن جارياتٍ كما يريد أن يصرفها. قوله: (سمى ذلك "أمرًا" على التشبيه)، أي: على الاستعارة، فإنها مسبوقة به. بيانه: أنه تعالى جعل هذه الأشياء في كونها تابعةً لتكوينه، وتصرفه فيها بما شاء، غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء يميزون، قد عرفوا عظمته وجلالته، فكما يرد عليهم أمره لا يتوقفون عن الامتثال.
[ ٦ / ٤٠٦ ]
كأنهنّ مأمورات بذلك. وقرئ: (والشمس والقمر والنجوم مسخرات) بالرفع.
ولما ذكر أنه خلقهنّ مسخراتٍ بأمره، قال: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)، أي: هو الذي خلق الأشياء كلها، وهو الذي صرفها على حسب إرادته.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات" بالرفع): ابن عامر، والباقون بالنصب. قوله: (ولما ذكر أنه خلقهن مسخرات بأمره قال: (ألا له الخلق والأمر»، يعني: هذه الآية كالتذييل للكلام السابق. واللام في (الخلق) و(الأمر) للجنس، فيدخل في (الخلق) قوله: (خلق السموات والأرض) وفي (الأمر) قوله: (مسخرات بأمره). وإلى الأول الإشارة بقوله: "هو الذي خلق الأشياء". وإلى الثاني بقوله: "وهو الذي صرفها على إرادته". وأما توجيه النظم فهو ما ذكره القاضي، قال: " (تبارك الله رب العالمين) معناه: تعالى بالوحدانية في الإلوهية، وتعظم بالتفرد في الربوبية". وتحقيق الآية - والله أعلم - أن الكفرة كانوا متخذين أربابًا، فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد، وهو الله تعالى؛ لأنه الذي له الخلق والأمر، فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم، وتدبيرٍ حكيم، فأبدع الأفلاك، ثم زينها بالكواكب، كما أشار إليه بقوله: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢]، وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية، فخلق جسمًا قابلًا للصور المتبدلة، والهيئات المختلفة، ثم قسمها بصورٍ مختلفة، متضادة الآثار والأفعال. وأشار
[ ٦ / ٤٠٧ ]
[(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ* وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ)].
(تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) نصبٌ على الحال، أي: ذوي تضرع وخفية، وكذلك: (خوفًا وطمعًا)، والتضرع: تفعلٌ من الضراعة وهي الذل، أي: تذللًا وتملقًا. وقرئ: "خفيةً"، وعن الحسن ﵀: "إنّ الله يعلم القلب التقى والدعاء الخفي، إن كان الرجل
_________________
(١) إليه بقوله: (خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ٩] أي: ما في جهة السفل، ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة، بتركيب موادها أولًا، وتصويرها ثانيًا. كما قال بعد قوله: (خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ): (وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وبَارَكَ فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) [فصلت: ١٠] أي: مع اليومين الأولين، لقوله في سورة "السجدة": (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [السجدة: ٤]. ثم لما تم له عالم الملك، عمد إلى تدبيره، كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض، بتحريك الأفلاك، وتسيير الكواكب، وتكوير الليالي والأيام. ثم صرح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته، فقال: (أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ). ثم أمرهم بأن يدعوه متذللين مخلصين، فقال: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً) [الأعراف: ٥٥]. قوله: (إن كان الرجل)، هي: "إن": المخففة من الثقيلة، وفيه ضمير الشأن. يعني: إن الرجل كان يحفظ القرآن.
[ ٦ / ٤٠٨ ]
لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير ولا يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة وعنده الزور وما يشعر به، ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عملٍ يقدرون على أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أنّ الله تعالى يقول: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)، وقد أثنى على زكريا فقال: (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) [مريم: ٣] وبين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا".
(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) أي: المجاوزين ما أمروا به في كل شيءٍ من الدعاء وغيره، وعن ابن جريجٍ: هو رفع الصوت بالدعاء، وعنه: الصياح في الدعاء مكروهٌ وبدعة. وقيل: هو الإسهاب في الدعاء. وعن النبي ﷺ: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء. وحسب المرء أن يقول: اللهمّ إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قولٍ وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل»، ثم قرأ قوله تعالى: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).
_________________
(١) قوله: (وعنده الزور). الجوهري: "رجل زائر، وقوم زور وزوار، مثل: سافر وسفرٍ وسفار". قوله: (ما كان على الأرض من عملٍ): معناه: لا يوجد على وجه الأرض عمل يقدرون على أن يعملوه في السر، فيعملونه علانية أبدًا. يعني: ما أمكنهم أن يعملوه سرًا لا يعملونه جهرًا اجتنابًا عن الرياء. قوله: (سبعون ضعفًا): الأزهري: "الضعف في كلام العرب: المثل فما زاد، وليس بمقصورٍ على مثلين. فأقل الضعف محصور في الواحد، وأكثره غير محصور". ذكره في "النهاية". قوله: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء): روينا في "مسند أحمد بن حنبل"، عن سعد بن
[ ٦ / ٤٠٩ ]
(إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ): كقوله: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا) [طه: ٨٢]، وإنما ذكر (قَرِيبٌ)
_________________
(١) أبي وقاص: أنه سمع ابنًا له يدعو ويقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا، وتعوذت بالله من شر كثير. فإني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء" وقرأ هذه الآية، وقال: "وإن حسبك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة" الحديث. قوله: «إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ) كقوله تعالى: (وإنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ) [طه: ٨٢]). يعني: هذه الجملة تذييل للكلام السابق، وتعميم بعد تخصيص، وتعليق لرحمته بإحسان عبادته، فإنه تعالى لما أمرهم بأن يدعوا الله متضرعين في الخفية، خائفين راجين، وكرر الأمر به، وذم الاعتداء فيه، ثم نهاهم عن الإفساد في الأرض، علم أن من أتى بهذا المأمور، وكف عن هذا المنهي، كان محسنًا، فجاء بخاتمةٍ تذييلًا له، كما أن قوله تعالى: (وإنِّي لَغَفَّارٌ) تذييل لقوله تعالى: (يَا بَنِي إسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ) إلى قوله تعالى: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ولا تَطْغَوْا فِيهِ) [طه: ٨٠ - ٨١]. وتعميم بعد تخصيص، وتعليق لغفرانه بتوبة عباده.
[ ٦ / ٤١٠ ]
على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة موصوف محذوف، أي: شيءٌ قريب، أو على تشبيه بـ"فعيلٍ" الذي هو بمعنى: "مفعول"، كما شبه ذاك به، فقيل: قتلاء وأسراء، أو على أنه بزنة المصدر، الذي هو النقيض والضغيب، أو لأنّ تأنيث "الرحمة" غير حقيقي.
_________________
(١) قوله: (بالرحم). الرحم - بالضم -: الرحمة. قال الله تعالى: (وأَقْرَبَ رُحْمًا) [الكهف: ٨١]. قوله: (أو على تشبيه بـ"فعيل" الذي هو بمعنى: "مفعول"). فإنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، كجريحٍ وأسيرٍ وقتيل. قوله: (كما شبه ذاك به) أي "الفعيل" الذي بمعنى "مفعول"، بالفعيل الذي بمعنى "فاعل"، فجمع: قتيل وأسير، على: قتلاء، وأسراء، كما جمع: كريم، ورحيم، على: كرماء، ورحماء. ونجيب وعليم، على: نجباء، وعلماء. قوله: (النقيض): الجوهري: "النقيض: صوت المحامل والرحال". "والضغيب: صوت الأرنب". قوله: (أو لأن تأنيث "الرحمة" غير حقيقي): قال صاحب "الفرائد": "المتضمن لضمير المؤنث لم يحسن تذكيره على ما قيل. فهذا الوجه بعيد". وقال الزجاج: "إن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد. وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي. وقال الأخفش: إن الرحمة في معنى المطر" وقال أبو البقاء: "إن الرحمة والترحم بمعنى. وقيل: هو على النسب، أي: ذات قرب. وقيل: هو "فعيل" بمعنى "مفعول". وقيل: فرق بين القريب من النسب وبين القريب من غيره".
[ ٦ / ٤١١ ]
قرئ: (نشرًا)، وهو مصدر نشر، وانتصابه إمّا لأن "أرسل" و"نشر" متقاربان، فكأنه قيل: نشرها نشرًا، وإمّا على الحال بمعنى: منتشرات، و"نشرًا" جمع نشور، و"نشرًا" تخفيف "نشر"، كرسلٍ ورسل. وقرأ مسروق: "نشرًا"، بمعنى: منشورات، فعل بمعنى: مفعول، كنقضٍ وحسبٍ، ومنه قولهم: «ضم نشره»، و"بشرًا" جمع "بشير"، و"بشرًا" بتخفيفه، و"بشرًا" - بفتح الباء - مصدر من: بشره بمعنى: بشره، أي: باشرات، و"بشرى".
(بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ): أمام نعمته، وهي الغيث الذي هو من أتمّ النعم وأجلها وأحسنها أثرًا، (أَقَلَّتْ): حملت ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة، لأنّ الرافع المطيق يرى الذي يرفعه قليلًا، (سَحابًا ثِقالًا): سحائب ثقالًا بالماء جمع "سحابة".
_________________
(١) قال الزجاج: "هذا غلط؛ لأن كل ما قرب من مكان أو نسب فيجوز فيه التأنيث والتذكير". قوله: (قرئ: "نشرًا"): قرأ عاصم: (بشرا) بالباء الموحدة مضمومة، وإسكان الشين حيث وقع. وابن عامر: بالنون مضمومة وإسكان الشين، وحمزة والكسائي: بالنون مفتوحة وإسكان الشين. والباقون: بالنون مضمومة، وضم الشين. والبواقي شواذ. قوله: (لأن الرافع المطيق يرى ما يرفعه قليلًا): قال المصنف: "حقيقة "أقله": جعله قليلًا، في زعمه، كقولك: أكذبه: إذا جعله كاذبًا في زعمه".
[ ٦ / ٤١٢ ]
(سُقْناهُ) الضمير للسحاب على اللفظ، ولو حُمل على المعنى كالثقال لأُنث، كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلًا، (لِبَلَدٍ مَيِّتٍ): لأجل بلدٍ ليس فيه حيًا ولسقيه. وقرئ: "ميت".
(فَأَنْزَلْنا بِهِ): بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق، وكذلك (فَأَخْرَجْنا بِهِ).
(كَذلِكَ) مثل ذلك الإخراج- وهو إخراج الثمرات (نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فيؤدّيكم التذكر إلى أنه لا فرق بين الإخراجين، إذا كل واحدٍ منهما إعادةٌ للشيء بعد إنشائه.
(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ): الأرض العذاة الكريمة التربة، (وَالَّذِي خَبُثَ): الأرض السبخة التي لا تنبت ما ينتفع به، (بِإِذْنِ رَبِّهِ): بتيسيره، وهو في موضع الحال،
_________________
(١) قال الفاضل نور الدين الحكيم: "أقله: وجده قليلًا، أو اعتقده قليلًا، من الجعل الاعتقادي كالكذبة". قوله: (ولو حمل على المعنى، كالثقال، لأنث). يعني: اعتبر في "سقناه" لفظ "السحاب"، فذكر الضمير، كما اعتبر المعنى في قوله: (ثقالًا) فوصف "السحاب" بالجمع، ولو اعتبر اللفظ لقيل: ثقيلًا، لأن (سحابًا) لفظه مفرد. قوله: (لأجل بلدٍ ليس فيه حيًا): حيا - مقصور - وهو الخصب. الجوهري: "أحيا القوم: صاروا في الحيا، وهو الخصب. وأحييت الأرض: وجدتها خصبةً". قوله: «فأنزلنا به) بالبلد). أي الضمير في (به) إما راجع إلى "البلد"، فتكون الباء بمعنى "في"، أو إلى "السحاب"، فالباء إذا كما في قولك: "كتبت بالقلم"، وكذا إذا رجع إلى "السوق". قوله: (العذاة)، وهي: "الأرض الطيبة التربة، والجمع: عذوات".
[ ٦ / ٤١٣ ]
كأنه قيل: يخرج نباته حسنًا وافيًا، لأنه واقع في مقابلة (نَكِدًا)، والنكد: الذي لا خير فيه. وقرئ: "يخرج نباته"، أي: يخرجه البلد وينبته. وقوله: (وَالَّذِي خَبُثَ) صفةٌ للبلد، ومعناه: والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكدًا، فحذف المضاف الذي هو "النبات"، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجع إلى "البلد" مقامه؛ إلا أنه كان مجرورًا بارزًا، فانقلب مرفوعًا مستكنًا لوقوعه موقع الفاعل، أو يقدّر: ونبات الذي خبث. وقرئ: "نكدًا" بفتح الكاف على المصدر، أي: ذا نكد، و"نكدًا"، بإسكانها للتخفيف، كقوله:
.. نزهٍ عن الريب
بمعنى: نزهٍ.
وهذا مثلٌ لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين، ولمن لا يؤثر فيه شيءٌ من ذلك. وعن مجاهدٍ: آدم وذرّيته منهم خبيثٌ وطيب. وعن قتادة: المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت، والكافر بخلاف ذلك. وهذا التمثيل واقعٌ على إثر ذكر المطر، وإنزاله بالبلد الميت، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد.
_________________
(١) قوله: (لأنه واقع في مقابل (نكدًا). أي: إنما فسر: (بإذن ربه) بقوله: "حسنًا وافيًا"، وإن كان معناه: بتيسيره وتسهيله، لكونه واقعًا في مقابلة (نكدًا). فالمطابقة إذًا معنوية. الجوهري: "نكدت الركية: قل ماؤها. ورجل نكد: عسر". قوله: (وهذا التمثيل واقع على إثر ذكر المطر … على طريق الاستطراد). يعني: أن قوله:
[ ٦ / ٤١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) (والبلد الطيب) الآية، بالنظر إلى قوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) تمثيل. وتقديره: إنا بينا تلك الآيات الدالة على القدرة الباهرة، والعلم الكامل، لعلكم تتفكرون فيها، أيها النظار، لتعلموا أنكم إلينا ترجعون، لكن لا تنجع تلك الآيات إلا فيمن شرح الله صدره، فيخرج نبات فكره طيبًا، ومن جعل صدره ضيقًا لا يخر نبات فكره إلا خبيثًا، فلا يرفع بها رأسًا، (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ). روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي موسي، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيثٍ أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلا والعشب الكثير. وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفةً منها أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ﷿ ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". وسيجيء شرحه في سورة الأنبياء. وإليه أشار المصنف بقوله: "هذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين، ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك". ثم في إيثار "الطيب" وهو صفة مشبهة في مقابل "الذي خبث" الدال على تجدد الفعل إيماء إلى معنى ما ورد في "صحيح مسلم" عن عياضٍ المجاشعي: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال في خطبته عن الله ﷿: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم
[ ٦ / ٤١٥ ]
(كَذلِكَ): مثل ذلك التصريف (نُصَرِّفُ الْآياتِ): نردّدها ونكرّرها (لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) نعمة الله وهم المؤمنون، ليفكروا فيها ويعتبروا بها.
وقرئ: "يصرف" بالياء، أي: يصرفها الله.
[(لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)].
(لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا) جواب قسم محذوف.
فإن قلت: ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام، إلا مع «قد» وقلّ عنهم، نحو قوله:
_________________
(١) عن دينهم"، وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه". وبالنظر إلى قوله تعالى: (أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ) إلى آخره: استطراد. ولما كان هذا أصلًا للكلام، جيء به في المستطرد بالواو، للمناسبة بينهما. وأما قوله تعالى: (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ)، بعد قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فمن باب الترقي، لأن من تذكر آلاء الله، عرف حق النعمة فشكر. قوله: (مثل ذلك التصريف (نصرف الآيات): نرددها ونكررها). يعني: ما ذكرنا من الآيات المتعددة المفصلة المبينة من أول هذه السورة، نصرف ونكرر ونبين سائر الآيات التي اشتمل عليها هذا الكتاب الكريم أو غيره.
[ ٦ / ٤١٦ ]
حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ … لناموا
قلت: إنما كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تُساق إلا تأكيدًا للجملة المقسم عليها، التي هي جوابها، فكانت مظنةً لمعنى التوقع- الذي هو معنى «قد» - عند استماع المخاطب كلمة القسم.
قيل: أرسل نوحٌ ﵇ وهو ابن خمسين سنة، وكان نجارًا وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ: اسم إدريس النبي ﵇.
_________________
(١) قوله: (حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ لناموا)، تمامه: فما إن من حديثٍ ولا صال حلفة فاجر، أي: كاذب أو عاهر. واللام جواب القسم. من حديث، أي: من ذي حديث. ويجوز أن يكون الحديث بمعنى المحادث، كالخليل والعشير. والصالي: المصطلي. و"إن": زائدة. يقول: طرقت المحبوبة، فاستشعرت من الرقباء، فحلفت لها أن القوم الذين كانوا يتحدثون، ويبيتون في السمر مصطلين، نيام. والقائل: امرؤ القيس. قوله: (لمعنى التوقع). يعني: أن الجملة إذا أكدت بالقسم، فالمخاطب لابد أن يتوقع حصول المقسم عليه، وينتظر وقوعه، فناسب إدخال "قد".
[ ٦ / ٤١٧ ]
وقرئ: (غيره) بالحركات الثلاث؛ فالرفع على المحل، كأنه قيل: ما لكم إله غيره. والجر على اللفظ، والنصب على الاستثناء، بمعنى: ما لكم من إلهٍ إلا إياه، كقولك: ما في الدار من أحدٍ إلا زيدًا أو غير زيدٍ.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (غيره) بالحركات الثلاث). الكسائي: بالخفض حيث وقع، إذا كان قبل "الإله" "من" الجارة. والباقون: بالرفع، والنصب: شاذة. قوله: (ما في الدار من أحدٍ إلا زيدًا أو غير زيدٍ). أي: سواء قلت: ما في الدار من أحدٍ إلا زيدًا، أو قلت: من أحدٍ غير زيد. وقال في "المفصل": "وحكم "غير" حكم الاسم الواقع بعد "إلا" تنصبه في الموجب والمنقطع". وقال الزجاج: "النصب جائز في غير القرآن، على الاستثناء، وعلى الحال من النكرة. وأجاز الفراء: "ما جاءني غيرك". وهو خطأ. وإنما أنشد الخليل وسيبويه قوله:
[ ٦ / ٤١٨ ]
فإن قلت: فما موقع الجملتين بعد قوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ)؟ قلت: الأولى بيانٌ لوجه اختصاصه بالعبادة. والثانية: بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون الله.
واليوم العظيم: يوم القيامة، أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان.
[(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)].
_________________
(١) لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت … حمامة في غصونٍ ذات أوفال وأجازا فيه نصب "غير"، فاستشهد هو به، واستهواه اللفظ في قولهما: "إن الموضع موضع رفع، وإنما أضيفت "غير" في البيت إلى شيء غير متمكن، فبنيت على الفتح، كما يبني "يوم" إذا أضيف إلى "إذ" على الفتح". قوله: (ما موقع الجملتين). يعني: (ما لكم من إله غيره) و(إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم). قوله: (الأولى بيان لوجه اختصاصه). وذلك أن نوحًا ﵇ لما قال لقومه وهم مشركون: (يا قوم اعبدوا الله) فهم منه الاختصاص، لأنهم كانوا يشركون [غير] الله في
[ ٦ / ٤١٩ ]
(الْمَلَأُ): الأشراف والسادة، وقيل: الرجال ليس معهم النساء، (فِي ضَلالٍ): في ذهابٍ عن طريق الصواب والحق. ومعنى الرؤية: رؤية القلب.
فإن قلت: لم قال: (لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) ولم يقل "ضلالٌ" كما قالوا؟ قلت: "الضلالة" أخصّ من "الضلال"، فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه، كأنه قال: ليس بي شيءٌ من الضلال، كما لو قيل لك: ألك تمر؟ فقلت: ما لي تمرة.
_________________
(١) عبادته، فقال: (اعبدوا الله) يعني: لا تصح عبادة الله مع عبادة غيره، فكأنكم ما عبدتم الله حين أشركتم به غيره في العبادة. ثم لما أراد بيان هذا المعنى قال: (ما لكم من إلهٍ غيره) ثم أتي بقوله: (إني أخاف عليكم) مستأنفًا معللًا لدعواه، أي: إنما دعوتكم إلى ما دعوتكم، لأني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، إظهارًا للشفقة والمرحمة. قوله: (الملأ): الأشراف والسادة): سموا ملأ لأنهم يملؤون العيون والقلوب، أو لأنهم مليئون قادرون بما يراد منهم من كفاية الأمور. قوله: (ليس بي شيء من الضلال): روي عن المصنف أنه قال: نفى أن يكون معه طرف من الضلال، وأثبت أنه في الغاية القصوى من الهدى، حيث كان رسولًا من رب العالمين. وفيه إظهار لمكابرتهم وفرط عنادهم، حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى بالضلال المبين الظاهر شأنه، لا ضلال بعده. قال صاحب "الفرائد": "جعل التاء في "الضلالة" بمنزلة التاء في التمرة والفعلة، في أنها للوحدة". وقد قال صاحب "المجمل": "الضلال والضلالة بمعنى واحد".
[ ٦ / ٤٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال صاحب "المثل السائر": "الأسماء المفردة الواقعة على الجنس، التي يكون بينها وبني وأحدها تاء التأنيث، فإنه متى أريد النفي، كان استعمال واحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ، كما في الآية، ولا تظنن أنه لما كان الضلال والضلالة مصدرين، من قولك: ضل يضل ضلالا وضلالةً، كان القولان سواء، لأن الضلالة هنا ليست عبارة عن المصدر، بل عن المرة الواحدة. فإذا نفى نوح ﵇ عن نفسه المرة الواحدة من الضلال، فقد نفى ما فوقها من المرتين والمرات الكثيرة". وقال صاحب "الفلك" الدائر على المثل السائر": "الذي ذكره غير صحيح، لا أن كانت "الضلالة" مصدرًا، ولا أن كانت المرة الواحدة. أما الأول فلأنهما لما دلا على المصدر، لم يكن دلالة أحدهما أبلغ من الآخر، لأن المصدر يدل على الماهية فقط، فإذا نفي نفيت الماهية، وأما الثاني فلا يصح أيضًا، لأنه لو قال القائل: ما عندي تمرة، بمعنى تمرة واحدة، وعنده تمر كثير، يصح ذلك، لأنه لو أظهر ما أضمر، فقال: ليس عندي تمرة واحدة بل تمرات، لم يكن متناقضًا. وقول نوح ﵇: (ليس بي ضلالة) بمعنى: ضلالة واحدة، لم يكن نافيًا لكونه ضالا، لأنه إذا كانت الضلالات مختلفة الأنواع لم يفده قوله، لجواز ألا يكون ضلالةً واحدة، بل ضلالات مختلفة متنوعة. ومن وجدت عنده ضلالات كثيرة، فقد صدق عليه أنه قد انتفت عنه ضلالة واحدة". وقال صاحب "التقريب": "في قول المصنف نظر، لأن الضلال إما أن يراد به الكثير أو الجنس، فعلى الأول لا نسلم أن الواحد أخص، بل الصحيح العكس، لأنه كلما وجد الكثير
[ ٦ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وجد الواحد، ولا ينعكس، فالواحد أعم. ويتم الجواب، إذ يلزم من نفي العام نفي الخاص من غير عكس، فكان نفيها أبلغ، أي: ليس بي شيء من الضلال. وعلى الثاني: يصح أن الضلالة أخص، ولكن لا يتم الجواب، إذ لا يلزم من نفي الخاص نفي العام. ولما تضمن كونه رسولًا، بمعنى كونه مهتديًا، صح الاستدلال به على انتفاء الضلالة". وقريب من هذه المعاني ما ذكره صاحب "الانتصاف". وقلت - وبالله التوفيق -: العجب من هؤلاء الفضلاء كيف يتكلمون بما لا جدوى معه؟ ! أين تفسير كلام الله المجيد المقدس عن العوج، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من اصطلاح المنطقي؟ ! فإن المصنف إنما يتكلم لمقتضى الحال، ومطابقة الجواب للسؤال، ولا يعتبر مفردات اللفظ. بيانه: أن القوم لما أثبتوا له نوعًا من الضلال، وهو كونه ضلالًا مبينًا، لا مطلق الضلال كما توهموه، يدل عليه ما رويناه عنه: وصفوه بالضلال البين الظاهر شأنه، لا ضلال بعده. فالجواب إنما يطابق إذا كان أبلغ منه، فإذا لم تحمل "الضلالة" على ما قدره، فمن أين يفيد
[ ٦ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الأبلغية؟ ولو لم ترد المبالغة، لكان مقتضى الظاهر أن يقال في جواب (إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ): ليس بي ضلال، فلما أثبتوا النوع نفى الوحدة. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه ﵇ نفى الجنس لتنتفي الماهية، فيحصل المقصود؟ قلت: فإذن يفوت مقتضى العدول من لفظ "الضلال" إلى "الضلالة" وإرادة التردة منها، لأن نفي الشيء مع الصفة في مقام نفيه أبلغ من نفيه وحده، كما ستقف عليه في قوله تعالى: (ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: ١٨]، ولأن نفي الوحدة لإرادة انتفاء الماهية أبلغ من العكس، لمكان الكناية، واستلزام الاستغراق بحسب أفراد الجنس، كما قال صاحب "المثل السائر": "فإذا نفى نوح ﵇ عن نفسه المرة الواحدة من الضلال، فقد نفى ما فوقها من المرتين والمرات الكثيرة، فظهر أن التركيب إنما يفيد المطلوب إذا وقع جوابًا مع إرادة المبالغة، لا بالنظر إلى اللفظ من حيث هو هو. ألا ترى إلى أن قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: ١٥] إنما كان أبلغ من قوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [البقرة: ١٤] حيث وقع جوابًا له؟ ولو نظر إلى اللفظ فقط كان هو أحط منه بدرجاتٍ كثيرة".
[ ٦ / ٤٢٣ ]
فإن قلت: كيف وقع قوله: (وَلكِنِّي رَسُولٌ) استدراكًا للانتفاء عن الضلالة؟ قلت: كونه رسولًا من الله مبلغًا رسالاته ناصحًا، في معنى كونه على الصراط المستقيم، فصحّ لذلك أن يكون استدراكًا للانتفاء
_________________
(١) وأما مسألة التمرة، فإذا قال القائل: ليس عندي تمرة ابتداءً، لصح ما قاله الزاعم، أما لو قاله إنكارًا لمن يتهمه بادخار التمر، كيف يصح ما قال؟ والحاصل أن اقتضاء المقام ينحي بالهدم لجميع ما بنوه. ولما كان الإمام الداعي إلى الله ذا حظ وافر من علم البيان، قال في تفسيره: "فإن قيل: إن القوم قالوا: (إنا لنراك في ضلال)، وجوابه أن يقال: ليس بي ضلال، فلم ترك هذا، وعدل إلى قوله: (ليس بي ضلالة)؟ قلنا: لأن المراد بقوله: (ليس بي ضلالة) أي: ليس بي نوع من أنواع الضلالة البتة، فكان أبلغ في عموم السلب. وقال القاضي: " (ليس بي ضلالة) أي: شيء من الضلال، بالغ في النفي كما بالغوا في الإثبات". قوله: (فصح لذلك أن يكون استدراكًا). تلخيص السؤال أن "لكن" حقها أن تتوسط بين كلامين متغايرين نفيًا وإيجابًا. وأين هذا المعنى في الآية؟
[ ٦ / ٤٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأجاب: إن التغاير حاصل من حيث المعنى، لأن معنى قوله تعالى: (رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ) أي: على صراطٍ مستقيم، كأنه قال: ليس بي ضلالة قط، لكني على الهداية البينة. كقولك: جاءني زيد لكن عمرًا غائب. فإن قلت: ما فائدة العدول عن الظاهر؟ قلت: إرادة المبالغة في إثبات الهداية، على أقصى ما يمكن، كما نفى الضلالة كذلك. فكونه رسولًا من رب العالمين يوجب أن يكون مهتديًا، لا غاية بعده، لكونها انتهاء مراتب البشرية، وكمال الرسالة، وكونه ناصحًا للأمة، وأمينًا في أداء الرسالة إليهم - كما سنقرره - يقتضي أن يكون هاديًا، مرشدًا، ليس بعده. ومن شأنه هذا كيف يقال في حقه: (إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ)؟ وهذا التقرير يؤيد ما ذهب إليه المصنف في تفسير الضلالة، لأن المعنى: ليس في شيء من الضلالة، لكني على هدى لا يكتنه كنهه. وعلى منواله قول القائل: له حاجب في كل أمرٍ يشينه … وليس له عن طالب العرف حاجب
[ ٦ / ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فإن قلت: إن كان المعنى على ما ذكرت: لكني على هدىً لا يكتنه كنهه، فلم ترك الاختصار، وسلك طريق الإطناب؟ . قلت: لا ارتياب أن هذا الاستدراك زيادة على الجواب، لأن قوله: (ليس بي ضلالة) كان كافيًا كما مر، فيكون من الأسلوب الحكيم الوارد على التخلص إلى الدعوة على وجه الترجيع المعنوي، لأنه بدأ بالدعوة إلى إثبات التوحيد، وإخلاص العبادة لله تعالى. فلما أراد إثبات الرسالة لم يتمكن، لما اعترضوا عليه من قولهم: (إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مِبينٍ) فانتهز الفرصة وأدمج مقصوده في الجواب على أحسن وجه، حيث أخرجه مخرج الملاطفة والكلام المنصف. يعني: دعوا نسبة الضلالة إلى، وانظروا ما هو أهم لكم من متابعة ناصحكم، وأمينكم، ورسول رب العالمين.
[ ٦ / ٤٢٦ ]
عن الضلالة. وقرئ: (أبلغكم) بالتخفيف.
فإن قلت: كيف موقع قوله (أُبَلِّغُكُمْ)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون كلامًا مستأنفًا بيانًا لكونه رسول رب العالمين. والثاني: أن يكون صفةً لـ (رسول).
فإن قلت: كيف جاز أن يكون صفةً، والرسول لفظه لفظ الغائب؟ قلت: جاز ذلك، لأن "الرسول" وقع خبرًا عن ضمير المخاطب، وكان معناه، كما قال:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِ أُمِّي حَيْدَرَهْ
_________________
(١) ألا ترى أن صالحًا ﵇ لما لم يعترضوا عليه، عقب بإثبات الرسالة إثبات التوحيد في قوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ) إلى: (قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) [الأعراف: ٧٣]. ففيه خمسة أنواع من الأنواع البديعية. فإذا اقتضى المقام هذا الإطناب، كان الاقتصار على تلك العبارة تقصيرًا، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "أبلغكم" بالتخفيف): أبو عمرو. وقوله: (لأن "الرسول" وقع خبرًا عن ضمير المخاطب) بكسر الطاء، أي: المتكلم، في قوله: "لكني"، كأنه قال: لكني أبلغكم رسالات ربي. فأقحم (رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ) للإبهام، ثم بينه بقوله: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي) تفخيمًا وتعظيمًا. ومن ثم زيد قوله: (رَّبِّ العَالَمِينَ).
[ ٦ / ٤٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وكذلك قوله: "أنا الذي سمتني أمي حيدره" أصله: أنا سمتني أمي حيدرة، فأقحم الموصولة للتفخيم. ويعضده ما بعده: كليث غاباتٍ كريه المنظره أو فيهم بالصاع كيل السندره أي: أنا ذلك المشهور، المعروف في الشجاعة، الذي لا يخفى على كل أحد. ولا يريد مجرد الإخبار عن أن أمه سمته بهذا الاسم؛ إذ لو أريد ذلك لقال: أنا الذي سمته أمه حيدرة. قائله أمير المؤمنين علي ﵁. الجوهري: "سمته أمه فاطمة بنت أسد باسم أبيها، وأبو طالب غائب، فلما قدم كرهه، وسماه عليًا". وكان القياس: أنا الذي سمته، ليرجع الضمير إلى الموصول، ولكنه ذهب إلى المعنى، لأن خبر المبتدأ هو الموصول مع الصلة، وفيه ضمير "أنا" الراجع إلى المبتدأ، كأنه قال: أنا سمتني.
[ ٦ / ٤٢٨ ]
(رِسالاتِ رَبِّي): ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر والنذائر.
ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جدّه إدريس، وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة.
(وَأَنْصَحُ لَكُمْ) يقال: نصحته ونصحت له، وفي زيادة اللام مبالغةٌ ودلالةٌ على إمحاض النصيحة وأنها وقعت خالصة للمنصوح له مقصودًا بها جانبه لا غير، فرب نصيحة ينتفع بها الناصح، فيقصد النفعين جميعًا، ولا نصيحة أمحض من نصيحة الله تعالى ورسله ﵈.
_________________
(١) والحيدرة: من أسماء الأسد. والسندرة: مكيال ضخم. أي: أقتلهم قتلًا سريعًا. وفي رواية مسلم: "قالها - أي: الأبيات - في مبارزة المرحب، ثم ضرب رأسه، فقتله". قوله: «رسالات ربي): ما أوحي إلى). يعني: إنما جمع: (رسالات ربي) لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، أو لكثرة المنزل عليهم من الرسل. قوله: (ولا نصيحة أمحض من نصيحة الله ورسله)، لاجتماع الرسل قاطبةً على نحو قوله: "قل ما سألتكم عليه أجرًا فهو لكم إن أجري إلا على الله"، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحت العسل: إذا خلصته من الشمع، ويقال: هو مأخوذ من: نصح الرجل ثوبه، أي: خاطه، شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسد من خلل الثوب. واعلم أن النصيحة باب عظيم في الدين، روينا عن مسلم وأبي داود والنسائي عن تميم الداري: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إن الدين النصيحة" ثلاثًا، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله
[ ٦ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" هذا رواية مسلم. وأخرج نحوه الترمذي عن أبي هريرة. قال أبو سليمان الخطابي: "النصيحة: كلمة جامعة يعبر بها عن جملة إرادة الخير، وليس يمكن أن يعبر بهذا المعنى بكلمة وجيزة يحصرها ويجمع معناها غيرها، كما قالوا في "الفلاح": ليس في كلامهم كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه. فقوله صلي الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" يريد: عماد أمر الدين إنما هو النصيحة، وبها ثباته، كقوله صلي الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات"، أي: صحتها وثباتها بالنية. فمعنى نصيحة الله: الإيمان به وصحة الاعتقاد في وحدانيته، وترك الإلحاد في صفاته، وإخلاص النية في عبادته، وبذل الطاعة فيما أمر به ونهي عنه، والاعتراف بنعمته والشكر له عليها، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصيحة نفسه، والله غني عن نصح كل ناصحٍ. ومعنى نصيحة الكتاب: الإيمان به، وبأنه كلام الله ووحيه وتنزيله، لا يقدر على مثله أحد من المخلوقين، وإقامة حروفه في التلاوة، والتصديق بوعده ووعيده، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه. وأما النصيحة لرسول الله صلي الله عليه وسلم: فهو التصديق بنبوته، وقبول ما جاء به ودعا إليه، وبذل الطاعة فيما أمر ونهي، والانقياد له، وإيثاره بالمحبة فوق نفسه، ووالده، وولده، والناس أجمعين.
[ ٦ / ٤٣٠ ]
(وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي: من صفات الله وأحواله، يعني: قدرته الباهرة وشدّة بطشه على أعدائه، وأن بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين.
وقيل: لم يسمعوا بقوم حلّ بهم العذاب قبلهم
_________________
(١) ونصيحة الأئمة: أن تطيعهم في الحق، ولا ترى الخروج عليهم إذا جاروا. ونصيحة عامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم في الدنيا والدين". وجماع القول فيه: أن النصيحة هي خلوص المحبة للمنصوح له، والتحري فيما يستدعيه حقه، فلا يبعد أن يدخل في المعنى ما رويناه عن البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر به الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا". ويدخل فيه أيضًا قوله تعالى: (تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا) [التحريم: ٨]، قال: "التوبة النصوح: هي أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم فيأتوا بها على طريقتها، متداركةً للفرطات، ماحيةً للسيئات"، وعلى هذا جميع أعضاء الإنسان، كل على حسب ما خلق لأجله. قوله: (أي: من صفات الله وأحواله). قيل: فيه نظر، لأن الحال صفة سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، تدل على التغير والانفعال، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. والجواب أن المراد بالأحوال: الشؤون التي يبديها، كقوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ) [الرحمن: ٢٩]. وإليه الإشارة بقوله: "وشدة بطشه على أعدائه".
[ ٦ / ٤٣١ ]
فكانوا آمنين لا يعلمون ما علمه نوحٌ بوحي الله إليه، أو أراد: وأعلم من جهة الله أشياء لا علم لكم بها قد أوحي إليّ بها.
[(أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)].
(أَوَعَجِبْتُمْ) الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم. (أَنْ جاءَكُمْ): من أن جاءكم (ذِكْرٌ): موعظةٌ، (مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ): على لسان رجل منكم، كقوله: (ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) [آل عمران: ١٩٤]، وذلك أنهم يتعجبون من نبوّة نوح ﵇ ويقولون: (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين) يعنون إرسال البشر، (ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة) [المؤمنون: ٢٤].
(لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا): ليحذركم عاقبة الكفر وليوجد منكم التقوى، وهي الخشية بسبب الإنذار، (وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ): ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم.
_________________
(١) قوله: (أو أراد: وأعلم من جهة الله). يريد: أن (من) في قوله: (وأعلم من الله): إما بيان (ما) حال منه، أو من العائد المحذوف في الصلة. فالمعنى: وأعلم ما لا تعلمون من صفات الله تعالى، وهي: شدة بطشه على أعدائه. وإنما لم يعلموا لأنهم أول الأمم الهالكة، لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم. أو هو متعلق بقوله: "أعلم"، ابتدائية. فالمعنى ما قال: "وأعلم من جهة الله أشياء لا علم لكم بها"، لأن الوحي إنما يختص بالأنبياء. قوله: (وليوجد منكم التقوى). أي: ليوجد منه الإنذار، وليوجد منكم التقوى. نزلهما منزلة اللازم، وجعل العطف على مجموع (لينذركم) مع اللام، على منوال قوله
[ ٦ / ٤٣٢ ]
[(فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ)].
(وَالَّذِينَ مَعَهُ) قيل: كانوا أربعين رجلًا وأربعين امرأة. وقيل: تسعة، بنوه سامٌ وحامٌ ويافث، وستةٌ ممن آمن به.
فإن قلت: (فِي الْفُلْكِ) بم يتعلق؟ قلت: هو متعلق بـ (مَعَهُ)، كأنه قيل: والذين استقروا معه في الفلك أو صحبوه في الفلك. ويجوز أن يتعلق بفعل الإنجاء، أي: أنجيناهم في السفينة من الطوفان، (عَمِينَ): عُمي القلوب غير مستبصرين، وقرئ: "عامِين". والفرق بين العَمِي والعامي: أن العمي يدل على عمىً ثابت، والعامي على عمىً حادث. ونحوه (قوله وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) [هود: ١٢].
[(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ* قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ* قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا
_________________
(١) تعالى: (ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ عِلْمًا وقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥]، على رأي صاحب "المفتاح". ولهذا قال: "وهي الخشية بسبب الإنذار"، لأن إنذاره مقدم على خشيتهم. قال القاضي: "لينذركم عاقبة الكفر والمعاصي، ولتتقوا منها بسبب الإنذار". قوله: (أن العمى يدل على عمى ثابت) لدلالة الصفة المشبهة على الثبوت، (والعامي على عمىً حادث) لأن اسم الفاعل دونها في الدلالة على الثبوت.
[ ٦ / ٤٣٣ ]
لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ* أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)].
(أَخاهُمْ): واحدًا منهم، من قولك: يا أخا العرب، للواحد منهم، وإنما جعل واحدًا منهم، لأنهم أفهم عن رجلٍ منهم وأعرف بحاله في صدقه وأمانته، وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، و(أخاهم) عطفٌ على (نوحًا) [الأعراف: ٥٩]، و(هُودًا) عطف بيان له.
فإن قلت: لم حذف العاطف من قوله: (قالَ يا قَوْمِ)، ولم يقل: «فقال» كما في قصة نوح؟ قلت: هو على تقدير سؤال سائلٍ قال: فما قال لهم هود؟ فقيل: قال يا قوم اعبدوا الله، وكذلك (قالَ الْمَلَأُ).
_________________
(١) قوله: (لأنهم أفهم عن رجلٍ منهم): أي: أفهم للكلام الصادر عن رجلٍ هو من أنفسهم، من رجلٍ من غيرهم، وأعرف بحاله من حال غيره، كقوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ) [إبراهيم: ٤]، وقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) [التوبة: ١٢٨]. قوله: (على تقدير سؤال سائل): وحاصله: إن كان الفاء رابطًا لفظيًا، فالاستئناف رابط معنوي، كما سبق في أول "البقرة". قال صاحب "الفرائد": "إنما حسن هذا لأن قصة نوح ﵇ ابتداء كلام، فالسؤال غير مقتضى الحال. وأما قصة "هود" فكانت معطوفة على قصة "نوح"، فيمكن أن يقع في خاطر السامع: أقال هود ما قال نوح، أم قال غيره؟ فكانت مظنه أن يسأل: ماذا قال هود لقومه؟ فقيل: قال ما قاله نوح لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ).
[ ٦ / ٤٣٤ ]
فإن قلت: لم وصف الملأ بـ (الَّذِينَ كَفَرُوا) دون الملأ من قوم نوح؟ قلت: كان في أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن سعدٍ الذي أسلم وكان يكتم إسلامه فأريدت التفرقة بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن. ونحوه قوله تعالى: (وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة) [المؤمنون: ٣٣]، ويجوز أن يكون وصفًا واردًا للذمّ لا غير.
(فِي سَفاهَةٍ): في خفة حلمٍ وسخافة عقل، حيث تهجر دين قومك إلى دينٍ آخر، وجعلت السفاهة ظرفًا على طريق المجاز. أرادوا أنه متمكنٌ فيها غير منفك عنها.
_________________
(١) قوله: (فأريدت التفرقة بالوصف): يعني: إنما وصف الملأ من قوم هود، دون قوم نوح، ليمتاز الذين كفروا من الذين آمنوا منهم. ولما لم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن، لم يفتقر إلى التفرقة. قال مولانا الإمام بهاء الدين الكاشي، تغمده الله برحمته: "وفيه نظر، لأن قوله تعالى في سورة "المؤمنين": (فَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) [المؤمنون: ٢٤] وارد في قوم نوح، وهو لا يساعد هذا الجواب. بقي أن يكون وصف ذم". يعني الجواب الأول مدخول، فتعين الجواب الثاني، وهو قوله: "ويجوز أن يكون وصفًا واردًا للذم". وقلت: ويمكن أن يقال: إن اختصاص هذا المقام بالذم دون الأول، لأن هودًا كان
[ ٦ / ٤٣٥ ]
وفي إجابة الأنبياء ﵈ من نسبهم إلى الضلال والسفاهة، بما أجابوهم به، من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة، بما قالوا لهم مع علمهم بأنّ خصومهم أضلّ الناس وأسفههم: أدبٌ حسنٌ وخلقٌ عظيم، وحكاية الله ﷿ ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم.
(ناصِحٌ أَمِينٌ) أي: عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة، فما حقي أن أُتهم، أو: أنا لكم ناصحٌ فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه.
_________________
(١) منهم، لقوله تعالى: (أخاهم)، وكانوا أعرف بحاله أنه أحلم الناس، وأرشدهم سجيةً، وأصدقهم لهجة، فكان جوابهم: (إنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وإنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ) كفرًا وعنادًا، وسترًا للحق، بخلاف قول الملأ من أشراف قوم نوحٍ في هذا المقام. ألا ترى كيف ذمهم في سورة "المؤمنين"، حيث قالوا: (مَا هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (٢٤) إنْ هُوَ إلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) [المؤمنون: ٢٤ - ٢٥]. قوله: (في إجابة الأنبياء) خبر، وقوله: "أدب حسن" مبتدأ، "وترك المقابلة" عطف على "إجابة"، و"بما أجابوهم به" متعلق بـ"إجابة"، والكلام فيه الإدماج المسمى بإشارة النص في الأصول. قوله: «ناصح أمين): أي عرفت فيما بينكم): يشير بهذا إلى أن قوله: (وأنا لكم ناصح أمين) جملة مستأنفه، وقعت معترضة. ثم قوله: "وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين"
[ ٦ / ٤٣٦ ]
(خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) أي: خلفتموه في الأرض، أو جعلكم ملوكًا في الأرض قد استخلفكم فيها بعدهم، (فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً) فيما خلق من أجرامكم ذهابًا في الطول والبدانة، قيل: كان أقصرهم ستين ذراعًا، وأطولهم مئة ذراع، (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ) في استخلافكم وبسطة أجرامكم وما سواهما من عطاياه
_________________
(١) يؤذن أن الواو للحال. ونحوه صرح به في "البقرة" في قوله: (اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وأَنتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٩٢] اعتراضًا وحالًا. قوله: (فيما خلق من أجرامكم): جعل قوله: (في الخلق) ظرفًا لقوله: (وزادكم)، (بصطة): مفعول به. وفسر "البسطة": بالطول والبدانة. قال أبو البقاء: (في الخلق) يجوز أن يكون حالًا من (بصطةً)، وأن يكون متعلقًا بـ"زادكم". واختار القاضي أن يكون حالًا، حيث قال: (وزادكم في الخلق بصطةً): قامةً وقوة. وهو تعميم بعد تخصيص". قوله: «فأذكروا الاء الله): في استخلافكم، وبسطة أجرامكم): يعني: أن المراد بـ (ألاء الله) ما ذكره في قوله تعالى: (واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصْطَةً). كرره تقريرًا وتوكيدًا، ليشكروا تلك النعمة، بتصديق رسوله، وما
[ ٦ / ٤٣٧ ]
وواحد "الآلاء": «إلى» ونحو: إنىً وآناء، وضلعٍ وأضلاع، وعنبٍ وأعناب.
فإن قلت: (إذ) في قوله: (إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ)، ما وجه انتصابه؟ قلت: هو مفعولٌ به وليس بظرف، أي: اذكروا وقت استخلافكم.
_________________
(١) جاء به، فيعبدوا الله، ويوحدوه، ويتركوا العناد والتعجب. وفي ذكر نوح إشارة إلى دفع التعجب، يعني: هذا الذي جئت به ليس ببدع، فاذكروا نوحًا وإرساله إلى قومه، وإلى الوعيد والتهديد. أي: اذكروا إهلاك قومه لتكذيبهم رسول ربهم. قوله: (وواحد "الآلاء": "إلى"): قال الزجاج: "آلاء الله: نعم الله. واحدها: إلى. قال الأعشى: أبيض لا يرهب الهزال، ولا … يقطع رحمًا، ولا يخون إلا واحدها: إلى، وألا، وإلى. قوله: (هو مفعول به وليس بظرف): قال صاحب "الفرائد": "يشكل هذا بقولهم: "إذ" و"إذا"، وقوعهما ظرفين لازم". وأجيب: أن باب الاتساع واسع.
[ ٦ / ٤٣٨ ]
[(قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَاتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ* فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ)].
(أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ) أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة، وترك دين الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء معه، حبًا لما نشؤوا عليه، وإلفًا لما صادفوا آباءهم يتدينون به.
فإن قلت: ما معنى المجيء في قوله: (أَجِئْتَنا)؟ قلت: فيه أوجه: أن يكون لهودٍ ﵇ مكانٌ معتزلٌ عن قومه يتحنث فيه، كما كان يفعل رسول الله ﷺ بحراءٍ قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم.
وأن يريدوا به الاستهزاء، لأنهم كانوا يعتقدون أنّ الله تعالى لا يرسل إلا الملائكة، فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك. وأن لا يريدوا حقيقة المجيء،
_________________
(١) قوله: (يتحنث فيه)، النهاية: "أي: يتعبد. يقال: فلان يتحنث، أي: يفعل فعلًا يخرج به من الإثم، كما يقال: يتأثم ويتحرج: إذا فل ما يخرج به من الإثم والحرج". قوله: (فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء؟): فإن قلت: أين قرينة هذا المجيء؟ قلت: إنهم لما استبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة، بنوا الأمر على المحال، كقوله تعالى: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام: ١٢٥]، فإثبات المجيء حينئذٍ على الحقيقة استهزاء.
[ ٦ / ٤٣٩ ]
ولكن التعرّض بذلك والقصد، كما يقال: ذهب يشتمني، ولا يراد حقيقة الذهاب، كأنهم قالوا: أقصدتنا لنعبد الله وحده وتعرّضت لنا بتكليف ذلك؟
(فَاتِنا بِما تَعِدُنا) استعجالٌ منهم للعذاب.
(قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ) أي: حق عليكم ووجب، أو قد نزل عليكم. جعل المتوقع الذي لا بدّ من نزوله بمنزلة الواقع،
_________________
(١) قوله: «قد وقع عليكم): أي: حق عليكم ووجب): يعني: استعمال (وقع) في الرجس والغضب مجاز من الوجوب الذي هو اللزوم، من إطلاق السبب، كاستعمال الوجوب الشرعي، لأنه في الأصل للوقوع. قال تعالى: (فَإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) [الحج: ٣٦]. قال المصنف: "وجوب الجنوب: وقوعها على الأرض". ويجوز أن يكون استعارة تبعية، شبه تعلق الغضب والرجس بهم، بنزول جسم من علو إلى سفل. وهو المراد من قوله: "أو قد نزل عليكم".
[ ٦ / ٤٤٠ ]
ونحوه قولك لمن طلب إليك بعض المطالب: قد كان ذلك.
وعن حسان: أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبورٌ وهو طفل، فجاء يبكي، فقال له يا بني مالك؟ قال: لسعني طويرٌ كأنه ملتفٌ في بردي حبرة، فضمه إلى صدره وقال له: يا بني، قد قلت الشعر.
والرجس: العذاب، من الارتجاس، وهو الاضطراب، (فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها): في أشياء ما هي إلا أسماءٌ ليس تحتها مسميات، لأنكم تسمونها آلهة، ومعنى الإلهية فيها معدومٌ محالٌ وجوده، وهذا كقوله تعالى: (ما تدعون من دونه من شيء) [العنكبوت: ٤٢]، ومعنى (سَمَّيْتُمُوها): سميتم بها، من قولك: سميته زيدًا.
_________________
(١) قوله: (لمن طلب إليك بعض المطالب): أي: احتاج إليك في الطلب. وفيه تضمين. قوله: (في بردي حبرة): النهاية: "الحبير من البرود: ما كان موشيًا مخططًا. يقال: برد خبير، وبرد حبرة - بوزن: عنبة - على الوصف والإضافة، وهو برد يمانٍ". قوله: (قد قلت الشعر): لما لفق ابنه هذه الألفاظ، توقع منه أنه سيقوله. فجعل المتوقع كالواقع، فقال: "قد قلت" على الماضي.
[ ٦ / ٤٤١ ]
وقطعُ دابرهم: استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم، وقصتهم: أن عادًا قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت. وكانت لهم أصنام يعبدونها، صداء. وصمود، والهباء، فبعث الله إليهم هودًا نبيًا، وكان من أوسطهم وأفضلهم حسبًا، فكذبوه وازدادوا عتوًّا وتجبرًا، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا، وكان الناس إذا نزل بهم بلاءٌ طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه عند بيته المحرّم، مسلمهم ومشركهم، وأهل مكة إذ ذاك العماليق؛ أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيدهم معاوية بن بكر، فجهزت عادٌ إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلًا، منهم قيل ابن عنز، ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه، فلما قدموا نزلوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر مكة خارجًا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان- قينتان كانتا لمعاوية - فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له أهمه ذلك، وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري، وهؤلاء على ما هم عليه، وكان يستحي أن يكلمهم؛ خيفة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه، فذكر ذلك للقينتين، فقالتا: قل شعرًا نغنيهم به لا يدرون من قاله، فقال معاوية:
ألا يا قيل ويحك قم فهينم … لعلّ الله يسقينا غماما
فيسقي أرض عادٍ إن عادًا … قد امسوا ما يبينون الكلاما
_________________
(١) قوله: (فهينم)، الهينمة: إخفاء الكلام. وهاهنا: عبارة عن الدعاء. قوله: (يسقينا غمامًا): أي: غيثًا. قوله: (ما يبينون الكلاما) أي: لا يفقهون قولًا من ضعفهم.
[ ٦ / ٤٤٢ ]
فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله سقيتم، وأظهر إسلامه، فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثدًا لا يقدمنّ معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله تعالى سحاباتٍ ثلاثًا: بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه منادٍ من السماء:
يا قيل، اختر لنفسك ولقومك، فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهنّ ماءً، فخرجت على عادٍ من وادٍ لهم يقال له: المغيث، فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم منها ريحٌ عقيمٌ فأهلكتهم، ونجا هودٌ ﵇ والمؤمنون معه، فأتوا مكة، فعبدوا الله فيها حتى ماتوا.
فإن قلت: ما فائدة نفي الإيمان عنهم في قوله: (وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ) مع إثبات التكذيب بآيات الله؟ قلت:
هو تعريضٌ بمن آمن منهم، كمرثد بن سعد، ومن نجا مع هودٍ ﵇، كأنه قال: وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم ولم يكونوا مثل من آمن منهم، ليؤذن أنّ الهلاك خص المكذبين، ونجى الله المؤمنين.
_________________
(١) قوله: (هو تعريض بمن آمن منهم): يعني: إذا سمع المؤمن أن الهلاك اختص بالمكذبين، وعلم أن سبب النجاة هو الإيمان، تزيد رغبته فيه، ويعظم قدره عنده. ونظيره في اعتبار شرف الإيمان قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ) إلى قوله: (ويُؤْمِنُونَ بِهِ) [غافر: ٧]. وحملة العرش ليسوا ممن لا يؤمنون، لكن ذكر الإيمان لشرفه والترغيب فيه.
[ ٦ / ٤٤٣ ]
[(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)].
قرئ: (وَإِلى ثَمُودَ) بمنع الصرف بتأويل القبيلة، و"إلى ثمودٍ" بالصرف بتأويل الحيّ، أو باعتبار الأصل؛ لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: سميت ثمود لقلة مائها، من الثمد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحِجْرَ بين الشام والحجاز إلى وادي القرى.
(قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ): آيةٌ ظاهرةٌ وشاهدٌ على صحة نبوّتي، وكأنه قيل: ما هذه البينة؟ فقال: (هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً)، و(آيةً) نصبٌ على الحال، والعامل فيها ما دل عليه اسم الإشارة من معنى الفعل، كأنه قيل: أشير إليها آية.
و(لكم) بيانٌ لمن هي له آيةٌ موجبةٌ عليه الإيمان خاصة وهم ثمود، لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا عنها وليس الخبر كالمعاينة، كأنه قال: لكم خصوصًا.
_________________
(١) قوله: (أخو إدريس) في بعض النسخ بعد ذكر نسب ثمود، وهو خطأ. ويعلم من انتسابه نوحًا قبيل هذا. قوله: (لمن هي له آية موجبة عليه): اللام في "لمن" صلة "بيان"، و"من" موصولة، وصلتها الجملة، وقوله: "هي": مبتدأ، "آية موجبة": خبر، و"له": حال من "آية"، والجملة صلة الموصول.
[ ٦ / ٤٤٤ ]
وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيما لها وتفخيما لشأنها، وأنها جاءت من عنده مكوّنة من غير فحلٍ وطروقةٍ آيةً من آياته، كما تقول: آية الله.
وروي أن عادًا لما أهلكت عمرت ثمود بلادها، وخلفوهم في الأرض وكثروا، وعمروا أعمارًا طوالًا، حتى إن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في سعةٍ ورخاءٍ من العيش، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم صالحًا ﵇،
_________________
(١) قوله: (مكونةً) أي: موجودة، لكن من غير واسطة، كما قيل لعيسى "كلمة". قوله: (وطروقةٍ)، الجوهري: "يقال: ناقة طروقة الفحل، للتي بلغت أن يضربها الفحل"، "وناقة مخترجة: إذا خرجت على هيئة الجمل". الراغب: "الطرق في الأصل: الضرب، إلا أنه أخص، لأنه ضرب يوقع بطرق الحديد بالمطرقة، ويتوسع فيه توسعهم في الضرب. ومنه قيل: طرق الفحل الناقة، وأطرقها، واستطرقت فلانًا فحلًا. ويقال للناقة: طروقة". قوله: (آية من آياته): حال من ضمير "جاءت"، وكذا "مكونة"، والظاهر أنها حال من ضمير "مكونة" متداخلة. وذكر المصنف في سورة "هود" "أن (لكم): حال من (آية)، وكانت: صفة، فقدمت، وصارت حالًا".
[ ٦ / ٤٤٥ ]
وكانوا قومًا عربًا، وصالحٌ من أوسطهم نسبًا، فدعاهم إلى الله تعالى، فلم يتبعه إلا قليلٌ منهم مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آيةً، فقال: أية آيةٍ تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة، فتدعوا إلهك وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب لنا اتبعتنا، فقال صالح: نعم، فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الاستجابة فلم تجبهم، ثم قال سيدهم جندع بن عمرو- وأشار إلى صخرةٍ منفردةٍ في ناحية الجبل يقال لها: الكاثبة -: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجةً جوفاء وبراء - والمخترجة: التي شاكلت البُختَ-، فإن فعلت صدّقناك وأجبناك، فأخذ صالحٌ ﵇ عليهم المواثيق: لئن فعلت ذلك لتؤمننّ ولتصدّقنّ! قالوا: نعم، فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقةٍ عشراء جوفاء وبراء. كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى، وعظماؤهم ينظرون، ثم نتجت ولدًا مثلها في العظم فآمن به جندعٌ ورهطٌ من قومه، ومنع أعقابهم ناسٌ من رؤوسهم أن يؤمنوا، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء، وكانت ترد غبًا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر
_________________
(١) وقريب منه معنى ما قاله هنا: "و(لكم): بيان لمن هي له آية". قال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون (لكم) حالًا من (آيةً). ويجوز أن يكون (ناقة الله) بدلًا من (هذه)، أو عطف بيان، و(لكم) الخبر. ويجوز أن يعمل في (أية): (لكم). وجاز أن يكون (آية) حالًا، لأنها بمعنى علامة ودليلًا". قوله: (وسألوها) أي: سألوا الأصنام أن تستجيب دعاءهم، أي: تجيب. قال تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) [آل عمران: ١٩٥].
[ ٦ / ٤٤٦ ]
فما ترفعه حتى تشرب كلّ ماء فيها، ثم تتفحج فيحتلبون ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون ويدخرون.
قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستين ذراعًا.
وكانت الناقة إذا وقع الحرّ تصيفت بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم، فتهبط إلى بطنه، وإذا وقع البرد تشتت بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم وزينت عقرها لهم امرأتان: عنيزة أمّ غنم، وصدقة بنت المختار، لما أضرّت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي، فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه، فانطلق سقبها حتى رقي جبلًا اسمه قارة، فرغى ثلاثًا، وكان صالحٌ قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه وانفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها. فقال لهم صالح: تصبحون غدًا ووجوهكم مصفرّة، وبعد غدٍ ووجوهكم محمرةٌ، واليوم الثالث ووجوهكم مسودّة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحةٌ من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا.
_________________
(١) قوله: (ثم تتفحج) بالفاء، والحاء المهملة، والجيم بعدها. نقل الجوهري عن أبي عمرو: "والتفحج مثل: التفشج: وهو أن يفرج بين رجليه". قوله: (تصيفت): أي: تلبثت بالصيف. و"تشتت": إذا تلبثت بالشتاء. قوله: (سقبها). السقب: الذكر من أولاد الإبل. "تحنطوا": أي: اتخذوا حنوطًا. والحنوط: الذريرة. "لا تريبوها"، من قولهم: "رابني فلان: إذا رأيت منه ما يسوؤك وتكرهه".
[ ٦ / ٤٤٧ ]
(تأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) أي: الأرض أرض الله والناقة ناقة الله، فذروها تأكل في أرض ربها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم، (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ): لا تضربوها ولا تطردوها ولا تريبوها بشيءٍ من الأذى، إكرامًا لآية الله.
ويروى: أنّ رسول الله ﷺ حين مر بالحِجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: «لا يدخلنّ أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائها، ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم». وقال ﷺ: «يا عليّ، أتدري من أشقى الأوّلين»؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: «عاقر ناقة صالح، أتدري من أشقى الآخرين»؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال «قاتلك».
_________________
(١) قوله: (أي: الأرض أرض الله، والناقة ناقة الله): فإن قلت: هذه الإضافة آذنت بالاختصاص، وقد قدر فيما سبق أن الإضافة في (ناقة الله) للتعظيم والتفخيم، ولا ارتياب أن الإضافة في (أرض الله) غير مطلوبٍ منها التعظيم، بل الاختصاص، فأين التطابق؟ قلت: الاختصاص لا يدفعه التعظيم. قوله: (ويروى: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم): الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن ابن عمر قال: "لما مر رسول الله صلي الله عليه وسلم بالحجر"، قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين". ثم قنع رأسه، وأسرع السير، حتى جاز الوادي. أما رواية الكتاب. "باكين أن يصيبكم" فمعناه: خائفين أن يصيبكم مثل ما أصابهم. قوله: (يا علي، أتدري من أشقى الأولين؟): وروى ابن عبد البر في "الاستيعاب" عن
[ ٦ / ٤٤٨ ]
وقرأ أبو جعفر - في رواية-: "تأكل في أرض الله"، وهو في موضع الحال بمعنى آكلة.
(وَبَوَّأَكُمْ): ونزلكم، والمباءة: المنزل (فِي الْأَرْضِ): في أرض الحِجرِ بين الحجاز والشام، (مِنْ سُهُولِها قُصُورًا) أي: تبنونها من سهولة الأرض بما تعملون منها من الرهص واللبن والآجر. وقرأ الحسن: "وتنحتون" بفتح الحاء، و"تنحاتون" بإشباع الفتحة، كقوله:
_________________
(١) النسائي، من حديث عمار بن ياسر، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال لعلي ﵁: "أشقى الناس الذي قتل الناقة، والذي يضربك على هذا" - ووضع يده على رأسه - "حتى يخضب هذه" يعني: لحيته. قوله: (من الرهص واللبن): الرهص: "العرق الأسفل من الحائط. كذا في "الأساس". والذي يوافق قول المصنف ما في "المغرب": "الرهص: الطين الذي يجعل بعضه على بعض". "من) - في "من سهولة الأرض" -: بيان "ما" في "بما تعملون منها"، والباء - في "بما تعملون" - متعلقة بـ"تبنونها"، كما تقول: بنيت الدار بالحص والآجر والطين. قال أبو البقاء: " (من سهولها): حال من (قصورًا)، أو مفعولًا ثانيًا لـ (تتخذون) ".
[ ٦ / ٤٤٩ ]
يَنْبَاعُ مِنْ ذَفْرَى أَسِيلٍ حُرَّةٍ
فإن قلت: علام انتصب (بُيُوتًا)؟ قلت: على الحال، كما تقول: خط هذا الثوب قميصًا وأبر هذه القصبة قلمًا، وهي من الحال المقدّرة، لأن الجبل لا يكون بيتًا في حال النحت، ولا الثوب ولا القصبة قميصًا وقلما في حال الخياطة والبري.
وقيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء.
[(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ* قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ* فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ* فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ* فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)].
_________________
(١) قوله: (ينباع من ذفرى أسيلٍ حرةٍ): تمامه: زيافةٍ مثل الفنيق المكدم البيت لعنترة. ينباع: أصله: ينبع، فأشبع الفتحة لإقامة الوزن، فتولدت ألف، أي: يسيل. والذفري من القفا: هو الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن، ولا ينون، لأن ألفها للتأنيث. والأسيل: صفة الناقة. يقال: خد أسيل، إذا كان لينًا طويلًا. والحر من كل شيء: خالصه وجيده.
[ ٦ / ٤٥٠ ]
(لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا): للذين استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم، و(لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) بدلٌ من "الذين استضعفوا".
فإن قلت: الضمير في (منهم) راجعٌ إلى ماذا؟ قلت: إلى (قَوْمِهِ) أو إلى "اِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا".
فإن قلت: هل لاختلاف المرجعين أثرٌ في اختلاف المعنى؟ قلت: نعم، وذلك أن الراجع إذا رجع إلى (قومه) فقد جعل "مَنْ آمَنَ" مفسرًا لـ"من استضعف منهم"، فدل أن استضعافهم كان مقصورًا على المؤمنين، وإذا رجع إلى "الذين استضعفوا"، لم يكن الاستضعاف مقصورًا عليهم، ودلّ أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين.
(أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) شيءٌ قالوه على سبيل الطنز والسخرية، كما تقول للمجسمة: أتعلمون أن الله فوق العرش؟
_________________
(١) والزيافة من النوق: المختالة. والزيف: التبختر. الفنيق: الفحل المكرم، والمكدم: المعضوض. يقال: ما بالبعير كدمة، أي: لم يكن به وسم ولا أثر. يصف ناقةً يسيل العرق من خلف أذنيها، مؤثقة الخلق، شديدة التبختر، مثل فحل الإبل قد كدمته الفحول. قوله: (فقد جعل "من آمن" مفسرًا لـ"من استضعف منهم"): قال القاضي: " (لمن آمن منهم): يدل من (للذين استضعفوا)، بدل الكل، إذا رجع الضمير إلى (قولمه)، وإذا رجع إلى (للذين استضعفوا) بدل البعض"، لوجود الضمير حينئذ.
[ ٦ / ٤٥١ ]
فإن قلت: كيف صحّ قولهم: (إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) جوابًا عنه؟ قلت: سألوهم عن العلم بإرساله، فجعلوا إرساله أمرًا معلومًا مكشوفًا مسلمًا لا يدخله ريب، كأنهم قالوا: العلم بإرساله وبما أرسل به ما لا كلام فيه ولا شبهة تدخله لوضوحه وإنارته، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به، فنخبركم أنا به مؤمنون، ولذلك كان جواب الكفرة (إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) فوضعوا (آمَنْتُمْ بِهِ) موضع (أُرْسِلَ بِهِ) ردًا لما جعله المؤمنون معلوما وأخذوه مسلمًا.
_________________
(١) قوله: (سألوهم عن العلم بإرساله): حاصل الجواب أنه من باب الأسلوب الحكيم، وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب. قوله: (إنما الكلام في وجوب الإيمان به) أي: لا تسألوا عن العلم بإرساله، بل سلوا: هل يجب الإيمان به لأنه الأهم بشأنكم؟ فإن قلت: من أين دل الجواب على وجوب الإيمان به؟ قلت: من حيث إن أصل السؤال: أتعلمون أن صالحًا مرسل ثابت الرسالة بالدليل، فيجب الإيمان به عليكم وعلينا؟ فالجواب: نعم: علمنا وحققنا ثبوت رسالته بدعواه وإظهار المعجزة عليها، فنحن آمنا به وبما أرسل به من البينات، فأنتم أيضًا آمنوا به، فعدلوا عن ظاهر الجواب إلى ما تراه لتلك النكتة التي ذكرها المصنف، والقوم لما كانوا منكرين رسالة البشر تكبرًا وعنادًا، كما قالوا: (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) [المؤمنون: ٤٧] ما أنصفوا، وقالوا: (إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ). قوله: (ولذلك كان جواب الكفرة): أي: ولأجل أنهم ساقوا الكلام في وجوب الإيمان به، دون الإرسال، وكونه مرسلًا، قالت الكفرة: (إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ). فإنهم
[ ٦ / ٤٥٢ ]
(فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) أُسند العقر إلى جميعهم، لأنه كان برضاهم وإن لم يباشره إلا بعضهم، وقد يقال للقبيلة الضخمة: أنتم فعلتم كذا، وما فعله إلا واحد منهم، (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ): وتولوا عنه واستكبروا عن امتثاله عاتين، و"أمر ربهم": ما أمر به على لسان صالح ﵇ من قوله: (فَذَرُوها تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) [الأعراف: ٧٣]، أو شأن ربهم وهو دينه. ويجوز أن يكون المعنى: وصدر عتوّهم عن أمر ربهم، كأن أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوّهم. ونحو "عن" هذه ما في قوله (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف: ٨٢].
_________________
(١) أيضًا عدلوا عن الظاهر، لأن جوابهم المطلق: إنا بالذي أرسل به كافرون. أي: ليس الأمر كما قلتم بأن الكلام في وجوب الإيمان به. قال في "الانتصاف": "لو طابقوا، لقالوا: إنا بالذي أرسل به لكافرون، لكن عدلوا عن ذلك، لما فيه من إثبات رسالته، وهم يحجدونها، وقد ثبت مثل ذلك على وجه التهكم، كما قال: (إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء: ٢٧]. لكن هؤلاء بالغوا في التحرز حذرًا من النطق بثبوت الرسالة". قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: وصدر عتوهم): عطف على قوله: "وتولوا عنه". يريد أن الأمر في قوله: (عن أمر ربهم) إما بمعنى واحد الأوامر، أو واحد الأمور. فإن كان الأول، (فعتوا) إما مضمن لمعنى "التولي"، فالمعنى: تولوا واستكبروا عن امتثال أمرٍ عاتين. أو مضمن لمعنى الإصدار، فالمعنى: صدر عتوهم عن أمر ربهم. وسببه لأنه تعالى لما أمرهم بقوله: (فذروها تأكل في أرض الله) ابتلاءً، وهم ما امتثلوا الأمر، فصاروا عاتين لذلك. ولولا ذلك الأمر ما ترتب العتو.
[ ٦ / ٤٥٣ ]
(ائْتِنا بِما تَعِدُنا) أرادوا: من العذاب، وإنما جاز الإطلاق لأنه كان معلومًا، واستعجالهم له لتكذيبهم به، ولذلك علقوه بما هم به كافرون، وهو كونه من المرسلين.
(الرَّجْفَةُ): الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها (فِي دارِهِمْ): في بلادهم أو في مساكنهم (جاثِمِينَ): هامدين لا يتحركون موتى. يقال: الناس جُثمٌ، أي: قعودٌ لا حراك بهم ولا ينبسون نبسة، ومنه: المجثمة التي جاء النهي عنها، وهي البهيمة تربط وتجمع قوائمها لترمى.
_________________
(١) وإن كان الثاني، فالمعنى: تولوا واستكبروا عن شأن الله، أي: دينه. قوله: (واستعجالهم له) أي: للعذاب، لأجل تكذيبهم بالعذاب، لأن من حق من خاف النازلة، حذر واحترز، فضلًا عن أن يستعجل نزولها. والدليل على أن استعجالهم كان للتكذيب تعليقهم استعجال العذاب، أي: بقوله: (إن كنت من المرسلين)، وقد أنكروا أنه من المرسلين، في قولهم: (إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ). قوله: (لا ينبسون)، الجوهري: "ما نبس بكلمة، أي: ما تكلم". قوله: (المجثمة) بفتح الثاء المثلثة. المغرب: "هي بالفتح: ما يجثم، ثم يرمي حتى يقتل. وعن عكرمة: هي الشاة ترمى بالنبل. وعن شمر: بالحجارة. وقيل: إنها في الطير خاصة، والأرانب، وأشباه ذلك.
[ ٦ / ٤٥٤ ]
وعن جابر: أنّ النبي ﷺ لما مر بالحِجر قال: «لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فأخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم إلا رجلٌ واحدٌ كان في حرم الله. قالوا: من هو؟ قال: ذاك أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه». وروي: أنّ صالحًا كان بعثه إلى قوم، فخالف أمره. وروي: أنه ﵇ مرّ بقبر أبي رغالٍ فقال: «أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فذكر قصة أبي رغال، وأنه دفن هاهنا ودفن معه غصنٌ من ذهب، فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن.
(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ) الظاهر أنه كان مشاهدًا لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم بعد ما أبصرهم جاثمين، تولي مغتمّ متحسرٍ على ما فاته من إيمانهم، يتحزن لهم ويقول: يا قَوْمِ لَقَدْ بذلت فيكم وسعي، ولم آل جهدًا في إبلاغكم والنصيحة لكم، ولكنكم (لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)،
_________________
(١) قوله: (قال: أبو رغال). روى أبو داود عن ابن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال صلي الله عليه وسلم: "هذا قبر أبي رغال، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه. وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهبٍ، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه" فابتدر الناس، فاستخرجوا الغصن. قوله: (ولم آل جهدًا)، الجوهري: "ألا يألو، أي: قصر. وفلان لا يألوك نصحًا، فهو آلٍ، والمرأة آلية".
[ ٦ / ٤٥٥ ]
ويجوز أن يتولى عنهم تولي ذاهبٍ عنهم، منكرٍ لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب.
وروي: أنّ عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء، ونزل بهم العذاب يوم السبت. وروي: أنه خرج في مئةٍ وعشرةٍ من المسلمين وهو يبكي، فالتفت، فرأى الدخان ساطعًا، فعلم أنهم قد هلكوا، وكانوا ألفًا وخمس مئة دار. وروي: أنه رجع بمن معه، فسكنوا ديارهم.
فإن قلت: كيف صحّ خطاب الموتى وقوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)؟ قلت: قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت- وكان قد نصحه حيًا فلم يسمع منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة-: يا أخي، كم نصحتك، وكم قلت لك فلم تقبل منى! وقوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) حكاية حالٍ ماضية.
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يتولى عنهم تولى ذاهبٍ عنهم، منكرٍ) فعلى هذا: الخطاب مع القوم، يؤيده قوله: "حين رأى العلامات قبل نزول العذاب". والأول هو الظاهر، لترتب التولي بالفاء على (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وهو المناسب منه ﵇، وأنه من العرب، ومن عادتهم البكاء على الديار وأهلها. وعليه يرد السؤال الآتي: "كيف صح خطاب الموتى؟ ". قوله: (وكانوا ألفًا وخمس مئة دار) أي: كانت دورهم ألفًا وخمس مئة، فحذف المضاف، فانقلب الضمير المجرور مرفوعًا. كما مر في قوله: (والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِدًا) [الأعراف: ٥٨]، أي: لا يخرج نباته. قوله: (حكاية حالٍ ماضية) وكان من حق الظاهر أن يقال: نصحت لكم ولكن ما قبلتم نصحي، فعدل من الماضي إلى المضارع لاستحضار تلك الحالة التي وقعت فيها النصيحة،
[ ٦ / ٤٥٦ ]
[وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ* إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ* وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ* فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ* وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)].
(وَلُوطًا) وأرسلنا لوطًا، و(إِذْ) ظرف لـ (أرسلنا). أو: واذكر لوطًا، و(إذ) بدلٌ منه، بمعنى: واذكر وقت (قالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ): أتفعلون السيئة المتمادية في القبح؟ (ما سَبَقَكُمْ بِها): ما عملها قبلكم، والباء للتعدية،
_________________
(١) فأبوا إلا بغضها؛ تعجبًا منه وتعجيبًا لغيره من عدم القبول إلى المحبة، مبالغًا في الإصرار على الكفر، ومن الإفراد إلى الجمع المحلى باللام إيذانًا بأن ذلك كان دأبهم وعادتهم، وأنهم لا يقبلون نصح ناصحٍ، ومن ثم ما قبلوا نصحه. قوله: (أو: واذكر لوطًا) على هذا عطف جملة القصة على مثلها. وعلى الأول: هو من عطف بعض مفردات الجملة على مثله، أي: لقد أرسلنا نوحًا ولوطًا. وقوله: " (إذ) ظرف لـ (أرسلنا) " معناه: الزمان أو القرن الذي أرسل فيه لوط. وقيل: إن الوقت الحقيقي لقوله: (أتأتون الفاحشة) هو الجزء المعين من الزمان الذي وقع فيه هذا الكلام. وذلك الجزء لا يصح أن يكون ظرفًا للإرسال. لكن كما أن ذلك الجزء زمان هذا القول، فكذلك ذلك اليوم، وذلك الشهر، وتلك السنة، وذلك القرن، فيتحقق من هذا التقرير معنى الأثر الحقيقي وغير الحقيقي. وعلى عطف القصة على القصة، و(إذ) بدل، يكون أفيد، وذلك أن ذكر الأنبياء لتثبيت
[ ٦ / ٤٥٧ ]
من قولك: سبقته بالكرة، إذا ضربتها قبله. ومنه قوله ﵇: «سبقك بها عكاشة». (مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) (من) الأولى: زائدةٌ لتوكيد النفي، وإفادة معنى الاستغراق، والثانية للتبعيض.
_________________
(١) قلب الرسول ﷺ بتسليته مما يقاسي عن قومه. أي: اذكر تلك الحالة، وصورها في نفسك، لتعلم أن الأنبياء السالفة درجوا على ما أنت عليه مع القوم. قوله: (سبقك بها عكاشة): عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر". فقام عكاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال صلي الله عليه وسلم: "اللهم اجعله منهم". ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "سبقك بها عكاشة". قال صاحب "الجامع": عكاشة: بضم العين وتشديد الكاف وتخفيفها، والتشديد أكثر، ومحصن: بكسر الميم". قوله: (والثانية للتبعيض). فتكون بدلًا من محل (من أحدٍ)، أي: ما سبقكم بها بعض العالمين، أي: أنتم تفردتم بهذا الفعل من بين من عداكم من العالمين. قال في قوله تعالى: (أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ) [الشعراء: ١٦٥]: "أراد بالعالمين: الناس. أي: أتأتون من بين أولاد آدم - على فرط كثرتهم، وغلبة إناثهم - ذكرانهم؟ أو: أتأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران؟ ".
[ ٦ / ٤٥٨ ]
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: هي جملةٌ مستأنفة، أنكر عليهم أوّلًا بقوله: (أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ)، ثم وبخهم عليها فقال: أنتم أوّل من عملها.
أو على أنه جواب لسؤالٍ مقدّر، كأنهم قالوا: لم لا نأتيها؟ فقال: (ما سبقكم بها أحدٍ)، فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به.
(إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجالَ) بيانٌ لقوله: (أتأتون الفاحشة)، والهمزة مثلها في (أَتَاتُونَ) للإنكار والتعظيم. وقرئ: (إنكم) على الإخبار المستأنف. (لتأتون الرجال)، من: أتى المرأة؛ إذا غشيها.
(شَهْوَةً) مفعولٌ له، أي: للاشتهاء لا حامل لكم عليه إلا مجرّد الشهوة من غير داع آخر، ولا ذم أعظم منه، لأنه وصفٌ لهم بالبهيمية، أنه لا داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل ونحوه، أو حالٌ بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين
_________________
(١) قوله: (هي جملة مستأنفة) أي: مبتدأة، مؤكدة لمعنى الإنكار، على سبيل التتميم والمبالغة فيه. أي: ما كفاكم ارتكاب هذه الفاحشة، حتى كنتم مقتدين فيها؟ كقولها: وإن صخرًا لتأتم الهداة به … كأنه علم في رأسه نار وإنما قلنا: مبتدأة، ليعلم أن معنى قوله: "مستأنفة" وارد على اللغة لا على الاصطلاح، لقوله بعد ذلك: "أو على أنه جواب لسؤال مقدر"، وذلك هو المستأنفة المصطلحة. قوله: (وقرئ: (إنكم) على الإخبار): نافع وحفص. قوله: (أو حال بمعنى: مشتهين): وفرق بين أن يكون (شهوةً) حالًا، وبين أن يكون مفعولًا له؛ وذلك أن قضاء الشهوة في نفسه مسترذل سمج، لكن إذا جعل وسيلة إلى طلب
[ ٦ / ٤٥٩ ]
إلى السماجة، (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وتدعوا إلى اتباع الشهوات، وهو أنهم قومٌ عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء، فمن ثم أسرفوا في باب قضاء الشهوة، حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد، ونحوه: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) [الشعراء: ١٦٦].
(وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا) يعني: ما أجابوه بما يكون جوابًا عما كلمهم به لوطٌ ﵇؛ من إنكار الفاحشة، وتعظيم أمرها، ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله،
_________________
(١) الولد، وتكثير النسل، وذريعة إلى التعفف والتخلي للعبادة، كان محمودًا. فإذا قدر أنها حال، كان المطلوب مجرد الذم، والجري على الطبيعة. ولهذا قال: "تابعين الشهوة، غير ملفتتين إلى السماجة". وإذا قدر أنها مفعول له، يعود معناه إلى تقبيح توخي قلب الحكمة، لأن الحكمة في وضعها: أن تكون ذريعة إلى بقاء النوع، وتكثير النسل، ووسيلةً إلى التعفف، والتخلي للعبادة. فإذا جعل الغرض الأصلي هو الشهوة، كان أسمج وأقبح من طلب مجرد الشهوة. ولذلك قال: "ولا ذم أعظم منه". وقيل: قوله: "لأنه وصف لهم بالبهمية" يوهم ألا يكون على الحال وصفًا، وليس كذلك. وأجيب: بأن المراد - على الأول - أنهم جمعوا بين الوصف بالبهمية، والوصف بأنه "لا داعي لهم من جهة العقل البتة" بخلاف الثاني، فإنه ساكت عن القصد وعدمه.
[ ٦ / ٤٦٠ ]
ولكنهم جاؤوا بشيءٍ آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته؛ من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم، ضجرًا بهم وبما يسمعونهم من وعظهم ونصحهم.
وقولهم: (إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ) سخريةٌ بهم وبتطهرهم من الفواحش، وافتخارًا بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذا المتزهد.
(وَأَهْلَهُ): ومن يختص به من ذويه، أو من المؤمنين، (مِنَ الْغابِرِينَ): من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فهلكوا، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث. وكانت كافرة مواليةً لأهل سدوم. وروي: أنها التفتت فأصابها حجرٌ فماتت.
وقيل: كانت المؤتفكةُ خمس مدائن. وقيل: كانوا أربعة آلافٍ بين الشام والمدينة، فأمطر الله عليهم الكبريت والنار
_________________
(١) قوله: (ومن معه من المؤمنين) عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. وإنما جاز لأنه عطف على محل الضمير، لأنه منصوب على المفعولية، فليس بمتصلٍ بالمضاف اتصال الضمير المجرور في قوله تعالى: (تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ) [النساء: ١] وسبق الكلام فيه، في قوله تعالى: (كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة: ٢٠٠]. قوله: (وكانت كافرةً مواليةً): الواو: للحال. و"قد": مقدرة، والعامل: "تغليب الذكور". ويروى: "فكانت" بالفاء، والمعنى: قدرناها بين الذين غبروا، فالحال أنها كافرة. قوله: (وروي أنها التفتت، فأصابها حجر، فماتت): عطف على قوله: "من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فهلكوا".
[ ٦ / ٤٦١ ]
وقيل: خسف بالمقيمين منهم، وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم. وقيل: أمطر عليهم ثم خسف بهم. وروي: أن تاجرًا منهم كان في الحرم، فوقف له الحجر أربعين يومًا حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه.
فإن قلت: أي: فرقٍ بين "مطر" و"أمطر"؟ قلت: يقال: مطرتهم السماء ووادٍ ممطور. وفي "نوابغ الكلم": حرى غير ممطور. حريٌّ أن يكون غير ممطور. ومعنى مطرتهم: أصابتهم بالمطر،
_________________
(١) هذا مبني على ما قاله في سورة "هود": "وفي إخراجها مع أهله روايتان: روي أنه أخرجها معهم، وأمر ألا يلتفت منهم أحد إلا هي، فالتفتت، فأصابها الحجر. وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها، فلم يسر بها". وفيه بحث سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله: (وشذاذهم)، الجوهري: "شذاذ الناس: الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم". قلت: يعني قوله: "أمطرت عليهم كذا" مطلق، يحتمل الخير والشر، وليس كذلك، لأن المصنف جعل هذا المثال مقدمة للأمثلة بعده، وهي في الشر. قوله: (حرى)، الجوهري: "الحرى - بفتح الحاء، مقصورًا - الساحة، والعقوة، والناحية. ويقال: هو حرى أن يفعل ذلك - بالفتح - أي: خليق جدير. لا يثنى ولا يجمع". قوله: (غير مطور) هو: من قولهم: لا يطور حوله، أي: لا يأتيه.
[ ٦ / ٤٦٢ ]
كقولهم: غاثتهم ووبلتهم وجادتهم ورهمتهم. ويقال: أمطرت عليهم كذا، بمعنى: أرسلته عليهم إرسال المطر. (فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) [الأنفال: ٣٢]، (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) [الحجر: ٧٤].
ومعنى (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا): وأرسلنا عليهم نوعًا من المطر عجيبًا، يعني: الحجارة، ألا ترى إلى قوله: (فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) [الشعراء: ١٧٣].
[(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ
_________________
(١) النهاية: "وفي حديث علي ﵁: "والله لا أطور به ما سمر سمير"، أي: لا أقربه أبدًا". قوله: (ورهمتهم)، الأساس: "وقعت رهمته: مطرة لينة صغيرة القطر". قوله: (ويقال: أمطرت عليهم كذا): عطف على: "يقال: مطرتهم السماء". الانتصاف: "قصده الرد على من قال: "مطر" في الخير، و"أمطر" في الشر. فبين أن "أمطر" بمعنى أرسل إرسال المطر، خيرًا كان أو شرًا، لكن اتفق أن السماء لم ترسل شيئًا يشبه المطر، إلا كان عذابًا، فمن هاهنا وقع الوهم لذلك القائل". قوله: (نوعًا من المطر عجيبًا، يعني الحجارة): قال أبو البقاء: " (مطرًا): هو مفعول "أمطرنا". والمطر هنا: الحجارة، كما جاء في الآية الأخرى: (وأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً) [هود: ٨٢، والحجر: ٧٤].
[ ٦ / ٤٦٣ ]
سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ* وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)].
كان يقال لشعيب ﵇: خطيب الأنبياء؛ لحسن مراجعته قومه، وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين، (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ): معجزةٌ شاهدةٌ بصحة نبوّتي أوجبت عليكم الإيمان بي، والأخذ بما آمركم به والانتهاء عما أنهاكم عنه، فأوفوا ولا تبخسوا.
فإن قلت: ما كانت معجزته؟ قلت: قد وقع العلم بأنه كانت له معجزةٌ، لقوله: (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)،
ولأنه لا بدّ لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه، وإلا لم تصح دعواه، وكان متنبئًا لا نبيًا، غير أنّ معجزته لم تذكر في القرآن، كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا ﷺ فيه.
_________________
(١) قوله: (كانت له معجزة، لقوله: (قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ»: قال الزجاج: "قال بعض النحويين: لم يكن لشعيب معجزة. وهذا غلط فاحش، لأنه تعالى قال: (قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا) فجاء بالفاء، أي: أمرهم بالإيفاء بعد مجيء البينة، ولو ادعى مدعٍ النبوة بغير آية، لم يقبل منه، لكن الله لم يذكرها، فلا يدل على عدمها". يريد الزجاج أن الفاء في (فأوفوا) سببية فيما يلزم من قوله: (قد جاءتكم بينة). وإلى هذا المعنى أشار المصنف بقوله: " (قد جاءتكم بينة من ربكم): معجزة شاهدة بصحة نبوتي، أوجبت عليكم الإيمان بي، والأخذ بما آمركم به، (فأوفوا) ".
[ ٦ / ٤٦٤ ]
ومن معجزات شعيب ﵇: ما روي من محاربة عصا موسى ﵇ التنين حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصةً حين وعده أن تكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم ﵇ على يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات؛ لأنّ هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى ﵇، فكانت معجزاتٍ لشعيب.
_________________
(١) قوله: (ومن معجزات شعيبٍ ﵇: ما روي من محاربة عصا موسى ﵇ التنين): قال القاضي: "ما ذكره محتمل أن يكون كرامة لموسى، أو إرهاصًا لنبوته". قال الإمام: "كلام صاحب "الكشاف" مبني على أصلٍ مختلف فيه، لأنه عندنا أن ذلك إرهاص، وهو أن يظهر الله تعالى على يد من سيصير نبيًا خوارق العادات، وعند المعتزلة غير جائز". وفيه نظر، لأنه قال سورة "آل عمران" في قوله تعالى: (وإذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ) [آل عمران: ٤٢]: "إنهم كلموها شفاهًا معجزة لزكريا، أو إرهاصًا لنبوة عيسي ﵇". قوله: (أن تكون له الدرع)، الجوهري: "الأدرع من الخيل والشاء: ما اسود رأسه، وأبيض سائره. والأنثى: درعاء. ومنه قيل لثلاث ليال من الشهر اللاتي يلين البيض: "درع" لظلمة أوائلها، وظاهر بظهور القمر في سائرها".
[ ٦ / ٤٦٥ ]
فإن قلت: كيف قيل: (الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ)، وهلا قيل: المكيال والميزان، كما في سورة هودٍ ﵇؟ قلت: أريد بالكيل: آلة الكيل، وهو المكيال، أو سمي ما يكال به بالكيل، كما قيل: العيش، لما يعاش به، أو أُريد: فأوفوا الكيل ووزن الميزان، ويجوز أن يكون الميزان كالميعاد والميلاد بمعنى المصدر.
ويقال: بخسته حقه: إذا نقصته إياه. ومنه قيل للمكس: البخس، وفي أمثالهم: تحسبها حمقاء وهي باخسٌ. وقيل: (أَشْياءَهُمْ) لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم، أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئًا إلا مكسوه، كما يفعل أمراء الحرمين. وروي: أنهم كانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه الجياد، وقالوا: هي زيوف! فقطعوها قطاعًا، ثم أخذوها بنقصانٍ ظاهر أو أعطوه بدلها زيوفًا.
_________________
(١) قوله: (ومنه قيل للمكس: البخس)، المغرب: "المكس في البيع: استنقاص الثمن. والمكس أيضًا: الجباية، وهو فعل المكاس العشار. ومنه: "لا يدخل صاحب مكسٍ الجنة". فقوله: "أو كانوا مكاسين" مبني على الوجه الثاني، وقوله: "لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم" على الأول. قوله: (تحسبها حمقاء وهي باخس) وفي رواية: "باخسة". فعلى الأول تأويله: إنسان باخس، أو على النسب، كـ: "لابن" و"تامر".
[ ٦ / ٤٦٦ ]
(بَعْدَ إِصْلاحِها): بعد الإصلاح فيها، أي: لا تفسدوا فيها بعد ما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وأتباعهم العاملين بشرائعهم، وإضافته كإضافة قوله: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) [سبأ: ٣٣] بمعنى: بل مكركم في الليل والنهار، أو بعد إصلاحٍ أهلها، على حذف المضاف.
(ذلِكُمْ) إشارةٌ إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض، أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه.
ومعنى: (خَيْرٌ لَكُمْ) يعني: في الإنسانية وحسن الأحدوثة، وما تطلبونه من التكسب والتربح، لأن الناس أرغب في متاجرتكم إذا عرفوا منكم الأمانة والسوية، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): إن كنتم مصدقين لي في قولي: (ذلكم خيرٌ لكم).
_________________
(١) قال الميداني: "أصل المثل أن رجلًا من بني العنبر جاورته امرأة، فنظر إليها، فحسبها حمقاء لا تعقل، ولا تحفظ مالها. فقال العنبري: ألا اخلط مالي ومتاعي بمالها ومتاعها، ثم أقاسمها، فآخذ خير متاعها، وأعطيها الردئ من متاعي؟ فقاسمها بعدما خلط متاعه بمتاعها، فلم ترض عند المقاسمة، حتى أخذت متاعها، ثم نازعته، وأظهرت له الشكوى، حتى افتدى منها بما أرادت، فعوتب عند ذلك، فقال: "تحسبها حمقاء وهي باخسة"، يضرب لمن يتباله. وفيه دهاء". قوله: (يعني في الإنسانية وحسن الأحدوثة) أي: ما يتحدث به الناس، وهو من باب الاستدراج، وإرخاء العنان، لأن الكلام مع الكفار، ولو كان مع المؤمنين لقيل: لكان خيرًا لكم عند الله من الثواب والدرجات، ولذلك فسر قوله: (إن كنتم مؤمنين) بقوله: "إن كنتم مصدقين"، وإنما قال: "مصدقين"، لأنهم ما كانوا مؤمنين مسلمين، وإن مثل هذا الشرط
[ ٦ / ٤٦٧ ]
(وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ): ولا تقتدوا بالشيطان في قوله: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦]، فتقعدوا بكل صراطٍ أي: بكل منهاجٍ من مناهج الدين. والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله: (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، ومحل (تُوعِدُونَ) وما عطف عليه: النصب على الحال أي: ولا تقعدوا موعدين وصادّين عن سبيل الله، وباغيها عوجًا.
_________________
(١) إنما يجاء به في آخر الكلام للتوكيد فعلم منه أن شعيبًا ﵇ كان مشهورًا عندهم بالصدق والأمانة، كما كان رسول الله صلي الله عليه وسلم مشهورًا عند قومه بالأمين. قوله: (ولا تقتدوا بالشيطان في قوله: (لأقعدن): يعني: القعود على الصراط: تمثيل، كما في تلك الآية. مثل إغواءهم الناس عن دين الحق بكل ما يمكن من الحيل، بمن يريد أن يقطع الطريق على السابلة، فيكمن لهم من حيث لا يدرون. ونحوه في التمثيل قول الشيطان: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم)، أي: لأعترضن على طريق الإسلام، كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة. فلما أشبه هذا التمثيل ذلك، وكان مقدمًا عليه، قال: "ولا تقتدوا بالشيطان فتقعدوا بكل صراط". قوله: (والدليل على أن المراد بالصراط: سبيل الحق، قوله: (وتصدون عن سبيل الله»: يعني: أن قوله تعالى: (ولا تقعدوا بكل صراطٍ) محتمل لأن يراد بها سبيل
[ ٦ / ٤٦٨ ]
فإن قلت: صراط الحق واحد، (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام: ١٥٣]، فكيف قيل: (بكل صراطٍ)؟ قلت: صراط الحق واحد، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدودٍ وأحكامٍ كثيرةٍ مختلفة، فكانوا إذا رأوا أحدًا يشرع في شيءٍ منها أوعدوه وصدّوه.
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في (آمَنَ بِهِ)؟ قلت: إلى "كل صراطٍ"، تقديره: توعدون من آمن به وتصدّون عنه، فوضع الظاهر الذي هو (سبيل الله) موضع الضمير، زيادة في تقبيح أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدّون عنه.
وقيل: كانوا يجلسون على الطرق والمراصد
_________________
(١) الحق لوقوعه في التنزيل، وأن يراد بها الجادة المتعارفة. ودل إيقاع (وتصدون) قيدًا للفعل على أنها سبيل الحق، كقوله تعالى: (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦] لاسيما وقد عطف عليه: (وتَبْغُونَهَا عِوَجًا). والمعنى: لا تقعدوا في كل منهاجٍ من مناهج الدين تصدون الناس عنها، وتصفونها بالاعوجاج. هذا هو الظاهر، ولهذا إذا حمل على الظاهر، وجب قطع (توعدون) والذهاب إلى الاستئناف. قوله: (وقيل: كانوا يجلسون على الطرق) عطف على قوله: "ولا تقتدوا بالشيطان" من
[ ٦ / ٤٦٩ ]
فيقولون لمن مرّ بهم: إن شعيبًا كذابٌ فلا يفتننكم عن دينكم، كما كان يفعل قريشٌ بمكة. وقيل: كانوا يقطعون الطرق. وقيل: كانوا عشارين.
_________________
(١) حيث المعنى، أي: كانوا يضلون الناس عن مناهج الحق ودين الحق، وقيل: كانوا يجلسون على الطرق، ويمنعون الناس أن يقصدوا شعيبًا ﵇. فعلى هذا لا يكون تمثيلًا، ولا يكون (تصدون) حالًا، ولا يكون (سبيل الله) من وضع الظاهر موضع المضمر، كما في الوجه السابق. قوله: (فيقولون لمن مر بهم: إن شعيبًا كذاب): دلت الفاء على أن: (توعدون) استئناف لبيان المقتضى، فكأنه لما قيل لهم: (ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ)، قالوا: لم ذلك؟ فأجيب: لأنكم توعدون وتصدون عن سبيل الله. قال القاضي: " (من آمن به): الضمير يعود إلى "الصراط" على الأول، وإلى "الله" على الثاني. و(من): مفعول (تصدون) على إعمال الأقرب. ولو كان مفعول (توعدون) لقال: تصدونهم". وكذا عن أبي البقاء. فظاهر الآية مع الكوفيين. قوله: (وقيل: كانوا يقطعون الطريق): فعلى هذا الآية مبالغة في الوعيد وتغليظ ما
[ ٦ / ٤٧٠ ]
(وَتَبْغُونَها عِوَجًا): وتطلبون لسبيل الله عوجًا، أي: تصفونها للناس بأنها سبيلٌ معوجةٌ غير مستقيمة، لتصدّوهم عن سلوكها والدخول فيها، أو يكون تهكمًا بهم، وأنهم يطلبون لها ما هو محال، لأنّ طريق الحق لا يعوج.
_________________
(١) كانوا يرومونه من قطع السبيل، لأن قاطع الطريق ساعٍ في الأرض بالفساد، وإخراجها عن أن تكون منتفعًا بها، لأن ضرر ذلك يسري إلى الدين. ألا ترى كيف أنزل الله فيهم: (إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ) [المائدة: ٣٣] تمهيدًا لمحاربة المؤمنين؟ وعلى هذا حكم العشار والمكاسين. ولهذا اشترط في إيجاب الحج أمن الطريق من نحو الرصدي. وعلى هذا لا يراد بقوله: (تبغونها عوجًا) التهكم ولا التوبيخ، بل المعنى: تقطعون السبيل، لتفسد الأرض، وتخرج عن أن تكون منتفعا بها، فعبر عن الإفساد بطلب الاعوجاج. ويؤيده قوله: (وانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ). ومعنى هذا الطلب معنى اللام في قوله: (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨]. قوله: (أو يكون تهكمًا بهم): عطف على قوله: "تصفونها للناس"، فعلى الأول يكون قوله: (وتبغونها عوجًا) كناية عن وصفهم لهم بالاعوجاج. فإنه تعالى عبر عن وصف الكافرين سبيل الله بالاعوجاج، بقوله: (تبغونها عوجًا) على سبيل التوبيخ. يعني: ما يريدون بهذا الوصف إلا المحال، وهو اعوجاج ذاتها. فهو إخبار فيه معنى التوبيخ، كما في قوله تعالى: (آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) [طه: ٧١، والشعراء: ٤٩]. فقوله: "وأنهم يطلبون لها ما هو محال" تفسير للوجهين: التوبيخ والتهكم.
[ ٦ / ٤٧١ ]
(وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا): (إذ) مفعولٌ به غير ظرف، أى: واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلًا عددكم، (فَكَثَّرَكُمْ) الله ووفر عددكم. قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوّج بنت لوطٍ فولدت، فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء، فكثروا وفشوا. ويجوز: إذ كنتم مقلين فقراء فكثركم، فجعلكم مكثرين موسرين، أو كنتم أقلة أذلةً فأعزكم بكثرة العَدَدِ والعُدَد. (عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم، كقوم نوحٍ وهود وصالحٍ ولوط، وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة.
(فَاصْبِرُوا): فتربصوا وانتظروا، (حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا) أي: بين الفريقين، بأن ينصر المحقين على المبطلين ويظهرهم عليهم. وهذا وعيدٌ للكافرين بانتقام الله منهم، كقوله: (فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) [التوبة: ٥٢]، أو هو عظةٌ للمؤمنين، وحثّ على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم.
ويجوز أن يكون خطابًا للفريقين، أي: ليصبر المؤمنون على أذى
_________________
(١) وفي الكلام ترق، يعني: ما كفاكم أنكم توعدون الناس عن متابعته، وتصدونهم عن سبيله، حتى تصفونه بالاعوجاج، ليكون الصد بالبرهان والدليل؟ ! قوله: (مما أصاب المؤتفكة): المؤتفكات: قريات لوط، لأنها ائتفكت وانقلبت. الجوهري: "الأفك - بالفتح - مصدر: أفكه يأفكه، أي: قلبه وصرفه عن الشيء". قوله: (وهذا وعيد للكافرين): وفي إتيان حرف الشرط دلالة على تناهي إقناطه من رجوعهم، والإقلاع عن تماديهم، وأن البلاء لابد أن ينزل عليهم، وإن كان فيهم الصلحاء
[ ٦ / ٤٧٢ ]
الكفار، وليصبر الكفار على ما يسوؤهم من إيمان من آمن منهم، حتى يحكم الله، فيميز الخبيث من الطيب (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) لأنّ حكمه حق وعدل، لا يخاف فيه الحيف.
[(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ* قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ)].
أي: ليكوننّ أحد الأمرين: إمّا إخراجكم؛ وإمّا عودكم في الكفر.
فإن قلت: كيف خاطبوا شعيبًا ﵇ بالعود في الكفر في قولهم: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) وكيف أجابهم بقوله: (إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها)، والأنبياء ﵈ لا يجوز عليهم من الصغائر إلا ما ليس فيه تنفير، فضلًا عن الكبائر، فضلًا عن الكفر؟ قلت: لما قالو: (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك) فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم، قالوا: (لتعودنّ)، فغلبوا الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعًا، إجراء للكلام على حكم التغليب، وعلى ذلك أجرى شعيبٌ ﵇ جوابه فقال:
_________________
(١) الذين يدفع بهم البلاء، ولبلوغهم في التمادي (قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا). قوله: (وعلى ذلك أجرى شعيب ﵇ جوابه): أي: أجابهم بما أوردوا عليه السؤال من التغليب ليتطابقا. ويجوز أن يكون على المشاكلة، كما في قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا
[ ٦ / ٤٧٣ ]
إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وهو يريد عود قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئًا من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب.
فإن قلت: فما معنى قوله: (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ)، والله تعالى متعالٍ أن يشاء ردّة المؤمنين وعودهم في الكفر؟ قلت: معناه: إلا أن يشاء الله خذلاننا ومنعنا الألطاف، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثًا، والعبث قبيحٌ لا يفعله الحكيم، والدليل عليه قوله: (وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) أي: هو عالمٌ بكل شيءٍ مما كان وما يكون،
_________________
(١) يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا) [البقرة: ٢٦] في أحد وجهيه. قال في "الانتصاف": "وقد يستعمل "عاد" - من أخوات "كان" - بمعنى "صار"، فلا يستدعي الرجوع إلى حالةٍ سابقة، بل عكس ذلك: وهو الانتقال من حال سابقة إلى حالٍ مستأنفةٍ كأنهم قالوا: أو لتصيرن كفارًا في ملتنا". قوله: (والدليل عليه قوله تعالى: (وسع ربنا كل شيءٍ علمًا): أي: والدليل على أن المراد بقوله تعالى: (إلا أن يشاء الله): إلا أن يشاء الخذلان، ومنع الألطاف، لا الردة، لأن منع الألطاف لازم لسبق علمه أن الألطاف لا تجدي، وتابع له، ولو أريد: أن يشاء العود إلى الكفر لم يكن لمجيء العلم فائدة. والجواب: أن في ذكر العلم فائدةً جليلة، لأن المعنى: (وما يكون لنا) أي: ما يصح ولا يستقيم منا على ما نحن عليه من الثبات على الدين، بعد وضوح الآيات البينات، وشرح الله
[ ٦ / ٤٧٤ ]
فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحوّل؟ وقلوبهم كيف تتقلب؟ وكيف تقسو بعد الرقة، وتمرض بعد الصحة، وترجع إلى الكفر بعد الإيمان؟
(عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) في أن يثبتنا على الإيمان، ويوفقنا لازدياد الإيقان.
ويجوز أن يكون قوله: (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) حسمًا لطمعهم في العود، لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر محال خارج عن الحكمة.
_________________
(١) الصدور أن نعود إلى الكفر، إلا أن يشاء الله العود، فإن معرفة المشيئة غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. ويؤيده قوله: عليه توكلنا، أي: في أن تثبتنا على الإيمان. نحوه قوله تعالى: (ومَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ) [الأحقاف: ٩]. قوله: «إلا أن يشاء الله) حسمًا لطمعهم في العود، لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر محال): هذا على أن يكون معنى (أن يشاء الله) التأبيد، كما نص عليه في "الكهف". قال الزجاج: "قال قوم: (إلا أن يشاء الله ربنا)، والله لا يشاء الكفر، مثل قولك: لا أكلمك حتى يبيض الفأر، ويشيب الغراب. والغراب لا يشيب، والفأر لا يبيض. وهذا خطأ لمخالفته كثيرًا من النصوص الواردة في الكتاب والسنة، في أن الكائنات تابعة لمشيئة الله، ولكن الله تعالى غيب عن الخلق علمه فيهم، ومشيئته من أعمالهم، فأمرهم ونهاهم، لأن الحجة إنما تثبت من جهة الأمر والنهي. وكل ذلك جارٍ على ما سبق من العلم، وجرت به المشيئة، فعليهم السمع والطاعة للأمر إذا أمروا، وهم جارون على ما علم منهم أنهم يختارون الطاعة أو المعصية".
[ ٦ / ٤٧٥ ]
(أَوَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ) الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال، تقديره: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، ومع كوننا كارهين. (وما يكون لنا): وما ينبغي لنا، وما يصح لنا، (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا): احكم بيننا. والفتاحة: الحكومة، أو أظهر أمرنا حتى يتفتح ما بيننا (وَبَيْنَ قَوْمِنا) وينكشف؛ بأن تنزل عليهم عذابًا يتبين معه أنهم على الباطل، (وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) كقوله: (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) [يونس: ١٥٩].
فإن قلت: كيف أسلوب قوله (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ)؟ قلت: هو إخبارٌ مقيدٌ بالشرط، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون كلامًا مستأنفًا فيه معنى التعجب، كأنهم قالوا: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام! لأنّ المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر، لأنّ الكافر مفترٍ على الله الكذب، حيث يزعم أنّ لله ندًا، ولا ندّ له، والمرتدّ مثله في ذلك وزائدٌ عليه، حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل. والثاني أن يكون قسمًا على تقدير حذف اللام، بمعنى: والله لقد افترينا على الله كذبًا.
_________________
(١) قوله: (والفتاحة: الحكومة): قال الزجاج: "وأهل عمان يسمون القاضي: الفتاح والفاتح". قوله: (كيف أسلوب قوله: (قد افترينا)؟): يعني: ما معنى التأكيد الذي تعطيه (قد) مع مدخولها الماضي، ثم انضمام (إن) الشرطية معها؟ يدل على هذا التلخيص الجوابان. وأجاب أنه من باب إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر، لأن ظاهره إخبار مقيد بالشرط. وتأويله من وجهين.
[ ٦ / ٤٧٦ ]
[(وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ* فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ* الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ)].
(وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) أي: أشرافهم للذين دونهم يثبطونهم عن الإيمان: (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ) لاستبدالكم الضلالة بالهدى، كقوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) [البقرة: ١٦]، وقيل: تخسرون باتباعه فوائد البخس والتطفيف، لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية.
فإن قلت: ما جواب القسم الذي وطأته اللام في (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا)، وجواب الشرط؟ قلت: قوله: (إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ) سادّ مسدّ الجوابين.
_________________
(١) أحدهما: أن يكون من باب التعجب، يعني روم إيقاع النفس في ورطة المهالك، من أولي النهية، بعد المزاولة الطويلة في الإخراج منها، مما يقتضي منه العجب. وإليه الإشارة بقوله: "ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام! ". فكأنه ﵇ لما سمع كلامهم ما التفت إلى الجواب، وأنشأ التعجب من نفسه، قائلًا: (قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم). ولهذا قال: "كلامًا مستأنفًا فيه معنى التعجب". قال أبو البقاء: " (قد افترينا)، هو معنى المستقبل، لأنه لم يقع، وإنما سد مسد جواب (إن عدنا). وساغ دخول (قد) لأنهم نزلوا الافتراء عند العود منزلة الواقع، فقرنوه بـ (قد). وكأن المعنى: قد افترينا الآن، إن هممنا بالعود"، على أن يكون قسمًا، لا يكون مستأنفًا، بل يكون ردًا لكلامهم بأبلغ وجه.
[ ٦ / ٤٧٧ ]
(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا) مبتدأ، خبره: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا)، وكذلك (كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ). وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص، كأنه قيل: الذين كذبوا شعيبًا هم المخصوصون بأن أُهلكوا واستؤصلوا، كأن لم يقيموا في دارهم؛ لأنّ الذين اتبعوا شعيبًا قد أنجاهم الله، الذين كذبوا شعيبًا هم المخصوصون بالخسران العظيم، دون أتباعه فإنهم الرابحون. وفي هذا الاستئناف والابتداء وهذا التكرير: مبالغةٌ في ردّ مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيهٌ لرأيهم، واستهزاءٌ بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم.
_________________
(١) قوله: (وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص): كما في قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ ويَقْدِرُ) [الرعد: ٢٦] في سورة "الرعد"، "أي: الله وحده هو يبسط الرزق، ويقدره دون غيره". ولو حمل الجملة الأولى على تقوى الحكم، كما عليه كلام صاحب "المفتاح"، والثانية على التخصيص، لتوسيط ضمير الفصل، وتعريف الخبر باللام، ويكون التكرير، ليناط به كل مرة معنى زائد: لكان أوجه، كما سنقرره. قوله: (وفي هذا الاستئناف والابتداء، وهذا التكرير، مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم لقومهم، واستعظام لما جرى عليهم): أما الاستئناف
[ ٦ / ٤٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والتكرير، فإنه تعالى لما رتب العقاب بأخذ الرجفة على التكذيب والعناد، وتركهم هامدين لا حراك بهم، اتجه لسائلٍ أن يسأل: إلى ماذا صار مآل أمرهم بعد الجثوم؟ فقيل: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا) أي: استؤصلوا، وتلاشت جسومهم، كأن لم يقيموا في ديارهم. ثم سال: أخصص الدمار بهم، أم تعدى إلى غيرهم؟ فقيل: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ) أي: اختص الدمار بهم. فجعلت صلة الأولى ذريعةً إلى تحقيق الخبر. كقول الشاعر: إن التي ضربت بيتًا مهاجرةً … بكوفة الجند غالت ودها غول ولذلك بولغ في الإخبار عن دمار القوم بقوله: (كأن لم يغنوا فيها)، وأوثر تقوي الحكم على التخصيص. وجعلت صلة الثانية علةً لوجود الخبر، نحو قولك: الذين آمنوا لهم جنات النعيم، والذين كفروا لهم دركات الجحيم.
[ ٦ / ٤٧٩ ]
[(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ)].
الأسى: شدّة الحزن. قال العجاج:
وانحلبت عيناه من فرط الأسى
_________________
(١) وأما تسفيه رأيهم، فهو أنهم لما أظهروا محض النصح لقومهم، بقولهم: (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكُمْ إذًا لَّخَاسِرُونَ)، حيث أتوا فيه بالجملة القسمية، وأقحموا فيها (إذا)، رد عليهم، يعني: ما تلفظوا به في قوله تعالى: (كانوا هم الخاسرين) ليكون مدمجًا فيه معنى الاستهزاء، يعني: نعم النصيحة التي نصحوهم، نسبوا الخسران إلى متابعته، والربح إلى مخالفته. كان ذلك، لكن بالعكس، وهو المراد من قوله: "واستهزاء بنصحهم". وحينئذٍ يقع الاختصاص في موقعه، كما قال: "الذين كذبوا شعيبًا هم المخصوصون بالخسران، دون أتباعه، فإنهم الرابحون". ويستفاد عظم الخسران من تعريف الخبر بلام الجنس، أي: هم الكاملون في الخسران. وأما استعظام ما جرى عليهم فمن قوله: (كأن لم يغنوا فيها) أي: لم يبق عين ولا أثر، ولا جالبة خبر. وكذا من مجموع الكلام، والله أعلم. قوله: (وانجلبت عيناه من فرط الأسى): وأنشد الشارح تمام البيت:
[ ٦ / ٤٨٠ ]
اشتدّ حزنه على قومه، ثم أنكر على نفسه، فقال: فكيف يشتدّ حزني على قومٍ ليسوا بأهلٍ للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم! ويجوز أن يريد: لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حلّ بكم فلم تسمعوا قولي ولم تصدقوني،
_________________
(١) وكيف غربي دالجٍ تبجسا انحلبت عيناه، أي: سال دمع عينيه. والوكيف: القطر. وغربي: تثنية الغرب، وهو الدلو العظيم. والدالج - بالجيم-: الذي يأخذ الدلو من البئر، فيفرغها في الحوض. تبجس: انفجر بسعة وكثرة. يقول: سال دمع عينيه من الخزن، ووكفتا وكيف دلوي دالجٍ تفجر وسال. قوله: (ثم أنكر على نفسه): أي: جرد من نفسه شخصًا، وأنكر عليه حزنه على قوم لا يستحقونه، كما فعل امرؤ القيس في قوله: تطاول ليلك بالأثمد … ونام الخلي ولم ترقد وكان من حق الظاهر أن يقول: وكيف يشتد حزنك؟ لقوله: "ثم أنكر على نفسه"، لكن التفت، وقال: "وكيف يشتد حزني! ". هذا إذا كان الخطاب مع نفسه. أما إذا كان مع غيره فلا يكون من التجريد. قوله: (ويجوز أن يريد: لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ): أي: أنهيت إليكم العذر، وما قصرت فيه.
[ ٦ / ٤٨١ ]
فكيف آسى عليكم؟ يعني: أنه لا يأسى عليهم لأنهم ليسوا أحقاء بالأسى.
وقرأ يحيى بن وثاب: "فكيف إيسى"، بكسر الهمزة.
[(وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَاساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ* ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)].
_________________
(١) ومنه الحديث: "لقد أعذر الله تعالى إلى من بلغ به من العمر ستين سنةً"، أي: لم يبق فيه موضعًا للاعتذار، حيث أمهله طول هذه المدة. يقال: أعذر الرجل: إذا بلغ أقصى الغاية في العذر. فعلى هذا لا يكون الخطاب مع نفسه، بل مع القوم، تأنيبًا وتوبيخًا لهم، من أوله إلى منتهاه، وعلى الأول قوله: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي) فيه معنى التلهف والتحسر، مع إنهاء الندامة إلى القوم، وقوله: (فكيف أسي) فيه معنى الإنكار والتأنيث للنفس. وعلى التقديرين قوله: (على قوم كافرين) إقامة للظاهر موضع المضمر، للإشعار بعدم استحقاقهم التأسف عليهم لكفرهم. قوله: ("فكيف إيسي"، بكسر الهمزة) يعني: على لغة من يقول: "تعلم".
[ ٦ / ٤٨٢ ]
(إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَاساءِ): بالبؤس والفقر، (وَالضَّرَّاءِ): بالضر والمرض؛ لاستكبارهم عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه، (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ): ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة، (ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) أي: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة والرخاء والصحة والسعة، كقوله: (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ) [الأعراف: ١٦٨]، (حَتَّى عَفَوْا): كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات وعفا الشحم والوبر؛ إذا كثرت، ومنه قوله ﷺ: «وأعفوا اللحى»، وقال الحطيئة:
بِمُسْتَأسِدِ القرْيَانِ عَافٍ نَبَاتُهُ
_________________
(١) قوله: (بمستأسد القريان) قبله: فإن نظرت يومًا بمؤخر عينها … إلى علمٍ في الغور قالت له: ابعد بأرضٍ ترى فرخ الحبارى كأنه … بها راكب موفٍ على ظهر قردد بمستأسد القريان عافٍ نباته … تساقطني والرحل من صوت هدهد
[ ٦ / ٤٨٣ ]
وقال:
ولكنّا نعضّ السّيف منها … بأسوق عافيّات الشّحم كوم
(وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) يعني: وأبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا: هذه عادة الدهر، يعاقب في الناس بين الضراء والسراء، وقد مس آباءنا نحو ذلك، وما هو بابتلاءٍ من الله لعباده، فلم يبق بعد ابتلائهم بالسيئات والحسنات إلا أن نأخذهم بالعذاب، (فَأَخَذْناهُمْ) أشد الأخذ وأفظعه، وهو أخذهم فجأة من غير شعور منهم.
[(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)].
اللام في (القرى): إشارةٌ إلى القرى التي دل عليها قوله: (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ) [الأعراف: ٩٤]، كأنه قال: ولو أنّ أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا،
_________________
(١) نظرت، أي: الناقة. وفي الغور: حال من الضمير في "نظرت". و"قالت": جزاء الشرط، أو صفة "علم" على التأويل، أو حال من الضمير في "نظرت"، و"قد" مقدرة. وجواب الشرط: "تساقطني". وعلى الأول: "تساقطني" حال من الضمير في "نظرت". استأسد النبت: قوي والتف. والقربان: جمع القرى، وهو مجمع الماء في الروض. موفٍ: من أوفى الشيء، أي: أشرف. والقردد: المكان الغليظ المرتفع. قوله: (ولكنا نعض السيف) البيت، أي: نجعله عاضًا. والباء في "بأسوق" زائدة، لأن "نعض" يتعدى إلى المفعولين. أسوق: جمع ساق. عافيات اللحم، أي: كثيراته. وكوم: جمع كوماء: عظيمة السنام. يقول: ننحر للأضياف، ونعقر لهم النوق السمان.
[ ٦ / ٤٨٤ ]
(آمَنُوا) بدل كفرهم (وَاتَّقَوْا) المعاصي مكان ارتكابها، (لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ): لأتيناهم بالخير من كل وجه، وقيل: أراد المطر والنبات، (وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ) بسوء كسبهم. ويجوز أن تكون اللام في (القرى) للجنس.
فإن قلت: ما معنى فتح البركات عليهم؟ قلت: تيسيرها عليهم كما ييسر أمر الأبواب
_________________
(١) قوله: (أراد المطر والنبات): أي: لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء بالمطر، وبركاتٍ من الأرض بالنبات. وعلى الأول اعتبر بالجهتين التكرير واستيعاب وجوه الخير كلها، كقوله تعالى: (ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وعَشِيًا) [مريم: ٦٢]. ولهذا قال: "لأتيناهم بالخير من كل وجه". قوله: (كما ييسر أمر الأبواب المستغلقة): يعني: أن الأسلوب من الاستعارة التبعية المستلزمة للتمثيلية، لقوله: "كما ييسر أمر الأبواب المستغلقة بفتحها"، فإنه اعتبر أمر الأبواب وأحوالها، وأطلق التيسير على الفتح بعد تشبيه أحدهما بالآخر، ثم الإفضاء من المصدر إلى الفعل، يدل عليه قوله: "ما معنى فتح البركات؟ " سأل عن المصدر، ليشير إلى أن الاستعارة تبعية، والوجه سهولة الوصول إلى المقصود.
[ ٦ / ٤٨٥ ]
المستغلقة بفتحها. ومنه قولهم: فتحت على القارئ، إذا تعذرت عليه القراءة فيسرتها عليه بالتلقين.
[(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ* أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ)].
"البيات" يكون بمعنى: البيتوتة، يقال: بات بياتًا، ومنه قوله تعالى: (فَجاءَها بَاسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ) [الأعراف: ٤]، وقد يكون بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى: التسليم. يقال: بيته العدو بياتًا، فيجوز أن يراد: أن يأتيهم بأسنا بائتين- أي: وقت بياتٍ- أو مبيتًا، أو مبيتين، أو يكون بمعنى: تبييتًا، كأنه قيل: أن يبيتهم بأسنا بياتًا.
و(ضُحًى) نصبٌ على الظرف، يقال: أتانا ضُحىً، وضُحيًا، وضحاء والضحى - في الأصل -: اسمٌ لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت.
_________________
(١) قوله: (المستغلقة) بكسر اللام، يقال: استغلق الباب، واستصعب الأمر. هذا هو الفصيح المشهور. قوله: (ويكون بمعنى التبييت): يعني: جواز أن يكون "بياتًا) من الثلاثي، ومن المزيد، فعلى الأول: إما حال من المفعول، أو ظرف والوقت مقدر معه. وعلى الثاني: إما حال من الفاعل أو المفعول، أو مصدر. والأوجه أن يكون ظرفًا ليناسب قوله: (بأسنا ضحى). فإن قلت: لم جوز في الوجه الثاني أن يكون (بياتًا) حالًا من الفاعل، ومفعولا مطلقًا، ولم يجوزهما في الأول؟ قلت: لفساد المعنى؛ إذ لا يجوز أن يكون البأس بائتًا، لأن القوم هم البائتون.
[ ٦ / ٤٨٦ ]
والفاء والواو في (أَفَأَمِنَ) و(أَوَأَمِنَ) حرفا عطفٍ دخلت عليهما همزة الإنكار.
فإن قلت: ما المعطوف عليه؟ ولِمَ عُطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو؟ قلت: المعطوف عليه قوله: (فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً)، وقوله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى) إلى (يَكْسِبُونَ) وقع اعتراضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنما عطف بالفاء، لأنّ المعنى: فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتةً، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا، وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحىً؟
_________________
(١) قوله: (حرفا عطفٍ دخلت عليهما همزة الإنكار): قال صاحب "الفرائد": "ما ذكر يشكل بما قيل: إن لهمزة الاستفهام صدر الكلام، فلم يجز عطف ما بعدها على ما قبلها. وإنما الواجب أن يقدر المعطوف عليه بعد الهمزة وقبل الواو". وقال صاحب "الإيجاز": "إنما تدخل ألف الاستفهام على فاء العطف، مع منافاة العطف للاستئناف، لأن التنافي في المفرد، إذ الثاني إذا عمل فيه الأول كان من الكلام الأول، والاستئناف يخرجه عن أن يكون منه. ويصح ذلك في عطف جملةٍ على جملة، لأنه على استئناف جملة بعد جملة". وقلت: الحق أن هذه الهمزة مقحمه مزيدة، لتقرير معنى الإنكار والتقرير، فتدخل بين الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر، والحال وعاملها، كما سبق مرارًا وأطوارًا. وقد نص عليه أبو إسحاق الزجاج في قوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّار) [الزمر: ١٩]. قوله: (المعطوف عليه قوله تعالى: (فأخذناهم بغتةً) إلى آخره: اعلم أن في تمييز مواقع
[ ٦ / ٤٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) هذه الجمل، كما أشار إليه، موضع تأمل؛ فقوله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَاتِيَهُم بَاسُنَا بَيَاتًا)، وقوله: (أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَاتِيَهُم بَاسُنَا ضُحًى) متقابلان، نحو قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا) [يونس: ٥٠]. والجملتان من المعطوف والمعطوف عليه معطوفتان معًا على قوله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً) [الأعراف: ٩٥] على التعقيب، لأن المعنى: أأمن أهل هذه القرى بعدما سمعوا بما فعل أهل تلك القرى من الكفر والكفران وما فعل بم من الأخذ فجأة، من أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون، أو ضحى وهم يلعبون، أي: غافلون؟ والفاء في (فأخذناهم) للتسبب، يدل عليه قوله: "فعلوا وصنعوا"، (فأخذناهم بغتة)، و"فعلوا وصنعوا": كناية عن قوله: واستكبروا عن إتباع نبيهم، وتعززوا عليه، وقالوا بعد ابتلائهم بالحسنات والسيئات: هذه عادة الدهر. فلذلك أخذناهم أشد الأخذ وأفظعه، وهو أخذهم فجأة. وأما معنى هذه الفاء والاستفهام: فهو أن أهل القرى بخاصة، بعدما سمعوا ما فعل أولئك، وما فعلنا بهم، لم يعتبروا، وأمنوا من أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون، أو ضحى وهم غافلون كما فعلنا.
[ ٦ / ٤٨٨ ]
وقرئ: (أو أمن) على العطف بـ"أو"، (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) يشتغلون بما لا يجدى عليهم كأنهم يلعبون.
[(أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ)].
_________________
(١) ثم لما تضمن المعطوف والمعطوف عليه معنى بعث الرسول، وتعرض الأمة للابتلاء ليؤمنوا، ويتركوا كفران النعمة، كان قوله تعالى: (ولَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ) الآية معترضةً مؤكدةً لمضمون الجملتين. أما قوله في المعترضة: "اللام في (القرى) إشارة إلى القرى التي دل عليها قوله: (ومَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ) [الأعراف: ٩٤] " فإن الظاهر أنها للعهد، لكن لا ينافي إرادة الجنسية؛ لأن (القرى) الأولى مطلقة، ولما كان الثاني عين الأول، كان أيضًا جنسًا. قال الزجاج: "هذا مما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة، لتعتبر أمة محمد صلوات الله عليه". وأما اللام في قوله: (أفأمن أهل القرى): فإشارة إلى قرى معهودة، وهي ما بعث إليها رسول الله صلي الله عليه وسلم. قال محيي السنة: " (أفأمن أهل القرى) الذين كفروا وكذبوا، يعني مكة وما حولها". قوله: (وقرئ: "أو أمن"، على العطف بـ"أو"): نافع وابن كثير وابن عامر.
[ ٦ / ٤٨٩ ]
فإن قلت: فلم رجع فعطف بالفاء قوله: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ)؟ قلت: هو تكريرٌ لقوله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) [الأعراف: ٩٧]، "ومكر الله": استعارةٌ لأخذه العبد من حيث لا يشعر، ولاستدراجه، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله، كالمحارب الذي يخاف من عدوّه الكمين والبيات والغيلة.
وعن الربيع بن خثيم، أن ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ فقال: يا بنتاه، إنّ أباك يخاف البيات، أراد قوله: (أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنا بَياتًا).
[(أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ)].
إذا قرئ: (أَوَ لَمْ يَهْدِ) بالياء كان (أَنْ لَوْ نَشاءُ) مرفوعًا بأنه فاعله،
_________________
(١) قوله: (هو تكرير لقوله تعالى: (أفأمن أهل القرى)، فحينئذٍ (مكر الله) عبارة عما ذكره الله تعالى في قوله: (أن يأتيهم بأسنا بياتًا) الآيتين. والفاء في (فلا يأمن مكر الله) للعطف على مقدر، والهمزة في (أفأمنوا مكر الله) للتقرير والتوبيخ. يعني: بعد ما عرفوا ذلك أمنوا واطمأنوا؟ فإذا خسروا، لأنه (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون). قال أبو البقاء: "الفاء هاهنا للتنبيه على تعقيب العذاب أمن مكر الله". قوله: (والغيلة)، الجوهري: "الغيلة - بالكسر -: الاغتيال. يقال: قتله غيلةً، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فيقتله". قوله: (إذ قرئ: (أو لم يهد) بالياء) التحتاني، وهي المشهورة، وبالنون: شاذة.
[ ٦ / ٤٩٠ ]
بمعنى: أو لم يهد للذين يخلفون، من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن؟ وهو أنا (لو نشاء أصبناهم بذنوبهم)، كما أصبنا من قبلهم، وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورّثين.
وإذا قرئ بالنون، فهو منصوب كأنه قيل: أو لم يهد الله للوارثين هذا الشأن، بمعنى: أولم نبين لهم أنا (لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) كما أصبنا من قبلهم. وإنما عُدِّي فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين.
فإن قلت: بم تعلق قوله تعالى: (وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ)؟ قلت: فيه أوجهٌ: أن يكون معطوفًا على ما دلّ عليه معنى (أَوَلَمْ يَهْدِ)، كأنه قيل: يغفلون عن الهداية، ونطبع على قلوبهم، أو على (يَرِثُونَ اَلأَرْضَ)، أو يكون منقطعًا بمعنى: ونحن نطبع على قلوبهم.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون (وَنَطْبَعُ) بمعنى وطبعنا، كما كان (لَوْ نَشاءُ) بمعنى: لو شئنا، ويعطف على (أصبناهم)؟ قلت: لا يساعد عليه المعنى، لأن القوم كانوا مطبوعًا على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها،
_________________
(١) قال أبو البقاء: " (أو لم يهد) بالياء، وفاعله: (أن لو تشاء)، و(أن) مخففة من "أن" الثقيلة. أي: أو لم يتبين لهم علمهم بمشيئتنا؟ ". قوله: (وإنما عدي فعل الهداية باللام لأنه ضمن معنى التبيين)، وذلك أنه يتعدى إلى المفعول الثاني باللام، أو بـ"إلى"، كما سبق، وهاهنا تعدى إلى الأول باللام. قوله: (هل يجوز أن يكون (ونطبع) بمعنى: وطبعنا؟): يشير بهذا السؤال إلى ما ذكره الزجاج: " (ونطبع على قلوبهم) ليس بمحمولٍ على: (أصبناهم)، لأنه لو حمل عليه
[ ٦ / ٤٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لكان "ولطبعنا"، لأنه على لفظ الماضي وفي معناه. ويجوز أن يكون محمولًا على الماضي، ولفظه لفظ المستقبل كما قال: (أن لو تشاء) ومعناه: لو شئنا". وقلت: هذا وإن جاز بحسب اللفظ، لكن المعنى لا يساعد عليه، لأنه لو عطف على ما في خبر (لو) لدخل في حكمه، وهي لامتناع الشيء لامتناع غيره، فيلزم أن القوم لم يكونوا مطبوعًا على قلوبهم، والحال أنهم مطبوعون. قال في "الانتصاف": "يجوز عطفه عليه، ولا يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع، وإن كانوا كفارًا، إذ ليس الطبع من لوازم الكفر والاقتراف، إذ الطبع هو التمادي في الكفر والإصرار، حتى ييأس من قبول صاحبه للحق، وليس كل كافرٍ ولا مقترفٍ بهذه المثابة، بل يهدد الكافر بأن يطبع على قلبه، فيكون معنى الآية: قد هددتهم بأمرين: الإصابة ببعض الذنوب، والطبع على القلوب. وهذا الثاني، وإن كان نوعًا من الإصابة بالذنوب، فهو أشد، كما قال: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]. والآية حجة على الزمخشري". قال صاحب "التقريب": "وفي كلام جار الله نظر، لأن المذكور كونهم مذنبين دون الطبع. وأيضًا جاز أن يراد: "لو شئنا": لزدنا أو لأدمنا". قلت: هذا مردود، لأن الكلام وارد على التوبيخ والتهديد والإهلاك والاستئصال، لقومٍ ورثوا ديار قوم هلكوا بالاستئصال، وهؤلاء استخلفوهم، واقتفوا آثارهم بمثل تلك الذنوب، وهم أهل مكة، كما سبق، لأن قوله تعالى: (للذين يرثون الأرض) إما مظهر وضع موضع المضمر، أو عام، فيدخلون فيه دخولًا أوليًا.
[ ٦ / ٤٩٢ ]
وهذا التفسير يؤدي إلى خلوهم عن هذه الصفة، وأن الله تعالى لو شاء لا تصفوا بها.
[(تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ)].
(تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها): كقوله: (هذا بَعْلِي شَيْخًا) [هود: ٧٢] في أنه مبتدأٌ وخبرٌ وحال، ويجوز أن يكون (الْقُرى) صفةً لـ (تلك) و(نَقُصُّ) خبرًا، وأن يكون الْقُرى نَقُصُّ خبرًا بعد خبر.
_________________
(١) ولا شك أن الطبع وازدياده ليس من الإهلاك في شيء، حتى يهددوا به، وإن أريد التحقيق فلتتل الآيات السابقة. ثم المختار أن تكون الجملة منقطعة، واردةً على الاعتراض والتذييل، أي: ونحن نطبع على قلوبهم. أي: من شأننا وسنتنا أن نطبع على قلوب من لم نرد منه الإيمان، حتى لا يعتبر بأحوال الأمم السالفة، ولا يلتفت إلى الدلائل الدالة، كما شوهد من هؤلاء، حيث آمنوا واطمأنوا. فالمصنف هاهنا آثر مذهب الحق، وأعرض عن الاعتزال. وهذا مخالف لقول صاحب "المفتاح": "وهو أن الجملة متى نزلت منزلة الجملة العارية عن المعطوف عليها، كما إذا أريد القطع عما قبلها لم تكن موضعًا لدخول الواو هذه منقطعة، ومع الواو". ووجه الجمع: أن قول صاحب "المفتاح" محمول على واو العطف، وقول المصنف على أن الواو واو الاستئناف الداخلة على الجملة المذيلة والمعترضة.
[ ٦ / ٤٩٣ ]
فإن قلت: ما معنى: (تِلْكَ الْقُرى) حتى يكون كلامًا مفيدًا؟ قلت: هو مفيد، ولكن بشرط التقييد بالحال، كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك: هو الرجل الكريم.
فإن قلت: ما معنى الإخبار عن القرى بـ (نقص عليك من أنبائها)؟ قلت: معناه: أنّ تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها، ولها أنباءٌ غيرها لم نقصها عليك.
_________________
(١) قوله: (بشرط التقييد بالحال): قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر، لأنه جعل شرط كون (تلك القرى) كلامًا مقيدًا تقييده بالحال. وإذا جعل خبرًا ثانيًا انتفى ذلك الشرط، إلا أن يريد: "تلك القرى المعلومة حالها وصفتها"، على أن اللام للعهد، لكنه حينئذٍ يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال". وقلت: هذا وهم، لأن السؤال وارد على الوجه الأول، لأن المشهور أن الحال فضلة في فائدة الجملة، بخلافه إذا كان خبرًا بعد الخبر، لأن (القرى) حينئذٍ بمنزلة "حلو" في قولك: "هذا حلو حامض"، فلا يكون كلامًا تامًا، فلا يرد السؤال، ولهذا استشهد بالصفة، لأنها قيد كالحال. والجواب مبني على ما قال الزجاج: "والحال هاهنا من لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: "هذا زيد قائمًا"، فإن قصدت أن تخبر به من لم يعرف زيدًا أنه زيد، لم يجز أن تقول: "هذا زيد قائمًا"، لأنه لا يكون زيد ما دام قائمًا إذا زال عن القيام وليس بزيد. وإنما تقول ذلك للذي يعرف زيدًا، فتعمل في الحال التنبيه، أي: أنبه لزيدٍ في حال قيامه، أو أشير إلى زيد في حال قيامه، لأن هذه إشارة على ما حضر". يريد بقوله: "ما حضر" تقييد المشار إليه بالحال، وإلا فلا فائدة في الجملة لأن السامع يعرفها، وكذلك في الآية، المعنى:
[ ٦ / ٤٩٤ ]
(فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) عند مجيء الرسل بالبينات بما كذبوه من آيات الله من قبل مجيء الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أوّلا حين جاءتهم الرسل،
_________________
(١) نخبرك عن القرى التي عرفتها في حال أنا قاصون بعض أنبائها، ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك، وإذا كان المقصود من الإيراد هذا فلابد من ذكر الحال، فيبطل قوله: "لكنه يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال". وهو الجواب عن قوله أيضًا: "إلا أن تريد: تلك القرى المعلومة حالها وصفتها"، لأنه ليس من باب: أنا أبو النجم وشعري شعري ولما كان التقييد أيضًا فيه إبهام، لأن معناه الظاهر: نخبرك عن القرى المعهودة، قاصين عليك من أخبارها، سأل: "ما معنى الإخبار عن القرى بـ (نقص عليك من أنبائها)؟ " وأجاب: أنه تعالى أخبر أولًا بقوله: (تلك القرى) مجملًا، ثم فصل بقوله: " (نقص عليك): أن المراد بالأخبار بعض قصتهم لا كلها". نحوه في الأسلوب: "جاءني القوم أكثرهم". قوله: (أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم): اعلم أنه تعالى جعل عدم إيمانهم مسببًا لتكذيبهم المقيد بقوله: (من قبل). فالفعل المضارع، وهو قوله: (ليؤمنوا)، إما أن يجرى على ظاهره، فيكون المعنى: ما كانوا ليؤمنوا الآن، أي: عند مجيء الرسل، لما سبق
[ ٦ / ٤٩٥ ]
أي: استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرّين، لا يرعوون ولا تلين شكيمتهم في كفرهم وعنادهم مع تكرر المواعظ عليهم وتتابع الآيات.
_________________
(١) منهم التكذيب قبل مجيئهم. وأما أن يحمل على الاستمرار، فالمعنى أنهم لم يؤمنوا قط، فاستمر تكذيبهم لما حصل منهم التكذيب، حتى مجيء الرسل. ولما اشتمل الفعل على معنى الاستمرار في الحالات، وتلك الحالات متعاقبة، صح أن يقال: "بما كذبوا به أولًا". والوجه الأول مناسب لأصولهم، يعني: إنما لم يؤمنوا بالرسل لما خالفوا، قبل مجيئهم، عقلهم الهادي، فلما أبطلوا استعدادهم لم ينفعهم مجيء الرسل. والثاني موافق لمذهب أهل السنة، لأن العقل غير مستقل، لابد من انضمام إنزال الكتب، وبعثة الرسل معه، فهؤلاء لما كذبوا الرسل والآيات، ولم تؤثر فيهم دعوتهم المتطاولة، والآيات المتتابعة، لا جرم لم يؤمنوا إلى آخر أعمارهم. وهذا أنسب من الأول، لقوله تعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الكَافِرِينَ) [الأعراف: ١٠١]، ووضعه المظهر موضع المضمر يعني: سبب الطبع كفرهم بآيات الله والرسل. ولهذا قال الزجاج: " (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين): يدل على أنه قد طبع على قلوبهم بكفرهم، فما كانوا ليؤمنوا وقد طبع الله على قلوبهم". قوله: (لا يرعوون): أي: لا يمتنعون ولا ينزجرون. النهاية: "رعا يرعو: إذا كف عن الأمور. وقد ارعوى عن القبيح، يرعوي ارعواء".
[ ٦ / ٤٩٦ ]
ومعنى اللام: تأكيد النفي، وأنّ الإيمان كان منافيًا لحالهم في التصميم على الكفر.
وعن مجاهد: هو كقوله: (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) [الأنعام: ٢٨].
(كَذلِكَ) مثل ذلك الطبع الشديد نطبع على قلوب الكافرين.
[(وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ)].
(وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) الضمير للناس على الإطلاق، أي: وما وجدنا لأكثر الناس من عهد، يعني: أنّ أكثرهم نقض عهد الله وميثاقه في الإيمان والتقوى، (وَإِنْ وَجَدْنا) وإنّ الشأن والحديث وجدنا أكثرهم "فاسقين" خارجين عن الطاعة مارقين، والآية اعتراض.
_________________
(١) قوله: (ومعنى اللام: تأكيد النفي، وأن الإيمان كان منافيًا لحالهم)، قوله: "وأن الإيمان" تفسير لقوله: "تأكيد النفي". يعني: جاء اللام تأكيدًا لهذا المعنى الذي يعطيه التركيب. وقد مر في "النساء" في قوله: (لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) [النساء: ١٣٧، ١٦٨] تحقيق هذا البحث. قوله: (وعن مجاهد: هو كقوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه»: روى محيي السنة عنه: "فما كانوا، لو أحييناهم بعد هلاكهم، ليؤمنوا بما كذبوا به قبل هلاكهم، لقوله ﷿: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) ". وقلت: المعنى: بلغ تكذيبهم الرسل وآيات الله، بحيث لو قدر أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. قوله: «وما وجدنا لأكثرهم من عهدٍ»: قال أبو البقاء: " (لأكثرهم) حال من (عهدٍ)، و(من): زائدة. أي: ما وجدنا عهدًا لأكثرهم".
[ ٦ / ٤٩٧ ]
ويجوز أن يرجع الضمير إلى الأمم المذكورين، وأنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضرُّ ومخافةٍ: لئن أنجيتنا لنؤمننّ، ثم نجاهم، نكثوا، كما قال قوم فرعون لموسى ﵇: (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) إلى قوله: (إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٥].
والوجود بمعنى العلم، من قولك: وجدت زيدًا ذا الحفاظ، بدليل دخول «إن» المخففة واللام الفارقة، ولا يسوغ ذلك إلا في المبتدأ والخبر، والأفعال الداخلة عليهما.
[(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ* وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ)].
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يرجع الضمير إلى الأمم المذكورين): فعلى هذا الجملة تكون تتميمًا لا اعتراضًا. وعلى الوجهين: قوله: (ومَا وجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وإن وجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) من باب الطرد والعكس، إن فسر "الفاسقين" بالناكثين. قوله: (ثم نجاهم) معطوف على قوله: "عاهدوا الله"، وقوله: "نكثوا" معطوف على قوله: "إذا"، وقوله: "لئن أنجيتنا لنؤمنن": الجملة اعترضت للبيان والتأكيد. قوله: (ذا الحفاظ)، الجوهري: "المحافظة: المراقبة: ويقال: إنه لذو حفاظ، وذو محافظة: إذا كانت له أنفة".
[ ٦ / ٤٩٨ ]
(مِنْ بَعْدِهِمْ) الضمير للرسل في قوله: (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ) [الأعراف: ١٠١]، أو للأمم، (فَظَلَمُوا بها): فكفروا بآياتنا، أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من وادٍ واحد؛ (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، أو: فظلموا الناس بسببها حين أو عدوهم
_________________
(١) قوله: (الضمير للرسل في قوله تعالى: (ولقد جاءتهم رسلهم) أو للأمم): وفي تأخير العطف عن قوله تعالى: (ولقد جاءتهم رسلهم) إشعار بأن الضمير للرسل أوفق، لأن تلك القصص ذكرت تسليةً لرسول الله صلي الله عليه وسلم أصالة: (وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود: ١٢٠]. يدل عليه قوله تعالى: (تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا) [الأعراف: ١٠١]، وقوله: (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ)، واعتبار الأمة تبعًا، يدل عليه قوله تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَاتِيَهُم بَاسُنَا) إلى آخره. ثم لما وبخهم وزجرهم وعنفهم، عاد إلى ذكر نبي هو أعظمهم آية، وأكثفهم أمة، وأشبع في بيان أحواله مع أمته. ولهذا أفرز قصته من قصصهم، وقال فيهم: (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا) أي: بعض أخبارها، وأطنب في قصته كل الإطناب. والذي يقوي أن الضمير راجع إلى الرسل، أنه قيل: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى وهَارُونَ إلَى فِرْعَوْنَ) ولم يقل: ثم أنشأنا من بعدهم أمة فرعون، وبعثنا إليهم موسى. قوله: (أو: فظلموا الناس بسببها): يريد أن "الظلم" هاهنا إما مضمن فيه معنى "الكفر"، بوساطة تعديته بالباء، أو على معناه، والباء سببية، وإنما كان الثاني ظلمًا، لأن الآيات سبب لا يرغب الناس إلى الإيمان بها، فقلبوا، ووضعوا الشيء في غير موضعه، حيث جعلوها سببًا للصد عنها، وإيذاء الناس.
[ ٦ / ٤٩٩ ]
وصدّوهم عنها، وآذوا من آمن بها، ولأنه إذا وجب الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلمًا، فكذلك قيل: (فظلموا بها)، أي: كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه، وهو موضع الإيمان.
يُقال لملوك مصر: الفراعنة، كما يقال لملوك فارس الأكاسرة، فكأنه قال: يا ملك مصر وكان اسمه قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان، (حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) فيه أربع قراءات: المشهورة،
_________________
(١) قوله: (ولأنه إذا وجب الإيمان بها): قيل: هو وجه ثانٍ لإطلاق "الظلم" على "الكفر". وقلت: بل وجه ثالث. وتقريره: أن "الظلم" لا يعدى بالباء، فتعدت به، إما لكونه عبارة عن الكفر بقرينة الباء، وإليه الإشارة بقوله: "أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من وادٍ واحد"، وإما لأن الباء للسببية، ومفعول "ظلموا" محذوف، وهو المراد من قوله: "فظلموا الناس بسببها". وإما أن الباء فيه دلالة على تضمين "الظلم" معنى "الكفر". وإليه أشار بقوله: "كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه". قوله: (فيه أربع قراءات: المشهورة) أي: ما اجتمعت عليه القراء، سوى نافع. وقراءة عبد الله وأبي تؤيدان قراءة نافع. قال الزجاج: "من قرأ: (حقيق علي ألا أقول) فالمعنى: واجب على ترك القول على الله إلا بالحق، ومن قرأ: (حقيق على أن لا أقول)، فالمعنى: حقيق علي ترك القول على الله إلا الحق. والأولى ظاهرة. ولهذا قال: "وفي المشهورة إشكال".
[ ٦ / ٥٠٠ ]
(وحقيقٌ علي أن لا أقول)، وهي قراءة نافع، و"حقيقٌ أن لا أقول" وهي قراءة عبد الله، "وحقيقٌ بأن لا أقول"، وهي قراءة أُبيّ وفي المشهورة إشكال، ولا تخلو من وجوهٍ:
أحدها: أن تكون مما يقلب من الكلام لأمن الإلباس، كقوله:
وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ
ومعناه: وتشقى الضياطرة بالرماح.
_________________
(١) قوله: (ولا تخلو)، أي: لا تخلو صحة القراءة المشهورة من وجوه: أحدها: أن يكون من باب القلب، كقولهم: "عرضت الناقة على الحوض". فحقها: حقيق علي ألا أقول، كما عليه قراءة نافع، فقلب كما قلب في قول الشاعر: وتلحق خيل لا هوادة بينها … وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر البيت لخداش بن زهير. الهوادة: الصلح والميل. والتهويد: المشي الرويد، مثل الدبيب. الضيطر: الرجل الضخم الذي لا غناء عنده. والحمر: العجم، لأن الشقرة غلبت عليهم. قوله: (ومعناه): أي: معنى كل واحدٍ من الآية والبيت. ففيه لف ونشر. قوله: (وهي قراءة نافع) يعني: معنى المشهورة يعود إلى قراءة نافع، وهي: "حقيق علي ألا أقول".
[ ٦ / ٥٠١ ]
والثاني: أنّ ما لزمك فقد لزمته، فلما كان قول الحق حقيقًا عليه كان هو حقيقًا على قول الحق، أي: لازمًا له.
والثالث: أن يُضمن (حَقِيقٌ) معنى: حريص، كما ضمن «هيجني» معنى ذكرني في بيت "الكتاب".
_________________
(١) قوله: (أن ما لزمك فقد لزمته): قال صاحب "التقريب": " (حقيق) في هذا الوجه: بمعنى اللازم". وقلت: بل قوله: "أن ما لزمك فقد لزمته" إيماء إلى أن الأسلوب من الكناية الإيمائية، كقول البحتري: أو ما رأيت الجود ألقى رحله … في آل طلحة ثم لم يتحول وقول ابن هانئ: فما جازه جود ولا حل دونه … ولكن يصير الجود حيث يصير يعني: بلغت الملازمة بين الجود والممدوح، بحيث وجب وحق على الجود أن لا يفارق ساحته، فيصير حيث صار. وهو المراد بقوله: "فلما كان قول الحق حقيقًا عليه، كان هو حقيقًا على قول الحق". قوله: (في بيت "الكتاب")، وهو:
[ ٦ / ٥٠٢ ]
والرابع: وهو الأوجه الأدخل في نكت القرآن: أن يُغرِق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام، لا سيما وقد روي أنّ عدو الله فرعون قال له- لما قال: (إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) -: كذبت، فيقول: أنا حقيقٌ علي قول الحق، أي: واجبٌ على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يرضى إلا بمثلي ناطقًا به.
(فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ): فخلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدّسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم، وذلك أن يوسف ﵇ لما توفي
_________________
(١) إذا تغنى الحمام الورق هيجني … ولو تعزيت عنها أم عمار الورق: جمع أورق، وهو الذي لونه لون الرماد. تعزيت عنها، أي: تسليت. "هيج": يتعدى إلى مفعولٍ واحد، فلما ضمنه معنى "ذكر" عداه إلى المفعول الثاني وهو "أم عمار"، أي: إذا تغنى الحمام ذكرني أم عمار. "ولو تعزيت عنها": معترضة، فلا يكون الضمير في "عنها" إضمارًا قبل الذكر، كما قيل. قوله: (أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق): أي: يبالغ فيه، يعني: كيف ينسب إلى الكذب؟ إذ لو كان الصدق مما يعقل، لكان الواجب عليه أن يجعلني قائله، أي: يجتهد
[ ٦ / ٥٠٣ ]
وانقرضت الأسباط، غلب فرعون نسلهم واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى ﵇، وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام.
[(قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَاتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ للِنَّاظِرِين)].
_________________
(١) لتحصيل ما يوجب أن أكون أنا قائله، والقائم بمصالحه، كما يقوم القيم بمصالح الطفل على طريقة قوله: (فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) [الأعراف: ٢]. فالآية، على هذا، من الاستعارة المكنية. وإنما استدعى المقام المبالغة، لأن موسى ﵇ حين ادعى الرسالة بين يدي فرعون، لم يخل من ارتيابٍ منه، فكان قوله: (إني رسول من رب العالمين)، واردًا لإزالة ذلك الارتياب، كقول الرسل في المرة الأولى: (إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ) [يس: ١٤]. ثم لما سمع فرعون قوله: (إنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ)، أنكره، فزاد موسى ﵇ في المبالغة، بأن قال: (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق) كما قال.
[ ٦ / ٥٠٤ ]
فإن قلت: كيف قال له: (فَاتِ بِها) بعد قوله: (إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ)؟ قلت: معناه: إن كنت جئت من عند من أرسلك بآيةٍ فأتني بها وأحضرها عندي لتصح دعواك ويثبت صدقك.
_________________
(١) وقد روي أن عدو الله قال: كذبت. وكان قوله: "أنا حقيق على قول الحق"، جوابًا عن إنكاره، كقولهم في المرة الثانية: (إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) [يس: ١٦]. فعلم من هذا البيان أن قوله: (حقيق على أن لا أقول) - على هذا - يجب أن يكون خبر مبتدأ محذوف ما، بخلافه على الوجوه السابقة. قال أبو البقاء: " (حقيق) هاهنا على الصحيح: صفة لـ (رسول)، أو خبر ثانٍ، كما تقول: أنا حقيق بكذا، أي: أحق". وقال صاحب الكواشي: "قرئ: (حقيق على أن لا أقول)، فـ (حقيق) على هذا صفة (رسول)، فلا تقف على (العالمين). وإن جعلت (حقيق) خبر مبتدأ - أي: أنا حقيق - وقفت عليه". قوله: (كيف قال له: (فأت بها إن كنت من الصادقين»: أي: كيف قيد جزاء الشرط بالشرط؟ وما معناه؟ خلاصة الجواب: أن الشرط الثاني كالتأكيد والتعليل. ولهذا قال: "لتصح دعواك، ويثبت صدقك". وقد مر عن أبي البقاء أن الشرط الثاني جوابه ما يدل عليه الشرط الأول مع جوابه، فالتقدير: إن كنت من الصادقين فأت بآية إن كنت جئت بها.
[ ٦ / ٥٠٥ ]
(ثُعْبانٌ مُبِينٌ) ظاهرٌ أمره لا يشك في أنه ثعبان، وروي أنه كان ثعبانًا ذكرًا أشعر فاغرًا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعًا، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب، وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك! وهرب الناس وصاحوا، وحمل على الناس فانهزموا، فمات منهم خمسةٌ وعشرون ألفًا قتل بعضهم بعضًا، ودخل فرعون البيت وصاح: يا موسى، خذه وأنا أو من بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصًا.
فإن قلت: بم يتعلق (لِلنَّاظِرِينَ)؟ قلت يتعلق بـ (بيضاء)، والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظارة، ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضًا عجيبًا خارجًا عن العادة، يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب،
_________________
(١) ولهذا قال الزجاج: "قد أوجب فرعون أنه ليس بإله، كما ادعى، لأنه قد أوجب له الصدق إذا أتى بآيةٍ يعجز عنها المخلوقون". قوله: (فاغرًافاه)، الجوهري: "فغرفاه، أي: فتحه. وفغرفوه: انفتح. يتعدى ولا يتعدى". و"أحدث" أي: استطلق. قوله: (ولا تكون بيضاء للنظارة، إلا إذا كان بياضها بياضًا عجيبًا): يريد: أن قوله تعالى: (للناظرين) من التتميم، كقول امرئ القيس: حملت ردينيًا كأن سنانه … سنا لهبٍ لم يتصل بدخان فإن النار الشاعلة إذا لم يتصل بها دخان، كانت أشد ثقوبًا. جلب في البيت معنىً لتربية المعنى، كما أثبت في الآية معنىً لتربية المعنى.
[ ٦ / ٥٠٦ ]
وذلك ما يروى: أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟ قال: يدك، ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعة صوفٍ ونزعها، فإذا هي بيضاء بياضًا نورانيًا غلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى ﵇ آدم شديد الأدمة.
[(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَامُرُونَ* قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* يَاتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ)].
(إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ) أي: عالمٌ بالسحر ماهرٌ فيه، قد أخذ عيون الناس بخدعةٍ من خدعه، حتى خيل إليهم العصا حيةً، والآدم أبيض.
فإن قلت: قد عزي هذا الكلام إلى فرعون في "سورة الشعراء"، وأنه قاله للملأ، وعزي هاهنا إليهم؟ قلت: قد قاله هو وقالوه هم، فحكى قوله ثم، وقولهم هاهنا، أو قاله ابتداءً فتلقته منه الملأ، فقالوه لأعقابهم، أو قالوه عنه للناس على طريق التبليغ،
_________________
(١) قوله: (وكان موسى ﵇ آدم شديد الأدمة)، روى البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم: "وأما موسى فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزط". النهاية: "الزط: جنس من السودان والهنود". قوله: (قاله هو، وقالوه هم) فهو كوقع الحافر على الحافر. يدل عليه قوله: "أو قاله ابتداء، فتلقته منه الملأ": يعني قال فرعون ما في سورة "الشعراء": (قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَامُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وأَخَاهُ) [الشعراء: ٣٤ - ٣٦] ابتداءً.
[ ٦ / ٥٠٧ ]
كما يفعل الملوك؛ يرى الواحد منهم الرأي، فيكلم به من يليه من الخاصة، ثم تبلغه الخاصة العامة. والدليل عليه أنهم أجابوه في قولهم: (أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* يَاتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ)، وقرئ: (سحار)،
_________________
(١) وقال الملأ هاهنا نقلًا لكلامه ذلك، وهو: (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه)، إما على وجه الإعادة لأجل أعقابهم، أو على وجه التبليغ إلى سائر الناس. قال المصنف: "المناسب أن يقال: إن الملأ قالوا هذا الكلام مع الناس بطريق التبليغ، ويكون (فماذا تأمرون) من تتمته. فلما سمع الناس هذا من الملأ، أقبلوا على فرعون، وقالوا: (أرجه وأخاه) ". وإليه الإشارة بقوله: "والدليل عليه أنهم أجابوه في قولهم: (أرجه وأخاه) " يعني: أن الدليل على أن الكلام وارد على التبليغ أنه لو كان الجواب من القوم للملأ لكان المطابق: أرجئوا وأرسلوا. ولأن الظاهر أن قولهم: (فماذا تأمرون) كان مؤامرةً مع القبط ومشاورة، فلابد أن يحصل منهم أيضًا كلام ومشورة، كما قال: "وكانت مؤامرةً مع القبط" إلى قوله: "فأشار عليك برأي". لكن ما في "الشعراء" تصريح في أن قوله تعالى: (أرجه وأخاه) من قول الملأ لفرعون، لا من القبط له، كأنهم لما أبلغوا إلى الناس رسالة فرعون، ما أصغوا إلى مشورتهم، فأشاروا هم إلى فرعون: (أرجه وأخاه). هذا أحسن، ليتجاوب الآيتان، ويؤيده قوله بعد هذا: "كأنه قيل: قال: (فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه) ". قوله: «يأتوك بكل ساحرٍ عليمٍ)، وقرئ: "سحار"): لف، وقوله: "مثله في العلم
[ ٦ / ٥٠٨ ]
أي: يأتوك بكل ساحر مثله في العلم والمهارة. أو بخيرٍ منه، وكانت هذه مؤامرة مع القبط.
وقولهم: (فَماذا تَامُرُونَ) من: أمرته فأمرني بكذا؛ إذا شاورته فأشار عليك برأي. وقيل: (فَمَاذَا تَامُرُونَ)؟ من كلام فرعون، قاله للملأ لما قالوا له: (إن هذا لساحرٌ عليم* يريد أن يخرجكم)، كأنه لما قيل: فماذا تأمرون؟ قالوا: أرجئه وأخاه، ومعنى "أرجئه وأخاه": أخرهما وأصدرهما عنك، حتى ترى رأيك فيهما وتدبر أمرهما. وقيل: احبسهما. وقرئ: "أرجئه" بالهمزة، و(أرجه)، من أرجأه وأرجاه.
_________________
(١) والمهارة أو بخير منه" نشر، وذلك أن هذا الجواب مقابل لقول الملأ: (إن هذا لساحر عليم). فمن قرأ: (بكل ساحرٍ) يكون مثله، ومن قرأ: "سحارٍ" يكون خيرًا منه. قوله: (والمهارة)، الجوهري: "المهارة: الحذق في الشيء. وقد مهرت الشيء مهارة". قوله: (وقيل: (فماذا تأمرون) من كلام فرعون): نحوه قول يوسف: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: ٥٢] بعد قولها: (الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) [يوسف: ٥١]. فعلى هذا الظاهر أن قول الملأ: (إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم) ابتداء كلام، كما قال المصنف" "قد قاله هو، وقالوه هم". وقولهم: (يخرجكم من أرضكم) بناء على خطاب الملوك بلفظ الجماعة. قوله: ("أرجئه" بالهمز): أبو بكر وأبو عمروٍ وابن عامر. والباقون: بتركها.
[ ٦ / ٥٠٩ ]
[(وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ* قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)].
فإن قلت: هلا قيل: وجاء السحرة فرعون فقالوا! قلت: هو على تقديرٍ سائلٍ سأل: ما قالوا إذ جاءوه؟ فأجيب بقوله: "قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا" أي: جُعلًا على الغلبة، وقرئ: (إن لنا لأجرًا) على الإخبار وإثبات الأجر العظيم وإيجابه، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، والتنكير للتعظيم، كقول العرب: إنّ له لإبلًا، وإنّ له لغنمًا، يقصدون الكثرة.
فإن قلت: (وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) ما الذي عطف عليه؟ قلت: هو معطوفٌ على محذوف سدّ مسدّه حرف الإيجاب، كأنه قال إيجابًا لقولهم: (إن لنا لأجرًا)؟ -: (نعم) إن لكم لأجرًا، (وإنكم لمن المقرّبين)، أراد: إني لأقتصر بكم على الثواب وحده، وإنّ لكم مع الثواب ما يقل معه الثواب، وهو التقريب والتعظيم، لأنّ المثاب إنما يتهنأ بما يصل إليه ويغتبط به إذا نال معه الكرامة والرفعة.
وروي: أنه قال لهم: تكونون أول من يدخل وآخر من يخرج. وروي: أنه دعا برؤساء السحرة ومعلميهم فقال لهم: ما صنعتم؟ قالوا قد علمنا سحرًا لا يطيقه سحرة أهل الأرض، إلا أن يكون أمرًا من السماء فإنه لا طاقة لنا به.
وروي أنهم كانوا ثمانين ألفًا، وقيل: سبعين ألفًا، وقيل: بضعةً وثلاثين ألفًا. واختلفت الروايات فمن مقل ومن مكثر!
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (إن لنا لأجرًا): نافع وابن كثير وحفص. قوله: (فمن مقل ومن مكثر) الفاء عقيب قوله: "واختلفت الروايات"، مفصلة له.
[ ٦ / ٥١٠ ]
وقيل: كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى. وقيل: قال فرعون: لا نغالب موسى إلا بما هو منه، يعنى السحر.
[(قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ* قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ* وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَافِكُونَ* فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ* وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ* قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى وَهارُونَ)].
تخييرهم إياه أدبٌ حسن راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا، كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال، والمتصارعين قبل أن يتآخذوا للصراع.
وقولهم: (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) فيه ما يدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو تعريف الخبر وإقحام الفصل، وقد سوَّغ لهم موسى ما تراغبوا فيه ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاةٍ بهم، وثقةً بما كان بصدده من التأييد السماوي، وأنّ المعجزة لن يغلبها سحر أبدًا.
_________________
(١) قوله: (نينوى): روي عن فخر المشايخ: أنها قرية بقرب الموصل، بعث فيها يونس. قوله: (أو تعريف الخبر وإقحام الفصل): فإن قلت: ما الفرق بين أن يكون الضمير مؤكدًا، وبين أن يكون فصلًا؟ قلت: التوكيد يرفع التجوز عن المسند إليه، فيلزم التخصيص من تعريف الخبر، أي: نحن نفعل الإلقاء البتة، لا غيرنا، والفصل يخصص الإلقاء بهم، لأنه لتخصيص المسند بالمسند إليه، فيعرى عن التوكيد.
[ ٦ / ٥١١ ]
(سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ): أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه، كقوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) [طه: ٦٦]، روي: أنهم ألقوا حبالًا غلاظًا وخُشُبًا طوالًا، فإذا هي أمثال الحيات، قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضًا، (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ): وأرهبوهم إرهابًا شديدًا، كأنهم استدعوا رهبتهم (بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) في باب السحر. روي أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة، قيل: جعلوا فيها الزئبق.
(ما يَافِكُونَ): (مَا) موصولةٌ أو مصدرية، بمعنى: ما يأفكونه، أي: يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه. أو إفكهم، تسمية للمأفوك بالإفك.
روي أنها لما تلقفت ملء الوادي من الخشب والحبال ورفعها موسى، فرجعت عصًا كما كانت، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة، أو فرّقها أجزاءً لطيفةً، قالت السحرة: لو كان هذا سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا، (فَوَقَعَ الْحَقُّ) فحصل وثبت،
_________________
(١) ـ .. قوله: (أو إفكهم) هذا على أن تكون (ما) مصدرية، والمصدر بمعنى اسم المفعول، والمأفوك ما جعلوا فيه الزئبق. قال الزجاج: "معنى قوله: (يأفكون) أي: يأتون بالإفك، وهو الكذب، وذلك أنهم زعموا أن حبالهم وعصيهم حيات، وكذبوا في ذلك، وإنما كانوا قد حشوها بالزئبق، وصوروها بصور الحيات". قال أبو عبيدة: " (تلقف ما يأفكون) أي: تلقم ما يسحرون ويكذبون". قوله: «فوقع الحق): حصل وثبت). استعير للثبوت وللحصول الوقع، لأنه في
[ ٦ / ٥١٢ ]
ومن بدع التفاسير: فوقع قلوبهم، أي: فأثر فيها؛ من قولهم: قاس وقيعٌ، (وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ): وصاروا أذلاء مبهوتين.
(وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ): وخرّوا سجدًا، كأنما ألقاهم ملقٍ لشدّة خرورهم، وقيل: لم يتمالكوا مما رأوا، فكأنهم ألقوا، وعن قتادة: كانوا أول النهار كفارًا سحرةً، وفي آخره شهداء بررة، وعن الحسن: تراه ولد في الإسلام ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا وكذا، وهؤلاء كفار نشؤوا في الكفر، بذلوا أنفسهم لله.
[(قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ* لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)].
(آمَنْتُمْ بِهِ) على الإخبار، أي: فعلتم هذا الفعل الشنيع، توبيخًا لهم وتقريعًا. وقرئ: (أآمنتم) بحرف الاستفهام، ومعناه الإنكار والاستبعاد،
_________________
(١) ـ .. مقابل "بطل"، فإن الباطل زائل. وفائدتها شدة الرسوخ والتأثير، لأن الوقع يستعمل في الأجسام. الأساس: "وقع الشيء على الأرض وقوعًا، وأوقعته إيقاعًا". وهو كقوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) [الأنبياء: ١٨]، استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل، لأن القذف والدمغ يستعملان في الأجسام. ولعل من فسر الوقع بالتأثير نظر إلى هذا المعنى. قوله: ("أآمنتم" بحرف الاستفهام): الجماعة كلهم إلا حفصًا، فإنه قرأها على الإخبار.
[ ٦ / ٥١٣ ]
(إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ): إن صنعكم هذا لحيلةٌ احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا منها إلى هذه الصحراء، قد تواطأتم على ذلك لغرضٍ لكم، وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها بني إسرائيل، وكان هذا الكلام من فرعون تمويهًا على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان. وروي أن موسى ﵇ قال للساحر الأكبر: أتؤمن بي إن غلبتك؟ قال لآتين بسحر لا يغلبه سحر، وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون يسمع، فلذلك قال ما قال، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وعيدٌ أجمله، ثم فصله بقوله: (لَأُقَطِّعَنَّ)، وقرئ: "لأقطعن" بالتخفيف، وكذلك (ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ مِنْ خِلافٍ): من كل شق طرفًا، وقيل: إن أوّل من قطع من خلاف وصلب لفرعون.
[(قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ* وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ)].
_________________
(١) ـ .. وفيها أيضًا معنى التوبيخ، كما في الاستفهام. ونحوه قال الحسن في قوله تعالى: (اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً) [الفرقان: ٥] بكسر الهمزة: "إنه قول الله يكذبهم". وإنما أفاد الخبر التوبيخ، لأن الأصل في الإخبار الساذج أن يكون المخاطب خالي الذهن، وألا يلزم تحصيل الحاصل، فإذا ألقى إليه الجملة، وهو عالم بفائدتها، تؤكد بحسب قرائن الأحوال ما ناسب المقام. وهاهنا، لما خاطبهم بما فعلوا، مخبرًا إياهم في ذلك المقام، أفاد التوبيخ والتقريع. قوله: (وروي أن موسي ﵇ قال للساحر الأكبر): عطف على قوله: "وكان
[ ٦ / ٥١٤ ]
(إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) فيه أوجهٌ: أن يريدوا: إنا لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته، وخلاصنا منك ومن لقائك، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب، أو إنا جميعًا- يعنون أنفسهم وفرعون- ننقلب إلى الله فيحكم بيننا. أو إنا لا محالة ميتون منقلبون إلى الله، فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه.
(وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا): وما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله، أرادوا: وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها، وهو الإيمان. ومنه قوله:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
_________________
(١) ـ .. هذا الكلام من فرعون تمويهًا على الناس". أي: لم يسمع شيئًا من السحرة، وموسى ما شعر بهذا المعنى، بل وضعه من تلقاء نفسه تمويهًا على الناس، أو سمع ما يدل عليه، كما جاء في الرواية: "أن موسى قال للساحر الأكبر" إلى آخره، ومن تمويهه قوله: (قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) [الأعراف: ١٢٣] أي: آمركم. يعني: أن غلبة موسى لم تكن غلبةً في الحقيقة، إذ لو كانت لآذنتكم بالإيمان به (إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ). قوله: «إنا إلى ربنا منقلبون): فيه أوجه): إنما احتمل الوجوه، لأن هذه القصة في هذه السورة جاءت مختصرة، وفي "الشعراء" أو في منها، فتحمل هذه على تلك، والمذكور فيها: (لا ضَيْرَ إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * إنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ المُؤْمِنِينَ) [الشعراء: ٥٠ - ٥١]، عللوا عدم المبالاة الذي يعطيه معنى (لا ضير) بالانقلاب إلى الله، والطمع في الثواب. وفسر الآية هناك بوجوه ثلاثة، وزاد هنا، بناءً على ذلك، وجهًا واحدًا. الوجه الأول: قوله: "إنا لا نبالي بالموت، لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته، وخلاصنا منك"، ومما يقرب منه هنالك قوله: "لا ضير علينا في قتلك، إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته، ويرجو رحمته".
[ ٦ / ٥١٥ ]
(أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا): هب لنا صبرًا واسعًا وأكثره علينا، حتى يفيض علينا ويغمرنا، كما يفرغ الماء فراغًا، وعن بعض السلف: إن أحدكم ليفرغ على أخيه ذنوبًا، ثم يقول: قد مازحتك، أي: يغمره بالحياء والخجل
_________________
(١) ـ .. والثاني: قوله: "ننقلب إلى الله يوم الجزاء، فيثيبنا على شدائد القطع والصلب"، ومما يناسبه ثمة قوله: "لا ضرر علينا في ذلك، بل لنا فيه أعظم النفع، لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله من تكفير الخطايا، والثواب العظيم، مع الأعواض"، لأن المشار إليه بقوله: "ذلك": "القطع والصلب". والثالث: قوله: "إنا جميعًا - يعنون أنفسهم وفرعون - ننقلب إلى الله فيحكم بيننا" لم يذكره هناك. والمعنى: ننقلب إلى الله جميعًا، فيحكم بيننا، وينتقم لنا منك، بما فعلت بنا، ويثيبنا على ما قاسيناه من البلاء والمحن. والرابع: قوله: "إنا لا محالة ميتون منقلبون إلى الله"، ومما يدانيه هناك قوله: "لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من القتل، لأنه لابد لنا من الانقلاب إلى ربنا، بسبب من أسباب الموت، والقتل أهون أسبابه". وقد ذكرنا هناك وجه تخريج كل من الوجوه على التفصيل. قوله: (هب لنا صبرًا واسعًا، وأكثره علينا)، هذا أصل المعنى، فاستعير له قوله تعالى: (أفرغ علينا صبرًا). فالاستعارة في (أفرغ)، والقرينة (صبرًا)، لأن الصبر لا يستعمل فيه الإفراغ، وهي استعارة تبعية.
[ ٦ / ٥١٦ ]
أو صب علينا ما يطهرنا من أوضار الآثام، وهو الصبر على ما توعدنا به فرعون، لأنهم علموا أنهم إذا استقاموا وصبروا كان ذلك مطهرةً لهم، (وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ): ثابتين على الإسلام.
[(وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ)].
(وَيَذَرَكَ) عطفٌ على (لِيُفْسِدُوا)، لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم،
_________________
(١) ـ .. قوله: (أو صب علينا ما يطهرنا). فعلى هذا الاستعارة في "الصبر"، والقرينة (أفرغ)، وهي استعارة مكنية مستلزمة للتخييلية، لأن الإفراغ يستعمل في الماء، و"الصبر" المكنية، ولذلك قال: "أو صب علينا ما يطهرنا من أوضار الآثام، وهو الصبر". قوله: (لأنه إذا تركهم) تعليل لما يؤدي إليه عطف "يذرك" على علة الفعل المنكر. وهو: (أتذر)، لأن ترك فرعون موسى وقومه على ما أرادوا يؤدي إلى الفساد في الأرض، وإلى ترك فرعون ألا يعظم، وترك الآلهة بألا تعبد. فاللام في (ليفسدوا) كما في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨]. ولهذا قال: "فكأنه تركهم لذلك" على التشبيه. والإضافة في (والهتك) ليست للتخصيص، لتكون معبودة له، بل لأدنى ملابسة، لأنه صنعها، ودعا القوم إلى عبادتها. يعضده قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) [النازعات: ٢٤].
[ ٦ / ٥١٧ ]
وكان ذلك مؤدّيا إلى ما دعوه فسادًا وإلى تركه وترك آلهته، فكأنه تركهم لذلك.
أو هو جوابٌ للاستفهام بالواو كما يجاب بالفاء، نحو قول الحطيئة:
ألم أك جاركم ويكون بيني … وبينكم المودّة والإخاء
والنصب بإضمار «أن»، تقديره: أيكون منك ترك موسى، ويكون تركه إياك وآلهتك.
وقرئ: "ويذرك وآلهتك" بالرفع عطفًا على (أتذر موسى)، بمعنى: أتذره وأيذرك، يعني: أتطلق له ذلك؟ أو يكون مستأنفًا أو حالًا على معنى: أتذره وهو يذرك وآلهتك. وقرأ الحسن: "ويذرك" بالجزم،
_________________
(١) ـ .. قوله: (أو هو جواب الاستفهام بالواو): قال الزجاج: "المعنى: أيكون منك أن تذر موسى، وأن يذرك؟ " يعني: أتذر موسى وقومه ليغيروا دينك، ولنترك عبادتك وعبادة الأصنام التي أمرتنا بعبادتها؟ قوله: (والنصب بإضمار "أن") عطف على قوله: "هو جواب"، أي: هو جواب للاستفهام، والنصب بإضمار "أن". قوله: (وهو يذرك وآلهتك) مثال للاستئناف والحال، كقوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وأَنتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٩٢]. أما الاستئناف، فعلى أن تكون الجملة معترضة مؤكدةً لمعنى ما سبق، أي: أتذر
[ ٦ / ٥١٨ ]
كأنه قيل: يفسدوا، كما قرئ: (وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون: ١٠]، كأنه قيل: "أصدّق". وقرأ أنسٌ ﵁: "ونذرك"، بالنون والنصب، أي: يصرفنا عن عبادتك فنذرها. وقرئ: "ويذرك وإلاهتك"، أي: عبادتك.
وروي أنهم قالوا له ذلك، لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف نفس،
_________________
(١) ـ .. موسى وعادته تركك وآلهتك؟ فلابد من تقدير "هو" ليدل على الدوام. وأما الحال فكذلك لأن "يذرك" مضارع، لا يجوز مجيء الواو معه، فتقدر الجملة أسمية، ليصح دخولها عليه. والحال مقدرة لجهة الإشكال. قوله: (كأنه قيل: يفسدوا): يعني: لو لم يكن في (ليفسدوا) اللام، لكان يجوز فيه الجزم على أنه جواب الاستفهام، بإضمار "إن" الشرطية، فيقدر كأنه ليس فيه اللام، كما في قوله: (وأكن). قال ابن جني: "أما إسكان "يذرك". فهو كقراءة أبي عمرو: "إن الله يأمركم" بإسكان الراء، استثقالًا للضمة على توالي الحركات، ولم يسكن (يأمرهم) [الأعراف: ١٥٧] لخفاء الهاء وخفتها، بخلاف الكاف لثقلها وإظهارها". قوله: (وإلاهتك): قال ابن جني: "قرأها علي وابن عباس والحسن ﵃ أي: عبادتك منه سميت الشمس: إلاهة، لأنهم كانوا يعبدونها". قوله: (وروي أنهم قالوا له ذلك) عطف على قوله: "إلى ما دعوه فسادًا" من حيث المعنى،
[ ٦ / ٥١٩ ]
فأرادوا بالفساد في الأرض ذلك وخافوا أن يغلبوا على الملك، وقيل: صنع فرعون لقومه أصنامًا وأمرهم أن يعبدوها تقربًا إليه، كما يعبد عبدة الأصنامِ الأصنامَ، ويقولون: ليقربونا إلى الله زلفى، ولذلك قال: (أنا ربكم الأعلى) [النازعات: ٢٤].
(سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ) يعني: سنعيد عليهم، ما كنا محناهم به من قتل الأبناء، ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر، وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا، وأن غلبة موسى لا أثر لها في ملكنا واستيلائنا، ولئلا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي أخبر المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده، فيثبطهم ذلك عن طاعتنا، ويدعوهم إلى اتباعه، وأنه منتظر بعد.
_________________
(١) ـ .. لأن المراد بالفساد إما ما هو المتعارف، قال تعالى: (لِيُفْسِدَ فِيهَا ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ) [البقرة: ٢٠٥] أو غير المتعارف، وهو إيمان ست مئة ألف نفس، يدل عليه قوله: "فأرادوا بالفساد في الأرض ذلك". قوله: (أن يغلبوا على الملك)، الأساس: "غلبته على الشيء: أخذته، وهو مغلوب عليه". قوله: (محناهم) وهي: من المحنة التي هي واحدة المحن، الذي يمتحن به الإنسان من بلية. قوله: (وأنه منتظر)، قيل: هو معطوف على قوله: "إنه هو المولود" على أسلوب قوله: علفتها تبنًا وماءً باردا المعنى: سنقتل أبناءهم، ليعلم بنو إسرائيل أنا على ما كنا عليه، وأن غلبة موسى لا أثر لها، ولئلا يتوهم العامة من القبط أن موسى هو المولود الذي تحدث به المنجمون، وليوقنوا أن ذلك المولود منتظر بعد، وليس بموسى.
[ ٦ / ٥٢٠ ]
[(قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَاتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)].
(قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ) قال لهم ذلك - حين قال فرعون: سنقتل أبناءهم فجزعوا منه وتضجروا -
_________________
(١) ـ .. يريد: أن قوله: (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ ونَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ) من الأسلوب الحكيم، وإن صدر من الأحمق، لأن الجواب المطابق للملأ عن قولهم: (أتذر موسى وقومه): إنا سنقتله وقومه، ونسبي ذراريهم. ولو أتى بهذا الجواب لظهر عجزه لبني إسرائيل، لأنه إذا ترك قتل الأبناء، وشرع في قتل الرجال، لتوهم أن ذلك للخوف منهم، وأن موسى ﵇ هو الموعود، فلما صرح بالعود إلى ما كانوا عليه من القهر: بإبقاء الرجال، وقتل الأولاد، واستحياء النساء، دل على ذلة بني إسرائيل، وأن موسى غير الموعود به. يعني: لا تلتفتوا إليه أيها القبط، ودوموا على ما كنتم عليه من قتل الأولاد، واستحياء النساء، ولا تعتمدوا عليه، يا بني إسرائيل، ولا تعتضدوا به، فأنتم بعد أذلاء مقهورون. فعلى هذا قوله: (وإنا فوقهم قاهرون) كالتذييل للسابق وكذلك كان قول موسى لقومه: (استعينوا بالله) حين ضجر القوم من قول فرعون، من الأسلوب الحكيم، أي: ليس كما قال فرعون: (وإنا فوقهم قاهرون)، فإن القهر والغلبة لمن صبر، واستعان
[ ٦ / ٥٢١ ]
يسكنهم ويسليهم، ويعدهم النصرة عليهم، ويذكر لهم ما وعد الله بني إسرائيل من إهلاك القبط وتوريثهم أرضهم وديارهم.
فإن قلت: لم أُخليت هذه الجملة عن الواو، وأُدخلت على التي قبلها؟ قلت: هي جملة مبتدأةٌ مستأنفة، وأمّا (وَقالَ الْمَلَأُ) [الأعراف: ١٢٧] فمعطوفةٌ على ما سبقها من قوله: (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ). وقوله: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ) يجوز أن تكون اللام للعهد، ويراد أرض مصر خاصةً، كقوله: (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ) [الزمر: ٧٤]، وأن تكون للجنس، فيتناول أرض مصر لأنها من جنس الأرض، كما قال ضمرة: "إنما المرء بأصغريه"، فأراد بالمرء الجنس، وغرضه أن يتناوله تناولا أوليًا.
_________________
(١) .. بالله، ولمن وعده الله توريث الأرض، أن ذلك الموعود الذي وعدكم الله النصرة به، وقهر الأعداء، وتوريث أرضهم. فقوله: (إن الأرض لله يورثها من يشاء) كناية تلويحية. قوله: (يسكنهم) قيل: حال من المستتر في "قال". فعلى هذا ترك الواو ظاهر. وفي بعض النسخ بالواو، إما على تأويل الجملة الاسمية، أي: "وهو يسكنهم"، أو على العطف. قوله: (وغرضه) أي: غرض ضمرة بقوله: "المرء بأصغريه" نفسه، كما سبق في أول السورة أن المنذر كان يسمع بشقة بن ضمرة، ويعجبه أخباره، فلما رآه استحقره، وقال: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، فأجابه ضمرة: "المرء بأصغريه". فأتى بالحكم
[ ٦ / ٥٢٢ ]
(وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) بشارةٌ بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم ومن القبط، وأن المشيئة متناولةٌ لهم. وقرأ: "وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"- بالنصب- أبيٌّ وابن مسعود، عطفًا على (الأرض).
(أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَاتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا) يعنون: قتل أبنائهم قبل مولد موسى ﵇ إلى أن استنبئ، وإعادته عليهم بعد ذلك، وما كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن ويمسون به من العذاب، (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ) تصريحٌ بما رمز إليه من البشارة قبل، وكشفٌ عنه، وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر، (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ): فيرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه، وشكر النعمة وكفرانها، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم. وعن عمرو بن عبيد ﵀: أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيفٌ أو رغيفان، فطلب زيادةً لعمروٍ فلم توجد، فقرأ عمروٌ هذه الآية، ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك، وقال: قد بقي (فينظر كيف تعملون).
_________________
(١) .. عامًا، وإن كان الغرض نفسه، ليدخل فيه دخولًا أوليًا على سبيل الكناية. قوله: «عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ): تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل، وكشف عنه): أراد به ما قال: " (والعاقبة للمتقين): بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم ومن القبط، وأن المشيئة متناولة لهم". وفيه أنه كناية رمزية، لأن المسافة من المذكور إلى المقصود قريبة، وفيها نوع خفاء. ثم
[ ٦ / ٥٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . في قوله: "إن المشيئة متناولة لهم" إشارة إلى أن قوله تعالى: (إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أيضًا كناية، والثانية كالتذييل للأولى، فحصل في الكلام كنايتان وتصريح: أما الكناية الأولى فتلويحية لتوسيط لوازم بني ما عليه التلاوة، وبين ما هو المقصود، وهو توريث أرض مصر بني إسرائيل، وإهلاك عدوهم، وبيانها أن المقام مقام التسلية، كما قال المصنف: "فجزعوا منه وتضجروا يسكنهم ويسليهم ويعدهم النصرة عليهم". ولا ارتياب أن المراد بالأرض أرض مصر، وكان القبط مسلطين عليها، مملكين فيها، فلما قيل: (يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) علم أن لابد من نزعها من أيدي القبط، وإيتائها غيرهم. ولما لم يكن لهم عدو يناوئهم وينازعهم سوى موسى، ومن معه من بني إسرائيل، وضم إليه مقام التسلية، تناولهم تناولًا أوليًا. وهو المراد من قوله: "إن المشيئة متناولة لهم" فكأنه قيل: إن الأرض لله، يورثها إياكم يا بني إسرائيل. وإلى الكناية أشار الواحدي بقوله: "أطمعهم موسى ﵇ بقوله: (إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أن يعطيهم الله أرض فرعون وقومه بعد إهلاكهم". وكذا الإمام بقوله: "هذا إطماع من موسى ﵇ لقومه في أن يورثهم الله أرض فرعون بعد إهلاكهم. وذلك معنى الإرث، وهو: جعل الشيء للخلف بعد السلف".
[ ٦ / ٥٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ .. وأما بيان الكناية الثانية فإن قوله: "إن المشيئة متناولة لهم" عطف على قوله: "إن الخاتمة المحمودة للمتقين". ولن يكون بشارة بأن المشيئة متناولة لهم، إذا لم يؤخذ مفهوم الكلام الأول معه، وأن يكون الثاني كالتذييل للأول، كما سبق في قصة شقة قبيل هذا. فكأنه قيل: إن الخاتمة المحمودة للمتقين من بني إسرائيل ومن القبط، وإن مشيئة الله في قوله: (يورثها من يشاء) متناولة لبني إسرائيل، فيلزم أن يقال: إن الخاتمة المحمودة لبني إسرائيل، ولا يبعد أن يعد هذا من تخصيص العام. وفي كلام القاضي إشعار بهذا التقرير، قال: " (والعاقبة للمتقين) وعد لهم بالنصرة، وتذكير لما وعدهم من إهلاك القبط، وتوريثهم ديارهم، وتحقيق له". وقيل: إن الضمير في "لهم" للمتقين، وإن المعنى: الخاتمة المحمودة لمن اتقى من بني إسرائيل ومن القبط، وإن المشيئة متناولة لهم وللقبط، فيلزم منه أن بعضًا من القبط، ومن بني إسرائيل، حسنت خاتمته. يرده قول المصنف: " (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ): تصريح بما رمز إليه من البشارة". قيل: فكما لا يجوز أن يدخل القبط في التصريح، فكذا لا يجوز أن يدخل فيما هو مكني عنه.
[ ٦ / ٥٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ .. وإنما قلنا ذلك لأن قولهم: (أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِيَنَا ومِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) لا يليق إلا ببني إسرائيل. وأيضًا، الواقع أن بني إسرائيل هم الذين ورثوا ديار القبط بعدهم. يدل عليه قوله تعالى بعد هذا: (وأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ودَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ومَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف: ١٣٧]، وقول المصنف: "الأرض: أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة". والظاهر أن المراد بهذا الصبر قول موسى ﵇: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا). وأما التصريح بقوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ويَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ) (عسى) في هذا المقام قطع في إنجاز الموعود، والفوز بالمطلوب. فإن قلت: كيف اتصال التصريح بالكنايتين؟ قلت: إنه ﵇ لما بشرهم ووعدهم النصر وقهر الأعداء، قالوا: (أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِيَنَا ومِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا). يعني: بحق لم نزل مغلوبين مقهورين تحت أيدي القبط، استعبدونا قبل إرسالك وبعده، فمن أين لنا التسلط عليهم، وتوريث ديارهم؟ وكيف نفوز بالنصرة؟ فأجاب بقوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ). وصرح بأن الله ﷿ هو وحده يقهر عدوكم ويهلكهم، من غير أن يحاولوا محاربتهم. وعدل إلى المظهر في قوله: (عدوكم) ليؤذن أن استحقاقهم الهلاك بسبب كونهم أعداءكم. وفيه إدماج معنى "من عادى وليًا لله فقد بارز مع الله".
[ ٦ / ٥٢٦ ]
[(وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)].
(بِالسِّنِينَ): بسني القحط، و«السنة»: من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم ونحو ذلك، وقد اشتقوا منها فقالوا: أسنت القوم، بمعنى: أقحطوا. وقال ابن عباسٍ ﵁: أما السنون فكانت لباديتهم وأهل مواشيهم، وأمّا نقص الثمرات فكان في أمصارهم. وعن كعب: يأتي على الناس زمانٌ لا تحمل النخلة إلا تمرة، (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) فيتنبهوا على أن ذلك لإصرارهم على الكفر وتكذيبهم لآيات الله، ولأن الناس في حال الشدّة أضرع خدودًا وألين أعطافًا، وأرق أفئدة.
وقيل: عاش فرعون أربعمائة سنة ولم ير مكروهًا في ثلاث مئةٍ وعشرين سنة، ولو أصابه في تلك المدّة وجعٌ أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.
_________________
(١) قوله: (وقد اشتقوا منها فقالوا: أسنت القوم)، الجوهري: "السنة: إذا قلته بالهاء، وجعلت نقصانه الواو، فهو من هذا الباب، أي: باب "سنا"، تقول: أسنى القوم يسنون إسناء: إذا لبثوا في موضع سنة. وأسنتوا: إذا أصابتهم الجدوية، تقلب الواو تاءً للفرق بينهما. قال المازني: هذا شاذ، ولا يقاس عليه. وقال الفراء: توهموا أن الهاء أصلية، إذ وجدوها ثالثة، فقلبوها تاء". قوله: (ولأن الناس) معلله محذوف، أي: لعلهم يذكرون، فيتنبهوا، ويتضرعوا، لأن الناس في حال الشدة أضرع خدودًا. قال القاضي: " (لعلهم يذكرون): لكي يتنبهوا على أن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم، فيتعظوا، أو ترق قلوبهم بالشدائد، فيفزعوا إلى الله، ويرغبوا فيما عنده".
[ ٦ / ٥٢٧ ]
[(فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].
(فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ) من الخصب والرخاء، (قالُوا لَنا هذِهِ) أي: هذه مختصةٌ بنا ونحن مستحقوها، ولم نزل في النعمة والرفاهية، واللام مثلها في قولك: الجل للفرس، (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) من ضيقةٍ وجدب، (يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ): يتطيروا بهم ويتشاءموا ويقولوا: هذه بشؤمهم، ولولا مكانهم لما أصابتنا، كما قالت الكفرة لرسول الله ﷺ: (هذه من عندك) [النساء: ٧٨].
فإن قلت: كيف. قيل: (فإذا جاءتهم الحسنة) بـ (إذا) وتعريف (الحسنة)، (وإن تصبهم سيئةٌ) بـ (إنّ) وتنكير "السيئة"؟ قلت: لأنّ جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه،
_________________
(١) قوله: (ولولا مكانهم لما أصابتنا) أي: لولاهم. كقوله: "ونفيت عنه مقام الذئب". قوله: (كيف قيل: (فإذا جاءتهم الحسنة)؟): أي: كيف أدخل على الجملة الأولى "إذا"، وهي لا تدخل إلا فيما هو متقين الوجود؟ وعلى الجملة الثانية "إن" وهي لا تدخل إلا فيما هو جائز الوجود؟ قوله: (لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب): أراد بالجنس: العهد الذهني الشائع، كما قال في تفسير (الحمد لله) [الفاتحة: ٢]: "التعريف فيه للجنس، وإن المراد به الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد أن الحمد ما هو". فالمراد بالحسنة: الحسنة التي تحصل في ضمن فرد من الأفراد، ويصدق عليها اسم الحسنة، وهي تارةً تكون خصبًا، وأخرى رفاهية، أو صحة، أو غير ذلك.
[ ٦ / ٥٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإليه الإشارة بقوله: " (فإذا جاءتهم الحسنة): من الخصب والرخاء"، فإن بعضًا منها واقع دائمًا لا ينقطع، وهو المراد بقوله: "وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه"، وهذا ملائم للمقام، لإمكان حمله على الفرد الذي هو حاصل، وعلى الذي يتوقع حصوله، وعلى الذي انعدم. ومن ثم لم يجز حمل التعريف على العهد الخارجي لتعين وتخصصه، فلا يكون مقطوعًا حصوله إذا زال، ولا على الجنس من حيث هو هو، فإن الحقيقة إذا أريد بها شيء بعينه مجازًا، حمل على المبالغة والكمال فيها. والمقام لا يقتضي ذلك، وهو المعنى بقول صاحب "المفتاح": "لكون الحسنة المطلقة مقطوعًا بها كثرة وقوع واتساعًا. ولذلك عرف ذهابًا إلى كونها معهودة، أو تعريف جنس، والأول أقضى لحق البلاغة"، أي: المعهود الذهني أدعى لاقتضاء المقام من تعريف الحقيقة. هذا هو التوفيق بين كلام الشيخين، وإن دل الظاهر على التنافي. فإن قلت: إذا أريد بتعريف الجنس العهد الذهني الشائع، فأي فرقٍ بين الحسنة المعرفة والسيئة المنكرة في الآية، لأن مثل هذا التعريف لا توقيت فيه، وقد فرقت بينهما؟ قلت: الفرق بين تعريف الحقيقة وبين مدلول الاسم الموضوع لها، أن الاسم لها لا لتعينها، واللام لتعينها. فالتعين إذًا بحسب الذهن، والذيوع بحسب الوجود، فيفيد التعريف الذهني الاعتناء بشأن الحقيقة بوجهٍ من الوجوه، إما لأنها عظيمة الخط، أو الحاجة إليها ماسة، أو أن أسبابًا بشأنها متأخرة، فهو لذلك بمنزلة المعهود الحاضر، بخلاف النكرة، فإنها غير ملتفتٍ إليها، ولا يقصد بها إلا الابتداء.
[ ٦ / ٥٢٩ ]
وأمّا السيئة فلا تقع إلا في الندرة، ولا يقع إلا شيء منها. ومنه قول بعضهم: قد عددت أيام البلاء، فهل عددت أيام الرخاء؟ (طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ) أي: سبب خيرهم وشرهم عند الله، وهو حكمه ومشيئته، والله هو الذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة والسيئة، وليس شؤم أحدٍ ولا يمنه بسببٍ فيه، كقوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [النساء: ٧٨].
ويجوز أن يكون معناه: ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجرى عليهم ما يسوءهم لأجله، ويعاقبون له بعد موتهم بما وعدهم الله في قوله سبحانه: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها) الآية [غافر: ٤٦]، ولا طائر أشأم من هذا.
وقرأ الحسن: "إنما طيركم عند الله"، وهو اسمٌ لجمع طائرٍ غير تكسيرٍ، ونظيره: التجر والركب. وعند أبي الحسن:
هو تكسير.
_________________
(١) قوله: (ولا يقع إلا شيء منها) يريد بهذه العبارة قلتها، لتقابل قوله: "لكثرته واتساعه"، وقوله: "إلا في الندرة" مقابل لقوله: "كالواجب". قوله: (بسببٍ فيه)، الضمير المجرور عائد إلى "ما يصيبهم". قوله: (وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوؤهم لأجله) هذا عين مذهب أهل السنة، وإن دل أول كلامه على مذهبه. اعلم أن لفظ "الطائر" قد يطلق على الحظ والنصيب، سواء كان خيرًا أو شرًا. وهو المراد بقوله: "أي: سبب خيرهم وشرهم عند الله"، وعلى التشاؤم وحده، وهو الوجه الثاني: . قال الزجاج: "إنما قالت العرب: الطيرة فيما يكرهون، لأنهم كانوا يزجرون الطير، فإذا كان على جهة ما يكرهون، جعلوا ذلك أمرًا يتشاءمون به. وقال بعضهم: (طائرهم): حظهم".
[ ٦ / ٥٣٠ ]
[(وَقالُوا مَهْما تَاتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ* فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ)].
(مَهْما) هي «ما» المضمنة معنى الجزاء، ضمت إليها «ما» المزيدة المؤكدة للجزاء في قولك: متى ما تخرج أخرج، (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) [النساء: ٧٨]، (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ) [الزخرف: ٤١]، إلا أنّ الألف قلبت هاءً استثقالًا لتكرير المتجانسين وهو المذهب السديد البصريّ، ومن الناس من زعم أن «مه» هي الصوت الذي يصوت به الكاف، و«ما» للجزاء، كأنه قيل: كف، ما تأتنا به من آيةٍ لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
فإن قلت: ما محل (مهما)؟ قلت: الرفع بمعنى: أيما شيءٍ تأتنا به، أو النصب، بمعنى: أيما شيءٍ تحضرنا تأتنا به،
_________________
(١) ـ .. وسيجئ الكلام فيه مستوفي في سورة "النمل". وأما بيان النظم فقد قال القاضي: "هذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة، فإن الشدائد ترقق القلوب، وتذلل العرائك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهم لم تؤثر فيهم، بل زادوا عنادًا وإنهماكًا في الغي". قوله: (هي "ما" المضمنة معنى الجزاء)، أراد به معنى الشرط، ولهذا سمى قوله: (إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) [يوسف: ٩٩] في سورة "يوسف" بالجملة الجزائية. قوله: (النصب بمعنى: أيما شيءٍ تحضرنا تأتنا به): يريد أنه من باب الإضمار على شريطة التفسير، نحو: زيدًا مررت به.
[ ٦ / ٥٣١ ]
و(من آية): تبيين لـ (مهما). والضميران في (بِهِ) و(بِها) راجعان إلى (مهما)، إلا أنّ أحدهما ذكر على اللفظ، والثاني أُنث على المعنى، لأنه في معنى الآية، ونحوه قول زهير:
ومهما يكن عند امرئ من خليقةٍ … وإن خالها تخفى على النّاس تعلم
وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يُحرفها من لا يد له في علم العربية، فيضعها غير موضعها، ويحسب "مهما" بمعنى: متى ما، ويقول مهما جئتني أعطيتك، وهذا من وضعه، وليس من كلام واضع العربية في شيء،
_________________
(١) قوله: (أحدهما ذكر على اللفظ، والثاني أنث على المعنى) قالوا: اللطيفة فيه: هي أن الضمير الأول لما عاد إلى (مهما) - ولفظه مذكر - ذكر، والضمير الثاني إنما رجع إليه بعدما بين بقوله تعالى: (من أيةٍ)، فأنث بهذا الاعتبار. قوله: (ومهما يكن عند امرئٍ من خليقةٍ) البيت، والخلق والخليقة واحد. والشاعر ذكر الضمير في "يكن" حملًا على لفظ "مهما"، وأنث في الباقي حملًا على المعنى، لأنه في معنى الخليقة. ومعنى البيت ظاهر. قوله: (ويحسب "مهما" بمعنى: متى ما، ويقول: مهما جئتني أعطيتك …، وليس من وضع العربية في شيء): ألا ترى إلى قوله تعالى: (مهما تأتنا به) فإنه ينادي بأن المراد: ما تأتنا به، لا: متى تأتنا، والهاء في (به): مفعول به، لا مفعول فيه، ولو كان مفعولًا فيه لذكر
[ ٦ / ٥٣٢ ]
ثم يذهب فيفسر (مَهْما تَاتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ) بمعنى الوقت، فيلحد في آيات الله وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثوّ بين يدي الناظر في "كتاب سيبويه".
فإن قلت: كيف سموها آيةً، ثم قالوا (لتسحرنا بها)؟ قلت: ما سموها آيةً لاعتقادهم أنها آية، وإنما سموها اعتبارًا لتسمية موسى، وقصدوا بذلك الاستهزاء والتلهي.
(الطُّوفانَ): ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل، قيل: طغى الماء فوق حروثهم، وذلك أنهم مطروا ثمانية أيامٍ في ظلمةٍ شديدةٍ لا يرون شمسًا ولا قمرًا، ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره. وقيل أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكةٌ، فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، فمن جلس غرق، ولم تدخل بيوت بني إسرائيل قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم وركد، فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف، ودام عليهم سبعة أيام.
_________________
(١) "في" كما يقال: اليوم خرجت فيه، لأن الهاء في "فيه" عبارة عن اليوم. أما المفعول به فضميره تارةً يجيء مع الباء، وأخرى بغيرها، نحو: ذهب به وأذهبه. و(مهما) لو كان بمنزلة "متى" والضمير معبر عن المفعول فيه، وهو "متى"، لقال: تأتنا فيه، فعلم أنه ليس بمعنى "متى". ووجه آخر، وهو أن (من أيةٍ) بيان (مهما)، فيكون عبارةً عنها، و"الآية" ليست بزمان. قال في "الانتصاف": غر هؤلاء من كلام سيبويه قوله: "وسألت الخليل عن "مهما"، فقال: هي "ما" أدخلت عليها "ما" لغوًا، بمنزلتها مع "متى" إذا قلت: متى ما تأتني آتك". انتهى
[ ٦ / ٥٣٣ ]
وعن أبي قلابة: الطوفان الجدري، وهو أوّل عذابٍ وقع فيهم، فبقي في الأرض، وقيل: هو الموتان، وقيل: الطاعون، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا فرفع عنهم، فما آمنوا، فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله، فأقاموا شهرًا، فبعث الله عليهم الجراد، فأكلت عامة زروعهم وثمارهم، ثم أكلت كل شيءٍ حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء، ففزعوا إلى موسى، ووعدوه التوبة، فكشف عنهم بعد سبعة أيام، وخرج موسى ﵇ إلى الفضاء، فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها، فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا، فأقاموا شهرًا، فسلط الله عليهم القمل- وهو الحمنان في قول أبي عبيدة: كبار القُردان، وقيل: الدبا، وهو أولاد الجراد. قيل: نبات أجنحتها. وقيل: البراغيث، وعن سعيد بن جبير: السوس- فأكل ما أبقاه الجراد، ولحس الأرض، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه، وكان يأكل أحدهم طعامًا فيمتلئ قُملًا، وكان يخرج أحدهم عشرة أجربةٍ إلى الرحى، فلا يرد منها إلا يسيرًا.
_________________
(١) كلام سيبويه. وكأن هذا القائل اغتر بتشبيه الخليل لها بـ"متى" فظنها بمعنى "متى". وإنما شبه الخليل بها "ما" الثانية من "مهما" في لحوقها زائدةً مؤكدة. قوله: (وهو الحمنان)، النهاية: "الحمنانة من القراد دون الحلم، أوله: فمقامة، ثم حمنانة، ثم قراد، ثم حلمة، ثم عل". والحلمة بالتحريك: القراد الكبير، والجمع: الحلم. قوله: (الدبا). الدبا - مقصور -: الجراد قبل أن يطير. وقيل: نوع يشبه الجراد، واحدته: دباة. في "النهاية".
[ ٦ / ٥٣٤ ]
وعن سعيد بن جبير: أنه كان إلى جنبهم كثيبٌ أعفر، فضربه به موسى بعصاه، فصار قُملًا، فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدري، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى، فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبدًا! فأرسل الله عليهم بعد شهرٍ الضفادع، فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، ولا يكشف أحدٌ شيئًا من ثوبٍ ولا طعامٍ ولا شرابس إلا وجد فيه الضفادع، وكان الرجل إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور.
فشكوا إلى موسى وقالوا: ارحمنا هذه المرة، فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح ولا نعود، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دمًا، فشكوا إلى فرعون فقال:
إنه سحركم فكان يجمع بين القبطي والاسرائيلى على إناء واحد، فيكون ما يلي الإسرائيلى ماءً، وما يلي القبطي دمًا، ويستقيان من ماءٍ واحد فيخرج للقبطي الدم وللإسرائيلى الماء، حتى إن المرأة القبطية تقول لجارتها الإسرائيلية: اجعلي الماء في فيك، ثم مجيه في فىَّ، فيصير الماء في فيها دمًا، وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك، فكان يمص الأشجار الرطبة، فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحًا أجاجًا.
وعن سعيد بن المسيب: سال عليهم النيل دمًا. وقيل: سلط الله عليهم الرعاف وروي: أنّ موسى ﵇ مكث فيهم بعدما غلب السحرة عشرين سنةً يريهم هذه الآيات، وروي أنه لما أراهم اليد والعصا ونقص النفوس والثمرات قال: يا رب،
_________________
(١) قوله: (كثيب أعفر)، الجوهري: "الأعفر: الرمل الأحمر".
[ ٦ / ٥٣٥ ]
إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض فخذه بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية. فحينئذ بعث الله عليهم الطوفان، ثم الجراد، ثم ما بعده من النقم.
وقرأ الحسن: "والقمل"، بفتح القاف وسكون الميم، يريد القمل المعروف.
(آياتٍ مُفَصَّلاتٍ) نصب على الحال، ومعنى (مفصلات): مبيناتٍ ظاهراتٍ لا يشكل على عاقلٍ أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وأنها عبرةٌ لهم ونقمةٌ على كفرهم. أو فُصِلَ بين بعضها وبعضٍ بزمانٍ تمتحن فيه أحوالهم، وينظر أيستقيمون على ما وعدوا من أنفسهم، أم ينكثون؟ إلزامًا للحجة عليهم.
[(وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ* فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ* فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ)].
(بِما عَهِدَ عِنْدَكَ): "ما": مصدرية، والمعنى: بعهده عندك، وهو النبوّة، والباء: إمّا أن تتعلق بقوله: (ادْعُ لَنا رَبَّكَ) على وجهين: أحدهما أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا
_________________
(١) قوله: (أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا)، الجوهري: "أسعفت الرجل بحاجته: إذا قضيتها". يريد: صيغة الأمر، وهو (ادع): للاستدعاء والتضرع، لإسعاف حاجتهم، ولهذا استعطفوه بقوله: (بما عهد عندك) أي: بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوة. وفي كلامه تضمينان: ضمن "أسعفنا" معنى "أوصلنا"، وضمن "نطلب" معنى "نتضرع".
[ ٦ / ٥٣٦ ]
بحقِّ ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوّة، أو ادع الله لنا متوسلًا إليه بعهده عندك. وإمّا أن يكون قسما مجابًا بـ (لنؤمنن)، أي: أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك.
_________________
(١) قوله: (بحق ما عندك). معناه الاستعطاف: وهو طلب العطف والرحمة، إما من موسى ﵇، أو أن يطلب موسى لهم من الله متوسلًا إليه بعهده. ويجوز أن يكون قسميةً صورةً ومعنىً. وإليه الإشارة بقوله: "وإما أن يكون قسمًا". قال في قوله: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) [القصص: ١٧]: " (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ): يجوز أن يكون قسمًا، أي: أقسم بإنعامك علي، وأن يكون استعطافًا، أي: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي". قالت الفقهاء: إذا قال: "عليك بالله لتفعلن"، أي: عزمت، إن أريد بمثل هذا الكلام الشفاعة، لا ينعقد يمين أحدهما، ولو أريد يمين نفسه انعقد يمينه، ويستحب للمخاطب إبرار يمينه. قال القاضي: " (بما عهد): إما صلة (ادع) أو حال من الضمير فيه. أي: ادع الله متوسلًا إليه بما عهد عندك، أو متعلق بمحذوف، دل عليه التماسهم، مثل: أسعفنا إلى ما نطلب منك بحق ما عهد عندك".
[ ٦ / ٥٣٧ ]
(إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ): إلى حدٍّ من الزمن هم بالغوه لا محالة، فمعذبون فيه، لا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله، (إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) جواب "لما"، يعني: فلما كشفناه عنهم فاجؤوا النكث وبادروا، لم يؤخروه، ولكن كما كشف عنهم نكثوا.
(فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ): فأردنا الانتقام منهم، (فَأَغْرَقْناهُمْ)، و"اليم": البحر الذي لا يدرك قعره، وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائه،
_________________
(١) قوله: (إلى حد من الزمان هم بالغوه لا محالة): يعني: ضربنا لعذابهم مدةً معلومةً لابد لهم أن يبلغوه، وهو وقت الغرق والموت، فلما كشفنا عنهم الرجز بسبب الدعاء ليكونوا آمنين، إلى بلوغ تلك المدة المضروبة، فاجؤو النكث وبادروه، ولم يؤخروه. قوله: (إلى حلوله) متعلق بـ"الإمهال". قوله: (فاجؤوا النكث) قال المصنف: قيد وجود هذا بوجود ذاك، وكأنهما وجدا في جزءٍ واحد من الزمان، فيكون في الحقيقة جواب "لما" ذلك الفعل المقدر، وهو "فاجؤوا"، ويكون "لما" ظرفه، و"إذا" مفعولًا به. قوله: (فأردنا الانتقام منهم): إنما قدر "أردنا" لأن "الإغراق" عين "الانتقام". ويجوز أن يكون من باب قوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤].
[ ٦ / ٥٣٨ ]
واشتقاقه من التيمم، لأن المستنفعين به يقصدونه، (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي: كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها وقلة فكرهم فيها.
[(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ)].
(الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ): هو بنو إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه. و"الأرض": أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتصرفوا كيف شاءوا في أطرافها ونواحيها الشرقية والغربية، (بارَكْنا فِيها) بالخصب وسعة الأرزاق، (كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى): قوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) إلى قوله: (ما كانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص: ٥ - ٦]،
_________________
(١) قوله: (واشتقاقه من التيمم، لأن المستنفعين به يقصدونه): يعني: من يبتغي النفع التام من البحر، يتجاوز عن الساحل إلى اللجة، لأن الغواصين إنما يغوصون على الدرر واللآلئ في اللجة، وما يؤم القاصدون لابتغاء فضل الله إلا فيها، ليحصلوا منها إلى البلاد الشاسعة. قوله: «كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى): قوله تعالى: (ونُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) [القصص: ٥])، مبتدأ وخبر. أراد به أن "الكلمة" هاهنا: العلم الأزلي الثابت في أم الكتاب، أي: مضت عليهم واستمرت ما كان مقدرًا عليهم من إهلاك عدوهم، وتوريثهم ملكهم وديارهم. ولما كان قصص بني إسرائيل وفرعون لم تكن معلومةً عند رسول الله صلي الله عليه وسلم قبل الوحي، جيء بقوله: (فانتقمنا منهم)، و(أغرقناهم)، و"أورثنا"، و"دمرنا" على الحكاية. وخص هذه اللفظة - وهي (كلمت ربك) بالخطاب على الالتفات، لكونها
[ ٦ / ٥٣٩ ]
و(الحسنى): تأنيث الأحسن، صفة للكلمة، ومعنى "تمت على بني إسرائيل": مضت عليهم واستمرت؛ من قولك: تمَّ على الأمر إذا مضى عليه.
(بِما صَبَرُوا): بسبب صبرهم، وحسبك به حاثًا على الصبر، ودالًا على أنّ من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر، وانتظار النصر، ضمن الله له الفرج. وعن الحسن: عجبت ممن خف كيف خف وقد سمع قوله، وتلا الآية. ومعنى "خف": طاش جزعًا وقلة صبرٍ، ولم يرزن رزانة أولي الصبر.
وقرأ عاصمٌ -في رواية-: (وتمت كلمات ربك الحسنى)، ونظيره (مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) [النجم: ١٨].
(ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ): ما كانوا يعملون ويسوّون من العمارات وبناء القصور، (وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) من الجنات؛ (هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ) [الأنعام: ١٤١]، أو: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء، كصرح هامان وغيره، وقرئ: (يعرشون) بالكسر والضم،
_________________
(١) معلومةً عنده ﷺ، أي: تمت ما تعرفه من أجزاء كل شيء، بتقدير ربك وقضائه ومشيئته. قوله: (مضت عليهم واستمرت)، الجوهري: "مر عليه وبه، أي: اجتاز. ومر يمر مرًا ومرورًا: ذهب. واستمر: مثله". قوله: (وقرأ عاصم في رواية) أي: رواية شاذة. قوله: (ونظيره «من آيات ربه الكبرى»: يعني: في الجمع وإرادة التعدد في الكلمات والآيات. قوله: (وقرئ: (يعرشون) بالضم والكسر): بالضم: ابن عامرٍ وأبو بكر، والباقون: بالكسر.
[ ٦ / ٥٤٠ ]
وذكر اليزيدي أن الكسر أفصح، وبلغني أنه قرأ بعض الناس: "يغرسون"؛ من غرس الأشجار، وما أحسبه إلا تصحيفًا منه.
[(وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ* إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ)].
وهذا آخر ما اختصّ الله من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعاصيهم، ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه - بعد إنقاذهم من ملكة فرعون واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر - من عبادة البقر، وطلب رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي، ليعلم حال الإنسان، وأنه كما وصفه: ظلومٌ كفار جهولٌ كنود، إلا من عصمه الله، (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣]، وليسلي رسول الله ﷺ مما رأي: من بني إسرائيل بالمدينة.
وروي: أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله تعالى فرعون وقومه، فصاموه شكرًا لله تعالى
_________________
(١) قوله: (من ملكة فرعون)، النهاية: "فلان حسن الملكة: إذا كان حسن الصنيع إلى مماليكه. وفي الحديث: "لا يدخل الجنة سيء الملكة". قوله: (من عبادة البقر) متعلق بقوله: "أحدثوا". قوله: (كنود): كند كنودًا: كفر النعمة، فهو كنود.
[ ٦ / ٥٤١ ]
(فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ): فمرّوا عليهم، (يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ): يُواظبون على عبادتها ويلازمونها. قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر، وذلك أوّل شأن العجل وقيل: كانوا قومًا من لخم. وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أُمر موسى ﵇ بقتالهم، وقرئ: "وجوّزنا" بمعنى: أجزنا. يقال: أجاز المكان وجوزه وجاوزه؛ بمعنى: جازه، كقولك:
أعلاه وعلاه وعالاه. وقرئ: (يعكفون) بضم الكاف وكسرها.
(اجْعَلْ لَنا إِلهًا): صنمًا نعكف عليه، (كَما لَهُمْ آلِهَةٌ): أصنامٌ يعكفون عليها، «وما» كافةٌ للكاف، ولذلك وقعت الجملة بعدها. وعن علي ﵁: أنّ يهوديًا قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجفّ ماؤه، فقال: قُلتم: اجعل لنا إلهًا قبل أن تجفّ أقدامكم. (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) تعجبٌ من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده، لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع.
_________________
(١) قوله: (من لخم). اللخم: حي من اليمن، ومنهم كانت ملوك العرب في الجاهلية. وقيل: لخم: قوم من مضر. قوله: (وقرئ: (يعكفون) بضم الكاف وكسرها). بالكسر: حمزة والكسائي. والباقون بالضم. قوله: «إنكم قوم تجهلون): تعجب). يعني: في إطلاق الجهل، وإجرائه مجرى اللازم. وتصدير الجملة بـ (إن)، وتغليب الخطاب على الغيبة في (تجهلون)، وتعقيب هذه الجملة لقولهم: (اجْعَل لَّنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) بعد ما رأوا من إغراق فرعون، وإنجائهم منه،
[ ٦ / ٥٤٢ ]
(إِنَّ هؤُلاءِ) يعني: عبدة تلك التماثيل، (مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ): مدمّرٌ مكسر ما هم فيه، من قولهم إناءٌ متبر، إذا كان فضاضًا. ويقال لكسار الذهب: التبر، أي: يتبر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه على يديّ، ويحطم أصنامهم هذه ويتركها رضاضًا. (وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي: ما عملوا شيئًا من عبادتها فيما سلف إلا وهو باطلٌ مضمحل لا ينتفعون به وإن كان في زعمهم تقربًا إلى الله، كما قال تعالى: (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا) [الفرقان: ٢٣].
وفي إيقاع (هؤُلاءِ) اسمًا لـ (إن)، وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبرًا لها،
_________________
(١) ومجاوزتهم البحر: إشعار بالتعجب العظيم من جهلهم. أي: ما أجهلهم! كأنهم ما شاهدوا تلك الآيات، وما عرفوها، فإن العاقل العالم بحقائق الأمور، بعد ما رأي تلك الآيات العظام، لا يصدر منه مثل تلك الكلمة الحمقاء، فصدورها منهم موضع تعجب وتعجيب. قوله: (وفي إيقاع (هؤلاء) اسمًا لـ (إن) وتقديم خبر المبتدأ) إلى قوله: (وسم)، اعلم أن في تخصيص اسم الإشارة بالذكر، الدال على أن أولئك القوم محقوقون بالدمار، لأجل اتصافهم بالعكوف على عبادة الأصنام، ثم في توكيد مضمون الجملة بـ (إن) مزيد الدلالة على ذلك. وإليه الإشارة بقوله: "وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار"، وليس "هم" ي تركيب المصنف للفصل، إذ لا موجب لأن يقال: إنهم متبرون دون غيرهم، بل هو مبتدأ، فيفيد تقوي الحكم. وفائدة تقديم الخبر الإيذان بأنهم لا يتجاوزون عن الدمار إلى ما يضاده من الفوز والنجاة، على القصر القلبي.
[ ٦ / ٥٤٣ ]
وسمٌ لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار، وأنه لا يعدوهم البتة، وأنه لهم ضربة لازب، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبوا.
(أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا): أغير المستحقِّ للعبادة أطلب لكم معبودًا، وهو فَعَل بكم ما فعل دون غيره، من الاختصاص بالنعمة التي لم يعطها أحدًا غيركم، لتختصوه بالعبادة ولا تشركوا به غيره
_________________
(١) وأما قوله: "وأنه لا يعدوهم البتة، وأنه لهم ضربة لازب" فمن الكناية، لأنهم إذا لم يتجاوزوا عن الدمار إلى النجاة، فيلزمهم الدمار ضربة لازب. وموجب هذه المبالغات إيقاع الجملة تعليلًا لإثبات الجهل المؤكد للقوم، لاقتراحهم أن يجعل لهم إلهًا. وأبلغ من ذلك أن المذكور ليس جوابًا له، بل مقدمة وتمهيد له. وإنما الجواب قوله: (أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إلَهًا وهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العَالَمِينَ) وكيت وكيت، إلى أن قال ربكم: اذكروا إذ: (أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ). ومقتضى التقدير وجود العاطف ولا معطوف عليه، فيقدر ما يمكن تقديره، وقد جاء في "البقرة" معطوفًا على الإنعامات. وإنما أضمرنا "قال ربكم"، لأن قوله: (وإذْ أَنجَيْنَاكُم) لا يدخل تحت كلامه ﵊ لأنه من كلام الله ﷿. قوله: (وسم لعبدة الأصنام) أي: علامة شنيعة لاصقة، كالكي على الدابة. قوله: (من الاختصاص بالنعمة التي لم يعطها أحدًا غيركم، لتختصوه بالعبادة): فيه نوعان من الاختصاص:
[ ٦ / ٥٤٤ ]
ومعنى الهمزة: الإنكار والتعجب من طلبتهم- مع كونهم مغمورين في نعمة الله- عبادة غير الله.
[(وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)].
(يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ): يبغونكم شدّة العذاب، من سام السلعة إذا طلبها. فإن قلت: ما محل (يسومونكم)؟ قلت: هو استئناف لا محلّ له، ويجوز أن يكون حالًا من المخاطبين أو من آل فرعون، و(ذلِكُمْ) إشارةٌ إلى الإنجاء أو إلى العذاب.
_________________
(١) أحدهما: "وهو فعل بكم ما فعل دون غيره"، وهو مستفاد من تقديم الفاعل المعنوي على الفعل، وهو قوله: (وهو فضلكم). وثانيهما: "لتختصوه بالعبادة"، فالاختصاص من تقديم المفعول في (أغير الله أبغيكم) وإنكاره بالهمزة. وأما العبادة فمن مفهوم قوله: (إلها)، أي: معبودًا. والجملة (وهو فضلكم) حال مقدرة لجهة الإشكال. قوله: (من طلبتهم) من إضافة المصدر إلى الفاعل، والطلبة في الأصل: اسم. الجوهري: "الطلبة ٠ بكسر اللام -: ما طلبته من شيء".
[ ٦ / ٥٤٥ ]
والبلاء: النعمة أو المحنة. وقرئ: (يقتلون) بالتخفيف.
[(وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)].
وروي: أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل - وهو بمصر - إن أهلك الله عدوّهم، أتاهم بكتابٍ من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يومًا وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فسوك، فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. وقيل: أوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيامٍ من ذى الحجة لذلك. وقيل: أمره الله أن يصوم ثلاثين يومًا، وأن يعمل فيها بما يقرّبه من الله ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها. ولقد أجمل ذكر الأربعين في "سورة البقرة"، وفصلها هاهنا.
_________________
(١) ـ .. قوله: (البلاء: النعمة أو المحنة) التنويع على التفسيرين لقوله: (ذلكم). قوله: ("يقتلون" بالتخفيف) نافع. قوله: (أن خلوف). وفي الحديث: "لخلوف فم الصائم أطيب من المسك" الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. النهاية: "الخلوف - بالضم -: تغير ريح الفم. وأصلها في النبات: أن ينبت الشيء بعد الشيء، لأنها رائحة حدثت بعد الرائحة الأولى. يقال: خلف فمه يخلف خلفةً وخلوفًا".
[ ٦ / ٥٤٦ ]
(ومِيقاتُ رَبِّهِ): ما وقته له من الوقت وضربه له، و(أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) نصبٌ على الحال أي: تمَّ بالغًا هذا العدد، و(هارُونَ) عطف بيانٍ لـ (أخيه). وقرئ بالضم على النداء، (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي): كن خليفتي فيهم، (وَأَصْلِحْ): وكن مصلحًا، أو: أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل، ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه.
[(وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)].
(لِمِيقاتِنا): لوقتنا الذي وقتنا له وحدّدناه، ومعنى اللام الاختصاص، فكأنه قيل: واختص مجيئه بميقاتنا، كما تقول: أتيته لعشر خلون من الشهر، (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) من غير واسطةٍ كما يكلم الملك، وتكليمه: أن يخلق الكلام منطوقًا به في بعض الأجرام، كما خلقه مخطوطًا في اللوح.
وروي: أن موسى ﵇ كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة.
_________________
(١) قوله: «لميقاتنا): لوقتنا). قيل: لابد هاهنا من تقدير مضاف، أي: لآخر ميقاتنا، أو: لانقضاء ميقاتنا. قوله: (وروي أن موسى كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة): قال القاضي: "وفيه تنبيه على أن سماع كلامه القديم ليس من جنس سماع كلام المحدثين". قال في "الانتصاف": "صرح بخلق الكلام، ويرده اختصاص موسى ﵇
[ ٦ / ٥٤٧ ]
وعن ابن عباس ﵁: كلمه أربعين يومًا وأربعين ليلةً، وكتب له الألواح. وقيل إنما كلمه في أول الأربعين.
(أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) ثاني مفعولي أرني محذوفٌ، أي: أرني نفسك أنظر إليك.
فإن قلت: الرؤية عين النظر، فكيف قيل: (أرني أنظر إليك)؟ قلت: معنى "أرني نفسك": اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي، فأنظر إليك وأراك.
فإن قلت: فكيف قال: (لَنْ تَرانِي)، ولم يقل: لن تنظر إليّ؛ لقوله: (أَنْظُرْ إِلَيْكَ)؟ قلت: لما قال: (أَرِنِي) بمعنى: اجعلني متمكنًا من الرؤية التي هي الإدراك، علم أن الطلبة هي الرؤية لا النظر الذي لا إدراك معه، فقيل: (لن تراني)، ولم يقل: لن تنظر إليّ.
_________________
(١) بقوله: (بِرِسَالاتِي وبِكَلامِي) [الأعراف: ١٤٤]. وكل أحدٍ يساوي موسى ﵇ فيما ذكره الزمخشري. بل كان أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم قد سمعوا الكلام من أفضل المخلوقات، فلابد من اعتقاد أنه سمع الكلام القديم القائم بذات الله تعالى بلا واسطة، كما أجزنا في العقول أن ترى ذات الله، وإن لم يكن جسمًا، فكذلك يجوز سماع كلامه وإن لم يكن حرفًا". قوله: (الرؤية عين النظر): أي: النظر مقدم على الرؤية، فإنه عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماسًا لرؤيته، وقد يتخلف عنه، فكيف جعله مؤخرًا عنه؟ ويروى: "الرؤية عين النظر". ويؤيد الأول قوله في "الشعراء": "الاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية، لأن الاستماع جارٍ مجرى الإصغاء". وتقرير هذا السؤال: أن (أرني) تكفي في الطلب، لأنه تعالى
[ ٦ / ٥٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إذا أراه نفسه لابد له أن ينظر إليه، فما فائدة إردافه؟ وأجاب بأن فائدته التأكيد والكشف التام، فإنه لما أردفه به أفاد طلب رفع المانع، وكشف الحجاب، والتمكين من الرؤية، بحيث لا يتخلف عنه النظر إليه، نحوه قولك: نظرت بعيني، وقبضت بيدي، فالنظر حينئذٍ مسبب. فلذلك أدخل المصنف الفاء في قوله: "فأنظر"، ثم سأل: "فكيف قال: (لن تراني) " وأتى بالفاء، أي: إذا كان النظر هو الغرض، وهو الذي طلب له الإراءة، كان من الواجب أن يقال: لن تنظر. وأجاب: وإن كان الغرض النظر، لكن المطلوب، الذي عليه التعويل، طلب التجلي، وكشف الحجاب، إذ به يحصل الإدراك التام، ولولاه لا يجدي النظر شيئًا. ألا ترى كيف أتبع "وأراك": "فأنظر" في الجواب الأول؟ فكأنه قيل: "اجعلني متمكنًا من رؤيتك، فانظر إليك وأراك". وقلت: وهاهنا سؤال آخر، وهو أنه كيف قيل: (لن تراني)، ولم يقل: لن أريك نفسي، لقوله: (أرني)؟ والجواب: إنما عدل عن "لن أريك"، للتفادي عن الإيياس، وحسم الطمع. يعني: لن تراني ما دمت على حالة أنت فيها، فإذا ارتفع المانع أريك نفسي لتنظر إليه. وهذا معنى قول ابن عباس: "لن تراني في الدنيا". والجواب من الأسلوب الحكيم.
[ ٦ / ٥٤٩ ]
فإن قلت: كيف طلب موسى ﵇ ذلك، وهو من أعلم الناس بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس، وذلك إنما يصحّ فيما كان في جهة، وما ليس بجسمٍ ولا عرضٍ فمحالٌ أن يكون في جهة، ومنعُ المجبرة إحالته في العقول غير لازم، لأنه ليس بأوّل مكابرتهم وارتكابهم، وكيف يكون طالبه وقد قال - حين أخذت الرجفة الذين قالوا: أرنا الله جهرة -: (أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا) [الأعراف: ١٥٥] إلى قوله: (تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ) [الأعراف: ١٥٥]، فتبرأ من فعلهم ودعاهم سفهاء وضلالًا؟
_________________
(١) فإذن معنى قوله: (أرني أنظر إليك) أن المانع من الرؤية كوني غير متمكنٍ منها، لاحتجابك عني، فارفع الحجا بيني وبينك، لأنظر إليك وأراك، وذلك حين سمع الخطاب والكلام القديم بغير واسطة. ومعنى قوله: (لن تراني) أن المانع ليس إلا من جانبك، وأني غير محجوب، بل متحجب بحجابٍ منك، وهو كونك فانيًا في فانٍ، وأنا باقٍ، ووصفي باقٍ، فإذا جاوزت قنطرة الفناء، ووصلت إلى دار البقاء، فزت بمطلوبك. قوله: (ومنع المجبرة إحالته في العقول غير لازم، لأنه ليس بأول مكابرتهم وارتكابهم) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. وجوابه قد سبق بند منه في "الأنعام"، وموضع الإطناب فيه يطلب في الأصول. قوله: (ودعاهم سفهاء): أي: سماهم سفهاء.
[ ٦ / ٥٥٠ ]
قلت: ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالًا، وتبرأ من فعلهم، وليلقمهم الحجر، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ، ونبههم على الحق، فلجوا وتمادوا في لجاجهم وقالوا: لا بُدَّ، ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً، فأراد أن يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك، وهو قوله: (لَنْ تَرانِي)، ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ).
_________________
(١) قوله: (ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء): الروايات كلها مفتريات، وليس هذا بأول مكابرته، لأن القوم لم يحضروا هذه النوبة، وإنما طلب موسى ﵇ الرؤية لنفسه، وفي النوبة الثانية كان القوم معه، وطلبوا الرؤية فأجابهم، كما سنقرر هذا عند قوله تعالى: (واخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا) [الأعراف: ١٥٥]. وقال صاحب "الفرائد": "إن قوله: (أرني أنظر إليك) كان وقت مجيئه للميقات، وتكليمه لله تعالى مطلق. وما ذكره من قوله: "ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء" مقيد، ولا دليل في هذه الآية على هذا القيد، فكان هذا حملًا للمطلق على المقيد من غير دليل، وهو باطل، لأنه خروج عن الأصل بغير ضرورة. وأيضًا، لو كان مراده من سؤال الرؤية بيان الاستحالة من الله، ليكون نصًا منه لاستحالتها، لوجب أن يقال: لن أرى، أو: لم تجز رؤيتي، إذ كانت ممتنعة، ليتضح لهم أنه تعالى ليس بجائز الرؤية، ويحصل المقصود؛ لأن (لن ترانى) ليس إلا تأكيد النفي، ولم يلزم منه عدم الجواز.
[ ٦ / ٥٥١ ]
فإن قلت: فهلا قال: "أرهم ينظروا إليك"؟ قلت: لأنّ الله سبحانه إنما كلم موسى ﵇ وهم يسمعون، فلما سمعوا كلام رب العزة أرادوا أن يرى موسى ذاته فيبصروه معه، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه، إرادةً مبنيةً على قياس فاسد، فلذلك قال موسى: (أرني أنظر إليك)، ولأنه إذا زُجِرَ عما طلب، وأُنكر عليه في نبوّته واختصاصه وزلفته عند الله تعالى، وقيل له: لن يكون ذلك، كان غيره أولى بالإنكار، ولأنّ الرسول إمام أمته، فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب راجعًا إليهم.
_________________
(١) وأيضًا، قوله: "سماهم سفهاء وضلالًا" - يعني به قوله: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) - ممنوع، لم لا يجوز أن يراد بهم السفهاء الذين عبدوا العجل، لا هؤلاء مع أن القرآن مساعد لإرادة ما أردناه؟ ". تم كلامه. وقلت: وليس هذا من المطلق، حتى يحتاج إلى دليل القيد، فإن الدليل قائم على انتفاء القيد، لأن المقام غير واحد. وأما قوله: "لوجب أن يقال: لن أرى، أو: لم تجز رؤيتي" فللمصنف أن يقول: إنه من باب أسلوب الحكيم. وإليه الإشارة بقوله: "لأنه إذا زجر وأنكر على نبوته واختصاصه، كان غير أولى". وقوله: "لم لا يجوز أن يراد بهم السفهاء الذين عبدوا العجل؟ " فهو بناء على حضور القوم في المرة الثانية. قوله: (وأنكر عليه في نبوته). "في نبوته": حال من المجرور في: "عليه"، أي: أنكر عليه والحالة أنه ثابت في نبوته مستقر عليها.
[ ٦ / ٥٥٢ ]
وقوله: (أَنْظُرْ إِلَيْكَ) وما فيه من معنى المقابلة التي هي محض التشبيه والتجسيم، دليلٌ على أنه ترجمةٌ عن مقترحهم وحكايةٌ لقولهم، وجل صاحب الجمل أن يجعل الله منظورًا إليه، مقابلًا بحاسة النظر، فكيف بمن هو أعرقُ في معرفة الله تعالى؛ من واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، والنظام، وأبي الهذيل والشيخين، وجميع المتكلمين؟
_________________
(١) قوله: (وجل صاحب الجمل) الجمل - في الأصل المملى منه - بضم الجيم ولكن الميم مهملة لا ضبط عليها. ويمكن أن يوجه بأنه أراد الجمالين والملاحين، لأن الجمل حبال السفن، والواحد منها جملة، لكونها جملة من الطاقات والقوى. وفيه نظر، لأن الجمل بمعنى: الحبل، مشدد الميم، وليس جمعًا، ولا واحده جملة، وليس بمستبعدٍ أن يزعم أن "حملًا" كتاب صنفه بعض من المعتزلة من تلامذة هؤلاء المعدودين، واشتمل مضمونه على أصولهم. وفيه دلائلهم على نفي الرؤية. يعني: عظم قدر صاحب هذا الكتاب أن يجعل الله تعالي منظورًا إليه، بنصب الأدلة، وإقامة البراهين، فكيف بمن هو أعرف منه في معرفة الله تعالى. وقد عثرت بعد ذلك على نقلٍ من جانب الإمام شمس الأئمة الكردري ﵀:
[ ٦ / ٥٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) صاحب الجمل: صاحب العقل؛ لأن العقل عندهم عبارة عن علوم هي جمل ضرورية، فقيل: هي اثنا عشر، وقيل: هي أربعة، هي: النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، والكل أعظم من الجزء، والشيئان المساويان لشيء واحدٍ متساويان، والشيء الواحد في زمانٍ واحدٍ لا يكون في مكانين. أراد بالشيخين أبا علي الجبائي، وابنه أبا هاشم. قال في "الانتصاف": "وقد صح أن الرؤية لا تستلزم الجسمية، وأما قناعته في تفضيله ﵇ برجحانه على المذكورين من المبتدعين، فهو غض عن منصبه العلي". قال الإمام: "هذا كله باطل، لأن الذين طلبوا الرؤية إما أن يكونوا مؤمنين بموسى ونبوته وصدقه، وكان يكفيهم قول موسى: هذا السؤال غير جائز، وإن لم يكونوا فلن ينتفعوا بهذا الجواب. وأيضًا، لو كان السؤال طلبًا للمحال لمنعهم عنه، كما منعهم عن سؤالهم: (اجْعَل لَّنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) بقوله: (إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ). وكيف وهذا عندهم أصعب، لأن طلب الرؤية مع استحالته جهل في ذات الله، بإثبات صفةٍ تقتضي نقصًا في ذاته، وطلب اتخاذ العجل جهل في غير الله، باستحقاقه العبادة له. وأيضًا، كان يجب عليه إقامة الدلائل القاطعة على نفي الرؤية. وكيف يظن أنه ترك ما كان واجبًا عليه، وطلب ما كان محظورًا بقول بعض الجهال وأنه من أولي العزم".
[ ٦ / ٥٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: وفي سؤاله ﵇ إشعار ببطلان أن الطلب للقوم، وذلك أن قوله: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ)، أي: اجعلني متمكنًا من رؤيتك، بأن تتجلى لي، فأنظر إليك وأراك، كما فسره، وما فيه من المبالغة، والتأكيد، والدعاء بقوله: "رب"، ليس من كلام من أكره على الشيء، وألزم به، ومن له طبع مستقيم، وذوق سليم، يعلم أن هذا الكلام لا يصدر إلا عمن له قوة عزم، ورسوخ قدمٍ في الطلب، ولو كان معذورًا لكان في الطلب ما ينبئ عنه. وغاية ما يلزمنا أنه ﵇ توهم أنه تعالى جائز الرؤية في الدنيا. وهذا لا يقدح في مرتبته، ولا يحط من منزلته، كما قال إبراهيم ﵇: (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى ولَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: ٢٦٠]. وروينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: "نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى). ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي". على أن المشتاق الذي يتوق إلى محبوبه، المتيقن بحصول مطلوبه، يستعجل الوصول، ويتشبث بكل أمارة، وينتظر كل لمحة بارق. فإنه ﵇ لما وعد الميقات، وسمع الخطاب، لو لم يتحرك له أريحية الطلب، ويقنع بالسؤال والجواب، لما كان له ﵇ اشتياق. روى محيي السنة عن الحسن: "هاج به الشوق، فسأل الرؤية، وقال: إلهي، سمعت كلامك، فاشتقت إلى النظر إليك، ولأن أنظر إليك، ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك".
[ ٦ / ٥٥٥ ]
فإن قلت: ما معنى (لَنْ)؟ قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه «لا» وذلك أن «لا» تنفى المستقبل، تقول: لا أفعل غدًا، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غدًا. والمعنى: أنّ فعله ينافي حالي، كقوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) [الحج: ٧٣]،
_________________
(١) قوله: (أن فعله ينافي حالي) يرده قوله: "فإذا أكدت نفيها، قلت: لن أفعل غدًا" فيه إخبار عن عدم مباشرته الفعل على التأكيد، فهو كقولك: هو لا يفعل، لا تفعل، فكما أن هذا لا يدل على المنافاة، فكذا ذلك، بل يدل على أن حاله مستدعية له فينفيه على التأكيد، لأن ما يؤكد نفيه يمكن وقوعه. ويشهد لذلك ما رواه مسلم عن جابر: أن رجلًا ممن هاجر إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم مرض، فجزع، فأخذ مشاقص، فقطع براجمه، فمات به، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع ربك بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه، فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله صلي الله عليه وسلم: "اللهم وليديه فاغفر". ولو كان إصلاح ما أفسد مما هو منافٍ لحاله، وكان مفهومًا من هذا التركيب، لأمسك من هو أفصح الخلق عن الدعاء. وأما قوله: (لن يخلقوا ذبابا) [الحج: ٧٣] فالمنافاة تفهم من دليلٍ خارجي.
[ ٦ / ٥٥٦ ]
فقوله: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) [الأنعام: ١٠٣] نفيٌ للرؤية فيما يستقبل، و(لن تراني) تأكيد وبيان؛ لأنّ المنفي منافٍ لصفاته.
فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: (وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) بما قَبْلَه؟ قلتُ: اتصل به على معنى أنّ النظر إليّ محال فلا تطلبه، ولكن عليك بنظرٍ آخر، وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم، كيف أفعل به وكيف أجعله دكًا بسبب طلبك الرؤية؟
_________________
(١) قال الإمام: " (لن تراني): يدل على أنه تعالى جائز الرؤية، إذ لو كان مستحيل الرؤية: لقال: "لا أرى"، ألا ترى أنه لو كان مع إنسانٍ حجر، وقال صاحبه: ناولني هذا لأكله، فإنه يقول: هذا لا يؤكل. ولو قال: لن تأكل، لم يصح. ولو كان معه مما يؤكل، فقال: هذا لا يؤكل، لم يصح. ولو قال: لن تأكل، علم أنه مما يؤكل، ولكنك لا تأكله". وقال القاضي: "والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ، إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته إياه، على ألا يراه أبدًا، وألا يراه غيره أصلًا، فضلًا عن أن يدل على استحالتها. ودعوى الضرورة فيه مكابرة". قوله: (وبيان، لأن المنفي منافٍ). اللام صلة "بيان" لا تعليل. قوله: (اتصل به على معنى أن النظر إلى محال، فلا تطلبه): قال صاحب "الفرائد": إن الاستدراك بالمعنى الذي ذكره لا يناسب هذا المقام، ولو كان المراد به استحالة الرؤية، وجب أن يذكر شيئًا يدل على الاستحالة. ودك الجبل كما يصلح لما ذكر يصلح لغيره، والمشترك لا
[ ٦ / ٥٥٧ ]
لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه عزّ وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله: (وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا) [مريم: ٩١].
(فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ) كما كان مستقرًا ثابتًا ذاهبًا في جهاته، (فَسَوْفَ تَرانِي) تعليقٌ لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه بالأرض، وهذا كلامٌ مدمج بعضه في بعض، واردٌ على أسلوبٍ عجيبٍ ونمطٍ بديع؛
_________________
(١) يكون دليلًا. وهو تبع الإمام في قوله: "إنه تعالى علق الرؤية على أمرٍ جائز، والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة". قلت: وأما قوله: "كأنه عز وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد"، فمن الإغراق والمبالغة التي تؤدي إلى أن طلب الرؤية أعظم من نسبة الولد إلى الله. ولعمري، إنه كيف ذاق مع هذه الآية قوله: (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًا) [مريم: ٩٠] من تكرير الأفعال، وإخراج كل على ما يناسبه. وفي إبهام الضمير في (منه)، وإبداله لقوله: (أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا) [مريم: ٩١] من الفخامة والهيبة ما لا يخفى على البليغ، بخلاف هذا التعليق، فإنه كالتمهيد لإثبات الرؤية، كما يعطيه الذوق! وعليه كلام الأئمة. وأيضًا إن نسبة الولد إلى الله تعالى منسوب إلى أجهل الخلق وأضلهم، وطلب الرؤية منسوب إلى أفضل الخلق وأهداهم. فأين هذا من ذاك؟ قوله: (وهذا كلام مدمج بعضه في بعض)، الأساس: "دمج الشيء دموجًا، واندمج اندماجًا: إذا استحكم والتأم. ومن المجاز: أدمج كلامه: أتى به متراصف النظم". وفي الاصطلاح: هو أن يضمن كلام سيق لوصفٍ وصفًا آخر.
[ ٦ / ٥٥٨ ]
ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر بكلمة الاستدراك؟ ثم كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة بسبب طلب النظر على الشريطة في وجود الرؤية؟ أعني قوله: (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي).
_________________
(١) قال ابن نباتة: فلابد لي من جهلةٍ في وصاله … فمن لي بخل أودع الحلم عنده فإنه تعالى لما منع المشتاق الهائم عن مطلوبه، أشار إلى ما لا يقطع طمعه، ولا ييأس من متوخاه، بطريق يرمز إلى الموعد، يعني: إن الدنيا لا تصلح لما تطلبه، لأنها في شرف الزوال والهلاك؛ ألا ترى إلى أعظم الأشياء فيها رسوخًا، لم يثبت عند بعض التجلي، وإن الآخرة لهي الحيوان، فالموعد هناك. فعلم من هذا التقرير أن الكلام إنما يكون مدمجًا، إذا أشير فيه إلى إثبات الرؤية، لا إلى نفيها، فإنه حينئذٍ يكون تذييلًا. قوله: (ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر): التخلص اصطلاحًا: "هو الخروج في الكلام من معنى إلى معنى لا يناسبه، برابطة مناسبة لهما". وهذا المعنى أنسب لتأويلنا من تأويله، فإن الخروج من نفي الرؤية إلى إثباتها بواسطة الاستدراك، هو المعنى بالتخلص، لا من نفيها إلى نفيها. قوله: (ثم كيف بني الوعيد بالرجفة الكائنة؟): يعني: أراد أن يوعده بالرجفة التي هي
[ ٦ / ٥٥٩ ]
(فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ): فلما ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته (جَعَلَهُ دَكًّا) أي: مدكوكًا مصدر بمعنى: مفعول كضرب الأمير.
و"الدكُّ" و"الدقُّ" أخوان، كالشك والشق
_________________
(١) مسببة عن طلب الرؤية، ومكافأة عنه، وهي قوله: (وخر موسى صعقا)، بنى هذا الوعيد على شريطة وجود الرؤية عند استقرار الجبل، حتى حرضه على النظر إلى ما يحصل منه وعيده. تلخيصه: لن تراني، ولكن انظر إلى ما يحصل لك فيه مكافأتك في هذا الطلب. وفي هذا التحريض والتوكيد إشعار بأن الطلب لم يكن إلا لنفسه ﵇، ثم إنه تكلف في الجواب عن معنى الاستدراك أساليب وفنونًا من البديع: الإغراق في الوصف، والإدماج، والتخلص، وبناء الوعيد على الشريطة! والمعنى، على ما سبق من قول ابن عباسٍ ﵄. قوله: (فلما ظهر له اقتداره، وتصدى له أمره وإرادته) أي: مثل لظهور اقتداره وتعلق إرادته، بدك الجبل قوله: (تجلى ربه)، لا أن ثم تجليًا، كما قرره في قوله: (أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: ٨٢] أن المراد: "ما قضاه وأراد كونه يدخل تحت الوجود، من غير توقف"، لا أن ثمة قول.
[ ٦ / ٥٦٠ ]
وقرئ: (دكاء)، والدكاءُ: اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة، أو أرضًا دكاء مستوية، ومنه قولهم: ناقةٌ دكاء متواضعة السنام، وعن الشعبي: قال لي الربيع بن خُثيم: ابسط يدك دكاء، أي: مدّها مستوية. وقرأ يحيى بن وثاب: "دُكًا" أي: قطعًا دُكًا؛ جمع دُكاء، (وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا) من هول ما رأى. وصعق: من باب: فعلته فَفَعِلَ. يقال: صعقته فصعق، وأصله من الصاعقة. ويقال لها الصاقعة؛ من صقعه: إذا ضربه على رأسه، ومعناه: خرّ مغشيًا عليه غشيةً كالموت.
_________________
(١) قال صاحب "الفرائد": هذا المعنى غير مفهوم من الآية، لأن "تجلى" مطاوع "جليته" أي: أظهرته. يقال: جليته فتجلى، أي: أظهرته فظهر، ولا يقدر: تجلى اقتداره، لأنه خلاف الأصل. قال الإمام: "لا يجوز هذا التقدير، لأن المقصود من الكلام أن موسى لن يطيق رؤية الله، بدليل أن الجبل بعظمته، لما رأي الله اندك. ويجوز أن يخلق الله تعالى له حياةً وسمعًا وبصرًا، كما جعله محلا لخطابه، بقوله: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) [سبأ: ١٠]، وكما جعل الشجرة محلا للكلام. وكل هذا لا يحيله من يؤمن بأن الله على كل شيء قدير. قوله: (وقرئ: "دكاء"): حمزة والكسائي: بالمد والهمز من غير تنوين، والباقون: بالتنوين من غير همز.
[ ٦ / ٥٦١ ]
وروي: أنّ الملائكة مرّت عليه وهو مغشيٌّ عليه، فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية رب العزة؟
(فَلَمَّا أَفاقَ) من صعقته، (قالَ سُبْحانَكَ): أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها، (تُبْتُ إِلَيْكَ) من طلب الرؤية (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بأنك لست بمرئيٍّ ولا مُدركٍ بشيءٍ من الحواس.
فإن قلت: فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته، فممّ تاب؟ قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة - وإن كان لغرضٍ صحيحٍ- على لسانه، من غير إذنٍ فيه من الله تعالى.
_________________
(١) قوله: «سبحانك): أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية) إلى قوله: (ولا مدركٍ بشيءٍ من الحواس): الزيادات التي ذكرها: تقييد من غير دليل. قال الإمام: "الرؤية كانت جائزة، إلا أن موسى ﵇ سألها بغير إذن، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكانت التوبة لهذا المعنى". قال في "الانتصاف": "أما تسبيح موسى ﵇ فلما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه، وأما التوبة في حق الأنبياء فلا يلزم أن تكون عن ذنب، لأن منزلتهم العلية تصان عن كل ما يحط عن مرتبة الكمال. وكان عليه أن يتوقف في سؤال الرؤية على الإذن، فترك الأولى. وقد ورد: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
[ ٦ / ٥٦٢ ]
فانظر إلى إعظام الله تعالى أمر الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبيها وجعله دكًا، وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه من نفيان ذلك؛ مبالغةً في إعظام الأمر، وكيف سبح ربه ملتجئًا إليه، وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه، وقال: "أنا أول المؤمنين"، ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة، كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبًا، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية، فيهم:
لجماعة سموا هواهم سنّةً … وجماعة حمر لعمري موكفه
قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا … شنع الورى فتستّروا بالبلكفه
_________________
(١) وأما دك الجبل فلأن الله أظهر له أثرًا من الملكوت، ولا تستقر الدنيا لإظهار شيء من الملكوت. هذا هو المأثور عن السلف". قوله: (من نفيان ذلك)، الجوهري: "نفي الريح: ما تنفي في أصول الشجر من التراب ونحوه. والنفيان مثله. ونفي المطر: ما ينفيه ويرشه، وكذلك ما تطاير من الرشاء على ظهر الماتح". قوله: (من المتسمين بالإسلام) بتشديد التاء: من الاتسام، و"المتسمين" بتشديد الميم: من التسمي، مطاوع التسمية. قوله: (بالبلكفة) نحو: البسلمة والحيعلة، أي: القائلين بأن الرؤية تحصل بلا كيف. وفي بعض الحواشي: البلكفة: قول القائل: بل كفى في إمكان الرؤية تعليقها بشرطٍ ممكن، وهو استقرار الجبل من حيث هو هو.
[ ٦ / ٥٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) "الموكفة": من الإكاف: وهو البرذعة. أجاب بعض أهل السنة: عجبًا لقومٍ ظالمين تلقبوا … بالعدل ما فيهم لعمري معرفة قد جاءهم من حيث لا يدرونه … تعطيل ذات الله مع نفي الصفة وقال صاحب "الانتصاف": وجماعةٍ كفروا برؤية ربهم … هذا ووعد الله ما لن يخلفه وتلقبوا عدلية، قلنا: أجل … عدلوا بربهم فحسبهم سفه وتلقبوا الناجين، كلا إنهم … إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه
[ ٦ / ٥٦٤ ]
وتفسير آخر: وهو أن يريد بقوله: (أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ): عرّفني نفسك تعريفًا واضحًا جليًا، كأنها إراءةٌ في جلائها، بآيةٍ مثل آيات القيامة التي تضطر الخلق إلى معرفتك، (أَنْظُرْ إِلَيْكَ): أعرفك معرفة اضطرار،
_________________
(١) تاب الله عليهم. قوله: (وتفسير آخر): وقريب من هذا التفسير ما نقله الزجاج: "أرني أمرًا عظيمًا، لا يرى مثله في الدنيا مما لا يحتمله أحد. فأعلمه الله تعالى أنه لن يرى ذلك الأمر، وأن معنى (تجلى ربه للجبل): تجلى أمر ربه". ثم قال الزجاج: "هذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة ولا في الكلام دليل على ذلك، ولأنه قد أراه الله تعالى من الآيات ما لا غاية لنا بعده؛ أراه العصا ثعبانًا، ويده بيضاء، وغيرهما مما يستغني به عن أن يطلب أمرًا من الله عظيمًا لكن لما سمع كلام الله، أحب أن يراه، فأعلم الله تعالى أنه لن يراه". واعترض عليه أبو علي الفارسي في كتاب "الإصلاح"، فقال: "أما قوله: "لا يعرفه
[ ٦ / ٥٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أهل اللغة"، ففاسد، وفشو هذا في اللغة، وكثرته واشتهاره أظهر وأوضح، وفي التنزيل ما لا يكاد ينحصر. منه قوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن تَاتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ) [الأنعام: ١٥٨] يدل عليه قوله: (أَوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) [النحل: ٣٣]. وكذا: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) [الحشر: ٢]، (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ) [النحل: ٢٦] يدل عليه قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١]. وقوله: (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ) [هود: ٦٣] يدل عليه قوله: (فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ) [غافر: ٢٩]. وما أرى هذا الذي قاله إلا تحاملًا، ودافعه في اللغة كدافع الضروريات. وأما دفعه أن يسأل موسى أمرًا عظيمًا، فإن ذلك مما لا ينكر منه على ما آتاه الله من الآيات، لأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات مع هذه الآيات التي أوتيها ويسألونه إياها. ألا ترى إلى قولهم: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: ٥٥] و(لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ واحِدٍ) [البقرة: ٦٣]. فإذا جاز ذلك فلا وجه لإنكار أن موسى ﵇ سأل أمرًا عظيمًا، لاقتراح القوم، ويكون سؤاله جائزًا، ليؤتى ما يجوز إيتاؤه، ويعرفوا ما لا يجوز إيتاؤه، فيعلموا امتناعه". وقلت - والله أعلم -: أما الجواب عن الأول: فإن الزجاج لا ينكر حذف المضاف، وإنما ينكر أن المضاف هو أمر عظيم لا يرى مثله في الدنيا مما لا يحتمله أحد. فالحق أن المقام يأباه، وذلك أنه بين
[ ٦ / ٥٦٦ ]
كأني أنظر إليك، كما جاء في الحديث: «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، بمعنى: ستعرفونه معرفة جليةً هي في الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى.
_________________
(١) المقام، وهو أنه: "لما سمع كلام الله، أحب أن يراه" كما نقلنا عن الحسن ومحيي السنة، وبينا أن ذلك هو اقتضاء المقام. ولا شك أن مقام الأنبياء، ونزول تجليات الجمال، يأبي طلب الأمر العظيم الذي لا يحتمله أحد، ويؤدي إلى الوعيد العظيم والتهديد، لأن الآيات الوارد فيها الأمر من القوارع والزواجر. وأما الجواب عن الثاني: فإن كلامه مبني على أن القوم كانوا معه في هذه المرة، وقد أبطلناه غير مرة. قوله: (كما جاء في الحديث): اعلم أن المصنف أدمج تأويل الحديث في تأويل الآية، لئلا يتمسك به مخالفوه. والحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة: أن الناس قالوا: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تمارون في الشمس، ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم ترونه كذلك". وعن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عن جرير بن عبد الله، قال: كنا عند رسول الله صلي الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال: "سترون ربكم عيانًا، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته".
[ ٦ / ٥٦٧ ]
(قالَ لَنْ تَرانِي) أي: لن تُطيق معرفتي على هذه الطريقة، ولن تحتمل قوّتك تلك الآية المضطرة، (ولكن انظر إلى الجبل) فإني أورد عليه وأظهر له آيةً من تلك الآيات، فإن ثبت لتجليها واستقرّ مكانه ولم يتضعضع فسوف تثبت لها وتطبيقها، (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ): فلما ظهرت له آية من آيات قدرته وعظمته، (جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا) لعظم ما رأى، (فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ) مما اقترحت وتجاسرت، (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بعظمتك وجلالك، وأن شيئًا لا يقوم لبطشك وبأسك.
_________________
(١) وعن مسلم والترمذي، عن صهيب، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله ﵎: "تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﵎". قال صاحب "الجامع": "إنها الغاية القصوى في نعيم الآخرة، بلغنا الله منها ما نرجوه". ومن رد هذه الروايات الصريحة الصحيحة، أو أولها بمدركته الركيكة، فقد غطى عين الشمس بعينه الضعيفة. وسمعت بعض العارفين قدس سره: "نحن - معاشر السنة - هممنا مصروفة لنيل هذه البغية السنية. والمعتزلة على العكس، يجتهدون في الدفع، (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا) [الإسراء: ٨٤]. قوله: (المضطرة): هي اسم فاعل، كقولهم: "المغتاب - فض الله فمه - يأكل لحم المغتاب، ويشرب دمه".
[ ٦ / ٥٦٨ ]
[(قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)].
(إنِي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ): اخترتك على أهل زمانك وآثرتك عليهم، (بِرِسالاتِي) وهي أسفار التوراة، (وَبِكَلامِي): وبتكليمى إياك، (فَخُذْ ما آتَيْتُكَ): ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة، (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم. وقيل: خَرَّ موسى صعقًا يوم عرفة، وأُعطي التوراة يوم النحر.
فإن قلت: كيف قيل: (اصطفيتك على الناس) وكان هرون مصطفى مثله ونبيًا؟ قلت: أجل، ولكنه كان تابعًا له وردءًا ووزيرًا، والكليم: هو موسى ﵇، والأصيل في حمل الرسالة.
[(وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ* سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
_________________
(١) قوله: (وهي أسفار التوراة): أي: مجلداتها. الأساس: "حملوا أسفار التوراة، وله سفر من الكتاب، وسفر الكتاب: كتبه، والكرام السفرة: الكتبة". قوله: (فهي من أجل النعم): الفاء للتسبب، لأن قوله تعالى: (وكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) من باب المبالغة، أي: كن بليغ الشكر، أي: معدودًا في عداد الشاكرين، بأن تكون لك مساهمة كاملة فيهم، لأن النعمة، وهي شرف النبوة والحكمة، من أجل النعم.
[ ٦ / ٥٦٩ ]
ذكروا في عدد الألواح وفي جوهرها وطولها: أنها كانت عشرة ألواحٍ، وقيل: سبعة، وقيل: لوحين، وأنها كانت من زمرّدٍ أخضر، جاء بها جبريل ﵇. وقيل: من زبرجدةٍ خضراء وياقوتةٍ حمراء. وقيل: أمر الله موسى بقطعها من صخرةٍ صماء لينها له، فقطعها بيده، وشقها بأصابعه. وعن الحسن: كانت من خشبٍ نزلت من السماء فيها التوراة، وأن طولها كان عشرة أذرع.
_________________
(١) قوله: (زمرد) بضمتين، والراء مضمومة مشددة، والدال معجمة: معرب، عن الجوهري. قوله: (زبرجدةٍ خضراء، وياقوتةٍ حمراء): الواو ليس للجمع، بل بمعنى "أو"، لما روى محيي السنة: "قال الكلبي: كانت الألواح من زبرجدةٍ خضراء، وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر". قوله: (وسقفها بأصابعه) أي: جعلها سقائف. الجوهري: "السقائف: ألواح السفينة، كل لوحٍ منها سقيفة". وفي بعض النسخ: "شقفها" بالشين المعجمة. قوله: (عشرة أذرع) الذراع يذكر ويؤنث.
[ ٦ / ٥٧٠ ]
وقوله: (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) في محل النصب مفعول "كتبنا"، و(مَوْعِظَةً وتفصيلًا) بدلٌ منه. والمعنى: كتبنا له كل شيءٍ كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام.
وقيل أُنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزيرٌ، وعيسى ﵈.
_________________
(١) قوله: «من كل شيءٍ) في محل النصب مفعول "كتبنا"، و(موعظة وتفصيلًا) بدل منه): قال الإمام: "لا شبهة في أن قوله: (من كل شيء) ليس على العموم، لأن المراد: كل شيء كانوا محتاجين إليه: من الحلال والحرام والمحاسن والقبائح، وهو على ضربين: أحدهما: ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية، من الوعد والوعيد، وهو الضرب الثاني. ولما قرر ذلك، أتبعه شرح أقسام الأحكام، وتفصيل الحلال والحرام". قلت: و(من) على هذا: ابتدائية، أو زائدة، ويمكن أن تحمل على التبعيض وتكون (موعظة) وحدها بدلًا منه، و"تفصيلًا" عطفًا على محل الجار والمجرور. فيختلف جهتا كل من قوله: (كل شيءٍ) و"تفصيلًا"، ويأخذ كل من (موعظة وتفصيلًا) حقه، ولا تضيع فائدة اتصال لـ (كل شيء) الثاني بـ"تفصيلًا". والمعنى: كتبنا بعض كل شيء في التوراة: من نحو السور والآيات وغيرهما (موعظة)، وكتبنا فيها تفصيل كل شيء يحتاجون إليه من الحلال والحرام، ونحوه. وفيه وجوه من الفوائد، منها: اختصاص الإجمال والتفصيل بالموعظة، للإيذان بأن الاهتمام بها أشد، والعناية بها أتم، ولعمري هو كذلك، ومن ثم أكثر مدح النبي صلي الله عليه وسلم بالبشير النذير.
[ ٦ / ٥٧١ ]
وعن مقاتل: كتب في الألواح: إني أنا الله الرحمن الرحيم، لا تشركوا بي شيئًا، ولا تقطعوا السبيل، ولا تحلفوا باسمي كاذبين؛ فإنّ من حلف باسمي كاذبًا فلا أزكيه، ولا تقتلوا ولا تزنوا، ولا تعقوا الوالدين.
(فَخُذْها) فقلنا له: "خذها"، عطفًا على "كتبنا"،
_________________
(١) ومنها: أن في جعل (من) تبعيضًا إشعارًا بأن الموعظة مما يجب أن يرجع إليه في كل أمر، ويكر به في كل سورة، بل في كل آية؛ ألا ترى أن أكثر الفواصل التنزيلية وارد على هذا النمط، نحو: (أفلا تتقون)، (أفلا تذكرون)، (أفلا تعقلون) ونحوها. وإلى سورة "الرحمن" كيف أعيد فيها ذكر (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، بعد كل إشارة، وذلك ليستأنف السامع به أذكارًا واتعاظًا، ويجدد به تنبيهًا واستيقاظًا، وأن تقرع لهم العصا مرات، وتقعقع لهم الشنان تارات. ولما اشتمل الكلام على هذه المطالب عقبها بقوله: (فخذها بقوة)، أي: بصدق نية، وعزيمةٍ ماضية. قوله: (فلا أزكيه) أي: فأنا لا أزكيه. كقوله تعالى: (فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا) [الجن: ١٣]، أي: فهو لا يخاف بخسًا. قوله: (فقلنا له: خذها) يعني: "فخذها"، على إضمار القول، فيكون عطفًا على "كتبنا".
[ ٦ / ٥٧٢ ]
ويجوز أن يكون بدلًا من قوله: (فَخُذْ ما آتَيْتُكَ) [الأعراف: ١٤٤]، والضمير في (خُذْها) للألواح، أو لـ (كل شيء)، لأنه في معنى الأشياء، أو الرسالات، أو للتوراة. ومعنى (بِقُوَّةٍ): بجدّ وعزيمةٍ فعل أولي العزم من الرسل، (يَاخُذُوا بِأَحْسَنِها) أي: فيها ما هو حسنٌ وأحسن،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون بدلًا من قوله: (فخذ ما أتيتك». والعطف على "كتبنا" أجرى على سنن البلاغة، لما يلزم في البدل من التعاظل والتراكب وفك النظم، لأن قوله تعالى: (وكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ) مع ما عقب به من قوله: (فخذها بقوة) معطوف على قوله: (قَالَ يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ) مع ما عقب به وهو: (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ) على سبيل البيان والتفصيل، فلو جعل بدلًا، لدخل بين المعطوف والمعطوف عليه أجنبي. والذي يدل على التفصيل بسط ما أجمل. قال أولًا: (إني اصطفيتك) ففصله بقوله: (وكتبنا له) على التعظيم. وقال: (بلاسالاتي وبكلامي) ففصله بقوله: (من كل شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيءٍ). وقال: (فخذ ما أتيتك) ففصله بقوله: (فخذها بقوةٍ وأمر قومك). وقال: (وكن من الشاكرين) ففصله بقوله: (سأوريكم دار الفاسقين). ويؤيده قول الزجاج: "قال الله تعالى: فخذ ما أعطيتك. ثم أعلم أنه أعطاه من كل شيء يحتاج إلى أمر الدين، فقال: (وكتبنا له في الألواح). قوله: (فعل أولي العزم): نصب مفعول مطلق، أي: خذها أخذًا مثل أخذ أولي العزم من الرسل، مجدين صابرين ثابتين، لأنه إذا أخذها بضعف، أداه ذلك إلى الفتور. قوله: (أي: فيها ما هو حسن وأحسن): اعلم أن كلام الله المجيد، بحسب كونه كلامه، كله حسن.
[ ٦ / ٥٧٣ ]
كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر. فمرهم أن يحملوا على أنفسهم في الأخذ بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب، كقوله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [الزمر: ٥٥]. وقيل: يأخذوا بما هو واجبٌ أو ندب، لأنه أحسن من المباح. ويجوز أن يراد: يأخذوا بما أُمروا به، دون ما نهوا عنه، على قولك: الصيف أحرّ من الشتاء.
_________________
(١) روى محيي السنة عن قطرب: " (بأحسنها) أي: بحسنها، وكلها حسن". وقلت: لكن بحسب أحوال المكلف، تتفاوت إلى الحسن والأحسن، والوجوه مبنية على هذا. قوله: (كالاقتصاص والعفو): هذا يقوي ما أوردناه على كلامه في "البقرة"، عند قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) [البقرة: ١٧٨]: "أن أهل التوراة كتب عليهم القصاص، وحرم العفو". ويخالف قوله بعدها في تفسير قوله تعالى: (ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) [الأعراف: ١٥٧]: "نحو بت القضاء بالقصاص، عمدًا كان أو خطأ". قوله: (أن يراد: أن يأخذوا بما أمروا به، دون ما نهوا عنه): يعني: أن التوراة مشتملة على الأمر والنهي، وعلى ما يجب فعله، وعلى ما ينبغي تركه. فقال: (بأحسنها)، أي: بأحسن ما فيها من الأمرين: من الفعل والترك، والمتروك لا يكون حسنًا، وإنما هو على باب قولك: "الصيف أحر من الشتاء"، أي: الصيف أبلغ في بابه من الحرارة من الشتاء في بابه من البرودة. والمعنى: ما أمروا به أبلغ في بابه من الحسن مما نهوا عنه في بابه من القبح.
[ ٦ / ٥٧٤ ]
(سَأورِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) يريد دار فرعون وقومه وهي مصر، كيف أقفرت منهم ودمّروا لفسقهم، لتعتبروا، فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم. وقيل منازل عادٍ وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممرّكم عليها في أسفاركم. وقيل: دار الفاسقين: نار جهنم. وقرأ الحسن: "سأوريكم"، وهي لغةٌ فاشيةٌ بالحجاز. يقال: أورني كذا، وأوريته. ووجهه أن تكون من: أوريت الزند، كأن المعنى: بينه لي وأنره لأستبينه، وقرئ: "سأورثكم"، وهي قراءةٌ حسنةٌ يصححها قوله: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) [الأعراف: ١٣٧].
_________________
(١) قال الزجاج: "إنهم أمروا بالخير، ونهوا عن الشر، وعرفوا ما لهم وما عليهم، فقيل: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) ". قوله: (لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم): إشارة إلى أن قوله: (سأوريكم دار الفاسقين) توكيد لأمر بالأخذ بأحسن ما في التوراة، وبعث عليه. وفي وضع الإراءة موضع الاعتبار إقامة للسبب مقام المسبب أيضًا مبالغة، كقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ) [النمل: ٦٩].
[ ٦ / ٥٧٥ ]
(سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ) بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم، فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها، غفلة وانهماكًا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم.
وعن الفضيل بن عياضٍ: ذكر لنا عن رسول الله ﷺ: "إذا عظمت أمّتي الدنيا نزع عنها هيبةُ الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي".
وقيل: سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى، بأن جمع لها السحرة، فأبى الله إلا علو الحق وانتكاس الباطل. ويجوز: سأصرفهم عنها وعن الطعن فيها والاستهانة بها وتسميتها سحرًا بإهلاكهم
_________________
(١) وفي وضع (دار الفاسقين) موضع "أرض مصر" الإشعار بالعلية، والتنبيه على أن تخترزوا، ولا تستنوا بسنتهم من الفسق، وإليه الإشارة بقوله: "فلا تفسقوا مثل فسقهم". وفيه التفات أيضًا، لأن أصل الكلام: (وامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)، سأريهم دار الفاسقين، ليجدوا، ولا يتهاونوا في امتثال الأمر. وعلى قراءة: "سأورثكم" بالثاء المثلثة، يكون تغليبًا، لأن المعنى: سأورثك وقومك أرض مصر، فالجملة استئنافية، على سبيل التعليل للأمر، وعلى المشهورة: الخطاب مخصوص بالقوم، لأن المعنى: ليعتبروا ولا يفسقوا. قوله: (سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا): فعلى هذا: الكلام مع قوم رسول الله ﷺ
[ ٦ / ٥٧٦ ]
وفيه إنذارٌ للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن الآيات لتكبرهم وكفرهم بها، لئلا يكونوا مثلهم، فيسلك بهم سبيلهم.
_________________
(١) فيكون متصلًا بما سبق من قصتهم، وهي: (أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [الأعراف: ١٠٠]، فيكون إيراد قصة موسى وفرعون للاعتبار كما قال: "وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون"، فقوله: (وإن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا) الآية عطف على قوله: (يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ). وعلى الأول الآية عامة، وعطف (وإن يروا) على (سأصرف) للتعليل، على منوال قوله: (ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ عِلْمًا وقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥] على رأي صاحب "المفتاح"، ولذلك جاء بالفاء في "فلا يفكرون فيها"، أي: سأصرف عن آياتي الغافلين المشتغلين بالدنيا، فلذلك لا يتفكرون في الآيات، ولا يعتبرون بها، ويجوز على هذا، أن يكون متصلًا بقوله: (وامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)، أي: الأمر كذلك، وأما الإرادة فإني سأصرف عن الأخذ بآياتي أهل الطبع والشقاوة. قال الإمام: "واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله قد يمنع عن الإيمان، ويصد عنه". وفي "الوسيط": "سأصرفهم عن قبول آياتي، والتصديق بها، لعنادهم الحق".
[ ٦ / ٥٧٧ ]
(بِغَيْرِ الْحَقِّ) فيه وجهان: أن يكون حالًا، بمعنى: يتكبرون غير محقين، لأنّ التكبر بالحق لله وحده، وأن يكون صلةً لفعل التكبر، أي: يتكبرون بما ليس بحق وما هم عليه من دينهم، (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ) من الآيات المنزلة عليهم (لا يُؤْمِنُوا بِها)، وقرأ مالك بن دينار: "وإن يروا" بضم الياء. وقرئ: (سبيل الرشد) و"الرشد" و"الرشاد"، كقولهم: السقم والسقم والسقام. وما أسفه من ركب المفازة، فإن رأى طريقًا مستقيمًا أعرض عنه وتركه، وإن رأى معتسفًا مُرديًا أخذ فيه وسلكه، ففاعل نحو ذلك في دينه أسفه.
_________________
(١) وقوله: (لأن التكبر بالحق لله تعالى): المعنى مقتبس من قوله صلوات الله عليه: "قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري. فمن نازعني في واحدٍ منهما قذفته في النار". أخرجه أبو داود عن أبي هريرة، وقريب منه أخرجه مسلم عن أبي سعيد. قال الزجاج: "معنى (يتكبرون): يرون أنهم أفضل الخلق، وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم، وهذه الصفة لا تكون إلا لله تعالى خاصة، لأن الله له القدرة والفضل على الكمال، وليس لأحدٍ أن يتكبر، لأن الناس في الحقوق سواء". قوله: (وما هم عليه من دينهم) عطف تفسيري على قوله: "ما ليس بحق"، فعلى هذا: (يتكبرون) بمعنى: يتعززون، أي: يتعززون بالباطل، وبما يؤديهم إلى الذل والهوان، ولا يرفعون للحق رأسًا. فقوله: (وإن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا) مع ما عطف عليه مناسب بهذا الوجه. قوله: (وقرئ: (سبيل الرشد) و"الرشد": حمزة والكسائي: بفتحتين، والباقون: بضم الراء وإسكان الشين، و"الرشاد": شاذ
[ ٦ / ٥٧٨ ]
(ذلِكَ) في محل الرفع أو النصب؛ على معنى: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، أو صرفهم الله ذلك الصرف بسببه، (وَلِقاءِ الْآخِرَةِ) يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به، أي: ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها، ومن إضافة المصدر إلى الظرف؛ بمعنى: ولقاء ما وعد الله في الآخرة.
[(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ* وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ)].
(مِنْ بَعْدِهِ): من بعد فراقه إياهم إلى الطور.
_________________
(١) قوله (من بعده): من بعد فراقه إياهم إلى الطور)، فيكون: (واتخذ قوم موسى) عطفًا على قوله: (وواعدنا موسى) [الأعراف: ١٤٢] عطف قصةٍ على قصة. وذلك أنه تعالى لما أخبر أن بني إسرائيل لما جاوزوا البحر، بعد إغراق فرعون، ورأوا قومًا يعكفون على أصنام لهم، فطلبوا من موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهًا، أي: يتخذ لهم أصنامًا مثل تلك الأصنام، ليعكفوا على عبادتها، كما كانوا عاكفين، وأجابهم نبي الله ذلك الجواب العنيف، أخبر بعد ذلك عن حاله ﵇ مع ربه ﷿ وفراقه إياهم إلى الطور، وعن حال قومه بعده، وانتهازهم تلك الفرصة، لتحقيق متمناهم. ويؤيد هذا التأويل ما رواه المصنف عن ابن جريج في وصف تلك الأصنام: "كانت تماثيل بقر"، وذلك أول شأن العجل، فعلى هذا الوجه يكون (واتخذ) مما يتعدى إلى مفعولين، وأن المعنى: "واتخذوا"، أي: العجل الموصوف إلهًا، كما تمنوا.
[ ٦ / ٥٧٩ ]
فإن قلت: لم قيل: واتخذ قوم موسى عجلًا، والمتخذ هو السامري؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن ينسب الفعل إليهم، لأن رجلًا منهم باشره ووجد فيما بين ظهرانيهم، كما يقال: بنو تميمٍ قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد، ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به، فكأنهم أجمعوا عليه.
والثاني: أن يراد: واتخذوه إلهًا وعبدوه. وقرئ: (مِنْ حُلِيِّهِمْ) بضم الحاء والتشديد، جمع حلي، كثدي وثديّ، "ومن حليهم" بالكسر للإتباع كدلي، و"من حليهم" على التوحيد. والحلي: اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة.
فإن قلت: لم قال: (من حليهم)، ولم يكن الحليّ لهم، إنما كانت عواري في أيديهم؟ قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة،
_________________
(١) وفي إفراد الضمير في (بعده) الدلالة على أن موسى ﵇ فارق القوم إلى الطور وحده، ولم يصحب معه أولئك السبعين، الذين طلبوا الرؤية كما زعم. قوله: (فيما بين ظهرانيهم)، الجوهري: "يقال: هو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم، بفتح النون". النهاية: "وفي الحديث: "فأقاموا بين ظهرانيهم وبين أظهرهم"، أي: أنهم أقاموا بينهم، على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم. وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة، تأكيدًا، وقد مر في "البقرة" أبسط منه. قوله: (وقرئ: (من حليهم) بالضم والكسر): حمزة والكسائي: بالكسر، والباقون: بالضم.
[ ٦ / ٥٨٠ ]
وكونها عواري في أيديهم كفى به ملابسةً على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين، كما ملكوا غيرها من أملاكهم. ألا ترى إلى قوله عزّ وعلا: (فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ* كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ) [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].
(جَسَدًا): بدنًا ذا لحم ودم كسائر الأجساد. والخوار: صوت البقر، قال الحسن: إن السامري قبض قبضةً من ترابٍ من أثرِ فرس جبريل ﵇ يوم قطع البحر، فقذفه في العِجل، فكان عِجلًا له خُوار. وقرأ عليٌّ ﵁: "جؤار" بالجيم والهمزة، من جأر: إذا صاح، وانتصاب (جَسَدًا) على البدل من (عِجْلًا).
(أَلَمْ يَرَوْا) حين اتخذوه إلهًا أنه لا يقدر على كلامٍ ولا على هداية سبيل، حتى لا يختاروه على من لو كان البحر مدادًا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته،
_________________
(١) قوله: (على أنهم قد ملكوها): إعراض عن الجواب، ورد للسؤال، وأن الحلي كانت عواري في أيديهم، بل كانت ملكًا لهم، ملكوها كسائر ما ملكوا من فرعون وقومه. قوله: «جسدًا): بدنًا ذا لحم ودم)، الراغب: "الجسد كالجسم، لكنه أخص، قال الخليل: لا يقال: الجسد، لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، وأيضًا فإن الجسد يقال لما له لون، والجسم يقال لما لا يبين له لون، كالماء والهواء، وقال تعالى: (ومَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَاكُلُونَ الطَّعَامَ) [الأنبياء: ٨] يشهد لما قال الخليل. وقال: (عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ) وقال: (وأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) [ص: ٣٤]، وباعتبار اللون قيل للزعفران: جساد، وثوب مجسد: مصبوغ بالجساد، والمجسد: الثوب الذي يلي الجسد". قوله: (حتى لا يختاره على من لو كان البحر مدادًا لكلماته): يريد: أن قوله: (لا يُكَلِّمُهُمْ ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا) تعريض بالإله الحق، وبعلمه الشامل، وبهدايته الواضحة، ولو
[ ٦ / ٥٨١ ]
وهو الذي هدى الخلق إلى سبل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة، وبما أنزل في كتبه.
ثم ابتدأ فقالك (اتَّخَذُوهُ) أي: أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المُنكر، (وَكَانُوا ظَالِمِينَ): واضعين كل شيءٍ في غير موضعه، فلم يكن اتخاذ العجل بدعًا منهم، ولا أول مناكيرهم.
_________________
(١) جعله تعريضًا بالله تعالى وبكلامه مع موسى ﵇ وبهدايته لقومه، لأن المقام يقتضيه، كان أحسن. قوله: (ثم ابتدأ فقال: (اتخذوه»: عطف على مقدر، يعني: ذكر الله تعالى ظلم القوم، وإيثارهم ما لا يكلمهم ولا يهديهم، على من لو كان البحر مدادًا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته، ومن هدى الخلق إلى سبيل الحق، ثم أراد أن يوصل به قوله: (وكانوا ظالمين) تذييلًا وتوكيدًا لوضع الشيء في غير موضعه ابتداء، فقال: (اتخذوه)، وعلق به التذييل مزيدًا للتبجيل. فقوله تعالى: (اتخذوه) كنايةً عن المذكور السابق، ولهذا قال: "أقدموا على ما أقدموا عليه". وقوله: (فلم يكن اتخاذ العجل بدعًا منهم، ولا أول مناكيرهم) تقدير لمعنى التذييل.
[ ٦ / ٥٨٢ ]
(وَلَمَّا سُقِطَ في اَيّدِيِهِمْ): ولما اشتدَّ نَدمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غمًا، فتصير يده مسقوطًا فيها، لأن فاه قد وقع فيها. و(سُقط) مسندٌ إلى (في أيديهم) وهو من باب الكناية.
وقرأ أبو السميفع: "سقط في أيديهم"، على تسمية الفاعل، أي: وقع العض فيها.
_________________
(١) قوله: «ولما سقط في أيديهم): ولما اشتد ندمهم): إنما قال: "اشتد" لأنه كناية عن "ندموا"، والكناية أبلغ. والأصل: سقط فوه في يده، لأن النادم يعض أنامله، ويقرع أسنانه عليها، ثم بني للمفعول، نحو مر بزيدٍ، وسير بعمرو. وأما قراءة ابن السميفع: (سقط في أيديهم) على إضمار الفاعل، فوجهها أن يكون الفاعل أيضًا الفم، والذي شجعه على إضماره استمرار الاستعمال فيما لم يسم فاعله، واشتهاره في معنى الندم، وصيرورته مثلًا فيه. ومن ثم جسر الزجاج، حتى قال: "سقط الندم في أيديهم". فإن قلت: قوله: "تشبيهًا لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين" يؤذن بأنه من الاستعارة التمثيلية، فهل ينافي قوله: "وهو من باب الكناية"؟ قلت: لا، لأن الكناية الإيمائية عبارة عن أخذ الزبدة من مجموع الأشياء المتوهمة، فهي مسبوقة بالاستعارة التمثيلية، لأن الوجه في التمثيلية منتزع من عدة أمورٍ متوهمة، فإذا نزر إلى مفردات التركيب، قيل: استعارة، وهي مسبوقة بالتشبيه، وإذا نظر إلى زبدة المجموع من حيث هي هي، قيل: كناية إيمائية، وهي مسبوقة بالاستعارة.
[ ٦ / ٥٨٣ ]
وقال الزجاج: معناه: سقط الندم في أيديهم، أي: في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالًا أن يكون في اليد، تشبيهًا لما يحصل في القلب وفي النفس، بما يحصل في اليد ويُرى بالعين، (ورأوا أنهم قد ضلوا): وتبينوا ضلالهم تبينًا كأنهم أبصروه بعيونهم. وقرئ: "لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا" بالتاء، و"ربنا" بالنصب على النداء، وهذا كلامُ التائبين، كما قال آدم وحواء ﵉: (وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا) [الأعراف: ٢٣].
[(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَاسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)].
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "لئن لم ترحمنا ربنا"): حمزة والكسائي: بالتاء على الخطاب، ونصب الباء، والباقون: بالياء على الغيبة، ورفع الباء. قوله: (وهذا كلام التائبين) لأن في ذكر الرب وتخصيص الرحمة والغفران الاستعطاف، وفي ذكر الخسران الهضم، ونحوه قول القائل: إلهي، عبدك العاصي أتاكا … مقرًا بالذنوب وقد دعاكا
[ ٦ / ٥٨٤ ]
الأَسِف: الشديدُ الغضب؛ (فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) [الزخرف: ٥٥]، وقيل: هو الحزين، (خَلَفْتُمُوني): قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي.
وهذا الخطاب إما أن يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه، أو لوجوه بني إسرائيل، وهم هارون ﵇ والمؤمنون معه، ويدل عليه قوله: (اخْلُفْنِي فيِ قَوْمِي) [الأعراف: ١٤٢]، والمعنى: بئس ما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، أو حيثُ لم تكفوا من عَبَدَ غير الله.
فإن قلت: أين ما تقتضيه "بئس" من الفاعل والمخصوص بالذم؟ قلت: الفاعل مضمرٌ يفسره "ما خلفتموني"، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: بئس خلافةٌ خلفتمونيها من بعد خلافتكم.
_________________
(١) قوله: (الأسف: الشديد الغضب) إلى قوله: (هو الحزين)، الراغب: "الأسف: الحزن والغضب معًا، وقد يقال لكل منهما على الإنفراد، وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام، فمتى كان على من دونه، انتشر، فصار غضبًا، ومتى كان على من فوقه، انقبض، فصار حزنًا، ولذلك لما سئل ابن عباسٍ عن الحزن والغضب، فقال: مخرجهما واحد، واللفظ مختلف". قوله: (الفاعل مضمر يفسره "ما خلفتموني")، قيل: إنما خص بالمضمر، لأن "ما خلفتموني" إما أن يكون فاعل "بئس" أو المخصوص بالذم، أو المفسر للفاعل المستكن في "بئس"، لا يجوز أن يكون فاعل "بئس"، لأن "ما خلفتموني" مفصل، وفاعل "بئس" يجب أن يكون مبهمًا، ولا يجوز أن يكون المخصوص بالذم، لأنه يبقي "بئس" بلا فاعل، لأنه إنما يضمر فاعل "بئس" بشرط أن يعقبه المفسر، فبقي أن يكون مفسرًا لفاعل "بئس" المضمر.
[ ٦ / ٥٨٥ ]
فإن قلت: أي: معنى لقوله: (مِنْ بَعْدِي) بعد قوله: (خَلَفْتُمُونِي)؟ قلت: معناه: من بعد ما رأيتم مني؛ من توحيد الله، ونفي الشركاء عنه، وإخلاص العبادة له. أو: من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد، وأكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر، حين قالوا: (اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) [الأعراف: ١٢٨]. ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا يخالفوه، ونحوه: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) [مريم: ٥٩] أي: من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة.
_________________
(١) قوله: (أي معنى لقوله: (من بعدي)، بعد قوله: (خلفتموني»، يريد أن الخليفة هو الذي يخلف المنوب فيما كان قائمًا فيه بعد تخلفه، فلفظ (بعدي) كالتكرير. وخلاصة الجواب أنه من باب قوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ) [النحل: ٢٦]، ومعلوم أن السقف لا يكون إلا من فوق، وفائدة ذكره تصوير حالة الخرور في الذهن وما يتصل منه إلى المخرور عليه، تهويلًا وتخويفًا، وكذلك قال: (من بعدي) تصويرًا لمعنى نيابة المستخلف، ومزاولة سيرته، وسلوك هديه. ولذلك قال: "ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده". ولما كان جل هدي الأنبياء وسمتهم، الدعوة إلى التوحيد، والأمر بالعبادة بالإخلاص، والنهي عن الشرك والرذائل، قال مرة: "ما رأيتم مني من توحيد الله وإخلاص العبادة له"، وأخرى: "من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد، والنهي عن عبادة البقر". ولما كان ديدن أصحاب الأنبياء محافظة الصلوات، والاعتزال عن ملاذ الدنيا وشهواتها، استشهد بقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) [مريم: ٥٩]. فقوله:
[ ٦ / ٥٨٦ ]
يقال: عجل عن الأمر: إذا تركه غير تام، ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره، ويضمن معنى "سبق" فيتعدى تعديته، فيقال: عجلت الأمر، والمعنى: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم، فحدَّثتم أنفسكم بموتي، فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم.
_________________
(١) "من بعد ما رأيتم مني" بناءً على أن الخطاب مع عبدة العجل، وقوله: "ومن بعد ما كنت أحمل" بناءً على أن الخطاب مع وجوه بني إسرائيل. قوله: (تم عليه)، الأساس: "تم على أمر: مضى عليه". ونحوه: عجل عنه، في معنى: شرع فيه، ولم يتم. "وأعجلته عن استلال سيفه: كلفته أن يعجله". قوله: (وأعجله عنه غيره): عطف على قوله: "عجل عن الأمر: إذا تركه غير تام". قوله: (وما وصاكم به) عطف على سبيل البيان على قوله: "عهده". ويؤيده رواية: "ما وصيتم به". وقوله: "وهو انتظار موسى حافظين لعهده" من كلام المصنف؛ تفسير للأمر، اعتراض بين "أعجلتم" ومتعلقه، وهو: "فبنيتم". ويجوز أن يكون "وما وصاكم به" عطفًا على "أمر ربكم" على أن يكون من كلام موسى ﵇، وقوله: "وهو انتظار موسى حافظين لعهده" من كلام المصنف؛ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، فـ"الأمر" في (أعجلتم أمر ربكم): واحد الأمور والشؤون.
[ ٦ / ٥٨٧ ]
وروي أنّ السامري قال لهم- حين أخرج لهم العجل وقال: (هذا إلهكم وإله موسى) [طه: ٨٨]-: إن موسى لن يرجع، وإنه قد مات.
وروي: أنهم عدّوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين، ثم أحدثوا ما أحدثوا.
(وَأَلْقَى الْأَلْواحَ): وطرحها لما لحقه من فرط الدهش وشدّة الضجر عند استماعه حديث العجل، غضبًا لله وحمية لدينه، وكان في نفسه حديدًا شديد الغضب، وكان هارون ألين منه جانبًا ولذلك كان أحبَّ إلى بني إسرائيل من موسى.
_________________
(١) قال الإمام: (أعجلتم أمر ربكم) أي: ميعاد ربكم، فلم تصبروا له. وعن الحسن: وعد ربكم الذي وعده من الأربعين. وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم؟ . وهو المراد من قوله: "وهو انتظار موسى حافظين لعهده". ويجوز أن يراد به: واحد الأوامر، أي: سبقتم ما أمر الله تعالى من انتظاري المدة المضروبة، يعني قول الله تعالى: انتظروا موسى أربعين يومًا حافظين لما وصاكم به، فقوله: "حافظين"، حال من فاعل المصدر المضاف إلى المفعول، وقيل: هو حال من فاعل "أعجلتم"، وليس بشيء. قوله: (وروي أنهم عدوا عشرين يومًا): روى الإمام عن الحسن: "وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين". وقلت: هذا الميعاد غير ميعاد الله تعالى لموسى ﵇ في قوله تعالى: (ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) [الأعراف: ١٤٢]، لقرب ميعاد موسى قبل مضية إلى الطور، لقوله تعالى: (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) [الأعراف: ١٤٢]. وميعاد القوم عند مضية لقوله تعلى: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ).
[ ٦ / ٥٨٨ ]
وروي: أن التوراة كانت سبعة أسباعٍ، فلما ألقى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها وبقي منها سبعٌ واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة.
(وَأَخَذَ بِرَاسِ أَخِيهِ) أي: بشعر رأسه (يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) بذؤابته، وذلك لشدّة ما ورد عليه من الأمر الذي استفزه وذهب بفطنته، وظنا بأخيه أنه فرط في الكف.
(ابْنَ أُمَّ) قرئ بالفتح تشبيها بـ"خمسة عشر"، وبالكسر على طرح ياء الإضافة، "وابن أمي"، بالياء، "وابن إمِّ" بكسر الهمزة والميم. وقيل: كان أخاه لأبيه وأمّه، فإن صح فإنما أضافه إلى الأم، إشارة إلى أنهما من بطنٍ واحد. وذلك أدعى إلى العطف والرقة، وأعظم للحق الواجب، ولأنها كانت مؤمنة فاعتدَّ بنسبها، ولأنها هي التي قاست فيه المخاوف والشدائد، فذكره بحقها.
_________________
(١) قوله: (وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها، وبقي منها سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة)، وروى محيي السنة: "فرفع ما كان فيه من أخبار الغيب، وبقي ما فيه من المواعظ والأحكام". هذه الرواية منافية لما رواه قبل هذا: "أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى". ورواه محيي السنة عن الربيع بن أنس. وما ذلك إلا من قلة ضبط الرواة، وعدم إتقان الناقلين، جزى الله المحدثين خيرًا. قوله: (ابن أم) قرئ بالفتح)، ابن عامر وأبو بكرٍ والكسائي: بكسر الميم، والباقون: بفتحها.
[ ٦ / ٥٨٩ ]
(إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي) يعني: أنه لم يأل جهدًا في كفهم بالوعظ والإنذار، وبما بلغته طاقته من بذل القوة في مضادّتهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلا أن يقتلوه (فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ): فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إليّ، وقرئ: "فلا يشمت بي الأعداء"، على نهي الأعداء عن الشماتة، والمراد أن لا يحل به ما يشمتون به لأجله، (وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ): ولا تجعلني في موجدتك عليّ وعقوبتك لي قرينًا لهم وصاحبًا. أو: ولا تعتقد أني واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم.
_________________
(١) قال الزجاج: "من قرأ بالفتح، فلأن كثرة الاستعمال دعا إلى الخفة، وأن النداء مظنة الحذف، فجعلوا "ابن أم" شيئًا واحدًا. ومن العرب من يقول: يا ابن أمي، بإثبات الياء". قوله: (فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة)، الراغب: "الشماتة: الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك، يقال: شمت به، فهو شامت، والتشميت: الدعاء للعاطس، كأنه إزالة الشماتة عنه بالدعاء له، فهو كالتمريض في إزالة المرض". قوله: (في موجدتك)، الأساس: "وجد عليه موجدة: غضب عليه". قوله: (أو: ولا تعتقد أني واحد من الظالمين) من باب الكناية، والفرق بين الوجهين هو أن في الوجه الأول قيد مطلق قوله: (ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ) بحالة الغضب، وإرادة الانتقام. وفي الوجه الثاني أبقاه على إطلاقه، ولكن جعل "الجعل" بمعنى الاعتقاد من باب قوله تعالى: (وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا) [الزخرف: ١٩].
[ ٦ / ٥٩٠ ]
لما اعتذر إليه أخوه وذكر له شماتة الأعداء (قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي)؛ ليرضي أخاه، ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه، فلا تتم لهم شماتتهم، واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه أن عسى فرط في حسن الخلافة،
_________________
(١) قوله: (واستغفر لنفسه ولأخيه إن عسى فرط في حسن الخلافة)، في التركيب إشكال، وهو أن "عسى" تقتضي أن يؤتى لها إما باسمٍ وخبر، وشرط الخبر أن يكون "أن" مع الفعل المضارع. وربما يستعمل بغير "أن" تشبيهًا لها بـ"كاد"، نحو قوله: عسى الكرب الذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب وقد يجئ خبرها اسمًا منصوبًا، للرجوع إلى أصله المتروك، نحو قولها: "عسى الغوير أبؤسًا". وإما بـ"إن" والفعل خاصة، فيستغنى بذلك عن اسمٍ قبلها، نحو: "عسى أن يخرج زيد"، وهي في هذا التركيب غير واقعة على إحدى هذه الصور. فما وجهه؟ فيقال: لا شك أن أفعال المقاربة، وأفعال القلوب، والأفعال الناقصة، تشترك في معنى كونها من دواخل المبتدأ والخبر.
[ ٦ / ٥٩١ ]
وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) قال صاحب "اللباب": "ويتصل بهذه الأفعال "كان" وأخواتها، لأنها لا تتم بالمرفوع كلامًا". تم كلامه. وكما جاز مجيء "كان" و"ظننت" زائدتين، في نحو قول الشاعر: وجيرانٍ لنا كانوا كرامٍ وقولهم: زيد ظني مقيم، كذا هذا، على أن الأخفش أجاز زيادة "كاد" مستدلا بقوله تعالى: (إنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) [طه: ١٥]. فعلى هذا لا يبعد أن تكون "عسى" في تركيب "الكشاف" زائدة. المعنى: واستغفر موسى لأخيه أن فرط في حسن الخلافة، ثم أقحم "عسى" لإعطاء تأكيد معنى "إن" الشرطية، وهو الخلو عن الجزم بوقوع الشرط. قيل: فيه ضمير عائد إلى التفريط، وخبره محذوف، أي: عسى التفريط أن يكون حاصلًا. قال ابن الحاجب في "شرح المفصل" في "التنازع": "إن خبر "عسى" قد يحذف". قوله: (ولا تزال - أي: الرحمة - منتظمةً لهما في الدنيا والآخرة): هذا الدوام إنما يعطيه جعل الرحمة كالدار التي يدخلها أهلها وساكنوها، وتقييده بالجملة الاسمية، وهو قوله:
[ ٦ / ٥٩٢ ]
[(إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ)].
(غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ) الغضب: ما أمروا به من قتل أنفسهم، والذلة: خروجهم من ديارهم، لأنّ ذل الغربة مثلٌ مضروب. وقيل: هو ما نال أبناءهم- وهم بنو قريظة والنضير- من غضب الله تعالى بالقتل والجلاء، ومن الذلة بضرب الجزية.
(الْمُفْتَرِينَ): المتكذبين على الله، ولا فرية أعظم من قول السامري: هذا إلهكم وإله موسى [طه: ٨٨]
_________________
(١) (وأنت أرحم الراحمين)، وهذا من أسلوب قوله: (وأصلح لي في ذريتي) [الأحقاف: ١٥]. قوله: (الغضب: ما أمروا به من قتل أنفسهم): قال محيي السنة: "هو قول أبي العالية". وقلت: وهو مأخوذ من قوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤] وذلك أنه تعالى لما بين أن القوم ندموا على عبادة العجل بقوله: (ولَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ورَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا)، والندم توبة، ولذلك عقبوه بقوله: (لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا ويَغْفِرْ لَنَا)، وذكر غضب موسى على أخيه ﵉ ثم استغفاره بقوله: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأَخِي) - اتجه لسائلٍ أن يقول: يا رب إلى ماذا مصير ندم القوم وتوبتهم واستغفار نبي الله؟ وهل قبل الله توبتهم؟ فأجاب: (إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ)، أي: نعم، قبل توبة موسى وأخيه، وغفر له ولأخيه خاصة، وكان من تمام توبة القوم أن أمرهم الله تعالى بقتل أنفسهم، فوضع (الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ) موضع "القوم" إشعارًا بالعلية، والله أعلم.
[ ٦ / ٥٩٣ ]
ويجوز أن يتعلق (في الحياة الدنيا) بـ"الذلة" وحدها، ويراد: سينالهم غضبٌ في الآخرة، وذلةٌ في الحياة الدنيا، (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله) [البقرة: ٦١].
[(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ) من الكفر والمعاصي كلها، (ثُمَّ تابُوا): ثم رجعوا، (مِنْ بَعْدِها) إلى الله واعتذروا إليه (وَآمَنُوا) وأخلصوا الإيمان، (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها): من بعد تلك العظائم، (لَغَفُورٌ): لستورٌ عليهم محاءٌ لما كان منهم، (رَحِيمٌ): منعم عليهم بالجنة، وهذا حكمٌ عامٌ يدخل تحته متخذو العجل ومن عداهم.
عظم جنايتهم أولًا ثم أردفها تعظيم رحمته،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يتعلق (في الحياة الدنيا) بـ"الذلة" وحدها): عطف من حيث المعنى على قوله: "الغضب: ما أمروا به من قتل أنفسهم"، لأنه - على الأول - متعلق بالغضب والذلة معًا. قوله: (عظم جنايتهم أولًا): يعني جمع (السيئات) وعرفها باللام الاستغراقي، ثم أعادها بعد ذكر التوبة في قوله: (من بعدها)، وعطف "آمنوا" على (تابوا)، تعظيما للذنب، وعقب ذلك بوصف الربوية، ثم أعاد لفظ (بعدها) لشدة العناية، وأردفها بقوله: (لغفور رحيم) ليفيد تلك الفائدة التي ذكرها. ومثله في المعنى، وتكرير "بعد" للطول، قوله تعالى: (ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأَصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النحل: ١١٩].
[ ٦ / ٥٩٤ ]
ليعلم أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل، ولكن لا بدّ من حفظ الشريطة، وهي وجوب التوبة والإنابة، وما وراءه طمعٌ فارغٌ وأشعبيةٌ باردة، لا يلتفت إليها حازم.
[(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ)].
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) هذا مثل، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا وألق الألواح، وجرّ برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء، ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها
_________________
(١) قوله: (ليعلم أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوة وكرمة أعظم وأجل)، أخذ هذا المعنى من أبي نواس: يا رب، إن عظمت ذنوبي كثرةً … فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن … فبمن يلوذ ويستجير المجرم! قوله: (وما رواءه طمع فارغ) تعريض بأهل السنة، وهم لا يمتنعون في هذه الآية من حفظ تلك الشريطة، لأن التوبة فيها مقترنة بالإيمان، مصحوبة به، والآية بجملتها تذييل لحديث عبدة العجل، وإنما الكلام في توبة المؤمن الموحد المرتكب للمعاصي. قوله: (هذا مثل) أي: ليس بحقيقة، وهو استعارة مكنية مقارنة بالتخييلية. شبه الغضب بإنسانٍ يغري موسى ﵇ ويقول له: افعل كذا وكذا، ثم يترك كلامه، ويترك الإغراء.
[ ٦ / ٥٩٥ ]
كل ذي طبع سليم وذوقٍ صحيح إلا لذلك، ولأنه من قبيل شعب البلاغة، وإلا فما لقراءة معاوية بن قرة: "ولما سكن عن موسى الغضب"، لا تجد النفس عندها شيئًا من تلك الهزة، وطرفًا من تلك الروعة؟ ! وقرئ: "ولما سُكِّتَ". و"أُسْكِتَ"، أي: أسكته الله، أو أخوه باعتذاره إليه وتنصله، والمعنى: ولما طفئ غضبه. (أَخَذَ الْأَلْواحَ) التي ألقاها، (وَفِي نُسْخَتِها): وفيما نسخ منها، أي: كتب، والنسخة: فعلة بمعنى: مفعول، كالخطبة (لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) دخلت اللام لتقدم المفعول، لأن تأخر الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفًا، ونحوه (لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣] وتقول: لك ضربت.
_________________
(١) وجعلها صاحب "المفتاح" استعارةً تبعية، لأنه استعار لتفاوت الغضب عن اشتداده إلى السكون، إمساك اللسان عن الكلام. والظاهر الأول. قوله: (لا تجد النفس): حال من المجرور في "فما لقراءة معاوية"، كقولك: ما لك لا تضرب؟ ! قوله: (الروعة)، الأساس: "رعته، وروعته، وارتعت منه، وأصابته روعة الفراق. ومن المجاز: فرس رائع: يروع الرائي بجماله. وكلام رائع: رائق". قوله: (وتنصله) وهو من: تنصل فلان من ذنبه: تبرأ. قوله: (والنسخة: فعلة)، نون "فعلة" لأنه تابع لموزونها.
[ ٦ / ٥٩٦ ]
[(وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِين* وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)].
(وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) أي: من قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل، كقوله:
ومنّا الّذى اختير الرّجال سماحةً
_________________
(١) قال ابن الحاجب: "هذه الأمثلة وضعت لموزونها أعلامًا، على الإيجاز، نحو: أسامة، على قول"، إلى قوله: "وإن كان موزونها مذكورًا معها، كقولك: وزن قائمة: فاعلة، منهم من يجعل له حكم نفسه، فلا يصرفه، ومنهم من يجعل له حكم الموزون فيصرفه". كذا في هذا المقام، لأن "النسخة" مصروفة. قوله: (منا الذي اختير الرجال سماحةً): وأنشد الزجاج تمامه: وجودًا إذا هب الرياح الزعازع
[ ٦ / ٥٩٧ ]
قيل اختار من اثني عشر سبطًا، من كل سبطٍ ستةً، حتى تتاموا اثنين وسبعين، فقال: ليتخلف منكم رجلان، فتشاحوا، فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع.
_________________
(١) والبيت للفرزدق. والزعازع: الرياح الشديدة، والأصل: اختير من الرجال، يصف قومه بالسماحة والجود، في فصل الشتاء، الذي فيه تنقطع الميرة عن أهل البوادي، وتعز الأقوات، ويعدم المرعى، فمن كان يجوز في ذلك الوقت، ففي غيره من الأوقات أجود. وهو من أبيات "الكتاب". وقيل: هذا البيت إذا روي: "ومنا" بالواو، يكون ظاهر التقطيع، وإن روي بغيرها يكون أخرم. فنقول: ومن نل / فعولن، لذي اختيرر / مفاعيلن. وكذا نقول: من نل / فعلن، لذي اختيرر / مفاعيلن. والباقي ظاهر. قوله: (حتى تتاموا)، النهاية: "وفي الحديث: "تتامت إليه قريش"، أي: جاءته متوافرة متتابعة". الأساس: "اجتمعوا، فتتاموا عشرة".
[ ٦ / ٥٩٨ ]
وروي: أنه لم يصب إلا ستين شيخًا، فأوحى الله تعالى إليه أن تختار من الشبان عشرة، فاختارهم فأصبحوا شيوخًا. وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين، قد ذهب عنهم الجهل والصبا، فأمرهم موسى أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى طور سينا، لميفات ربه، وكان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم: ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سُجدًا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل.
ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم، فقالوا: (يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) [البقرة: ٥٥]، فقال: (رب أرني أنظر إليك)،
_________________
(١) قوله: (ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية) إلى قوله: (فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ»، هذا التأويل مبني على أن هذه القصة هي القصة الأولى، وهي على خلاف نظم الآيات، وأقوال المفسرين. أما نظم الآيات فظاهر. قال الإمام: "إنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام، وطلب الرؤية، ثم أتبعها بذكر قصة العجل وما يتصل بها. وظاهر الحال أن تكون هذه القصة مغايرةً القصة المتقدمة. ولا يليق بالفصاحة أن يذكر بعض القصة، ثم ينتقل إلى أخرى، ثم يرجع إلى القصة الأولى، فإنه يوجب نوعًا من الاضطراب. والأولى صون كلام الله المجيد عنه. وأيضًا، إنه تعالى ذكر في القصة الأولى أنه خر موسى صعقًا، وجعل الجبل دكًا. وذكر في شأن القوم أخذتهم الرجفة دون موسى. وكيف يقال: إن أخذته الرجفة، وهو الذي قال: (لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي). السفهاء؟ ولم يقل لو كانت الرجفة إنما حصلت بسبب طلب رؤيتهم، لقال: أتهلكنا بما يقوله "بما فعل"، والفعل هو عبادة العجل".
[ ٦ / ٥٩٩ ]
يريد: أن يسمعوا الردّ والإنكار من جهته، فأجيب (لن تراني)، ورجف بهم الجبل فصعقوا. ولما كانت الرجعة (قالَ) موسى: (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ)، وهذا تمنٍّ منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأي: من تبعة طلب الرؤية،
_________________
(١) وقلت: وقال في "البقرة": (وإذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) [البقرة: ٥٥ - ٥٦]، ولم يذكر فيه صعقة موسى ﵇ ولا طلب الرؤية منه. وأما أقوال المفسرين، فقد روى محيي السنة عن السدي أنه قال: "أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلًا، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: ٥٥]، فأخذتهم الصاعقة". وذكر في القصة الأولى: "أن الله تعالى أنزل ظلمة في سبعة فراسخ: فطرد عنه الشيطان، وهوام الأرض، وكشطت له السماء، فرأى الملائكة قيامًا في الهواء، ورأى العرش بارزًا، وكلمه الله، وناجاه، فاستحلى كلام الله، واشتاق إلى رؤيته، فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ) ". وكذا ذكر الواحدي، وابن الأثير في "التاريخ الكامل". ونعوذ بالله من إبطال الحق، وكيد الشيطان، وندعوه تعالى أن يتجاوز عن المصنف بالغفران. قوله: «لو شئت أهلكتهم من قبل وإيي)، وهذا تمن منه للإهلاك)، وطريقة إفادته
[ ٦ / ٦٠٠ ]
كما يقول النادم على الأمر إذا رأي: سوء المغبة: لو شاء الله لأهلكني قبل هذا.
(أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا) يعني: أتهلكنا جميعًا؟ يعني: نفسه وإياهم، لأنه إنما طلب الرؤية زجرًا للسفهاء، وهم طلبوها سفهًا وجهلًا.
_________________
(١) التمني أن "لو" لامتناع الشيء لامتناع غيره، فناسبت معنى التمني، لأنها لطلب غير الواقع واقعًا، وضم معها حصول ما يوجب الندم من تبعة طلب الرؤية، كما قال، فالمعنى: ليت مشيئتك تعلقت بإهلاكنا قبل. وقلت: إنما ذهب إلى هذا المعنى ليوافق ما أسس عليه مذهبه، وهو خلاف الظاهر، لأن "لو" للامتناع، وإنما يتولد معنى التمني إذا اقتضاه المقام، وهاهنا المقام يقتضي ألا يهلكهم حينئذ، لقوله: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ)؟ قال محيي السنة: "لما رأوا الهيبة، أخذتهم الرعدة، فرحمهم موسى، وخاف عليهم الموت، واشتد عليه فقدهم، وكانوا له وزراء مطيعين، وذلك قوله: (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ). وقال القاضي: "عنى بقوله: (شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم): أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك، بحمل فرعون عليهم، أو إغراقهم في البحر، فترحمت عليهم بالإنقاذ منها، فإن ترحمت عليهم مرة أخرى، لم يبعد من عميم إحسانك". قوله: (سوء المغبة)، الجوهري: "غب كل شيء: عاقبته. وقد غبت الأمور، أي: صارت إلى أواخرها". قوله: (يعني: أتهلكنا جميعًا؟ يعني: نفسه وإياهم): يريد أنه استبعد هلاك نفسه لإهلاك القوم، يدل عليه قوله: "لأنه إنما طلب الرؤية زجرًا للسفهاء، وهم طلبوها سفهًا".
[ ٦ / ٦٠١ ]
(إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) أي: محنتك وابتلاؤك حين كلمتني وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية استدلالًا فاسدًا، حتى افتتنوا وضلوا (تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ): تُضلّ بالمحنة الجاهلين غير الثابتين في معرفتك، وتهدي العالمين بك الثابتين بالقول الثابت. وجعل ذلك إضلالًا من الله وهدىً منه، لأن محنته لما كانت سببًا لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم؛ على الاتساع في الكلام، (أَنْتَ وَلِيُّنا): مولانا القائم بأمورنا.
_________________
(١) قال محيي السنة: " (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) يعن: عبدة العجل، ظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل العجل". والظاهر أن الفاء في قوله: (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) فصيحة، إذ التقدير: واختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاتنا، فحضروا الميقات، وقالوا: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الرجفة، فلما أخذتهم الرجفة قال: "رب ". يدل عليه ما في "البقرة": (وإذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) [البقرة: ٥٥]. قوله: «إن هي إلا فتنتك) أي: محنتك [وابتلاؤك] حين كلتني وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية): قال محيي السنة: " (إن هي إلا فتنتك)، أي: التي وقع فيها السفهاء". وقال القاضي: "أوجدت في العجل خوارًا، فزاغوا به".
[ ٦ / ٦٠٢ ]
(وَاكْتُبْ لَنا): وأثبت لنا واقسم (فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً): عافيةً وحياةً طيبةً وتوفيقًا في الطاعة (وَفِي الْآخِرَةِ) الجنة، (هُدْنا إِلَيْكَ): تبنا إليك. وهاد إليه يهود: إذا رجع وتاب، والهود: جمع هائد، وهو التائب. ولبعضهم:
يا راكب الذّنب هدهد … واسجد كأنّك هدهد
وقرأ أبو وجرة السعدي: "هدنا إليك" بكسر الهاء، من هاده يهيده: إذا حرّكه وأماله. ويحتمل أمرين: أن يكون مبنيًا للفاعل والمفعول بمعنى: حركنا إليك أنفسنا وأملناها، أو حرّكنا إليك وأملنا؛ على تقدير: فعلنا، كقولك: عدت يا مريض بكسر العين، فعلت؛ من العيادة. ويجوز: "عدت" بالإشمام، و"عدت" بإخلاص الضمة فيمن قال: عود المريض، وقول القول. ويجوز على هذه اللغة أن يكون (هُدْنا) بالضم: فعلنا؛ من هاده يهيده.
(عَذابِي) من حاله وصفته أني (أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) أي: من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه، ولم يكن في العفو عنه مساغٌ لكونه مفسدة.
_________________
(١) وقلت: ثم قوله: (أَنتَ ولِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وارْحَمْنَا وأَنتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ) شروع فيما جاء به وقومه من الاعتذار، على ما سبق قوله عن السدي، "إنه أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل". قوله: (ويحتمل أمرين)، أي: القراءة بكسر الهاء. قوله: «عذابي) من حاله وصفته أني (أصيب به من أشاء» إلى آخره، يشير إلى أن هذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم، وهذا - أعني قوله: (عذابي أصيب به من أشاء
[ ٦ / ٦٠٣ ]
وأمّا "رَحْمَتِي" فمن حالها وصفتها أنها واسعةٌ تبلغ كل شيء، ما من مسلمٍ ولا كافرٍ ولا مطيعٍ ولا عاصٍ إلا وهو متقلبٌ في نعمتي.
وقرأ الحسن: "من أساء" من الإساءة، فسأكتب هذه الرحمة كتبةً خاصةً منكم - يا بني إسرائيل - للذين يكونون في آخر الزمان من أمّة محمدٍ ﷺ،
_________________
(١) ورحمتي وسعت كل شيءٍ) - كالتمهيد للجواب، والجواب: (فسأكتبها). طلب موسى ﵇ الغفران والرحمة والحسنة في الدارين، لنفسه ولأمته خاصة، بقوله: (واكتب لنا)، وتعليله بقوله: (إنا هدنا إليك). وأجابه تعالى: بأن تقييدك المطلق ليس من الحكمة، فإن عذابي من شأنه أنه تابع لمشيئتي، فإن أمتك، لو تعرضوا لما اقتضى الحكمة تعذيب من باشره، لا ينفعهم دعاؤك لهم، وإن رحمتي من شأنها أن تعم الخلق: صالحهم وطالحهم، مؤمنهم وكافرهم، فتخصيصك لأمتك بقوله: (واكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً) [الأعراف: ١٥٦] تحجر للواسع. قوله: (فسأكتب هذه الرحمة كتبةً خاصة منكم يا بني إسرائيل)، "من" في "منكم": للذين يكونون. وشاهد الاختصاص ترتب (فسأكتبها) على الأوصاف المتواليات، ومنها قوله: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ) الآية. ولا شك أن الموصوف بها لم يوجد إلا في زمن نبي الرحمة صلوات الله عليه ممن آمن منهم. وأما تطبيق هذا الكلام على دعاء موسى ﵇ فإن قوله: (فسأكتبها) كالقول بالموجب، لأنه ﵇ جعل العلة الوصف بكونهم تائبين راجعين من الذنوب إليه، بقوله: (إنا هدنا إليك). ولما لم يكن الوصف كافيًا قرره وضم معه الوصف بالتقوى،
[ ٦ / ٦٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وبأداء الزكاة، والإيمان بجميع الكتب المنزلة، وسائر الآيات، ومتابعة النبي الأمي، حبيبه صلوات الله عليه. يعني: الذي يوجب اختصاص الحسنتين معًا هذه الصفات المتعددة، لا التوبة المجردة، وجعل قوله: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) تمهيدًا وتوطئة للجواب. يعني: أن الحسنة الدنيوية عامة، فلا تختص بأمتك، فإن المؤمن والكافر، والبر والفاجر، يعيشون برحمته، وأما الحسنة الأخروية فمختصة بالمتقين، كما أن عذابي مصيب لمن لم يكن متقيًا. ثم رتب على هذا التقرير بالفاء قوله: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) إلى آخره. وهو على منوال قوله تعالى جوابًا عن قول إبراهيم ﵇: (ومن ذريتي)، أي: اجعل من ذريتي للناس إمامًا (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة: ١٢٤]. ويؤيد هذا التقرير ما روى محيي السنة عن الحسن وقتادة: "وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة". وأما قضية النظم فهو أنه تعالى لما أورد في هذه السورة قصص الأنبياء، وأحوال القرون الماضية، ومن جملتها قصة موسى ﵇، وأراد أن يتخلص منها إلى مدح سيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين، حكى من موسى هذا الدعاء، ليورد عليه الجواب على
[ ٦ / ٦٠٥ ]
الذين هم بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون، لا يكفرون بشيءٍ منها.
_________________
(١) الأسلوب الحكيم، ويجعله تخلصًا إلى ذكر أمته صلي الله عليه وسلم ثم يتخلص من ذكرهم إلى مدحه صلوات الله عليه. ولهذا قال صاحب "المثل السائر": "هذا من التخلصات الفائقة التي تسكر العقول، وتحير الأوهام". وقلت: ما أحسن تعقيبه بقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا)! يعني: اسمعوا، أيها اليهود خاصة، هذا الدعاء والإجابة، واعلموا أن نبيكم وكتابكم شاهدان بأن اختصاص الحسنتين إنما يكون بالتقوى، وبمتابعة النبي الأمي المكتوب اسمه في التوراة والإنجيل، وهو تبكيت لليهود، وتنبيه لسائر الناس على افتراء اليهود أنه مبعوث إلى العرب خاصة. وذلك أن بعض اليهود كانوا يقولن: إنه مبعوث إلى العرب خاصة. قال الزجاج: "هذا أبلغ الاحتجاج عليهم، لأنه إخبار بما في كتبهم. فمن لم يكتب، ولم يقرأ، ولم يسمع، فإيتاؤه بما في كتبهم من آياته العظام". قوله: (هم بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون، لا يكفرون بشيءٍ منها) دل على الاختصاص:
[ ٦ / ٦٠٦ ]
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ) الذي نوحي إليه كتابًا مختصًا به، وهو القرآن، (النَّبِيَّ): صاحب المعجزات، (الَّذِي يَجِدُونَهُ): يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل، (مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ)، (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ): ما حُرِّم عليهم من الأشياء الطيبة، كالشحوم وغيرها، أو ما طاب في الشريعة والحكم،
_________________
(١) التقديم، وعلى الاستغراق: جميع الآيات، وإضافتها إلى الله، وكون الكلام تعريضًا ببعض أمة موسى، وهم الذين أومى إليهم بقوله: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ) والله أعلم. قوله: «النبي): صاحب المعجزات)، إشارة إلى أنه تعالى جمع بين ذكر الرسول والنبي في الوصف، ولابد من المخالفة بين مفهوميهما، وذكر في سورة "مريم" أن "الرسول: هو الذي معه كتاب من الأنبياء، والنبي: الذي ينبئ عن الله، وإن لم يكن معه كتاب"، وإلى الأول الإشارة بقوله: (الذي نوحي إليه كتابًا مختصًا به"، وإلى الثاني بقوله: " (النبي): صاحب المعجزات"، لأنه لابد لكل من ادعى النبوة من معجزة، ليثبت دعواه بها. قال الزجاج في قصة "شعيب": "وقد أخطأ القائل بقوله: لم يكن لشعيبٍ آية. ولو ادعى مدعٍ النبوة بغير آية، لم يقبل منه". قال القاضي: "إنما سماه رسولًا بالإضافة إلى الله، ونبيًا بالإضافة إلى العباد". قوله: (أو ما طاب في الشريعة والحكم) عطف على قوله: "ما حرم عليهم من الأشياء"، والطيبات: إما بحسب ملاءمة الطبع من الأشياء المستلذة. وهي ما حرم الله عليهم، من
[ ٦ / ٦٠٧ ]
مما ذُكر اسم الله عليه من الذبائح، وما خلى كسبه من السحت، (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ): ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير، وما أُهِلّ لغير الله به، أو ما خبث في الحكم، كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيئة.
الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه من الحراك لثقله، وهو مثلٌ لثقل تكليفهم وصعوبته، نحو: اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم، وكذلك الأغلال، مثلٌ لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، نحو: بت القضاء بالقصاص عمدًا كان أو خطأً من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت.
_________________
(١) لحوم الإبل، والشحوم، وغيرها. وإما بحسب الشرع والحكم، وهو إما في المأكول أو في غيره. وإلى الأول أشار بقوله: "مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح"، وإلى الثاني بقوله: "وما خلا كسبه من السحت". وأما "الخبائث" فهو: إما بحسب استخباث العقل، كالدم والميتة، وإما بحسب الحكم، كالربا والرشوة. والطيبات - على التفسير الثاني - هو أحرى، لاقتضاء المقام، لأن قوله: (ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ) عطف على قوله: (يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ). والجملة بيان لكونه صلوات الله عليه نبيًا مكتوبًا في التوراة والإنجيل، لأن النبي هو الواضع للحكم والشريعة. قوله: (من الحراك)، الجوهري: "ما به حراك، أي: حركة". قوله: (الأغلال: مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة): قال الزجاج: "الأغلال: تمثيل. ألا ترى أنك تقول: "قد جعلت هذا طوقًا في عنقك، وليس هناك طوق.
[ ٦ / ٦٠٨ ]
وعن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته، وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة. وقرئ: (آصارهم) على الجمع.
(وعزروه): ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدو، وقرئ بالتخفيف، وأصل العزر: المنع، ومنه: "التعزير": الضرب دون الحد، لأنه منعٌ من معاودة القبيح، ألا ترى إلى تسميته الحد، والحد هو المنع. و(النور): القرآن.
فإن قلت: ما معنى قوله: (أُنزل معه)، وإنما أُنزل مع جبريل؟ قلت: معناه أنزل مع نبوته، لأن استنباءه كان مصحوبًا بالقرآن مشفوعًا به. ويجوز أن يعلق بـ (اتبعوا).
_________________
(١) وإنما تأويله: إني قد وليتك هذا، وألزمتك القيام به، فجعلت لزومه لك كالطوق في عنقك". قوله: ("آصارهم" على الجمع) هذه قراءة ابن عامر. قوله: (الضرب دون الحد)، أي: الضرب الذي هو دون الحد، وسمي تعزيرًا لكونه مانعًا من المعاودة، كما سميت العقوبة المعينة على ارتكاب المناهي الشرعية "حدًا"، لكونه مانعًا أيضًا. قوله: (معناه: أنزل مع نبوته). علق (معه) تارةً بـ (أنزل)، وأخرى بـ (اتبعوا)، فعلى الأول هو حال من الضمير في (أنزل)، والمضاف مقدر. المعنى: اتبعوا النور الذي أنزل
[ ٦ / ٦٠٩ ]
أي: واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته وبما أمر به ونهى عنه، أو: واتبعوا القرآن كما اتبعه، مصاحبين له في اتباعه.
فإن قلت: كيف انطبق هذا الجواب على قول موسى ﵇ ودعائه؟ قلت: لما دعا لنفسه ولبني إسرائيل، أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيل على استجازتهم الرؤية على الله تعالى وعلى كُفرهم بآيات الله العظام التي أجراها على يد موسى، وعُرِّض بذلك في قوله: (وَالَّذِينَ هُم بِآَياتِنا يؤمنون)، وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم الذين آمنوا برسول الله ﷺ وما جاء به، كعبد الله بن سلامٍ وغيره من أهل الكتابين لُطفًا لهم وترغيبًا في إخلاص الإيمان والعمل الصالح، وفي أن يُحشروا معهم، ولا يفرق بينهم وبين أعقابهم عن رحمة الله التي وسعت كل شيء.
_________________
(١) مصحوبًا معه نبوته. يعني: أن حكم ثبوت نبوته نزل من السماء، وهو مشفوع بهذا النور، وإنما سمي القرآن نورًا لأنه بإعجازه ظاهر في نفسه، مظهر لغيره، كاشف للحقائق، مجل لظلمات الباطل. وعلى الثاني يكون ظرفًا لـ (اتبعوا)، فيكون كل واحد من النور والنبي مستقلًا بالإتباع. وقد أشير به إلى متابعة الكتاب والسنة. ومن ثم قال: "مع إتباع النبي، والعمل بسنته". ويجوز أن يكون (معه) حالًا من فاعل: (اتبعوا)، أي: اتبعوا القرآن مصاحبين للرسول صلي الله عليه وسلم في متابعته. قوله: (كيف انطبق هذا الجواب - يعني: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ) إلى آخره - على قول موسى؟)، يريد: (واكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ إنَّا هُدْنَا إلَيْكَ). بدليل قوله في الجواب: "لما دعا لنفسه ولبني إسرائيل"، يعني: كيف دعا نبي الله لنفسه ولبني إسرائيل بالخير، وأجيب بما فيه التهديد والتوبيخ؟ فما وجه المطابقة؟ .
[ ٦ / ٦١٠ ]
[(قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)].
(إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) قيل: بعث كل رسول إلى قومه خاصة وبعث محمد ﷺ إلى كافة الإنس وكافة الجن. و(جميعًا): نصبٌ على الحال من (إليكم).
فإن قلت: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ما محله؟ قلت: الأحسن أن يكون منتصبًا بإضمار "أعني"، وهو الذي يسمى النصب على المدح،
_________________
(١) وخلاصة الجواب: أنه من الأسلوب الحكيم، وأن التهديد والتوبيخ توطئة للجواب. والجواب قوله: (فسأكتبها)، وهو كالقول بالموجب، كما سبق. وفائدة الجواب بعد التوبيخ إرادة اللطف في حقهم، والانزجار عن ارتكاب المعاصي، والترغيب في إخلاص الإيمان، والعمل الصالح، كأعقابهم الذين اتبعوا النبي الأمي، ليندرجوا في زمرتهم، حتى لا يفرق بينهم وبينهم عن رحمة الله. فالجواب منطوٍ على الترهيب والترغيب، والتخلية بعد التحلية. فقوله: "وأريد أن يكون" عطف على قوله: "أجيب"، وكلاهما جواب "لما". وقوله: "وعرض" متعلق بـ"منطوٍ على توبيخ بني إسرائيل" يعني: قوله: (والذين هم بآياتنا يؤمنون) قرينة لإرادة التوبيخ، بقوله: (عذابي أصيب به من أشاء) للذين كفروا بآيات الله، واستجازوا الرؤية، على سبيل التعريض. قوله: (الأحسن أن يكنو منتصبًا بإضمار "أعني"): فإن قلت: القول إنما كان أحسن، لأنه لم يلزم منه الفصل بين الصفة والموصوف، كما قيل. قلت: لا أبالي به، إذا ساعدت عليه
[ ٦ / ٦١١ ]
ويجوز أن يكون جرًا على الوصف، وإن حيل بين الصفة والموصوف بقوله: (إِلَيْكُمْ جَمِيعًا)، وقوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) بدلٌ من الصلة التي هي (لهُ مُلْكُ السَّمَاوَات وَالأَرْضِ)، وكذلك (يُحيِ وَيُمِيتُ)، وفي (لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) بيانٌ للجملة قبلها، لأن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة، وفي (يُحيِ وَيُمِيتُ) بيانٌ لاختصاصه بالإلهية،
_________________
(١) الفخامة، وإنما الفخامة مع الأول، لاستقلاله جملةً مؤذنة بأن المذكور علم فيه، أي: اذكر من لا يخفى شأنه عند الموافق والمخالف، بخلاف الوصف، وإن كانت أوصاف الله جاريةً على المدح. قوله: «لا إله إلا هو): بدل من الصلة): اعلم أن في قوله: " (لا إله إلا هو) بيان للجملة قبلها"، بعد قوله: " (لا إله إلا هو) بدل من الصلة"، وكذا قوله: " (يحي ويميت) بيان لاختصاصه" بعد قوله: "وكذلك: (يحي ويميت) " أي: بدل، إيذانًا بأن البدل بيان، وأن قوله: (له ملك السموات والأرض) مشتمل على معنييهما إجمالًا. وذلك أن مالك السموات والأرض هو الإله على الحقيقة، (ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: ٢٥]. ومن كان إلهًا على الحقيقة، كان محييًا ومميتًا، لأن غير الإله الحقيقي لا يقدر عليهما، (قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ) [البقرة: ٢٥٨]. فالوجه أن يقال: إن مالك السموات والأرض، فيه دلالة على أنه ينبغي أن يكون [متصرفًا فيهما] تصرفًا تامًا، وألا يكون متصرفًا فيهما غيره، لقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: ٢٢]. وإلى الأول الإشارة بقوله: (يحي ويميت). وإلى الثاني بقوله: (لا إله إلا هو).
[ ٦ / ٦١٢ ]
لأنه لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره، (وَكَلِماتِهِ): وما أنزل عليه وعلى من تقدّمه من الرسل من كتبه ووحيه- وقرئ: "وكلمته" على الإفراد، وهي القرآن-، أو أراد جنس ما كلم به. وعن مجاهد: أراد عيسى بن مريم.
وقيل: هي الكلمة التي تكوَّنَ منها عيسى وجميع خلقه، وهي قوله: "كُنْ"، وإنما قيل: إن عيسى كلمة الله، فخُص بهذا الاسم، لأنه لم يكن لكونه سببٌ غير الكلمة، ولم يكن من نُطفةٍ تمنى، (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ): إرادة أن تهتدوا.
_________________
(١) قوله: (وعن مجاهد: أراد عيسى ابن مريم): روينا عن البخاري عن عبادة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة، على ما كان من العمل". وقلت: إن القول بأن عيسى كلمة الله على ما هو عليه، مختص بالمسلم لا غير. قال القاضي: "أريد بالكلمة عيسى تعريضًا باليهود، وتنبيهًا على أن من لم يؤمن به لم يعتبر إيمانه. قوله: (إرادة أن تهتدوا): قال القاضي: "جعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، تنبيهًا على أن من صدقه، ولم يتابعه بالتزام شرعه، فهو يعد في خطط الضلالة".
[ ٦ / ٦١٣ ]
فإن قلت: هلا قيل: "فآمنوا بالله وبي"، بعد قوله: (إني رسول الله إليكم)؟ قلت: عدل عن المضمر إلى الاسم الظاهر لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه، ولما في طريقة الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم أنّ الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، كائنًا من كان، أنا أو غيري، إظهارًا للنصفة وتفاديًا من العصبية لنفسه.
[(وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)].
_________________
(١) قوله: (وليعلم أن الذي وجب الإيمان به وإتباعه هو هذا الشخص المستقل): هذا يجوز أن يكون فائدة ثالثة مستقلة للعدول، فيكون من باب التجريد، يعني أنه صلي الله عليه وسلم خاطبهم بقوله: (إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا)، فلما أراد أن يدعوهم إلى متابعته، جرد عن نفسه الزكية (النبي الأمي)، الموصوف بما يجب على كل أحدٍ متابعته، كأنه قال: لا أدعي أني ذلك الموصوف، فانظروا من هو، فاتبعوه كائنًا من كان،، أنا أو غيري. والخطاب على سبيل الاستدراج. ومعنى الاستقلال يفيده التجريد، كقولهم: "مررت بالرجل الكريم، والنسمة المباركة". قوله: (كائنًا من كان): حال من المشار إليه، وهو "الشخص المستقل"، والعامل معنى اسم الإشارة، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير في "المستقل". قال الخطيب بن زكريا: الحال قد يكون فيها معنى الشرط، كما أن الشرط فيه معنى
[ ٦ / ٦١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الحال، فالأول: لأفعلنه كائنًا من كان، أي: إن كان هذا وإن كان هذا، والثاني: كقول عمرو ابن معدي كرب: ليس الجمال بمئزر … فاعلم وإن رديت بردا أي: ليس جمالك بمئزرٍ مردى معه بردًا. قال بعض الأدباء: كيف يكون ذو الحال مشخصًا محددًا والحال غير محددٍ؟ قلت: ليس ذو الحال بمحدد، إذ المراد بقوله: "هذا الشخص المستقل" هذا هو الموصوف الذي ميز بتلك الصفات التي أجريت عليه، وجعلته كالمشخص المعين، ونظيره قول الحامد: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فإنه بعد إجراء تلك الصفات على اسم الذات كأنه اعتمد أنه ﷿ كالمشاهد الحاضر يخاطبه بقوله: (إياك)، على أنه من الجائز أن يقال: اضرب زيدًا كائنًا من كان، قلنا: ليس ذو الحال بمحددٍ، مع أن المراد به رسول الله صلي الله عليه وسلم ليستقيم الذهاب إلى التجريد. وأنشد أبو علي: أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا … وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل قال ابن جني: "وهو تعالى أعرف المعارف، وقد سماه الشاعر: حكمًا عدلًا، فأخرج اللفظ مخرج التنكير، فقد ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف". وأنشد المصنف - مستشهدًا لقراءة من قرأ: "فكانت وردة كالدهان" [الرحمن: ٣٧] بالرفع - قول القائل: فلئن بقيت لأرحلن بغزوة … تحوي الغنائم أو يموت كريم
[ ٦ / ٦١٥ ]
(وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ): هم المؤمنون التائبون من بني إسرائيل، لما ذكر الذين تزلزلوا منهم في الدين وارتابوا حتى أقدموا على العظيمتين: عبادة العجل واستجازة رؤية الله تعالى، ذكر أنّ منهم أمة موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق، ويدلونهم على الاستقامة ويرشدونهم، وبالحق يعدلون بينهم في الحكم لا يجورون، أو أراد الذين وصفهم ممن أدرك النبي ﷺ وآمن به من أعقابهم. وقيل: إنّ بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطًا تبرأ سبطٌ منهم مما صنعوا واعتذروا، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم، ففتح الله لهم نفقًا في الأرض، فساروا فيه سنةً ونصفًا حتى خرجوا من وراء الصين، وهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا.
وذُكر عن النبي ﷺ أن جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم، فكلمهم فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا. قال: هذا محمد النبي الأمي، فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله، إن موسى أوصانا: من أدرك منكم أحمد، فليقرأ عليه مني السلام،
_________________
(١) قوله: (لما ذكر الذين تزلزلوا منهم في الدين) إلى آخره: يريد أن قوله: (وقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا) معطوف على ما سبق من قصص بني إسرائيل عطف نوع قصةٍ على مثله. وقوله تعالى: (ومِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ) مستطرد لبيان أن بعضهم ثبتوا على الحق، كما سبق في "آل عمران"، في قوله تعالى: (ولَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ) [أل عمران: ١١٠].
[ ٦ / ٦١٦ ]
فردّ محمد على موسى - ﵉ - السلامَ، ثم أقرأهم عشر سورٍ من القرآن نزلت بمكة، ولم تكن نزلت فريضةٌ غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت.
وعن مسروقٍ: قرئ: بين يدي عبد الله فقال رجل: إني منهم، فقال عبد الله- يعني: لمن كان في مجلسه من المؤمنين- وهل يزيد صلحاؤكم عليهم شيئًا؟ من يهدي بالحق وبه يعدل؟
وقيل: لو كانوا في طرف من الدنيا متمسكين بشريعة ولم يبلغهم نسخها كانوا معذورين. وهذا من باب الفرض والتقدير،
_________________
(١) قوله: (فقال رجل: إني منهم) أي: ممن عمل عملهم، لا: أنا من نسلهم. قوله: (من يهدي بالحق، وبه يعدل؟)، الجملة استفهامية. قال أولًا: "هل يقدر صلحاؤكم أن يزيدوا على عملهم شيئًا؟ "، ثم استأنف على الإنكار، قائلًا: من الذي على صفتهم منكم؟ من يهدي بالحق كما هدوا؟ ومن يعدل كما عدلوا؟ قوله: (وقيل: لو كانوا في طرفٍ من الدنيا): يعني: يمكن أن تحمل الآية على أنه لو قدر وفرض أن يكون من قوم موسى أمة هذه صفتهم، لجاز، وكانوا على الحق، لأنهم معذورون. فقوله: "وقيل: لو كانوا" عطف على قوله: "وقيل: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم". والحاصل أنه حمل قوله: (ومن قوم موسى) أنه على وجوه: أحدها: أنهم وجدوا في زمن موسى ﵇. وثانيها: أنهم حدثوا في عهد رسول الله ﷺ.
[ ٦ / ٦١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وثالثها: حصلوا في زمن من الأزمنة. ورابعها: ما وجدوا، ولكن فرض لو كانوا في طرف من الدنيا، إلى آخره. وأقرب الوجوه - والعلم عند الله - الثاني، وذلك أنه تعالى لما أجاب عن دعاء موسى ﵇ بقوله: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) إلى قوله: (يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ) [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]، وقد سبق أن قوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا) تبكيت لليهود، وتنبيه لسائر الناس على افتراء اليهود بأنه مبعوث إلى العرب خاصة، وقوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ) [الأعراف: ١٥٨] إظهار للنصفة، عقبه بقوله: (ومِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ): يعني أن بعض هؤلاء الذين حكينا منهم ما حكينا آمنوا، وأنصفوا من أنفسهم، ويهدون الناس بكلمة الحق، من أنه الرسول الموعود، النبي الأمي، الذي نجده في التوراة. ويعدلون في الحكم، ولا يجورون، ولكن أكثرهم ما أنصفوا، ولبسوا الحق بالباطل، وكتموه، وجاروا في الأحكام، فيكون ذكر هذه الفرقة تعظيمًا بالأكثر. وهاهنا تم الكلام في جواب موسى ﵇ عن دعائه وما يتصل به، ثم عاد إلى قصة القوم، فيكون قوله: (وقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا) [الأعراف: ١٦٠] عطفًا على قوله: (وجَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ البَحْرَ) [الأعراف: ١٣٨]، وقوله: (ووَاعَدْنَا مُوسَى) [الأعراف: ١٤٢]، وقوله: (واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى) [الأعراف: ١٤٨].
[ ٦ / ٦١٨ ]
وإلا فقد طار الخبر بشريعة محمدٍ ﷺ إلى كل أفق، وتغلغل في كل نفق، ولم يبق الله أهل مدرٍ ولا وبر، ولا سهلٍ ولا جبل، ولا برٍّ ولا بحر، في مشارق الأرض ومغاربها، إلا وقد ألقاه إليهم، وملأ به مسامعهم، وألزمهم به الحجة، وهو سائلهم عنه يوم القيامة.
_________________
(١) ويعضده ما ورد في "البقرة" من قوله: (وإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ) [البقرة: ٥٠]، (وإذْ واعَدْنَا مُوسَى) [البقرة: ٥١]، وقوله: (وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ [يا قوم] إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ)، وقوله: (وإذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) [البقرة: ٦٠] إجمال لقوله: (وقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا) [الأعراف: ١٦٠]. وأنت إذا أمعنت النظر، وجدت ما في هذه السورة كالتفصيل لما هنالك، وعثرت أيضًا على أن مقام (لن تراني) [الأعراف: ١٤٣] غير مقام: (أرنا الله جهرةً) [النساء: ١٥٣]. وقد ذكرنا في سورة "هود" قانونًا لوجه الموازنة بين القصص المذكورة في التنزيل، فلينظر هناك، والله أعلم. قوله: (تغلغل)، الجوهري: "تغلغل الماء في الشجر: إذا تخللها". قوله: (ولا بر ولا بحر): البر: البوادي، والبحر: القرى والمدن. النهاية: "العرب تسمي المدن والقرى: البحار".
[ ٦ / ٦١٩ ]
[(وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)].
(وَقَطَّعْناهُمُ): وصيرناهم قطعًا، أي: فرقًا، وميزنا بعضهم من بعضٍ لقلة الألفة بينهم. وقرئ: "وقطعناهم" بالتخفيف، (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا) كقولك اثنتي عشرة قبيلةً. والأسباط: أولادُ الولد، جمع سبط، وكانوا اثنتي عشرة قبيلةً من اثني عشر ولدًا من ولد يعقوب ﵇.
فإن قلت: مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعًا؟ وهلا قيل: اثني عشر سبطًا؟ قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقًا لأنّ المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلةً، وكل قبيلةٍ أسباطٌ لا سبط، فوضع (أَسْبَاطًا) موضع "قبيلة"، ونظيره:
_________________
(١) قوله: (لم يكن تحقيقًا، لأن المراد)، اللام في قوله: "لأن المراد" يجوز أن يكون صلة "تحقيقًا"، وأن يكون تعليلًا لقوله: "ولو قيل ذلك لم يكن تحقيقًا". قوله: (وكل قبيلةٍ أسباط لا سبط): توضيح ذلك ما ذكره في "الحجرات": "القبيلة تجمع العمائر، والعمائر تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، كنانة: قبيلة، قريش: عمارة، وقصى: بطن، وهاشم: فخذ، والعباس: فصيلة". فلو قيل: اثنا عشر سبطًا، لأوهم أن المجموعة قبيلة واحدة، والمراد اثنتا عشرة قبيلة. فوضع "أسباطًا" موضع قبيلة. ذهب الجوهري والزجاج وأبو البقاء إلى أن (أسباطًا): بدل من (اثنتى عشرة)، وليس
[ ٦ / ٦٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تفسيرًا لها، لأن التفسير لا يكون إلا واحدًا منكورًا، كقولك: اثني عشر درهمًا، ولا يجوز: دراهم. وقلت: نص المصنف في قوله تعالى: (ثالث مائةٍ سنين) [الكهف: ٢٥] في قراءة حمزة والكسائي على الإضافة، أنه "وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله تعالى: (بالأخسرين أعمالًا) [الكهف: ١٠٣] " وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": "ذهب الزجاج على أن (سنين) في هذه القراءة: بدل لا تمييز، لما يلزم على التمييز أن يكونوا قد لبثوا تسع مئة سنة، قال: "ووجهه أنه فهم من لغة العرب أن مميز المئة واحد من مئة، فإذا قلت: مئة رجل، فمميزها رجل، وهو واحد من المئة. وإذا قلت: مئة سنين، فيكون "سنين" واحدًا من المئة، وهي ثلاث مئة، وأقل السنين ثلاثة، فيجب أن يكون لبثهم تسع مئة سنة. وهذا يطرد في (اثنتى عشرة أسباطًا) فيلزم على التمييز أن يكونوا ستة وثلاثين سبطًا". ثم قال ابن الحاجب: "ما ذكره الزجاج غير لازم، لأن ذلك إنما يلزم إذا كان المميز مفردًا، وأما إذا كان جمعًا، فيكون القصد فيه كالقصد في وقوع التمييز جمعًا، في نحو: ثلاثة أثواب، على أنه قد تقرر أن الأصل في جميع المميزات الجمع، وإنما عدل إلى المفرد لغرض، فإذا استعمل على الأصل في جميع المميزات، لا على الوجه الذي ألزمه الزجاج".
[ ٦ / ٦٢١ ]
بين رماحي مالك ونهشل
و(أُمَمًا) بدلٌ من (اثنتي عشرة) بمعنى: وقطعناهم أممًا، لأنّ كل أسباطٍ كانت أمةً عظيمةً وجماعةً كثيفة العدد، وكل واحدةٍ كانت تؤمُّ خلاف ما تؤمّه الأخرى، لا تكاد تأتلف. وقرئ: "اثنتي عشرة" بكسر الشين.
_________________
(١) قوله: (بين رماحي مالكٍ ونهشل): أوله: تبقلت في أول التبقل تبقلت الماشية: إذا رعت النبات أول ما نبت. ومالك: هو ابن ضبيعة. ونهشل: هو ابن دارم، من أمراء العرب. يصف رمكةً مرتاضة، اعتادت ممارسة الحرب. إنما ثنى الرماح، وهي جمع، لأن كل فرد من هذه التثنية يراد به جماعة من الرماح، كما يراد بكل فردٍ من أفراد هذا الجمع - وهو (أسباطًا) - قبيلة.
[ ٦ / ٦٢٢ ]
(فَانْبَجَسَتْ): فانفجرت، والمعنى واحدٌ، وهو الانفتاح بسعة وكثرة: قال العجاج:
وكيف غربي دالج تبجّسا
فإن قلت: فهلا قيل: فضرب فانبجست؟ قلت: لعدم الإلباس، وليجعل الانبجاس مسببًا عن الإيحاء بضرب الحجر، للدلالة على أنّ الموحى إليه لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأنه من انتفاء الشك عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به.
_________________
(١) قوله: (وكيف غربي دالجٍ تبجسا) أوله: وانحلبت عيناه من فرط الأسى الو كيف: القطر. يقال: وكف البيت وكفًا ووكيفًا، أي: قطر، وهو صفة مصدرٍ محذوف، أي: انحلبت انحلابًا مثل انحلاب وكيف. الدالج: الذي يحمل الراوية. وقيل: الذي يأخذ الدلو ويمضي بها من رأس البئر إلى الحوض، حتى يفرغها فيه. شبه عينيه بدلوٍ هذه صفته، من شدة البكاء والحزن. قوله: (وليجعل الانبجاس مسببًا عن الإيحاء بضرب الحجر): والحاصل أن الفاء في (فانبجست) فصيحة. مضى الكلام فيه في "البقرة".
[ ٦ / ٦٢٣ ]
وقوله: (كُلُّ أُناسٍ): نظير قوله: (اثنتي عشرة أسباطًا)، يريد كل أمّةٍ من تلك الأمم الثنتي عشرة. و"الأناس": اسم جمعٍ غير تكسير، نحو: رخالٍ، وثناءٍ، وتؤامٍ، وأخواتٍ لها. ويجوز أن يقال: إن الأصل الكسرة والتكسير، والضمة بدل من الكسرة،
_________________
(١) يريد أن الانبجاس في الحقيقة مسبب عن "فضرب" الذي هو امتثال الأمر، فجعل مسببًا عن قوله: (فقلنا اضرب) الذي هو الإيحاء بضرب الحجر، ليدل على سرعة امتثال المأمور، وأن اتباعه الأمر بحيث لا حاجة أن يقال: "فضرب". فالضمير في "أنه من انتفاء الشك" للضرب، أي: الضرب استقر وثبت من جهة انتفاء الشك، بحيث لا حاجة إلى ذكره. قوله: «كل إناسٍ) نظير قوله: (اثنتى عشرة أسباطًا»: يعني: جمع ليبين أن المراد كل فرقةٍ وجماعة، كما جمع "أسباطًا"، إذ لو قيل: كل أناس، لم يكن تحقيقًا للمراد. قوله: (والأناس: اسم جمعٍ): يعني: ليس "أناس" جمع "إنس" على التكسير، بل اسم جمع، كالقوم. قوله: (نحو: رخالٍ، وثناءٍ، وتؤامٍ، وأخواتٍ لها): وهي: رذال، ونذال، وبساط، وظهار، وبراء، ورباب، وظؤار، وعراق، وفرار، وعرام. وقد نظمها المصنف، فقال: ما سمعنا كلمًا غير ثمانٍ … هي جمع، وهي في الوزن فعال فرباب وفرار وتؤام … وعرام وعراق ورخال وظؤار جمع ظئر، وبساط … جمع بسط، هكذا فيما يقال
[ ٦ / ٦٢٤ ]
كما أبدلت في نحو: سكارى وغيارى، من الفتحة. (وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ): وجعلناه ظليلًا عليهم في التيه، و(كُلُوا) على إرادة القول، (وَما ظَلَمُونا): وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم، ولكن كانوا يضرون أنفسهم. ويرجع وبال ظلمهم إليهم.
[(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ* فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ)].
_________________
(١) الرخل: الأنثى من ولد الضأن، والجمع: رخال، بكسر الراء وضمها. وثناء: جمع ثني. وتؤام: جمع تؤأم، على فوعل. ورذال كل شيء: رديئه، واحده: رذل. ونذال: جمع نذل، وهو الخسيس. وبساط: جمع بسط - بكسر الباء - وهي: الناقة تخلى مع ولدها لا يمنع منها. والظهار، بالضم: ما جعل من عسيب السهام. والبراء: جمع البرأة، بالضم، وهي: قترة الصائد. والرباب: جمع ربي، على فعلى، بالضم: وهي الشاة التي وضعت حديثًا، وفي "الصحاح": "ربي" مقصور مشدد مضموم الراء. وظؤار: جمع ظئر. والعراق: جمع عرق، بفتح العين: العظم الذي أخذ عنه اللحم. والعرام: بمعناه. وفرار: جمع فرير: ولد البقر الوحشية. وقيل: واحد، مثل: طويل وطوال. قوله: (غيارى)، الجوهري: "جمع غيران. يقال: غيران، وغيور".
[ ٦ / ٦٢٥ ]
(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ): واذكر إذ قيل لهم، والقرية: بيت المقدس.
فإن قلت: كيف اختلفت العبارة هاهنا وفي سوره البقرة؟ قلت: لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض. ولا تناقض بين قوله: (اسكنوا هذه القرية وكلوا منها) وبين قوله: (فكلوا) [البقرة: ٥٨] لأنهم إذا سكنوا القرية فتسببت سكناهم للأكل منها، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، وسواءٌ قدّموا "الحِطَّة" على دخول الباب أو أخروها، فهم جامعون في الإيجاد بينهم، وترك ذكر "الرغد" لا يناقض إثباته، وقوله: (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) موعدٌ بشيئين: بالغفران وبالزيادة، وطرح الواو لا يُخلّ بذلك، لأنه استئنافٌ مرتبٌ على تقدير قول القائل:وماذا بعد الغفران؟ فقيل له: (سنزيد المحسنين)، وكذلك زيادة (مِنْهُمْ) زيادةُ بيان، و"أرسلنا"، و"أنزلنا"، و(يَظْلِمُونَ) و(يَفْسُقُونَ) من وادٍ واحدٍ.
وقرئ: "يغفر لكم خطيئاتكم"، "وتغفر لكم خطاياكم"، و"خطيئاتكم"، و"خطيئتكم"، على البناء للمفعول.
_________________
(١) قوله: (فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل)، يعني: إذا تفرع المسبب على السبب، فقد اجتمعا في الوجود، فيصح الإخبار بالفاء تارة، وبالواو أخرى، لكن الواو دل على جودة ذهن السامع، وأنه ممن يستغني في استفادة الترتب بمجرد الإشارة، أو تكون تلك الآية كالتقييد لهذه، لأن الاجتماع أعم من السببية والمسببية. قوله: (خطاياكم) أي: وقرئ: "خطاياكم"؛ أبو عمرو، و"خطيئاتكم": نافع، و"خطيئتكم" - برفع التاء -: ابن عامر.
[ ٦ / ٦٢٦ ]
[(وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَاتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَاتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ* وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ* فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ* فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ)].
(وَسَلْهُمْ): وسل اليهود، وقرئ: (واسألهم)، وهذا السؤال معناه التقرير والتقريع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله، والإعلام بأنّ هذا من علومهم التي لا تعلم إلا بكتابٍ أو وحي، فإذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابهم، علم أنه من جهة الوحي. ونظيره همزة الاستفهام التي يراد بها التقرير في قولك: "أعدوتم في السبت؟ ".
والقربة: أيلة. وقيل: مدين. وقيل: طبرية. والعرب تسمى المدينة قرية.
وعن أبي عمرو بن العلاء: ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج،
_________________
(١) قوله: (وسلهم)، ابن كثير والكسائي. قوله: (ونظيره همزة الاستفهام التي يراد بها التقرير): أي: ونظير السؤال في قوله: (وسئلهم) للتقرير والتقريع، قولك ابتداءً: "أعدوتم في السبت؟ " كما أن معنى الهمزة هاهنا للتقرير والتقريع، كذلك السؤال. قال الزجاج: "السؤال على ضربين: أن تسأل عما لا تعلم لتعلم، وأن تسأل على وجه التقرير، فتقول: أنت فعلت كذا؟ لما فعله، وهو يعلم أنك تعلمه، وإنما تسأله لتقرره وتوبخه، أمر الله تعالى نبيه أن يسأل أهل الكتاب عن أهل هذه القرية، وقد أخبره الله تعالى بقصتها، ليقررهم بقديم كفرهم، وأن يعلمهم بما لا يعلم إلا بكتابٍ أو وحي".
[ ٦ / ٦٢٧ ]
يعني: رجلين من أهل المدن، (كَانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ): قريبةً منه راكبة لشاطئه، (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ): إذ يتجاوزون حدّ الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه. وقرئ: "يَعدّون" بمعنى: يعتدون، أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين، ويُعدّون من الإعداد، وكانوا يُعِدُّون آلات الصيد يوم السبت، وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة. و"السبت": مصدر سبتت اليهود: إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالعبادة؛ فمعناه: يعدون في تعظيم هذا اليوم، كذلك قوله: (يَوْمَ سَبْتِهِمْ) معناه: يوم تعظيمهم أمر السبت، ويدل عليه قوله: (وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ)، وقراءة عمر بن عبد العزيز: "يوم إسباتهم". وقرئ: "لا يسبتون" بضم الباء. وقرأ على: "لا يسبتون" بضم الياء، من أسبتوا. وعن الحسن: "لا يسبتون" على البناء للمفعول، أي: لا يدار عليهم السبت، ولا يؤمرون بأن يسبتوا.
_________________
(١) وقلت: وعلى هذا قوله: (وسئلهم) عطف على (واذكر) المقدر عند قوله: (وإذ قيل) [الأعراف: ١٦١]، وإنما عدل إلى السؤال لأنه أبلغ في التحدي والتوبيخ، كما قال. قوله: (ويدل عليه قوله: (ويوم لا يسبتون» [أي: (لا يسبتون)] مشعر بأن قوله: (في السبت) محمول على مصدر سبتت اليهود، لا على الاسم، لأنه نفي لما أثبت أولًا. وهذا مشتق من المصدر، فيجب أن يحمل ما يقابله عليه، ليتطابقا. قوله: (ولا يؤمرون بأن يسبتوا) عطف على سبيل البيان، على قوله: "لا يدار عليهم السبت"، وذلك بأن يكون يومًا آخر من أيام الأسبوع. وهو من باب قوله: على لا حبٍ لا يهتدى بمناره
[ ٦ / ٦٢٨ ]
فإن قلت: (إذ يعدون)، و(إذ تأتيهم)، ما محلهما من الإعراب؟ قلت: أمّا الأوّل فمجرور؛ بدلٌ من (القرية)، والمراد بالقرية أهلها، كأنه قيل: واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت، وهو من بدل الاشتمال.
ويجوز أن يكون منصوبًا بـ (كانت) أو بـ (حاضرة).
وأمّا الثاني: فمنصوبٌ بـ (يعدون)، ويجوز أن يكون بدلًا بعد بدل.
والحيتان: السمك، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة. (شُرَّعًا): ظاهرة على وجه الماء. وعن الحسن: تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض. يقال: شرع علينا فلان إذا دنا منا وأشرف علينا. وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أي: مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم وَإِذْ قالَتْ معطوف على إذ يعدون، وحكمه حكمه في الإعراب أُمَّةٌ مِنْهُمْ جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم، حتى أيسوا من قبولهم، لآخرين كانوا لا يقلعون عن وعظهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أي: مخترمهم ومطهر الأرض منهم، (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا) لتماديهم في الشر، وإنما قالوا ذلك، لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم،
_________________
(١) الراغب: "أصل السبت: قطع العمل. ومنه: سبت السير، أي: قطعه، وسبت شعره: قطعه. وسمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والأرض يوم الأحد، فخلقها في ستة أيام، فقطع عمله يوم السبت. وسبت فلان: صار في السبت". قوله: (معطوف على (إذ يعدون» لا يجوز أن يكون معطوفًا على (إذ تأتيهم)؛ لأنه إما بدل أو ظرف، فيلزم أن يدخل هؤلاء في حكم أهل العدوان، وليس كذلك.
[ ٦ / ٦٢٩ ]
(قالُوا مَعْذِرَةٌ إِلى رَبِّكُمْ) أي: موعظتنا إبلاء عذر إلى الله، ولئلا نسب في النهى عن المنكر إلى بعض التفريط، (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): ولطمعنا في أن يتقوا بعض الاتقاء. وقرئ: (مَعْذِرَةً) بالنصب، أي: وعظناهم معذرةً إلى ربكم، أو اعتذرنا معذرةً.
(فَلَمَّا نَسُوا) يعني: أهل القرية، فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه، (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا) الظالمين الراكبين للمنكر.
فإن قلت: الأمة الذين قالوا: (لِمَ تَعِظُونَ) من أي: الفريقين هم؟ أمن فريق الناجين أم المعذبين؟ قلت: من فريق الناجين، لأنهم من فريق الناهين، وما قالوا ما قالوا إلا سائلين عن علة الوعظ والغرض فيه، حيث لم يروا فيه غرضًا صحيحًا لعلمهم بحال القوم، وإذا علم الناهي حال المنهي، وأن النهي لا يؤثر فيه، سقط عنه النهي، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب؛ لتعظهم وتكفهم عما هم فيه،
_________________
(١) قوله: (إبلاء عذرٍ): أي: إظهاره. الأساس: "يقال: أبليته عذرًا: إذا بينته له بيانًا لا لوم عليك بعده. وحقيقته: جعلته باليًا لعذر، أي: خابرًا له، عالمًا بكنهه. ومنه: أبلى في الحرب بلاءً حسنًا: إذا أظهر بأسه، حتى بلاه الناس وخبروه". قوله: (وقرئ: (معذرةً) بالنصب): حفص، والباقون: بالرفع. قوله: (على المآصر)، الجوهري: "أصره يأصر أضرًا: حبسه. والموضع: مَأصِر ومَأصَر، والجمع: مآصِر". الأساس: "هو مفعل من الأصر، أو فاعل من المصر: بمعنى الحاجز: ولعن الله المآصر والمواصر". والمكاسون: الذين يحفظون الطرق.
[ ٦ / ٦٣٠ ]
كان ذلك عبثًا منك، ولم يكن إلا سببًا للتلهي بك! وأما الآخرون فإنما لم يعرضوا عنهم إمّا لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين، ولم يخبروهم كما خبروهم، أو لفرط حرصهم وجدّهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله ﵊ في قوله: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) [الكهف: ٦]، وقيل: الأمةُ: هم الموعوظون، لما وعظوا قالوا للواعظين: لم تعظون منا قومًا تزعمون أنّ الله مهلكهم أو معذبهم؟ وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: يا ليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا: (لم تعظون قومًا)؟ قال عكرمة: فقلت جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: (لم تعظون قومًا الله مهلكهم)؟ فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا. وعن الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان.
_________________
(١) قوله: (وقيل: الأمة: هم الموعوظون) قيل: هو معطوف على قوله: "من فريق الناجين"، والظاهر: أنه عطف على قوله: "جماعة من أهل القرية، من صلحائهم". والسؤال والجواب مستدرك؛ لما علم من تقريره السابق أن القوم افترقوا فرقًا: فرقةً وعظوا، والثانية القائلة: (لم تعظون) هم الصلحاء منهم. وكان حقه أن يقول: الفرقة التي قالت: (لم تعظون) هل نجت أم لا؟ كما التبس على ابن عباس. ولعل التكرير في السؤال والجواب لتعليق الزيادات عليه. قوله: (لم تعظون منا قومًا؟): "من": تجريدية، مثل: رأيت منك أسدًا. قوله: (ما فعل بهؤلاء الذين قالوا): روى محيي السنة: أن ابن عباس قال: نسمع الله يقول: (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا)، فلا أدري ما فعلت الفرقة
[ ٦ / ٦٣١ ]
وروي: أنّ اليهود أُمروا باليوم الذين أُمرنا به وهو يوم الجمعة، فتركوه واختاروا يوم السبت، فابتلوا به وحرّم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شُرعًا بيضًا سمانًا كأنها المخاض، لا يرى الماء من كثرتها، ويوم لا يستبون لا تأتيهم، فكانوا كذلك بُرهةً من الدهر، ثم جاءهم إبليس فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضًا تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، فلا تقدر على الخروج منها، وتأخذونها يوم الأحد، وأخذ رجلٌ منهم حوتًا، وربط في ذنبه خيطًا إلى خشبةٍ في الساحل، ثم شواه يوم الأحد، فوجد جاره ريح السمك، فتطلع في تنوره، فقال له: إني أرى الله سيعذبك، فلما لم يره عُذبَ أخذ في السبت القابل حوتين، فلما رأوا أنّ العذاب لا يعاجلهم، صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا، وكانوا نحوا من سبعين ألفًا، فصار أهل القرية أثلاثًا: ثُلُثٌ نهوا وكانوا نحوًا من اثني عشر ألفًا، وثلثٌ قالوا: لم تعظون قومًا؟ وثلثٌ هم أصحاب الخطيئة.
_________________
(١) الساكتة؟ قال عكرمة: "جعلني الله فداك، ألا تراهم كيف أنكروا، وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ)، وإن لم يقل الله: أنجيتهم، لم يقل: أهلكتهم. فأعجبه قولي، وأمر لي ببردين، وقال: نجت الساكتة". قوله: (المخاض)، الجوهري: "هي بفتح الميم: النوق الحوامل، ولا واحد لها من لفظها". قوله: (فلما لم يره عذب)، أي: لم ير نفسه يعذبه الله، الرؤية بمعنى العلم، نحو قوله تعالى: (أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) [العلق: ٧].
[ ٦ / ٦٣٢ ]
فلما لم ينتهوا قال المسلمون: إنا لا نُساكنكم، فقسموا القرية بجدار: للمسلمين باب، وللمعتدين باب، ولعنهم داود ﵇، فأصبح الناهون ذات يومٍ في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس شأنًا، فعلوا الجدار فنظروا، فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءها من الإنس، والإنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود، فجعل القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي، فيقول: ألم ننهك؟ فيقول برأسه: بلى، وقيل: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير.
وعن الحسن: أكلوا - والله - أوخم أكلةٍ أكلها أهلها، أثقلها خزيًا في الدنيا، وأطولها عذابًا في الآخرة، هاه! وايم الله، ما حوتٌ أخذه قومٌ فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم. ولكن الله جعل موعدا، (والساعة أدهى وأمرّ) [القمر: ٤٦].
_________________
(١) قوله: (أوخم أكلةٍ)، الأساس: "أوخمه الطعام، فوخم، واتخم، وأصابته التخمة". الرواية: "أكلة"، بفتح الهمزة، ويجوز ضمها. فالفتح: المصدر، والضم: الاسم. والضمير في "أكلها" يجوز أن يكون مفعولًا به، وأن يكون مفعولًا مطلقًا للتأكيد. قوله: (أكلها أهلها): صفة "أكلة". وفي الكلام معنى التعجب، أي: أكلوا - والله - أكلةً ما أوخمها من جهة الأكل! وما أثقلها من جهة الخزي! وما أطولها من جهة العذاب! قوله: (ولكن الله جعل موعدًا)، أي: إن لم يعذب قاتل النفس في الدنيا، على أن قتل النفس أعظم من تلك الأكلة، لكن الله يعذبه في الآخرة (والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)، هذه في الدنيا، وأما في الآخرة فالأمر أشد وأفظع. والداهية: الأمر المنكر، الذي لا يهتدي لدوائه.
[ ٦ / ٦٣٣ ]
(بَئِيسٍ): شديد، يقال: بؤس يبؤس بأسًا، إذا اشتدّ، فهو بئيس. وقرئ: "بئسٍ"، بوزن حَذِر. و(بئسٍ) على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء، كما يقال: كبدٌ في كبدٍ، و(بيسٍ) على قلب الهمزة ياءً، كذيبٍ في ذئب، و"بيئسٍ" على: فيعل، بكسر الهمزة وفتحها. و"بيسٍ" بوزن ريس، على قلب همزة "بيئسٍ" ياءً، وإدغام الياء فيها، و"بيسٍ" على تخفيف "بيس"، كهينٍ في: هين، و"بائس" على فاعلٍ.
(فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ): فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه، كقوله: (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) [الأعراف: ٧٧]، (قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً) عبارةً عن مسخهم قردة، كقوله: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]،
_________________
(١) قوله: (و"بئسٍ" على تخفيف العين): ابن عامر، وعلى قلب الهمزة ياء: نافع، وعلى "فعيل": أبو بكر. قوله: (كقوله: (وعتوا عن أمر ربهم» يعني: لم ينتهوا عما نهوا عنه، وذلك بأن أتوا بالفعل المنهي عنه تكبرًا وعدم مبالاة به، كما أمروا بالإتيان بالفعل المأمور به، فتكبروا عنه، وتركوه. وفيه أن النهي عن الشيء أمر بضده. قوله: «كونوا قردةً): عبارةً عن مسخهم) أي: لم يكن ثمة قول. قال الزجاج: "جائز أن يكون ثمة قول مسموع، وأن يكون مثل قوله تعالى: (كن فيكون)، والأول أبلغ في النازلة بهم".
[ ٦ / ٦٣٤ ]
والمعنى: أنّ الله تعالى عذبهم أوّلًا بعذابٍ شديد، فعتوا بعد ذلك فمسخهم. وقيل: (فلما عتوا)، تكرير لقوله: (فَلَمَّا نَسُوا)، والعذاب البئيس: هو المسخ.
[(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].
_________________
(١) قوله: (والمعنى: أن الله تعالى عذبهم أولًا بعذابٍ شديد، فعتوا بعد ذلك): يريد أن الفاء في قوله تعالى: (فلما عتوا) فصيحة، أي: فلما نسوا عما ذكروا به عذبناهم، ليتنبهوا ويتعظوا، فما نجع فيهم الوعظ، فعتوا بعد ذلك، فمسخناهم. فإذًا العذاب غير المسخ، والنسيان غير العتو. نحوه قوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَاسَاءِ والضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ) إلى قوله: (فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ) [الأعراف: ٩٤ - ٩٥]. أو هي تكرير، فيراد بقوله تعالى: (عتوا عن ما نهوا) قوله: (نسوا ما ذكروا به)، ومعناه: فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون من أمر بهم، مسخناهم، لأنهم كانوا مأمورين بألا يشتغلوا فيه بغير العبادة، فلما اشتغلوا بالصيد عتوا عن أمر ربهم. ويراد بقوله تعالى: (كونوا قردةً خاسئين) قوله: (وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس) وهو المسخ، كما سبق. قال القاضي: "يجوز أن تكون الآية الثانية تقريرًا وتفصيلًا للأولى".
[ ٦ / ٦٣٥ ]
(تَأَذَّنَ رَبُّكَ): عزم ربك، وهو تفعل؛ من الإيذان وهو الإعلام، لأنّ العازم على الأمر يحدّث نفسه به ويؤذنها بفعله، وأجري مجرى فعل القسم، كعلم الله، وشهد الله. ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله: (لَيَبْعَثَنَّ) والمعنى: وإذ حتم ربك وكتب على نفسه ليبعثنَّ على اليهود) إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ)، فكانوا يؤدّون الجزية إلى المجوس، إلى أن بعث الله محمدا ﷺ فضربها عليهم، فلا تزال مضروبةً عليهم إلى آخر الدهر. ومعنى (ليبعثنّ عليهم): ليسلطنّ عليهم، كقوله: (بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد) [الإسراء: ٥].
[(وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)].
_________________
(١) قوله: (لأن العازم على الأمر يحدث نفسه): تعليل لقوله: " (تأذن ربك): عزم ربك". يعني: إنما عبر عن العزم بالإذن، لأن العازم على الأمر يشاور نفسه في الفعل والترك، ثم يجزم على الفعل، ويطلب من النفس الإذن بالفعل. فكنى عن العزم بالإذن، ليعلم أن العزم لم يكن إلا بعد إتقان ومشورة. ولما كان العازم جازمًا على الشيء قاطعًا، كان معنى "عزم": جزم وقضى، فصار كفعل القسم في التأكيد، فأجيب بما يجاب به القسم. قال الزجاج: "قيل: (تأذن): تألى. وقيل: (تأذن): أعلم. والعرب تقول: تعلم أنه كذا وكذا، في معنى: أعلم".
[ ٦ / ٦٣٦ ]
(وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا): وفرقناهم فيها، فلا يكاد يخلو بلدٌ من فرقةٍ منهم، (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ): الذين آمنوا منهم بالمدينة، أو الذين وراء الصين، (وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ): ومنهم ناسٌ دون ذلك الوصف منحطون عنه، وهم الكفرة والفسقة.
فإن قلت: ما محل (دون ذلك)؟ قلت: الرفع، وهو صفةٌ لموصوفٍ محذوف، معناه: ومنهم ناسٌ منحطون عن الصلاح، ونحوه: (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) [الصافات: ١٦٤]، بمعنى: وما منا أحدٌ إلا له مقام، (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ): بالنعم والنقم، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ): فينيبون.
(فَخَلَفَ) مِن بعد المذكورين (خَلْفٌ) وهم الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ، (وَرِثُوا الْكِتابَ): التوراة، بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤونها، ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، ولا يعملون بها، (يَاخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى) أي: حطام هذا الشيء الأدنى، يريد: الدنيا وما يتمتع به منها. وفي قوله: (هذَا الْأَدْنى) تخسيسٌ وتحقير. والأدنى: إما من الدنوّ بمعنى: القرب، لأنه عاجلٌ قريبٌ، وإما من دُنوّ الحال وسقوطها وقلتها، والمراد: ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة، (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا): لا يؤاخذنا الله بما أخذنا، وفاعلُ (سَيُغْفَرُ) الجار والمجرور، وهو (لَنا)،
_________________
(١) قوله: «منهم الصالحون): الذين آمنوا منهم بالمدينة): والظاهر خلافه، لما يقتضيه النظم، لقوله: (فخلف من بعدهم خلف) كما سيجيء بيانه. قوله: «خلف»، النهاية: "الخلف - بالتحريك والسكون -: من يجيء بعد من مضى، إلا أنه بالتحريك في الخير، وبالتسكين في الشر، يقال: خلف صدق، وخلف سوء، ومعناهما جميعًا: القرن من الناس".
[ ٦ / ٦٣٧ ]
ويجوز أن يكون "الأخذ" الذي هو مصدر (يأخذون)، (وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ) الواو للحال، أي: يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم، غير تائبين. وغفران الذنوب لا يصح إلا بالتوبة، والمصر لا غفران له، (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ) يعني قوله في التوراة: من ارتكب ذنبًا عظيمًا فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة، (وَدَرَسُوا ما فِيهِ): في الكتاب من اشتراط التوبة في غفران الذنوب، والذي عليه المجبرة هو مذهب اليهود بعينه كما ترى.
_________________
(١) قوله: «وإن يأتهم ): الواو للحال) أي: من الضمير في "يقولون"، والقول: بمعنى الاعتقاد والظن. ولذلك قال: "يرجون المغفرة وهم مصرون". النهاية: "لما رأي رسول الله صلي الله عليه وسلم الأخبية في المسجد قال: "البر تقولون بهن"؟ أي: أتظنون وترون أنهن أردن البر؟ ". قال الزجاج: "إنهم كانوا يذنبون بأخذ الرشا، ويقولون: سيغفر لنا، من غير أن يتوبوا، لأن قوله تعالى: (وإن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ) دليل على إصرارهم على الذنب". قوله: (والذي عليه المجبرة هو مذهب اليهود بعينه) سقطة منه، لأن أهل السنة لا يتمنون المغفرة مع الإصرار، وهم أحزم من ذلك؛ ألا ترى إلى ما رواه الترمذي عن شداد، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله".
[ ٦ / ٦٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) "دان نفسه": حاسبها في الدنيا قبل أن تحاسب يوم القيامة. فكيف والسين في (سيغفر) تدل على القطع في وقوع الخبر عن المستقبل؟ وأهل السنة لا يقطعون في شيءٍ من أمورهم، لا في الغفران إن تابوا، ولا في الثواب إن عملوا، وأنتم توجبون على الله الغفران إذا حصلت التوبة، وتقطعون بحصول الثواب على العمل؟ فمذهبكم في هذه الصورة مثل مذهبهم. وأيضًا: قوله: "معنى أخذ الميثاق: هو أن في التوراة: من ارتكب ذنبًا عظيمًا، فإنه لا يغفر إلا بالتوبة". وقوله: "وفيه أن إثبات المغفرة بغير توبةٍ خروج عن ميثاق الكتاب"، وما أدري: أهو منقول من نص التوراة أو مستنبط من معنى الآية؟ أما الآية فدالة على التوبيخ على أخذ الرشا، وتغيير أوضاع الشريعة، ونسبة خلافها إلى الله تعالى، كما فعلوا بصفة النبي صلوات الله عليه، وبآية الرجم، وتسويف النفس بالأباطيل و"يا ليت" على المغفرة مع عدم التوبة. ثم إن هذا النقل، إن لم يصح، فهو تقول على الله تعالى بما ليس بحق، وهو عين فعل اليهود، وإن صح، فلم لا يجوز أن يراد به الشرك، لقوله تعالى: (إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، وقوله: (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: ٤٨] أو يكون منسوخًا بالنصوص القاطعة من الآيات والسنة بالنسبة إلينا، وثانيًا بالنسبة إليكم، فيكون مذهبكم عين مذهبهم؟ عفا الله عنه. وأما قضية النظم: فهي أنه تعالى لما حكي عن بني إسرائيل أنهم كانوا قبل مبعث النبي صلي الله عليه وسلم أممًا: منهم الصالحون، ومنهم الكفرة والفسقة، ذكر أنهم، بعد مبعثه صلوات الله عليه أيضًا، داموا على ما كانوا: فرقة منهم ما تمسكوا بمقتضي التوراة، مع أنهم كانوا يقرؤونها، ويدرسون
[ ٦ / ٦٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ما فيها، ويقفون على ما أمر الله، وما نهاه، من الحلال والحرام، ولا يعملون بها، وكانوا (يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى)، ويحرفون الكلم عن مواضعه، (ويَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ومَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) [آل عمران: ٧٨]، ويتمنون بالأباطيل، وإليه الإشارة بقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتَابَ). وطائفة أخرى منهم تمسكوا بها، وعملوا بمقتضاها، وآمنوا بنبي الرحمة، وأقاموا الصلاة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وأَقَامُوا الصَّلاةَ) [الأعراف: ١٧٠]. وينصره ما نقله محيي السنة عن مجاهد: "هم المؤمنون من أهل الكتاب، مثل: عبد الله بن سلام وأصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى، فلم يحرفوه، ولم يكتموه، ولم يتخذوه مأكلة". فظهر من هذا أن تخصيص قوله: (أن لا يقولوا على الله إلا الحق) بما قاله المصنف تحكم. فعلى هذا الواجب أن يكون قوله تعالى: (والذين يمسكون) الآية جملةً مبتدأة، معطوفة على قوله: (فخلف من بعدهم خلف) من حيث المعنى، والجملة من المعطوف والمعطوف عليه مستطرد لذكر قوله: (وقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ ومِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ)، لأن قوله تعالى: (وإذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) عطف على قوله: (وإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُ)، و(وإذ قالت أمة)، (وإذ قيل لهم)، و(إذ استسقاه). فانظر إلى هذا النظم السري، وتعجب ممن يريد تفكيكه!
[ ٦ / ٦٤٠ ]
وعن مالك بن دينارٍ ﵀، يأتي على الناس زمانٌ إن قصروا عما أُمروا به، قالوا: سيغفر لنا، لأنا لم نشرك بالله شيئًا، كل أمرهم إلى الطمع، خيارهم فيهم المداهنة، فهؤلاء من هذه الأمّة أشباه الذين ذكرهم الله، وتلا الآية.
(وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ) من ذلك العرض الخسيس، (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) الرشا ومحارم الله.
وقرئ: "ورّثوا الكتاب"، و"ألا تقولوا"، بالتاء، و"ادّارسوا"، بمعنى: تدارسوا. و(أفلا تعقلون)، بالياء والتاء.
_________________
(١) وأما إذا كان عطفًا على قوله: (للذين) كما هو عليه الوجه الثاني، يكون المراد، منهم الذين آمنوا مطلقًا، على ما روى محيي السنة عن عطاء: "هم أمة محمد صلوات الله عليه". والأول هو القول. قوله: «أفلا تعقلون) بالياء والتاء): بالياء التحتانية: نافع وابن عامر وحفص. وبالتاء الفوقانية: الباقون.
[ ٦ / ٦٤١ ]
فإن قلت: ما موقع قوله: (أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)؟ قلت: هو عطف بيان لـ (ميثاق الكتاب). ومعنى (ميثاق الكتاب): الميثاق المذكور في الكتاب، وفيه أن إثبات المغفرة بغير توبةٍ خروجٌ عن ميثاق الكتاب، وافتراءٌ على الله، وتقوّلٌ عليه ما ليس بحق. وإن فسر (ميثاق الكتاب) بما تقدم ذكره كان (أَنْ لا يَقُولُوا) مفعولًا له. ومعناه: لئلا يقولوا، ويجوز أن تكون (أَن) مفسرة، و(لا يَقُولُوا) نهيًا، كأنه قيل: ألم يقل لهم: لا تقولوا على الله إلا الحق؟
_________________
(١) قوله: (هو عطف بيانٍ لـ (ميثاق الكتاب): أجاب عن السؤال بوجهين: أحدهما: أن (أن) في (أن لا يقولوا) ناصبة للفعل، وهو إما تفسير (ميثاق الكتاب) والإضافة، بمعنى: في أي الميثاق المذكور في الكتاب، وهو (أن لا يقولوا على الله إلا الحق). وفي جملة ذلك ألا يقولوا: إن الله يغفر الذنوب العظام بغير توبة. وإما مفعول به، و(ميثاق الكتاب) مبهم لا يعلم ما هو. فاخترع أن بيانه وتفسيره: من ارتكب ذنبًا عظيمًا، فإنه لا يغفر إلا بالتوبة. أي: أما تقرر وأخذ ميثاقكم أن من ارتكب ذنبًا عظيمًا لا يغفر له إلا بالتوبة، لئلا يقولوا على الله إلا الحق؟ وثانيهما: أن (أن) مفسرة، لأن في قوله تعالى: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الكِتَابِ) معنى القول، أي: ألم يقل لكم: لا تقولوا على الله إلا الحق؟ وهو ذلك القول بزعمه واختراعه. وقلت: الحق أن الإنكار والتوبيخ واردان على ترك استحفاظهم كلام الله، والتمادي في التحريف والتغيير، وعليه أخذ الله ميثاقهم كقوله تعالى: (إنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ) [المائدة: ٤٤]، قال المصنف: "بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التغيير والتبديل"،
[ ٦ / ٦٤٢ ]
فإن قلت: علام عطف قوله: (وَدَرَسُوا ما فِيهِ)؟ قلت: على (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ)، لأنه تقرير، فكأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه.
[(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)].
(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ) فيه وجهان، أحدهما: أن يكون مرفوعًا بالابتداء، وخبره: (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)،
_________________
(١) يعني: ألم يؤخذ عليهم الميثاق، باستحفاظ كتاب الله من غير التغيير والتبديل؟ فكيف غيروا وبدلوا وأخذوا عليه الرشا، فكفروا ونقضوا ميثاق الله، ثم قالوا: استغفر لنا؟ فإن قلت: فعلى هذا: المنكر هو التغيير والتبديل، والمنكر هو القول، لما مر أن قوله: " (أن لا يقولوا على الله إلا الحق) عطف بيان لـ (ميثاق الكتاب) ". قلت: إنهم إذا غيروا وبدلوا، لابد أن يقولوا: هو من عند الله، ليأخذوا عليه الرشا. قال المصنف في قوله تعالى: (وإنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ ومَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ ويَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) [آل عمران: ٧٨]: "قال ابن عباس: هم اليهود من الذين قدموا على كعب بن الأشرف، غيروا التوراة، وكتبوا كتابًا بدلوا فيه صفة رسول الله صلي الله عليه وسلم، ثم أخذت قريظة ما كتبوه، فخلطوه بالكتاب الذي عندهم". والله أعلم. قوله: (لأنه تقرير) أي: يجب أن يكون (ودرسوا) عطفًا على (ألم يؤخذ)، وإن اختلفا خبرًا وطلبًا، لأن الاستفهام وارد على التقرير، فهو بمنزلة الإخبار عن الثابت، فيصح العطف لعدم المنافاة. ولهذا قال: "أخذ عليهم الميثاق، ودرسوا".
[ ٦ / ٦٤٣ ]
والمعنى: إنا لا نضيع أجرهم، لأنّ (المصلحين) في معنى "الذين يمسكون بالكتاب"، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) [الكهف: ٣٠]. والثاني: أن يكون مجرورًا عطفًا على "الذين يتقون"، ويكون قوله: (إِنَّا لا نُضِيعُ) اعتراضًا.
وقرئ: (يمسكون) بالتشديد. وتنصره قراءة أُبيّ: "والذين مسكوا بالكتاب".
فإن قلت: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة، فكيف أفردت؟ قلت: إظهارًا لمزية الصلاة لكونها عماد الدين، وفارقة بين الكفر والإيمان.
وقرأ ابن مسعود ﵁: "والذين استمسكوا بالكتاب".
[(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)].
(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ): قلعناه ورفعناه، كقوله:
_________________
(١) قوله: (والمعنى: إنا لا نضيع أجرهم): يعني: لابد في الخبر إذا كان جملةً من عائد إلى المبتدأ، فقوله: (أجر المصلحين)، وإن لم يكن فيه الضمير، لكنه هو نفس المبتدأ، فهو من إقامة المظهر موضع المضمر، للعلية. قوله: (وقرئ: (يمسكون) بالتشديد): الجماعة إلا أبا بكر.
[ ٦ / ٦٤٤ ]
(ورفعنا فوقهم الطور) [النساء: ١٥٤]. ومنه: نتق السقاء؛ إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه. و"الظلة": كل ما أظلك من سقيفةٍ أو سحاب. وقرئ بالطاء، من أهل عليه؛ إذا أشرف، (وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ): وعلموا أنه ساقط عليهم، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخًا في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجلٍ منهم ساجدًا على حاجبه الأيسر، وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقًا من سقوطه، فلذلك لا ترى يهوديًا يسجد إلا على حاجبه الأيسر، ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة، ولما نشر موسى الألواح وفيها كتاب الله، لم يبق جبل ولا شجرٌ ولا حجرٌ إلا اهتز، فلذلك لا ترى يهوديًا تقرأ عليه التوراة إلا اهتز وأنغض لها رأسه، (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ) على إرادة القول، أي: وقلنا خذوا ما آتيناكم، أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من الكتاب، (بِقُوَّةٍ) وعزمٍ على احتمال مشاقه وتكاليفه،
_________________
(١) قوله: (ومنه: نتق الشقاء): ابن السكيت: "السقاء: يكون للبن والماء، والوطب: للبن خاصة، والنحي: للسمن، والقربة: للماء". قوله: (ولما نشر موسى ﵇ الألواح) إلى آخر القصة، مستطرد لذكر نتق الجبل، وسجود القوم على حاجبهم، كما كان قوله: (فخلف من بعدهم خلف) الآيتين، مستطردًا من المعطوف والمعطوف عليه، على ما سبق.
[ ٦ / ٦٤٥ ]
(وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) من الأوامر والنواهي ولا تنسوه، أو: واذكروا ما فيه من التعريض للثواب العظيم فارغبوا فيه. ويجوز أن يراد: خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوّةٍ إن كنتم تطيقونه، كقوله: (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فانفذوا) [الرحمن: ٣٣]. (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) من الدلالة على القدرة الباهرة والإنذار، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ما أنتم عليه. وقرأ ابن مسعود: "وتذكروا" وقرئ: "واذّكروا"، بمعنى. وتذكروا.
[(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ* أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ* وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)].
(مِنْ ظُهُورِهِمْ) بدل من (بني آدم) بدل البعض من الكل، ومعنى "أخذ ذرّياتهم من ظهورهم": إخراجهم من أصلابهم نسلًا وإشهادهم على أنفسهم.
_________________
(١) قوله: (أو: اذكروا ما فيه من التعريض)، الجوهري: "عرضت فلانًا لكذا فتعرض هو له". قوله: (ويجوز أن يراد: خذوا ما آتيناكم من الآية)، فعلى هذا، المراد من نتق الجبل: إظهار العجز لا غير، كما في الآية المستشهد بها، كما تقول لمن يدعي الصرعة والقوة بعدما غلبته: خذه مني، يعني: إن كنتم تطلبون آية قاهرة، وتقترحونها، خذوا ما آتيناكم إن كنتم تطيقون.
[ ٦ / ٦٤٦ ]
قوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا) من باب التمثيل والتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك.
وباب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ورسوله ﵇، وفي كلام العرب. ونظيره قوله تعالى: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل: ٤٠]، (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) [فصلت: ١١] وقوله:
إذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ: الْحَقِ
قَالَتْ لَهُ رِيحُ الصَّبَا: قَرْقَارِ
_________________
(١) ـ قوله: (وشهدت بها عقولهم) عطف على قوله: "نصب لهم الأدلة"، وكذا "جعلها مميزة"، أي: جمع بين نصب الأدلة وبين جعل القوة مميزة، وبين شهادتها، لتكون الاستعارة تمثيليةً مركبة من عدة أمور متوهمة. هذا هو المراد من قوله: "من باب التمثيل والتخييل"، لا ما ظن أنها من الاستعارة التخييلية، لأن المشبه به في التخييلية أمر واحد محقق يطلق على المخترع المتوهم، كالأنباب في قولك: أنياب المنية نشبت بفلان. قوله: (إذا قالت الأنساع مضى شرحه في "البقرة". قوله: (قالت له ريح الصبا: قرقار)، بعده: واختلط المعروف بالإنكار
[ ٦ / ٦٤٧ ]
ومعلومٌ أنه لا قول ثم، وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى.
(أَوْ تَقُولُوا) مفعولٌ له، أي: فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول، كراهة (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ) لم ننبه عليه، (أَوْ) كراهة أن (تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) فاقتدينا بهم، لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم في الشرك، وأدلة التوحيد منصوبة لهم.
_________________
(١) الضمير المجرور في "له" للسحاب، أي: قالت للسحاب الريح: قرقر بالرعد. فهو أمر من القرقرة، وهو في الرباعي كـ"نزال" في الثلاثي. "واختلط المعروف"، يعني: المطر بلغ كل مكان مما يعرف وينكر، أي: عم الأراضي كلها. شبه الريح بالآمر، والسحاب بالمأمور، والقرقار بالمأمور به، وتخيل الحالات على سبيل التمثيل. في "الانتصاف": "إطلاق لفظ "التخييل" على كلام الله مردود". وقلت: إذا كان القرآن واردًا على أساليب كلام العرب وافتنانهم، فلا بعد في الذهاب إليه. قوله: (لأن نصب الأدلة على التوحيد) علة لما فهم من المعلل مع عليته، أي: فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة والتقليد، "لأن نصب الأدلة .. " إلى آخره.
[ ٦ / ٦٤٨ ]
فإن قلت: بنو آدم وذرّياتهم من هم؟ قلت: عنى بـ"بني آدم": أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، حيث قالوا: عزير ابن الله. وبـ"ذرّياتهم": الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ من أخلافهم المقتدين بآبائهم، والدليل على أنها في المشركين وأولادهم: قوله: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ)، والدليل على أنها في اليهود: الآيات التي عُطفت عليها هي، والتي عطفت عليها وهي على نمطها وأسلوبها، وذلك قوله: (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) [الأعراف: ١٦٣]، (وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ) [الأعراف: ١٦٤]، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) [الأعراف: ١٦٧]، (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ) [الأعراف: ١٧١]. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا) [الأعراف: ١٧٥].
_________________
(١) ويجوز أن يكون تعليلًا للثاني، كأنه قيل: فعلنا نصب الأدلة كراهة أن تقولوا: (إنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ)، لأنه "قائم معهم" لا يفارقهم، "فلا عذر لهم في الإعراض عنه، والإقبال على التقليد". فلما كان هذا التنبيه لا يفارق أحدًا من المكلفين، قال: "لا عذر لآبائهم في الشرك". قوله: (الآيات التي عطفت عليها هي) أي: عطفت: (وإذ نتقنا الجبل)، (وإذ تأذن) [الأعراف: ١٦٧]، (وإذ قيل لهم اسكنوا) [الأعراف: ١٦١]. قوله: (والتي عطفت عليها) أي: على قوله: (وإذ أخذ)، وهي قوله: (واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) [الأعراف: ١٧٥] وسائر الآيات التي تتعلق بـ"بلعم". قوله: (وهي على نمطها وأسلوبها): أي: (وإذ أخذ ربك): على نمط الآيات المتقدمة والمتأخرة.
[ ٦ / ٦٤٩ ]
(أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) أي: كانوا السبب في شركنا؛ لتأسيسهم الشرك، وتقدّمهم فيه، وتركه سنةً لنا.
(وَكَذلِكَ): ومثل ذلك التفصيل البليغ، (نُفَصِّلُ الْآياتِ) لهم، (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ): وإرادة أن يرجعوا عن شركهم نفصلها.
وقرئ: "ذريتهم" على التوحيد، و"أن يقولوا" بالياء.
_________________
(١) ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون عامًا كالتذييل للميثاق الخاص، فيدخل فيه اليهود دخولًا أوليًا، فلا تكون الواو عاطفة؟ ولأن ألفاظها لا تقبل التخصيص إلا بالتعسف، كما أول الشرك. وبيان التذييل أن قوله: (وإذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ) [الأعراف: ١٧١] في معنى: أخذ الميثاق، بدليل قوله تعالى في "البقرة": (وإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ورَفَعْنَا فَوْْقَكُمُ الطُّورَ) [البقرة: ٦٣، ٩٣]، وقول المصنف: " (وإذا أخذنا ميثاقكم): بالعمل بما في التوراة (ورفعنا فوقكم الطور) حتى قبلتم، وأعطيتم الميثاق". أتي بالميثاق الخاص، من حيث الصورة، ثم عقبه بالعام من حيث المعنى، دلالةً على شدة شكيمتهم، وفرط عتوهم في أن الإلزام السمعي والعقلي - على رأيه - لا يجدي فيهم. قال القاضي: "المقصود من إيراد هذا الكلام إلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام، بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية، ومنعهم عن التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال، كما قال: (وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، أي: عن التقليد، واتباع الباطل".
[ ٦ / ٦٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: ويؤيده ما روينا عن مالك، وأحمد بن حنبل، والترمذي، وأبي داود، و"شرح السنة"، عن عمر ﵁ أنه سئل عن هذه الآية، قال: سئل عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: "إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون". فقال: رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار". قال الإمام: "أطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير الآية بالحديث، لأن قوله: (من ظهورهم) بدل من قوله: (بنى أدم)، فالمعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم، فلم يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئًا، ولأنه لو كان المراد أنه أخرج من ظهر آدم شيئًا، لما قال: (من ظهورهم) بل يجب أن يقول: من ظهره، وذريته". وأجاب الإمام: "أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذرية من ظهور بني آدم. وأما أنه أخرج كل تلك الذرية من صلب آدم، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته، ولا على نفيه، إلا أن الخبر قد دل، فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وإخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر، ولا منافاة بينهما، فوجب المصير إليهما معًا، صونًا للآية والخبر عن الاختلاف".
[ ٦ / ٦٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال الشيخ شهاب الدين التوربشتي: وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن المراد من الآية توليد بعضهم من بعض، على مر الزمان، ولو أريد استخراج الذرية من صلب آدم دفعةً واحدة، لكان من حق القول أن يقول: وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذريته. فإن قيل: بيان الآية في الحديث خلاف ما ذهبوا إليه، فلهم أن يقولوا: إنما تركوا ظاهر الآية بالحديث، سيما في مثل هذه القضية التي هي إخبار عن الغيب، إذا كان الحديث المبين للآية حديثًا صحيحًا، يجب به العلم. وهذا الحديث، وإن كان حديثًا حسنًا، فإنه من جملة الآحاد، فلا يترك ظاهر الكتاب بمثل هذا الحديث. مما يمكننا من التوفيق بين الآية والحديث هو أن نقول: إنما اقتصر في الحديث على ذكر آدم، دون الذرية، لأنه هو الأصل، فاكتفى بذكر الأصل عن الفرع. فإن قيل: فقد روى أبو هريرة ﵁، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة" إلى تمام الحديث وهو حديث صحيح، فلم ذهبتم في حديث عمر ﵁ إلى التأويل الذي ذكرتموه؟ فالجواب: أن حديث أبي هريرة ﵁ لا تعلق له بالآية، ولم يذكر فيه حديث الميثاق والإشهاد، وإنما ذكر فيه أن الله تعالى مثل لآدم ذريته، وعرضهم عليه. وهذا غير ذلك.
[ ٦ / ٦٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقد ذهب أهل التأويل إلى أن المراد بالإشهاد ما ركبه الله فيهم من العقول، وآتاهم من البصائر، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم، وقال لهم: (ألست ربكم) فكأنهم قالوا: (بلى). فذهبوا في معناه إلى أنه تمثيل وتصوير للمعنى. وهذا الذي ذهبوا إليه في تأويل حديث عمر ﵁ تأويل حسن مستقيم، لولا مخالفته حديث ابن عباس، وهو ما رواه عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني: عرفة - فأخرج من صلبه كل ذريةٍ ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا قال: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) ". وهذا الحديث مخرج في كتاب أبي عبد الرحمن النسائي. فهذا الحديث لا يحتمل من التأويل ما يحتمله حديث عمر ﵁، لظهور المراد منه. ولا أراهم يقابلون هذه الحجة إلا بقولهم: إن حديث ابن عباس من جملة الآحاد فلا يلزمنا إن تركنا أن نترك به ظاهر الكتاب! وقال: إنما جدوا في الهرب عن القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر هذا الحديث لمكان قوله سبحانه: (أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ). فقالوا: إن كان هذا الإقرار عن اضطرار، حيث كوشفوا بحقيقة الأمر، وشاهدوه عين اليقين، فلهم يوم القيامة أن يقولوا: شهدنا يومئذ، فلما زال عنا علم الضرورة، ووكلنا إلى آرائنا، كان منا من أصاب، ومنا من أخطأ. وإن كان عن استدلال، ولكنهم عصموا عنده من الخطأ، فلهم أيضًا أن يقولوا:
[ ٦ / ٦٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أيدنا يوم الإقرار بتوفيق وعصمة، وحرمناهما من بعد، ولو أمددنا بهما أبدًا، لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول. فقد تبين أن الميثاق: ما ركب الله فيهم من العقول، وآتاهم من البصائر، لأنها هي الحجة الباقية، المانعة لهم عن قولهم: (إنا كنا عن هذا غافلين)؛ لأن الله تعالى جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك، كما جعل بعث الرسول حجةً عليهم في الإيمان، بما أخبروا عنه من الغيوب. ولهم في ذلك كلام كثير اكتفينا عنه بهذا المقدار، والغرض منه توقيف الطالبين على مواضع الإشكال. والتوفيق بين الآية وحديث عمر ﵁ - على ما ذكرناه - متيسر، والتوفيق بينهما وبين حديث ابن عباس - على الوجه الذي لا تعارضه حجة أخرى من الكتاب - مشكل جدًا، إلا أن يعلل الحديث بما عللوه". انتهى كلامه. وقال القاضي في "شرح المصابيح": "والتوفيق بين الآية والحديث أن يقال: إن المراد من (بنى آدم) في الآية: آدم وأولاده، فكأنه صار اسمًا للنوع، كالإنسان والبشر، والمراد من الإخراج: توليد بعضهم من بعض، على مر الزمان، واقتصر في الحديث على ذكر آدم اكتفاءً بذكر الأصل عن ذكر الفرع.
[ ٦ / ٦٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت، وما توفيقي إلا بالله: نبين أولًا أن الأحاديث الثلاثة كلها معتمدة متوافقة متعاضدة، ثم نشرع في المقصود: أما الحديث الأول: فقد سبق أنه اتفق على روايته الإمامان: مالك، وأحمد، والشيخان: أبو داود، والترمذي، ورواه محيي السنة في "شرح السنة" و"المصابيح"، وفيه: "فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذريةً فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون" إلى آخر الحديث. هذا السياق لا يدع لذي لب ريبًا في أن المراد بالاستخراج: استخراج الذراري كلها إلى انقراض العالم، وإلا فأي معنى لقوله: ففيم العمل؟، وقوله صلوات الله عليه: "إن الله تعالى خلق العبد للجنة"، وقوله: "خلق العبد للنار"؟ وروى محيي السنة في "معالم التنزيل"، عن مقاتل وغيره: وفي آخره: "ثم أعادهم جميعًا في صلبه، فأهل القبور محبوسون، حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال، وأرحام النساء". فإذن لا معنى لقولهم: اقتصر في الحديث على ذكر آدم دون الذرية، لأنه هو الأصل، فاكتفى بذكر الأصل عن الفرع. وأما الحديث الثاني: فتمامه على ما أورده صاحب "جامع الأصول" عن الترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لما خلق الله آدم، مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمةٍ هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا
[ ٦ / ٦٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب، من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك" إلى آخر الحديث. وأما الحديث الثالث: فقد أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن ابن عباس أيضًا، كما ذكر من غير زيادة ولا نقصان. فإذا تقرر هذا فالواجب على المفسر المحقق ألا يفسر كلام الله المجيد برأيه، إذا وجد من جانب السلف الصالح نقلًا معتمدًا، فكيف بالنص القاطع من جناب حضرة الرسالة صلوات الله على صاحبها؟ فإن الصحابي ﵁ إنما سأله صلي الله عليه وسلم عما أشكل عليه من معنى الآية: أن الإشهاد هل هو حقيقة أم لا؟ والإخراج والمقاولة بقوله: (ألست بربكم قالوا بلى): أهما على المتعارف أم على الاستعارة؟ فلما أجابه صلوات الله عليه بما عرف منه ما أراده، سكت، لأنه كان بليغًا، ولو أشكل عليه من جهة أخرى لكان الواجب بيان تلك الجهة. وكذا فهم الفاروق رضوان الله عليه. وأما قولهم: لو كان المراد أنه أخرج من ظهر آدم، لما قال: (من ظهورهم)، بل يجب أن يقول: من ظهره وذريته، فجوابه: أن المراد آدم وذريته، لكن غلب إخراج الذراري من أصلاب أولاده نسلًا بعد نسل حينئذٍ على ذراري نفسه، لأن الكلام في الاحتجاج على
[ ٦ / ٦٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الأولاد بشهادة قوله: (وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)، ونحوه، لكن في إرادة الامتنان، قوله تعالى: (ولَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: ١١] والمراد آدم، بقرينة قوله: (اسجدوا لأدم) [الأعراف: ١١]. ويعضده ما رواه الواحدي عن الكسائي أنه قال: "لم يذكر ظهر آدم، وإنما أخرجوا جميعًا من ظهره، لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض، على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، واستغنى عن ذكر ظهر آدم، لما علم أنهم كلهم بنوه، وأخرجوا من ظهره". وقال الإمام المحقق قطب الدين الشيرازي ﵀: "ظواهر ألفاظ الآية، من قوله: (مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) دافعة لظاهر حديث عمر ﵁، لكن لما كان المعلوم المقرر في بداية العقول أن بني آدم من ظهر آدم، فيكون كل ما أخرج من ظهور بني آدم في "لا يزال" على يوم القيامة هم الذر، قد أخرجهم الله تعالى في الأزل عن صلب آدم، وأخذ منه الميثاق الأول، ليعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج في "لا يزال" من أصلاب بني آدم هو الذر الذي أخرج في الأزل من صلب آدم، وأخذ منه الميثاق الأول، وهو المقالي الأزلي، كما أخذ منهم في "لا يزال" بالتدريج، حين أخرجوا الميثاق الثاني، وهو الحالي "اللا يزالي".
[ ٦ / ٦٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والحاصل: أن الله تعالى لما كان له ميثاقان مع بني آدم، أحدهما: يهتدي إليه العقل من نصب الأدلة الباعثة على الاعتراف الحالي، وثانيهما: المقالي الذي لا يهتدي إليه العقل، بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد، كالأنبياء ﵈، أراد النبي صلي الله عليه وسلم أن يعلم الأمة ويخبرهم أن من وراء الميثاق الذي تهتدون إليه بعقولكم ميثاقًا آخر أزليًا، فقال ما قال من مسح ظهر آدم في الأزل، وإخراج الذرية والميثاق الآخر". وقلت: هذا كلام عالي الدرجة لا مزيد عليه، وهو قريب من الأسلوب الحكيم، على منوال قوله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خيرٍ فاللوالدين) [البقرة: ٢١٥]، سألوا عن بيان ما ينفقون، وأجيبوا ببيان المصرف، وضمن بيان ما ينفقون. كذا هاهنا: سأل الصحابي عن بيان الميثاق الحالي، فأجيب عن المقالي، وضمن فيه الحالي على ألطف وجه. والله أعلم. قلت: من أبي هذا التقرير قرب أن يعدل إلى مذهب أهل العدل، وأما الترديد الذي نقله الشيخ التوربشتي ﵀ وهو أن "قالوا: إن كان هذا الإقرار عن اضطرار" إلى قوله: "وإن كان عن استدلال" إلى آخره، فخلاصته أنه يلزم ألا يكونوا محجوجين يوم القيامة. فجوابه: أنهم إذا قالوا: شهدنا يومئذ، فلما زال علم الضرورة، ووكلنا إلى آرائنا، كان كذا، كذبوا؛ فإنكم ما وكلتم إلى آرائكم، بل أرسلنا رسلنا تترى لتوقظكم عن سنة الغفلة.
[ ٦ / ٦٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال المصنف في قوله تعالى: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]: "الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر". وقال محيي السنة: "فإن قيل: كيف تلزم الحجة واحدًا لا يذكر ذلك الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته، وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معاندًا ناقضًا للعهد، ولزمته الحجة، وبنسيانهم، وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق". وأما الجواب عن قولهم: "فلهم أن يقولوا: أيدنا يوم الإقرار بتوفيق وعصمة، وحرمناهما من بعد"، فهو أن يقال: إن هذا مشترك الإلزام، لأنه إذا قيل لهم: ألم نمنحكم العقول والبصائر؟ فلهم أن يقولوا: فإذا حرمنا اللطف والتوفيق، فأي منفعةٍ لنا في العقل والبصيرة؟ ولنختم الكلام بما ورد عن أرباب الكشف، وأصحاب العرفان. روى الشيخ العارف أبو عبد الرحمن السلمي في "الحقائق" عن بنان أنه قال: "انتخبهم للولاية، واستخلصهم للكرامة، وجعل لهم فتوحًا في غوامض غيوب الملكوت، أوجدهم لديه في كون الأزل، ثم دعاهم فأجابوا سراعًا، وعرفهم نفسه حين لم يكونوا في صورة الإنسية، ثم أخرجهم بمشيئته خلقًا، وأودعهم في صلب آدم، فقال: (وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الأعراف: ١٧٢]، فأخبر أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم، إذ كانوا واجدين للحق في غير وجودهم لأنفسهم، وكان الحق بالحق في ذلك موجودًا".
[ ٦ / ٦٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأنشد السلمي لبعضهم: لو يسمعون كما سمعت كلامها … خروا لعزة ركعًا وسجودا وقال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي، قدس سره: "ورد في الحديث أن الله مسح ظهر آدم، وأخرج ذريته منه، كهيئة الذر، استخرج الذر من مسام شعر آدم، فخرج الذر كخروج العرق، وكان ذلك ببطن النعمان: وادٍ بجنب عرفة، بين مكة والطائف". وقلت: والغرض من هذا الإطناب الإرشاد إلى التفادي عن القول في الأحاديث الصادرة عن منبع الرسالة عن الثقات، بأنها متروكة العمل، لعلة كونها من الآحاد، لأن ذلك يؤدي إلى سد باب كثيرٍ من الفتوحات الغيبية، ويحرم قائله من عظيم منح الإلهية. روى الإمام أبو بكر البيهقي ﵀ في "المدخل" عن الشافعي ﵁: الذين لقيناهم كلهم يثبتون خبر واحدٍ عن واحدٍ عن النبي صلي الله عليه وسلم، ويجعلونه سنة، حمد من تبعها، وعيب من خالفها. وقال الشافعي: من فارق هذا المذهب كان عندنا مفارقًا لسبيل أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم، وكان من أهل الجهالة. وقال الشافعي: فمهما قلت من قولٍ أو أصلت من أصلٍ فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله ﷺ.
[ ٦ / ٦٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وهو قولي. قال: وجعل يردده. وروى الدارمي عن الشعبي قال: ما حدثك هؤلاء عن النبي صلي الله عليه وسلم فخذ به، وما قاله برأيه فألقه في الحش. روينا عن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، عن المقدام، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرموه". وفي رواية: "وإن ما حرم رسول الله صلي الله عليه وسلم كما حرم الله" الحديث. وفي "جامع الأصول" عن رزينٍ العبدري، عن أبي رافع، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "لا أعرفن الرجل منكم يأتيه الأمر من أمري أنا أمرته، أو نهيت عنه، وهو متكئ على أريكته، فيقول: ما ندري ما هذا؟ عندنا كتاب الله، وليس هذا فيه" الحديث. وقد روى الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن نحوه، وروايتهم أقصر.
[ ٦ / ٦٦١ ]
[(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ* وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)].
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ): على اليهود (نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها): هو عالمٌ من علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين، اسمه بلعم بن باعوراء؛ أوتي علم بعض كتب الله، (فَانْسَلَخَ مِنْها): من الآيات، بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ): فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينًا له،
_________________
(١) وقلت: والذي أقضي منه العجب أن الشيخ شهاب الدين التوربشتي كيف نقل كلامهم هذا، وقرره، ولم يرد عليه، مع رسوخ علمه، وعلو مرتبته! والله أعلم. قوله: (هو عالم من علماء بني إسرائيل): روى محي السنة عن مجاهد: هو بلعام بن باعر. وعن ابن عباس: هو بلعام بن باعوراء، كان من بني إسرائيل. وروي عن ابن طلحة ﵁ أنه كان من الكنعانيين. قوله: «فانسلخ منها) … بأن كفر بها، ونبذها وراء ظهره): هذه مبالغة، لأن السلخ حقيقةً: كشط الجلد عن المسلوخ، وإزالته عنه بالكلية. قال الإمام: "انسلخ، أي: خرج. يقال لكل من فارق الشيء بالكلية: انسلخ منه". قوله: «فأتبعه الشيطان): فلحقه)، الجوهري: "أتبعت القوم - على "أفعلت" -: إذا كانوا قد سبقوك، فلحقتهم. وأتبعت أيضًا غيري. يقال: أتبعته الشيء فتبعه".
[ ٦ / ٦٦٢ ]
أو: فأتبعه خطواته. وقرئ: "فاتبعه"؛ بمعنى: فتبعه، (فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ): فصار من الضالين الكافرين. روي: أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى ومن معه، فأبى وقال: كيف أدعو على من معه الملائكة، فألحوا عليه ولم يزالوا به حتى فعل، (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها): لعظمناه ورفعناه إلى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات، (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ): مال إلى الدنيا ورغب فيها. وقيل: مال إلى السفالة
_________________
(١) قوله: (روي: أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى): عن محيي السنة، عن ابن عباس، والسدي، وغيرهما، "أن موسى، لما قصد حرب الجبارين، ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام [إلى بلعم]، وكان عنده اسم الله الأعظم، فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه قد جاء ليخرجنا من ديارنا، ويقتلنا، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج وادع الله أن يردهم عنا. فقال: ويلكم، نبي الله، ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن فعلت هذا ذهبت ديناي وآخرتي؟ ! فراجعوه، وألحوا عليه، فلم يزالوا يتضرعون إليه، حتى فتنوه". قوله: «ولكنه أخلد إلى الأرض): مال إلى الدنيا، ورغب فيها)، النهاية: "أخلد إليها، أي: ركن إليها، ولزمها". وقال الزجاج: "يقال: أخلد فلان إلى كذا وكذا، وخلد - والأول أكثر - أي: سكن إلى لذات الأرض". قوله: (وقيل: مال إلى السفالة) الرواية بفتح السين.
[ ٦ / ٦٦٣ ]
فإن قلت: كيف علق رفعه بمشيئة الله تعالى ولم يعلق بفعله الذي يستحق به الرفع؟ قلت: المعنى: ولو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها؛ وذلك أن مشيئة الله تعالى رفعه تابعةٌ للزومه الآيات فذكرت المشيئة. والمراد: ما هي تابعةٌ له ومسببةٌ عنه، كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها. ألا ترى إلى قوله: (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ)، فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون (وَلَوْ شِئْنا) في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ.
_________________
(١) الجوهري: "السفالة، بضم السين: نقيض العلو، وبالفتح: النذالة". الأساس: "ومن المجاز: سفلت منزلته عند الأمير. وقد سفل في النسب والعلم". قوله: (مال إلى الدنيا ورغب فيها) مقابل لقوله: "رفعناه إلى منازل الأبرار"، لأن الدنيا ليست بمنازلهم، لقوله: "فاعبروها، ولا تعمروها". وأما قوله: (مال إلى السفالة) فبالنظر إلى لفظ "رفعنا". قوله: (ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ)، فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون (ولو شئنا) في معنى ما هو فعله)، قال القاضي: "إنما علق رفعه بمشيئة الله، ثم استدرك عنه بفعل العبد، تنبيهًا على أن المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه، وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة، وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول السبب، من حيث إن المشيئة تعلقت به.
[ ٦ / ٦٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وكان من حقه أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه (ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ)، مبالغةً وتنبيهًا على أن ما حمله عليه هو هواه، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة". هذا تمام كلام القاضي. وتلخيصه: أن قوله تعالى: (ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) مجرى على ظاهره، وقوله: (ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ) محمول على التأويل، على عكس ما فعله المصنف. ثم الواجب علينا أن نبين وجه الرجحان من غير التعصب، فنقول، والله أعلم بمراده من كلامه: إنه تعالى لما قال: (الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا) بمعنى: نحن فعلنا إيتاء الآيات، فعقبها هو بفعل الانسلاخ، توهمًا منه أنه مستقل في إيجاد الفعل، فقيل دفعًا لذلك التوهم: لو شئنا أن نرفعه بالآيات إلى المراتب العلية لفعلنا، فلا يحصل منه الانسلاخ إذًا، لكن تعلقت مشيئتنا بانحطاطه إلى الأرض، فحصل منه الانسلاخ، فوضع موضعه (أخلد إلى الأرض) ليطابق الرفع. وإنما جاء قول المصنف: "ولكنه أخلد إلى الأرض، فحططناه"، على عكس هذا التقدير: لأنه جعل مشيئة الله تابعةً لفعل العبد، فعدم التوفيق، فأخطأ في التلفيق. وأما قوله: "ولو كان الكلام على ظاهره، لوجب أن يقال: ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنا لم نشأ"، فجوابه: أنك لما جعلت المشيئة ابتداءً تابعةً للزوم هذا الإنسان الآيات، لزمك هذا، فاجعل لزومه الآيات تابعًا للمشيئة، كما فعلنا، لتنظر كيف يجيء الكلام على سننه!
[ ٦ / ٦٦٥ ]
(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ): فصفته التي هي مثلٌ في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها، وهي حال دوام اللهث به واتصاله، سواء حُمِلَ عليه - أي: شُدّ عليه وهيج فطرد - أو ترك غير متعرّضٍ له بالحمل عليه. وذلك أنّ سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا هيج منه وحرّك، وإلا لم يلهث، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعًا، وكان حق الكلام أن يقال: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض)، فحططناه ووضعنا منزلته، فوضع قوله: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) موضع "فحططناه أبلغ حط" لأنّ تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك.
_________________
(١) قوله: (وكان حق الكلام) إلى قوله: (فحططناه أبلغ حط): اعلم أن التشبيه عدول عن أصل المعنى، وروم للمبالغة، فإنك إذا أردت المبالغة في قولك: "زيد شجاع"، قلت: "زيد كالأسد"؛ لأنك في التشبيه تقصد محاولة إبراز المشبه في صورة المشبه به، ليثبت في النفس خياله، فيكون أدخل في الروعة وآكد في الدلالة من أصل المعنى. وهاهنا الأصل - كما قال - "حططناه أبلغ حط"، فوضع التمثيل مقامه، ليخيل إلى السامع خيالًا في غاية الضعة والخسة. واللهث: إدلاع اللسان من التنفس الشديد. فإن قلت: نسبة التمثيل إلى أصل المعنى من أي قبيل هو؟ قلت: من قبيل الكناية، وأخذ الزبدة والخلاصة من المجموع من غير اعتبار مفرداته، كما سيجيء في قوله تعالى: (والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: ٦٧].
[ ٦ / ٦٦٦ ]
وعن ابن عباس ﵄: الكلب منقطع الفؤاد، يلهث إن حمل عليه أو لم يجمل عليه. وقيل: معناه: إن وعظته فهو ضالّ، وإن لم تعظه فهو ضالّ، كالكلب إن طردته فسعى لهث، وإن تركته على حاله لهث.
_________________
(١) قوله: (وقيل: معناه: إن وعظته فهو ضال) عطف على قوله: "فصفته التي هي مثل في الخسة". والتمثيل الأول: مركب عقلي، لأنه اعتبر من المجموع الضعة والخسة: شبه بلعام من حيث إنه مال من المرتبة العالية، ومنازل الأبرار من العلماء، إلى أسفل السافلين، والميل إلى الدنيا وحطامها، بالكلب في الحالتين معًا. والوجه: هو الزبدة والخلاصة من الضعة والخسة. وإليه أشار بقوله: "لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك" أي: حططناه أبلغ حط. وعلى الثاني: مركب وهمي، لأنه توهم في الوجه متعددًا، وهو عدم تغيير حال الضعة في حالتي الإغراء والترك. وهو المراد من قوله: "إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال". وعلى الثالث - وهو قوله: "وقيل: لما دعا بلعم على موسى" إلى آخره -: التشبيه مفرد حسي. وقوله: (إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) جملة استئنافية مبنية لحال تشبيه بلعام بالكلب. ولهذا قال: "وجعل يلهث كما يلهث الكلب". والدليل على أن هذا التشبيه مفرد، والأول والثاني مركبان: سؤاله بقوله: "ما محل الجملة الشرطية؟ " بعد تمام التشبيهين. وجوابه: "النصب على الحال"، ليدخل حينئذٍ في حيز التشبيهين، لإرادة التركيب فيهما.
[ ٦ / ٦٦٧ ]
فإن قلت: ما محل الجملة الشرطية؟ قلت: النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلًا دائم الذلة لاهثًا في الحالتين.
_________________
(١) قوله: (النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلًا دائم الذلة): قال صاحب "الضوء": "الشرطية لا تكاد تقع بتمامها موقع الحال، ولو أريد ذلك لجعلت خبرًا عن ضمير ما أريد الحال عنه، نحو: "جاءني زيد وهو إن يسأل يعط". فالحال إذن جملة اسمية، والسر فيه أن الشرطية، لتصدرها بما يقتضي الصدرية، لا تكاد ترتبط بما قبلها، إلا أن يكون هناك فضل قوة. نعم، إنما يجوز إذا أخرجت عن حقيقة الشرط، ثم هي لم تخل من إن عطف عليها ما يناقضها أو لم يعطف. والأول: حذف الواو فيه مستمر، نحو: آتيك إن تأتني أو لم تأتني؛ لأن النقيضين في مثل هذا الموضع لا يبقيان على معنى الشرط، بل يتحولان إلى معنى التسوية، كالاستفهامين المتناقضين في قوله تعالى: (وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) [البقرة: ٦]. وأما الثاني: فلابد فيه من الواو، نحو: آتيك وإن لم تأتني، ولو ترك الواو لالتبس بالشرط حقيقة". قلت: وإنما ترك الواو في التنزيل، لأنه من باب: آتيك إن تأتني أو لم تأني، لأن المراد: إن حمل عليه أو لم يحمل عليه. وأما قوله قبل هذا: "سواء حمل عليه - أي: شد عليه وهيج فطرد - أو ترك غير متعرض له" فهو كما قاله صاحب "الضوء": "إن النقيضين في هذا المقام لا يبقيان على معنى الشرط، بل يتحولان إلى معنى التسوية".
[ ٦ / ٦٦٨ ]
وقيل: لما دعا بلعم على موسى ﵇ خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل يلهث كما يلهث الكلب.
(ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) من اليهود بعد ما قرؤوا نعت رسول الله ﷺ في التوراة،
وذكر القرآن المعجز وما فيه، وبشروا الناس باقتراب مبعثه، وكانوا يستفتحون به، "فَاقْصُصِ" قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم، (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فيحذرون مثل عاقبته، إذ ساروا نحو سيرته، وزاغوا شبه زيغه، ويعلمون أنك علمته من جهة الوحي، فيزدادوا إيقانًا بك وتزداد الحجة لزومًا لهم.
_________________
(١) قوله: «ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا» يعني: إنما أتى بقوله: (ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ) عقيب تمثيل بلعام لينبه اليهود الذين كذبوا رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد ما أوتوا من الآيات، وهو التوراة، وفيها نعت الرسول صلي الله عليه وسلم وذكر القرآن، وبشروا الناس بمبعثه، واستفتحوا بنصرته، ثم انسلخوا منها، ومالوا إلى الدنيا، واشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، وحرفوا اسمه، وكفروا به، على أن حالهم مثل حال بلعام، حذو القذة بالقذة. وإليه الإشارة بقوله: "فاقصص قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم (لعلهم يتفكرون) "، قلت: من تفكر في هذا المثل، وسائر الأمثال المضروبة في التنزيل، في حق المشركين والأصنام؛ من بيت العنكبوت، والذباب، تحقق له أن حال علماء السوء أسوأ وأقبح من ذلك، فما أنعاه من مثلٍ عليهم، وما هم فيه من التهالك في الدنيا؛ مالها
[ ٦ / ٦٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وجاهها، والركون إلى لذاتها وشهواتها، ومن متابعة النفس الأمارة وإرخاء زمامها في مرامها! وكتب شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين أبو حفص السهروردي، إلى الإمام العلامة فخر الدين الرازي تغمدهما الله برضوانه: "من تعين في الزمان لنشر العلم، عظمت نعمة الله لديه، ينبغي للمتيقظين الحذاق من أرباب الديانات، أن يمدوه بالدعاء الصالح، ليصفي الله تعالى مورد علمه بحقائق التقوى، ومصدره من شوائب الهوى، إذ قطره من الهوى تكدر بحرًا من العلم، ونوازع الهوى المركون في النفوس المستصحبة إياه، من محتدها، من العالم السفلي، إذا شابت العلم حطته من أوجه. وإذا صفت مصادر العلم وموارده من الهوى، أمدته كلمات الله التي ينفد البحر دون نفادها، ويبقي العلم على كمال قوته، وهذه رتبة الراسخين في العلم، لا المترسمين به، وهم وراث الأنبياء: كر عملهم على علمهم، وكر علمهم على عملهم، وتناوب العلم والعمل فيهم، حتى صفت أعمالهم، ولطفت، فصارت مسامراتٍ سرية، ومحاوراتٍ روحية، وتشكلت الأعمال بالعلوم، لمكان لطافتها، وتشكلت العلوم بالأعمال، لقوة فعلها، وسراتها إلى الاستعدادات. وفي إتباع الهوى إخلاد إلى الأرض، قال الله تعالى: (ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ)، فتطهير نور الفكرة عن رذائل التخيلات، والارتهان بالموهومات، التي اشتركت العقول الصغار المداهنة للنفوس القاصرة، وهو من شأن البالغين من الرجال، فتصحب نفوسهم الطاهرة الملأ الأعلى، فتسرح في ميادين القدس، والنزاهة؛ النزاهة من محبة حطام الدنيا، والفرار؛ الفرار من استحلاء نظر الخلق وعقائدهم، فتلك مصارع الأدوان. فطالب الرفيق الأعلى مكلم محدث، والتعريفات الإلهية واردة عليه، لمكان علمه بصورة.
[ ٦ / ٦٧٠ ]
[(ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ)].
(ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ) أي: مثل القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم. وقرأ الجحدري: "ساء مثل القوم". (وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ) إما أن يكون معطوفًا على (كذبوا)، فيدخل في حيز الصلة بمعنى: الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلامًا منقطعًا عن الصلة، بمعنى: وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول به للاختصاص، كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدّها إلى غيرها.
[(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)].
(فَهُوَ الْمُهْتَدِي) حملٌ على اللفظ، و(فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) حملٌ على المعنى.
_________________
(١) الابتلاء، واستئصال شأفة الابتلاء بصدق الالتجاء، وكثرة ولوجه في حريم القرب الإلهي، وانغماسة مع الأنفاس في بحار عين اليقين، وغسله كشف دلائل البرهان بنور العيان، والبرهان للأفكار، والعيان للأبرار" إلى آخره، والله أعلم. قوله: (أي: مثل القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم) يريد: أنه لابد أن يكون المخصوص بالذم مطابقًا للفاعل، والفاعل هاهنا مضمر مميز بـ (مثلا)، و(القوم) لا يطابقه، فيقدر المضاف إما قبل (القوم) وإما قبل (مثلًا) ليطابقه. قوله: (وإما أن يكون كلامًا منقطعًا عن الصلة) وعلى هذا الكلام تذييل وتأكيد لمضمون الجملة. قوله: «فهو المهتدي) حمل على اللفظ، و(فأولئك هم الخاسرون) حمل على المعنى):
[ ٦ / ٦٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال القاضي: "في هذا تنبيه على أن المهتدين كواحد، لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين. والاقتصار في الإخبار عمن هداه الله بـ (المهتدى) تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه في نفسه كمال جسيم، ونفع عظيم، لو لم يحصل له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة". وقال: "الآية تصريح بأن الهدى والضلالة من الله، وأن هداية الله تختص ببعضٍ دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء". وقلت: الآية تذييل للتمثيلين وتأكيد، لأن المشيئة هي السبب في فعل العبد من الاهتداء والضلال، وأن لزوم "بلعام" الآيات تابع لمشيئة الله، وأن الكلام فيه مجرى على ظاهره. والآية التالية المصدرة بالقسمية تذييل لقصة الفرقة الضالة بعد عد قبائحهم، وتسجيل بأنهم لا يؤمنون، تسلية لرسول الله صلي الله عليه وسلم ليعرض عنهم، ويقبل إلى من يجدي به الإنذار وينجع فيه الوعظ. يدل عليه قوله تعالى: (وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) [الأعراف: ١٨٠]، وقوله: (ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ) [الأعراف: ١٨١]، أي: دع هؤلاء الذين يحرفون كلام الله، ويميلون بأسمائه الحسنى إلى التأويل الزائغ، واشتغل بأمتك الذين يتمسكون بكتاب الله، ولا يلحدون في أسمائه الحسنى، ولا يتبعون ما تشابه منها. يدل عليه ما رواه المصنف: "هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها". ويدل على أن هذا الكلام تذييل لقصة اليهود: قوله: "والمراد: وصف حال اليهود في عظم ما أقدموا عليه، وأنهم من جملة الكثيرين الذين لا يكاد الإيمان يتأتى منهم".
[ ٦ / ٦٧٢ ]
[(وَلَقَدْ ذَرَأنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ)].
(كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) هُم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لُطف لهم، وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر، كأنهم عدموا فهم القلوب، وإبصار العيون، واستماع الآذان، وجعلهم - لإغراقهم في الكفر، وشدّة شكائمهم فيه، وأنه لا يأتي منهم إلا أفعال أهل النار - مخلوقين للنار، دلالةً على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار ومنه كتاب عمر ﵁ إلى خالد بن الوليد: "بلغني أن أهل الشام اتخذوا لك دلوكًا عجن بخمر وإني لأظنكم آل المغيرة ذره النار". ويقال لمن كان عريقًا في بعض الأمور: ما خلق فلانٌ إلا لكذا. والمراد وصف حال اليهود في عظم ما أقدموا عليه من تكذيب رسول الله ﷺ، مع علمهم أنه النبي الموعود، وأنهم من جملة الكثير الذين لا يكاد الإيمان يتأتى منهم، كأنهم خلقوا للنار.
_________________
(١) قوله: (كتاب عمر ﵁)، النهاية: "الدلوك، بالفتح: اسم لما يتدلك به من الغسولات، كالعدس والأشنان والأشياء المطيبة". قوله: (عريقًا في بعض الأمور)، الأساس: "فلان معرق في الكرم أو اللؤم، وهو عريق فيه". قوله: (وأنهم من جملة [الكثير] الذين) عطف على قوله: "وصف" أو "عظم ما أقدموا"، ومحل قوله: "كأنهم خلقوا للنار": إما نصب حال من الضمير في خبر "أن" بمعنى: مشبهين. وإما رفع خبرٍ بعد خبر، وفي كلامه أنهم ما خلقوا للنار حقيقة، وأن المراد من قوله تعالى:
[ ٦ / ٦٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) (ولَقَدْ ذَرَأنَا لِجَهَنَّمَ) الإغراق في وصفهم به. وهو مخالف للظاهر والأحاديث الواردة في الباب؛ منها ما رواه الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده"، عن عبد الرحمن بن قتادة، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي". قال قائل: فعلى ماذا نعمل؟ قال: "على موافقة القدر". ومنها ما روينا عن مالك وأحمد والترمذي وأبي داود، عن عمر ﵁: الحديث السابق، عند قوله تعالى: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢]. وغير موافق للنص القاطع، والنظم الفائق، فإن قوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم) كالتفريع على تذييل قصة الفرقة الضالة، المشبهة بـ"بلعام". وموقع قوله تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ولَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا) مع ما قبله: موقع قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ) [البقرة: ٧] مع ما قبله، وفصل ما نحن بصدده عليه أنه مصدر بالجملة القسمية، أن المذكورات هاهنا مستقلة في كونها جملًا صراحًا، واسمية مكررة الجار والمجرور، والاستئناف
[ ٦ / ٦٧٤ ]
(أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ) في عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع للتدبر، (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) من الأنعام عن الفقه والاعتبار والتدبر، (أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ): الكاملون في الغفلة، وقيل: الأنعام تبصر منافعها ومضارّها، فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار.
[(وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) التي هي أحسن الأسماء، لأنها ندل على معانٍ حسنةٍ من تمجيدٍ وتقديسٍ وغير ذلك، (فَادْعُوهُ بِها): فسموه بتلك الأسماء، (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ)
_________________
(١) هاهنا بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث، كأنه تعالى لما أقسم بقوله: (ولَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الجِنِّ والإنسِ)، قيل: فما يكون لهم حينئذ؟ فقيل: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا)، وكيت وكيت. وأما فائدة القسمية: فللتنبيه على قلع شبهة من عسى أن يتصدى لتأويل الآية، ويحرف النص القاطع، ويقول: "ومعنى (ولقد ذرأنا لجهنم): وجعلهم لإغراقهم في الكفر، وشدة شكمائمهم، وأنه لا يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار، مخلوقين للنار". ومما يؤاخيه ما روى المصنف: "أن أعرابيًا، لما سمع قوله تعالى: (وفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ومَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ والأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ) [٢٢ - ٢٣]، قال: من الذي أغضب الجليل، حتى حلف؟ كأنهم لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤوه إلى اليمن". قال الإمام: "هذه الآية حجة لصحة مذهبنا في مسألة خلق الأعمال، وإرادة
[ ٦ / ٦٧٥ ]
واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى، وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه، كما سمعنا البدو يقولون بجهلهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخىّ! أو أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى، نحو أن يقولوا: يا الله، ولا يقولوا: يا رحمن، وقد قال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [الإسراء: ١١٠]. ويجوز أن يراد: ولله الأوصاف الحسنى، وهي الوصف بالعدل والخير والإحسان وانتفاء شبه الخلق فصفوه بها، وذروا الذين يلحدون في أوصافه، فيصفونه بمشيئة القبائح وخلق الفحشاء والمنكر، وبما يدخل في التشبيه، كالرؤية ونحوها، وقيل: إلحادهم في أسمائه: تسميتهم الأصنام آلهةً، واشتقاقهم "اللات" من "الله"، و"العزى" من "العزيز".
[(وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)].
_________________
(١) الكائنات، لأنه تعالى صرح بأنه خلق كثيرًا من الجن والإنس لجهنم، ولا مزيد على بيان الله ﷿". قوله: (يا نخي!) بالنون والخاء المعجمة، أي: يا متكبر. الأساس: "وقد ينخى فلان، وهو منخو مزهو. وانتخى من كذا: استنكف منه، والعرب تنتخي من الدنايا، ورجل ذو نخوة". قوله: (ويجوز أن يراد: ولله الأوصاف الحسنى)، معطوف على قوله: "التي هي أحسن الأسماء" لأنها تدل على معانٍ حسنة. ويتغير بحسب التفسيرين معنى قوله تعالى: (يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ): فعلى الأول: الإلحاد في التسمية أن يقال: أبو المكارم ونحوه، أو أن يخص بالله دون الرحمن. وعلى الثاني: الإلحاد في الوصف، وهو ما ذكره من المعاني التي دلت على مذهبه تحكمًا.
[ ٦ / ٦٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وهو أيضًا ميل، لأن المراد بأسمائه الحسنى ما ورد عن الشارع، وأذن فيه في الكتاب والسنة. أما الكتاب فإن التعريف في "الأسماء" للعهد، ولابد من المعهود، ولأنه أمر بالدعاء بها بقوله تعالى: (فادعوه بها) فلابد من وجود المأمور به، ونهى عن الدعاء بغيرها في قوله: (وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ)، وأوعد على الإلحاد فيها بقوله: (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وأكده بالسين. وأما الحديث فما رويناه عن البخاري، ومسلم، والترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، من حفظها دخل الجنة"، وفي رواية: "أحصاها"، وفي أخرى: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا". قوله: "مئةً إلا واحدًا" تأكيد وفذلكة، لئلا يزاد على ما ورد، كقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦]. قال محيي السنة: "الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم ينطق به كتاب ولا سنة. وجملته أن أسماء الله على التوقيف".
[ ٦ / ٦٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في كتاب "مفاتيح الحجج ومصابيح النهج": "أسماء الله تعالى تؤخذ توقيفًا، ويراعى فيه الكتاب والسنة والإجماع. فكل اسم ورد به في هذه الأصول وجب إطلاقه في وصفه تعالى، وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه في وصفه تعالى وإن صح معناه". وقال الزجاج: "لا ينبغي لأحدٍ أن يدعوه بما لم يصف به نفسه، فيقول: يا الله، يا رحمن، يا جواد، ولا يقول: يا سخي، لأنه لم يصف به نفسه، ويقول: يا رحيم، لا: يا رفيق، ويقول: يا قوي، لا: يا جلد". وقال الإمام: "قال أصحابنا: ليس كل ما صح معناه جاز إطلاقه عليه ﷾، فإنه الخالق للأشياء كلها، ولا يجوز أن يقال: يا خالق الذئب والقردة. وورد: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) [البقرة: ٣١]، (وعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ) [النساء: ١١٣]، (وعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف: ٦٥]، ولا يجوز: يا معلم، ولا يجوز عندي: يا محب، وقد ورد: (يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ) [المائدة: ٥٤] ". تم كلامه. وأما الصفات فكذلك، فكل ما ثبت بالكتاب والسنة من الصفات والأفعال، كجواز الرؤية، وخلق أفعال العباد، دون ما تشتهيه النفس، ويميل إليه الوهم، هو الذي يجب أن يتبع.
[ ٦ / ٦٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الإمام: "ومن الإلحاد قول المعتزلة: لو فعل كذا لكان سفيهًا، مستحقًا للذم". والمقام لا يقتضي إلا ذلك، لما تقرر أن الآية تذييل لقصة اليهود، وأنهم كانوا يغيرون أوضاع التوراة، ويحرفون الكلم عن مواضعه، يعني: تمسك بما جاءك، في أسماء الله وصفاته وأفعاله، من الله، وذر الذين يغيرون ما جاءهم من الله تعالى. فإذا لا مدخل للقياس والوهم فيه. تنبيه: ذكر الفاضل برهان الدين النسفي في "شرح أسماء الله الحسنى": "أن مذهب الأشعري ومن تابعه: أن أسماء الله تعالى توقيفية. والمعتزلة والكرامية: أنها قياسية، لأنه إذا تقرر في العقل أن معنى اللفظ ثابت في حقه تعالى فقد صح الإطلاق. واختيار الغزالي وبعض الأصحاب: أن الأسماء موقوفه على الإجازة، وأما الصفات فلا. واعلم أن الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة أقسام: الأول: ما يدل على صفات واجبة، منها ما يصح إطلاقه مفردًا لا مضافًا، نحو: الموجود، والأزلي، والقديم، ونحوها. ومنها ما يصح إطلاقه مفردًا ومضافًا، نحو: الملك، والمولى، والرب، والخالق، يجوز: يا خالق السموات. دون: يا خالق القردة والخنازير. ومنها ما يصح مضافًا غير مفرد، نحو: يا منشئ الرفات، ويا مقيل العثرات.
[ ٦ / ٦٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والثاني: ما يدل على صفاتٍ ممتنعة، نحو: الوجه، واليد، والنزول، والمجئ، ولا يصح إطلاقه البتة، وإن ورد به السمع كان التأويل من اللوازم. والثالث: ما لا يدل على صفاتٍ واجبةٍ ولا ممتنعة، بل يدل على معانٍ ثابتة، نحو: المكر والخداع وأمثالهما. فلا يصح إطلاقه، إلا إذا ورد التوقيف. ولا يقال: يا مكار، يا خداع، البتة، وإن كان مذكورًا، كقوله: (ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ) [آل عمران: ٥٤]. فإن قلت: أليس أن العجم يسمون الله باسمٍ غير وارد، والأمة قد اتفقوا على صحته؟ فنقول: الأصل فيه ألا يصح، وأما اتفاقهم على الصحة، فإنه يدل على كونه واردًا، وأما الوصف فإنه لا يتوقف على التوقيف، فإن مدلول اللفظ لما كان ثابتًا في حق الله تعالى كان وصفه به حقًا، فوجب أن يصح، غير أنه إذا كان موهمًا لما لا يليق بحضرته، فاللازم هو الاحتراز عنه". وقال أيضًا: "المتكلمون قالوا: اللفظ إما أن يدل على نفس الحقيقة من حيث هي هي، كالأرض، والسماء، والحجر، والمدر، فهو الاسم، أو يدل على أنها موصوفة بصفةٍ معينة، نحو: العالم والقادر والخالق والرازق، وهو الصفة". وقلت: هذه القسمة التي ذكرها، والفرق الذي نقله، كله على خلاف رأي الأصحاب. والحق أن الاعتماد في كل ذلك على التوقيف، فكل ما أذن به الشارع أن يدعى به الله عز اسمه - سواء كان مشتقًا أو غير مشتق - فهو اسم، وكل ما نسب إليه تعالى من غير ذلك الوجه - سواء كان مؤولًا أو غير مؤول - فهو وصف، كقوله تعالى: (ولِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى
[ ٦ / ٦٨٠ ]
لما قال: (وَلَقَدْ ذَرَأنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا) [الأعراف: ١٧٩]، فأخبر أنّ كثيرًا من الثقلين عاملون بأعمال أهل النار، أتبعه قوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ).
_________________
(١) فَادْعُوهُ بِهَا وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ). وقوله صلي الله عليه وسلم: "إن الله تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا". وقول الآئمة: يقال: يا رحيم، لا: يا رفيق، ويقال: يا قوي، لا: يا جليد. ولا يقال: يا معلم، يا محب. مثاله حديث سلمان ﵁، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: "الله حيي كريم، يستحيي إذا رفع إليه العبد يده أن يرده صفرًا، حتى يضع فيهما خيرًا"، أخرجه أبو داود والترمذي. فالاسم كريم، والوصف حيي، فيقال: يا كريم، لا: يا حيي. وقوله: "يرده" و"يضع" مما نسب إليه، فيجوز اعتبار لفظهما فحسب، فلا يقال: يا راد، يا واضع، فقس على ذلك، لا على العقل. وقل: "لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". قوله: (لما قال: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا) … أتبعه قوله: (ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ»: ولخص القاضي هاهنا كلام الإمام، حيث قال: "ذكر الله تعالى (ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ)، بعد ما بين أنه خلق للنار طائفةً ضالين ملحدين عن الحق، للدلالة على أنه خلق أيضًا للجنة هادين بالحق، عادلين في الأمر. واستدل به على صحة الإجماع، لأن المراد منه أن
[ ٦ / ٦٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في كل قرنٍ طائفةً بهذه الصفة، إذ لو اختص بعهد الرسول صلي الله عليه وسلم أو غيره، لم يكن لذكره فائدة. فإنه معلوم". وقلت: قد ظهر من كلام المصنف والإمامين، أن قوله تعالى: (وممن خلقنا) عطف على جملة قوله: (ولقد ذرأنا) [الأعراف: ١٧٩]. وقوله: (يهدون بالحق وبه يعدلون)، إذا أخذ بجملته وزبدته، كان كالمقابل لقوله: (لهم قلوبٌ لا يفقهون بها) إلى قوله: (هم الغافلون) [الأعراف: ١٧٩]، وكلتا الآيتين كالنشر لقوله: (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) وهو كالتذييل لحديث بلعام، الذي أوتي آيات الله، والأسماء العظام، فانسلخ منها، ومال إلى الأرض. ولما كانت الآيات تابعةً لتلك المعاني صح أن يكون: (ولِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) [الأعراف: ١٨٠] اعتراضًا. وأما تعلقه بقوله: (أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ) [الأعراف: ١٧٩] فإنه كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله، وعن أسمائه الحسنى. وأرباب الذوق والمشاهدة يجدون ذلك من أرواحهم، لأن القلب، إذا غفل عن ذكر الله، وأقبل على الدنيا وشهواتها، وقع في نار الحرص، ولا يزال يترقى من ظلمةٍ إلى ظلمة، حتى ينتهي إلى دركات الحرمان. وبخلافه إذا انفتح على القلب باب ذكر الله تعالى.
[ ٦ / ٦٨٢ ]
وعن النبي ﷺ: أنه كان يقول إذا قرأها: «هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) [الأعراف: ١٥٩] "، وعنه ﷺ: "إنّ من أمتي قومًا على الحق حتى ينزل عيسى ﵇» وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب. وقيل: هم العلماء والدعاة إلى الدين.
[(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ* أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)].
الاستدراج: استفعالٌ من الدرجة؛ بمعنى: الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة. قال الأعشى:
_________________
(١) قوله: (هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها) يعني: قوله تعالى: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) حاصل لكم، ونازل في شأنكم، فهي مختصة بكم، وقد أعطي القوم الذين سبقكم، يعني: بني إسرائيل، مثل هذه الآية، وهي قوله تعالى: (ومِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) الآية [الأعراف: ١٥٩]، يريد: لا تحملوا هذه الآية على بني إسرائيل، فإن لهم آية أخرى، واردةً في شأنهم. قوله: (إن من أمتي قومًا على الحق) الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن معاوية قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لا يزال من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".
[ ٦ / ٦٨٣ ]
فلو كنت في جبّ ثمانين قامةً … ورقيت أسباب السّماء بسلّم
ليستدر جنك القول حتّى تهرّه … وتعلم أنّى عنكم غير مفحم
ومنه: درج الصبي: إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب: طواه شيئًا بعد شيء، ودرج القوم: مات بعضهم في أثر بعض.
ومعنى (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ): سنستدنيهم قليلًا قليلًا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) ما يراد بهم، وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع انهماكهم في الغيّ،
_________________
(١) قوله: (فلو كنت في جب) البيتين، الجب: البئر. وأسباب السماء: أبوابها. تهره: تكرهه. أفحمت فلانًا: إذا لم يطق جوابك. يقول: لو كنت مثلًا تحت الأرض، أو صعدت في السماء، ما تخلصت مني، ومن هجائي إياك، فإني أستصعدك من تحت الأرض، وأستنزلك من السماء، بقولٍ تكرهه، لتعلم أني غير مفحم من جوابك. يقول: لو كنت مثلًا تحت الأرض، أو صعدت في السماء، ما تخلصت مني، ومن هجائي إياك، فإني أستصعدك من تحت الأرض، وأستنزلك من السماء، بقولٍ تكرهه، لتعلم أني غير مفحم من جوابك. والواو في: "ورقيت" بمعنى "أو"؛ لأنه على وزان قوله تعالى: (فَإنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ) [الأنعام: ٣٥]. قوله: (أن يواتر الله نعمه) أي: يتابع، من الوتيرة، وهي: الطريقة.
[ ٦ / ٦٨٤ ]
فكلما جدّد عليهم نعمة ازدادوا بطرًا وجدّدوا معصية، فيتدرّجون في المعاصي بسبب ترادف النعم، ظانين أنّ مواترة النعم أثرةٌ من الله وتقريب، وإنما هي خذلانٌ منه وتبعيد، فهو استدراج الله تعالى، نعوذ بالله منه.
(وَأُمْلِي لَهُمْ) عطفٌ على (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ)، وهو داخل في حكم السين، (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) سماه "كيدًا" لأنه شبيهٌ بالكيد، من حيث إنه في الظاهر إحسان، وفي الحقيقة خذلان.
_________________
(١) الجوهري: "المواترة: المتابعة، ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة، وإلا فهي مداركة". قوله: (فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم)، يمكن أن يحمل على الاستصعاد، باعتبار نظروهم وزعمهم أن مواترة النعم أثرة من الله، وهو الظاهر، وأن يحمل على الاستنزال، باعتبار الحقيقة؛ فإن الجبلة الإنسانية في أصل الفطرة سليمة، متهيئة لقبول الحق، لقضية "كل مولود يولد على الفطرة"، فهو في يفاع التمكن على الهدى والدين، فإذا أخلد إلى الأرض، واتبع الشهوات، ارتكب المعاصي، فنزل درجةً درجة، إلى أن يصير إلى أسفل السافلين، ومنزل أولئك (كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان: ٤٤]. وإليه يلمح قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) [التين: ٤، ٥]. قوله: (أثرة من الله) من قولهم: استأثر فلان بالشيء: اختص به. والاسم: الأثرة، بالتحريك.
[ ٦ / ٦٨٥ ]
(ما بِصاحِبِهِمْ): بمحمدٍ ﷺ، (مِنْ جِنَّةٍ) من جنون، وكانوا يقولون: شاعرٌ مجنون. وعن قتادة أنّ النبي ﷺ علا الصفا، فدعاهم فخذًا فخذًا، يحذرهم بأس الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يهوّت إلى الصباح.
(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا) نظر استدلال، (فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فيما تدلان عليه من عظم الملك؟ والملكوت: الملك العظيم، (وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف؟
_________________
(١) قوله: (أن النبي صلي الله عليه وسلم علا الصفا) الحديث من رواية البخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عباس: "لما نزلت: (وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، صعد النبي صلي الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي"، لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجاء أبو لهب وقريش. فقال: "أرايتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي، تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ) [المسد: ١] ". قوله: (يهوت)، النهاية: "يهوت، أي: ينادي عشيرته، يقال: هوت بهم وهيت: إذا ناداهم، والأصل فيه حكاية الصوت. وقيل: هو أن يقول: ياه ياه. وهو نداء الراعي لصاحبه من بعد". قوله: (مما يقع عليه اسم الشيء) يعني: قوله تعالى: (من شيء) بيان "ما" في "ما خلق الله"، يعني: إن فيما خلق الله تعالى أشياء ما علق عليها أسماءً ويقع عليها اسم الشيء.
[ ٦ / ٦٨٦ ]
(وَأَنْ عَسى) "أن" مخففةٌ من الثقيلة، والأصل: وأنه عسى، على أن الضمير ضمير الشأن، والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث: عسى (أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) ولعلهم يموتون عما قريب، فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم، قبل مغافصة الأجل وحلول العقاب. ويجوز أن يراد باقتراب الأجل: اقتراب الساعة، ويكون من «كان» التي فيها ضمير الشأن.
فإن قلت: بم يتعلق قوله؛: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: بقوله: (عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ)، كأنه قيل: لعلّ أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت،
_________________
(١) قوله: «وأن عسى): "أن" مخففة من الثقيلة): قال أبو البقاء: "ويجوز أن تكون مصدرية. وعلى الوجهين هو عطف على (ملكوت)، و(أن يكون): فاعل (عسى)، واسم (يكون) مضمر فيها، وهو ضمير الشأن، و(قد اقترب) خبر "كان"، والهاء في (بعده) ضمير القرآن". وقوله: "ويكون من "كان" التي فيها ضمير الشأن": ابتداء كلامٍ لا يختص بقوله: "ويجوز أن يراد". قوله: (مغافصة الأجل)، الأساس: "غافصه الأمر: فاجأه على غرةٍ منه. ووقاك الله غوافص الدهر، أي: حوادثه". قوله: (كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن)، يدل على أن قوله تعالى: (عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) متصل بقوله: (مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إنْ
[ ٦ / ٦٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ)، وأن اتصال: (فبأي حديث) بقوله: (عسى أن يكون) اتصال المسبب بالسبب، لكن على تقدير معطوفات، فإنه قدر للفاء مدخولا آخر، وعطف (فبأي حديث) بالواو عليه. المعنى: أو لم يتفكروا أن الشأن والحديث أن يكون قد اقترب أجلهم، فيسارعوا إلى التفكر في القرآن، والإيمان به. وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق؟ وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا. والذي يدل على أن الكلام في القرآن، وأنه متعلق بالأول، الضمير في قوله تعالى: (بعده)، وأن أصل الكلام في الرسول صلي الله عليه وسلم ونفي الجنون عنه، بما يورده من الوحي، لأن وزان الآية وزان قوله تعالى: (وما صاحبكم بمجنون)، إلى قوله: (إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ) [التكوير: ٢٢ - ٢٧]، والآيات المشابهة لها. وإنما خلط المصنف الكلام بعضه مع بعض، لأن قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ) جاء مقررًا لقوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ). المعنى: أو لم يتجردوا للتفكر في ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء، ليعلموا أن الله ﷿ لم يخلقهم سدى، وإنما خلقهم ليعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وليحصلوا ما به ينالون الزلفى عند الله، ويتخلصوا من عقاب السرمد. ولا يستتب ذلك إلا بإنزال كتاب، وإرسال رسول. فها هو قد أنزل إليكم هذا الكلام المجيد، وأرسل هذا الرسول الكريم، فيتفكروا في أحواله، ليعلموا أنه ليس بمجنون، ولينظروا في أحوال أنفسهم،
[ ٦ / ٦٨٨ ]
وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقِّ؟، وبأي: حديثٍ أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا؟
[(مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ)].
_________________
(١) ليتحقق الأمر. فما هذا التواني والانتظار؟ فانتظروا الفرصة، إذ ليس بعد ذلك حديث مثله، فآمنوا به قبل مغافصة الأجل، وحلول العقاب. فلما كان قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ) تقريرًا لقوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ) متصلًا به، وكان حديثًا في شأن التنزيل والرسول، عطف قوله: (وأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) عليه. روى محيي السنة عن قتادة: أن النبي صلي الله عليه وسلم قام على الصفا ليلًا، فجعل يدعو قريشًا فخذًا فخذًا: "يا بني فلان، يا بني فلان"، يحذرهم بأس الله ووقائعه. فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون. فأنزل الله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم، فقال: (أَوَ لَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ) ليستدلوا به على وحدانيته، (وأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) أي: بعد القرآن. أي: بأي كتابٍ غير ما جاء به محمد يصدقون، وليس بعده نبي ولا كتاب؟ ! ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال تعالى: (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ) [الأعراف: ١٨٦]. قوله: (وبأي حديثٍ أحق منه)، أحق منه: تأويل (بعده). المغرب: "قوله: وإن كان
[ ٦ / ٦٨٩ ]
قرئ: (وَيَذَرُهُمْ) بالياء والنون، والرفع على الاستئناف، و"يذرهم" بالياء والجزم؛ عطفًا على محل (فَلا هادِيَ لَهُ)، كأنه قيل: من يضلل الله لا يهده أحد ويذرهم.
[(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَاتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)].
(يَسْئَلُونَكَ) قيل: إن قومًا من اليهود قالوا: يا محمد، أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيًا، فإنا نعلم متى هي! وكان ذلك امتحانًا منهم، مع علمهم أن الله تعالى قد استأثر بعلمها. وقيل: السائلون قريش. و(السَّاعَةِ) من الأسماء الغالبة، كالنجم للثريا، وسميت القيامة بالساعة، لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها،
_________________
(١) ليس بالذي "لا بعد له"، يعني: ليس بنهاية في الجودة والرداءة، فكأن محمدًا - رحمة الله عليه - أخذ من قولهم: هذا مما ليس بعده غاية في الجودة والرداءة". قوله: (وقرئ: (ويذرهم) بالياء والنون): بالياء: أبو عمروٍ وعاصم. وبالنون: نافع وابن كثير وابن عامر، وحمزة والكسائي: بالياء وجزم الراء. قوله: (أو على العكس): أي: سميت القيامة بالساعة، بناءً على عكس ما هي عليه من الطول، تمليحًا، كما سميت المهمه مفازةً، والأسود كافورًا.
[ ٦ / ٦٩٠ ]
أو لأنها عند الله على طولها كساعةٍ من الساعات عند الخلق.
(أَيَّانَ) بمعنى: متى. وقيل: اشتقاقه من "أي"؛ فعلان منه، لأن معناه: أي: وقتٍ وأي فعل، من: أويت إليه، لأن البعض آوٍ إلى الكل متساندٌ إليه، قاله ابن جني، وأبى أن يكون من «أيان»؛ لأنه زمان، «وأين» مكان. وقرأ السلمى: "إيان" بكسر الهمزة،
_________________
(١) قوله: (أو لأنها عند الله) عطف على قوله: "لوقوعها بغتة"، يعني: سميت القيامة عرفًا بكذا، وعند الله بكذا. والساعة عرفًا: عبارة عن أدني الزمان. قال في قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ) [الروم: ٥٥]: "الساعة: القيامة، سميت بذلك لأنها تقع بغتة، كما تقول: "في ساعة"، لمن تستعجله، وجرت علمًا لها، كالنجم للثريا". قوله: (قاله ابن جني): ذكر ابن جني في "المحتسب": "أما "أيان" بفتح الهمزة: ففعلان، وبكسرها: فعلان، والنون فيهما زائدة، حملًا على الأكثر في زيادة النون، في نحو ذلك. ولم تجعل "فعالًا" من لفظ "أين"، لما يمنع منه كون "أيان": ظرف زمان، و"أين": ظرف مكان. و"أي" هذه من لفظ "أويت" ومعناه: أما اللفظ فإن باب "طويت" و"شويت" أضعاف باب و"أي" هذه من لفظ "أويت" ومعناه: أما اللفظ فإن باب "طويت" و"شويت" أضعاف باب "حييت" و"عييت"، وأما المعنى فإن البعض أو إلى الكل، ومتساند إليه، فأصلها على هذا: "أوى"، ثم قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، فصارت "أي"، كقولك: طويت الكتاب طيًا، وشويت اللحم شيًا". قال أبو البقاء: " (أيان): اسم مبني، لتضمنه معنى حرف الاستفهام، بمعنى "متى"، وهو خبر لـ (مرساها)، والجملة في موضع جر بدلًا من الساعة، أي: يسألونك عن زمان حلول الساعة".
[ ٦ / ٦٩١ ]
(مُرْساها): إرساؤها، أو وقت إرسائها، أي: إثباتها وإقرارها، وكل شيءٍ ثقيل رسوّه ثباته واستقراره. ومنه: رسا الجبل وأرسى السفينة. والمرسى: الأنجر الذي تُرسى به، ولا أثقل من الساعة، بدليل قوله: (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)، والمعنى: متى يرسيها الله، (إِنَّما عِلْمُها) أي: علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به، لم يخبر به أحدًا من ملكٍ مُقرّبٍ ولا نبيّ مرسل، يكاد يخفيها من نفسه، ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أخفى الأجل الخاص، وهو وقت الموت، لذلك (لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ) أي: لا تزال خفية، لا يظهر أمرها ولا يكشف خفاء علمها إلا هو وحده إذا جاء بها في وقتها بغتة، لا يجليها بالخبر عنها قبل مجيئها أحدٌ من خلقه،
_________________
(١) قوله: (ولا أثقل من الساعة): يعني: إنما استعير (مرساها) لإثبات (الساعة) وإقرارها، والرسو إنما يستعمل في الأجسام الثقيلة: كالجبل، وأنجر السفينة، لأن "الساعة" أيضًا ثقيلة في المعنى، ولا أثقل منها. قال الله تعالى: (ويَذَرُونَ ورَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) [الإنسان: ٢٧]. ولهذا قال بعدها: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ) فجعل السموات والأرض ظرفًا لها، تشبيهًا للمعاني بالأجسام. ووجه التشبيه: أن كل شيءٍ لا يطاق ولا يقام له فهو ثقيل، كما صرح به. قوله: «لا يجليها لوقتها إلا هو»، "اعلم أن قوله: (لوقتها) حال من فاعل (يجليها)، واللام فيه - أي: في (لوقتها) - مثلها في قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) وهي للتأقيت. قاله القاضي.
[ ٦ / ٦٩٢ ]
لاستمرار الخفاء بها على غيره إلى وقت وقوعها، (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي: كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة، وبودّه أن يتجلى له علمها، وشق عليه خفاؤها، وثقل عليه، أو ثقلت فيها لأن أهلها يتوقعونها ويخافون شدائدها وأهوالها، أو لأن كل شيءٍ لا يطيقها ولا يقوم لها فهي ثقيلةٌ فيها، (إِلَّا بَغْتَةً): إلا فجأةً على غفلةٍ منكم.
وعن النبي ﷺ: «إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوّم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه».
_________________
(١) قوله: «ثقلت في السماوات والأرض) أي: كل من أهلها): اعلم أن نسبة الثقل إلى السماوات والأرض - كما سبق - معنوي، فإما أن يقدر الأهل أو لا، والأول: الثقل: إما بحسب الاهتمام بشأن معرفتها، وأنها خفية لا تعلم، فيشق عليهم، أو بحسب الخوف من شدائدها، والتقدير: ثقل هم معرفتها، أو خوف إرسائها على أهل السماوات والأرض. و(في) هاهنا كما هي في قوله تعالى: (ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه: ٧١]، ولذلك قال: "شق عليه". والثاني: معنى الثقل: هو أن نفس السماوات والأرض لا تطيقها، فإن السماوات تنشق عند نزولها، والأرض ترجف، والجبال تنهد. قوله: (وبوده أن يتجلى له): يقال: بودي أن أفعل كذا، أي: أتمنى، والباء زائدة، مثلها في: "بحسبك أن تفعل كذا"، وهو مبتدأ وخبر. والجملة معطوفة على خبر "كل" وهو "أهمه". قوله: (إن الساعة تهيج بالناس): روينا عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد
[ ٦ / ٦٩٣ ]
(كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها): كأنك عالمٌ بها، وحقيقته: كأنك بليغٌ في السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه، استحكم علمه فيه ورصن، وهذا التركيب معناه المبالغة، ومنه: إحفاء الشارب، واحتفاء البقل: استئصاله، وأحفى في المسألة، إذا ألحف، وحفي بفلانٍ وتحفى به: بالغ في البرّ به. وعن مجاهد: استحفيت عنها السؤال حتى علمت. وقرأ ابن مسعود: "كأنك حفيّ بها"، أي: عالمٌ بها بليغٌ في العلم بها. وقيل: (عَنْها) متعلقٌ بـ (يسئلونك)، أي: يسألونك عنها كأنك حفيٌّ- أي: عالم- بها.
_________________
(١) انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي منه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها" أخرجه البخاري ومسلم. قوله: «كأنك حفى عنها): كأنك عالم بها): اعلم أن (عنها) في قوله تعالى: (يسألونك كأنك حفى عنها) إما أن يتعلق بقوله: (حفى) أو (يسألونك). فإذا علق بـ (حفى) يكون كنايةً عن علمٍ رصين، لأن معنى (حفى عنها): بليغ في السؤال عن الساعة. وفيه تضمين معنى السؤال، ودلت المبالغة في المسالة عن الشيء على حصول ذلك الشيء على سبيل الاستحكام. قال الزجاج: "كأنك أكثرت المسألة عنها". المعنى: يظن اليهود أنك مبالغ في السؤال عن الساعة، حتى منحك الله علمها، فيسألون: أيان ذلك؟
[ ٦ / ٦٩٤ ]
وقيل: إن قريشًا قالوا له: إن بيننا وبينك قرابة، فقل لنا متى الساعة؟ فقيل: يسألونك عنها كأنك حفيٌّ تتحفى بهم، فتختصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة، وتزوي علمها عن غيرهم، ولو أُخبرت بوقتها لمصلحةٍ عرفها الله في إخبارك به، لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص، كسائر ما أوحي إليك.
وقيل: كأنك حفيٌّ بالسؤال عنها تحبه وتؤثره، يعنى أنك تكره السؤال عنها، لأنها من علم الغيب الذي استأثر الله به، ولم يؤته أحدًا من خلقه.
_________________
(١) هذا معنى قول مجاهد: "استخفيت عنها السؤال، حتى علمت"، لأن "حتى" للتدرج. وقراءة ابن مسعود: "كأنك حفي بها" لأنه ضمنه معنى العلم الذي هو بمعنى الإحاطة، كقوله: (وأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق: ١٢]، وعداه بالباء. وأما إذا علق (عنها) بـ (يسألونك)، فمتعلق (حفى) إذا الباء المقدرة. ثم لا تخلو (حفى) إما أن تضمن معنى العلم مع الباء المقدرة، كقراءة ابن مسعود، وهو المراد بقوله: " (يسألونك كأنك حفى عنها): أي عالم بها"، وإما أن تجعل من قولهم: حفي بفلان، وتحفى به: بالغ في البر به، ثم مدخول الباء إما ضمير السائل فهو المراد من قوله: " (كأنك حفى عنها): تتحفى بهم، فتختصهم بتعليم وقتها"، أو ضمير السؤال، وهو المراد من قوله: "كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتختاره". قال الزجاج: "كأنك فرح بسؤالهم، يقال: تحفيت بفلان في المسألة: إذا سألت سؤالًا أظهرت فيه المحبة والبر به". قال أبو البقاء: " (حفي عنها) فيه وجهان: أحدهما تقديره: (يسألونك كأنك حفي عنها)،
[ ٦ / ٦٩٥ ]
فإن قلت: لم كرر (يسئلونك) و(إنما علمها عند الله)؟ قلت: للتأكيد، ولما جاء به من زيادة قوله: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها)، وعلى هذا تكرير العلماء الحذاق في كتبهم، لا يخلون المكرر من فائدةٍ زائدة، منهم محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله، (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنه العالم بها، وأنه المختص بالعلم بها.
[(قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)].
(قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي) هو إظهارٌ للعبودية، والانتفاء عما يختص بالربوبية من علم الغيب، أي: أنا عبدٌ ضعيفٌ لا أملك لنفسي اجتلاب نفعٍ ولا دفع ضررٍ كما المماليك والعبيد، (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) ربي ومالكي من النفع لي والدفع عني، (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) لكانت حالي على خلاف ما هي عليه، ومن استكثار الخير، واستغزار المنافع،
_________________
(١) أي: معني بطلبها، فقدم وأخر. والثاني: أن "عن" بمعنى الباء، أي: حفي بها، و(كأنك) حال من المفعول. (حفي) بمعنى "محفو)، و"فعيل" بمعنى: فاعل". قوله: (لا يخلون المكرر من فائدةٍ): قال في "الانتصاف": "وفي التكرير نكتة لا توجد إلا في القرآن، فإنه إذا بني الكلام على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، وأريد الرجوع لتتمة المقصد الأول، وقد بعد، طري لتتصل النهاية بالبداية، فإنه تعالى ابتدأ بقوله: (يسألونك عن الساعة)، وطال الكلام، إلى قوله: (بغتة)، وأراد إنكار سؤالهم بوجه آخر، هو قوله: (كأنك حفي) وتعلقه قوي بالسؤال، فطري، وغالب التطرية بإجمال، ولهذا قال: (يسألونك) ولم يذكر "الساعة"، اكتفاءً بما تقدم، وأعاد: (إنما علمها عند الله) مجملًا".
[ ٦ / ٦٩٦ ]
واجتناب السوء والمضارّ، حتى لا يمسني شيء منها، ولم أكن غالبًا مرة ومغلوبًا أخرى في الحروب، ورابحًا وخاسرًا في التجارات، ومصيبًا مخطئًا في التدابير، (إِنْ أَنَا إِلَّا) عبدٌ أُرسلت نذيرًا وبشيرًا، وما من شأني أني أعلم الغيب، (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يجوز أن يتعلق بـ"النذير" و"البشير" جميعًا، لأن النذارة والبشارة إنما تنفعان فيهم، أو يتعلق بـ"البشير" وحده ويكون المتعلق بـ"النذير" محذوفًا، أي: إلا نذيرٌ للكافرين، وبشيرٌ لقومٍ يؤمنون.
[(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ* فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)].
(مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) وهي نفس آدم ﵇، (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) وهي حواء، خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه، أو من جنسها كقوله: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا) [النحل: ٧٢]، (لِيَسْكُنَ إِلَيْها): ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس، وإذا كانت بعضًا منه كان السكون والمحبة أبلغ،
_________________
(١) قوله: (ولم أكن غالبًا مرةً، ومغلوبا أخرى في الحروب): قلت: ومن ثم سأل هرقل أبا سفيان، على ما روينا عن البخاري ومسلم: هل قاتلتموه؟ قال: قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالًا: يصيب منا، ونصيب منه. قال: كذلك الرسل، تبتلى، ثم تكون لها العاقبة.
[ ٦ / ٦٩٧ ]
كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعةً منه، وقال: (لِيَسْكُنَ) فذكر بعد ما أنث في قوله: (واحدةٍ)، (منها زوجها)، ذهابًا إلى معنى "النفس" ليبين أن المراد بها آدم، ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقًا للمعنى.
والتغسي: كنايةٌ عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان، (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) خف عليها، ولم تلق منه ما يلقى بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى، ولم تستثقله كما يستثقلنه، وقد تسمع بعضهن تقول في ولدها: ما كان أخفه على كبدي حين حملته!
_________________
(١) قوله: (بضعة منه)، الجوهري: "البضعة: القطعة من اللحم، هذه بالفتح، وأخواتها بالكسر، مثل: القطعة والفلذة". قوله: (فكان التذكير أحسن طباقًا): قيل: لو أنث الضمير في (ليسكن) لتوهم أن فاعله ضمير الزوج، والضمير المجرور للنفس، وأدى إلى أن الأنثى هي التي تسكن إلى الذكر، والشأن خلافه، وقلت: وفيه نظر. وإنما عطف المصنف "ويتغشاها" على "ويسكن" ليؤذن بالبيان والتفسير. والسكون على هذا الوجه غير السكون على الأول، لأنه كالمقدمة للجماع، وما به يتوصل الرجل إلى ما يريده من المرأة. فالفاء في (فلما تغشاها) للتعقيب، كقوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]، فذكر الضمير مراعاةً للفظ والمعنى.
[ ٦ / ٦٩٨ ]
(فَمَرَّتْ بِهِ) فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداجٍ ولا إزلاق.
وقيل: (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) يعني: النطفة، (فَمَرَّتْ بِهِ) فقامت به وقعدت. وقرأ ابن عباسٍ ﵁: "فاستمرت به"،
_________________
(١) وفائدة هذا الوجه: بيان المقصود الأول من الازدواج للتوالد والتناسل، حيث أوقع الغشيان ومقدمته، أي: السكون، علة للجعل. ومن عنده أدنى مسكةٍ يعلم أن الجماع غير مطلوب بالذات، وإنما هو ذريعة إلى تكثير نوع الإنسان، فظهر من هذا أن عطف (فلما تغشاها) على (ليسكن) مانع عن أن يحمل "السكون" على الأنثى. قوله: (إلى وقت ميلاده)، وهو من إضافة العام إلى الخاص، نحو: كل الدراهم، لأن الميلاد هو "اسم الوقت الذي ولد فيه، والمولد: الموضع الذي ولد فيه". قاله الجوهري. وأما في "الأساس" فهما سيان، قال: "مولده وميلاده: وقت كذا". قوله: (من غير إخداجٍ)، الأساس: "ناقة خادج: ألقت ولدها قبل الوقت، وإن تم خلقه. ومخدج: جاءت به ناقص الخلق، وإن كان لوقته". قوله: (ولا إزلاق)، الأساس: "ومن المجاز: أزلقت الرمكة: أسقطت، وهي مزلاق، وولدها زليق". قوله: «فمرت به): فقامت به وقعدت): قال الزجاج: " (فمرت به)، معناه: استمرت به، قعدت وقامت، فلم يثقلها". ومن ثم عقبه المصنف بقراءة ابن عباس: "واستمرت به".
[ ٦ / ٦٩٩ ]
وقرأ يحيى بن يعمر: "فمرت به" بالتخفيف، وقرأ غيره، "فمارت به"؛ من المرية، كقوله: (أَفَتُمارُونَهُ) [النجم: ١٢]، و"أفتمرونه". ومعناه: فوقع في نفسها ظن الحمل، وارتابت به. (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ): حان وقت ثقل حملها، كقولك: أقربت. وقرئ: "أثقلت"، على البناء المفعول: أي: أثقلها الحمل، (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما): دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يُدعى ويلتجأ إليه، فقالا: (لَئِنْ آتَيْتَنا): لئن وهبت لنا،
_________________
(١) قال ابن جني: "معنى "استمرت به": مرت مكلفةً نفسها ذلك، لأن "استفعل" إنما يأتي في أكثر الأمر للطلب". قوله: (وقرأ غيره: "فمارت به"): قال ابن جني: "وهي قراءة عبد الله بن عمرو. وهو من: مار يمور: إذا ذهب وجاء. والمعنى واحد. ومنه سمي الطريق مورًا، للذهاب والمجيء عليه". وقال: "أصل قراءة يحيي بن يعمر: (فمرت به) مثقلًا، كقراءة الجماعة، فحذف تخفيفًا لثقل التضعيف، ومنه قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) [الأحزاب: ٣٣] إذا أخذ من القرار. ومنه: "ظلت"، و"مست"، في: ظللت، ومسست". وهذا الذي ذكره ابن جني أوفق للمشهورة مما ذكره المصنف. قوله: (ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه): يريد أنهم إذا حزبهم أمر خطير دعوا الله. وأما تخصيص الرب بالدعاء فللاستعطاف، ولهذا قال: "ومالك أمرهما".
[ ٦ / ٧٠٠ ]
(صالِحًا): ولدًا سويًا قد صلح بدنه وبريء. وقيل: ولدًا ذكرًا، لأن الذكورة من الصلاح والجودة. والضمير في (آتَيْتَنا) و(لَنَكُونَنَّ) لهما ولكل من يتناسل من ذرّيتهما.
(فَلَمَّا آتاهُما) ما طلباه من الولد الصالح السويّ، (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ) أي: جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك (فِيما آتاهُما) أي: آتى أولادهما، وقد دلّ على ذلك بقوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك، ومعنى "إشراكهم فيما آتاهم الله": تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك، مكان: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم.
_________________
(١) قال المصنف في قوله تعالى: (بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ) [الناس: ١، ٢]: "كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ووالي أمرهم". قوله: «جعلا له شركاء) أي: جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف): روى محيي السنة هذا القول عن الحسن وعكرمة، وقال: "فحذف الأولاد، وأقامهما مقامهم، كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء، فقال: (ثم اتخذتم العجل) [البقرة: ٥١، ٩٢] (وإذ قتلتم نفسًا) [البقرة: ٧٢] ". وقال الزجاج: "والذي عليه التفسير أن إبليس جاء إلى حواء، فقال: أتدرين ما في بطنك؟ فقالت: لا أدري! قال: فلعله بهيمة! ثم قال: إن دعوت الله أن يجعله إنسانًا، أتسمينه باسمي؟ فسمته عبد الحارث، وهو الحارث".
[ ٦ / ٧٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وروى نحوه محيي السنة عن ابن زيد، وروى أيضًا عن عكرمة أنه قال: "خاطب كل واحدٍ من الخلق بقوله: (خلقكم)، أي: خلق كل واحدٍ من أبيه، وجعل من جنسه زوجه". قال محيي السنة: "وهذا قول حسن، لولا قول السلف، مثل عبد الله بن عباس، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، وجماعةٍ من المفسرين: إنه في آدم وحواء". وقلت: ما أقول: إن قول السلف أحسن الأقوال، لأنه لا قول غيره، ولا معول إلا عليه، لأنه مقتبس من مشكاة النبوة، وحضرة الرسالة صلوات الله وسلامه عليه على ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لما حملت حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث، فسمته، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره". قال محيي السنة: "لم يكن هذا إشراكًا في العبادة، ولا أن الحارث ربهما، فإن آدم ﵇ كان نبيًا معصومًا من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد، وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما أن اسم الرب يطلق على
[ ٦ / ٧٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) من لا يراد أنه معبود. فعلى هذا قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) ابتداء كلام، وأراد به إشراك أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق، فمستقيم من حيث كان الأولى بهما ألا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم". وقلت: يدفع هذا قوله تعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا)، فإنه في الأصنام قطعًا، بل القول: إنه ابتداء كلام، وتمام تقريره أن يقال: إن قوله تعالى: (خلقكم من نفسٍ واحدةٍ) كلام وارد على النفس الواحدة وزوجها، مضمن للامتنان عليهما، وطلب الشكر، والتفادي عن الكفران، ولإلزامهما على أنفسهما الشكر، على سبيل المبالغة، على ما دل عليه قوله تعالى: (من الشاكرين) أي: من زمرتهم. وقوله تعالى: (فلما أتاهما صالحًا جعلا له شركاء) الجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها بالفاء، وجملة الكلام مفرغ في قالب واحد، على سنن قوله تعالى: (وتجعلون رزقكم) - أي: شكر رزقكم - (أنكم تكذبون) [الواقعة: ٨٢]. فلو أجري (جعلا له) على غير ما أجري عليه الأول، لاختل النظام، وفات المقصود من الإيراد. وأما الهرب من إثبات ذلك الشرك لآدم وحواء فبعيد من البليغ المحيط بأساليب البلاغة، فإن باب التشديد والتغليظ غير مسدود، وإنما لزم الفساد أن لو حمل على الشرك الحقيقي. وأما جمع الضمير في (عما يشركون) فإن الفاء السببية التي تستحق أن تسمى بالفاء الفصيحة في قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) تقتضي أن يجري الكلام على مشركي مكة، لأنها مع متعلقها المحذوف كالتخلص من قصة آدم وحواء، إلى توبيخ المشركين،
[ ٦ / ٧٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) على ما أشار إليه محيي السنة بقوله: "ابتداء كلام، وأراد به إشراك أهل مكة". يعني إذا كان الأمر على ما ذكر، وهو مثل هذه التسمية التي لها محامل كثيرة في التبري عن الشرك، مأخوذًا على أبي البشر، ومسمى بالشرك، فما بال فعل هؤلاء المشركين، من تسمية الحجر والخشب بالآلهة، والعكوف على عبادتها، وتصريح اسم الشركاء عليها؟ (فتعالى الله عما يشركون). ثم ابتدئ مبينًا موبخًا: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون) إلى آخر الآيات الواردة في الأصنام. هذا، وإن هذه السورة الكريمة: من مفتتحها إلى مختتمها، مفرغة في قالبٍ واحد، على نمطٍ عجيب، وأسلوبٍ غريب، لأنه تعالى افتتحها بقوله: (الّمص * كِتَابٌ أُنزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) [الأعراف: ١ - ٢] نهاه صلوات الله وسلامه عليه عن ضيق الصدر، والتحرج عما كان يلقى من المشركين من أنواع الأذى، لئلا يتوانى في التبليغ والإنذار، ثم قص عليه قصص الأنبياء الماضية، والقرون السالفة، وما كان مغبة تكذيبهم، وعاقبة صبر الأنبياء، تشجيعًا له، وتثبيتًا لقلبه: (وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ). ثم ختم قصص الأنبياء بذكر موسى ﵇ وأطنب في أحوال أمته، إلى أن انتهت إلى قصة بلعام وأحواله، وكانت قصته شبيهة بقصة اليهود الذين أدركوا زمن الرسول صلي الله عليه وسلم وآذوه، وأورد قوله: (سَاءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف: ١٧٧] على ما سبق. فكر راجعًا إلى ما بدئت به السورة، من: تكذيب القوم، وإعراضهم
[ ٦ / ٧٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عن آيات الله، وما كان يتحرج منه صدره صلوات الله عليه من قوله تعالى: (والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)، وقوله: (يسألونك عن الساعة) أي: يسألونك أيان مرساها؟ مقترحين، فلا تبال بهم، وأجب عن سؤالهم وأنت منشرح الصدر: (إنما علمها عند ربي) إلى آخر نيفٍ وعشر آيات، على طريقة الأسلوب الحكيم. وتحريره: أني ما بعثت لأن أكشف لكم عن أيان الساعة، لأنه من الأمور الإلهية، لا إطلاع لي عليه، (لا يجليها لوقتها إلا هو)، (إن أنا إلا نذير وبشير)، وإنما بعثت لأكشف لكم عن الاستعداد لها، والعمل بما ينفعكم، ومما هو أهم الأشياء، وأدعى إليه أن أكشف لكم عن قبح ما أنتم فيه من الشرك بالله، وأوقفكم (إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]. ألا ترون إلى أبيكم حين سمى بعض بنيه بما يتوهم منه أنه أدنى الشرك، كيف نعى عليه، وسجل بقبحه؟ فكيف بما تفعلون أنتم؟ وهلم جرًا إلى آخر الآيات. ومن هذا الأسلوب ما رويناه عن البخاري ومسلم عن أنس: أن رجلًا سأل النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ما أعددت لها؟ " فكأن الرجل استكان، ثم قال: ما أعددت لها كثير صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت"، وفي رواية: قال أنس: "ما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﵊: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فأنا أحب النبي صلي الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم.
[ ٦ / ٧٠٥ ]
ووجهٌ آخر، وهو أن يكون الخطاب لقريشٍ الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ، …
_________________
(١) الاستكانة: الذل والخضوع. وقلت - والعلم عند الله -: انظر إلى هذا العلاج الصائب لمرضى القلوب، فإن الطبيب الحاذق قد يحتاج في علاجه إلى تدبير دفع الأخلاط الرديئة، لإزالة المرض، وقد يحتاج إلى تدبير حفظ الصحة فقط. والمشركون لما سألوا عن وقت الساعة، ولم يكن أهم شيءٍ إلا قلع الشرك، فقيل: (هو الذي خلقكم) إلى آخر الآيات، أدرج في الجواب الحكيم معرفة المسؤول عنه، وأنها مما استأثر الله تعالى بها. ولم يحتج في جواب الصحابي إلى هذا القدر، فلم يذكر. يعني: أنك بصدد أن يجب عليك ألا يخطر ببالك هذا، لأنك ممن يؤمن أن علم ذلك مختص بالله تعالى. وأما إزالة الشرك فإنك قد فرغت منها، بقي عليك ما يخلصك من أهوال يوم القيامة من العمل، "فما أعددت لها؟ " فأجاب هو أيضًا بالكلمة الحكيمة الجامعة: لكني أحب الله ورسوله. فانظر إلى هذه الرموز التي تحير العقول! قوله: (ووجه آخر، وهو أن يكون الخطاب لقريشٍ): روى محيي السنة عن ابن كيسان: "هم الكفار، سموا أولادهم: عبد العزى، وعبد اللات، وعبد مناة". وقال صاحب "الانتصاف": "وأقرب من هذين التفسيرين أن يراد جنسا الذكر والأنثى، من غير قصدٍ إلى معينٍ معلوم. أي: خلقكم جنسًا، وجعل أزواجكم منكم، لتسكنوا إليهن. فلما تغشى الجنس جنسه الآخر، جرى من هذين الجنسين كذا وكذا.
[ ٦ / ٧٠٦ ]
وهم آل قصي،
_________________
(١) ويجوز إضافة الكلام إلى الجنس، تقول: "قتل بنو تميم فلانًا"، ومثله قوله تعالى: (ويَقُولُ الإنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ) [مريم: ٦٦]، (قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس: ١٧]، (إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: ٢]. وعلى التفسير الأول أضاف الشرك إلى أولاد آدم وحواء، وهو واقع من بعضهم، وعلى الثاني أضافه إلى قصي وعقبه، وأراد بعضهم، ويسلم بهذا من حذف المضاف اللازم للأول، ومن استبعاد إرادة قصي بهذا. والظاهر من قوله: (ليسكن إليها) أن المراد الجنس". تم كلامه. قلت: إن لزم من التفسيرين ما ذكر من المحذوف، لزم من تفسيره أيضًا إجراء جميع ألفاظ الآية على الأوجه البعيدة. والتأويل ما نص عليه من أوحي إليه التنزيل، كما سبق بيانه. والله أعلم. قوله: (وهم آل قصي) أي: الذين كانوا في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم آل قصي، أي: أولاده، يدل عليه قوله: "ويراد هو الذي خلقكم من نفس قصي"، والأقرب ما ذكره في الأنعام: "قال أبو جهلٍ: إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ " لأنه دل على أن قصيًا من قريش. قال محمد بن هشام صاحب "السير": النضر بن كنانة قريش، فمن كان من ولده فهو
[ ٦ / ٧٠٧ ]
ألا ترى إلى قوله في قصة أم معبد:
فَيَا لَقُصَيّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ … بِهِ مِنْ فَخَارٍ لَا يُبَارَى وَسُؤدَدِ
_________________
(١) قرشي، وإلا فلا، وقيل: من كان من ولد فهر بن مالك بن النضر فهو قرشي، وسمي قريش لتجمعها من تفرقها، كذا في "جامع الأصول". وفي "الجامع" أيضًا: قيل: أول من سمي قريشًا قصي، وفيه بعد، والأكثر الأول، وقال محمد بن هشام: كان قصي أول من بني كعب ابن لؤي أصاب ملكًا أطاع به قومه، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة واللواء، فحاز شرف مكة كله. قوله: (في قصة أم معبد): هذه القصة مذكورة في "شرح السنة"، و"الاستيعاب" لابن عبد البر، وكتاب "الوفا" لابن الجوزي. ونحن نورد رواية "شرح السنة". قال: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم حين أخرج من مكة، خرج مهاجرًا إلى المدينة هو وأبو بكر ﵁ وعامر وعبد الله بن أريقط، فنزلوا خيمة أم معبد، فرأى رسول الله صلي الله عليه وسلم شاةً خلفها الجهد عن الغنم، فدعا بها رسول الله صلي الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها، وسمى الله،
[ ٦ / ٧٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ودعا لها، فتفاجت عليه، ودرت، فدعا بإناء، فحلب فيه ثجًا، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيها ثانيًا، ثم غادره عندها وارتحلوا. فجاء زوجها، فذكرت القصة. قال أبو معبد: هو، والله، صاحب قريشٍ الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر! فأصبح صوت بمكة عاليًا، يسمعون الصوت، ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين قالا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى واهتدت به … فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيا لقصي ما زوى الله عنكم … به من فعالٍ لا يجازى وسؤدد ليهن بني كعبٍ مقام فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاةٍ حائل فتحلبت … عليه صريحًا ضرة الشاة مزبد فغادرها رهنًا لديها لحالبٍ … يرددها في مصدرٍ ثم مورد
[ ٦ / ٧٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال: والصوت صوت مسلم الجن، أقبل من أسفل مكة، حتى خرج بأعلاها". وزاد ابن عبد البر: "فلما سمع ذلك حسان بن ثابت، أجاب: لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم … وقدس من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قومٍ فضلت عقولهم … وحل على قومٍ بنورٍ مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم … وأرشدهم، من يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلال قومٍ تسفهوا … عما يتهم، هادٍ به كل مهتد لقد نزلت منه على أهل يثربٍ … ركاب هدىً حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله … ويتلو كتاب الله في كل مشهد وإن قال في يومٍ مقالة غائبٍ … فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده … بصحبته، من يسعد الله يسعد ليهن بني كعبٍ مقام فتاتهم … ومسعدها للمؤمنين بمرصد"
[ ٦ / ٧١٠ ]
ويراد هو الذي خلقكم من نفس قصيّ، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشيةً ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السويّ جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد منافٍ، وعبد العزى، وعبد قُصيٍّ، وعبد الدار، وجعل الضمير في (يُشْرِكُونَ) لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وهذا تفسير حسنٌ لا إشكال فيه.
وقرئ: (شركًا)، أي: ذوي شرك، وهم الشركاء، أو أحدثا لله إشراكًا في الولد.
_________________
(١) قال المصنف في "الفائق": "معنى البيت: تعالوا يا قصى، لنتعجب منكم فيما أغفلتموه من حظكم، وأضعتموه من عزكم، بعصيانكم رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإلجائكم إياه إلى الخروج من بين أظهركم". "ما": مبتدأ بمعنى الذي، والخبر: "من فخار"، و"لا يجازى": صفته، ويروى: "لا يبارى"، زوى فلان المال عن وارثه. والضمير في "به" لرسول الله صلي الله عليه وسلم، والباء للسببية. "لا يبارى"، من: باريت الرجل: إذا فعلت مثل فعله. المعنى: تعالوا، يا لقصي، لتتعجب منكم من فوت أمرٍ عظيم، وفخارٍ لا يدرك، بسبب رحلة الرسول صلي الله عليه وسلم من عندكم. قوله: (عبد قصي، وعبد الدار) أضاف قصي ولديه إلى صنميه: مناف والعزى، وواحدًا إلى نفسه، وآخر إلى داره، وهي دار الندوة. قوله: (وقرئ: "شركًا") بكسر الشين وسكون الراء: نافع وأبو بكر.
[ ٦ / ٧١١ ]
[(أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ* وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ* وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ)].
أُجريت الأصنام مجرى أولي العلم في قوله: (وَهُمْ يُخْلَقُونَ)، بناءً على اعتقادهم فيها وتسميتهم إياها آلهة. والمعنى: أيشركون ما لا يقدر على خلق شيءٍ كما يخلق الله، وهم يخلقون؟ لأن الله ﷿ خالقهم، أو: لا يقدر على اختلاق شيء، لأنه جماد، وهم يُخلقون؛ لأن عبدتهم يختلقونهم، فهم أعجز من عبدتهم، (وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ): لعبدتهم، (نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) فيدفعون عنها ما يعتريها من الحوادث، بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.
_________________
(١) قال الزجاج: " (شركًا) مصدر: شركت الرجل أشركه شركًا، أي: جعلا له ذا شرك". قوله: (أو لا يقدر على اختلاق شيء)، الجوهري: "خلق الإفك، واختلقه، وتخلقه: إذا افتراه، يقال: هذه قصيدة مخلوقة، أي: منحولة إلى غير قائلها". وإنما قدر: "لا يقدر على خلق شيء" لتطابق قرينتها: (ولا يستطيعون لهم نصرًا)، وهذا أبلغ مما لو قيل: ما لا يخلق شيئًا ولا ينصرهم. قوله: (ويحامون عليهم)، الجوهري: "حاميت على ضيفي: إذا احتفلت له". قال الشاعر: حاموا على أضيافهم فشووا لهم
[ ٦ / ٧١٢ ]
(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ): وإن تدعوا هذه الأصنام (إِلَى الْهُدى) أي: إلى ما هو هدىً ورشاد، وإلى أن يهدوكم. والمعنى: وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير والهدى، (لا يتبعوكم) إلى مرادكم وطلبتكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله، ويدلُّ عليه قوله: (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [الأعراف: ١٩٤].
(سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ) أم صمتم عن دعائهم، في أنه لا فلاح معهم.
_________________
(١) قوله: (وإلى أن يهدوكم) عطف تفسيري على قوله: "إلى ما هو هدى". وفي رواية: "أو إلى أن يهدوكم" يعني: يجوز أن يحمل الهدى على الرشاد، وهو الدلالة الموصلة إلى البغية، وأن يحمل على مجرد الدلالة. والظاهر الأول، يدل عليه قوله: "وإن تطلبوا منهم الهدى كما تطلبون من الله الخير والهدى، (لا يتبعوكم) إلى مرادكم". قوله: (يدل عليه قوله: (فادعوهم) أي: على أن معنى (لا يتبعوكم): لا يجيبوكم كما يجيبكم الله، ويمكن أن يراد: والدليل على أن الضمير في (وإن تدعوهم إلى الهدى) للأصنام، والخطاب للمشركين، وأن المعنى: لا يجيبوكم كما يجيبكم الله، وفيه إشارة إلى ترجيح هذا القول على قول من قال: إن الضمير للمشركين، والخطاب مع المسلمين. ذكر الواحدي ومحيي السنة ما ينبئ عن هذا. وتقرير الاستدلال أن قوله: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم)، المراد منهم: الأصنام، بالاتفاق، وهو وارد على التعليل السابق، بدليل كلمة (إن)، وقوله: (فادعوهم فليستجيبوا لكم) مرتب عليه ترتب الحكم على الوصف المناسب، وفيه معنى الدعاء والاستجابة، ولو أريد به غير ما فسر لاختل النظم.
[ ٦ / ٧١٣ ]
فإن قلت: هلا قيل: أم صمتم؟ ولم وضعت الجملة الاسمية موضع الفعلية؟ قلت: لأنهم كانوا إذا حزبهم أمرٌ دعوا الله دون أصنامهم، كقوله: (وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ) [الروم: ٣٣]، فكانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعوتهم، فقيل: إن دعوتموهم لم تفترق الحال بين إحداثكم دعاءهم، وبين ما أنتم عليه من عادة صمتكم عن دعائهم.
[(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ)].
(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله (عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) وقوله: (عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) استهزاءٌ بهم، أي: قصارى أمرهم أن يكونوا أحياءً عقلاء، فإن ثبت ذلك فهم عبادٌ أمثالكم لا تفاضل بينكم، ثم أبطل أن يكونوا عبادًا أمثالهم فقال: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها)
_________________
(١) وقوله: (لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر): تلخيصه: أن قوله: (أدعوتموهم): جملة فعلية تدل على التجدد، وقوله: (أنتم صامتون) اسمية تدل على الثبوت والاستمرار، فعطفت لإرادة التجدد في الأولى، والثبات في الثانية؛ لأن كونهم صامتين عن دعوة الأصنام، إذا نابهم بلاء أو محنة، ثابت مستمر، ما شهد منهم قط أنهم: إذا ألم بهم نازلة دعوا الأصنام، بل (دعوا الله مخلصين له الدين). وفي معنى الآيتين التقابل، لأن التقدير: إن تطلبوا منهم الخير والهدى لا يتبعوكم إلى مرادكم، وإن تطلبوا منهم أن يدفعوا عنكم الشر، لا يجيبوكم البتة، ولذلك أنتم صامتون عن دعائهم، فأدمج في الكلام بطريق المفهوم اضطرارهم إلى الله، والتجاءهم إليه، تتميمًا لذم آلهتهم.
[ ٦ / ٧١٤ ]
وقيل: (عبادٌ أمثالكم): مملوكون أمثالكم. وقرأ سعيد بن جبير: "إن الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم" بتخفيف "إن"، ونصب "عبادًا أمثالكم"، والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم، على إعمال «إن» النافية عمل «ما» الحجازية، (قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ) واستعينوا بهم في عداوتي، (ثُمَّ كِيدُونِ) جميعًا أنتم وشركاؤكم، (فَلا تُنْظِرُونِ) فإني لا أُبالي بكم، ولا يقول هذا إلا واثقٌ بعصمة الله، وكانوا قد خوّفوه آلهتهم فأمر أن يخاطبهم بذلك، كما قال قوم هودٍ له: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) [هود: ٥٤] فقال لهم: (أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) [هود: ٥٥].
_________________
(١) قوله: (وقرأ سعيد بن جبير: "إن الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم"). قال أبو البقاء: " (إن) النافية لا تعمل عند سيبويه، وخالفه المبرد". قال ابن جني: " (إن) هذه بمنزلة "ما"، أي: ما الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم، فأعمل "إن" إعمال "ما" الحجازية، وفيه ضعف، لأن "إن" هذه لم تختص بنفي الحاضر اختصاص "ما" به، فتجري مجرى "ليس" في العمل، المعنى: إن هؤلاء الذين تدعون من دون الله إنما هي حجارة، فهم أقل منكم، لأنكم عقلاء، وهي جماد، فكيف تعبدون ما هو دونكم؟ فإن قلت: كيف تصنع بقراءة الجماعة: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم)، إذ التقدير: أنهم مخلوقون كما أنتم أيها العباد مخلوقون؟ فكيف أثبت في هذه ما نفاه في تلك؟ ".
[ ٦ / ٧١٥ ]
[(إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ* وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ)].
(إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ) أي: ناصري عليكم الله، (الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ): الذي أوحى إليَّ كتابه، وأعزني برسالته، (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ): ومن عادته أن ينصر الصالحين من عباده وأنبيائه ولا يخذلهم.
_________________
(١) قلت: يجوز أن يكون الإخبار في قراءة الجماعة بمعنى الإنكار، كما سبق في قوله تعالى حكايةً عن فرعون: (آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) [الأعراف: ١٢٣]، فيحسن حينئذ ترتب قوله: (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ)، أي: ليسوا أمثالكم، فجربوهم بالدعاء ليستجيبوا لكم إن كانوا أمثالكم. ويكون الاستفهام في قوله تعالى: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا) للإنكار وتقرير عدم المساواة. قوله: (وأعزني برسالته) هو عطف تفسيري على قوله: "أوحى إلى كتابه"، يعني قوله تعالى: (نزل الكتاب) وضع موضع: أرسلني رسولًا، لأن النبي: صاحب المعجزة، والرسول: الذي جمع بين المعجزة والكتاب. وقلت: يمكن أن يكشف عنه بأبسط من هذا، وأن يقال: إنما خص وصف اسم الذات في هذا المقام بإنزال الكتاب، وجعلت الآية تعليلًا لقوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ) للدلالة على تفخيم أمر المنزل، وأنه الفارق بين الحق والباطل، وأنه القامع لضلالات الكفر، والمجلي لظلمات الشرك، والمفحم لألسن أرباب البيان، المعجز الباقي في كل أوان، وهو النور المبين، والحبل المتين، وبه أصلح الله شؤون رسوله،
[ ٦ / ٧١٦ ]
[(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)].
(يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ): يشبهون الناظرين إليك، لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه، (وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ): وهم لا يدركون المرئيّ.
_________________
(١) صلوات الله عليه، حيث كمل به خلقه، وأقام به أوده، وأفسد به أباطيل المعطلة، وأفحم ملفقات المعارضة. ومن ثم جيء بقوله تعالى: (وهو يتولى الصالحين) كالتذييل والتقرير لما سبق، والتعريض بمن فقد الصلاح بالخذلان والمحق. المعنى: إن وليي الله الذي نزل الكتاب المشهور، الذي تعرفون حقيقته، ومثل ذلك يتولى الصالحين، ويخذل الظالمين. وقوله: (والذين تدعون من دونه) الآيتين كالمقابل لها. وإلى التذييل أشار المصنف بقوله: "ومن عادته أن ينصر الصالحين". قوله: «ينظرون إليك): يشبهون الناظرين): قال الإمام: "إن حملنا هذه الصفات على الأصنام، قلنا: المراد من كونها ناظرًا: كونها مقابلةً بوجوهها وجوه القوم، وإن حملناها على المشركين، فالمعنى: أنهم وإن كانوا ينظرون، إلا أنهم لشدة إعراضهم عن الحق، لم ينتفعوا بذلك النظر والرؤية، فصاروا كأنهم عمي".
[ ٦ / ٧١٧ ]
[(خُذِ الْعَفْوَ وَأمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ)].
(الْعَفْوَ): ضد الجهد: أي: خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم، وما أتى منهم، وتسهل من غير كلفة، ولا تداقهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم، حتى لا ينفروا، كقوله ﷺ: «يسروا ولا تعسروا» قال:
خذي العفو مني تستديمي مودّتي … ولا تنطقى في سورتي حين أغضب
وقيل: خذ الفضل وما تسهل من صدقاتهم، وذلك قبل نزول آية الزكاة، فلما نزلت أمر أن يأخذهم بها طوعًا أو كرهًا.
و"العرف": المعروف والجميل من الأفعال، (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ): ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، وأغض على ما يسوؤك منهم.
وقيل: لما نزلت الآية "سأل جبريل: ما هذا؟ فقال: لا أدري حتى أسأل، ثم رجع فقال: يا محمد، إن ربك أمرك أن تصل من قطعك،
_________________
(١) قوله: (ولا تداقهم)، أي: لا تناقشهم. الأساس: "داقني في الحساب، مداقة". قوله: (أن تصل من قطعك). الحديث رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، عن عقبة بن عامر. واعلم أن التوفيق بين الآية والحديث إنما يستتب إذا أخذ الزبدة والخلاصة من المجموع. والزبدة في الآية: تحري حسن المعاشرة مع الناس، وتوخي بذل المجهود في الإحسان إليهم، والمداراة معهم، والإغضاء عن مساوئهم، وعلى هذا معنى الحديث، ولكنه
[ ٦ / ٧١٨ ]
وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك". وعن جعفر الصادق: أمر الله نبيه ﵊ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها.
[(وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)].
_________________
(١) أغرب منه، وأصعب متناولًا، وكذلك ينبغي أن يكون، لأن القرآن مادته عامة، والحديث القدسي مادته خاصة، (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) [البقرة: ٦٠]. قوله: (أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق): هو من حديث مالك، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". أخرجه الإمام مالك في "الموطأط. أما بيان أن هذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق، فلأن الخلق - بضم اللام وسكونها -: الطبع والسجية. وحقيقته: أن الإنسان له صورة باطنة، وهي نفسه، ولها صفات حسنة، وصفات قبيحة، وعليهما يترتب الثواب والعقاب في الآخرة. والأنبياء بعثوا لتغيير الصفات القبيحة إلى الحسنة، ليتخلص الناس من العقاب، ويخلصوا إلى الثواب. ولا شك أن نبينا صلوات الله عليه خاتمهم، بعث لإتمام ما دعوا الناس إليه، و"كان خلقه القرآن"، كما روي عن عائشة ﵂، فدعا الناس بخلقه إلى صراط مستقيم. فالمدعو إما: مؤمن موافق، أو مخالف؛ فالمخالف إما معاند أو غير معاند، وطريق الدعوة مع الفرقة الأولى بأداء العبادات، وتزكية النفس من الرذائل، وتحليتها بالفضائل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وامُرْ بِالْعُرْفِ) [الأعراف: ١٩٩]. ومع الثانية بالمداراة والمساهلة وإرخاء العنان، وهو المراد بقوله تعالى: (خُذِ العَفْوَ) [الأعراف: ١٩٩]. وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ) الآية [آل عمران: ٦٤].
[ ٦ / ٧١٩ ]
(وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ): وإما ينخسنك منه نخس، بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به، (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) ولا تطعه.
النزغ والنسغ: الغرز والنخس، كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي. وجعل النزغ نازغًا، كما قيل جدّ جدّه.
_________________
(١) وروينا عن مسلم عن أبي موسى، قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض الأمور قال: "بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا". ومع الثالثة بالمتاركة والإعراض. وإليه أومأ بقوله تعالى: (وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) [الأعراف: ١٩٩]. وقال تعالى: (وقِيلِهِ يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٨ - ٨٩]. وعلى هذا القسم ينطبق الكلام مع السابق، لأنه كلام في المعاندين من المشركين، فوضع موضع ضميرهم (الجاهلين) تسجيلًا عليهم بعدم الارعواء، وإقناطًا كليًا منهم، لأن جهلهم جهل مركب، ألا ترى كيف أعاد الضمير في قوله: (وإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ * وإذَا لَمْ تَاتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا) [الأعراف: ٢٠٢ - ٢٠٣]. كل ذلك بيان للعناد والتمرد. قوله: (كأنه ينخس الناس حين يغريهم). قال القاضي: "شبه وسوسته للناس، إغراءً لهم على المعاصي، وإزعاجًا، بغرز السائق ما يسوقه". قال الزجاج: "النزغ: أدنى حركة من الآدمي، وأدني وسوسة من الشيطان".
[ ٦ / ٧٢٠ ]
وروي: أنها لما نزلت قال رسول الله ﷺ: «كيف - يا رب - والغضب؟» فنزل: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ). ويجوز أن يراد بنزغ الشيطان: اعتراء الغضب، كقول أبي بكر ﵁: "إنّ لي شيطانًا يعتريني".
[(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ* وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ)].
_________________
(١) قوله: (لما نزلت)، أي: قوله تعالى: (خُذِ العَفْوَ وامُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) [الأعراف: ١٩٩]، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "كيف، يا رب، والغضب؟ ! "، أي: كيف أصنع مع الظالم، والغضب حامل على الانتقام؟ فقيل: إن الغضب من نزغ الشيطان (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ). روينا عن أبي داود، عن عطية، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن الغضب من الشيطان" الحديث. قوله: (ويجوز أن يراد بنزغ الشيطان: اعتراء الغضب)، فالتقدير: (خُذِ العَفْوَ وامُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ)، وإن اعتراك منه فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود، عن سليمان بن صرد، قال: استب رجلان
[ ٦ / ٧٢١ ]
(طيفٌ مِنَ الشَّيْطانِ): لمةٌ منه، مصدرٌ من قولهم: طاف به الخيال يطيف طيفًا، قال:
أنَّى ألَمَّ بِكَ الْخَيَالُ بَطِيفُ
أو هو تخفيف "طيف" فيعل، من: طاف يطيف، كلينٍ. أو مِن: طاف يطوف، كهين. وقرئ: (طائف)، وهو يحتمل الأمرين أيضًا. وهذا تأكيدٌ وتقريرٌ لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وأنّ المتقين هذه عادتهم: …
_________________
(١) عند رسول الله ﷺ، فبينما أحدهما يسب صاحبه مغضبًا، قد احمر وجهه، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة، لو قالها، لذهب عنه الذي يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لذهب عنه" الحديث. قوله: (أني ألم بك الخيال يطيف): تمامه: ومطافه لك ذكرة وشغوف البيت لكعب بن زهير. ألم: نزل، والإلمام: الزيارة. والذكرة: ضد النسيان. والشغوف: امتلاء القلب من الحب. قوله: (وقرئ: (طائف»، نافع وابن عامر وعاصم وحمزة، وهو أيضًا يحتمل أن يكون واويًا ويائيًا. قوله: (وأن المتقين هذه عادتهم) عطف تفسيري على قوله: "تأكيد"، أي: قوله تعالى:
[ ٦ / ٧٢٢ ]
إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته، (تَذَكَّرُوا) ما أمر الله به ونهى عنه، فأبصروا السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم، ولم يتبعوه أنفسهم. وأما "إخوان الشياطين" الذين ليسوا بمتقين، فإن الشياطين (يمدونهم في الغي)، أي: يكونون مددًا لهم فيه ويعضدونهم. وقرئ: (يمُدّونهم) من الإمداد، و"يمادّونهم"، بمعنى: يعاونونهم، (ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ): ثم لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا.
_________________
(١) (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا) تذييل للكلام السابق، وتوكيد لمعناه، ومن ثم صرح بذكر العادة. ثم الخطاب في قوله تعالى: (وإما ينزغنك) إما أن يكون مختصًا برسول الله صلي الله عليه وسلم هو الظاهر، إذ التقدير: (خُذِ العَفْوَ وامُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ)، وإن اعتراك غضب فاستعذ بالله. فالمناسب أن يراد بـ"المتقين" المرسلون من أولي العزم، كما قال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الاحقاف: ٣٥]، أو يكون عامًا على طريقة: "بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام"، أو خاصًا يراد به العام، كنحو: (ْيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) [الطلاق: ١]، فالمتقون حينئذ: الصالحون من عباد الله. قوله: (إذا أصابهم أدنى نزغٍ): الجملة من الشرط والجزاء بيان للجملة قبلها، وهي: "أن المتقين هذه عادتهم". قوله: (وقرئ "يمدونهم" من الإمداد) نافع، يقال: مد الدواة وأمدها: زادها ما يصلحها. ومده الشيطان في الغي، وأمده: إذا أوصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه.
[ ٦ / ٧٢٣ ]
قوله: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ) كقوله:
قَوْمٌ إذَا الْخَيْلُ جَالُوا فِى كَوَاثِبِهَا
في أنّ الخبر جار على غير ما هو له.
_________________
(١) قوله: (قوم إذا الخيل حالوا في كواثبها): تمامه: فوارس الخيل لا ميل ولا قزم الخيل: الفرسان. حالوا - بالحاء المهملة -: وثبوا. يقال: حال في ظهر الفرس: وثب عليه وركب، والكاثبة من الفرس: ما تقدم من قربوس السرج. والميل: جمع أميل، وهو: الذي لا يثبت على هر الدابة. والقزم: اللئام. يقول: هم فوارس الخيل، لا مائلون عن وجوه الأعداء، ولا لئام ضعاف صغار، أو لا بخلاء، ليجمع لهم صفة الشجاعة والسخاوة. قالوا: إن الاحتجاج بهذا البيت لا يصح، لأن "الخيل" ليس بمبتدأ، لأن "إذا" لا تدخل على المبتدأ المتضمن معنى الشرط. وتقديره: إذا حال الخيل حالوا في كواثبها، فكان ارتفاع "الخيل" بالفاعلية. وقوله: "حالوا في كواثبها" مفسر للقول السابق، والتفسير في حكم الساقط، وإنما نظير الآية: هند زيد تضربه.
[ ٦ / ٧٢٤ ]
ويجوز أن يراد بـ"الإخوان": الشياطين، ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين، فيكون الخبر جاريًا على ما هو له. والأوّل أوجه، لأن "إخوانهم" في مقابلة (الذين اتقوا).
فإن قلت: لم جمع الضمير في "إخوانهم". والشيطان مفردٌ؟ قلت: المراد به الجنس، كقوله: (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) [البقرة: ٢٥٧].
_________________
(١) وأجيب: لم لا يجوز أن "إذا" قد انسلخ عنه معنى الاستقبال، وصار للوقت المجرد، على نحو: إذا يقوم زيد إذا يقوم عمرو. بل المعنى عليه؟ قوله: (فيكون الخبر جاريًا على ما هو له): فعلى الأول التقدير: وإخوان الشياطين الذين ليسوا بمتقين، الشياطين يمدونهم. الضمير المسند إليه الفعل ليس للمبتدأ، بل لمتعلقه. كما أن الضمير في "حالوا" لصاحب الخيل. وعلى الثاني التقدير: وإخوان الجاهلين الذين هم الشياطين، يمدون الجاهلين. قوله: (والأول أوجه، لأن "إخوانهم" في مقابلة (الذين اتقوا»: يعني: في الكلام مقابلة، فيجب مراعاتها. فإن قوله تعالى: (وإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) أمر للنبي صلي الله عليه وسلم بالاستعاذة من نزغ الشيطان. وقوله: (إن الذين اتقوا) إلى آخر الآيتين، كالتعليل للآمر بالاستعاذة، يعني: دأب من هو على صفتك من التقوى الاستعاذة عند نزغ الشيطان، ودأب من يخالفك بخلافه. روى الواحدي عن الضحاك: "المشركون لا يقصرون عن الضلالة، ولا يبصرونها، بخلاف ما قال في المؤمنين: (تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ) ".
[ ٦ / ٧٢٥ ]
[(وَإِذا لَمْ تَأتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)].
اجتبى الشيء، بمعنى جباه لنفسه: أي: جمعه، كقولك: اجتمعه، أو جُبي إليه فاجتباه: أي: أخذه، كقولك: جليت إليه العروس فاجتلاها، ومعنى (لَوْلا اجْتَبَيْتَها):
_________________
(١) وأيضًا، الكلام في الأصل جار على المشركين المعاندين، كما سبق، وأن قوله: (إن الذين اتقوا) وقوله: (وإخوانهم يمدونهم) بعد ذكر العفو، والأمر بالعرف، والإعراض، ونزغ الشيطان، والاستعاذة، كالتخلص منه إلى ذكر ما ابتدئ له الحديث. وفيه: أنه يجب عليك، أيها الداعي البشير النذير، إذا لحقك منهم أذى أن تعفو عنهم، وإن اعتراك غضب يحملك على الانتقام فذاك نزغة من الشيطان ونخسة، فإن الشيطان ليس له عليك سلطان، سوى هذه النسخة التي إذا استعذت بالله بطلت، لأنك من المخلصين من عباده، لكن هؤلاء المشركين هم الذين اتبعوا الشياطين، فلا يفارقونهم، كالأخ لشقيقه. والشياطين أيضًا لا يقصرون في غيهم، يمدونهم غيًا بعد غي. ومن ذلك أنك إذا أعرضت عنهم، وتركتهم، ولم تأتهم بآية، قالوا لك: (لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا) [الأعراف: ٢٠٣] ولا غي بعد اقتراح الآيات مع الاستهزاء، قل: إن آيتي هذا الكتاب المعجز الظاهر لمن له بصيرة، يميز بين الحق والباطل، ويفرق بين الافتراء والصدق المحض، وهدى ورحمةً لمن آمن بأنه من عند الله، وليس بافتراء. وفيه تعريض بهؤلاء الكفرة أن لا بصائر لهم ولا هداية، وأنهم من أهل غضب الله والآيسين من رحمته، حيث لم يرفعوا به رأسًا، كقوله تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقِينَ) [البقرة: ٢٦]. قوله: (أوجبي إليه فاجتباه)، الراغب: "جببت الماء في الحوض: جمعته. والحوض
[ ٦ / ٧٢٦ ]
هلا اجتمعتها، افتعالًا من عند نفسك؛ لأنهم كانوا يقولون: (ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً) [سبأ: ٤٣]، أو: هلا أخذتها منزّلةً عليك مقترحة؟ (قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) ولست بمفتعل للآيات، أو لست بمقترحٍ لها. (هذا بَصائِرُ): هذا القرآن بصائر (مِنْ رَبِّكُمْ) أي: حجج بينةٌ يعود المؤمنون بها بصراء بعد العمى، أو هو بمنزلة بصائر القلوب.
_________________
(١) الجامع له: جابية، وجمعها: جوابٍ. ومنه: جبيت الخراج، ومنه قوله تعالى: (يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) [القصص: ٥٧]. والاجتباء: الجمع على سبيل الاصطفاء. واجتباء الله العبد: تخصيصه إياه بفيضٍ إلهي، يتحصل منه أنواع من النعم، بلا سعي من العبد، وذلك للأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء". قوله: (اجتمعتها افتعالًا من عند نفسك): "افتعالًا": حال من الفاعل في "اجتمعتها"، وهذا مبني على قوله: "اجتبي الشيء، بمعنى: جباه لنفسه"، وقوله: "هلا أخذتها منزلة" مبني على قوله: "أو جبي إليه فاجتباه". و"منزلة": حال من المفعول. ومعنى قوله: "هلا أخذتها منزلةً عليك مقترحة": هلا طلبت من الله وأنت مقترح، ليكون اقتراحك سببًا لأن يأخذها وهي مقترحة؟ فعلى هذا هو تهكم من الكفار، كقوله تعالى حكايةً عنهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الحجر: ٦]. قوله: (أو هو بمنزلة بصائر القلوب): يريد: أن "البصائر" هاهنا إما من إطلاق المسبب على السبب؛ فإن المراد: هذا حجج وبرهان من ربكم، تفتح بها أعين عمي، وقلوب صفر عن البصيرة. ولما كانت الحجج سببًا لإدراك القلب، قيل: (هذا بصائر)، أو أنها استعارة، استعير لإرشاد القرآن الخلق إلى درك الحقائق البصائر.
[ ٦ / ٧٢٧ ]
[(وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)].
(وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في صلاةٍ وغير صلاة. وقيل: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت، ثم صار سنةً في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلسٍ يقرأ فيه القرآن.
وقيل معناه: وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له.
وقيل: معنى (فاستمعوا له): فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه.
_________________
(١) قوله: (وقيل: معنى (فاستمعوا له): فاعملوا بما فيه، ولا تجاوزوه): قال الزجاج: "لأن معنى قول القائل: سمع الله دعاءك: أجاب الله دعاءك". الأساس: "ومن المجاز: "سمع الله لمن حمده": أجاب وقبل، والأمير سمع كلام فلان". وقلت: هذا أوفق لتأليف النظم سابقًا ولاحقًا، وأجمع للمعاني والأقوال. فإنه تعالى لما ذكر تعريضًا بأن المشركين إنما استهزؤوا بالقرآن، ونبذوه وراءهم ظهريًا، لأنهم فقدوا البصائر، وعدموا الهداية والرحمة، وأن حالهم على خلاف المؤمنين، أمر المؤمنين بمزيد ما كانوا عليه من مجرد الاستماع، وهو العمل بما فيه، والتمسك به، وألا يجاوزوه، ترتبًا للحكم على تلك الأوصاف. ولذلك قيل: (وإذا قرئ القراءن): وضع للمظهر موضع المضمر، لمزيد الدلالة على العلية. يعني: إذا ظهر، أيها المؤمنون، أنكم لستم مثل هؤلاء المعاندين، فعليكم بهذا الكتاب الجامع لصفات الكمال، الهادي إلى الطريق المستقيم، الموصل إلى مقام الرحمة والزلفى، (فاستمعوا له)، وبالغوا في الأخذ منه، والعمل بما فيه، ليحصل المطلوب، و(لعلكم ترحمون).
[ ٦ / ٧٢٨ ]
[(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ)].
(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) هو عامٌّ في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك، (تَضَرُّعًا وَخِيفَةً): متضرعًا وخائفًا، (وَدُونَ الْجَهْرِ): ومتكلمًا كلامًا دون الجهر، لأنّ الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر، (بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) لفضل هذين الوقتين، أو أراد الدوام. ومعنى (بالغدوّ): بأوقات الغدوّ، وهي الغدوات. وقرئ: "والإيصال"، من آصل: إذا دخل في الأصيل، كأقصر وأعتم،
_________________
(١) فيدخل فيه وجوب الإنصات في الصلاة، بالطريق الأولى، لأنها مقام المناجاة، والاستماع من المتكلم. وعلى هذا الإنصات عند تلاوة الرسول صلي الله عليه وسلم، وفيه أن رفع الجناح في غير الصلاة من باب السهولة وضعف القوة. قوله: (وقرئ: "والإيصال"): قال ابن جني: "قرأها أبو مجلز، وهو مصدر: آصلنا، فنحن مؤصلون، أي: دخلنا في وقت الأصيل". قوله: (كأقصر)، الجوهري: "أقصرنا، أي: دخلنا في قصر العشي. كما تقول: أمسينا، من المساء. وقصر الظلام: اختلاطه. ويقال: أتيته قصرًا، أي: عشيًا". قوله: (وأعتم): قال الخليل: "العتم من الليل: بعد غيبويه الشفق".
[ ٦ / ٧٢٩ ]
وهو مطابقٌ للغدوّ (وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) من الذين يغفلون عن ذكر الله ويلهون عنه.
[(إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِه ِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ)].
(إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) هم الملائكة صلوات الله عليهم، ومعنى (عِنْدَ): دنوّ الزلفة، والقرب من رحمة الله تعالى وفضله، لتوفرهم على طاعته وابتغاء مرضاته، (وَلَهُ يَسْجُدُونَ): ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره، وهو تعريضٌ بمن سواهم من المكلفين.
عن رسول الله ﷺ: من «قرأ سورة الأعراف جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس سترًا، وكان آدم شفيعًا له يوم القيامة».
_________________
(١) قوله: (مطابق للغدو) لأن الأصل أن يقال: بالغدوات، جمع "غدوة"، ليطابق "الآصال" في الجمع. وأما على هذه القراءة فهما مفردان. قوله: (وهو تعريض بمن سواهم من المكلفين): يعني: دل تقديم متعلق (يسجدون) عليه، على أن غيرهم لا يختصونه بالسجود، بل يشركون معه غيره. وقلت: يمكن أن يقال: إن التقديم لمراعاة الفواصل، وإن الآية بتمامها تعريض، لأن وزان قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ) الآية، مع قوله: (واذكر ربك في نفسك) الآية، وزان قوله: (فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ وهُمْ لا يَسْأَمُونَ) [فصلت: ٣٨]، مع قوله: (واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) [فصلت: ٣٧] في ترتب الثاني على الأول، والمخالفة بالفاء والاستئناف لا تمنع العلية.
[ ٦ / ٧٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ. المعنى: ايتوا بالعبادة على سبيل التضرع والاستكانة، واستشعار الخوف سرًا، والخفض من الصوت جهرًا، لأن المطلوب المواطأة بين السر والعلانية، في التواضع والمداومة، فإن لم تأتوا بالعبادة على هذا الوجه، فاعلموا أنا مغنون عنكم، لأن لنا عبادًا مكرمين مقربين، دأبهم وعادتهم التواضع وعدم الاستكبار في جميع أحوالهم. وبهذا ظهر أن القول بالمداومة في الغدو والآصال هو الوجه. ويدل عليه قوله تعالى: (ولا تكن من الغافلين)، والتعريض بالأفعال المضارعة، أي: (يستكبرون)، و(يسبحونه)، (وله يسجدون) لأنها تدل على أن عدم الاستكبار، والتسبيح، والسجدة، دأبهم وعادتهم، كقوله تعالى: (يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ وهُمْ لا يَسْأَمُونَ) [فصلت: ٣٨]. وفي الآية الدلالة على أن الأصل في الذكر اللساني مراعاة سلوك القصد والاعتدال، ونظيره وله تعالى: (ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخَافِتْ بِهَا وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) [الإسراء: ١١٠]. وأما قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً) [الأعراف: ٥٥] فمختص بالدعاء، واستنزال الإجابة، هذا إذا جعل الخطاب في قوله: (واذكر ربك) عامًا، نحو قوله صلوات الله عليه: "بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". وأما إذا جعل مختصًا برسول الله صلي الله عليه وسلم، تأديبًا له، وتأسيًا لأمته، وإظهارًا لبيان مكانته ومنزلته، فيكون في الآيات إشعار بمراتب الذكر، وبيان درجات الذاكرين، بحسب تفاوت منازلهم ومقاماتهم، قوله تعالى: (واذكر ربك في نفسك تضرعا) إشارة إلى أعلى المراتب، وهو حصة الواصلين المشاهدين، وقوله: (ودون الجهر من القول) هي المرتبة الوسطى، وهي نصيب السائرين إلى مقام المشاهدة، وقوله: (ولا تكن من الغافلين) إيماء إلى مرتبة النازلين من السالكين.
[ ٦ / ٧٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ. فالأمر في قوله تعالى: (واذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً) للوجوب، وفي (ودون الجهر من القول) للترخص تأسيًا، والنهي بقوله: (ولا تكن من الغافلين) للترفع عن هذا المقام، على سبيل التهييج والإلهاب. يعني: ولا تكن من الجاهرين بالصوت، لأن منزلتك فوق هذا المقام، لأنك من الواصلين إلى عين الحقيقة، الماثلين في مقام الشهود، المنخرطين في زمرة المقربين الذين جاهدوا في قمع خواطر النفس، وإماطة لوث الهوى. وفي ذكر الخوف الإشعار باستشعار هيبة الجلال، قال: أشتاقه فإذا بدا … أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبةً … وصيانةً لجماله ومن هذا المقام نهى صلوات الله عليه أصحابه، على ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عن أبي موسى، قال: كنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم، ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا بصيرًا، وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". كقوله: (وهو معكم) [الحديد: ٤] و(أقرب). فعلى هذا: حال المبتدئ والسالك منوطة برأي الشيخ المرشد، فإنه قد يأمره برفع الصوت في الذكر، لقلع الخواطر، وحديث النفس، لرسوخها فيه في بدء الأمر.
[ ٦ / ٧٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ. فقوله تعالى: (ولا تكن من الغافلين) إشارة إلى هذا المقام. ووجدت في بعض كلمات شيخنا شيخ الإسلام أبي حفص السهروردي، قدس سره بلا شك أنه قال: "بنية العبد ووجوده يحكي مدينةً جامعة، وأعضاؤه وجوارحه بمثابة سكان المدينة وقطان البلد. والعبد، في وقت إقباله على الذكر، كمؤذن صعد منارةً على باب المدينة، ويقصد إسماع أهل المدينة بالأذان، فهكذا الذاكر المحقق، يقصد إيقاظ قلبه، وإنباه أجزائه وأبعاضه، يذكر بلسانه، ويعي الذكر بقلبه ومتفرقات جوارحه، فتكون مناداة الذكر باللسان، وصداه في قبة القالب، يستحضر بالذكر سكان مدينة النفس، ويستجمع شوارد عساكر الفهم والحس، يقول ببعضه، ويستمع بكله، إلى أن تنتقل الكلمة من اللسان إلى القلب، فيتنور بها، ويظفر بجدوى الأحوال، ثم ينعكس نور القلب على القالب، فيتزين بمحاسن الأعمال". وقال أيضًا في "العوارف": "لا يزال العبد يردد هذه الكلمة على لسانه، مع مواطأة القلب، حتى تصير الكلمة متأصلةً في القلب، مزيلةً لحديث النفس، ينوب معناها في القلب عن كل حديث النفس. فإذا استولت الكلمة، وسهلت على اللسان، يتشربها القلب، ويصير الذكر حينئذٍ ذكر الذات، وهذا الذكر هو المشاهدة والمكاشفة والمعاينة. وهذا هو المقصد الأقصى من الخلوة. وقد يحصل هذا لا بذكر الكلمة بل بتلاوة القرآن، إذا أكثر من التلاوة، واجتهد في مواطأة القلب مع اللسان، حتى تجري التلاوة على اللسان، وتقوم مقام حديث النفس، فيدخل على العبد سهولة في التلاوة والصلاة". والله أعلم. تمت السورة
[ ٦ / ٧٣٣ ]