مكية، وعن ابن عباس: غير ست آيات
وهي مئة وستون آية وخمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)].
_________________
(١) ـ سورة الأنعام مكية، وعن ابن عباس: غير ست آيات وهي مئة وخمس وستون آية بس الله الرحمن الرحيم قال المصنف ﵀: كتبت تفسير هذه السورة بالطائف، عند قبر ابن عباس ﵄.
[ ٦ / ٥ ]
"جَعَلَ" يتعدّى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى: أحدث وأنشأ، كقوله (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ)، وإلى مفعولين إذا كان بمعنى: صير، كقوله: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا) [الزخرف: ١٩]. والفرق بين "الخلق" و"الجعل": أن "الخلق" فيه معنى التقدير. وفي "الجعل" معنى التضمين،
_________________
(١) ـ قوله: (وفي "الجعل" معنى التضمين)، ولهذا لا يتصور إلا بين شيئين، ومن ثم قال: "كإنشاء شيءٍ من شيء". الجوهري: "كل شيء جعلته في وعاءٍ فقد ضمنته". قال الراغب: "جعل: لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعم من "فعل"، ويتصرف على خمسة أوجه: أولها: يجري مجرى "صار" و"طفق"، فلا يتعدى. نحو: "جعل زيد يقول كذا". وثانيها: يجري مجرى "أوجد"، فيتعدى إلى واحد. قال تعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ ﴿[النحل: ٧٨]. وثالثها: في إيجاد شيءٍ من شيء، وتكوينه منه. قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴿[النحل: ٧٢]. ورابعها: في تصيير شيءٍ على حالةٍ دون حالة، نحو: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا ﴿[البقرة: ٢٢]، و﴿جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلالًا ﴿[النحل: ٨١]، وقال: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا ﴿[الزخرف: ٣]. وخامسها: الحكم بالشيء على الشيء؛ حقًا، قال تعالى: ﴿إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴿[القصص: ٧]، أو باطلًا، قال تعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ ﴿[النحل: ٥٧].
[ ٦ / ٦ ]
كإنشاء شيءٍ من شيء، أو تصيير شيءٍ شيئًا، أو نقله من مكانٍ إلى مكان، ومن ذلك: (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) [الأعراف: ١٨٩]، (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ)؛ لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار، (وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا) [النبأ: ٨]، (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا) [ص: ٥]
_________________
(١) ـ قوله: (كإنشاء شيءٍ من شيء، أو تصيير شيءٍ شيئًا، أو نقله من مكانٍ إلى مكان): لف، وما بعده: نشر، فقوله: ﴿وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴿[الأعراف: ١٨٩]، ﴿وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ ﴿[الأنعام: ١] المثالان: نشر لقوله: "كإنشاء شيءٍ من شيء"؛ لأن حواء من ضلع آدم، كما أن الظلمات من تكاثف الأجرام. قال الإمام: "إن النور والظلمة لما تعاقبا كأنما تولد أحدهما من الآخر". وقوله: (وجعلناكم أزواجًا): مثال لتصيير شيءٍ شيئًا، وذلك أن كلًا من الزوجين يفتقر إلى الآخر في حالا الانفراد، وبعد انضمام أحدهما إلى الآخر يصيران زوجين. وقوله: (﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا ﴿[ص: ٥]): مثال للنقل، وذلك أن الكفار كانوا قد حكموا بالشرك والتعدد في الإلهية، فلما جاء الإسلام أبطل حكمهم بالتعدد، وألزمهم حكم التوحيد، كأنه نقل الحكم من التعدد إلى الوحدة. فإن قلت: لم كرر المثال في القسم الأول، ولم يكتف بقوله: ﴿وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴿[الأعراف: ١٨٩] كما في التوالي؟ قلت: ليوقفك على أن قوله: ﴿وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّور ﴿[الأنعام: ١] من هذا القسم، وأنه المقصود في الإيراد.
[ ٦ / ٧ ]
فإن قلت: لم أفرد "النور"؟ قلت: للقصد إلى الجنس، كقوله تعالى: (وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها) [الحاقة: ١٧]، أو لأن الظلمات كثيرة، لأنه ما من جنسٍ من أجناس الأجرام إلا وله ظل، وظله هو الظلمة، بخلاف النور فإنه من جنس واحدٍ وهو النار.
_________________
(١) ـ قوله: (للقصد إلى الجنس)، أي: على ما يعرف كل أحدٍ أن النور ما هو، وهو الكيفية الفائضة من نحو النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية له. وهو وإن كان مفردًا في اللفظ، لكنه متكثر بحسب حصوله في مطارحه، كالظلمات. ومن ثم أفرد "الملك"، مع تعدد المتنزلات، في قوله: ﴿والْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ﴿[الحاقة: ١٧]. ونحوه قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني لم يرد لئيمًا واحدًا في زمانٍ واحد، بل لئامًا لا تنحصر في أزمنة لا تحصى، لأنه يصف نفسه بالحلم والأناة، وأنه دأبه وعادته. قوله: ﴿والْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ﴿[الحاقة: ١٧]، أي: جنس الملك على جوانب أفق السماء. قوله: (أو لأن الظلمات كثيرة) إلى قوله: (بخلاف النور)، يعني: جمع ﴿الظُّلُمَاتِ ﴿لكثرة أسبابها، والأجرام الحاملة لها، وأفرد "النور" لإفراد سببه، وهو النار، كما قال: "فإنه من جنسٍ واحد". لكن أسباب النور أيضًا غير واحد، فإن النيرين والكواكب، وغيرها، أسباب شتى. وكذلك قال صاحب "التقريب": "والظلمة أكثر، إذ لكل جرمٍ ظلمة، وليس لكل جرمٍ نور، بل لكل نير". وقال الإمام: "إن النور هاهنا عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل السواد قليلًا قليلًا، وهي لها مراتب كثيرة؛ فلهذا عبر عن "الظلمات" بصيغة الجمع".
[ ٦ / ٨ ]
_________________
(١) ـ وروى الإمام عن الواحدي، عن ابن عباس: "الظلمات: ظلمة الشرك، والنفاق، والكفر. والنور: نور الإسلام". ونحوه على الحسن. وقال الإمام: "حمل اللفظ على الوجه الأول أولى؛ لأن النور والظلمة حقيقتان في هاتين الكفيفيتين المحسوستين، ولأنهما إذا قرنتا بذكر السماوات والأرض، لا يفهم منهما غير ذلك". قلت: والذي ينصر مذهب الحبر ابن عباس ﵁ الاستعمال والنظم، أما الاستعمال: فإنه تعالى كلما ذكر لفظ "الظلمات" جمعًا، و"النور" مفردًا، أراد الضلالات والهداية. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ ﴿[البقرة: ٢٥٧]. وقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وجَعَلْنَا لَهُ نُورًا ﴿، إلى قوله: ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴿[الأنعام: ١٢٢]. وقال تعالى: ﴿الّر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ ﴿[إبراهيم: ١]، إلى غير ذلك. وقال القاضي: "الهدى واحد، والضلال متعدد"، قال تعالى: ﴿وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴿[الأنعام: ١٥٣]. الراغب: "النور: يعبر به عن العلم والإيمان. والظلمة: عن ضديهما. ووجه ذلك أنه لما كان للإنسان بصران: الحاسة التي في الرأس، والبصيرة [التي] في القلب، فكما أن البصر لا يستغني في إدراك ما يدركه عن ضوء، كذلك البصيرة لا تستغني عن نور التوفيق والإيمان. ويقال لفقد البصرين: عمىً، ولفقدان النورين: ظلمة. وأعظمهما ضررًا فقد البصيرة. ولهذا
[ ٦ / ٩ ]
_________________
(١) ـ قال تعالى: ﴿فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور ﴿[الحج: ٤٦]، فلم يعد فقد البصر عمىٍ بالإضافة إلى فقد البصيرة. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ ﴿يعني بذلك كلا النورين، وكلتا الظلمتين". وأما المعنى والنظم: فإن لفظة "ثم" الاستبعادية في قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿تقتضي أن يكون ما قبلها مما يوفى فيه جميع ما يزيل الشبهة عما بعدها من الكفر والعدول عن الحق إزالةً تامة، بحيث لا يبقي معه لأحدٍ متمسك يتشبث به، كقوله تعالى: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴿[السجدة: ٢٢]. وذلك إنما يتم إذا حمل قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ﴿على نصب الأدلة على معرفة الله وتوحيده، وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ﴿على وضع الشرائع، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل، لبيان طرق الضلالات، والإرشاد إلى الطريق المستقيم. ومثله قرر المصنف في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ ﴿[آل عمران: ١٨] حيث قال: "شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد بشهادة الشاهد في البيان والكشف". وتلخيص المعنى: أنه لم يبق بعد تلك البيانات الشافية، والدلائل الواضحة، حجة وتشبث للراكب على متن الضلال؛ فبعيد من الناظر المهتدي، بعد ذلك، ألا ينخلع من ضلاله وكفره، مع ذلك هؤلاء يعدلون به ما لا يقدر على شيءٍ من ذلك.
[ ٦ / ١٠ ]
فإن قلت: علام عطف قوله: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)؟ قلت: إما على قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، على معنى: أن الله حقيقٌ بالحمد على ما خلق؛ لأنه ما خلقه إلا نعمة، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكافرون نعمته، وإما على قوله (خَلَقَ السَّماواتِ)
_________________
(١) ـ وقال الإمام: (إنما قدم الظلمات على النور، لأن عدم المحدثات متقدم على وجودها. جاء في الحديث: أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمةٍ، ثم رش عليهم من نوره". وقلت: الحديث من رواية الإمام أحمد بن حنبل، والترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ﷿ خلق الخلق في ظلمةٍ، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذٍ، فمن أصابه من نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل". وفي رواية الترمذي: "فلذلك أقول: جف القلم بما هو كائن". قوله: (وإما على قوله: ﴿خَلْقِ السَّمَوَاتِ ﴿. يعني أن الكفر يصح أن يحمل على معنى الشرك تارة، وعلى كفران النعمة أخرى، ويحسب هذين المعنيين يدور معنى ﴿يَعْدِلُونَ ﴿على هذا من العدول، والباء صلة ﴿كَفَرُوا ﴿على حذف المضاف، أي: كفروا بنعمة ربهم، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿به، أي: بالله ﴿يَعْدِلُونَ ﴿عن الحق، فيكفرون نعمته. وفي قوله: "إن الله حقيق بالحمد على ما خلق" معنى ترتب الحكم على الوصف. وإنما ترك متعلق ﴿يَعْدِلُونَ ﴿على هذا ليقع الإنكار على نفس الفعل، وحقيقة العدول.
[ ٦ / ١١ ]
على معنى: أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه،
_________________
(١) ـ وإذا جعل بمعنى الشرك، يجب أن يعطف على ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ ﴿، لأن كفرهم بتسويتهم الأصنام بخالق السموات والأرض، كقوله تعالى حكايةً عن قول الكفار يوم القيامة: ﴿تَاللَّهِ إن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (٩٧) إذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ ﴿[الشعراء: ٩٧ - ٩٨]. و﴿يَعْدِلُونَ ﴿على هذا بمعنى: "يسوون"، ليستقيم معنى الشرك، والباء متعلق به. وإليه الإشارة بقوله: "خلق ما خلق" إلى آخره. وإلى الوجهين ينظر معنى الحديث الذي أورده المصنف في البقرة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴿[البقرة: ١٧٢]، عن النبي ﷺ: "إني والجن والإنس في نبأٍ عظيمٍ: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري". وعلى الوجهين قوله: ﴿رَبِّهِمْ ﴿مظهر أقيم مقام المضمر، للعلية. وعلى الأول معناه: التربية، وعلى الثاني: المالكية والقهر، و﴿الْحَمْدُ ﴿على الأول: محمول على الشكر اللساني، وعلى الثاني: الثناء على الجميل. قال صاحب "الانتصاف": في العطف على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ ﴿نظر؛ لأن العطف على الصلة يوجب الدخول في حكمها. ولو قلت: الحمد لله الذي الذين كفروا بربهم يعدلون؛ لم يستقم. ويحتمل أن يقال: وضع الظاهر موضع المضمر تفخيمًا، ونظيره: ﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ ﴿[آل عمران: ٨١] فيمن جعلها موصولةً لا شرطية. يريد أن "ما" في قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
[ ٦ / ١٢ ]
ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه.
فإن قلت: فما معنى (ثم)؟ قلت: استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته، وكذلك (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) [الأنعام: ٢] استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم.
_________________
(١) ـ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ﴿[آل عمران: ٨١] إذا جعلت موصولةً لابد من راجعٍ في الصلة، فينبغي أن يجعل "ما معكم" في موضع الضمير الراجع، أي: مصدق له. وقلت: ليس بذلك، لأنه من باب عطف حصول مضمون الجملتين، لقوله: "إنه خلق ما خلق، ثم هم يعدلون به". يعني: حصل من الله ﷿ خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور للمكلفين، ليعرفوه، ويوحدوه ويعبدوه، فحصل منهم عكس ذلك، حيث سووا معه غيره، نحو قوله تعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴿[الواقعة: ٨٢]، فموقعه الفاء في الظاهر، فجيء بـ ﴿ثُمَّ ﴿للاستبعاد، ولأنه ليس من موضع وضع المظهر موضع المضمر، لأنه ابتداء كلام الكفار، على أنه لو قيل: ثم الكافرون والمشركون، كان ظاهرًا أيضًا. فإن قلت: ﴿الحّمْدُ ﴿هو: الثناء على الجميل، من نعمةٍ أو غيرها، فما معنى هذا الترتيب؟ قلت: معناه بيان فضله، وكمال حلمه ورحمته، كأنه قيل: ما أحلمه! وما أرحمه! لما يصدر منه تلك الفضائل والإنعام، وتقابل بذلك الكفر والكفران، ولا يصب عليهم العذاب صبا! كما في قوله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿[الفرقان: ٦]. قوله: (يعدلون به)، الأساس: "لا عدل له: لا مثل له. وما يعدلك عندي شيء: أي ما يشبهك". قوله: (وكذلك ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿استبعاد). يعني: ذيل كلا من الآيتين بكلمة "الاستبعاد" بحسب ما تقتضيه من المعنى:
[ ٦ / ١٣ ]
_________________
(١) ـ أما الآية الأولى: فلما تضمنت دلائل الآفاق من الأجرام والأعراض، ذكر منها أعظمها جرمًا في النظر، وأشملها تناولًا للأعراض، ليدخل في الأول سائر الأجسام، من الكبير والصغير، وفي الثاني جميع الأعراض: الظاهرة والخفية. ولهذا فسره الزجاج بالليل والنهار، والقاضي بالضلال والهداية. والدليل على الاستيعاب: الجمع في أحد المكررين، والإفراد في الآخر، لأن في ذكر "الأرض" و"النور" مفردين، واقترانهما بالجمعين، إشعارًا بإرادة الجنسية في الإفراد، والاستغراق في الجمع. وفي ذكر "الخلق" و"الجعل" إشارةً إلى استيعاب الإنشاءين. ثم إن الله تعالى بعد هذا الكلام الجامع، والبيان الكامل، نعي على الكفار بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿[الأنعام: ١] يعني: انظروا إلى هؤلاء الكفار، مع ظهور هذه الأدلة كيف يتركون عبادة خالق الأرض والسماوات، ويشتغلون بعبادة الحجارة والموات! وإليه الإشارة بقوله: "استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته". وأما الآية الثانية، فلما اشتملت على دلائل الأنفس، ذكر فيها المبدأ والمنتهي تصريحًا، ولوح إلى ما يتوسطهما تلويحًا: ذكر خلقهم من طين، ونص على الأجلين، وعبر بـ ﴿ثُمَّ ﴿دلالةً على أطوار ما في النشء من النطفة، والعلقة، والمضغة المخلقة وغير المخلقة، والنشء حيًا،
[ ٦ / ١٤ ]
[(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)].
(ثُمَّ قَضى أَجَلًا): أجل الموت، (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ): أجل القيامة. وقيل: الأجل الأوّل: ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والثاني: ما بين الموت والبعث وهو البرزخ. وقيل: الأوّل النوم، والثاني: الموت.
_________________
(١) ـ ثم الطفولة، والشباب، والشيخوخة، إلى الموت. ونبه بذكر الامتراء، والعدول من الغيبة في قوله: ﴿بِرَبِهِمْ ﴿، إلى الخطاب في قوله: ﴿أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿على التنبيه عن رقدة الغفلة والجهالة، وأن دلائل الأنفس أقرب الدلائل وأدق، وهي التي يضطر معها الناظر إلى المعرفة التامة. وتلخيص المعنى: أن دلائل الآفاق موجبة لإزالة الشرك وإثبات التوحيد، فناسب أن يستبعد منهم الشرك مع وجودها، وأن دليل الأنفس مقتضٍ لحصول الإيمان، فناسب أن يستبعد منهم الامتراء. قوله: (وقيل: الأجل الأول: ما بين أن يخلق)، وعلى هذا: الأجل عبارة عن جميع المدة. وعلى الأول عن آخرها. وإنما لم يؤخذ بهذه الأقوال لأنه لم يرتبط قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿بما قبله كما ينبغي أن يكون.
[ ٦ / ١٥ ]
فإن قلت: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفا وجب تأخيره. فلم جاز تقديمه في قوله: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)؟ قلت: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة، كقوله: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ) [البقرة: ٢٢١].
فإن قلت: الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد، ولي عبدٌ كيس،
_________________
(١) ـ واعلم أن قطب هذه السورة الكريمة يدور مع إثبات الصانع، ودلائل التوحيد وما يتصل بها. انظر كيف جعل احتجاج الخليل على قومه، ومآله إلى قوله: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ حَنِيفًا ﴿[الأنعام: ٧٨ - ٧٩]. وكيف أوقع أمر حبيبه صلوات الله عليه بقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴿[الأنعام: ٩٠] بعد ذكر معظم الأنبياء واسطة العقد، ولجة بحر التوحيد! ثم تفكر في قوله: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴿[الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] كيف جاءت خاتمة لها! فسبحان من له تحت كل سورةٍ من كتابه كريم، بل كل آيةٍ وكلمةٍ، أسرار ينفد دون نفاد بيانها الأبحر! قوله: (الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد). هذا السؤال غير واردٍ على القياس اللغوي، لأنهم إنما يوجبون تقديم الظرف إذا لم يكن المبتدأ مخصصًا، كما سبق في الكتاب. وعليه كلام صاحب "المفتاح" حيث قال: "ولا يجب التقديم على المنكر إذا كان موصوفًا. قال تعالى: ﴿وأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴿[الأنعام: ٢]. ولكن وارد على استعمال الفصحاء فإنهم أوجبوا التقديم ولو كان مخصصًا"، ولهذا قال: "الكلام السائر".
[ ٦ / ١٦ ]
وما أشبه ذلك؛ فما أوجب التقديم؟ قلت: أوجبه أن المعنى: وأي أجلٍ مسمى عنده! تعظيمًا لشأن الساعة، فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم.
_________________
(١) ـ وقريب منه عن صاحب "المثل السائر". ورد في التنزيل: ﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ﴿[ص: ٢٣]. فلفظة: ﴿لي ﴿مقدمة جاءت حسنة، وإذا جاءت منقطعةً لا تجيء لائقة، كقول المتنبي: تمسي الأماني صرعى دون مبلغه … فلا يقول لشيءٍ: ليت ذلك لي وإذا خولف الاستعمال، وأزيل من مقره، دل على الاهتمام بشأنه، والاعتناء بذكره، فيحمل التنكير فيه على التعريف والتعظيم. فقال: "وأي أجل مسمىٍ عنده"، ليؤذن بالفرق بين الأجلين. ومن ثم أتم معنى التخصيص بتعظيم قوله: ﴿عِندَهُ ﴿وحسن كذلك أن يوقف على ﴿أَجَلًا ﴿. قال صاحب "المرشد": وحسن الوقف على قوله: ﴿أَجَلًا ﴿ليفصل بينه وبين الآخر، وهو البعث والنشور. قوله: (وأي أجل مسمى عنده): بيان لمعنى التنكير والتهويل فيه، لا أن الكلام متضمن لمعنى الاستفهام كما ظن: قال المصنف في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴿[البقرة: ٥]: "نكر ﴿هُدًى ﴿ليفيد ضربًا مبهمًا لا يبلغ كنهه، كأنه قيل: على أي هدى". فظهر من هذا الفرق بين قول صاحب "المفتاح": ولا يجب التقديم على المنكر إذا كان موصوفًا، وبين قول صاحب "الكتاب": (أوجبه أن المعنى: وأي أجلٍ مسمى عنده! تعظيمًا)،
[ ٦ / ١٧ ]
_________________
(١) ـ لأنه نظر إلى القياس النحوي، والمصنف إلى استعمال الفصحاء، كما بينا أن المراد ها هنا تعظيم هذا الأجل، للفرق بين الأجلين، وما يكون معظمًا مفخمًا لابد أن يكون مهتمًا بشأنه، والاهتمام موجب للتقديم. وهو المراد بقوله: (فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم". وقال صاحب "الانتصاف": التعظيم لا يوجب التقديم. وقد ورد: ﴿وعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴿[الزخرف: ٨٥]. والمراد: تعظيمها. وقال صاحب "الإنصاف": "ولو مثل بقوله: ﴿ولَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقّ ﴿[المؤمنون: ٦٢] كان أحسن، لأنه نكرة موصوفة، و﴿عِلْمُ السَّاعَةِ ﴿معرفة". وقلت: أما تنظير صاحب "الانتصاف" فبعيد المرمى لفظًا ومعنىً، أما اللفظ فلما ذكر، وأما المعنى فلأن ذلك المقام يقتضي الاختصاص والحصر لا التعظيم، أي: عنده علم الساعة لا عند غيره. ونحو قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ ﴿[الكافرون: ٦]. وأما التنظير الآخر فإنه وارد على مقتضي الاستعمال، ولا موجب لإزالته عن مفره، إذ موجب التقديم في تلك الآية الفرق بين الأجلين، ولا يراد ها هنا الفرق بين الكتاب وغيره، يعلم ذلك مما سبقه من قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وهُمْ لَهَا سَابِقُونَ* ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا ولَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿[المؤمنون: ٦٠ - ٦٢]. قال القاضي: والاستئناف به لتعظيمه، ولذلك نكر، ووصف بأنه ﴿مُسَمٍّى ﴿، أي: مثبت
[ ٦ / ١٨ ]
[(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ)].
(فِي السَّماواتِ) متعلق بمعنى اسم "الله"، كأنه قيل: وهو المعبود فيها، ومنه قوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) [الزخرف: ٨٤]، أو هو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيها، أو هو الذي يقال له: "الله" فيها، لا يشرك به في هذا الاسم، ويجوز أن يكون (اللَّهُ فِي السَّماواتِ) خبرًا بعد خبر؛ على معنى: أنه الله، وأنه في السموات والأرض، بمعنى أنه عالمٌ بما فيهما لا يخفى عليه منه شيء، كأن ذاته فيهما.
_________________
(١) ـ معين، لا يقبل التغيير، وأخبر عنه بأنه "عند الله"، ولا مدخل لغيره فيه بعلمٍ ولا قدرة، ولأنه المقصود ببيانه. قوله: (﴿فِي السَّمَوَاتِ ﴿متعلق بمعنى اسم "الله"). قال الزجاج: لو قلت: "هو زيد في المدينة"، لم يجز، إلا أن يكون في الكلام دليل على أن زيدًا قد يدبر أمر المدينة. ونقل أبو البقاء عن أبي علي أنه قال: لا يجوز أن يتعلق باسم "الله"، لأنه صار بدخول الألف واللام، والتغيير الذي دخله، كالعلم. ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًا ﴿[مريم: ٦٥]. والمصنف اختار مذهب الزجاج، وزاد عليه في الاعتبار، وأول التركيب على وجوه؛ أحدها: جعل اسم "الله" مشتقًا من "أله يأله": إذا عبد. فالإله: فعال في معنى المفعول، أي: المألوه، وهو المعبود. ثم تصرف فيه، فصار "الله" كما سبق. هذا هو المراد من قوله: "وهو المعبود فيها".
[ ٦ / ١٩ ]
_________________
(١) ـ ثانيها: جعل معنى شهرته في الإلهية عاملًا في الظرف. قال: هو كما تقول: "هو حاتم في طيء"، على تضمين معنى الجود الذي اشتهر به، كأنك قلت: "هو جواد في طيء". ومنه قول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري أي: أنا ذلك المشهور في الفصاحة، وشعري هو المعروف بالبلاغة. وهو الذي عناه بقوله: >وهو المعروف بالإلهية". وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ﴿فِي السَّمَوَاتِ ﴿: حال مؤكدة، أي: وهو الله معروفًا في السموات والأرض، كقولك: "هو زيد معروفًا في العالم"ز وقال المالكي: لا تكون الحال المؤكد بها خبر جملة جزآها معرفتان جامدتان، إلا بلفظٍ دال على معنىً لازم، أو شبيه باللازم، في تقدم العلم، والعامل فيها: "أحقه" أو "أعرفه". وهذا أولى من قول الزجاج: العامل هو الخبر لتأويله بمسمى، ومن قول ابن خروف: "إن العامل هو المبتدأ" لتضمنه معنى التنبيه. وثالثها: أن يكون ردًا للمشركين في إثبات إلهٍ غيره. قال الزجاج: والمعنى: هو المتفرد في التدبير في السموات والأرض، خلافًا للقائل المخذول بأن المدبر فيهما غيره. وإليه الإشارة بقوله: "المتوحد بالإلهية فيها".
[ ٦ / ٢٠ ]
_________________
(١) ـ قال ابن الحاجب: وفائدة قولك: "أنا زيد"، أو: "هو زيد" الإخبار عما كان يجوز أنه متعدد، بأنه واحد في الوجود. وهذا إنما يكون إذا كان المخاطب قد عرف مسميين في ذهنه، أو أحدهما في ذهنه، والآخر في الوجود، فيجوز أن يكونا متعددين. فإذا أخبر المخبر بأحدهما عن الآخر، كان فائدته أنهما في الوجود ذات واحدة. ورابعها: أن يكون مأخوذًا من قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًا ﴿[مريم: ٦٥]. وهو المراد من قوله: "وهو الذي يقال له: "الله" فيها، لا يشرك به في هذا الاسم". وهو اختيار أبي علي. وخامسها: ألا يكون ﴿فِي السَّمَوَاتِ ﴿متعلقًا بالاسم، وذلك بأن يكون خبرًا بعد خبر، وهو المراد من قوله: "أنه الله، وأنه في السموات". أما قوله: "أن يكون ﴿اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ ﴿خبرًا بعد خبر" فمعناه أنهما خبران متعاقبان؛ لأن قوله: ﴿فِي السَّمَوَاتِ ﴿وحده خبر بعد خبر، لا كليهما. قال صاحب "الفرائد": إذا كان خبرًا بعد خبر، كان معناه أنه عالم بما فيها، كقوله تعالى: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴿[الحديد: ٤] أي: بالعلم والقدرة. فإذا جاز هذا فأي ضرورةٍ في ما ذكر من التقديم البعيد؟ أي: كأن ذاته فيها. قلت: الضرورة بيان فائدة العدول عن إثبات العلم، إلى هذه العبارة، والإشعار بأنها من باب الكناية، وأن علمه الكامل شامل لما ظهر فيها وما بطن. ومن ثم فصل قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وجَهْرَكُمْ ويَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴿بيانًا موضحًا لهذه الجملة. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴿الآية [الحديد: ٤].
[ ٦ / ٢١ ]
فإن قلت: كيف موقع قوله: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)؟ قلت: إن أردت المتوحد بالإلهية كان تقريرًا له؛ لأن الذي استوى في علمه السر والعلانية هو الله وحده، وكذلك إذا جعلت (في السموات) خبرًا بعد خبر، وإلا فهو كلام مبتدأ؛ بمعنى: هو يعلم سركم وجهركم، أو خبر ثالث.
(وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ) من الخير والشر، ويثبت عليه، ويعاقب.
[(وَما تَاتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ* فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَاتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].
(مِنْ) في (مِنْ آيَةٍ) للاستغراق، وفي (مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ) للتبعيض، يعني: وما يظهر لهم دليلٌ قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاستدلال والاعتبار،
_________________
(١) ـ قوله: (وإلا فهو كلام مبتدأ)، أي: وإن لم يرد بقوله تعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ ﴿[الأنعام: ٣] المتوحد بالإلهية فيها، وأنه الله، ولا أنه عالم بما فيها، فكان كلامًا مبتدأ مستأنفًا، لأنه على التقديرين تأكيد وتقرير لمعناهما، كما قرره، بقي أن يراد: هو المعبود فيها، أو هو المعروف، أو هو الذي يقال له: الله فيها. فهو على هذه الوجوه استئناف. وبيان السؤال على الأول أنه لما قيل: هو المعبود فيها، اتجه لسائلٍ أن يسأل: فما شأنه مع عابده حينئذ؟ فأجيب: يعلم سرهم وجهرهم، ويعلم ما يكسبون، فيجازيهم على أعمالهم: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. وعلى الثاني والثالث: السؤال: بماذا عرف فيهما؟ وما وصفه فيهما؟ فقيل: وصفه فيهما بالعلم الشامل الكلي والجزئي، كما سبق في آخر "المائدة"، في قوله تعالى: ﴿إنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ ﴿[المائدة: ١٠٩]. قال المصنف: " (علام الغيوب) قرئ بالنصب على أن الكلام قد تم بقوله: ﴿إنَّكَ أَنتَ ﴿، أي: إنك موصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره".
[ ٦ / ٢٢ ]
(إلا كانوا عنه معرضين): تاركين للنظر لا يلتفتون إليه ولا يرفعون به رأسًا، لقلة خوفهم وتدبرهم للعواقب.
(فَقَدْ كَذَّبُوا) مردودٌ على كلامٍ محذوف، كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات، فقد كذبوا بما هو أعظم آيةٍ وأكبرها، وهو الحق، (لَمَّا جاءَهُمْ) يعني: القرآن الذي تحدّوا به على تبالغهم في الفصاحة فعجزوا عنه، (فَسَوْفَ يَاتِيهِمْ أَنْباءُ) الشيء الذي (كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) وهو القرآن، أي: أخباره وأحواله، بمعنى: سيعلمون بأي: شيءٍ استهزؤوا، وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام وعلوّ كلمته.
[(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ)].
_________________
(١) ـ قوله: (مردود على كلامٍ محذوف)، أي: شرطٍ محذوف، ونحوه قول الشاعر: قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا … ثم القفول، فقد جئنا خراسانا أي: إن صح ما قلتم من أن خراسان المقصد، فقد جئنا، وأين لنا الخلاص؟ قوله: (أو عند ظهور الإسلام). فإن قلت: اتصال قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم ﴿بما قبله على أن المراد بالأنباء في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَاتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ظاهر، لمناسبة الاعتبار بنزول العذاب على الأمم السالفة بالتهديد والوعيد. فما وجه اتصاله به إذا أريد به ما قال: "عند ظهور الإسلام"؟
[ ٦ / ٢٣ ]
مكن له في الأرض: جعل له مكانا فيها، ونحوه: أرّض له، ومنه قوله: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ) [الكهف: ٨٤]، (أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ) [القصص: ٥٧]، وأمّا "مكنته في الأرض": فأثبته فيها. ومنه قوله: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) [الأحقاف: ٢٦]، ولتقارب المعنيين جمع بينهما في قوله: (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ)، والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادًا وثمود وغيرهم؛ من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا.
و(السماء): المظلة؛ لأن الماء ينزل منها إلى السحاب،
_________________
(١) ـ قلت: معناه: فسوف يأتيهم أنباءُ القرآن، ومن نزل عليه عند تباشير الظفر، ونصرة الله الإسلام، وقهر أعداء الدين، وغلبة أوليائه، أولم يروا كم أهلكنا من قبلهم من المكذبين، ونصرنا الأنبياء وضعفة المؤمنين على من هم أشد من هؤلاء! قوله: (ولتقارب المعنيين جمع بينهما). يعني: قوله: "مكن له في الأرض"، وقوله: "مكنته في الأرض" بعد التفرقة بينهما من حيث اللفظ والمعنى منزلان منزلة معنىً واحدٍ في إعطاء معنى الكتابة، ويجمعهما كون الموصوف بهما في منعةٍ من الرجال، والسعة في الأموال والمآل والأحوال. وإليه الإشارة بقوله: "لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادًا وثمود وغيرهم، من البسطة، والسعة، والاستظهار". وتحريره: أن كونهم ثابتين في الأرض يدل على أنها جعلت مكانًا لهم، وهو يدل على كونهم في الاستظهار بأسباب الملك، في غايةٍ من الكمال. ويعضده قوله تعالى: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا* إنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ ﴿، ثم بينه بقوله: ﴿وآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا* فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿[الكهف: ٨٣ - ٨٥]. قوله: (لأن الماء ينزل منها إلى السحاب). يعني: قال تعالى: ﴿وأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا ﴿
[ ٦ / ٢٤ ]
أو السحاب أو المطر. و"المدرار": المغزار.
فإن قلت: أي: فائدةٍ في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم؟ قلت: الدلالة على أنه لا يتعاظمه أن يهلك قرنًا، ويخرب بلاده منهم؛ فإنه قادرٌ على أن ينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده، كقوله تعالى: (وَلا يَخافُ عُقْباها) [الشمس: ١٥].
_________________
(١) ـ [الأنعام: ٦]، وإنما المرسل هو السحاب، لأن الماء ينزل من المظلة إلى السحاب. قوله: (والمدار: المغزار). قال الزجاج: ﴿مِّدْرَارًا ﴿: أي دارًا ذات غيثٍ كثير. و"مفعال" من أسماء المبالغة، كقولهم: "امرأة مذكار": إذا كانت كثيرة الولادة للذكور. وكذلك "مثنات" من الإناث. قوله: (إنشاء قرنٍ آخرين بعدهم). قال الزجاج: القرن: أهل كل مدةٍ كان فيها نبي، أو كان فيها طبقة من أهل العلم، قلت السنون أو كثرت. يدل عليه قوله ﷺ: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". قوله: (ويخرب بلاده منهم). ضمن "خرب" معنى "أخلى"، وعداه بـ"من"، أي: أخلى الله تعالى بلاده منهم، فهي خربة. قوله: (كقوله تعالى: ﴿ولا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴿[الشمس: ١٥]). يعني: وزان قوله تعالى: ﴿وأَنشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴿[الأنعام: ٦]، وزان قوله: ﴿ولا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴿[الشمس: ١٥] في كونه تقريرًا للكلام السابق، وتتميمًا لمعنى عدم المبالاة. كأنه قيل: فأهلكناهم بذنوبهم، وما خفنا
[ ٦ / ٢٥ ]
[(وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ* وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ* وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ)].
(كِتابًا): مكتوبًا، (فِي قِرْطاسٍ): في رق، (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) ولم يقتصر بهم على الرؤية، لئلا يقولوا: سكرت أبصارنا، فيبقى لهم علة. لقالوا: (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) تعنتا وعنادًا للحق بعد ظهوره.
(لَقُضِيَ الْأَمْرُ): لقضي أمر هلاكهم، (ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) بعد نزوله طرفة عين،
_________________
(١) ـ عقباهم، وذلك أن المتسلط على تخريب الديار، وقلع الآثار، إنما يخاف من عقبى الأمر إذا لم يقدر على إنشاء مثل ما خربه ودمره، وأما من هو قادر على إنشاء مثله، فلا يخاف عقباها. قال: "فلا يخاف عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقبٍ من الملوك، فيبقي بعض الإبقاء". قوله: (ولم يقتصر بهم على الرؤية): عطف على محذوف، يعني: ضم مع قوله تعالى: ﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ ﴿، قوله: ﴿فَلَمَسُوهُ ﴿، ولم يقتصر على الرؤية، للتتميم والمبالغة. قوله: (لقالوا: ﴿إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿) إنما أتي بالضمير، وفي التنزيل: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿ليؤذن أن قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿مظهر وضع موضع المضمر للعلية. قوله: (سكرت أبصارنا) أي: حبست من النظر، على المجاز. كذا في "الأساس". قوله: (لقضي أمر هلاكهم). قال الزجاج: "أي: لتم إهلاكهم. و"قضى" على ضروب، ومرجعها إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه".
[ ٦ / ٢٦ ]
إما لأنهم إذا عاينوا الملك قد نزل على رسول الله ﷺ في صورته، وهي آيةٌ لا شيء أبين منها وأيقن، ثم لا يؤمنون كما قال: (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى) [الأنعام: ١١١]- لم يكن بدّ من إهلاكهم، كما أهلك أصحاب المائدة، وإما لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملك، فيجب إهلاكهم، وإما لأنهم إذا شاهدوا ملكًا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون.
ومعنى (ثُمَّ): بعد ما بين الأمرين؛ قضاء الأمر، وعدم الإنظار. جعل عدم الإنظار أشدّ من قضاء الأمر؛ لأنّ مفاجأة الشدّة أشدّ من نفس الشدّة.
(وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا): ولو جعلنا الرسول ملكًا كما اقترحوا - لأنهم كانوا يقولون: لولا أنزل على محمدٍ ملك! وتارةً يقولون: (ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) [المؤمنون: ٣٣]،
_________________
(١) ـ قوله: (وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن). فإن قيل: هذا يؤذن أن هذه الآية أبين من سائر المعجزات، مثل: انشقاق القمر، وفلق البحر، وإحياء الموتى، قلت: نعم، لأنه أراد بقوله: "لأنهم إذا عاينوا الملك": الملك المطلوب، والآية المقترحة، ولا ارتياب أنه لا شيء أبين منها في إزاحة العلل، وأيقن لنزول العذاب. ولذلك أتي بقوله: "كما أهلك أصحاب المائدة" مستشهدًا به، لأنها أيضًا كانت مقترحة، فأهلكوا بالمسخ. قوله: (لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف)، يعني: إذا نزلت الملائكة، اضطروا إلى الإيمان، وقاعدة التكليف الاختيار. هذا في حق الكفار عند نزول العذاب بعد الإنذار، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا ﴿[غافر: ٨٥]. وأما المؤمنون إذا رأوا الملائكة، فيزيد إيمانهم، ﴿ومَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى لَكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ﴿[آل عمران: ١٢٦]. قوله: (وتارة يقولون). اعلم أن "تارة" مقتضية مقارنتها، وهي محذوفة، إذ التقدير:
[ ٦ / ٢٧ ]
(لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) [فصلت: ١٤]- (لَجَعَلْناهُ رَجُلًا): لأرسلناه في صورة رجل، كما كان ينزل جبريل على رسول الله ﷺ في أعلم الأحوال في صورة دحية، لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم، (وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ): ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ، … ..
_________________
(١) ـ لأنهم تارة كانوا يقولون: لولا أنزل على محمدٍ ملك، وتارةً يقولون: ﴿مَا هَذَا إلاَّ بَشَرٌ ﴿[المؤمنون: ٢٤]، فأوجب ذلك أن يجعل الضمير في قوله: ﴿ولَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا ﴿لما يقال له: الرسول، سواء كان مبعوثًا إليهم لما قالوا: ﴿مَا هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴿[المؤمنون: ٢٤]، أو إلى من هو مبعوث إليهم لما قالوا: لولا أنزل على محمدٍ ملك. فلذلك فسر الضمير بالرسول المطلق في قوله: "ولو جعلنا الرسول ملكًا"، وعلله بقوله: "لأنهم كانوا يقولون" إلى آخره. فقوله تعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْنَاهُ ﴿: عطف على: ﴿ولَوْ نَزَّلْنَا ﴿، فأردف الجواب بجواب آخر، أعم منه، قلعًا لشبههم من سنخها. قال القاضي: " ﴿ولَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا ﴿: جواب ثانٍ إن جعل الهاء للمطلوب، وإن جعل للرسول فهو جواب اقتراحٍ ثان، فإنهم تارةً يقولون: ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴿، وتارة يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلائِكَةً ﴿[فصلت: ١٤] ". وما ذهب إليه المصنف أقضى لحق البلاغة، لاشتمال الجواب على المطلوب، وعلى غيره. قوله: (في صورة دحية). قال صاحب "الجامع": "دحية: بكسر الدال وسكون الحاء
[ ٦ / ٢٨ ]
فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان: هذا إنسانٌ وليس بملك، فإن قال لهم: الدليل على أني ملكٌ أني جئت بالقرآن المعجز، وهو ناطقٌ بأني ملك لا بشر، كذبوه كما كذبوا محمدًا ﷺ، فإذا فعلوا ذلك خذلوا كما هم مخذولون الآن، فهو ليس الله عليهم.
ويجوز أن يراد: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ حينئذٍ مثل ما يلبسون على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات الله البينة، وقرأ ابن محيصن: "ولبسنا عليهم"، بلامٍ واحدة. وقرأ الزهري: "وللبسنا عليهم ما يلبسون"، بالتشديد.
[(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].
_________________
(١) ـ المهملة، كذا يرويه أكثر أصحاب الحديث، وأهل اللغة، وقال الأمير أبو نصر بن ماكولا: هو بالفتح"، وهو الذي كان ينزل جبريل ﵇ في صورته. قوله: (ويجوز أن يراد: وللبسنا عليهم حينئذٍ)، اعلم أن ﴿مَّا ﴿في قوله: ﴿مَّا يَلْبِسُونَ ﴿: إما موصولة، والعائد محذوف، وهو مفعول ﴿ولَلَبَسْنَا ﴿، كما ذكره أبو البقاء. وعليه الوجه الأول في الكتاب، ومن ثم قدر "حينئذٍ" بعد تمام الكلام. والمراد باللبس: الخلط في أمر الرسول ﷺ. المعنى: لخلطنا عليهم الذي يخلطونه على أنفسهم، في كون الرسول ينبغي أن يكون ملكًا لا بشرًا. هذا على مذهب أهل السنة ظاهر، دون مذهبهم، ولهذا أول اللبس بالخذلان، حيث قال: "خذلوا كما هم مخذولون الآن، فهو لبس الله عليهم".
[ ٦ / ٢٩ ]
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ) تسليةٌ لرسول الله ﷺ عما كان يلقى من قومه، (فَحاقَ) بهم: فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو الحق، حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به.
[(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)].
فإن قلت: أي: فرق بين قوله: (فَانْظُروا) وبين قوله: (ثُمَّ انْظُرُوا)؟ قلت: جعل النظر مسببًا عن السير في قوله: (فَانْظُروا)، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، وأما قوله: (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا)
_________________
(١) ـ أو مصدرية، وهو مفعول مطلق، والكلام فيه تشبيه، وحينئذ لبس الله غير لبسهم. ولهذا كرر الظرف، حيث قال أولًا: "حينئذٍ"، وثانيًا: "الساعة". والمراد باللبس: الكفر في أمر آيات الله، وهو ما يعلم من قوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿[الأنعام: ٧]. وإليه الإشارة بقوله: "في كفرهم بآيات الله البينة". قوله: (حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به). يعني أن قوله: ﴿مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿من باب إطلاق السبب على المسبب، لأن المحيط بهم هو العذاب، لا المستهزأ به، ولما كان سببًا له وضع موضعه للمبالغة. قوله: (أي فرقٍ بين قوله: ﴿فَانظُرُوا ﴿)، أي: في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا ﴿[آل عمران: ١٣٧].
[ ٦ / ٣٠ ]
فمعناه: إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك بـ (ثم)، لتباعد ما بين الواجب والمباح.
[(قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)].
(لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) سؤال تبكيت،
_________________
(١) ـ قوله: (إباحة السير في الأرض للتجارة …، وإيجاب النظر). يريد: الأمر على الأول واحد مقيد، وعلى الثاني شيئان: فالأول مباح، والثاني واجب، بدلالة ﴿ثم ﴿. قال صاحب "التقريب": "إنما لم يحمل على التراخي، وعدل إلى المجاز، إذ واجب النظر في آثار الهالكين حقه ألا يتراخي عنه السير". وقلت: يمكن أن يأمرهم بالسير أولًا، وبالنظر ثانيًا على الوجوب، ويكون الثاني أعلى رتبة، لأن الكلام مع المنكرين، كما تقول: "توضأ ثم صل"، والآية مع الفاء متضمنة للتنبيه على الغفلة، أو للتوبيخ على التغافل، ومع "ثم" للتعبير على التواني والتقاعد. وإلى الأول الإشارة بقوله: "ولا تسيروا سير الغافلين". الراغب: "قيل: حث على السياحة في الأرض بالجسم، وقيل: على إجالة الفكر، ومراعاة أحواله، كما روي في وصف الأنبياء ﵈: أبدانهم في الأرض سائرة، وقلوبهم في الملكوت جائلة". قوله: (سؤال تبكيت)، الأساس: "ومن المجاز: بكته بالحجة، أي: غلبه. وبكته: ألزمه ما عيي بالجواب عنه".
[ ٦ / ٣١ ]
و(قُلْ لِلَّهِ) تقريرٌ لهم، أي: هو الله، لا خلاف بيني وبينكم، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئًا منه إلى غيره، (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) أي: أوجبها على ذاته؛ في هدايتكم إلى معرفته، ونصب الأدلة لكم على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السموات والأرض، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر وإشراكهم به من لا يقدر على خلق شيءٍ بقوله: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) فيجازيكم على شرككم.
_________________
(١) ـ يعني: إذا سئلوا عن قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ﴿[الأنعام: ١٢]، لا محيد لهم إلا أن يقولوا: لله، ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴿[لقمان: ٢٥]. قوله: (و﴿قُل لِّلَّهِ ﴿: تقرير)، قيل: أي إلجاء إلى الإقرار. الجوهري: "تقرير الإنسان بالشيء: حمله على الإقرار به"، والأولى أن يكون من تقرير الشيء: إذا جعل في مكانه. الجوهري: "قررت عنده الخبر حتى استقر". أي: قرر الجواب لأجلهم، فكأن قوله قولهم، لأنه لا خلاف بينه وبينهم. وهذا هو المراد من قوله: "لا خلاف بيني وبينكم". قال الإمام: "أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالسؤال أولًا، وبالجواب ثانيًا. وهذا إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر، ولا على دفعه دافع". قوله: (أوجبها على ذاته؛ في هدايتكم إلى معرفته) إلى آخره. قال القاضي: " ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿: التزمها فضلًا وإحسانًا. والمراد بالرحمة: ما يعم الدارين، ومن ذلك: الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده، بنصب الأدلة، وإنزال الكتب، ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴿:
[ ٦ / ٣٢ ]
_________________
(١) ـ استئناف وقسم للوعيد في إشراكهم وإغفالهم النظر، أي: ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة، أو في يوم القيامة. و"إلى" بمعنى: في". وقال الزجاج: يجوز أن يكون تمام الكلام: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿، ثم استأنف ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴿، ويجوز أن يكون ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴿بدلا من ﴿الرَّحْمَةَ ﴿، وفسر رحمته بأنه يمهلهم إلى يوم القيامة. والإمهال: الرحمة. وقلت: تفسير الرحمة بالعموم أولى، لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لما قضى الله الخلق كتب كتابًا، فهو عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي"، وفي رواية: "غلبت غضبي". والحمل على الاستئناف أقضى لحق البلاغة، وذلك أن للكفار - عند ذلك السؤال المبكت، والجواب المقرر المسكت - أن يزعموا: ما بال هذا العزم القوي والتشديد فيه؟ فيقال لهم: لأنكم ما خلقتم سدى، ما خلقكم الله إلا لرحمته، تعرفونه، وتعبدونه، وتفعلون ما تستأهلون به رحمته، لأنه واسع الرحمة، والله يدعو إلى دار السلام. ويؤيده قول محيي السنة: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿: استعطاف منه للمتولين عنه إلى الإقبال عليه، وإخبار بأنه رحيم بالعباد، ولا يعجل العقوبة، ويقبل الإنابة والتوبة.
[ ٦ / ٣٣ ]
وقوله: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) نصبٌ على الذم، أو رفع؛ أي: أريد الذين خسروا أنفسهم، أو أنتم الذين خسروا أنفسهم.
فإن قلت: كيف جعل عدم إيمانهم مسببًا عن خسرانهم، والأمر على العكس؟ قلت: معناه: الذين خسروا أنفسهم في علم الله: لاختيارهم الكفر. فهم لا يؤمنون.
_________________
(١) ـ ثم إن القوم لما كانوا ممن طبع على قلوبهم، لهم أن يقولوا عند الأمر بالتكليف، وترك العبادات، وأنهم خلقوا ليعملوا فيجازوا به: ليس الأمر كذلك، بل ﴿نَمُوتُ ونَحْيَا ومَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْر ﴿[الجاثية: ٢٤]. فوبخوا عند ذلك بقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ﴿، كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وأَنَّكُمْ إلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ﴿[المؤمنون: ١١٥]. وإدخال لام القسم دل على الترقي في الإنكار، كقول الرسل: ﴿إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿[يس: ١٦] في الكرة الثانية. قوله: (معناه: الذين خسروا أنفسهم في علم الله تعالى). قال الإمام: هذا يدل على أن سبق القضاء بالخسران هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان. وذلك عين مذهب أهل السنة. وقال صاحب "الفرائد": "ويمكن أن يقال: من أضاع رأس المال، لم يحصل له الربح. ورأس المال هو نفس الحياة، والربح الإيمان، فإذا أضاعها فيما لا يعنيه فقد أهلكها، فلم يحصل له الربح". هذا أقرب إلى أصول المعتزلة. كما أن قول المصنف عين مذهب أهل السنة.
[ ٦ / ٣٤ ]
_________________
(١) ـ وقلت: مدار هذين القولين على معنى الذم في قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ﴿، فإذا حمل على قوله: "أريد الذين خسروا أنفسهم" كان الأولى أن يجري على العموم، ليدخل هؤلاء فيه دخولًا أوليًا. فحينئذٍ يتوجه عليه سؤال المصنف، ونطبق عليه جوابه. وإذا حمل على "أنتم الذين خسروا أنفسهم" ليختص بالمخاطبين، كان المناسب ما ذهب إليه صاحب "الفرائد". والذي يقتضيه النظم أن الآية كالتذييل لما سبق، وذلك أن الكلام من ابتداء السورة في حق المعاندين الممترين، ذكرهم آيات الآفاق والأنفس، ثم أنذرهم بإهلاك من هم أشد منهم تمكنًا في الأرض، ثم وبخهم على قولهم في الكتاب: إنه ﴿سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿، وعلى اقتراحهم: ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴿، وأرشدهم إلى السير في الأرض للاعتبار، ومكنهم، وقررهم، وعرضهم لرحمة الله الواسعة، ثم بعد الإياس من إيمانهم أتى بقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ﴿، أي: في علم الله ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿ذمًا لهم، وتسليةً للرسول ﷺ لئلا تذهب نفسه عليهم حسرات. نحوه ما سبق في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ﴿[البقرة: ٧] بقوله: ﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿[القرة: ٦]. ولهذا أوقع الفاصلة بين
[ ٦ / ٣٥ ]
[(وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].
(وَلَهُ) عطفٌ على (الله)، (ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) من السكنى، وتعديه بفي كما في قوله (وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [إبراهيم: ٤٥]. (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) يسمع كل مسموع، ويعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شيءٌ مما يشتمل عليه الملوان.
_________________
(١) ـ قوله: ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهَارِ ﴿الآية، وبين المعطوف عليه، لأن لهما مدخلًا في التسلي. قوله: (﴿ولَهُ ﴿عطف على: ﴿لِلَّهِ ﴿) أي: قل: لله ما في السموات والأرض، ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهَارِ ﴿). يعني: "سكن" من السكني، جاء متعديًا بنفسه وبـ"في". وقال في "الأساس": "وسكنوا الدار، وسكنوا فيها. وأسكنتهم الدار، وأسكنتهم فيها". ومقصوده من جعله من "السكنى" دون "السكون": التعميم والشمول، إذ لو جعل من السكون الذي يقابل الحركة، لفات الشمول الذي عناه بقوله: "مما يشتمل عليه الملوان"، واقتضاه عطف ﴿ولَهُ ﴿على: ﴿لِلَّهِ ﴿. كما قال صاحب "التقريب": وإنما أدرجه، يعني: قوله: ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ ﴿تحت قوله: ﴿قُلْ ﴿، ولم يجعله مستأنفًا، كما هو السابق إلى الفهم، ليكون احتجاجًا ثانيًا على المشركين إيذانًا بأن له ما استقر في الأمكنة، وما استقر في الأزمنة. وعليه معنى كلام الزجاج.
[ ٦ / ٣٦ ]
[(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ)].
(أ) وَلي (غَيْرَ اللَّهِ)؟ همزةُ الاستفهام دون الفعل الذي هو (أَتَّخِذُ)؛ لأنّ الإنكار في اتخاذ غير الله وليًا، لا في اتخاذ الولي، فكان أولى بالتقديم، ونحوه: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ) [الزمر: ٦٤]، (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) [يونس: ٥٩]. وقرئ: (فاطِرِ السَّماواتِ) بالجرّ صفة لله، وبالرفع على المدح. وقرأ الزهري: "فطر" …
_________________
(١) ـ وقال القاضي: "ويجوز أن يكون من السكون أيضًا، أي: وله ما سكن فيهما، أو تحرك. فاكتفي بأحد الضدين عن الآخر". وقلت: ثم المناسب أن يكون قوله: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴿مردودًا إلى المعطوف والمعطوف عليه، أي: يعلم كل معلوم من الأجناس المختلفة في السموات والأرض، ويسمع هواجس كل ما سكن في الملوين من الحيوان وغيره. وعلى ما ينبئ عنه كلام المصنف أنه من تتمة قوله: ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ ﴿لقوله: "مما يشتمل عليه الملوان". قوله: (لأن الإنكار في اتخاذ غير الله) سيجيء تحقيقه في قوله: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ ﴿[الأنعام: ١٠٠]. قوله: (﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴿. إيراده هاهنا يوهم أن تقديم اسم "الله" على
[ ٦ / ٣٧ ]
_________________
(١) ـ الفعل كتقديم "غير الله" على الفعل في الموضعين. وليس بذلك، إذ المراد أن إيلاء هذا الاسم حرف الإنكار، وبناء الخبر عليه، دون العكس، وأن يقال: أأذن الله لكم؟ لأنه الأصل في الاستفهام، لاسيما وقد عطف عليه: ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴿[يونس: ٥٩]، وهي فعلية، إذن بتقوية حكم إنكار أن الله هو الآذن، لا حصول الإذن مطلقًا. ألا ترى كيف استشهد به لقوله: "لأن الإنكار في اتخاذ غير الله، لا في اتخاذ الولي"؟ وكيف يوهم تقديم المعمول؟ . والتركيب من باب تقوى الحكم، مثله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ ﴿[الزمر: ٢٣]. وقال فيه المصنف: "إيقاع اسم ﴿الله ﴿مبتدأ، وبناء ﴿نَزَّلَ ﴿عليه، فيه تفخيم لـ ﴿أَحْسَنَ الحَدِيثِ ﴿، وتأكيد لإسناده إلى الله، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا منه". فظهر أن المراد بالتقديم في قوله: "فكان أولى بالتقديم" الاهتمام دون التخصيص. وإلى هذا ينظر قول صاحب "المفتاح": "فلا يحمل قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴿[يونس: ٥٩] على التقديم، فليس المراد أن الإذن ينكر من الله دون غيره، ولكن احمله على الابتداء، مرادًا منه تقوية حكم الإنكار". تم كلامه. هذا التقدير مبني على أن تكون ﴿أَمْ ﴿منقطعة، والهمزة فيها للتقرير، وفي ﴿آللَّهُ﴾
[ ٦ / ٣٨ ]
وعن ابن عباس ﵄: ما عرفت ما فاطر السموات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها.
(وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ): وهو يرزق ولا يرزق، كقوله: (ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) [الذاريات: ٥٩]، والمعنى: أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع.
وقرئ: "ولا يطعم"؛ بفتح الياء. وروى ابن المأمون عن يعقوب: "وهو يطعم ولا يطعم"؛ على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل،
_________________
(١) ـ للإنكار، فيفيد توكيد الافتراء ومزيد تقريره، والله أعلم. قوله: (أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع). يريد أن قوله تعالى: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿من إطلاق أعظم الشيء على كله، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ﴿[النساء: ١٠]، لأن أعظم المنافع عند الحيوان الطعم. وإنما عبر عن المنافع بالطعم، لأن قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ ولِيًا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿جاء تقريرًا للجواب السابق، وهو قوله: ﴿قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿إلى قوله: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴿. يعني: قل لهم بعد ذلك التقرير: أغير الذي ذكرته من له ما في السموات وما في الأرض، والذي منه الرحمة العظمي أتخذ وليًا؟ فوضع: ﴿يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿، موازيًا لـ ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿تعييرًا لهم، وأنهم لا يعرجون إلا إلى المعارف الوارفة من الطعم، واستيفاء الشهوات واللذات الجسمانية، كالبهائم.
[ ٦ / ٣٩ ]
والضمير لـ"غير الله". وقرأ الأشهب. "وهو يطعم ولا يطعم"، على بنائهما للفاعل، وفسر بأن معناه: وهو يطعم ولا يستطعم. وحكى الأزهرى: أطعمت، بمعنى: استطعمت، ونحوه: أفدت. ويجوز أن يكون المعنى: وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى؛ على حسب المصالح، كقولك: وهو يعطي ويمنع، ويبسط ويقدر، ويغني ويفقر.
(أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) لأنّ النبي سابق أمته في الإسلام، كقوله: (وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: ١٦٣] وكقول موسى: (سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف: ١٤٣].
_________________
(١) ـ قوله: (الضمير لـ"غير الله"، أي: في قوله: "وهو يطعم" على البناء للمفعول. وفيه إشكال، لأن الأصنام لا توصف بأنها تطعم ولا تطعم، وليس الكلام مع اليهود والنصارى، ليقال: إن المسيح أو عزيز يطعم ولا يطعم والجواب: أن المقصود من قوله: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿إذا أخذ بزبدته على سبيل الكناية، إنها تربي ولا تربي، كقوله: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿[النحل: ٢٠]. قوله: (ونحوه: أفدت)، أي: استفدت. الأساس: "أفدت منه خيرًا واستفدته". قال الشماخ: أفاد سماحة وأفاد حمدًا … فليس بجامدٍ لحزٍ ضمين أي: استفاد حمدًا.
[ ٦ / ٤٠ ]
(وَلا تَكُونَنَّ) وقيل لي: لا تكونن (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ومعناه: أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك.
و(مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ) العذاب (يَوْمَئِذٍ فَقَدْ ﵀) الرحمة العظمى، وهي النجاة، كقولك: إن أطعمت زيدًا من جوعه فقد أحسنت إليه، تريد: فقد أتممت الإحسان إليه، أو: فقد أدخله الجنة، لأن من لم يعذب لم يكن له بدّ من الثواب.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿فَقَدْ رَحِمَهُ ﴿الله الرحمة العظمى). فسر مطلق الرحمة بالرحمة العظمى، لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا معنى، وكان الجزاء مطلقًا، دل على عظم شأن الجزاء. أصل الكلام: من يصرف عنه العذاب يومئذٍ فقد نجا، فوضع موضعه: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ ﴿. وإليه الإشارة بقوله: "هي النجاة". نظيره قوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴿[آل عمران: ١٨٥]، أي: فقد حصل له الفوز المطلق المتناول ما يقاربه. وقوله تعالى: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴿[آل عمران: ١٩٢]. قال المصنف: "فقد بالغت في إخزائه". قوله: (أو فقد أدخله الجنة) فهو من التقسيم الحاصر، لأنه لا ثالث. وإليه الإشارة بقوله: "لم يكن له بد من الثواب". قال في "الانتصاف": "لو بقيت الرحمة على إطلاقها، لما زاد الجزاء على الشرط، لأن صرف العذاب رحمة، فاحتاج إلى أحد التأويلين، فصححه الزمخشري بأن صرف العذاب يستلزم الثواب. ولعمري، قاعدة الاعتزال تلجئه إلى التأويل. وقال القونوي: إن صرف العذاب لا يستلزم الثواب، فأفاد الجزاء إذن فائدة لم تفهم من الشرط". وقلت: لا يلجئه إلى التأويل سوى اتحاد الجزاء مع الشرط، وكونه مطلقًا، فتارةً قيد الرحمة بالعظمي، وأخرى بالجنة.
[ ٦ / ٤١ ]
وقرئ: "من يصرف عنه" على البناء للفاعل، والمعنى: من يصرف الله عنه في ذلك اليوم فقد رحمه، بمعنى: من يدفع الله عنه ويحفظه، وقد علم من المدفوع عنه. وترك ذكر المصروف، لكونه معلومًا أو مذكورًا قبله وهو العذاب. ويجوز أن ينتصب (يومئذ) بـ"يصرف" انتصاب المفعول به، أي: من يصرف الله عنه ذلك اليوم- أي: هَوْلَه- فقد رحمه. وينصر هذه القراءة قراءة أبىّ ﵁: "من يصرف الله عنه".
[(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ) من مرض أو فقر أو غير ذلك من بلاياه،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "من يصرف عنه" على البناء للفاعل) أبو بكر، وحمزة، والكسائي. قوله: (وقد علم من المدفوع عنه) يعني: من منهم، ولم يبينه، لأنه علم أن الذي يدفع عنه العذاب لا يكون غير المكلف، ولذا ترك ذكر المصروف، وهو العذاب، لأن المقام لا يقتضي غيره. قوله: (﴿بِضُرٍ ﴿من مرضٍ أو فقرٍ، أو غير ذلك)، الراغب: "الضر: سوء الحال، إما في النفس، لقلة العلم والفضل والعفة، وإما في البدن، لعدم جارحه، ونقص، ومرض، وإما في حالة ظاهرة من قلة مالٍ وجاه. وقوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ﴿[الأنبياء: ٨٤]
[ ٦ / ٤٢ ]
فلا قادر على كشفه إلا هو، (وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ) من غنى أو صحة، (فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فكان قادرًا على ادامته أو إزالته.
[(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)].
(فَوْقَ عِبادِهِ) تصوير للقهر والعلوّ بالغلبة والقدرة، كقوله: (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ) [الأعرافك ١٢٧].
[(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)].
"الشيء": أعم العام لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، فيقع على القديم والجرم والعرض والمحال والمستقيم،
_________________
(١) ـ يحمل عليها. ورجل ضرير: كناية عن فقد بصره. والضرة: أصلها الفعلة التي تضر، لاعتقادهم أنها تضر بالمرأة الأخرى. والإضرار: حمل الإنسان على ما يضره. وهو في التعارف: حمله على أمرٍ يكرهه". قوله: (فكان قادرًا على إدامته أو إزالته). يريد أن قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿جواب للشرط مقابل لقوله: ﴿فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ ﴿. وكان من الظاهر أن يقال: فلا راد لفضله، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ وإن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴿[يونس: ١٠٧]. لكن جيء به هاهنا عامًا ليشمل ذلك وغيره، وليتصل به قوله: ﴿وهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴿.
[ ٦ / ٤٣ ]
ولذلك صحّ أن يقال في الله ﷿: شيء لا كالأشياء، كأنك قلت: معلوم لا كسائر المعلومات، ولا يصح: جسم لا كالأجسام.
وأراد: أي شهيدٍ (أَكْبَرُ شَهادَةً)، فوضع "شيئًا" مقام "شهيد" ليبالغ في التعميم، (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)
_________________
(١) ـ قوله: (ولذلك صح أن يقال في الله تعالى: شيء لا كالأشياء). نقل الإمام عن جهم أنه كان ينكر كونه تعالى شيئًا، ويحتج بقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى ﴿[الأعراف: ١٨٠]، ويقول: "إذا دل اسم على صفةٍ من صفات الكمال، يطلق عليه، والشيء ليس كذلك، فلا يجوز إطلاقه عليه". دليل الجمهور هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وجْهَهُ ﴿[القصص: ٨٨]، استثنى من ﴿كُلِّ شَيْءٍ ﴿ذاته، ولأن لفظ "الشيء" أعم الأشياء، فيشمل الواجب والممكن. فالنزاع لفظي. قوله: (ليبالغ بالتعميم)، وذلك أنه لو قيل: أي شهيدٍ أكبر شهادة؟ خص بالشاهد المتعارف، ومن يقال له: "شهيد" فيعم، ليعرض ما يصلح للشهادة من أي جنس كان، متعارفًا وغير متعارف، فيكون أدخل في المبالغة.
[ ٦ / ٤٤ ]
يحتمل أن يكون تمام الجواب عند قوله: (قُلِ اللَّهُ)، بمعنى: الله أكبر شهادة، ثم ابتدئ: (شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أي: هو شهيد بيني وبينكم،
_________________
(١) ـ قوله: (أن يكون تمام الجواب عند قوله تعالى: ﴿قُلِ الله ﴿، فهو أيضًا من باب قوله: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ قُل لِّلَّهِ ﴿[الأنعام: ١٢]. وأما قضية النظم على هذا، فهي أنه تعالى لما افتتح السورة بدلائل الآفاق والأنفس، وقرن معهما حججًا شتى، نبه بهذه الآية على أن كل ذلك شهادة من الله على إثبات توحيده، وعلمه، وقدرته، وسائر الصفات المستتبعة، لأن نصب الأدلة، وإقامة البراهين والحجج، هو الأصل فيها. ولهذا فصل شهادة الله عن شهادة الغير في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْمِ ﴿[آل عمران: ١٨]. يعني: من يقدر على مثل هذه الأشياء إلا الله، حتى يكون أكبر شهادةً منه؟ ثم جعل ذلك مخلصًا ووسيلةً إلى إثبات رسالته صلوات الله عليه بقوله: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴿. يعني: مثل هذا الشاهد العظيم الشأن، الباهر القدرة، يشهد بيني وبينكم، وهو مصدق لدعواي بأني رسول حق، وكلامي صدق، وشهادته لي بأن أنزل على هذا الكتاب الكريم، المعجز، الفائق، الهادي إلى الطريق المستقيم. وإليه الإشارة بقوله: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ ﴿، أي: لأثبت دعواي به، وأنذركم؛ فأعظم بمشهودٍ له من هذه صفات شاهده! ثم أنكر عليهم الإنكار البليغ بقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى ﴿[الأنعام: ١٩]، يعني: بعد توضيح هذه الدلالات، وتبيين هذه الآيات البينات، أنتم ثابتون مستقرون على ما كنتم عليه؟ ما أشد شكيمتكم، وأعظم عنادكم! وإليه الإشارة بقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ ﴿تقرير لهم، مع إنكارٍ واستبعاد.
[ ٦ / ٤٥ ]
وأن يكون (اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) هو الجواب، لدلالته على أنّ الله ﷿ إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم، فأكبر شيء شهادة شهيدٍ له.
(وَمَنْ بَلَغَ) عطفٌ على ضمير المخاطبين من أهل مكة. أي: لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم. وقيل: من الثقلين. وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة. وعن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدًا ﷺ.
(أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ) تقرير لهم مع إنكار واستبعاد، (قُلْ لا أَشْهَدُ) شهادتكم.
[(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)].
_________________
(١) ـ ثم قوله: ﴿قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿[الأنعام: ١٩] أمر للرسول ﷺ بالإعراض عنهم، والتبري من شركهم، والتبتل إلى الله تعالى، لأن ذلك سنة أبيه إبراهيم، فإنه بعد ما أنذر وبالغ فيه، قال: ﴿وأَعْتَزِلُكُمْ ومَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأَدْعُو رَبِّي ﴿[مريم: ٤٨]. وبعد الاحتجاج عليهم بالكواكب، قال: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ﴿[الأنعام: ٧٨ - ٧٩]. قوله: (وأن يكون ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴿هو الجواب)، أي: المجموع. فعلى هذا هو من الأسلوب الحكيم. يعني: شهادته معلومة، كما سبق، لا كلام فيه، وإنما الكلام في أنه شاهد لي عليكم، مبين لدعواي بإنزال هذا الكتاب الكريم. وإذا ثبت أن الله تعالى شاهد لي، يلزم ما قال المصنف: "فأكبر شيء شهادةً شهيد له". قوله: (وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة). قال القاضي: "هو دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله، ومن بعدهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه".
[ ٦ / ٤٦ ]
(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) يعني: اليهود والنصارى، يعرفون رسول الله ﷺ بحليته ونعته الثابت في الكتابين معرفة خالصة، (كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ) بحلاهم ونعوتهم، لا يخفون عليهم ولا يلتبسون بغيرهم. وهذا استشهادٌ لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة نبوّته.
ثم قال: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) من المشركين ومن أهل الكتاب الجاحدين (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) به،
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا استشهاد لأهل مكة)، أي: هذا الكلام استشهاد لأجل أهل مكة. ووزان هذا مع ما قبله وزان قوله تعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ ﴿[الرعد: ٤٣]. قال: " ﴿كَفَى بِاللَّّهِ شَهِيدًا ﴿، لما أظهر من الأدلة على رسالتي، ﴿ومَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ ﴿من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا". ولكن هذا خاص ابتداءً، وما نحن بصدده عام مخصص بقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ﴿. وبيانه: أنه تعالى أمر رسوله ﷺ أولً بأن يقول للكافرين: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القُرْآنُ ﴿إثباتًا لنبوته، بكونه تعالى أظهر هذا الكلام المعجز دلالةً عليها، ثم ثنى بقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴿[البقرة: ١٤٦] تقريرًا وتوكيدًا، ثم قدر للمشركين أن يقولوا: إن أكثر أهل الكتابين لا يشهدون بذلك، فيجابوا بقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم ﴿: من المشركين ومن أهل الكتاب"، يعني كما أن الكفار عرفوه حق معرفته، بالمعجزات القاهرة، أنه رسول من الله، صادق فيما جاء به، ثم كابروا وعاندوا، كذلك أكثر أهل الكتابين: عرفوه بحليته ونعته الثابت في الكتابين، فهم فيه سواء. والله أعلم.
[ ٦ / ٤٧ ]
جمعوا بين أمرين متناقضين، فكذبوا على الله بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح، حيث قالوا: (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) [الأنعام: ١٤٨]، وقالوا: (وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) [الأعراف: ٢٨]، وقالوا: "الملائكة بنات الله"، و(هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ) [يونس: ١٨]، ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب،
_________________
(١) ـ قوله: (جمعوا بين أمرين متناقضين)، فيه جمع، وتقسيم، وتفسير، فالجمع قوله: "جمعوا بين أمرين متناقضين"، والتقسيم: قوله: "فكذبوا على الله ما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة". وقوله: "حيث قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴿[الأنعام: ١٤٨]، إلى قوله: "تحريم البحائر والسوائب" تفسير لقوله: فكذبوا على الله". وقوله: "وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات، وسموها سحرًا، ولم يؤمنوا بالرسول ﷺ" تفسير لقوله: "وكذبوا بما ثبت بالحجة".
[ ٦ / ٤٨ ]
_________________
(١) ـ وبيان التناقض أنهم نسبوا إلى الله تعالى ما لم ينزل به سلطانًا، فصدقوه، وعزلوا عن الله تعالى ما كان منسوبًا إليه، من القرآن والآيات والرسول، فكذبوا بها. وفي قوله: "بين أمرين متناقضين" تسامح. قال القاضي: "إنما ذكر: ﴿أَوّ ﴿بمعنى الواو، كقوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿[المرسلات: ٦]. وفي كلامه رائحة من الاعترال ثم الأحسن والأوفق لتأليف النظم أن تستنبط هذه المعاني من الآيات الثلاث، فقوله: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿أصله: لا يفلح الكافرون، لأنه تذييل وتأكيد لما سبق، وليس فيه إلا حديث الكذب والتكذيب، فعلم منه أن دأبهم الكذب، وأنهم ليسوا من الصدق في شيء. ثم قوله: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿: بيان لدأبهم وعادتهم. وقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿، وقوله: ﴿وضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿: بيان لكذبهم على الله، كقوله: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ﴿[يونس: ١٨]. وقوله: ﴿وإن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا ﴿، إلى قوله: ﴿إنْ هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿: بيان لتكذيبهم بآيات الله.
[ ٦ / ٤٩ ]
وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات، وسموها سحرًا، ولم يؤمنوا بالرسول ﷺ.
[(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ* ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ* انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)].
(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) ناصبه محذوف، تقديره: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل في التخويف، (أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله.
_________________
(١) ـ قوله: (وذهبوا فكذبوا القرآن)، الأساس: "ومن المجاز: ذهب على كذا: نسيته. وذهب الرجل في القوم، والماء في اللبن: ضل". قوله: (﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴿: ناصبه محذوف)، إلى قوله: (كان كيت وكيت)، أي: مما لا يدخل تحت الوصف. ورأيت أيها المخاطب أمرًا فظيعًا، يسلي رسول الله ﷺ، وذلك أنه تعالى لما أرشده صلوات الله عليه إلى توبيخ المشركين، بقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى ﴿، ثم أمره بأن يواجههم بكلمة المتاركة والموادعة، وهي قوله: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿، شرع يسليه بقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ ﴿، إلى قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿. يعني: إن كان أولئك الخاسرون لا يعرفونك، ولا يؤمنون بما جئت به، فالمؤمنون من أهل الكتابين يعرفونك حق المعرفة. وفي قوله: "هذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به" إيماء إلى ذلك.
[ ٦ / ٥٠ ]
وقوله: (الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) معناه: تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان.
وقرئ: "يحشرهم"، "ثم يقول"؛ بالياء فيهما. وإنما يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ.
ويجوز أن يشاهدوهم، إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة، فكأنهم غيب عنهم، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها، فيروا مكان خزيهم وحسرتهم.
_________________
(١) ـ ثم قال: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿، أي: لا يفوزون في الدنيا بمباغيهم، بل يخسرون أنفسهم، وتستأصلون شأفتهم بأيديكم، ثم يوم القيامة أدهي وأمر. قوله: (فكأنهم غيب). الغيب: ما غاب عنك. وجمع الغائب: غيب، وغياب، وغيب أيضًا. وإنما تثبت فيه الياء مع التحريك، لأنه شبه بـ"صيد"، وإن كان جمعًا، وصيد: مصدر قولك: بعير أصيد. قوله: (وأن يحال بينهم) عطف على "أن يشاهدوهم". وقوله: "ويجوز أن يشاهدوهم" على قوله: "وإنما يقال لهم ذلك على جهة التوبيخ". يعني: إنما يقال للمشركين: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ﴿على سبيل التوبيخ، كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴿، إلى قوله: ﴿ومَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ﴿[الأنعام: ٩٤]. أو يقال لهم وهم يشاهدونهم على سبيل التعيير، أي: ادعيتم أن هؤلاء شركاؤنا، فيشفعون لنا عند الله، فأين شفاعتهم؟ كما تقول للمهدد، ومعه صاحبه، وقد ادعى أنه يعينه في الشدائد، وقد وقع فيها وخذله: "أين زيد؟ " فجعلته، لعدم نفعه وإن كان حاضرًا، كالغائب.
[ ٦ / ٥١ ]
(فِتْنَتُهُمْ): كفرهم، والمعنى: ثم لم تكن عاقبة كفرهم - الذي لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه وافتخروا به، وقالوا دين آبائنا- إلا جحوده والتبرؤ منه، والحلف على الانتفاء من التدين به. ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا فسمى فتنة، لأنه كذب.
_________________
(١) ـ أو يقال لهم حين يحال بينهم وبينهم، كما تقول لمن ادعى أن له ناصرًا ينصره، ويدفع عنه المكاره، وقد جاء لنصرته، فطمع في ذلك، فضربت الحيلولة بينه وبينه، ثم قلت: أين ناصرك الذي علقت به الرجاء؟ ادعه! لتريه تحسره وخيبته. ومنه قول الشاعر: كما أبرقت قومًا عطاشًا غمامة … فلما رأوها أقشعت وتجلت لذلك قال: "علقوا بهم الرجاء فيها". الوجه الأول حقيقة، والثاني مجاز، والثالث كالأول. قوله: (لأنه كذب). يعني: إنما سمي الجواب فتنةً، لأن قولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿كان كذبًا، والكذب سبب لإيقاع الإنسان في الفتنة وورطة الهلاك. فعلى هذا، قولهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿مجرى على ظاهره. و"ثم" للتراخي في الرتبة. يعني: أن جوابهم هذا أعظم في تصورهم من توبيخنا إياهم بقولنا: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ﴿؟ وهذا هو الداعي إلى وضع الفتنة موضع الجواب.
[ ٦ / ٥٢ ]
وقرئ: (تكن) بالتاء، و"فتنتهم" بالنصب، وإنما أنث "أَنْ قالُوا" لوقوع الخبر مؤنثًا، كقولهم: من كانت أمّك؟ وقرئ بالياء ونصب "الفتنة"، وبالياء والتاء مع رفع "الفتنة"،
_________________
(١) ـ وعلى الأول قولهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿كناية عن التبري عنهم، وانتفاء التدين به، و"ثم" مجرى على ظاهره، لقوله: "ثم لم تكن عاقبة كفرهم". قوله: (وقرئ: ﴿تَكُن ﴿بالتاء) - المنقوطة فوقها نقطتان - (و"فتنتهم" بالنصب). ذكر فيه ثلاث قراءات، أولها: لحمزة والكسائي، وثانيتها: شاذة، وثالثتها: لحفص، وابن كثير، وابن عامر. قال الزجاج: "إن نضب "فتنة" على خبر ﴿تَكُن ﴿، و﴿أَن قاَلُوا ﴿: الاسم، فأنثت ﴿تَكُن ﴿، وفاعله: ﴿أَن قاَلُوا ﴿، لأن ﴿أَن قاَلُوا ﴿هو الفتنة، ويجوز: "إلا مقالتهم" وهو مؤنث. ويجوز رفع "الفتنة" على اسم ﴿تَكُن ﴿، و﴿أَن قاَلُوا ﴿: الخبر. ويجوز: "لم يكن" على التذكير، والفاعل ﴿أَن قاَلُوا ﴿. ويجوز على التذكير، والفاعل "فتنتهم" على تأويل الافتتان. وتأويل الآية حسن لطيف، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام، وتصرف العرب. ومثلها أن ترى إنسانًا يحب غاويًا، فإذا وقع في هلكةٍ تبرأ منه، فيقال له: ما كانت محبتك لفلانٍ إلا أن تبرأت منه". وقال صاحب "التقريب" في الاستشهاد بقوله: "من كانت أمك" نظر، لأن "من" يذكر ويؤنث.
[ ٦ / ٥٣ ]
وقرئ: "ربنا" بالنصب على النداء.
(وَضَلَّ عَنْهُمْ): وغاب عنهم، (ما كانُوا يَفْتَرُونَ) أي: يفترون إلهيته وشفاعته.
فإن قلت: كيف يصحّ أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور، وعلى أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشًا؛ ألا تراهم يقولون: (رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ) [المؤمنون: ١٠٧]، وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه، وقالوا: (يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ) [الزخرف: ٧٧]، وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.
_________________
(١) ـ وأجيب: أن "من" إنما يؤنث ويذكر باعتبار مدلوله، وإبهامه، وشيوعه، كالمشترك. وأما لفظه فليس إلا مذكرًا. روى المصنف عن سيبويه: "إنما يخرج التأنيث من التذكير، ألا ترى أن "الشيء" يقع على ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى! والشيء مذكر وهو أعم العام". قوله: (وقرئ: "ربنا" بالنصب): حمزة والكسائي. قوله: (أي: يفترون إلهيته وشفاعته). خص هذا التقدير، لأن قولهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿جواب عن قوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ﴿، أي: أين آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، وزعمتم أنهم يشفعون لكم؟ حتى يخلصوكم الآن مما أنتم فيه من ورطات الهلاك. و﴿مَّا ﴿في ﴿ومَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿موصولة، فحذف المضاف أولًا، فصار: "يفترونه"، ثم حذف الضمير الراجع.
[ ٦ / ٥٤ ]
وأما قول من يقول: معناه: ما كنا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا أنا على خطأٍ في معتقدنا، وحملُ قوله: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) يعني: في الدنيا، فتمحل وتعسف وتحريفٌ لأفصح الكلام إلى ما هو عيّ وإقحام؛ لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ليس هذا الكلام بمترجم عنه ولا منطبقٍ عليه، وهو نابٍ عنه أشدّ النبوّ،
_________________
(١) ـ قوله: (وأما قول من يقول: معناه: ما كنا مشركين) إلى آخره: إشارة على خلاف. قال الإمام: "للناس فيه قولان، الأول: قول أبي علي الجبائي والقاضي: أن أهل المحشر لا يجوز إقدامهم على الكذب، لأنهم يعرفون الله بالاضطرار، فيلجؤون إلى ترك القبيح، وأقبح القبائح القول بالكذب، وأتمه الحلف عليه. فإذا يحمل قوله تعالى: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿على: ما كنا في اعتقادنا وظنونا مشركين، لأنهم كانوا معتقدين أنهم كانوا موحدين. ويحمل قوله: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴿[الأنعام: ٢٤] في الدنيا في أمورٍ كانوا يخبرون عنها، كقولهم: إنهم على صواب، وإن ما هم عليه ليس بشرك، والكذب يصح عليهم في الدنيا. والثاني قول الجمهور: إن الكذب عليهم في الآخرة جائز، بل واقع. واستدلوا بآيات كثيرة. وأما حمل هذه الآية على أن المراد: ما كنا مشركين في ظنوننا واعتقادنا، فمخالفة للظاهر، وقوله: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴿على أنهم كذبوا في الدنيا، يوجب تفكك النظم، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة، وآخرها إلى أحوال الدنيا". وهو المراد من قول المصنف: "وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عي وإفحام".
[ ٦ / ٥٥ ]
وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) [المجادلة: ١٨]، بعد قوله: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [المجادلة: ١٤]، فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا؟ !
[(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ* وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ)].
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) حين تتلوا القرآن، روي: أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهلٍ وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله ﷺ، فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة، ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته - يعني: الكعبة - ما أدري ما يقول، إلا أنه يحرّك لسانه ويقول أساطير الأوّلين، مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية. فقال أبو سفيان: إني لأراه حقًا. فقال أبو جهل: كلا! فنزلت.
والأكنة على القلوب، والوقر في الآذان: مثل في نبوّ قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته
_________________
(١) ـ قوله: (ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴿). "من": موصوله، وهو فاعل "يصنع"، وذلك أنه تعالى قال في حق المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ ولا مِنْهُمْ ويَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ وهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿[المجادلة: ١٤]. يعني: تولوا اليهود وناصحوهم، ثم قالوا للمسلمين: والله إنا لمسلمون. ثم قال بعده: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴿[المجادلة: ١٨]. قال المصنف: "فيحلفون لله على أنهم مسلمون في الآخرة، كما يحلفون لكم في الدنيا"، وهو المراد من قوله هاهنا: "فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا". قوله: (والوقر في الآذان: مثل في نبو قلوبهم)، أي: استعارة. قال الزجاج: "الوقر بالفتح: ثقل في السمع. يقال: فلان في أذنه وقر. وقد وقرت الأذن توقر. قال الشاعر:
[ ٦ / ٥٦ ]
ووجه إسناد الفعل إلى ذاته - وهو قوله: (وَجَعَلْنا) - للدلالة على أنه أمر ثابتٌ فيهم لا يزول عنهم، كأنهم مجبولون عليه، أو هي حكايةٌ لما كانوا ينطقون به من قولهم: (وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) [فصلت: ٥].
وقرأ طلحة: "وقرًا"؛ بكسر الواو.
(حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ) هي "حتى" التي تقع بعدها الجمل، والجملة قوله: (إِذا جاؤُكَ … يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، ..
_________________
(١) ـ وكلام سيءٍ قد وقرت … أذني منه وما بي من صمم والوقر بكر الواو: أن يحمل البعير أو غيره مقدار ما يطيق. تقول: عليه وقر". قوله: (ووجه إسناد الفعل إلى ذاته - وهو قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ﴿- للدلالة على أنه أمر ثابت)، وهذا هو أول الوجوه المذكورة في إسناد ﴿خَتَمَ ﴿إلى ﴿الله ﴿في "البقرة". وقوله: (أو هي حكاية) هو من آخر الوجوه المذكورة هناك، وهو من باب المشاكلة، وقد حققنا القول فيها. قوله: (والجملة قوله: ﴿إذَا جَاءُوكَ … يَقُوُل ﴿)، أي: الجملة: ﴿إذَا جَاءُوكَ ﴿، وجوابه وهو: ﴿يَقُوُل ﴿. وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ ﴿: حال"، أي: لمجيئهم.
[ ٦ / ٥٧ ]
و(يُجادِلُونَكَ) في موضع الحال، ويجوز أن تكون الجارة، ويكون (إذا جاءوك) في محل الجرّ، بمعنى: حتى وقت مجيئهم، و(يجادلونك) حال.
وقوله: (يقول الذين كفروا) تفسيرٌ له، والمعنى: أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك، وفسر مجادلنهم بأنهم يقولون: (إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)، فيجعلون كلام الله - وأصدق الحديث- خرافاتٍ وأكاذيب، وهي الغاية في التكذيب.
_________________
(١) ـ المعنى: حتى إذا جاؤوك مجادلين يقولون: ﴿إنْ هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿. فوضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿موضع الضمير، ليشعر بأن مجيئهم على تلك الحالة كفر وعناد، وقولهم كذب بحت. قوله: (حتى وقت مجيئهم)، يعني: "حتى": إما حرف ابتداء، وبعده الجملة الشرطية. قال أبو البقاء: " ﴿إِذَا ﴿في موضع نصب بجوابها، وهو ﴿يَقُوُل ﴿، وليس لـ ﴿حَتَّى ﴿هاهنا عمل، وإنما أفادت معنى الغاية، كما لا تعمل في الجمل". أو حرف جر بمنزلة "على"، فعلى هذا لها عمل. و﴿يَقُوُل ﴿جملة مفسرة لقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ ﴿، لأن المجادلة هي قولهم: ﴿إنْ هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿، و"حتى" غايةُ هذه الحالة الفظيعة. يعني بلغ تماديهم في الطغيان، وتكذيب آيات الله في الأزمنة الماضية، على سبيل التدرج والاستمرار، إلى حد انتهي إلى هذا الزمان، وهذا الطغيان، وهو مجيئهم إليك، وتكذيبهم هذه الآية البينة، والحجة الساطعة. قوله: (خرافاتِ وأكاذيب)، العطف تفسيري. الجوهري: "خرافة: اسم رجلٍ من
[ ٦ / ٥٨ ]
(وَهُمْ يَنْهَوْنَ) الناس عن القرآن أو عن الرسول ﵊ واتباعه، ويثبطونهم عن الإيمان به، (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) بأنفسهم، فيضلون ويضلون، (وَإِنْ يُهْلِكُونَ) بذلك (إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)، ولا يتعداهم الضرر إلى غيرهم، وإن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول الله ﷺ. وقيل: هو أبو طالب، لأنه كان ينهى قريشًا عن التعرض لرسول الله ﷺ، وينأي عنه فلا يؤمن به. وروي: أنهم اجتمعوا إلى أبي طالبٍ وأرادوا برسول الله ﷺ سوءًا. فقال:
وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِم … حَتَّي أُوَسَّدَ فِى التُّرَابِ دَفِينَا
فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ … وَأَبْشِرْ بِذَاكَ وَقَرَّ مِنْهُ عُيُونَا
ودَعَوْتَنِى وَزَعَمْتَ أنَّكَ نَاصِحٌ … وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أمِينَا
_________________
(١) ـ عذرة استهوته الجن، فكان يحدث ما رأي، فكذبوه، وقالوا: حديث خرافة. والراء فيه مخففة". قوله: (وقيل: هو أبو طالب): عطف على قوله: (﴿وهُمْ يَنْهَوْنَ ﴿الناس)، أي: الناهون إما جميع المشركين، وإما أبو طالب، وإنما أتي بضمير الجماعة استعظامًا لفعله. قوله: (والله لن يصلوا إليك بجمعهم)، الأبيات.
[ ٦ / ٥٩ ]
وَعَرَضْتَ دِينًا لَا مَحَالَةَ أنَّهُ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلَا الْمَلَامَةُ أوْ حذَارِىَ سُبَّةٌ … لَوَجَدْتَنِى سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا
فنزلت.
[(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ)].
(وَلَوْ تَرى) جوابه محذوف، تقديره: ولو ترى لرأيت أمرًا شنيعًا، (وُقِفُوا عَلَى النَّارِ): أروها حتى يعاينوها، أو أُطلعوا عليها إطلاعًا هي تحتهم، أو أُدخلوها فعرفوا مقدار عذابها؛ من قولك: وقفته على كذا؛ إذا فهمته وعرفته، وقرئ: "وقفوا" على البناء للفاعل، من وقف عليه وقوفًا، (يا لَيْتَنا نُرَدُّ) تم تمنيهم، ثم ابتدؤوا
_________________
(١) ـ أوسد: من الوسادة، أي: أوسد يميني في رمسي. دفينًا: منصوب على الحال. فأصدع بأمرك: أي: أظهر بأمرك، أي: بدينك. غضاضة: منقصة، وهي: ما إذا سمعه الإنسان غض عليه بصره. وقر منه: أي: من أجل ذلك. أراد بالعيون: العينين، على أن أقل الجمع اثنان، أو عيون المسلمين. قوله: (تم تمنيهم ثم ابتدؤوا)، قال صاحب "المرشد": التقدير: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب، ونحن من المؤمنين رددنا أو لم نرد. فلا يدخلان في جملة التمني، ويرتفعان على استئناف خبر. وعلى هذا يجوز أن تقف على قوله: ﴿نُرّدُ ﴿، ثم تَبتدئ، فنقول: "ولا نكذب" أي: لا نكذب أبدًا، ونكون من المؤمنين أبدًا. وهو وقف بيان. ووجه آخر: وهو أن يكون
[ ٦ / ٦٠ ]
(وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) واعدين الإيمان، كأنهم قالوا: ونحن لا نكذب، ونؤمن على وجه الإثبات. وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود، بمعنى دعني وأنا لا أعود، تركتني أو لم تتركني، ويجوز أن يكون معطوفًا على (نردّ)، أو حالًا على معنى: يا ليتنا نردّ غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني.
_________________
(١) ـ التقدير: يا ليتنا نرد، ويا ليتنا لا نكذب، ويا ليتنا نكون من المؤمنين، أي: نوفق للتصديق، وألا نكذب. ولا وقف على هذا إلى قوله: "مؤمنين". قوله: (واعدين الإيمان): حال من فاعل "ابتدؤوا"، أي: ثم ابتدؤوا قائلين: نحن لا نكذب بآيات ربنا، على سبيل الوعد. يقال: كذبه، وكذب به. قوله: (دعني ولا أعود)، قال صاحب "الإقليد"، وهو كالشرح لكلام ابن الحاجب: "إنما ذكر هذا الرفع، لتعذر النصب والجزم على العطف، أما لانصب فيفسد المعنى، إذ المعنى على هذا: ليجتمع تركك لي وتركي لما تنهاني عنه. وقد علم أن طلب هذا المتأدب لترك المؤدب إياه، إنما هو في الحال بقرينة ما عراه من ألمه بتأديب مؤدبه، وغرض المؤدب الترك لما نهي عنه في المستقبل. ولا يحصل هذا الغرض بترك المتأدب المنهي عنه في الحال، وإنما يحصل بالترك للعود في المستقبل، ولا يستقيم الجزم، لأنه إذا جزم عطف، أدى إلى عطف المعرب على المبني، وهو ممتنع، إذ العطف لاشتراك الشيئين في الإعراب، ولا موضع للأول حتى يحمل عليه. وأما امتناع الجزم في "ولا أعود"، فلما فيه من عطف الجملة المنهية على الأمرية. فكأنه قال" "دعني" ثم شرع في جملةٍ أخرى ناهيًا لنفسه عن العود، لأنه لا يلزم من النهي تحقق الامتناع، ولذا لم يأت التناقض في قولك: أنا أنهي نفسي عن كذا في كل وقتٍ ثم أفعله، كما أتى
[ ٦ / ٦١ ]
فإن قلت: يدفع ذلك قوله: (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ)؛ لأنّ المتمني لا يكون كاذبًا.
قلت: هذا تمنّ قد تضمن معنى العدة، فجاز أن يتعلق به التكذيب، كما يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالًا فأحَسن إليك وأكافئك على صنيعك، فهذا متمنّ في معنى الواعد، فلو رزق مالًا ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب، كأنه قال: إن رزقني الله مالًا كافأتك على الإحسان.
وقرئ: (ولا نكذب … ونكون) بالنصب بإضمار أن على جواب التمني، ومعناه: إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين.
_________________
(١) ـ التناقض في قولك: أنا لا أفعل كذا في كل وقتٍ ثم أفعله، والمقصود نفي وقوع العود في المستقبل. ولا يحصل هذا إلا بالخبر". قوله: (وقرئ: ﴿وَلَا تُكَذْبَ وَنكُونَ ﴿بالنصب): حمزة وحفص. قال الزجاج: "النصب على ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ … ونكون ﴿على الجواب بالواو في التمني، كما تقول: "ليتك تصير إلينا ونكرمك" أي: ليت مصيرك يقع وإكرامك. المعنى: ليت ردنا وقع وألا نكذب، أي: إن رددنا لم نكذب". وقال القاضي: "والجواب بإضمار "أن" بعد الواو، إجراء لها مجرى الفاء. وقرأ ابن عامر برفع الأول على العطف، ونصب الثاني على الجواب".
[ ٦ / ٦٢ ]
(بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم؛ فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرًا، لا أنهم عازمون على أنهم لو ردّوا لآمنوا. وقيل: هو في المنافقين، وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه. وقيل: هو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله ﷺ.
(وَلَوْ رُدُّوا) إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار، (لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) من الكفر والمعاصي، (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون به.
[(وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)].
_________________
(١) ـ قوله: (وبشهادة جوارحهم) عطف على قوله: (في صحفهم)، وهو ظرف لقوله: ﴿بَدَا لَهُم ﴿. المعنى: بل بدا لهم في صحفهم، وبسبب شهادة جوارحهم عليهم، ما كانوا يخفون من الناس. قوله: (لا أنهم عازمون على أنهم لو ردوا لآمنوا)، يعني: ﴿بَلْ ﴿: إضراب عن معنى تمنيهم الباطل الناشئ من إبداء ما يفضحهم، وهو: إن رددنا لم نكذب، أي: ليس ذلك من عزم صحيح، بل هو من إبداء ما افتضحوا به. قال الواحدي: " ﴿بَلْ ﴿: هاهنا رد لكلامهم؛ يقول الله: ليس الأمر كما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا". قوله: (﴿وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون به)، قال الزجاج: "المعنى: أن أكثر من عاند من اليهود والمشركين قد علم أن أمر الله حق، فركن إلى الرفاهية، وأن الشيء متأخر عنهم إلى أمد، كما فعل إبليس، فاعلم الله أنهم لو ردوا لعادوا، لأنهم قد كفروا بعد وضوح الحجة.
[ ٦ / ٦٣ ]
(وَقالُوا) عطف على (لعادوا)، أي: ولو ردّوا لكفروا ولقالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة. ويجوز أن يعطف على قوله: (وإنهم لكاذبون)، على معنى: وإنهم لقومٌ كاذبون في كل شيء، وهم الذين قالوا: (إن هي إلا حياتنا الدنيا)، وكفى به دليلًا على كذبهم.
[(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ* قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ)].
(وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ) مجازٌ عن الحبس للتوبيخ والسؤال،
_________________
(١) ـ وروى بعضهم أنه صلوات الله عليه سئل، فقيل له: ما بال أهل النار، عملوا في عمر قصير، فخلدوا في النار، وأهل الجنة كذا، فخلدوا في الجنة؟ فقال: "إن الفريقين كان كل واحدٍ منهما لو أنه عاش أبدًا عمل بذلك العمل". قوله: (ويجوز أن يعطف على قوله: ﴿وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿، هو من عطف الخاص على العام، وإنما قدر المبتدأ، وأوقع "قالوا" صلة للموصول، وجعل الصلة مع الموصول خبرًا، ليوازي المعطوف عليه المؤكد، وليشنع عليهم هذا الكذب الخاص. قوله: (﴿وقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ ﴿: مجاز عن الحبس)، يعني: لا يجوز أن يقال: وقف على الله
[ ٦ / ٦٤ ]
كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاتبه. وقيل: وقفوا على جزاء ربهم. وقيل: عرفوه حق التعريف، (قالَ) مردودٌ على قول قائلٍ قال:ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟ فقيل: (قال أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ)، وهذا تعيير من الله تعالى لهم على التكذيب وقولهم لما كانوا يسمعون من حديث البعث والجزاء: ما هو بحق، وما هو إلا باطل.
(بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ): بكفركم بلقاء الله ببلوغ الآخرة وما يتصل بها. وقد حقق الكلام فيه في مواضع أُخر.
_________________
(١) ـ حقيقة ولا كناية، لأن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، كما سبق في "آل عمران"، عند قوله: ﴿ولا يَنظُرُ إلَيْهِمْ ﴿[آل عمران: ٧٧] فوجب الحمل على المجازي: أي الاستعارة التمثيلية. قوله: (وقيل: عرفوه حق التعريف)، هذا مثل تفسيره في قوله: ﴿إذْ وقِفُوا عَلَى النَّارِ ﴿[الأنعام: ٢٧]: "هو من قولك: وقفته على كذا: إذا فهمته وعرفته". والضمير في "عرفوه" للجزاء. قوله: (مردود)، أي: متعلق أو متوقف على سؤال سائل. قوله: (ما هو بحق، وما هو إلا باطل)، وإنما قدر كذلك، لأن قوله: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ ﴿[الأنعام: ٣٠] سؤال تقرير، وقد أتي المنكر باسم الإشارة لمزيد التقرير، فيقتضي أن يكون مسبوقًا بإنكارٍ قوي. قوله: (وقد حقق الكلام فيه): أي في سورة "يونس". قال المصنف في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴿[يونس: ١٥]: "فإن قلت: كيف جاز النظر على الله وفيه معنى المقابلة؟ قلت: هو مستعار للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجودًا، شبه بنظر الناظر في تحققه". وفي "العنكبوت" أبسط منه.
[ ٦ / ٦٥ ]
و(حَتَّى) غاية لـ (كذبوا) لا لـ (خَسِرَ)، لأن خسرانهم لا غاية له، أي: ما زال بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجيء الساعة.
فإن قلت: أما يتحسرون عند موتهم؟ قلت: لما كان الموت وقوعًا في أحوال الآخرة ومقدّماتها جعل من جنس الساعة، وسمي باسمها، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «من مات فقد قامت قيامته»، أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة.
_________________
(١) ـ قوله: (لأن خسرانهم لا غاية له)، ويمكن أن يحمل على معنى قوله تعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿[ص: ٧٨]: أي: إنك مذموم، مدعو عليك باللعنة إلى يوم الدين، ثم إذا جاء ذلك اليوم لقيت ما تنسى اللعن معه. أي: خسر المكذبون إلى قيام الساعة، بأنواع من المحن والبلاء، فإذا قامت الساعة يقعون فيما ينسون معه هذا الخسران، وذلك هو الخسران المبين، يؤيده قوله: "يا حسرتنا". قال سيبويه: "كأنه يقول: أيتها الحسرة، هذا أوانك". وقال أبو البقاء: "يا حسرة احضري، هذا أوانك". والمعنى: تنبيه أنفسهم لتذكر أسباب الحسرة. وقلت: هذا أقرب من قول المصنف بوجهين: أحدهما: سلامته من ذلك السؤال، وثانيهما: أن قوله: ﴿وهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ ﴿مقارن بهذا التحسر، وهو غير مناسب إلا بالحسر. قوله: (أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته)، أي: وضع الساعة موضع الموت، لسرعة مجيئها.
[ ٦ / ٦٦ ]
(بَغْتَةً) فجأة وانتصابها على الحال بمعنى باغتة، أو على المصدر، كأنه قيل: بغتتهم الساعة بغتة.
(فَرَّطْنا فِيها) الضمير للحياة الدنيا، جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة، أو "للساعة"؛ على معنى: قصرنا في شأنها وفي الإيمان بها، كما تقول: فرّطت في فلان. ومنه: (فرّطت في جنب الله) [الزمر: ٥٦].
(وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ) كقوله: (فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: ٣٠]؛ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور، كما أُلف الكسب بالأيدي، (ساءَ ما يَزِرُونَ) بئس شيئًا يزرون وزرهم، كقوله: (ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ) [الأعراف: ١٧٧].
_________________
(١) ـ قوله: (الضمير للحياة الدنيا، جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر). فإن قلت: أما سبق قبيل هذا: ﴿وقَالُوا إنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ﴿[الأنعام: ٢٩] لم لا يجوز أن يعود إليها، ويكون قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ﴿من وضع الظاهر موضع المضمر؟ قلت: ولا ارتياب أن القائلين لقوله: ﴿إنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ﴿[الأنعام: ٢٩] هم الناهون عن رسول الله ﷺ من كفار قريش، كما مر، وأن قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ ﴿إلى قوله: ﴿ولَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿[الأنعام: ٣١ - ٣٢] كالاعتراض والتوكيد لما يتضمن معنى الكلام السابق واللاحق من التهديد والوعيد، لاشتماله على جميع من أنكر الحشر، وسوء مغبتهم، وإظهار حسرتهم وندامتهم، ووخامة أمر حياة الدنيا. وليس المقام من مجاز وضع المظهر موضع المضمر، لأن الاعتراض مستقل بنفسه، لا تعلق له بالسابق إلا من حيث المعنى. قوله: (كقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا القَوْمُ ﴿، أي: مثله في تقدير المخصوص، أي: "ساء مثلا
[ ٦ / ٦٧ ]
[(وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)].
جعل أعمال الدنيا لعبًا ولهوًا واشتغالا بما لا يعنى ولا يعقب منفعة، كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة. وقوله: (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) دليلٌ على أن ما عدا أعمال المتقين لعب ولهو. وقرأ ابن عباسٍ ﵁: "ولدار الآخرة"، وقرئ: (تعقلون) بالتاء والياء.
_________________
(١) ـ مثل القوم" ليحصل التطابق بين الفاعل والمخصوص بالذم، لأن ﴿مَثَلًا ﴿تمييز، والفاعل مضمر. قوله: (﴿لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴿دليل على أن ما سوى أعمال المتقين لعب ولهو). وذلك أن الظاهر أن يقال: ﴿ومَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴿، وما الدار الآخرة إلا جد وحق، لا باطل زائل. فوضع موضعه: ﴿خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴿إطلاقًا لاسم المسبب على السبب. يعني: أن حقيقة الدارين معلومة محققة عند من يدعي النهي والحجي، لكن العاقل الذي يستأهل أن يسمى عاقلًا هو من يؤثر ما يعينه وينجيه على ما لا يعينه ويرديه. وتلخيصه: أن العاقل هو المتقي الذي يرغب عن الدنيا إلى الآخرة. وفيه تعريض بمن سبق ذكرهم في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا ﴿[الأنعام: ٣١]، أي: اشتغلنا بلذات الدنيا عن الآخرة، وكذبنا بمجيء الساعة. وهو إقناط كلي. ولهذا كانت هذه الآية تتمة للاعتراض، ثم عاد إلى ما سبق من ذكر المشركين، مسليا لحبيبه صلوات الله عليه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴿[الأنعام: ٣٣].
[ ٦ / ٦٨ ]
[(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)].
(قَدْ) في (قَدْ نَعْلَمُ) بمعنى «ربما» الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته، كقوله:
أَخُو ثِقَةٍ لَا تُهْلِكُ الْخَمْرُ مَالَهُ … وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلُهْ
_________________
(١) ـ قوله: (﴿قَدْ ﴿في ﴿قَدْ نَعْلَمُ ﴿: بمعنى "ربما" الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته). يعني: أن لفظة "قد" للتقليل، وقد تعني به ضده للمجانسة بين الضدين. مثله "رب" للتقليل، ثم يراد به في بعض المواضع ضده، وهو الكثرة، كقوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴿[الحجر: ٢]. والنكتة هاهنا تصبير رسول الله ﷺ من أذي قومه وتكذيبهم، يعني: من حقك، وأنت سيد أولي العزم، ألا تكثر الشكوى من أذي قومك، وألا تعلم الله من إظهارك الشكوى إلا قليلًا. أو يكون تهكما بالمكذبين، وتوبيخًا لهم، لقوله: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ ﴿قوله: (ولكنه قد يهلك المال نائله)، أوله: أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله بعده: تراه إذا ما جئته متهللا … كأنك تعطيه الذي أنت سائله
[ ٦ / ٦٩ ]
والهاء في (إِنَّهُ) ضمير الشأن، (لَيَحْزُنُكَ) قرئ بفتح الياء وضمها. (والَّذِي يَقُولُونَ) هو قولهم: ساحرٌ كذاب (لا يُكَذِّبُونَكَ) قرئ بالتشديد والتخفيف، من: كذبه؛ إذا جعله كاذبًا في زعمه، وأكذبه، إذا وجده كاذبًا. والمعنى: أن تكذيبك أمر راجعٌ إلى الله، لأنك رسوله المصدق بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله بجحود آياته، فاله عن حزنك لنفسك،
_________________
(١) ـ يقول: جوده ذاتي، لا يزيد بالسكر، ولا ينقص بالصحو. متهللًا: أي: ضاحكًا. قوله: (﴿لَيَحْزُنُكَ ﴿: قرى بفتح الياء وضمها). نافع: بالضم، وغيره بالفتح. قوله: (﴿لا يُكَذِّبُونَكَ ﴿قرئ بالتشديد والتخفيف). التخفيف: نافع والكسائي، والباقون: مشددًا. قال الزجاج: "معنى كذبته: قلت له: كذبت. وأكذبته: أريته أن ما أتي به كذب". قوله: (فاله عن حزنك)، الجوهري: "لهيت عن الشيء، بالكسر، ألهي، لهيًا ولهيانًا: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه".
[ ٦ / ٧٠ ]
فإنهم كذبوك وأنت صادق، وليشغلك عن ذلك ما هو أهمّ، وهو استعظامك بجحود آيات الله تعالى والاستهانة بكتابه. ونحوه قول السيد لغلامه - إذا أهانه بعض الناس -: إنهم لم يهينوك وإنما أهانونى! وفي هذه الطريقة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠].
_________________
(١) ـ ويقال: أله عن الشيء: أي: اتركه. والمعنى: أضرب عن الاشتغال بحزن نفسك، إلى الاشتغال بحزن ما هو أهم، وهو استعظام جحود آيات الله، والاستهانة بها. فإن قيل: هذا غير مطابق للمثال والعادة، يقال: إذن تأمل، وقف على المطابقة، فإن قوله: ﴿ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿استدراك، وضع فيه مظهران موضع مضمرين، لشدة الخطب وعظم الأمر! وفيه تهديد للظالمين، وتنبيه لرسول الله ﷺ. كأنه قيل له: اشتغلت بخاصة نفسك، وذهلت عما هو أهم من ذلك، وهو ما تستعظمه من جحود آيات الله، والاستهانة بكتابه، ومن عادتك أن تؤثر حق الله على حق نفسك. ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود، عن عائشة ﵂ قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه: وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيءٍ قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم". وكذلك قول السيد: "وإنما أهانوني" وإن كان تهديدًا للجاني، لكن فيه ردع للغلام عن تركه الأولى، وهو استعظام إهانة السيد.
[ ٦ / ٧١ ]
وقيل: (فإنهم لا يكذبونك) بقلوبهم، ولكنهم يجحدون بألسنتهم.
وقيل: (فإنهم لا يكذبونك) لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات الله. وعن ابن عباسٍ ﵁: كان رسول الله ﷺ يسمى الأمين، فعرفوا أنه لا يكذب في شيء، ولكنهم كانوا يجحدون، وكان أبو جهلٍ يقول: ما نكذبك وإنك عندنا لمصدق، وإنما نكذب ما جئتنا به.
وروي: أنّ الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس عندنا أحدٌ غيرنا؟ فقال له: والله إن محمدًا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قُصيّ باللواء والسقاية والحجابة والنبوّة؛ فماذا يكون لسائر قريش؟ ! فنزلت.
وقوله: (وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ) من إقامة الظاهر مقام المضمر، للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم.
_________________
(١) قوله: (وقيل: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴿بقلوبهم) عطف على قوله: "والمعنى: أن تكذيبك أمر راجع إلى الله". فعلى هذا معنى قوله: "يجحدون بألسنتهم" هو قولهم: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿[ص: ٤]. قوله: (وقيل: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴿، معنى قولهم: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿: لا يريدون به تكذيبك، "لأنك عندهم الصادق"، ولكن مرادهم به أن ما جئت به من الآيات سحر وكذب، وهو المراد بقول أبي جهل: إنك عندنا لمصدق، وإنما نكذب ما جئتنا به. والوجه هو الأول، لقوله: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا ﴿، فإنه عزاء وتسليه لرسول الله ﷺ فلا يليق بالوجهين الآخرين. قوله: (باللواء والسقاية والحجابة): أي: والسدانة. النهاية: "سقاية الحاج: هي ما كانت
[ ٦ / ٧٢ ]
[(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ)].
(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ) تسلية لرسول الله ﷺ، وهذا دليل على أن قوله: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) [الأنعام: ٣٣] ليس بنفي لتكذيبه، وإنما هو من قولك لغلامك: ما أهانوك ولكنهم أهانوني، (عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا): على تكذيبهم وإيذائهم، (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ): لمواعيده؛ من قوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) [الصافات: ١٧١ - ١٧٢].
(وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ): بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين.
[(وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَاتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ* إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)].
كان يكبر على النبي ﷺ كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزل: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) [الشعراء: ٣]، (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) [القصص: ٥٦]، (وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ
_________________
(١) قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء. وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام". "واللواء: الراية، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش". "والسدانة: سدانة الكعبة: وهي خدمتها، وتولي أمرها، وفتح بابها وإغلاقه". وفي نسخةٍ بدل "الحجابة": "السدانة". قالت بنو قصي: فينا الحجابة، يعنون حجابة البيت، وهي: سدانتها.
[ ٦ / ٧٣ ]
إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ): منفذًا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها، (أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَاتِيَهُمْ) منها (بِآيَةٍ) فافعل، يعني: أنك لا تستطيع ذلك. والمراد: بيان حرصه على إسلام قومه وتهالكه عليه، وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآيةٍ من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم.
_________________
(١) قوله: (﴿فَتَأتِيَهُم ﴿[منها] ﴿بِأَيَةٍ ﴿فافعل). "فافعل": جواب لقوله: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ ﴿، وهو مع جوابه: جواب لقوله: ﴿وإن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ ﴿. ثم من الجائز أن تعبر عن هذا المحذوف بالإخباري تارة، وبالإنشائي أخرى. ففيه وجوه ثلاثة: أحدها: المقدر: "أتيت" على الإخبار. وعنه بني قوله: "لأتي بها"، لأنه جعل "إن" بمعنى "لو"، ليؤذن أن فيه تعليق إسلام قومه بالمحال. والمعنى: بلغت من حرصك على إيمانهم بحيث إن قدرت أن تأتي بالمحال لأتيت. وتلخيصه: بيان حرصه على إسلام قومه على المبالغة. وثانيها: المقدر: "فافعل" على الأمر. وفيه نوع توبيخ. وتلخيصه: بيان حرصه على تبني مطلوب القوم من الاقتراحات. وهذا الوجه أبلغ، لأنه إذا وبخ على طلب ما اقترحوه من الآيات تعريضًا بهم، كان توبيخهم على اقتراحهم الآيات أولى وأجدر وأنسب إلى قوله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ ﴿لصراحته في التعريض. وثالثها: "لفعلت" على الإخبار أيضًا. لكن المعنى بابتغاء النفق والسلم نفس الآية والمعجزة، لإخراجها منهما.
[ ٦ / ٧٤ ]
وقيل: كانوا يقترحون الآيات، فكان يورّ أن يجابوا إليها لتمادي حرصه على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت ذلك فافعل، دلالةً على أنه بلغ من حرصه أنه لو استطاع ذلك لفعله حتى يأتيهم بما اقترحوا من الآيات لعلهم يؤمنون.
ويجوز أن يكون ابتغاء النفق في الأرض أو السلم في السماء هو الإتيان بالآية، كأنه قيل: لو استطعت النفوذ إلى ما تحت الأرض أو الرقي إلى السماء لفعلت، لعل ذلك يكون لك آية يؤمنون عندها.
وحذف جواب «إن» كما تقول: إن شئت أن تقوم بنا إلى فلانٍ نزوره.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) بأن يأتيهم بآيةٍ مُلجئة، ولكنه لا يفعل، لخروجه عن الحكمة، (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ): من الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه.
(إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) يعني: أن الذين تحرص على أن يصدّقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع، كقوله: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) [النمل: ٨٠].
_________________
(١) قوله: (إن شئت أن تقوم بنا إلى فلانٍ نزوره). جوابه: "كان صوابًا"، فدل متعلق ما في حيز الشرط به على أن الجواب ما هو. وكذلك تعلق ﴿فَتَاتِيَهُم ﴿بالشرط، يدل على أن الجزاء ما قدر، ولذلك ساغ حذفه. قوله: (يجهلون ذلك)، أي: يجهلون أنه لا يفعل ذلك، لخروجه عن الحكمة. وفيه رمز إلى مذهبه.
[ ٦ / ٧٥ ]
(وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) مثلٌ لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة، (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) للجزاء، فكان قادرًا على هؤلاء الموتى بالكفر أن يحييهم بالإيمان، وأنت لا تقدر على ذلك.
وقيل معناه: وهؤلاء الموتى - يعني: الكفرة - يبعثهم الله، (ثم إليه يرجعون): فحينئذٍ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى استماعهم. وقرئ: "يرجعون"، بفتح الياء.
[(وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].
(لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ): (نزل) بمعنى: أُنزل. وقرئ (أن ينزل) بالتشديد والتخفيف، وذكر الفعل والفاعل مؤنث، لأن تأنيث "آية" غير حقيقي، وحسن للفصل، وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أُنزل من الآيات على رسول الله ﷺ، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه، كأنه لم ينزل عليه شيءٌ من الآيات؛ عنادًا منهم.
_________________
(١) قوله: (﴿والْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴿: مثل لقدرته)، أي: استشهاد لتقرير الإنكار السابق، وإقناط كلي لرسول الله ﷺ عن إيمان القوم، يعني: أنك لا تقدر أن تسمعهم، لأنهم كالموتى، وإنما القادر على ذلك من يقدر على تلك القدرة العظيمة، وهي بعث الموتى من القبور. والباء في قوله: "بأنه هو الذي يبعث الموتى"، قيل: هو متعلق بـ"مثل" من حيث المعنى، أي: قوله: ﴿والْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴿مثل ضربه الله لقدرته، بأنه هو الذي يبعث الموتى. قوله: (وقرئ ﴿أَن يُنَزِّلَ ﴿بالتشديد والتخفيف): ابن كثير وحده.
[ ٦ / ٧٦ ]
(قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) تضطرهم إلى الإيمان، كنتق الجبل على بني إسرائيل ونحوه، أو آية إن جحدوها جاءهم العذاب، (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أنّ الله قادر على أن ينزل تلك الآية، وأن صارفًا من الحكمة يصرفه عن إنزالها.
[(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)].
(أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) مكتوبةٌ أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم (ما فَرَّطْنا): ما تركنا وما أغفلنا (فِي الْكِتابِ): في اللوح المحفوظ (مِنْ شَيْءٍ) من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت مما يختص به، (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) يعني الأمم كلها من الدواب والطير، فيعوضها وينصف بعضها من بعض، كما روي: "أنه يأخذ للجماء من القرناء".
_________________
(١) قوله: (﴿مِن شَيْءٍ ﴿من ذلك لم نكتبه). قيل: "لم نكتبه": حال من ضمير "تركنا". وليس بذلك، لأن "من ذلك" صفة ﴿شَيْءٍ ﴿، و"من" بيان، فلذلك "لم نكتبه": صفة أخرى، أو حال منه. "ولم نثبت": عطف تفسيري. المعنى: ما تركنا في اللوح من شيءٍ كائنٍ من المذكور، ومتصل به، غير مكتوب، ولا مثبت فيه البتة. و"من" في "متما يختص به" بيان "ما". والضمير في "يختص" يعود إلى "ما". والمجرور يعود إلى "الكتاب". قوله: (يأخذ للجماء من القرناء). روينا عن مسلمٍ والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء".
[ ٦ / ٧٧ ]
فإن قلت: كيف قيل: (إِلَّا أُمَمٌ) مع إفراد "الدابة" و"الطائر"؟ فإن قلت: لما كان قوله تعالى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ) دالًا على معنى الاستغراق ومغنيًا عن أن يقال: وما من دواب ولا طير، حُمل قوله: (إِلَّا أُمَمٌ) على المعنى.
فإن قلت، هلا قيل: وما من دابة ولا طائرٍ إلا أمم أمثالكم؟ وما معنى زيادة قوله: (فِي الْأَرْضِ) و(يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ)؟ قلت: معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة، كأنه قيل: وما من دابة فقط في جميع الأرضين السبع، وما من طائرٍ قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة أحوالها غير مهملٍ أمرها.
_________________
(١) هذا الحديث استشهد به لقوله: "وينصف بعضها من بعض"، لا لقوله: "فيعوضها"، لأنه لا يثبت التعويض إلا إلى المكلفين، لأن قوله: "يعني الأمم كلها" مشتمل على المكلفين وغير المكلفين. قوله: (معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة) فيه أن منزلة ﴿فيِ الأَرضِ ﴿، و﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴿من ﴿دَآبةٍ ﴿و﴿طَيرٍ ﴿منزلة المؤكد مع المؤكد للشمول. ولهذا قال: "قط في جميع الأرضين السبع، وما من طائرٍ قط في جو السماء". قال الزجاج: "قال: ﴿بِجَنَاحَيْهِ ﴿على جهةِ التوكيد، لأنك قد تقول للرجل: طر في حاجتي، أي: أسرع. وجميع ما خلق الله ليس يخلو من هاتين المنزلتين: إما أن يدب أو يطير". قلت: عنى أن تعميم الجنسين كما حصل بالتوكيد حصل تعميم الحيوان بتكرير لفظ الدابة، ولفظ الطائر. وإلى هذا المعنى ينظر قول المصنف: "إن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان". وقول صاحب "المفتاح": "ذكر ﴿فِي الأَرْضِ ﴿مع ﴿دَآبةٍ ﴿، و﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴿مع ﴿طَيرٍ ﴿لبيان أن القصد من لفظ ﴿دَآبةٍ ﴿ولفظ ﴿طَيرٍ ﴿
[ ٦ / ٧٨ ]
فإن قلت: فما الغرض في ذكر ذلك؟ قلت: الدلالة على عظم قدرته، ولطف علمه، وسعة سلطانه وتدبيره: تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها، مهيمنٌ على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأنّ المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان.
وقرأ ابن أبي عبلة: "ولا طائر"؛ بالرفع على المحل، كأنه قيل: وما دابة ولا طائر. وقرأ علقمة: "ما فرطنا"؛ بالتخفيف.
_________________
(١) إنما هو إلى الجنسين، وإلى تقريرهما". قوله: "وإلى تقريرهما" تفسير لقوله: "إلى الجنسين". والمراد به التوكيد لا غير. وقد يظن أن قوله: "من هذا الباب من وجه"، أن الوجه الآخر ما ذكره صاحب "الكشاف"، وهو وهم، لأن مراده أنه لو أطلق ﴿مِن دَابَّةٍ ﴿، ﴿ولا طَائِرٍ ﴿غير مؤكدين، ربما اختلج في ذهن السامع إرادة غير الجنسين، وأن المراد بهما غير المتعارف، لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ﴿، فلا يحصل الشمول المقصود، فأزيل الوهم بما يفيد أن القصد إلى الجنسين وإلى تقريرهما. أي: هو من باب البيان من هذا الوجه. وما عليه أصحاب المعاني غير ما عليه النحويون، فإنهم يحملون سائر التوابع على البيان والتوضيح. وقد سبق في "الفاتحة" أن البدل تفسير وتوضيح للمبدل. وقال المصنف في قراءة من قرأ: "أإزرا تتخذ أصنامًا آلهة": " [معناه: أتعبد] على الإنكار، ثم قال: "تتخذ أصنامًا آلهة" تثبيتًا لذلك وتقريرًا، وهو داخل في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له".
[ ٦ / ٧٩ ]
[(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَا يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)].
فإن قلت: كيف أتبعه قوله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا)؟ قلت: لما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته، وينادي على عظمته، قال: والمكذبون (صُمٌّ): لا يسمعون كلام المنبه (وَبُكْمٌ): لا ينطقون بالحق، خابطون في ظلمات الكفر، فهم غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه، ثم قال إيذانًا بأنهم من أهل الطبع: (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ) أي: يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به، لأنه ليس من أهل اللطف، (وَمَنْ يَشَا يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: يلطف به لأنّ اللطف يجدي عليه.
_________________
(١) ألا ترى كيف جعل التأكيد بيانًا؟ وكيف يعني بقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴿أنه من باب عطف البيان! والمبين كالترجمة والتفسير لما اشتمل عليه المبين من الإبهام، وهو عين التأكيد؟ قال الإمام: "هو كقولهم: نعجة أنثى، وكلمته بقي، ومشيت برجلي". قال صاحب "التقريب": "في قول المصنف نظر، لأنهما صفتان، فهما بالدلالة على التخصيص أولى من التعميم". وأجيب: أن التوكيد لا ينافي الصفة، كقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ ﴿[النحل: ٥١]، و﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴿[الحاقة: ١٣]، وقولهم: "أمس الزائل لا يعود"، وأن التعميم نوع من التخصيص. قوله: (ثم قال: إيذانًا بأنهم من أهل الطبع: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴿). ما أظهر دلالته على مذهب أهل السنة! وذلك أنه تعالى لما أنكر على رسول الله ﷺ حرصه على إسلام قومه،
[ ٦ / ٨٠ ]
[(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ)].
(أَرَأَيْتَكُمْ) أخبروني، والضمير الثاني لا محل له من الإعراب، لأنك تقول: أرأيتك زيدًا ما شأنه؟ فلو جعلت للكاف محلًا لكنت كأنك تقول: أرأيت نفسك زيدًا ما شأنه؟
_________________
(١) وتهالكه عليه، ذلك الإنكار البليغ، وضرب لهم مثلًا بالموتى أتى بقوله: ﴿ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ﴿الآية [الأنعام: ٣٨]، بيانًا لربوبيته، وشاهدًا على عظمة ألوهيته. وعقبه بقوله: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ﴿[الأنعام: ٣٩]، ليدل به على أن هؤلاء الكفرة، مع هذه الأدلة الظاهرة، والأنوار الساطعة، خابطون في ظلمات الكفر، صم لا يسمعون كلام المنبه، بكم لا ينطقون بالحق. يعني أنه ليس في مقدورك هدايتهم ﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿[البقرة: ٦] لأن ذلك مبني على المشيئة، وعلمه السابق. ﴿ولَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ﴿[السجدة: ١٣]. وكم ترى من آيات هذا الكتاب الكريم معاضدة بعضها بعضًا في هذا المعنى، كما أشرنا إليها في أماكنها. وأما قول المصنف: " ﴿يُضْلِلْهُ ﴿، أي: يخذله ويخله وضلاله" فهو نابٍ عن مظانه، كأنه جاء يرقعه ليسد ثلمه، هيهات! "اتسع الخرق على الراقع". قوله: (والضمير الثاني لا محل له من الإعراب). قال الزجاج: "ذهب الفراء إلى أن الكاف في "أرأيتك" لفظها نصب، ومعناها رفع. نحو: "دونك زيدًا"، الكاف مخفوض لفظًا، مرفوع معنى، لأن المعنى: خذ زيدًا. وهذا خطأ، لأن "أرأيت" في قولك: أرأيتك زيدًا ما شأنه؟
[ ٦ / ٨١ ]
وهو خلفٌ من القول، ومتعلق الاستخبار محذوف، تقديره: (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ) من تدعون؟ ثم بكتهم بقوله: (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ) بمعنى: أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضرّ، أم تدعون الله دونها؟
(بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ): بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة، (فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ) أي: ما تدعونه إلى كشفه (إِنْ شاءَ) إن أراد أن يتفضل عليكم ولم يكن مفسدة (وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ): وتتركون آلهتكم، ولا تذكرونها في ذلك الوقت، لأنّ أذهانكم مغمورة بذكر ربكم وحده، إذ هو القادر على كشف الضر دون غيره. ويجوز أن يتعلق الاستخبار بقوله: (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ) كأنه قيل: أرأيتكم أغير الله تدعون إن أتاكم عذاب الله؟
_________________
(١) تعدت إلى الكاف وإلى "زيد"، فصار لها اسمان، والمعنى: أرأيت نفسك زيدًا ما حاله؟ وهذا محال. والذي يعتمد عليه أن الكاف زائدة لا موضع لها، والمعنى: أرأيت زيدًا ما حاله؟ والكاف لبيان الخطاب، وهي المعتمد عليها في الخطاب، فتقول للمؤنث: أرأيتك زيدًا ما حاله؟ بفتح التاء على أصل خطاب المذكر، وبكسر الكاف، لأنها صارت مبينة للخطاب. أرأيتكما، وأرأيتكم، وأرأيتكن زيدًا ما حاله؟ فتوحد التاء فيها. فإن عديت الفاعل إلى المفعول في هذا الباب، صارت الكاف مفعوله. تقول: أرايتني عالمًا بفلان؟ أرأيتك، أرأيتكما، وأرأيتكم عالمًا وعالمين وعالمين بفلان؟ ". قوله: (خلف من القول) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام، الجوهري: يقال في خلف القول: سكت ألفًا ونطقت خلفًا، أي: رديئًا. قوله: (وتتركون آلهتكم، أو لا تذكرونها في ذلك الوقت، لأن أذهانكم مغمورة بذكر ربكم). نقل الإمام "أن بعض الزنادقة - خذلهم الله - أنكر الصانع عند جعفر الصادق
[ ٦ / ٨٢ ]
فإن قلت: إن علقت الاستخبار به، فما تصنع بقوله: (فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ) مع قوله: (أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ)،
_________________
(١) ﵁، فقال جعفر: هل ركبت البحر؟ قال: بلى. قال: هل رأيت أهواله؟ قال: بلى، هاجت يومًا رياح هائلة، فكسرت السفن، وغرق الملاحون، فتعلقت ببعض ألواحها، ثم ذهب عني اللوح، فدفعت إلى تلاطم الأمواج، حتى حصلت بالساحل. قال جعفر ﵁: قد كان اعتمادك من قبل على السفينة وعلى الملاح، وعلى اللوح، فلما ذهبت، هل أسلمت نفسك للهلاك، أم كنت ترجو السلامة بعد ذلك؟ قال: بل رجوت السلامة. قال: ممن؟ فكست: فقال جعفر ﵁: إن الصانع هو الذي كنت ترجوه ذلك الوقت، وهو الذي أنجاك. فأسلم الرجل". قوله: (فإن علقت الاستخبار به، فما تصنع؟). قال صاحب "التقريب": "لم يرد السؤال على الأول، لأن الشرطين وهما: ﴿إنْ أَتَاكُمْ ﴿، ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ ﴿يتعلقان فيه بالمضمر، وهو "من تدعون؟ " وينقطع قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ ﴿عما قبله، فلا يتوهم تقيد الكشف بالشرطين. وفي الثاني لا يتعلقان بمضمر، فيلزم تعليق الشرطين بما بعدهما، وهو قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ ﴿، فيتوهم تقييد الكشف بالشرطين، ولذلك خصصه بالسؤال. وفيه دقة". وقلت: تحرير السؤال: إن علقت ﴿أَرَءَيتكُمْ ﴿بقوله: "من تدعون" المقدر، على أنه مفعوله، والدال عليه ما بعد الاستفهام، فالمعنى: أخبروني من تدعون ﴿إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ﴿فيتم الكلام عنده، ثم استؤنف مقرر لذلك المعنى، سائلًا عن الواقع في الدنيا، وما شوهد منهم في الشدائد، سؤال تبكيت: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴿أي: أتخصون آلهتكم بالدعوة؟
[ ٦ / ٨٣ ]
وقوارع الساعة لا تكشف عن المشركين؟ قلت: قد اشترط في الكشف المشيئة، وهو قوله: (إِنْ شاءَ)؛ إيذانًا بأنه إن فعل كان له وجه من الحكمة، إلا أنه لا يفعل لوجهٍ آخر من الحكمة أرجح منه.
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَاساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ* فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَاسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ* فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)].
_________________
(١) لا بل أنتم قوم عادتكم أنكم تخصون الله بالدعاء عند الكرب والشدائد، فيكشف ما تدعون إليه. وإن علقته بالاستفهام، أي: بقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴿، يكون هو الدال على الجزاء. فالمعنى: أخبروني إن أتتكم الساعة: أدعوتم غير الله، أم دعوتم الله، فيكشف ما تدعون؟ ودخلت همزة الاستفهام لمزيد التقرير، وحينئذ يلزم كشف قوارع الساعة عنهم، وهي لا تنكشف عن الكفار. قال أبو البقاء: "مفعول ﴿أَرَءَيْتَكُمْ ﴿محذوف، أي: أرأيتكم عبادتكم الأصنام؟ دل عليه قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴿. وقيل: الشرط والجزاء مفعوله. وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام، أي: إن أتتكم الساعة دعوتم الله". قوله: (قوارع الساعة)، الجوهري: "القارعة: الشديدة من شدائد الدهر، وهي الداهية. يقال: قرعتهم قوارع الدهر، أي: أصابتهم".
[ ٦ / ٨٤ ]
البأساء والضراء: البؤس والضر. وقيل: البأساء: القحط والجوع. والضراء: المرض ونقصان الأموال والأنفس. والمعنى: ولقد أرسلنا إليهم الرسل، فكذبوهم فأخذناهم. (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ): يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون عن ذنوبهم.
(فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَاسُنا تَضَرَّعُوا) معناه: نفي التضرع، كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. ولكنه جاء بـ"لولا" ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم، وقسوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم.
(فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ) من البأساء والضراء، أي: تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرهم، (فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) من الصحة والسعة وصنوف النعمة، ليراوح عليهم بين نوبتي الضراء والسراء،
_________________
(١) قوله: (ولكنه جاء بـ"لولا" ليفيد أنه لم يكن لهم عذر)، وذلك أن "لولا" إذا دخلت على المضي أفاد التنديم والتوبيخ، كأنه قيل: لم لم يتضرعوا؟ وليتهم تضرعوا، وكانوا متمكنين منه، غير ممنوعين. وإليه الإشارة بقوله: "لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم". ولو بقي التضرع صريحًا لم يدل عليه عدم المانع من التضرع. قال صاحب "المفتاح": "فإذا قيل: "هلا أكرمت زيدًا؟ "، فكأن المعنى: ليتك أكرمت زيدًا، متولدًا منه معنى التنديم". قوله: (ليراوح عليهم)، الجوهري: "المراوحة في العملين: أن يعمل هذا مرة وهذا مرة. وتقول: راوح بين رجليه: إذا قام على إحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة".
[ ٦ / ٨٥ ]
كما يفعل الأب المشفق بولده؛ يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى؛ طلبًا لصلاحه، (حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا) من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر، من غير انتدابٍ لشكر
_________________
(١) وقوله: (ليراوح عليهم) إلى قوله: (كما يفعل الأب المشفق) لا يصلح أن يكون تعليلًا لقوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴿، لأن هذا مكر واستدراج من حيث لا يعلمون، وذلك تثقيف وتأديب. روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيت الله ﷿ يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب: فإنما هو استدراج". ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴿، الآية، أي: تركوا الاتعاظ من البأساء والضراء. نعم في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَاسَاءِ والضَّرَّاءِ ﴿رائحة من تأديب الأب المشفق. ونظيره قوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَاسَاءِ والضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ والسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ﴿[الأعراف: ٩٤ - ٩٥]. قوله: (لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتدابٍ لشكر، ولا تصد لتوبة): ليس جوابا لقوله: ﴿إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا ﴿، بل هو تفسير له، والجواب: ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴿، وقوله: "من غير انتدابٍ لشكر" قيل: هو حال من المجرورين، و"من": ابتدائية، أي: لم يزيدوا على الفرح والبطر، كائنين من عدم الشكر والتوبة، وذلك أنه تعالى حكي عن حال الأمم الخالية، الذين بطرت معيشتهم فأخذهم بالبأساء، ليتضرعوا ويتوبوا، فما تضرعوا، ثم فتح عليهم أبواب
[ ٦ / ٨٦ ]
ولا تصدّ لتوبةٍ واعتذار، (أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ): واجمون متحسرون آيسون.
_________________
(١) الخيرات ليشكروا فما شكروا وداموا على ما كانوا عليه من البطر، وما غيروا من حالهم. وقيل: هو صفة "شيئًا" مفعول "لم يزيدوا". ويدفعه لفظة "غير"، وقيل: هو حال من فاعل "لم يزيدوا"، و"من": مزيدة، أي: لم يزيدوا على الفرح حال كونهم غير منتدبين لشكر، ولا متصدين لتوبة. ويمكن أن يقال: إنه صفة مصدرٍ محذوفٍ من حيث المعنى، وإن القرينتين عبارتان عن عدم تغيير الحال، أي: أخذناهم بالبأساء ليتضرعوا ويتوبوا، ثم فتحنا عليهم أبواب السماء ليشكروا، فما نفعهم ذلك. كأنه قيل: حتى إذا استمروا على البطر استمرارًا من غير انتدابٍ لشكر، ولا تصد لتوبةٍ، أخذناهم بغتة. نظيره: ما ذكره في "القصص": "الغابط: هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه، من غير أن تزول عنه". وفي الحديث: "من سن سنة حسنةً، فله أجرها وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيء". هذا على تقرير المصنف، لكن معنى الآية ما ذكرناه. والله أعلم. قوله: "من غير انتدابٍ لشكر"، يقال: ندبه لأمر، فانتدب له: أي: دعاه له، فأجاب. قوله: (﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴿. قال أبو البقاء: " ﴿بَغْتَةً ﴿: مصدر في موضع الحال من الفاعل، أي: مباغتين، أو من المفعولين، أي: مبغوتين. ويجوز أن يكون مصدرًا على المعنى، لأن ﴿أَخَذْنَاهُم ﴿بمعنى: "بغتناهم"، و﴿إِذَا ﴿للمفاجأة، وهي ظرف مكان، و﴿هُم ﴿: مبتدأ، و﴿مُبْلِسُونَ ﴿: خبره، وهو العامل في ﴿إذَا ﴿". قوله: (وأجمون)، الجوهري: "وجم من الأمر وجومًا، والواجم: الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام".
[ ٦ / ٨٧ ]
(فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ): آخرهم، لم يترك منهم أحد، قد استؤصلت شأفتهم، (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) إيذانٌ بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة،
_________________
(١) الراغب: "الإبلاس: الحزن من شدة البأس، ومنه اشتق "إبليس" فيما قيل. ولما كان المبلس كثيرًا ما يلزم السكوت، وينسى ما يعنيه، قيل: أبلس فلان: إذا سكت وإذا انقطعت حجته". قوله: (قد استؤصلت شأفتهم)، أي: أذهبهم الله. النهاية: "الشأفة بالهمز وغير الهمز: قرحة تخرج في أسفل القدم، فتقط وتكوى، فتذهب. ومنه قولهم: استأصل الله شأفته: أي أذهبه". قوله: (إيذان بوجوب الحمد [الله] عند هلاك الظلمة). هذا يؤذن أن ﴿والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴿- كما قال في الكواشي - إخبار بمعنى الأمر: أي: احمدوا الله. وكذا كل ما ورد في القرآن من هذا. ثم "الحمد" على ما سبق في أول الكتاب، قد يكون شكرًا للصنيعة، وقد يكون للثناء على الفضائل الاختيارية. أما بذله على الشكر فإن قوله: ﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَاسَاءِ ﴿إلى قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴿وارد ليسلي رسول الله ﷺ، يعني: هؤلاء المشركون الذين تدعوهم إلى الله، وهم يعاندون، ويكذبونك، لابد أن يكون لهم أسوة بمن قبلهم في هلاكهم وتدميرهم، واستئصال شأفتهم، فإذا تم عليهم ذلك، فاحمد الله على طهارة الأرض من عبث الظلمة. فالرب على هذا فيه معنى التربية، لأن في هلاكهم تخليصًا لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وإضلالهم، واحتباس الخير النازل من السماء. وذلك نعمة جليلة يجب أن يحمد عليها. وأما بذله على الفضائل الاختيارية، فإنه تعالى لما ذكر إهلاك المتمردين، وتطهير الأرض
[ ٦ / ٨٨ ]
وأنه من أجلّ النعم وأجزل القسم. وقرئ «فتحنا» بالتشديد.
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ)].
(إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ) بأن يصمكم ويعميكم، (وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ) بأن يغطي عليها ما يذهب عنده فهمكم وعقلكم (يَاتِيكُمْ بِهِ) أي: يأتيكم بذاك، إجراءً للضمير مجرى اسم الإشارة
_________________
(١) من أدناسهم، مدح نفسه المقدسة بالقهارية والعظمة. فالرب على هذا بمعنى المالك. فالمعنى: الحمد لله الملك القهار، الذي له الكبرياء والعظمة، وله التصرف في ملكه كيف شاء. وهذا أحرى في الإيراد، لأن قوله: ﴿والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴿مجرى على ظاهر الإخبار. فيكون قوله: ﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا ﴿إلى آخر ﴿والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴿، على التقديرين، معترضًا بين قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ ﴿، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ ﴿، مؤكدًا لمضمون معنى الكلامين. قوله: (وقرئ: "فتحنا" بالتشديد): ابن عامر. والباقون: بالتخفيف. قوله: (إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة)، نحو قول رؤبة: فيها خطوط من سوادٍ وبلق … كأنه في الجلد توليع البهق
[ ٦ / ٨٩ ]
أو بما أخذ وختم عليه يَصْدِفُونَ يعرضون عن الآيات بعد ظهورها.
_________________
(١) قال أبو عبيدة: "إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت: كأن ذالك". قوله: (أو بما أخذ وختم عليه). قال الزجاج: "الهاء تعود على معنى الفعل: "أي: يأتيكم" بما أخذ منكم. ويجوز أن يكون ﴿يَاتِيكُم بِهِ ﴿أي: بسمعكم، ويكون ما عطف على السمع داخلًا معه في القصة، إذ كان معطوفًا على السمع: أي ﴿سَمْعَكُمْ وأَبْصَارَكُمْ ﴿إلى آخره". قوله: (﴿يَصْدِفُونَ ﴿: يعرضون عن الآيات بعد ظهورها). قال القاضي: " ﴿نُصَرِّفُ الآيَاتِ ﴿: نكررها تارةً من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارةً بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين، وهم يعرضون عنها". وقلت مزيدًا للتقرير: إن قوله: "بعد ظهورها" دل على أن "ثم" للاستبعاد، كما في قوله تعالى: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴿[السجدة: ٢٢]. وإن التعريف في "الآيات" للعهد، وهي الآيات المكررة من أول السورة، سيما من قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ﴿[الأنعام: ٤٠] وما يشبهه، وإن هذه الآية كالمعترضة توكيدًا للتذكير والاعتبار. وأيضًا، إن كلمة ﴿اُنظُر ﴿معطية معنى التعجب، نحو: ألم تر؟ و: أرأيت؟ تعجب السامع من شدة شكيمة أولئك المشركين، وإصرارهم على العناد، ونفورهم عن الحق، بعد تكرير الآيات المنذرة المخوفة، كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا ومَا يَزِيدُهُمْ إلاَّ نُفُورًا ﴿[الإسراء: ٤١].
[ ٦ / ٩٠ ]
[(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ)].
لما كانت البغتة أن يقع الأمر من غير أن يشعر به وتظهر أماراته، قيل: (بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً)، وعن الحسن: ليلًا أو نهارًا. وقرئ: "بغتة أو جهرة"، (هَلْ يُهْلَكُ) أي: ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا الظالمون. وقرئ. هل يهلك بفتح الياء.
[(وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون)].
(مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) من آمن بهم وبما جاءوا به وأطاعهم، ومن كذبهم وعصاهم،
_________________
(١) فإن قلت: فلم قرنت هذه الآية من بين تلك الآي المنذرة بهذه؟ قلت: لأن تلك واردة في التخويف بالعذاب النازل من الخارج، وهذه من نفس المخاطب. يعني: إن أنشأنا العذاب من ذاتكم وما أنتم به أهم، من إله غير الله ينجيكم منها؟ ﴿انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿. ومن ثم كان دلائل الأنفس أدق وأفيد للناظر من دلائل الآفاق. قوله: (لما كانت البغتة)، يعني: ﴿جَهْرَةً ﴿: لا تقابل ﴿بَغْتَةً ﴿من حيث اللفظ، لأن مقابل "الجهرة": "الخفية". لكن معنى ﴿بَغْتَةً ﴿: وقوع الأمر من غير الشعور، فكأنها في معنى "خفية"، فحسن لذلك أن يقال: ﴿بغتةً أو جهرةً ﴿.
[ ٦ / ٩١ ]
ولم يرسلهم ليتلهى بهم ويقترح عليهم الآيات بعد وضوح أمرهم بالبراهين القاطعة (وَأَصْلَحَ) ما يجب عليه إصلاحه مما كلف.
[(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ)].
جعل العذاب ماسًا، كأنه حيّ يفعل بهم ما يريد من الآلام، ومنه قولهم: لقيت منه الأمرّين والأقورين، حيث جمعوا جمع العقلاء، وقوله: (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)] [الفرقان: ١٢].
_________________
(١) قوله: (لم يرسلهم ليتهلي بهم ويقترح عليهم الآيات): إشارة إلى اتصال هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴿[الأنعام: ٣٧] الآيات. الجوهري: "لهوت بالشيء، ألهو لهوًا: إذا لعبت به. وتلهيت به: مثله". يعني: ليسخر بهم. قوله: (كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام). يجوز أن يريد أن الاستعارة واقعة في "المس" فتكون تبعية، أو في ﴿اَلْعَذَابُ ﴿فتكون مكنية. والظاهر الثاني، بشهادة الاستشهاد بـ"الأمرين". قوله: (الأمرين). روى الجوهري عن أبي زيد: "لقيت منه الأمرين، بنون الجمع: وهي الدواهي"، وعن الكسائي: "لقيت منه الأقورين، بكسر الراء، والأقوريات: وهي الدواهي العظام". وقال الميداني: "لقيت منه الأقورين والفتكرين والبرحين: إذا لقي منه الأمور العظام". والأقورين: من: قوره، أي: قطعه مدورًا. والبرحين، بالضم والكسر، أي: الشدة.
[ ٦ / ٩٢ ]
[(قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ)].
أي: لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشرٍ من ملك خزائن الله - وهي قسمه بين الخلق وأرزاقه- وعلم الغيب، وأني من الملائكة الذين هم أشرف جنسٍ خلقه الله تعالى، وأفضله وأقربه منزلةً منه. أي: لم أدّع إلهية ولا ملكية؛
_________________
(١) قوله: (أي: لا أدعي ما يستبعد في العقول). قيل: المناسب: ما يستحيل ويمتنع، لأن المراد: لا أدعى الإلهية. كأنه يريد بالمستبعد: المستحيل، لقوله بعد هذا: "والمحال: وهو الإلهية والملكية". قوله: (وأني من الملائكة) بفتح الهمزة قيل: هو عطف على قوله: "ما يستبعد". والوجه: العطف على قوله: "أن يكون لبشر"، ليكون داخلًا في حكم الاستبعاد، أي: لا أدعي ما يستعبد في العقول من أن يكون عندي ملك خزائن الله، وأني من الملائكة. والدليل عليه قوله: "والمحال: وهو الإلهية والملكية". وإنما وضع "لبشر" موضع "أني أملك خزائن الله"، ليشعر بالعلية، وهي: البشرية مما ينافي الإلهية والملكية. قوله: (أي: لم أدع إليهةً ولا ملكية). جعل مجموع قوله تعالى: ﴿عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ﴿عبارة عن معنى الإلهية، لأن قسمة الأرزاق بين العباد، ومعرفة علم الغيب، مخصوصتان به، ولهذا كرر في التنزيل لفظ: ﴿ولا أَقُولُ ﴿. وهذا النسق يهدم قاعدة استدلاله في قوله تعالى: ﴿لَن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴿[النساء: ١٧٢] على تفضيل الملك على البشر، لأن الترقي لا يكون من الأعلى إلى الأدنى، يعني من الإلهية إلى الملكية. وأما قوله: "الذين هم أشرف جنسٍ خلقه الله، وأفضله" فهو بعيد، لأن سياق هذه الآية
[ ٦ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في الرد على اقتراح المشركين على رسول الله ﷺ وطلبهم الآيات يدل عليه إجمالًا قوله: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَاتِيَهُم بِآيَةٍ ﴿[الأنعام: ٣٥]، وقوله: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴿[الأنعام: ٣٧]. كما قال الزجاج: "هذه الآية متصلة بقوله: ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴿[الأنعام: ٨]، وقوله: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴿[الأنعام: ٣٧] ". وهذه الآية كالجواب عن تفصيل تلك الآيات، فقوله: ﴿لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ﴿: جواب عن قولهم: إن كنت رسولًا من عند الله فاطلب من الله أن يوسع علينا خير الدنيا، وأن يوقفك على ما سيقع في المستقبل من المصالح والمضار، حتى تستعد لذلك، وقوله: ﴿ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ ﴿: جواب عن قولهم: ﴿مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ ويَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ ﴿[الفرقان: ٧]. والمعنى: لست إلهًا حتى تطلبوا مني قسمة الأرزاق، ومعرفة الغيب، فإنهما يختصان بالله وحده، ولست ملكًا حتى لا آكل ولا أشرب. والمقصود من الرسالة تلقي الوحي من عند الله، والتبليغ إلى الخلق ﴿إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ ﴿، هذا على تقدير المصنف. وأما الذي عليه الظاهر، وفي "المعالم": "فهو أني لست متصرفا في ملك الله، حتى تقترحوا مني خزائن رزق الله، فأعطيكم ما تريدون، ولا أعلم الغيب، فأخبركم بما غاب مما انقضي ومما سيكون، ولا أنا ملك أقدر على ما لا يقدر عليه الإنسان، بل أنا رسول من الله مأمور متبع لما يوحى إليَّ".
[ ٦ / ٩٤ ]
لأنه ليس بعد الإلهية منزلةٌ أرفع من منزلةِ الملائكة، حتى تستبعدوا دعواي وتستنكروها، وإنما أدّعي ما كان مثله لكثيرٍ من البشر، وهو النبوّة.
(هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ) مثلٌ للضالّ والمهتدي، ويجوز أن يكون
_________________
(١) وإذا كان الكلام ردًا على المشركين، فمن أين دل على الأفضلية؟ وكل هذه المعاني مستنبطة من كلامه في سورة "هود" و"بني إسرائيل"، سيما من قوله: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿إلى قوله: ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِ ﴿[الإسراء: ٩٠ - ٩٧]. روى الإمام عن الجبائي: أن الآية دلت على فضل الملائكة على الأنبياء، لأن المعنى: لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي. فأجاب القاضي عبد الجبار، منهم: "إن كان الغرض في النفي التواضع، فالأقرب لزوم الأفضلية، وإن كان نفي قدرته على أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة، فلا". ثم إني نظرت في كلام صاحب "الانتصاف"، فوجدت فيه لمحةً من هذه المعاني، وفي آخره: "وفي لفظ الزمخشري قبح، فإنه قال: "ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من الملائكة". فجعل للألوهية منزلة، ولا يجوز هذا الإطلاق". قوله: (مثل للضال والمهتدي). يريد أن هذه الخاتمة كالتذييل الذي يقع في آخر الكلام،
[ ٦ / ٩٥ ]
لمن اتبع ما يوحى إليه، ومن لم يتبع، أو لمن ادّعى المستقيم وهو النبوة، والمحال وهو الإلهية أو الملكية،
_________________
(١) على سبيل التمثيل، وقوله: (أفلا تتفكرون) كالتتميم للتذييل، والتنبيه على مكان التذييل. ثم المذيل إما ما سبق من أول هذه السورة، وجميع ما جرى له مع القوم: من الدعوة إلى الحق، وإبائهم إلا الباطل. وإليه الإشارة بقوله: "فلا تكونوا ضالين أشباه العميان": يعني أفلا تتفكرون في أحوالي وأحوالكم، لتميزوا بين الحق والباطل، ولتعلموا الضال والمهتدي؟ وإما ما سبق من قوله: ﴿إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ ﴿. فالبصير من يتبع ما يوحي إليه، وهو الرسول ﷺ، والأعمى من لا يرفع به رأسًا. وهو المراد بقوله: "فتعلموا أن أتباع ما يوحي إلى ما لابد لي منه" حتى أكون مهتديًا لا ضالا، أفلا تتفكرون في حالي لتعلموا أني مهتدٍ حيث أتبع الوحي، ولست بضال في تركه؟ أو من قوله: ﴿لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ ﴿. فالأعمى من يدعي هذا، والبصير من يتبع الوحي، ويدعى النبوة. وإليه الإشارة بقوله: "فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر"، يعني: أفلا تتفكرون في اهتدائي لطريق الحق، ومجانبتي عن الباطل؟ قوله: (والمحال، وهو الإلهية أو الملكية)، الانتصاف: "دعوى الملكية من الممكنات، لأن الجواهر متماثلة، والمعاني القائمة ببعضها يجوز أن تقوم بكلها". قال في "الإنصاف": "من البين فيه قوله تعالى: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴿[الأعراف: ٢٠]، أطمع آدم في أن يصير ملكًا، والنبي لا يطمع في المستحيل".
[ ٦ / ٩٦ ]
(أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ): فلا تكونوا ضالين أشباه العميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر، أو فتعلموا أن أتباع ما يوحى إليَ مما لا بدّ لي منه.
فإن قلت: (أَعْلَمُ الْغَيْبَ) ما محله من الإعراب؟ قلت: النصب عطفًا على قوله: (عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ)، لأنه من جملة المقول، كأنه قال: لا أقول لكم هذا القول ولا هذا القول.
[(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)].
(وَأَنْذِرْ بِهِ) الضمير راجع إلى قوله: (ما يُوحى إِلَيَّ) [الأنعام: ٥٠]، و(الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا) إمّا قومٌ داخلون في الإسلام، مقرّون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل، فينذرهم بما يوحى إليه، (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي: يدخلون في زمرة المتقين من المسلمين، وإمّا أهل الكتاب، لأنهم مقرّون بالبعث، وإما ناسٌ من المشركين علم من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث
_________________
(١) قوله: (﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴿: فلا تكونوا ضالين أشباه العميان)، الراغب: "الفكرة: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم. والتفكير: جولان تلك القوة بحسب نظر العقل. وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب. ولهذا روي: "تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله"، إذ كان الله ﷿ منزهًا أن يوصف بصورة".
[ ٦ / ٩٧ ]
أن يكون حقًا فيهلكوا، فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار، دون المتمرّدين منهم، فأمر أن ينذر هؤلاء.
وقوله: (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) في موضع الحال من (يحشروا)، بمعنى: يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعًا لهم، ولا بدّ من هذه الحال، لأن كلا محشور، فالمخوف إنما هو الحشر على هذه الحال.
[(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)].
_________________
(١) قوله: (أن ينجع)، الجوهري: "نجع فيه الخطاب والوعظ والدواء: إذا دخل وأثر". قوله: (ولابد من هذه الحال). قال صاحب "التقريب": "لأن المخوف هو الحشر على هذه الحال، لا أصل الحشر". وقلت: معنى قول المصنف يعود إلى مذهبه، يعني: لابد من القيد لأن الحشر مطلقًا لا يخاف منه، وإنما الذي يخاف منه هو الحشر الذي يعتقد المكلف فيه أن لا شفيع ولا نصير إلا الله وهو قد فرط في جنب الله، فحينئذ خسر خسرانا مبينًا. فإذا خاف هذه الحالة نفع معه الإنذار، ونجع فيه الوعظ، ويفهم منه أن المتقي الذي يتحرى رضا الله لا يخاف حينئذ، وخرج من هذا الحكم. ولهذا قال بعد هذا: "ذكر غير المتقين من المسلمين، وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم ذكر المتقين)، فاعتضد المفهوم بدلالة النظم والترتيب. ولكن النظم الأوفق أن قوله تعالى: ﴿أَنذِرِ ﴿: أمر وارد عقيب قوله: ﴿ولا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ﴿[الأنعام: ٥٠]، وقد عطف عليه النهي، وهو: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ ﴿[الأنعام: ٥٢].
[ ٦ / ٩٨ ]
ذكر غير المتقين من المسلمين وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم ذكر المتقين منهم، وأمره بتقريبهم وإكرامهم، وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك، وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم، أي: عبادته، ويواظبون عليها. والمراد بذكر "الغداة" و"العشي": الدوام. وقيل: معناه: يصلون صلاة الصبح والعصر، ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، والوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته.
_________________
(١) والكلام مرتبط بعضه ببعض: أمر الله ﷾ نبيه أولًا بالإعراض عن المتمردين الذين لا ينجع فيهم التذكير، ثم أمره ثانيًا بالإنذار لمن ينجع فيه الوعظ من الكفار، ثم نهاه ثالثًا عن طرد المتقين، يعني: اترك المعاندين وإنذارهم، واشتغل بمن يرجي منهم الخير، وإلزم مصاحبة المؤمنين. قال في "الانتصاف": "إنما تلزم الحال لو قيل: "وأنذر به الذين يحشرون"، إذ لولا الحال لعم الأمر بالإنذار، والمقصود تخصيصه. وأما وقد قيل: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا ﴿فهو مستقل بتخصيص الإنذار: إما لإقرارهم به، وإما لأخذهم بالأحوط، دون العتاة المتمردين، وليس كل خائفٍ من البعث لا شفيع له، فإن الموحدين أجمعين خائفون وهم مشفوع لهم. فإن عني بأن الحال لازمة، كقوله: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا ﴿[البقرة: ٩١]، كان بناءً على قاعدته في إنكار الشفاعة. فكل خائفٍ عنده غير مشفوع له، إذ لا يخاف عنده إلا أصحاب الكبائر غير التائبين، أو الكفار، ولا شفاعة لهم عنده، وإنما الشفاعة عنده في زيادة الثواب لمن استوجبه - بزعمه - بعمله الصالح. وهذا عنده لا يخاف من البعث، لأنه يستوجب الجنة. فجعل الحال لازمة، لأن غير الخائف لا تتناوله الآية، والخائف مستوجب للعقاب عنده، فلا شفاعة له. فتفطن لدقائقه". قوله: (ويواظبون) تفسير "يواصلون". وفيه إيذان بأن ﴿يَدْعُونَ ﴿محمول على الاستمرار.
[ ٦ / ٩٩ ]
روي: أن رؤوسًا من المشركين قالوا لرسول الله ﷺ: لو طردت عنا هؤلاء الأعبد - يعنون فقراء المسلمين، وهم عمار وصهيب وبلال وخباب وسلمان وأضرابهم رضوان الله عليهم-، وأرواح جبابهم - وكانت عليهم جباب من صوف -؛ جلسنا إليك وحادثناك، فقال ﵊: "ما أنا بطارد المؤمنين"، فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: "نعم"؛ طمعًا في إيمانهم. وروي أن عمر ﵁ قال: لو فعلت حتى ننظر إلى ما يصيرون. قال فاكتب بذلك كتابًا، فدعا بصحيفة وبعليّ ﵁ ليكتب، فنزلت. فرمى بالصحيفة، واعتذر عمر من مقالته.
قال سلمان وخباب وصهيب: فينا نزلت، فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبنا ركبته،
_________________
(١) ثم قوله: "والمراد بالغداة والعشي: الدوام" ينبي أن الدوام هو الزبدة من اختصاص هذين الوقتين، لاختصاصهما بعينهما. وإنهم يقولن: "أنا عند فلان صباحًا ومساءً"، ويريدون الدوام. فيكون التقدير: يواظبون على ذكر ربهم دائمين. فيكون حالًا مؤكدة. قوله: (روي أن رؤوسًا من المشركين). الحديث رواه ابن ماجه عن خباب، وقال: "جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حسن الفزاري". وليس فيه أن عمر ﵁ قال شيئًا، ولا فيه قوله: "الحمد لله الذي لم يمتني". قوله: (وأرواح جبابهم): أي: روائحها الكريهة، وهو عطف على "هؤلاء الأعبد"، على تقدير: وأبعدت أرواح جبابهم، نحو قوله: علفتها تبنًا وماءً باردا
[ ٦ / ١٠٠ ]
وكان يقوم عنا إذا أراد القيام، فنزلت: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم)، فترك القيام عنا إلى أن تقوم عنه، وقال: "الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرنى أن أصبر نفسي مع قوم من أمتى. معكم المحيا ومعكم الممات".
و(ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، كقوله: (إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي) [الشعراء: ١١٣]، وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال: (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) بعد شهادته لهم بالإخلاص وبإرادة وجه الله في أعمالهم، على معنى: وإن كان الأمر على ما يقولون عند الله، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر والاتسام بسيرة المتقين، وإن كان لهم باطنٌ غير مرضي، فحسابهم عليهم لازمٌ لهم لا يتعدّاهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدّاك إليهم، كقوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [الزمر: ٧].
فإن قلت: أما كفى قوله: (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) حتى ضم إليه (وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ)؟
قلت: قد جُعلت الجملتان بمنزلة جملةٍ واحدة،
_________________
(١) قوله: (﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ومَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم ﴿، كقوله: ﴿إنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي ﴿[الشعراء: ١١٣]. قال أبو البقاء: ﴿يُرِيدُونَ ﴿: حال من ﴿يَدْعُونَ ﴿، و﴿مِنَ ﴿في ﴿مَنِ شَيءً ﴿: زائدة، وموضعها رفع بالابتداء، و﴿عَلَيْكَ ﴿: الخبر، و﴿مِن حِسَابِهِم ﴿: صفة ﴿شَيءٍ ﴿قدم عليه، فصار حالًا، وكذلك الذي بعده، إلا أنه قدم ﴿مَنْ حِسَابِكَ ﴿على ﴿عَلَيِهم ﴿، ويجوز أن يكون الخبر ﴿مَنِ حِسَابِكَ ﴿و﴿عَلَيِهم ﴿صفة لـ ﴿شَيءِ ﴿مقدمة عليه، ﴿فَتَطْرُدَهُمْ ﴿. جوال لـ ﴿مَا ﴿النافية، فلذلك نصب: ﴿فَتَكُونَ ﴿جواب ﴿وَلَا تَطْرُدِ ﴿.
[ ٦ / ١٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ويجوز أن يكون ﴿مِنَ شَيءٍ ﴿: فاعل ﴿عَلَيْكَ ﴿، لاعتماده على النفي، و﴿مِنْ حِسَابِهِم ﴿: حال من الفاعل مقدم عليه. قيل: قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴿كقوله: ﴿إنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي ﴿[الشعراء: ١١٣]، يخالف قوله: "فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك"، لأن صاحب "المفتاح" قال: " ﴿إنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي ﴿معناه: حسابهم مقصور على الاتصاف بـ ﴿عَلَى رَبِّي ﴿لا يتجاوز إلى أن يتصف بـ"علي"، فيلزم من أول الكلام أن يكون "حسابهم" مقصورًا على "الله"، ومن آخره ألا يكون مقصورًا عليه". والجواب: أن قوله: ﴿إنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي ﴿نازل في الكفار من قوم "نوح"، لما طعنوا في مؤمنيهم بقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا ومَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ ﴿[هود: ٢٧]. بعمنى أنهم ما آمنوا عن نظرٍ وبصيرة، كما نص عليه في موضعه. فهو مثل قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴿، لأنه نازل في طعن المشركين في ضعفاء المؤمنين في مثله. يدل عليه قوله: "وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم". فمعنى هذه الآية ما قال المصنف: "فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرضي، فحسابهم عليهم لازم لهم، لا يتعداهم إليك"، أي: فحسابهم علي لا عليك. وهو معنى قول نوح ﵇ وهو ما قال صاحب "المفتاح": ﴿حِسابُهُمْ ﴿مقصور على الله، لا يتجاوز أن يتصف بـ"علي"، راجع إلى هذا. يعني: إن كان باطنهم غير مرضي، فلا علي، ولا يتعدى ضرره إليّ.
[ ٦ / ١٠٢ ]
وقصد بهما مؤدىً واحد، وهو المعنيّ في قوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [الزمر: ٧]، ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعًا، كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.
وقيل: الضمير للمشركين. والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم، ويحرّك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين، (فَتَطْرُدَهُمْ) جواب النفي، (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) جواب النهي، ويجوز أن يكون عطفًا على (فَتَطْرُدَهُمْ) على وجه التسبيب، لأن كونه ظالمًا مسبب عن طردهم. وقرئ: "بالغدوة والعشي".
_________________
(١) نعم، ضمت مع هذه الآية ضميمة أخرى مؤكدة لها، وهي قوله: ﴿ومَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ ﴿فصارت بمعنى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى ﴿[الأنعام: ١٦٤]، ورجع معنى الآيتين إلى أنك غير مؤاخذٍ بسرائرهم، في كونهم غير مخلصين النية. كما أن قول نوح ﵇: ﴿إنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي ﴿[الشعراء: ١١٣] معناه: إني غير مؤاخذٍ بسرائرهم وإخلاصهم، لأن المشبه به حكاية قول نوح ﵇ مع قومه، والمشبه حكاية قول الله مع رسوله صلوات الله عليه، وأنه تعالى نهاه عما كان يشاهد منه من حرصه على إسلام قومه، ومن لم يعين المقام قال ما شاء. قوله: (ويجوز أن يكون عطفًا على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ ﴿على وجه التسبيب). قال القاضي:
[ ٦ / ١٠٣ ]
[(وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)].
(وَكَذلِكَ فَتَنَّا): ومثل ذلك الفتن العظيم، فتنا بعض الناس ببعض، أي: ابتليناهم بهم. وذلك أنّ المشركين كانوا يقولون للمسلمين:
_________________
(١) "وفيه نظر"، ووجه النظر هو أن قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ومَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مَنَ الظَّالِمِينَ ﴿حينئذ مؤذن بأن عدم الظلم لعدم تفويض أمر الحساب إليه، فيفهم منه أن لو كان حسابهم عليه وطردهم، لكان ظالمًا. وليس كذلك، لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. والجواب: أنه أراد بذلك المبالغة في منع الطرد. يعني: لو قدر تفويض الحساب إليك مثلًا ليصح منك طردهم لم يصح أيضًا، فكيف والحساب ليس إليك؟ نظيره في إرادة المبالغة قول عمر ﵁: "نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه". قوله: (ومثل ذلك الفتن العظيم). المشار إليه ما دل عليه التعليل والمعلل، كأنه تعالى
[ ٦ / ١٠٤ ]
(أَهؤُلاءِ) الذين (مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا) أي: أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحق ولما يسعدهم عنده من دوننا، ونحن المقدمون والرؤساء، وهم العبيد والفقراء، إنكارًا لأن يكون أمثالهم على الحق وممنونا عليهم من بينهم بالخير، ونحوه (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا) [القمر: ٢٥]، (لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) [الأحقاف: ١١].
ومعنى "فتناهم ليقولوا ذلك": خذلناهم فافتتنوا، حتى كان افتتانهم سببًا لهذا القول، لأنه لا يقول مثل قولهم هذا إلا مخذولٌ مفتون.
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) أي: الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.
_________________
(١) أشار إلى فتنةٍ عظيمة مقدرة. قال القاضي: "ومثل ذلك الفتن - وهو اختلاف أحوال الناس في أمور الدنيا - ﴿فَتَنَا ﴿، ثم علله بقوله: ﴿لِيَقُولُوا ﴿. وإليه الإشارة بقوله: "خذلناهم فافتتنوا حتى كان افتتانهم سببًا لهذا القول". قال محيي السنة: " ﴿فَتَنَا ﴿: أراد: ابتلينا ابتلاء الغني بالفقير، والشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه بالإيمان، امتنع من الإسلام بسببه - فكان فتنة له - فذلك قوله: ﴿لِّيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا ﴿". قوله: (خذلناهم فافتتنوا)، أي: وضع الافتتان موضع الخذلان، إطلاقًا لاسم المسبب على السبب، واللام في ﴿لِيَقُولُوا ﴿: لام "كي"، ولتقديره الخذلان علله بقوله: "لأنه لا يقول مثل قولهم هذا إلا مخذول"، بناءً على مذهبه.
[ ٦ / ١٠٥ ]
[(وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) إما أن يكون أمرًا بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمرًا بأن يبدأهم بالسلام إكرامًا لهم وتطييبًا لقلوبهم، وكذلك قوله: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) من جملة ما يقول لهم ليسرهم ويبشرهم بسعة رحمة الله وقبوله التوبة منهم. وقرئ: (إنَهُ … فَإِنَّهُ)؛ بالكسر على الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ)، وبالفتح على الإبدال من الرحمة.
(بِجَهالَةٍ) في موضع الحال، أي: عمله وهو جاهل، وفيه معنيان:
_________________
(١) قال أولًا: "فتنا بعض الناس ببعض: ابتليناهم بهم" بحسب اللغة، وثانيًا: "معنى فتناهم ليقولوا ذلك: خذلناهم، فافتتنوا" بحسب تلخيص المعنى ومعزى الكلام. قوله: (وقرئ: (إِنَهُ … فَإِنًّهُ»، والظاهر أنه يعني: "أنه" في قوله: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ)، و"فإنه" في قوله: (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). قرأ عاصم وابن عامر: بفتحهما، ونافع: بفتح الأولى فقط، والباقون: بكسرهما، ولكن المراد بقوله: " (فَأَنَّهُ) بالكسر على الاستئناف" أي: قري: (أِنَّهُ) و"أنه) بالكسر والفتح، فالكسر على الاستئناف، والفتح على الإبدال، وهو لف تقديري. والفاء في (فَإِنَّهُ) تفصيلية، دليله تفسيره، ولا يبعد أن المصنف فتح همزة (أَنَّهُ) وكسرها في الكتابة، وكتب على الهمزة: "معًا".
[ ٦ / ١٠٦ ]
أحدهما: أنه فاعلٌ فعل الجهلة، لأنّ من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالمٌ بذلك أو ظانٌّ فهو من أهل السفه والجهل، لا من أهل الحكمة والتدبير، ومنه قول الشاعر:
على أنّها قالت عشيّة زرتها: … جهلت على عمد ولم تك جاهلا
والثاني: أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته.
وقيل: إنها نزلت في عمر ﵁ حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوا، ولم يعلم أنها مفسدة.
[(وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)].
قرئ: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء والياء مع رفع "السبيل"، لأنها تذكر وتؤنث، وبالتاء على خطاب الرسول مع نصب "السبيل"
_________________
(١) قوله: (على أنها قالت) البيت. جهلت: سفهت، أي: ما تدبرت العاقبة بهذه الزيارة، فكأنها خافت عليه من قومها حين زارها، فلامته على ذلك ونسبته إلى الجهل. قوله: (أنه جاهل بما يتعلق من المكروه). جعل (بِجَهَالِةٍ) في الوجه الأول مطلقةً غير مقيدة، ليفيد المبالغة، وإليه الإشارة بقوله: "فهو من أهل السفه والجهل". وفي الثاني قيدها بما يقتضيه السياق. فالجهالة على الأول مجاز، وعلى الثاني حقيقة. قوله: «وَلِتَسْتَبِينَ»: بالياء التحتانية: حمزة وأبو بكر والكسائي، والباقون: بالتاء الفوقانية
[ ٦ / ١٠٧ ]
يقال: استبان الأمر وتبين، واستبنته وتبينته. والمعنى: ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين؛ من هو مطبوعٌ على قلبه لا يرجى إسلامه، ومن يرى فيه أمارة القبول وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة، ومن دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده، ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلًا منهم بما يجب أن يعامل به، فصلنا ذلك التفصيل.
[(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ* قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ* قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ)].
_________________
(١) قوله: (في صفة أحوال المجرمين؛ من هو مطبوع على قلبه): "من": بدل من "المجرمين"، و"من يرى فيه أمارة" معطوف على "من"، وكذلك: "ومن دخل في الإسلام"، يريد أن "ذلك" في قوله: (وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ) إشارة إلى ما سبق من أحوال الطوائف الثلاث من لدن قوله: (والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [الأنعام: ٤٩] لأن هذه الطائفة هي المطبوع على قلوبهم، و(الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ) [الأنعام: ٥١] هي الطائفة التي يرى فيها أمارة القبول، لأنها هي المنذرة التي يرجى إسلامها، لقوله: (يَخَافُونَ)، وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأنعام: ٥٠]. وإليه الإشارة بقوله: "وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة". والتي في قوله: (وإذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) هي الطائفة التي دخلت في الإسلام، إلا أنها لا تحفظ حدوده، ومن ثم خوطبوا بقوله: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ) [الأنعام: ٥٤]. فعلى هذا قوله: (ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ) إذا قدر المعلل فصلنا ذلك التفصيل بدلالة السابق، عطف جملةٍ على جملة، وقال القاضي: ويجوز أن يعطف
[ ٦ / ١٠٨ ]
(نُهِيتُ): صرفت وزجرت- بما ركب فيّ من أدلة العقل، وبما أُوتيت من أدلة السمع - عن عبادة ما تعبدون (مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وفيه استجهالٌ لهم، ووصفٌ بالاقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة، (قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ) أي: لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل، وهو بيانٌ للسبب الذي منه وقعوا في الضلال،
_________________
(١) على علة مقدرة، أي: (نُفَصِّلُ الآيَاتِ) ليظهر الحق (ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ). قوله: (وفيه استجهال لهم). يعني: أدمج في هذا الكلام معنى الاستدراج، وإرخاء العنان، كقوله تعالى: (وَإنَّا أَوْ إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [سبأ: ٢٤]، وذلك أنه نسب النهي إلى نفسه، يعني: كنت على ما أنتم عليه من الضلال، فنهاني عنه دليل العقل، وما أوتيت من العلم، فانزجرت عنه وانصرفت، فما بالكم ثابتون عليه لا تستعملون دليلي: العقل والعلم؟ ! فإذا نظروا بعين البصيرة في هذا الكلام المنصف، وعلموا أنه صلوات الله عليه لم يزل على الحق المبين، والطريق المستقيم، ووقفوا على أنهم على الضلال البعيد، رجعوا عن ذلك. فقولنا: فما بالكم ثابتون عليه .. إلى آخره، معنى قوله: "ووصف بالاقتحام" أي: الوقوع في الشدائد فيما كانوا فيه على غير بصيرة. قوله: (وهو بيان للسبب الذي منه وقعوا في الضلال) يعني: فصل قوله: (قُل لاَّ أَتَّبِعُ) للاستئناف وبيان الموجب، كأنه قيل: لم نهيت عما نحن فيه من عبادة دون الله؟ فأجاب: لأن ما أنتم عليه هوى، ليس بهدى، فكيف أتبع أهواءكم؟ ! (قَدْ ضَلَلْتُ إذًا). قال الزجاج "إذا: شرط، أي: قد ضللت إن عبدتها".
[ ٦ / ١٠٩ ]
وتنبيهٌ لكل من أراد إصابة الحق ومجانبة الباطل. (قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا) أي: إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال، وما أنا من الهدى في شيء، يعني أنكم كذلك.
_________________
(١) قوله: (وتنبيه لكل من أراد). يعني: تنبيه لغير هؤلاء من رقدة الغفلة، ومتابعة الهوى، وإرشاد إلى متابعة دليلي العقل والكتاب المنير. قوله: (وما أنا من الهدى في شيء)، يعني: اللام في (الْمُهْتَدِينَ) للجنس، والمعنى: وما أنا في عدادهم وزمرتهم، تعريضا بهم، وهو المراد بقوله: "أنكم كذلك"، يعني: إذا لم تكونوا من زمرة المهتدين، فلا تكونوا من الهدى في شيء، على طريق الكناية. قالوا: في قوله: "وما أنا من الهدى في شيء" في تفسير (ومَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ) نظر؛ لأن هذا الأسلوب في الآيات يوجب أن يكون المدخول ليس ممن له حظ قليل في ذلك الوصف، بل له حظوظ وافية، لا أنه غير محظوظ فيه، وفي السلب يوجب أن يكون المدخول ممن له حظ ما فيه. قال في قوله: (إنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ القَالِينَ) [الشعراء: ١٦٨]: "قولك: فلان من العلماء أبلغ من قولك: فلان عالم، لأنك تشهد له بكونه معدودًا في زمرتهم، ومعروفة مساهمته لهم في العلم". وأجيب بأن إفادة معنى الاستغراق في نفي الهدى ليست من هذا القبيل، بل من قبيل كون قوله: (قَدْ ضَلَلْتُ إذًا ومَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ) جوابا وجزاءً لما دل عليه قوله: (قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهُوَاءَكُمْ) على سبيل التعريض، كأنه قيل: إن اتبعت أهواءكم قد ضللت إذن، وكنت مثلكم متوغلًا في الضلال منغمسًا فيه، ولا أكون من الهدى في شيءٍ كما أنتم عليه، وفيه أني من زمرة المهتدين، ولي مساهمته معروفة في الهداية. ومن ثم أتبعه بقوله: (إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ) أي: بينة لا يقدر قدرها.
[ ٦ / ١١٠ ]
ولما نفى أن يكون الهوى متبعًا نبه على ما يجب اتباعه بقوله: (قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) ومعنى قوله: (قُل إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ): أني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه، على حجة واضحة وشاهد صدق، (وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) أنتم حيث أشركتم به غيره. يقال: أنا على بينةٍ من هذا الأمر، وأنا على يقينٍ منه؛ إذا كان ثابتًا عندك بدليل.
ثم عقبه بما دل على استعظام تكذيبهم بالله،
_________________
(١) قوله: «وكَذَّبْتُم بِهِ) أنتم حيث أشركتم به غيره)، أي: كذبتم بالبينة، ولذلك أشركتم بالله، قال الزجاج: الهاء كناية عن البيان، لأن البينة والبيان في معنى واحد، أو: كذبتم ما أتيتكم به، لأنه هو البيان. قال أبو البقاء: (وكَذَّبْتُم): يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا، و"قد" معه مرادة، وفي كلام المصنف إشعار بالثاني. قوله: (ثم عقبه بما يدل على استعظام تكذيبهم بالله): بيان لاتصال قوله: (مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) بقوله: (وكَذَّبْتُم بِهِ)، والظاهر أنه متصل بالمقالات الثلاث،
[ ٦ / ١١١ ]
وشدة غضبه عليهم لذلك، وأنهم أحقاء بأن يغافصوا بالعذاب المستأصل، فقال: (ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) يعني: العذاب الذي استعجلوه في قولهم: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) [الأنفال: ٣٢]، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) في تأخير عذابكم، (يقضي الحق) أي: القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل في أقسامه، (وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) أي: القاضين. وقرئ: (يَقُصُّ الْحَقَّ)، أي: يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدّره، من قص أثره.
_________________
(١) أعني قوله: (قُلْ إنِّي نُهِيتُ)، (قُل لاَّ أَتَّبِعُ)، (قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ)، يعني: دعوتكم إياي إلى عبادة ما تعبدونه، وإلى متابعتي أهواءكم، وكوني على بينة، وأنتم تخالفون بالتكذيب، مما يؤذن أنكم تستعجلونني بالعذاب، واستئصال شأفتكم. ولذلك قال متضجرا: (إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ). قوله: (وشدة غضبه عليهم لذلك) أي: لتكذيبهم بالله. قوله: (يغافصوا)، الجوهري: "غافصت الرجل، أي: أخذته على غرة". قوله: (وقرئ: (يَقُصُّ الحَقَّ»: بالصاد المهملة، مضمومة مشددة، قرأها نافع وابن كثير وعاصم، والباقون: بإسكان القاف وضاد معجمة مكسورة مخففة. قال الزجاج: "هذه كتبت هاهنا بغير ياءٍ على اللفظ، لأن الياء سقطت لالتقاء الساكنين، كما كتبوا: (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) [العلق: ١٨] بغير واو".
[ ٦ / ١١٢ ]
(لَوْ أَنَّ عِنْدِي) أي: في قدرتي وإمكاني، (ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) من العذاب، (لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) لأهلكتكم عاجلًا غضبًا لربي، وامتعاضًا من تكذيبكم به، ولتخلصت منكم سريعًا، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) وبما يجب في الحكمة من كنه عقابهم.
وقيل: (عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) على حجةٍ من جهة ربي، وهي القرآن، (وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) أي: بالبينة، وذكر الضمير على تأويل البيان أو القرآن.
فإن قلت: بم انتصب (الحق)؟ قلت: بأنه صفةٌ لمصدر "يقضي"؛ أي: يقضي القضاء الحق، ويجوز أن يكون مفعولًا به؛
_________________
(١) قوله: (وامتعاضًا)، الجوهري: "معضت من ذلك الأمر أمعض، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك". قوله: (وقيل: (عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي): على حجةٍ من جهة ربي): عطف على قوله: "إني من معرفة ربي، وأنه لا معبود سواه، على حجةٍ واضحة". هذا أشمل، وللنظم أوفق، لأنه قال في قوله تعالى: (قُلْ إنِّي نُهِيتُ): "أي: صرفت وزجرت بما ركب في من أدلة العقل، وما أوتيت من أدلة السمع"، كأنه قيل: إني صرفت عن الشرك بدليلي العقل والنقل، وثبت على التوحيد بهما، كما قال: "لما نفي أن يكون الهوى متبعًا، نبه على ما يجب إتباعه". قوله: (بم انتصب (الحَقِّ)؟). السؤال مستدرك لما سبق "يقضي الحق"، أي: القضاء الحق، لعل إعادته لبيان وجه الإعراب بعد سبق تلخيص المعنى: أو كرر ليتعلق به وجه آخر.
[ ٦ / ١١٣ ]
من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها، أي: يصنع الحق ويدبره. وفي قراءة عبد الله: "يقضى بالحق".
فإن قلت: لم أسقطت الياء في الخط؟ قلت: اتباعًا للخط اللفظ، وسقوطها في اللفظ لالتقاء الساكنين.
[(وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)].
جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة، لأنّ المفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال، ومن علم مفاتحها وكيف تفتح، توصل إليها،
_________________
(١) قوله: (قضى الدرع: إذا صنعها). قال الزجاج: أما "قضى" في معنى "صنع"، فمثله قول الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما … داود أو صنع السوابغ تبع قوله: (وفي قراءة عبد الله: "يقضي بالحق")، قال الزجاج: "القراء لا يقرؤونه لمخالفة المصحف". قوله: (جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة). يمكن أن تكون الاستعارة مصرحة تحقيقية، استعير للعلم المفاتح، وجعلت القرينة إضافتها إلى الغيب، يعني: عنده علوم الغيب، وقوله: (لأن المفاتح" تعليل لبيان العلاقة، يعني إنما ساغت استعارة المفاتح لعلم الله تعالى لأن
[ ٦ / ١١٤ ]
فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده، لا يتوصل إليها غيره، كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها، فهو المتوصل إلى ما في المخازن. و"المفاتح": جمع مفتح، وهو المفتاح، وقرئ: "مفاتيح"، وقيل: هي جمع مفتحٍ - بفتح الميم - وهو المخزن.
_________________
(١) المفاتح هي التي يتوصل بها من علم بها، وبكيفية فتح المخازن المستوثق منها بالإغلاق، إلى ما في المخازن من المتاع. فعلم منه أنه تعالى أراد بهذه العبارة أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده، وأن تكون استعارة تمثيلية، بأن يجعل الوجه منتزعًا من أمور متوهمة، وهو ما يتوهم من تمكين تحصيل شيء مستوثق منه، يختص حصوله بمن عنده ما يتوصل به، وأنه مركب من أمور متعددة. وهذا البيان ينبهك على أن "من" في "من علم" موصولة، والخبر "توصل إليها"، والجملة معطوفة على اسم "أن" مع خبره، على سبيل التفسير. والفاء في قوله: "فأراد" نتيجة مما حصل من معنى الاستعارة، وبيان كيفية حقيقتها. ولهذا ذكر المشبه والمشبه به، وصرح بكاف التشبيه. يعني إذا كانت استعارة، يكون أصلها كيت وكيت. هذا على تقدير المصنف. وإن شئت جعلت الاستعارة في "الغيب" على سبيل المكنية، والقرينة: إضافة "المفتاح" إليه على التخييلية. وقيل: جعل "من" موصولة ضعيف، لأنه يفوت الإيهام المراد هاهنا، فـ"من" شرطية عطفت على قوله: "المفاتح"، وإن كان لـ"من" الشرطية صدر الكلام، لأنه يجوز تقديرًا ما لا يجوز مصرحًا به، نحو: "رب شاةٍ وسخلتها"، ولا يجوز "رب سلختها". وقوله: "فأراد" إلى آخره عطف على "جعل"، لأن الاستعارة فرع التشبيه. قوله: (أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده، لا يتوصل إليها غيره)، الانتصاف: "لا يجوز إطلاق "التوصل" على الله، لما يوهم من تجدد الوصول".
[ ٦ / ١١٥ ]
(وَلا حَبَّةٍ) (وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ) عطف على (وَرَقَةٍ) وداخلٌ في حكمها، كأنه قيل: وما يسقط من شيءٍ من هذه الأشياء إلا يعلمه. وقوله: (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) كالتكرير لقوله: (إِلَّا يَعْلَمُها)؛ لأنّ معنى (إِلَّا يَعْلَمُها) ومعنى (فِي كِتابٍ مُبِينٍ) واحد. و"الكتاب المبين": علم الله تعالى، أو اللوح.
وقرئ: "ولا حبةٌ"، "ولا رطب ولا يابسٌ"؛ بالرفع، وفيه وجهان: أن يكون عطفًا على محل (مِنْ وَرَقَةٍ)، وأن يكون رفعًا على الابتداء، وخبره (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ)، كقولك: لا رجلٌ منهم ولا امرأة إلا في الدار.
_________________
(١) قلت: لا بأس إن أريد الاستمرار الدائم. قوله: (أنه هو المتوصل وحده*. هذا التخصيص والتأكيد فيه يفهم من استعمال الظرف وإثباته لله ﷿ على سبيل الكناية، وتقديمه على المبتدأ، وتشبيه علم الغيب بمعرفة من يعلم كيفية فتح المخازن، ثم إرداف ذلك كله بقوله: (لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ)، وتكرير (إلاَّ فِي كِتَابٍ) تتميمًا للمبالغة، وإزالةً لدفع من يتوهم أن أحدًا يعلم الغيب، وقوله: (ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ) إلى آخره، كالتكميل، ليضم مع علم الغيب علم الشهادة، على منوال قوله: (عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ) [الأنعام: ٧٣]. كل ذلك ترغيمًا للمنجم المخذول الذي يدعى علم الغيب، والفلسفي المطرود الذي يزعم أنه تعالى لا يعلم الجزئيات. قوله: (كالتكرير): يعني كرر ما في معنى (إلاَّ يَعْلَمُهَا) لتعلقه بقوله: (ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ) للتأكيد.
[ ٦ / ١١٦ ]
[(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].
(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) الخطاب للكفرة، أي: أنتم منسدحون الليل كله كالجيف، (وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) ما كسبتم من الآثام فيه،
_________________
(١) قال أبو البقاء: " (إلاَّ فِي كِتَابٍ): إلا هو في كتاب. ولا يجوز أن يكون استثناءً يعمل فيه (يَعْلَمُهَا)، لأن المعنى يصير: وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها إلا في كتاب، فينقلب معناه إلى الإثبات، أي: إلا يعلمها في كتاب. وإذا لم يكن يعلمها إلا في كتاب وجب أن يعلمها في الكتاب. فإذًا يكون الاستثناء الثاني بدلًا من الأول، أي: وما تسقط من ورقة، ولا حبة، ولا رطب، ولا يابس، إلا هي في كتاب، وما يعلمها إلا هو". وقال الزجاج ﵀: "معنى (إلاَّ يَعْلَمُهَا) أنه يعلمها ساقطةً وثابتة. فأنت تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه. فليس تأويله: إلا وأنا أعرفه في حال مجيئه فقط". قلت: لما كانت سنة الله في الغالب جارية أن يضم مع ذكر دلائل الآفاق، دلائل الأنفس، عقب هاهنا إثبات علم الآفاق علم الأنفس تكميلًا، وذلك قوله: (وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ). سبحانه! ما أعظم شأنه، وما أتم بيانه، وأوضح برهانه! (قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ)، وأشد طغيانه! قوله: (أنتم منسدحون) أي: مستلقون. الجوهري: "السدح: الصرع بطحًا على الوجه، أو إلقاءً على الظهر".
[ ٦ / ١١٧ ]
(ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ): ثم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم، من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار، ومن أجله، كقولك: فيم دعوتني؟ فتقول: في أمر كذا. (لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى) وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم. (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ) وهو المرجع إلى موقف الحساب، (ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) في ليلكم ونهاركم.
_________________
(١) قوله: (ومن أجله): عطف - على سبيل البيان - على قوله: "في شأن ذلك"، وفيه إشارة إلى أن الضمير في (فيه) واقع موقع اسم الإشارة. قوله: (وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى) يريد أن معنى قوله: (ليقضي أجل مسمى) لينتهي أمد سماه الله تعالى لبعث الموتى، أو يؤدي ما التزمه الله تعالى بالوعد، لحلول القيامة. قيل: في تفسيره لـ"الأجل المسمى" و"البعث" إشكال، لأن البعث من القبور في شأن المذكور لا يكون علة لقضاء أجل مسمى إلا أن يقدر مضاف، أي: لقضاء أحوالٍ أو أمور أجل مسمى، وفي أكثر التفاسير: (يبعثكم فيه): يوقظكم في النهار، (ليقضي أجل مسمى)، أي: مدة الحياة، (ثم إليه مرجعكم) بعد الممات. وقال القاضي: (يبعثكم): يوقظكم، أطلق البعث ترشيحًا للتوفي، (فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى): ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا. (ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ): بالموت، (ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ): بالمجازاة عليه. وقيل: الآية خطاب للكفرة، والمعنى: أنكم ملقون كالجيف بالليل. وساق الكلام على ما بني عليه المصنف.
[ ٦ / ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: تفسيره أقضى لحق البلاغة، لأنه لو أريد ما اختاره الأكثرون، لقيل: هو الذي يتوفاكم بالليل، ويبعثكم بالنهار، ليقضي أجل مسمى، ولأن إيراد العلم، واختصاص لفظة (يَتَوَفَّاكُمْ)، (جَرَحْتُم) دون آثامكم: كسبتم، وكلمة (فِيِه)، و(ثُمَّ)، و(يُنَبِئثكُم)، وتكرير الخطاب يدل على توبيخٍ شديد، وتهديد عظيم. ولا يليقُ ذلك إلا للمعاند الجاحد، ولهذا فسر التوفي بالليل بالانسداح كالجيف، ليقابل الاجتراح. المعنى: أنتم في الليل متساقطون على الفراش كالموتى، وفي النهار كاسبون للمآثم والمظالم، كالجوارح، فإن الله تعالى إن أمهلكم في الدنيا، فلابد أن يميتكم، ثم يبعثكم بعد ذلك من القبور، لإنجاز ما وعدكم به وليجزيكم بما عملتم. هذا، وإن المقام ينطبق عليه، لأن الله ﷿ في هذه السورة كلما أثبت صفةً من صفات الجلال، عاد إلى تهديد الكفار بما يناسب تلك الصفة، فهاهنا لما استوفى حق الكلام في شأن العلم، أتى بقوله: (ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ) تهديدًا ووعيدًا، وذلك أن إيراد العلم، خصوصًا علم الغيب، استطراد لقوله تعالى: (قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ) يعني: ليس عندي ما تستعجلون به من العذاب، وأنه متى هو، ولو كان عندي ذلك لأهلكتكم عاجلًا، ولتخلصت منكم سريعًا، لكن الله أعلم بكم وبظلمكم، لأن عنده مفاتح الغيب، لا يعلمها إلا هو. ولما فرغ منه عاد إلى تهديد أولئك الكفرة بقوله: (وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَار) ليبعثكم فيه، ويجازيكم على النقير والقطمير. وفي إسناد "التوفي"
[ ٦ / ١١٩ ]
[(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ* ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ)].
(حَفَظَةً): ملائكةً حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون.
وعن أبي حاتم السجستاني: أنه كان يكتب عن الأصمعى كل شيءٍ يلفظ به من فوائد العلم، حتى قال فيه: أنت شبيه الحفظة، تكتب لفظ اللفظة، فقال أبو حاتم: وهذا أيضًا مما يكتب!
_________________
(١) إلى الله تعالى، و"الكسب" إليهم، إشعار بأن نومهم أفضل من يقظتهم، لإمساكهم عن اكتساب المآثم حينئذ. وإنما جعل الانسداح المسند إلى أنفسهم تفسيرًا للتوفي المسند إلى ذاته تعالى، لأنه مقابل لقوله: (ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ)، فجعل فعل الله تابعًا لفعل العبد، ولا مناقشة في هذا، لأن الكسب عند أهل السنة منسوب إلى العبد، وعلى هذا الضمير في (فيه) راجع إلى ما دل عليه التوفي والجرح. وأما قول القائل: إن البعث من القبور في شأن المذكور لا يكون علة لقضاء أحوال أجل مسمى، فالمصنف ما ذهب إليه لأنه جعل البعث من القبور علةً لقضاء الوعد الذي وعده، وهو الأجل الذي ضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، كقوله تعالى: (إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله: (والَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٤].
[ ٦ / ١٢٠ ]
فإن قلت: الله تعالى غنيّ بعلمه عن كتبة الملائكة، فما فائدتها؟ قلت: فيها لطفٌ للعباد، لأنهم إذا علموا أن الله رقيبٌ عليهم والملائكة الذين هم أشرف خلقه موكلون بهم، يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح، وأبعد عن السوء.
(تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) أي: استوفت روحه وهم ملك الموت وأعوانه.
وعن مجاهد: جعلت الأرض له مثل الطست يتناول من يتناوله، وما من أهل بيتٍ إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرّتين. وقرئ: (توفاه)، ويجوز أن يكون ماضيًا ومضارعًا بمعنى: تتوفاه، و(يُفَرِّطُونَ) بالتشديد والتخفيف، فالتفريط: التواني والتأخير عن الحدّ، والإفراط: مجاوزة الحدّ، أي: لا ينقصون مما أمروا به، أو لا يزيدون فيه.
(ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ) أي: إلى حكمه وجزائه، (مَوْلاهُمُ): مالكهم الذي يلي عليهم أمورهم، (الْحَقِّ): العدل الذي لا يحكم إلا بالحق،
_________________
(١) قوله: (فيها لطف للعباد)، قال القاضي: "وذلك أن العبد إذا وثق بلطف سيده، واعتمد على ستره وعفوه، لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه". قوله: (وقرئ: "توفاه") حمزة: بالألف ممالة، والباقون: بالتاء الفوقانية. قوله: (و(يُفَرِّطُونَ) بالتشديد) الجماعة. والتخفيف شاذة. قوله: (لا ينقصون مما أمروا به) معنى القراءة بالتشديد، (أو لا يزيدون فيه) معنى التخفيف.
[ ٦ / ١٢١ ]
(أَلا لَهُ الْحُكْمُ) يومئذٍ لا حكم فيه لغيره، (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ) لا يشغله حسابٌ عن حساب. وقرئ: "الْحَقِّ" بالنصب على المدح، كقولك: الحمد لله الحق.
[(قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ* قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ)].
(ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) مجازٌ عن مخاوفهما وأهوالهما، يقال لليوم الشديد: يومٌ مظلم، ويومٌ بارد، ويومٌ ذو كواكب. أي: اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل، ويجوز أن يراد: ما يشفون عليه من الخسف في البر والغرق في البحر بذنوبهم، فإذا دعوا وتضرعوا كشف الله عنهم الخسف والغرق، فنجوا من ظلماتهما، (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا) على إرادة القول (مِنْ هذِهِ): من هذه الظلمة والشدة.
_________________
(١) قوله: (ويوم ذو كواكب). وأنشد الزجاج: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي … إذا كان يوم ذا كواكب أشهبا والعرب تقول لليوم الذي تلقى منه شدة: "يوم مظلم". قوله: (ما يشفون عليه)، الجوهري: "وأشفى على الشيء: أشرف عليه. وأشفى المريض على الموت". فعلى هذا المراد بـ (ظُلُمَاتِ البَرِّ والْبَحْرِ): الحقيقة.
[ ٦ / ١٢٢ ]
وقرئ: (يُنَجِّيكُمْ) بالتشديد والتخفيف. و(أنجانا)، و(خُفيةً) بالضم والكسر.
[(قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَاسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ* وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ* لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)].
(هُوَ الْقادِرُ) هو الذي عرفتموه قادرًا، وهو الكامل القدرة، (عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) كما أمطر على قوم لوطٍ وعلى أصحاب الفيل الحجارة،
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (يُنَجِيكُم) بالتخفيف والتشديد). بالتخفيف: نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن ذكوان. و(أَنَجانَا): عاصم وحمزة والكسائي، والباقون: "أنجيتنا". قوله: ("وخفية" بالضم والكسر"، بالكسر: أبو بكر. والباقون: بالضم. قوله: «هُوَ القَادِرُ): هو الذي عرفتموه قادرًا). ولما كان الخبر معرفًا باللام، وهو إما للعهد، فهو المراد من قوله: "الذي عرفتموه قادرًا"، وإما للجنس، فهو المراد من قوله: "وهو الكامل القدرة". وفيه إشعار بمذهبه، حيث لم يجعل الحصر حقيقيًا، وفسره بالكمال، كما في (آلم *
[ ٦ / ١٢٣ ]
وأرسل على قوم نوح الطوفان، (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل: (من فوقكم): من قِبَلِ أكابركم وسلاطينكم، و(من تحت أرجلكم): من قِبَلِ سِفْلَتِكُم وعبيدكم. وقيل: هو حبس المطر والنبات، (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا): أو يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواءٍ شتى، كل فرقة منكم مشايعةٌ لإمام. ومعنى خلطهم: أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال، من قوله:
وكتيبة لبستها بكتيبةٍ … حتّى إذا التبست نفضت لها يدي
_________________
(١) ذَلِكَ الكِتَابُ) [البقرة: ١ - ٢] و"حاتم الجواد". قال الإمام: "هذا يفيد الحصر، فوجب أن يكون غير الله غير قادر". قوله: (أو يخلطكم). قال الزجاج: "لبست عليه الأمر ألبسه: إذا لم أبينه، وخلطت بعضه ببعض. ومعنى (شِيَعًا): فرقًا، أي: لا يكون شيعةً واحدة". يعني: يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضًا. قوله: (أن ينشب القتال)، الجوهري: "يقال: نشب الشيء في الشيء نشوبًا: علق فيه. وأنشبته أنا فيه: أي أعلقته. ويقال: نشبت الحرب بينهم". قوله: (وكتيبةٍ) البيت، ألحق الباء بالكتيبة لأنه جعله اسمًا للجيش، وهو من: تكتبت
[ ٦ / ١٢٤ ]
وعن رسول الله ﷺ: «سألت الله أن لا يبعث على أمتى عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطانى ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، وأخبرنى جبريل أنّ فناء أمتي بالسيف».
وعن جابر بن عبد الله: لما نزل (مِنْ فَوْقِكُمْ) قال رسول الله ﷺ: «أعوذ بوجهك»، فلما نزل: (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) قال: «هاتان أهون».
ومعنى الآية: الوعيد بأحد أصناف العذاب المعدودة.
_________________
(١) الخيل، أي: تجمعت. يقول: رب جيش خلطتها بجيش، فلما اختلطت نفضت يدي، وتركتهم وشأنهم. وفي البيت كنايات، إحداها: أنه مهياج للحرب، وثانيها: قوله: "نفضت لها يدي" فإنه يدل على أنه خلاهم والفتنة، وثالثها: أنه فتان جبان. قوله: (سألت الله). الحديث من رواية الترمذي، والنسائي، عن خباب، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: "سألت الله ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة. سألته ألا يهلك أمتي بسنةٍ فأعطانيها، وسألته ألا يسلط عليهم من غيرهم [عدوا] فأعطانيها، وسألته ألا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها". قوله: (أعوذ بوجهك) الحديث رواه البخاري وأحمد والترمذي عن جابر، مع زيادة يسيرة.
[ ٦ / ١٢٥ ]
والضمير في قوله: (وَكَذَّبَ بِهِ) راجعٌ إلى العذاب، (وَهُوَ الْحَقُّ) أي: لا بدّ أن ينزل بهم، (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ): بحفيظٍ وكل إليَ أمركم، أمنعكم من التكذيب إجبارًا، إنما أنا منذر.
(لِكُلِّ نَبَإٍ): لكل شيءٍ يُنبأ به، يعني: إنباءهم بأنهم يعذبون وإيعادهم به، (مُسْتَقَرٌّ): وقت استقرار وحصولٍ لا بدّ منه، وقيل: الضمير في (نَبَإٍ) للقرآن.
[(وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)].
(يَخُوضُونَ فِي آياتِنا) في الاستهزاء بها والطعن فيها؛ وكانت قريشٌ في أنديتهم يفعلون ذلك، (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ): فلا تجالسهم وقم عنهم، (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) فلا بأس أن تجالسهم حينئذ، (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ): وإن شغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم، (فَلا تَقْعُدْ) معهم (بَعْدَ الذِّكْرى): بعد أن تذكر النهي. وقرئ: (ينسينك) بالتشديد.
ويجوز أن يراد: وإن كان الشيطان ينسينك قبل النهي قُبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول، (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى): بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "ينسينك" بالتشديد). ابن عامر، والباقون: بالتخفيف. قوله: (مما تنكره العقول) يعني: كانت مجالسة المستهزئين في آيات الله قبحًا في العقول، فكان للشيطان والوهم مجال في إيراد الشبه، وكان العقل يتحير ويبقي كالناسي والساهي، فحين زالت الموانع بالنص القامع للشبه، والدافع للوهم، فلا تقعد بعد ذلك معهم.
[ ٦ / ١٢٦ ]
(وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ): وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيءٌ مما يحاسبون عليه من ذنوبهم، (وَلكِنْ) عليهم أن يذكروهم (ذِكْرى) إذا سمعوهم يخوضون؛ بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم، وموعظتهم،
_________________
(١) قال في "الانتصاف": هذا تنزيل على قاعدة الحسن والقبح، وأن العقل مدرك للأحكام، والشرع مبين لمقتضاه. ومما يدل على أن المراد خلاف ذلك ورود (يُنِسيَنَّكَ) مستقبلًا، ولو كان المراد نسيان ما علمه لقال: وإن أنساك فيما تقدم، فلا تقعد بعد النهي. وقلت: المستقبل غير مانع، لأن له أن يقول: معناه: إن استمر ذلك النسيان السابق - الذي كان سببًا لورود قولنا: (وإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعرِضْ عَنْهُم) - فلا تقعد بعد أن ذكرنا به، أي: بقولنا: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ). لكن الوجه هو الأول، وهو أن يراد بقوله: (بَعْدَ الذِّكْرَى): بعد أن تذكر النهي. قيل: "الخطاب بقوله: (وَإِذَا رَأَيْتَ) للرسول صلي الله عليه وسلم والمراد غيره، أو المراد: إذا رأيت أيها السامع". كذا ذكره الإمام. وقال الواحدي: "إن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في الرسول صلي الله عليه وسلم والقرآن، فأمرهم ألا يقعدوا معهم". وفيه: أن التكليف ساقط عن الناسي. قوله: (بالقيام) يتعلق بقوله: "أن يذكروهم (ذِكْرَى) ".
[ ٦ / ١٢٧ ]
(لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): لعلهم يجتنبون الخوض حياءً أو كراهةً لمساءتهم. ويجوز أن يكون الضمير لـ (الذين يتقون)، أي: يذكرونهم إرادة أن يثبتوا على تقواهم ويزدادوها.
وروي أن المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف، فرخص لهم.
فإن قلت: ما محل (ذِكْرى)؟ قلت: يجوز أن يكون نصبًا على: ولكن يذكرونهم ذكرى، أي: تذكيرًا، ورفعًا على: ولكن عليهم ذكرى. ولا يجوز أن يكون عطفًا على محل (مِنْ شَيْءٍ)، كقولك: ما في الدار من أحد ولكن زيدٌ، لأنّ قوله: (مِنْ حِسابِهِمْ) يأبى ذلك.
_________________
(١) قوله: (لمساءتهم): أي: الذين يتقون. وهو مصدر: ساءه يسوؤه سوءًا - بالفتح - ومساءةً. وإضافتها إلى المفعول، وقيل: إلى الفاعل، والأول أظهر. قوله: (يجوز أن يكون الضمير) أي: في (لَعَلَّهْمْ). قوله: (لأن قوله: (مِنْ حِسَابِهِم) يأبي ذلك). قال أبو البقاء: (مِنْ) في (مِنْ شَيءٍ): زائدة، و(مِنْ حِسَابِهِم): حال، تقديره: شيء من حسابهم، يعني: شيء كائن من حسابهم، فإذا عطف (ذِكْرَى) على محل (مِنْ شَيءٍ)، رجع المعنى: ما يلزم المتقين الذكر الذي (مِنْ حِسَابِهِم)، لأن (مِنْ شَيءٍ) مقيد بقيد (مِنْ حِسَابِهِم) فإذا عطف عليه لابد من تقييده به. واعترض صاحب "التقريب" وقال: "لا يلزم من وصف المعطوف عليه بشيء وصف المعطوف". وأجيب أن ذلك في عطف الجملة على الجملة، وأما في عطف مفردات الجمل فملتزم،
[ ٦ / ١٢٨ ]
[(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ)].
(الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا) أي: دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به لعبًا ولهوًا، وذلك أن عبادة الأصنام وما كانوا عليه من تحريم البحائر والسوائب وغير ذلك، من باب اللعب واللهو واتباع هوى النفس والعمل بالشهوة،
_________________
(١) كما سيجيء بيانه على سورة "براءة" في قوله: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) [التوبة: ٢٥]. والمصنف لما فرغ من تقرير عطف الجملة على الجملة بقوله: "ولكن يذكرونهم ذكرى"، "أو لكن عليهم ذكرى"، أخذ في تقرير عطف المفرد بقوله: "على محل (مِنْ شَيءٍ) "، ومنعه. قوله: (وذلك أن عبادة الأصنام) هو بيان اتخاذهم لعبًا ولهوًا. والمراد بالدين: مطلق الدين وحقيقته، يعني: كان يجب على كل مكلفٍ أن يتدين بدين، وينتحل بملة، وهؤلاء تدينوا باللعب واللهو، فعلى هذا: لَعِبًا ولَهْوًا ثاني مفعولي "اتخذ"، وعلى قوله: "أو اتخذوا ما هو لعب ولهو دينًا لهم" بالعكس. لعل المراد أنه من باب القلب، لتصحيح أصل المعنى. ولهذا جعل (دِيَنُهمْ) نكرة. ونحوه ذكر الزجاج في "الفرقان" عند قوله تعالى: (أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ
[ ٦ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مِنْ أَوْلِيَاءَ) [الفرقان: ١٨]، إذا قرئ "نتخذ" مجهولًا، فقال: أجاز الفراء أن يجعل (مِنْ أَوْلِيَاءَ) هو الاسم، ويجعل الخبر ما في "نتخذ" كأنه يجعل على القلب. واعلم أن الوجه الأول محمول على معنى قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ) [الفرقان: ٤٣]، لأن الأصل: من اتخذ هواه كالإله نزل أمر الهوى والشهوات في متابعة ما يدعوهم إليه منزلة الإله الواجب العبادة، ثم قيل: (مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ) فقد المشبه به على المشبه، عكسًا للتشبيه، رومًا للمبالغة، وإيذانًا بأن الهوى في باب استحقاق العبادة أقوى من الإله. وفي كلام صاحب "المفتاح" إشعار بهذا. فكذلك حكم هذه الآية، شبه أولًا ما بنوا عليه نحلتهم من عبادة الأصنام، وتحريم البحائر والسوائب، بالدين الذي يجب على كل أحدٍ أن ينتحل به، فينتفع به عاجلًا وآجلًا، ثم سميت تلك النحلة باللعب واللهو، لكونها مبنية على قاعدة التشهي وأنهم لا ينتفعون بها، بل يتضررون من أجلها، ثم قدم المشبه به على المشبه للمبالغة المذكورة. وعلى هذا المنوال ينسج الوجه الثاني عند صاحب "المفتاح"، لأن باب القلب عنده
[ ٦ / ١٣٠ ]
ومن جنس الهزل دون الجد، أو: اتخذوا ما هو لعبٌ ولهوٌ من عبادة الأصنام وغيرها دينًا لهم، أو: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه- وهو دين الإسلام- لعبًا ولهوًا، حيث سخروا به واستهزؤا.
وقيل: جعل الله لكل قوم عيدًا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله والناس كلهم من المشركين وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لعبًا ولهوًا، غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله.
_________________
(١) محمول على أصل المعنى، لكن المختار أنه جارٍ على أصل التشبيه، من تقديم المشبه على المشبه به، وإن كان قلبًا في اللفظ. والأول أبلغ. وأما الوجه الثالث فتقديره: جعلوا دين الإسلام، والملة الحنيفية التي تستحق كل تبجيل وتعظيم، كاللعب واللهو الذي يستلزم السخرية والاستهزاء، فاستهزؤوا به، كقوله تعالى: (وإذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا) [الجاثية: ٩]. وأما بيان النظم فإن قوله تعالى: (وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا): عطف على قوله: (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ)، وهو متصل بقوله: (وإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعرِضْ عَنْهُم)، يعني: فلا تقعد بعد الذكرى مع هؤلاء الظلمة الذين يخوضون في آياتنا، ودع مصاحبة من بني دينه على اللعب واللهو، وغرته الحياة الدنيوية. ويجوز أن تكون الواو استئنافًا، والآية مستطردة. قوله: (أو اتخذوا دينهم الذي كلفوه) فعلى هذا المراد بالدين: الدين المقيد، ومن ثم قال: "وهو دين الإسلام". قوله: (وقيل: قد جعل الله لكم قومٍ عيدًا) سمى العيد بالدين مجازًا، لأن العيد مبني على العادات، والدين: العادة. النهاية: "وفي الحديث: أنه ﵊ كان على دين
[ ٦ / ١٣١ ]
ومعنى (ذرهم): أعرض عنهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تشغل قلبك بهم (وَذَكِّرْ بِهِ) أي: بالقرآن، (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ) مخافة أن تسلم إلى الهلكة والعذاب، وترتهن بسوء كسبها. وأصل الإبسال: المنع،
_________________
(١) قومه، أي: على ما بقي فيهم من إرث إبراهيم، من الحج والنكاح والميراث، وليس المراد الشرك الذي كانوا عليه، وقيل: هو من الدين: العادة، يريد به: أخلاقهم في الكرم، والشجاعة، وغير ذلك". قوله: (وأصل الإبسال: المنع). قال الزجاج: (تُبْسَلَ): تسلم بعملها غير قادرةٍ على التخلص، والمستبسل: المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص. قال الشاعر: وإبسالي بني بغير جرم … بعوناه ولا بدمٍ مراق أي: إسلامي إياهم. والبعو: الجناية. "وقيل: أبسل: رهن، والمعنى واحد. يقال: أسد باسل، أي: معه من الإقدام ما يستبسل له قرنه، ويقال: هذا بسل عليك، أي: حرام". تم كلامه. قائل البيت: عوف بن الأحوص، وكان حمل عن غني لبني قشيرٍ دم ابني السجفية، فقالوا: لا نرضى بك، فرهنهم بنيه طلبًا للصلح، فقال تحسرًا وتلهفًا على تسليم بنيه إلى الهلكة بغير جرمٍ جرموه، ولا دمٍ أهراقوه.
[ ٦ / ١٣٢ ]
لأن المسلم إليه يمنع المسلم، قال عوف بن الأحوص:
وإبسالى بنىَّ بغير جرم … بعوناه ولا بدم مراق
ومنه: هذا عليك بسلٌ، أي: حرامٌ محظور. والباسل: الشجاع لامتناعه من قرنه، أو لأنه شديد البسور، يقال: بسر الرجل؛ إذا اشتدّ عبوسه، فإذا زاد قالوا: بسل. والعابس: منقبض الوجه.
(وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها): وإن تفد كل فداء، والعدل: الفدية، لأن الفادي يعدل المفدي بمثله. و(كلّ عدلٍ): نصبٌ على المصدر،
_________________
(١) قوله: (لأن المسلم إليه يمنع المسلم). يعني: إذا أسلموا أحدًا إلى الهلاك، فالهلاك هو المسلم إليه يمنع الشخص المسلم من الخروج منه. فالمعنى: ذكر بالقرآن، مخافة أن تسلم نفس إلى الهلكة، بسبب ما كسبت من المآثم، فلا تتخلص منها، كما أن أعمالها السيئة تمنعها من الخلاص، كما أن المسلم إليه يمنع المسلم أن يتخلص منه، نحوه في المعنى قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: ٣٨]. وقال القاضي: "إنما قيل: أسد باسل، لأن فريسته لا تفلت منه". الراغب: "البسل: ضم الشيء ومنعه، ولتضمنه لمعنى الضم استعير لتقطيب الوجه، فقيل: هو باسل ومبتسل الوجه. ولتضمنه لمعنى المنع، قيل للمحرم والمرتهن: بسل. والفرق بين الحرام والبسل أن الحرام: عام للممنوع منه حكمًا أو قهرًا. والبسل هو الممنوع منه قهرًا. قال الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا، أي: حرموا الثواب، وفسر بالارتهان، كقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) ".
[ ٦ / ١٣٣ ]
وفاعل (يُؤْخَذْ) قوله: (مِنْها) لا ضمير العدل، لأنّ العدل هاهنا مصدر، فلا يسند إليه الأخذ.
وأما في قوله تعالى: (وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) [البقرة: ٤٨] فبمعنى المفديِّ به، فصحّ إسناده إليه.
(أُولئِكَ) إشارةٌ إلى المتخذين دينهم لعبًا ولهوًا. قيل: نزلت في أبي بكرٍ الصديق ﵁ حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأوثان.
[(قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)].
_________________
(١) قوله: (وفاعل (يُؤْخَذْ) قوله: (مِنْهَا». وهذا كما تقول: "أُخِذ مِنّي" وتسكت. وتقول: "سير من البلد". فالفعل لابد له من فاعل، وفاعله ما يصح السكوت عليه. قوله: (لا ضمير العدل). أي: الضمير في (لا يُؤْخَذُ مِنْهَا) لا يرجع إلى "العدل"، لأنه مصدر. فإن قيل: كيف صح إسناده في تلك الآية، على تأويل المفتدى به، ولم يصح هاهنا؟ وأجيب: لأنه في تلك الآية لم يقع مفعولًا مطلقًا ابتداءً، بخلافه هاهنا. قال في "الانتصاف": "ونظيره ما سبق أن الضمير في: (فَتَنفُخُ فِيهَا) لا يعود إلى "الهيئة" من قوله: (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)، وأوجب كون "العدل" هاهنا مصدرًا يتعدى الفعل إليه بغير واسطة، ولو كان مفعولًا به لقيل: بكل عدل".
[ ٦ / ١٣٤ ]
(قُلْ أَنَدْعُوا) أنعبد، (مِنْ دُونِ اللَّهِ) الضارّ النافع ما لا يقدر على نفعنا ولا مضرتنا، (وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا) راجعين إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ): كالذي ذهبت به مردة الجن والغيلان، (فِي الْأَرْضِ): في المهمه، (حَيْرانَ): تائهًا ضالًا عن الجادة لا يدري كيف يصنع! (لَهُ) أي: لهذا المستهوى (أَصْحابٌ) رفقة، (يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى): إلى أن يهدوه الطريق المستوي. أو سمي الطريق المستقيم بالهدى، يقولون له: (ائْتِنا) وقد اعتسف المهمه تابعًا للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم. وهذا مبني على ما تزعمه العرب وتعتقده: أن الجنّ تستهوي الإنسان، والغيلان تستولي عليه، كـ (الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) [البقرة: ٢٧٥]، فشبه الضالّ عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم، (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ) وهو الإسلام، (هُوَ الْهُدى) وحده، وما وراءه، ضلالٌ وغيّ، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا) [آل عمران: ٨٥]، (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) [يونس: ٣٢].
_________________
(١) قوله: (أو سمي الطريق المستقيم بالهدى): عطف على "أن يهدوا"، أي: (الْهُدّى) يجوز أن يكون مصدرًا على أصله، وأن يسمى الطريق المستقيم به. قوله: (وقد اعتسف)، الجوهري: "العسف: الأخذ على غير الطريق، وكذلك: التعسف والاعتساف". قوله: (وهاذ مبني على ما تزعمه العرب). قال صاحب "الانتصاف": "من أنكر استهواء الجن، واستيلاءهم هم على بعض الناس، بقدرة الله، فهو ممن استهوته الشياطين في مهامه الضلال، والفلسفي حيران له أصحاب من الموحدين يدعونه إلى الهدى: ائتنا، وهو راكب في ضلاله التعاسيف".
[ ٦ / ١٣٥ ]
فإن قلت: ما محل الكاف في قوله: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ)؟ قلت: النصب على الحال من الضمير في "نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا" أي: أننكص مشبهين من استهوته الشياطين؟
فإن قلت: ما معنى (اسْتَهْوَتْهُ)؟ قلت: هو استفعال، من هوى في الأرض؛ إذا ذهب فيها، كأن معناه: طلبت هويه وحرصت عليه.
فإن قلت: ما محل: "أُمِرْنا"؟ قلت: النصب عطفًا على محل قوله: (إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى)، على أنهما مقولان، كأنه قيل: قل هذا القول وقل أمرنا لنسلم.
_________________
(١) وقلت: يمكن حمل قول المصنف على ما ذهب إليه صاحب "النهاية" في قوله صلي الله عليه وسلم: "لا غول" ليس نفيًا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة، فيكون المعنى: أنها لا تستطيع أن تضل أحدًا، ويشهد له الحديث الآخر: "لا غول ولكن السعالي"، والسعالي: سحرة الجن، أي: ولكن في الجن سحرة، لهم تلبيس وتخييل. قوله: (على الحال من الضمير في "نرد". قال صاحب "الفرائد": "حاصل هذا الكلام: نرد في حال أشباهنا كقولك: جاء زيد راكبًا، أي: في حال ركوبه. والرد ليس في حال الأشباه، كما أن المجيء في حال الركوب، ويمكن أن يقال: الكاف منصوب المحل على المصدر، أي: نرد ردًا مثل رد الذي استهوته". وقلت: الحال مؤكدة، كقوله تعالى: (ثُمَّ ولَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥] فلا يلزم ذلك. والتشبيه، على أن يكون حالًا، من التمثيلي: شبه حال من خلص من الشرك، ثم نكص على
[ ٦ / ١٣٦ ]
فإن قلت: ما معنى اللام في (لِنُسْلِمَ)؟ قلت: هي تعليل للأمر، بمعنى: أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم.
فإن قلت: فإذا كان هذا واردًا في شأن أبي بكر الصديق ﵁، فكيف قيل للرسول ﵊: (قل أندعوا)؟ قلت: للاتحاد الذي كان بين رسول الله ﷺ والمؤمنين، خصوصًا بينه وبين الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
[(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ* وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)].
_________________
(١) عقبيه، بحال من ذهب به الغيلان في المهمه، بعدما كان على الجادة المستقيمة، وعلى أن يكون مصدرًا يكون من المركب العقلي. قوله: (هي تعليل للأمر). قال أبو البقاء: "أي: أمرنا بذلك لنسلم، وقيل: اللام بمعنى الباء، وقيل: هي زائدة، أي: أن نسلم". قال الزجاج: "العرب تقول: أمرتك أن تفعل، وأمرتك بأن تفعل، وأمرتك لتفعل، فعلى الأولى الباء محذوفة. فمن قال: أمرتك بأن تفعل، فالباء للإلصاق، أي: وقع الأمر بهذا الفعل. وعلى الثالث اللام للتعليل، فقد أخبرنا بالعلة التي لها وقع الأمر".
[ ٦ / ١٣٧ ]
فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأَنْ أَقِيمُوا)؟ قلت: على موضع (لِنُسْلِمَ)، كأنه قيل: وأُمرنا أن نسلم وأن أقيموا. ويجوز أن يكون التقدير: وأمرنا لأن نسلم، ولأن أقيموا: أي: للإسلام ولإقامة الصلاة.
_________________
(١) قال في "الانتصاف": "قوله: اللام تعليل للأمر، بناءً على أن الأمر يلزمه الإرادة. وأما أهل السنة فيرون في هذه اللام، وفي قوله: (إلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦] إن كانت تعليلًا، أنهم بإزاحة العلل عوملوا معاملة من أريد منهم ذلك، وإن لم تكن الطاعة مرادة". قوله: (على موقع (لِنُسْلِمَ». قال الزجاج: (وأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ) فيه وجهان، أحدهما: أن يكون: أمرنا لنسلم، ولأن نقيم الصلاة، وثانيهما: أن يكون محمولًا على المعنى، لأن المعنى: أمرنا بالإسلام وبإقامة الصلاة، ويجوز أن يكون محمولًا على قوله: (يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى ائْتِنَا) [الأنعام: ٧١]، (وأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ)، أي: ويدعونه أن أقيموا الصلاة، وكذا عن أبي البقاء. وذكر القاضي ما ذكره المصنف. فقول المصنف: "على موقع (لِنُسْلِمَ) "، أي: لو وقع موقعه "أن نسلم"، بحذف الجار، لصح العطف، فعطف عليه بذلك الاعتبار، كما في (فَأَصَّدَّقَ وأَكُن) [المنافقون: ١٠]. وقال الإمام: "وكان من الظاهر أن يقال: أمرنا لنسلم ولأن نقيم، وإنما عدل إلى قوله: (وأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ) (وأَنْ أَقِيمُوا) ليؤذن بأن الكافر ما دام كافرًا كان كالغائب الأجنبي، فخوطب بما يخاطب به الغيب، وإذا أسلم ودخل في زمرة المؤمنين، صار كالقريب الحاضر، فخوطب بما يخاطب به الحاضرون".
[ ٦ / ١٣٨ ]
(قَوْلُهُ الْحَقُّ) مبتدأ، و(وَيَوْمَ يَقُولُ) خبره مقدّمًا عليه، وانتصابه بمعنى الاستقرار، كقولك: يوم الجمعة القتال. واليوم بمعنى الحين، والمعنى: أنه خلق السموات والأرض قائمًا بالحق والحكمة، وحين يقول لشيءٍ من الأشياء: "كُنْ"، فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة، أي: لا يكون شيئًا من السموات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب.
و(يَوْمَ يُنْفَخُ) ظرفٌ لقوله: (وَلَهُ الْمُلْكُ)، كقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ [غافر: ١٦].
ويجوز أن يكون (قَوْلُهُ الْحَقُّ) فاعل (يكون)، على معنى: وحين يقول لقوله الحق- أي: لقضائه الحق-: (كُنْ فيكون قوله الحق)
_________________
(١) قوله: «قَوْلُهُ الحَقُّ): مبتدأ، و(ويَوْمَ يَقُولُ) خبره). قال أبو البقاء: "فعلى هذا الواو داخلة على الجملة المقدم فيها الخبر. و(الْحَقُّ) صفة لـ: (قَوْلُهُ)، وقوله: ويجوز أن يكون الظرف متعلقًا بمعنى الجملة التي هي (قَوْلُهُ الحَقُّ)، أي: يحق قوله في يوم يقول: كن". قلت: الواو استثنائية، والجملة تذييل لقوله: (وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ). ولهذا جعل "اليوم" بمعنى "الحين" ليعم الزمان، ثم قال: "أي: لا يكون شيئًا من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمةٍ وصواب". قوله: (ويجوز أن يكون (قَوْلُهُ الحَقُّ) فاعل (يَكُوُن). قال أبو البقاء: "المعنى: فيوجد قوله الحق. فعلى هذا يكون (قُوْلُهُ) بمعنى: "مقولة"، أي: فيوجد ما قال له: "كن".
[ ٦ / ١٣٩ ]
وانتصاب "اليوم" لمحذوفٍ دلّ عليه قوله: (بِالْحَقِّ)، كأنه قيل: وحين يكوّن ويقدّر يقوم بالحق.
(عالِمُ الْغَيْبِ) هو عالمُ الغيب، وارتفاعه على المدح.
[(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأي: كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ* فَلَمَّا رَأي: الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ* فَلَمَّا رَأي: الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)].
(آزَرَ): اسم أبي إبراهيم ﵇. وفي كتب التواريخ أنّ اسمه بالسريانية تارح، والأقرب أن يكون وزن (آزَرَ): فاعل،
_________________
(١) وقلت: قريب منه قول المصنف: "أي: لقضائه الحق". قوله: (وانتصاب "اليوم"): أي (ويَوْمَ يَقُولُ) - على هذا التقدير - منتصب بمحذوف، وهو "يقوم"، والدال عليه: (بِالْحَقِّ)، لأنه حال، وتقديره كما قال: "قائمًا بالحق"، ففيه معنى "يقوم". قال أبو البقاء: "يجوز أن يكون عامله: اذكر". قوله: (أن اسمه بالسريانية: تارح). قال صاحب "الجامع": "تارح. التاء فوقها نقطتان، وفتح الراء وبالحاء المهملة".
[ ٦ / ١٤٠ ]
مثل تارخ، وعابر، وعازر، وشالخ، وفالغ، وما أشبهها من أسمائهم، وهو عطف بيانٍ لأبيه. وقرئ: «آزر» بالضم على النداء.
وقيل: «آزر»: اسم صنم، فيجوز أن ينبز به للزومه عبادته، كما نبز ابن قيسٍ بالرقيات اللاتي كان يشبب بهنّ، فقيل: ابن قيس الرقيات. وفي شعر بعض المحدثين:
أُدعى بأسماء نبزًا في قبائلها … كأن أسماء أضحت بعد أسمائي
أو أريد: عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقرئ "ءأزر تتخذ أصناما آلهةً" بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاي: ساكنة وراءٍ منصوبةٍ منونة، وهو اسم صنم. ومعناه: أتعبد إزرًا؟ على الإنكار، ثم قال: تتخذ أصنامًا آلهة تثبيتًا لذلك وتقريرًا، وهو داخلٌ في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له.
(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) عطفٌ على (قال إبراهيم لأبيه)، وقوله: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ) جملةٌ
_________________
(١) قوله: (كان يشبب بهن). الشبيب: النسيب. يقال: هو يشبب بفلانه، أي: يذكر صفتها وحاله معها، في الشعر. قوله: (بعض المحدثين). هو: أبو بكرٍ محمد الأصفهاني، خازن الصاحب ابن عباد.
[ ٦ / ١٤١ ]
معترضٌ بها بين المعطوف والمعطوف عليه. والمعنى: ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم ونبصره ملكوت السموات والأرض، يعني الربوبية والإلهية، ونوفقه لمعرفتها، ونرشده بما شرحا صدره وسدّدنا نظره وهديناه لطريق الاستدلال، (وَلِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ) فعلنا ذلك.
_________________
(١) قوله: (ومثل ذلك التعريف)، يريد أن المشار إليه بقوله: "كذلك" معنى ما سيجيء. وعليه في وجه قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]. قال المصنف: "قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده، فأشار إليه". كذلك ﷾ جعل المشار إليه معنى الآيات التالية، وهي التعريف والتبصير. ويجوز أن يقال: إن الجملة معترضة بين المعطوف، وهو (فَلَمَّا جَنَّ)، والمعطوف عليه، وهو: (قَالَ إبْرَاهِيمُ). والجملة المعترضة مؤكدة، فمرتبتها التأخير، فيكون المشار إليه سابقًا في المرتبة وإن تأخر في اللفظ. ويجوز أن يكون المشار إليه: ما به أنذر أباه، وضلل قومه من المعرفة والبصارة، فيكون قوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) تفصيلًا وبيانًا لمعنى المثل في "كذلك". قوله: (يعني الربوبية) تفسير لقوله: (مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ)، وقوله: "ونوفقه لمعرفتها": تفسير للتفسير. قال القاضي: " (مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ): ربوبيتها وملكها. وقيل: عجائبها وبدائعها، والملكوت: أعظم الملك، والتاء فيه للمبالغة".
[ ٦ / ١٤٢ ]
و(نُرى) حكايةُ حالٍ ماضية، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدٍّ إلى أن شيئًا منها لا يصح أن يكون إلهًا، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثًا أحدثها، وصانعًا صنعها، ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها.
(هذا رَبِّي): قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأنّ ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد حكايته، فيبطله بالحجة.
(لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ): لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حالٍ إلى حال، المتنقلين من مكانٍ إلى مكان، المحتجبين بستر، فإنّ ذلك من صفات الأجرام.
(بازِغًا): مبتدئًا في الطلوع، (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) تنبيهٌ لقومه على أنّ من اتخذ القمر إلهًا- وهو نظير الكوكب في الأفول- فهو ضال، وأنّ الهداية إلى الحق بتوفيق الله ولطفه.
(هذا أَكْبَرُ) من باب استعمال النصفة أيضًا مع خصومه، (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها.
(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) أي: للذي دلَّت هذه المحدثات عليه، وعلى أنه مبتدؤها ومبتدعها.
وقيل: هذا كان نظره واستدلاله في نفسه، فحكاه الله،
_________________
(١) قوله: (أنجى من الشغب)، الجوهري: "الشغب - بالتسكين، والغين المعجمة-: تهييج الشر، ولا يقال: شغب، بالفتح". قوله: (وقيل: هذا كان نظره): معطوف على جملة قوله: "وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام …، فأراد أن ينبههم على الخطأ". فعلى هذا الفاء في (فَلَمَّا جَنَّ) تفصيلية كما سبق.
[ ٦ / ١٤٣ ]
والأوّل أظهر لقوله: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي)، وقوله: (يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ).
فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حالٍ إلى حال؟ قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر، لأنه انتقال مع خفاءٍ واحتجاب.
فإن قلت: ما وجه التذكير في قوله: (هذا رَبِّي) والإشارة للشمس؟ قلت: جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارةً عن شيءٍ واحد، كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك؟ و(لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) [الأنعام: ٢٣]، وكان اختيار هذه الطريقة واجبًا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث. ألا تراهم قالوا في صفة الله: «علام»، ولم يقولوا: «علامة» وإن كان العلامة أبلغ، احترازًا من علامة التأنيث.
_________________
(١) قوله: (والأول أظهر) أي: استدلاله لأجل قومه على سبيل الاستدراج أقوى لقوله: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي). قال الزجاج: "واحتج القائلون بأن قوله كان على وجه النظر والاستدلال، بهذه الآية، وهذا لا يوجب ذلك، لأن الأنبياء تسأل الله أن يثبتها على الهدى، وتعلم أنه لولا هداية الله ما اهتدت، وقد قال: (واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) [إبراهيم: ٣٥] ". والعجب أن المصنف قلب القضية، فجعل دليل الخصم دليله، وذلك أن اللام في قوله: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي) موطئة للقسم، بدليل قوله: (لأَكُونَنَّ). وقد تقرر أن الجملة القسمية إنما يتلقى بها من ينكر ويبالغ في الإصرار. وعلى تقدير أنه ﵊ كان مستدلا، واختلج في خلده تردد، لم يبلغ تردده أن ينكر على نفسه هذا الإنكار البليغ، ولأن قوله: (رَبِي) تصريح بأنه لم يكن مستدلا لنفسه، ولهذا قال: "الأول أظهر".
[ ٦ / ١٤٤ ]
وقرئ: "تري إبراهيم ملكوت السموات والأرض" بالتاء ورفع "الملكوت"، ومعناه: تبصره دلائل الربوبية.
[(وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ* وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ* وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ* وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا
_________________
(١) الانتصاف: "إنما عرض بضلالهم في أمر القمر، لأنه قد أيس منهم في أمر الكواكب، ولو قاله في الأول لما أنصفوا ولا أصغوا، ولهذا صرح في الثالثة بالبراءة منها، وأنهم على شرك، لما تبلج الحق، وبلغ الغاية في الظهور، ثم قال: "صدق صاحب الكشاف، بل يتعين هذا. وقد جاء في حديث الشفاعة: "فيأتون إبراهيم، فيذكر كذباته الثلاث" وهي كلها معاريض، فلو صدر منه أمر أشد، لذكره، ولو كان هذا مع نفسه لكان شكًا في الله، ولكان أعظم ما صدر عنه، فكان أولى أن يعده، والصحيح أن الأنبياء قبل النبوة معصومون من ذلك". قلت: وأما حسن التأليف فإن قوله لأبيه، وإنكاره عليه بقوله: (أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إنِّي أَرَاكَ وقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) إنما ينتظم انتظامًا مع قوله: (يَا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) إذا كان الاستدلال لأجل القوم، لأن صرف الخطاب معه إلى القوم يستدعي ألا يكون قد أشرك بالله طرفة عين، يؤيده قوله تعالى: (إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الصافات: ٨٤].
[ ٦ / ١٤٥ ]
مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ* وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ* أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ)].
(وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ) وكانوا حاجوه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك، (وَقَدْ هَدانِ) يعني: إلى التوحيد، (وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ) وقد خوفوه أنّ معبوداتهم تصيبه بسوء، (إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا): إلا وقت مشيئة ربي شيئًا يُخاف، فحذف "الوقت"، يعني: لا أخاف معبوداتكم في وقتٍ قط؛ لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلا إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوفٍ من جهتها إن أصبت ذنبًا أستوجب به إنزال المكروه،
_________________
(١) ونحو هذا الخطاب قول الرسل: (ومَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس: ٢٢]. وأما معنى قوله تعالى: (وكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ) على ما فسره: (ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم"، فالمراد هداية طريقة الاستدلال مع الخصوم، ومزيد تسديد النظر لنفسه. ولا شك أن العارف كلما كر إلى الدلائل، وقررها مع الخصوم، ازداد يقينه، لاسيما إذا حصل مع ذلك إفحام الخصوم، ومن ثم كررها الله ﷾ في كتابه المجيد.
[ ٦ / ١٤٦ ]
مثل أن يرجمني بكوكبٍ أو بشقةٍ من الشمس أو القمر، أو يجعلها قادرة على مضرتي، (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) أي: ليس بعجبٍ ولا مستبعدٍ أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها، (أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) فتميزوا بين الصحيح والفاسد، والقادر والعاجز.
(وَكَيْفَ أَخافُ) لتخويفكم شيئًا مأمون الخوف لا يتعلق به ضررٌ بوجه، (و) أنتم (لا تَخافُونَ) ما يتعلق به كل مخوف، وهو إشراككم بالله (ما لم ينزل) بإشراكه (سُلْطانًا) أي: حجة، لأن الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة، كأنه قال: وما لكم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن،
_________________
(١) ويعضده ما ذكره محيي السنة: (لا يجوز أن يكون لله رسول، يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد، وبه عارف، ومن كل معبودٍ سواه بريء. وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله، وطهره، وآتاه رشده من قبل، وأخبر عنه، فقال: (إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الصافات: ٨٤]، وقال: (وكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ)! أفتراه أراهه الملكوت ليوقن، فلما أيقن (رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي) معتقدًا! هذا لا يكون أبدًا، بل أراد أن يستدرج القوم بهذا القول، ويعرفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم، ويعبدونها، ويرون أن الأمور كلها إليها". قوله: (وما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن؟) زاد "الموضع" ليشير إلى أنه متمكن على الأمن، فلا يحوم الخوف بساحته، وأنهم على عكسه، تأكيدًا لقوله: (وكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ولا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ)، وإنما زاد "أنتم" لينبه على أنهم أحقاء بالخوف، فبني الكلام على تقوي الحكم.
[ ٦ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وفيه: أن الشرك مكان الخوف ومعدنه، كما أن التوحيد موضع الأمن ومقره، ولهذا استؤنف بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ) أي: بشرك، بيانًا لأمن من تمسك بالتوحيد، وتبرأ عن الشرك، كأنه سأل صلوات الله عليه: أي الفريقين - يعني: فريقي المشركين والموحدين - أحق بالأمن؟ وأجاب هو: هم الذين آمنوا. وهو من باب التبكيت، كقوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ) [الأنعام: ١٩]، (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ قُلِ اللَّهُ) [الرعد: ١٦]. و"قل" في الآية مقدر. فظهر من هذا أن الواجب أن يفسر الظلم بالشرك، ولفظ "اللبس" لا يأباه كما سنقرره، وكان تفسير سيد المرسلين، وإمام الموحدين، أولى بالتلقي، على ما روينا عن البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن مسعود: لما نزلت الآية شق ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]؟ ". وفي رواية البخاري: "ليس كما تظنون"، ولأن اسم الإشارة الواقع خبرًا للموصول مع صلتها،
[ ٦ / ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يشير إلى أن ما بعده ثابت لمن قبله، لاكتسابه ما ذكر من الصفة، ولا ارتياب أن الأمن المذكور بعده هو الأمن المذكور قبل، وهو الأمن الحاصل للموحدين في قوله: (أَحَقُّ بِالأَمْنِ) لأن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول، فيجب أن يكون الظلم عين الشرك، ليسلم النظم، فإذا ليس الكلام في المعصية والفسق. أما معنى "اللبس" فهو ما قال القاضي: "لبس الإيمان بالظلم: أن يصدق بوجود الصانع الحكيم، ويخلط بهذا التصديق الإشراك به". وقلت: يؤيده قوله تعالى: (ومَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إلاَّ وهُم مُّشْرِكُونَ) [يوسف: ١٠٦]، قال المصنف: " (ومَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم) في إقراره (بِاللَّهِ)، وبأنه خلقه وخلق السموات والأرض، إلا وهو مشرك بعبادته الوثن، وعن الحسن: هم أهل الكتاب، معهم شرك وإيمان". وقال صاحب "التقريب": "ويحتمل أن يقال: النفاق: لبس الإيمان الظاهر بالكفر الباطن". وقلت: هو نحو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ) [النساء: ١٣٦]. قال المصنف: "كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا نفاقًا آمنوا إخلاصًا"، ويجوز أن يراد بـ (الَّذِينَ آمَنُوا) المصدقون بألسنتهم، كما قال في قوله تعالى: (واخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) [الشعراء: ٢١٥]: "فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين، وأن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم، وهم صنفان: صنف صدق واتبع، وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب".
[ ٦ / ١٤٩ ]
ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟ ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ احترازًا من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ) يعني فريقي المشركين والموحدين.
ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) أي: لم يخلطوا إيمانهم بمعصيةٍ تفسقهم، وأبى تفسير "الظلم" بالكفر لفظ اللبس.
(وَتِلْكَ) إشارةٌ إلى جميع ما احتج به إبراهيم ﵇ على قومه من قوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) إلى قوله: (وَهُمْ مُهْتَدُونَ).
ومعنى (آتَيْناها): أرشدناه إليها ووفقناه لها، (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) يعني: في العلم والحكمة. وقرئ بالتنوين.
_________________
(١) وأما قوله: "وأبى تفسير "الظلم" بالكفر لفظ اللبس": فمبني على أن لفظ "اللبس" موضوع للخلط، وهو يقتضي شيئين، وذلك لا يتصور هاهنا، إذ الكفر والإيمان لا يجتمعان، وأما المعصية فيتصور فيه الخلط، كقوله تعالى: (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا) [التوبة: ١٠٢]. قال الجوهري: "اللبس - بالضم: مصدر قولك: لبست الثوب، ألبس. واللبس - بالفتح: مصدر قولك: لبست عليه الأمر ألبس: خلطت"، والجواب ما سبق. قوله: (ولم يقل: فأينا أحق بالأمن: أنا أم أنتم؟ احترازًا من تزكية نفسه)، لأن الكلام مرتب بالفاء على (أَخَافُ) ولا تخافون، فيجب تقدير "أينا: أنا وأنتم" مفردًا وجماعة، فيلزم منه أمن نفسه وخوفهم، فكان تزكيته لنفسه صريحًا. قوله: (وقرئ بالتنوين): عاصم وحمزة والكسائي. قال أبو البقاء: (دَرَجَاتٍ) يقرأ
[ ٦ / ١٥٠ ]
(وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) الضمير لنوحٍ أو لإبراهيم، و(داوُدَ) عطفٌ على (نُوحًا)، أي: وهدينا داود، (وَمِنْ آبائِهِمْ) في موضع النصب عطفًا على (كلًا)، بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم.
(وَلَوْ أَشْرَكُوا) مع فضلهم وتقدّمهم وما رفع لهم من الدرجات؛ لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدّس: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥].
(آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) يريد الجنس، (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ) بالكتاب والحكمة والنبوّة، أو بالنبوّة، (هؤُلاءِ) يعني: أهل مكة، (قَوْمًا) هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم، بدليل قوله (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ)، وبدليل وصل قوله: (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ) بما قبله.
_________________
(١) بالإضافة، وهو مفعول (نَرْفَعُ)، ورفع درجة الإنسان رفع له، ويقرأ بالتنوين، و(مَن) على هذا: مفعول (نَرْفَعُ)، و(دَرَجَاتٍ): ظرف. أو حرف الجر محذوف، أي: إلى درجات. وقيل: منتصب انتصاب المصدر: أي نرفعه رفعات. ويجوز أن ينتصب على التمييز من (مَن نَشَآءُ)، لأنه ما رفع أنفسهم، وإنما رفعت درجاتهم. قوله: «ومِن ذُرِّيَّتِهِ) الضمير لنوحٍ أو لإبراهيم)، نقله من "معاني" الزجاج. والصحيح الأول. قال محيي السنة: (ومِن ذُرِّيَّتِهِ)، أي: من ذرية نوح، ولم يرد: من ذرية إبراهيم، لأنه ذكر في جملتهم يونس ولوطًا، ولم يكونا من ذرية إبراهيم، وكذا في "الوسيط" و"الكواشي".
[ ٦ / ١٥١ ]
وقيل: هم أصحاب النبي ﷺ وكل من آمن به. وقيل: كل مؤمنٍ من بني آدم. وقيل: الملائكة. وادّعى الأنصار أنها لهم. وعن مجاهدٍ: هم الفرس.
ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه.
والباء في (بِها) صلة "كافرين"، وفي (بِكافِرِينَ) تأكيد النفي.
_________________
(١) وفي "جامع الأصول": أن يونس كان من الأسباط في زمن شعيا، أرسله الله إلى أهل نينوى من بلد الموصل، وقال: "إن لوطًا كان ابن أخي إبراهيم: هاران بن تارح، آمن بإبراهيم، وشخص معه مهاجرًا إلى الشام، فأرسله الله إلى أهل سدوم". وقال الإمام: "لأن نوحًا أقرب المذكورين". وذكر ما قالوه، وقال: "ومن قال: إن الضمير لإبراهيم، يقدر: "ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان هدينا" لأن إبراهيم هو المقصود بالذكر، وذكر نوح لتعظيم إبراهيم"، ولذلك ختم بـ (ويُونُسَ ولُوطًا). وجعلهما معطوفين على (نُوحًا هَدَيْنَا) لا على "داود" فيكون من عطف الجملة على الجملة. وصاحب "الكشف" أخرج إلياس أيضًا من ذرية إبراهيم، وليس كذلك، لما ذكر أبو عبد الله الكسائي في "المبتدأ": أنه ابن عيزار بن هارون بن عمران.
[ ٦ / ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقد ذكرنا عن "جامع الأصول" أن يونس أيضًا من ذرية إبراهيم، فبقي لوط خارجًا منها، ولما كان ابن أخيه، وآمن به، وهاجر معه، أمكن أن يجعل من الذرية على سبيل التغليب. وقال صاحب "المرشد": اختلفوا في أن الضمير في: (ومِن ذُرِّيَّتِهِ) هل يرجع إلى إبراهيم أو نوح؟ والوجهان محتملان، ومعناه: وهدينا من ذريته داود وسليمان، ثم الوقوف على (المُحْسِنِينَ) كافٍ، ثم يبتدئ (وَزَكَرِيَّا) على أنه معطوف على ما قبله إلى قوله: (وَلُوَطًا)، ويبتدئ: (وكُلاًّ فَضَّلْنَا). وقلت: فعلى هذا كل من الآيات مستقلة في الدلالة، وهو الوجه، إذ ورود ذكر الأنبياء على غير ترتيب، لا سيما إسماعيل، وهو ولد إبراهيم، أخر ذكره، يدل دلالة ظاهرة على الاستقلال. قوله: "بدليل قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، وبدليل وصل قوله: (فَإن يَكْفُرْ) "، يعني: دل نظم الآيات على أن المراد بقوله: الأنبياء، فإن الآيتين اللتين صدرتا بـ (أُوْلَئِكَ) إنما عقبتا قوله: (ولَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) للتسلي والتأسي. وذلك أنه تعالى لما ذكر أولئك القادة السادة، وبين مراتبهم وطبقاتهم: تارة بالإحسان، وتارةً بتفضيلهم على العالمين، وأخرى بالاجتباء والهداية على صراطٍ مستقيم، وفذلك ذلك بقوله: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ) على طريقة قول حاتم: ولله صعلوك …
[ ٦ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ثم عدد له خصالًا فاضلة، ثم عقب تعديدها بقوله: فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه وجعل عمدة ما منحوا، لأجل تلك الخصال، البراءة من الشرك، تعريضًا بالمشركين، كما قال: (ولَوْ أَشْرَكُوا) مع فضلهم وتقدمهم، وما رفع لهم من الدرجات؛ لكانوا كغيرهم، عقب ذلك كله بالآيتين، كما ذكرنا، للتسلي والتأسي. أما التسلي فإن الفاء في قوله: (فَإن يَكْفُرْ بِهَا) إما عاطفة، عطفت الجملة الشرطية على الأولى على الترتيب، على معنى: أولئك الكملة المذكورون، هم الذين آتيناهم الكتاب والحكمة والنبوة، وجعلناهم أهلًا لها، ومضطلعًا للقيام بحقها وحفظها، فإن يكفر بها هؤلاء الحمقى فلا بأس، فإن أولئك الموصوفين بتلك الفضائل النابهة قد آمنوا بها، وصدقوا بها حق التصديق، وأنت منهم، فقد آمنت بكتابك، ومن اتبعك من المؤمنين. أو جزائية، لأن في (والَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ) معنى الشرط، والجملة الشرطية خبر له، والجملة كما هي خبر (أُوْلَئكَ). ولابد في الجزاء من رابطة بالمبتدأ، فوضع (قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) موضع الضمير، للإشعار بالعلية. والمعنى: أنا منحناهم الكتاب والحكم والنبوة، ووكلناهم بها،
[ ٦ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يقومون بحقها، ولا يضيعونها، فإن أضاعها هؤلاء الكفرة، ولم يشكروا حق تلك النعمة، فأولئك الأقوام غير موصوفين بذلك، وأنت سيدهم، فلا تحتفل بذلك، كما تقول لصاحبك: منحتك هذا، فإن نازعك فلان فيه، أو أراد إتلافه، فلا بأس، لأنك مليء قادر على حفظه. وأما التأسي فهو قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ). قال الزجاج: "معنى قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) الأنبياء الذين ذكرهم (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ): أي: اصبر كما صبروا، فإن قومهم كذبوهم، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، فاقتد بهم". وكذا عن صاحب "المرشد". وقلت: ويعضده قوله: (قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، فإنه من أجل ما يتأسى به وأولاه. قال في سورة "هود": "ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول، لأن شأنهم النصيحة، والنصيحة لا يمحصها ولا يمحضها إلا حسم المطامع، وما دام يتوهم شيء منها لم تنجع ولم تنفع"، وهذا التقرير مبني على أن الكلام مبني على التفريق والجمع، فرقهم أولًا مع خلائقهم وخصائلهم في تلك الآيات، ثم جمع خصائلهم في قوله: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، الآية، وجمع ذواتهم معها في قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) وأمر حبيبه صلوات الله عليه بالاقتداء بهداهم، والانخراط في سلكهم. ولذلك قال الإمام: "الآية دالة على فضله صلوات الله عليه على سائر الأنبياء، لأنه تعالى
[ ٦ / ١٥٥ ]
(فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) فاختص هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلا بهم. وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بـ"هداهم": طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة، وهي هدى ما لم تنسخ، فإذا نسخت لم تبق هدىً، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبدًا.
والهاء في (اقْتَدِهْ) للوقف، تسقط في الدرج، واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف.
[(وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)].
_________________
(١) أمره بالاقتداء بهداهم، ولابد من امتثاله لذلك الأمر، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وخلائقهم المتفرقة، ويدخل في هذا المقام، الصبر دخولًا أوليًا". واعلم أن هذه الفضيلة - وهي كونه صلوات الله عليه مأمورًا بإتباعهم - أعلى فضائلهم، وأسنى مراتبهم المذكورة. ونحوه قوله تعالى: (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) إلى قوله: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ) [النحل: ١٢٠ - ١٢٣] قال: "فيه تعظيم منزلة رسول الله صلي الله عليه وسلم وإجلال محله، والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة إتباع رسول الله صلي الله عليه وسلم ملته". قوله: (والهاء في (أقْتَدِه) للوقف). قال أبو البقاء: "يقرأ بسكون الهاء، وإثباتها في الوقف دون الوصل، وهي على هذا هاء السكت. ومنهم من يثبتها في الوصل أيضًا لشبهها
[ ٦ / ١٥٦ ]
(وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ): وما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده، واللطف بهم حين أنكروا بعثة الرسل والوحى إليهم، وذلك من أعظم رحمته وأجلّ نعمته، (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، [الأنبياء: ١٠٧]، أو: ما عرفوه حق معرفته في سخطه على الكافرين، وشدّة بطشه بهم، ولم يخافوه حين جسروا على تلك المقالة العظيمة من إنكار النبوّة.
والقائلون هم اليهود،
_________________
(١) بهاء الإضمار". وقال الزجاج: "المختار أن يوقف عند هذه الهاء". وروى صاحب "الكشف" عن أبي علي: "أن الهاء كناية عن المصدر، أي: اقتد اقتداءً". قوله: (أو: ما عرفوه حق معرفته في سخطه على الكافرين)، يريد أن كلا من المعلق والمعلق به، يعني: (إذْ قَالُوا)، (ومَا قَدَرُوا اللَّهَ) يحتمل معنيين مختلفين، وذلك أن قوله: (ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) يحتمل أن يكون صفة لطفٍ وصفة قهر، فإذا فسر باللطف جعل (إذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ) إنكارًا منهم لرحمته، لأن بعثة الرسل من جلائل نعمته، وعظائم رأفته، وإذا فسر بالقهر جعل قولهم جسارة على جحود حكمته، لحلول نقمته. قوله: (والقائلون هم اليهود)، وبيان النظم أنه تعالى لما وصف أمة محمد صلوات الله عليه بقوله: (فَإن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ)، وأنهم الذين قاموا بحقوق جميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء، ووفقوا بالإيمان بكلها، وبحفظ مقتضاها، استطرد
[ ٦ / ١٥٧ ]
بدليل قراءة من قرأ: (تَجْعَلُونَهُ) بالتاء، وكذلك (تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ)، وإنما قالوا ذلك مبالغةً في إنكار إنزال القرآن على رسول الله ﷺ،
_________________
(١) ذكر اليهود، وأنهم على ضد ذلك، حيث طعنوا على الكتب المنزلة، وحرفوا التوراة وغيروها، وكتموا بعضها. وأما إذا أريد بالقوم: الأنبياء، وهو الوجه كما سبق، فالمعنى: أنهم الذين يعرفون الله، وجلال سلطانه، وكمال حكمته في إنشاء خلقه، لأنه تعالى ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وهو أن يعبد حق عبادته، ويعرف حق معرفته، وذلك لا يتم إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، لإرشاد الخلق إلى ما خلقوا لأجله، وهؤلاء اليهود (ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ). قوله: (بدليل قراءة من قرأ: (تَجْعَلُونَهُ) بالتاء) الفوقانية: كلهم إلا ابن كثير وأبا عمرو. واعلم أن القراءة بالتاء الفوقانية تدل دلالة ظاهرةً على أن القائلين لقوله: (مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ) هم اليهود، لأنهم هم الذين غيروا التوراة ونقضوها، وأما بالياء على هذا فمحمولة على الالتفات، كأنهم جعلوا بعدًا لتلك الفعلة القبيحة، ويكون قوله: (وعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا) في موضع الحال في ضمير الفاعل في (تَجْعَلُونَهُ)، والمعنى: تجعلونه ذا قراطيس والحال من أنكم علمتم على لسان محمد صلي الله عليه وسلم، مما أوحي من تصديق كتابكم (مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ ولا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ)، كما أومأ إليه المصنف.
[ ٦ / ١٥٨ ]
فألزموا ما لا بدّ لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى ﵇، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم وأن نعى عليهم سوء حملهم لكتابهم، وتحريفهم، وإبداء بعضٍ وإخفاء بعض، فقيل: (جاءَ بِهِ مُوسى) وهو نورٌ وهدى للناس حتى غيروه ونقصوه وجعلوه قراطيس مقطعةً وورقاتٍ مفرقة، ليتمكنوا مما راموا من الإبداء والإخفاء.
_________________
(١) وإن القراءة بالياء التحتانية ظاهرة على أن القائلين المشركون، كما قال: "وقيل: القائلون المشركون، وقد ألزموا إنزال التوراة"، فعلى هذا: (وعُلِّمْتُم): عطف على (أُنزِلَ الكِتَابُ) من حيث المعنى، أي: قل من أنزل التوراة؟ ومن علمكم ما لم تعلموا؟ وتقديره أنهم لما قالوا: (مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ) قيل لهم: ما الكتاب المنزل على موسي واليهود يفعلون به، ويصنعون ما ذكر؟ وما ذلك الكتاب الذي عرفتموه؟ حيث تحديتم به وأنتم فرسان البيان، وزعماء الحوار، فما قدرتم على الإتيان بأقصر سورةٍ منه، فعرفتم أنه حق وصدق. ثم جيء بقوله: (قُلِ اللهُ) إلزامًا لهم وتبكيتًا. وأما توجيه القراءة بالتاء الفوقانية على هذا فمشكل، لعل القائل به يتمحل، ويقول: إنهم لما كانوا يسمعون من اليهود، وكانوا راضين بفعلهم، خوطبوا بذلك، والله أعلم. قوله: (وأدرج تحت الإلزام توبيخهم) يعني: كان من حق الظاهر أن يقال: قل: ما التوراة؟ ثم من أنزل التوراة؟ فإنه كان في الإلزام، فعدل إلى قوله: (الْكِتَابَ)، ووصفه باسم الموصول، وجعل صلته ما ينبئ عن التوبيخ والنعي، على سبيل الإدماج. وبيانه أنه تعالى وصف الكتاب أولًا بالتعظيم والتفخيم، فذكر النبي المكرم، وجعله نورًا وهدى للناس كافة، ثم أتي بقوله: (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ)، على سبيل الاستئناف، لبيان
[ ٦ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الموجب، على سبيل التعكيس، لأن كونه نورًا وهدي موجب لأن يجعل ذريعةً إلى التخلص من ظلمات الجهالات، ووسيلةً إلى النجاة من ورطات الكفر والضلالات، فعكسوا وحقروه، حيث جعلوه ذا قراطيس مقطعة، وورقاتٍ مفرقة، وبعضوه، فأخفوا ما أرادوا، وأبدوا ما اشتهوه، ليضلوا ويضلوا. وقد أومأ إلى هذا المعنى بقوله: "وإن نعى عليهم سوء حملهم لكتابهم"، يعني كلفوا علمها والعمل بها، لكونها نورًا وهدى، فخاسوا بها، وظلموا حقها. وهو مقتبس من قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة: ٥]. قال صاحب "المرشد": "هدى للناس": وقف كافٍ، ومنهم من فرق بين القراءتين، وقال: هو وقف حسن إذا قرئ بالياء التحتاني، ولا فرق عندي، وهو وقف حسن على القراءتين. وقال أبو البقاء: (نُورًا): حال من الهاء في (بِه) أو من (الْكِتَابَ)، و(بِهِ): يجوز أن تكون مفعولًا به، وأن تكون حالًا، و(تَجْعَلُونَهُ): مستأنف لا موضع له. ولذلك فرق المصنف حين أخرج (نُورًا وَهُدىً) في صورة الجملة الاسمية، ليؤذن بأنها حال مؤكدة، وأبرز تفسير (تَجْعَلُونَهُ) مصدرًا بكلمة الغاية، ليدل على القطع،
[ ٦ / ١٦٠ ]
وروي: أن مالك بن الصيف - من أحبار اليهود ورؤسائهم - قال له رسول الله ﷺ: "أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أنّ الله يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين، قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود"، فضحك القوم، فغضب، ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له قومه: ويلك! ما هذا الذي بلغنا عنك؟ قال: إنه أغضبني، فنزعوه، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.
وقيل: القائلون قريش، وقد ألزموا إنزال التوراة، لأنهم كانوا يسمعون من اليهود بالمدينة ذكر موسى والتوراة، وكانوا يقولون: لو أنا أنزل علينا الكتاب، لكنا أهدى منهم.
_________________
(١) وأن مجيء ذلك النور، وتلك الهداية، امتد إلى زمن أولئك الضالين المضلين، حتى فعلوا بها ما فعلوا. ثم وزان هذه الآية مع ما يتلوها من قوله: (وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ) وزان قوله تعالى في آخر السورة: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وتَفْصِيلًا) [الأنعام: ١٥٤] الآية: مع قوله: (وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٥]. أما قوله: (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) وقوله: (ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) الآية، فكالتفصيل لما يحصل من إجمال قوله: (ولِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى ومَنْ حَوْلَهَا)، لأن المعنى: إيذان بإنذار أهل أم البلاد، ثم شرع في إنذار من حولها من المكلفين، فهم: إما مصدقون أو مكذبون. قوله: (أنشدك)، الجوهري: "نشدت فلانًا": إذا قلت له: نشدتك الله، أي: سألتك بالله، كأنك ذكرته إياه.
[ ٦ / ١٦١ ]
(وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ) الخطاب لليهود، أي: علمتم على لسان محمدٍ ﷺ مما أوحي إليه ما لم تعلموا أنتم، وأنتم حملة التوراة، ولم تعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم، (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [النمل: ٧٦]. وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش، كقوله تعالى: (لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم) [يس: ٦].
(قُلِ اللَّهُ) أي: أنزله الله، فإنهم لا يقدرون أن يناكروك، (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) في باطلهم الذي يخوضون فيه، ولا عليك بعد إلزام الحجة. ويقال لمن كان في عملٍ لا يجدى عليه: إنما أنت لاعب.
و(يَلْعَبُونَ) حالٌ من (ذرهم)، أو من (خوضهم)، ويجوز أن يكون (فِي خَوْضِهِمْ) حالًا من (يلعبون)، وأن يكون صلةً له أو لـ (ذرهم).
[(وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ)].
_________________
(١) قوله: (فإنهم لا يقدرون أن يناكروك) أي: قوله: (قُلِ اللهُ)، بمعنى: قل: الله (أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى) إلى آخره، تبكيت وإلزام وإشعار بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيه على أنهم مبهوتون، لا يقدرون على الجواب، ولهذا عقبه بقوله: (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). قوله: (و(يَلْعَبُوَن): حال من (ذَرْهُمْ) أو من (خَوْضِهِمْ)، أو (فيِ خَوْضِهِمْ) حال من (يَلْعَبُونَ». وفي كلامه توسع، لأن المراد: حال من الضمائر على التقادير، وهي حال مؤكدة، كقوله تعالى: (ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: ٦٠].
[ ٦ / ١٦٢ ]
(مُبارَكٌ): كثير المنافع والفوائد، (ولتنذر) معطوفٌ على ما دلّ عليه صفة الكتاب، كأنه قيل: أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار. وقرئ: (ولينذر) بالياء والتاء.
وسميت مكة (أُمَّ الْقُرى) لأنها مكان أول بيتٍ وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنًا.
ولبعض المجاورين:
فمن يلق في بعض القريّات رحله … فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابي
_________________
(١) قال أبو البقاء: " (فِي خَوْضِهِمْ): يجوز أن يتعلق بـ (ذَرْهُمْ) على أنه ظرف له، وأن يكون حالًا من ضمير المفعول في (ذَرْهُمْ)، وأن يكون متعلقًا بـ (يَلْعَبُونَ)، و(يَلْعَبُونَ) حال صاحبها ضمير المفعول في (ذَرْهُمْ) إذا لم تجعل (فيِ خَوْضِهِمْ) حالًا منه، وإن جعلته حالًا منه كانت الحال الثانية من ضمير الاستقرار في الحال الأولى، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير المجرور في (خَوْضِهِمْ) ويكون العامل: المصدر، والمجرور: فاعل في المعنى". قوله: (وقرئ: "لينذر" بالياء والتاء): كلهم بالتاء الفوقانية سوى أبي بكر. قوله: (ولِبَعْض المجاورين). قيل: عنى به نفسه، وقيل له: لم تجاور مكة؟ قال: القلب
[ ٦ / ١٦٣ ]
(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ): يصدّقون بالعاقبة ويخافونها، (يُؤْمِنُونَ) بهذا الكتاب، وذلك أنّ أصل الدين خوف العاقبة، فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن. وخصّ الصلاة لأنها عماد الدين. ومن حافظ عليها كانت لطفًا في المحافظة على أخواتها.
[(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)].
(افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) فزعم أن الله بعثه نبيًا، (أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) وهو مسيلمة الحنفي الكذاب، أو كذاب صنعاء الأسود العنسي.
وعن النبيّ ﷺ: "رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يديّ سوارين من ذهب، فكبرا عليّ وأهماني، فأوحى الله إليّ: أن انفخهما، فنفختهما فطارا عني، فأولتهما الكذابين الذين أنا بينهما؛ كذاب اليمامة مسيلمة، وكذاب صنعاء الأسود العنسي".
_________________
(١) الذي أجده ثمة لا أجده هاهنا. منتابي: مرجعي، انتاب فلان القوم، أي: أتاهم مرة بعد أخرى، وهو افتعال من النوب. قوله: (كانت لطفًا له). أي: كانت المحافظة على الصلاة فتح باب في المحافظة على الصوم والإنفاق والحج وغيرها، وزجرًا عن المعاصي. قوله: (رأيت فيما يرى النائم) الحديث أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، ولعله صلوات الله عليه أول السوارين بالكذابين، لأن السوار، سيما إذا كان ذهبًا، ليس من سمة
[ ٦ / ١٦٤ ]
(وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ) هو عبد الله بن سعد بن أبي سرحٍ القرشي، كان يكتب لرسول الله ﷺ، فكان إذا أملى عليه: "سميعًا عليمًا"، كتب هو: "عليمًا حكيمًا"، وإذا قال عليمًا حكيمًا، كتب: "غفورًا رحيمًا، فلما نزلت: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) [المؤمنون: ١٢] إلى آخر الآية، عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين. فقال النبي ﷺ: "اكتبها، فكذلك نزلت"، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمدٌ صادقًا لقد أوحي إليّ مثل ما أوحي إليه، ولئن كان كاذبًا لقد قلت مثل ما قال، فارتدّ عن الإسلام، ولحق بمكة، ثم رجع مسلمًا قبل فتح مكة.
وقيل: هو النضر بن الحرث والمستهزئون.
(وَلَوْ تَرى) جوابه محذوف، أي: رأيت أمرًا عظيمًا، (إِذِ الظَّالِمُونَ) يريد: الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة، فتكون اللام للعهد، ويجوز أن تكون للجنس، فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله، و(غَمَراتِ الْمَوْتِ): شدائده وسكراته، وأصل الغمرة: ما يغمر من الماء، فاستعيرت للشدّة الغالبة.
(باسِطُوا أَيْدِيهِمْ): يبسطون إليهم أيديهم يقولون: هاتوا أرواحكم، أخرجوها إلينا من أجسادكم. وهذه عبارةٌ عن العنف في السياق، والإلحاح، والتشديد في الإزهاق، من غير تنفيسٍ وإمهال،
_________________
(١) الرجال، خصوصًا الأنبياء، وكونهما في يديه دل على شخصين ينازعانه فيما يتقوى به من الرسالة والنبوة، كقوله تعال: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) [القصص: ٣٥]، ولا يكونان إلا كذابين. وقال التوربشتي: "نبه بنفخهما على استحقار شأنهما، وأنهما يمحقان بأدنى ما يصيبهما من بأس الله". قوله: (عبارة عن العنف) أي: كناية، لا أن ثمة تبسط الأيدي.
[ ٦ / ١٦٥ ]
وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملظ؛ يبسط يده إلى من عليه الحق، ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله، ويقول له: أخر إليّ مالي عليك الساعة، ولا أريم مكاني، حتى أنزعه من أحداقك. وقيل: معناه: باسطو أيديهم عليهم بالعذاب.
(أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ): خلصوها من أيدينا، أي: لا تقدرون على الخلاص، (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ) يجوز أن يريدوا وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع، وأن يريدوا الوقت الممتدّ المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة. والهون والهوان: الشديد،
_________________
(١) وقوله: (أنهم يفعلون بهم فعل الغريم) إلى آخره: بيان لوجه التمثيل، وأن أصل الكناية أخذ الزبدة والخلاصة من التمثيل، الذي هو تشبيه الحالة بالحالة. قوله: (الغريم الملظ)، الجوهري: "ألظ فلان بفلان: إذا لزمه، عن أبي عمرو: هو ملظ به: إذا لزمه لا يفارقه". الإزهاق: "من: زهقت نفسه تزهق زهوقًا، أي: خرجت". قوله: (ولا أريم مكاني)، الجوهري: رامه يريمه ريمًا، أي: برحه. يقال: لا ترمه، أي: لا تبرحه. والسياق: نزع الروح. قوله: (اليَوْمَ تُجْزَوْنَ) يجوز أن يريدوا وقت الأمانة، … وأن يريدوا الوقت الممتد المتطاول): والظاهر هذا الثاني، لأن قوله: (ولَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى) [الأنعام: ٩٤] مناسب لحال القيامة، لأن الآيات الواردة في معناها في فيها، وقد عطف من حيث المعنى على (تُجْزَوْنَ). والتقدير: يقولون: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ) واليوم يقال لهم: (ولَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى) [الأنعام: ٩٤].
[ ٦ / ١٦٦ ]
وإضافة "العذاب" إليه كقولك: رجل سوء، يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه. (عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) فلا تؤمنون بها.
[(وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)].
(فُرادى): منفردين عن أموالكم وأولادكم وما حرصتم عليه، وآثرتموه من دنياكم، وعن أوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم وشركاء لله، (كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ): على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، (وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ): ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة، (وَراءَ ظُهُورِكُمْ): لم ينفعكم ولم تحتملوا منه نقيرًا، ولا قدّمتموه لأنفسكم، (فِيكُمْ شُرَكاءُ) في استعبادكم، لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها، فقد جعلوها لله شركاء فيهم وفي استعبادهم.
وقرئ: "فرادًا" بالتنوين. و"فراد" مثل: ثلاث، و"فردى" مثل: سكرى.
_________________
(١) قوله: (كقولك: رجل سوء) أي: عذابًا شديدًا، فأضيف ليدل على أن العذاب ملك له، لأن نسبة الإضافة ألصق من نسبة الصفة بالموصوف. ومن ثم قال: "يريد العراقة في الهوان": أي: الأصالة. الأساس: "فلان معرق في الكلام أو اللؤم، وهو عريق فيه، واعترقت الشجرة، واستعرقت: ضربت بعروفها". قوله: (في استعبادكم) أي: زعمتم أن الأصنام شركاء لله في عبادتكم، لأنهم إذا عبدوا الآلهة، فقد جعلوا لله شركاء، والإضافة إلى الفاعل، أي: استعبادكم الآلهة. وقوله: "وفي استعبادهم" عطف تفسيري على قوله: "فيهم"، على نحو: "أعجبني زيد وكرمه". قوله: (وقرئ: "فرادًا" بالتنوين)، كـ"رحال" جمع: "رحل"، في الشواذ. والسبعة:
[ ٦ / ١٦٧ ]
فإن قلت: (كما خلقناكم)، في أي: محلٍّ هو؟ قلت: في محل النصب صفة لمصدر (جئتمونا)، أي: مجيئًا مثل خلقنا لكم.
(تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ): وقع التقطع بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، تريد: أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل، ومن رفع فقد أسند الفعل إلى الظرف، كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم. وفي قراءة عبد الله: "لقد تقطع ما بينكم".
_________________
(١) "فرادى" بالألف بغير تنوين، جمع "فردان"، أي: كـ"سكارى" و"سكران". قوله: (أي: مجيئًا مثل خلقنا لكم). المجيء: عبارة عن خلق الله إياهم ثانيًا، فهو مثل خلقه إياهم أولًا. ونحوه قوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف: ٢٩]. قال القاضي: لقد جئتمونا للحساب والجزاء، منفردين عن الأموال والأولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا، (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، أي: على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد. فعلى هذا (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ): بدل من (فُرَادَى) أو حال ثانية إن جوز التعدد فيها، أو حال من الضمير في (فُرَادَى)، أي: مشبهين ابتداء خلقكم عراة حفاة غرلًا. أو صفة مصدر؛ كما قال المصنف، والأحسن للتأليف أن يكون حالًا من الضمير في (فُرَادَى) معنى ولفظًا. قال أبو البقاء: (أَوَلَ): ظرف لـ (خَلَقْنَاكُمْ). والمرة، في الأصل، مصدر مر يمر، ثم استعمل ظرفًا اتساعًا. وهذا يدل على قوة شبه الزمان بالفعل". قوله: (وقع التقطع بينكم). قال القاضي: "البين: من الأضداد، يستعمل في الوصل والفصل. وقيل: هو الظرف أسند إليه الفعل على الاتساع، والمعنى: وقع التقطع بينكم. ويشهد
[ ٦ / ١٦٨ ]
[(إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)].
(فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى) بالنبات والشجر. وعن مجاهدٍ: أراد الشقين الذين في النواة والحنطة، (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) أي: الحيوان، والنامي من النطف والبيض والحب والنوى، (وَمُخْرِجُ) هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنامي.
فإن قلت: كيف قال: (مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) بلفظِ اسم الفاعل، بعد قوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ)؟
_________________
(١) له قراءة نافعٍ والكسائي وحفص عن عاصم: بالنصب، على إضمار الفاعل لدلالة ما قبله عليه، أو أقيم مقام موصوفه، وأصله: لقد تقطع ما بينكم. وقد قرئ به". وقال صاحب "الكشف": (مَا): موصوف، و(بَيْنَكُمْ): صفته، وليس بموصول، لأن الموصول لا يحذف. قال صاحب "الفرائد": قوله: (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) على إسناد الفعل إلى مصدره" يعني: وقع التقطع بينكم بعيد، لأن التقطع لازم، وما ذكره من النظر مستبعد، وهو قوله: "جمع بين الشيئين"، لأنه تقدير أصله: "أوقع الجمع بين الشيئين"، وهو من قبيل ما جعل المفعول به، لنسيانه، بتأويل جمع الجمع بينهما، أو أوقع الجمع بينهما. هذا إذا كان متعديًا، فأما إذا كان لازمًا فليس كذلك. ويمكن أن يقال: إن الاستشهاد لمجرد إسناد الفعل إلى مصدره، سواء كان لازمًا أو متعديًا.
[ ٦ / ١٦٩ ]
قلت: عطفه على (فالق الحب والنوى)، لا على الفعل
_________________
(١) قوله: (عطفه على (فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى) لا على الفعل). فإن قلت: لم لم يعطف عليه، كما ذهب إليه الإمام، ويكون الغرض إرادة الاستمرار في الأزمنة المختلفة، كما سبق في قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: ١٥]، ليكون إخراج الحي من الميت أولى في القصد من عكسه، ولأن المناسبة في الصنعة البديعية تقتضي هذا، لأنه من باب العكس والتبديل، كقوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) [الحج: ٦١]، ولورود سائر ما يشبه الآية على هذا المنوال؟ قلت: يمنعه ورود الجملة الثانية مفصولة عن الأولى على سبيل البيان، ولو عطفت الثالثة على الثانية كانت بيانيةً مثلها، لكنها غير صالحة له، لأن (فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى) ليس متضمنًا لإخراج الميت من الحي. فإن قلت: فقدر لها مبينًا مناسبًا لها، كما صنعت في قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) [النساء: ٩٥] على تقدير: (فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى)، وخالق الحب والنوى. قلت: يفوت إذن غرض التعميم الذي تعطيه الآية، من إرادة "يخرج الحيوان والنامي من النطف والبيض والحب والنوى"، فإن هذا المعنى إنما يحصل إذا قدر: و(وَمُخْرِجُ) معطوفًا على (فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى). ثم يسري معنى العموم إلى قرينتها، فيصح أن يقال: (يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ)، أي: الحيوان والنامي من النطف والبيض والحب والنوى، ومخرج هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنامي. ولو قدر معطوفًا على (يُخْرِجُ) اختص بالحب والنوى.
[ ٦ / ١٧٠ ]
و(يخرج الحيَّ من الميت) موقعه موقع الجملة المبينة لقوله: (فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى)، لأنّ فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامين من جنس إخراج الحيّ من الميت، لأنّ النامي في حكم الحيوان، ألا ترى إلى قوله: (يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) [الروم: ٥٠].
(ذلِكُمُ اللَّهُ) أي: ذلكم المحيي والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية، (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ): فكيف تصرفون عنه وعن توليه إلى غيره.
[(فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)].
(الْإِصْباحِ) مصدرٌ سمي به الصبح. وقرأ الحسن بفتح الهمزة جمع صبح وأنشد قوله:
أفنى رباحًا وبني رباح … تناسخ الإمساء والإصباح
_________________
(١) وقال صاحب "الانتصاف": "تكرر في القرآن (يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ) [يونس: ٣١]. فيبعد قطعها عن نظيرها، والوجه أن قياس الآية أن تكون الصفات باسم الفاعل، كقوله: (فَالِقُ الحَبِّ)، (فَالِقُ الإصْبَاحِ)، (وجَعَلَ اللَّيلَ)، وإنما عدل إلى صيغة المضارع في (يُخْرِجُ) ليدل على تصوير ذلك وتمثيله واستحضاره، وإخراج الحي من الميت أولى في الوجود، وأعظم في القدرة، فكانت العناية به أتم، ولذلك جاء مقدمًا في مواضعه، وحسن عطف الاسم على الفعل المضارع لأنه في معناه". قوله: (أفنى رياحًا)، رياح: اسم قبيلة، أي: أفناهم تعاقب الدهور والأعصار، ومرور الليل والنهار.
[ ٦ / ١٧١ ]
بالكسر والفتح؛ مصدرين، وجمعي مسي وصبح.
فإن قلت: فما معنى فلق الصبح، والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح، كما قال:
تردّت به ثمّ انفرى عن أديمها … تفرّى ليل عن بياض نهار
قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد: فالق ظلمة الإصباح، وهي الغبش في آخر الليل، ومنقضاه الذي يلي الصبح. والثاني: أن يراد فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره.
وقالوا: انشق عمود الفجر. وانصدع الفجر. وسموا الفجر فلقا بمعنى مفلوق، وقال الطائي:
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه … وأوّل الغيث قطر ثمّ ينسكب
_________________
(١) قوله: (تفري ليلٍ عن بياض نهار) الشعر لأبي نواس يصف الخمر، قبله: كأن بقايا ما عفا من حبابها … تفاريق شيبٍ في سوادٍ عذار تردت به ثم انفرى عن أديمها … تفري ليلٍ عن بياض نهار تردت به، أي: بالحباب، يعني: أظهرته الخمر على وجهها. فريت الأديم فريًا، أي: شققته، وأراد به: تشقق الحباب على وجه الخمر. قوله: (وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه) الطائي: هو البحتري، وتمامه:
[ ٦ / ١٧٢ ]
وقرئ: "فالق الإصباح وجاعل الليل" بالنصب على المدح. وقرأ النخعي: "فلق الإصباح وجعل الليل".
السكن: ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسًا به واسترواحًا إليه، من زوج أو حبيب، ومنه قيل للنار: سكن؛ كأنه يستأنس بها، ألا تراهم سموها المؤنسة؟ والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه.
_________________
(١) وأول الغيث رش ثم ينسكب قبله: هذي مخايل برق خلقه مطر … جود، ووري زنادٍ خلفه لهب استشهد به على أن الصبح هو الذي ينشق عن بياض النهار. قوله: (وقرأ النخعي: "فلق الإصباح وجعل الليل"). "فلق": شاذ، و(جَعَلَ): قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي، حملوه على معنى المعطوف عليه، فإن (فَاِلقُ) بمعنى: "فلَق". قوله: (والليل يطمئن إليه التعب بالنهار)، الأساس: "من المجاز: اطمأن إليه: سكن إليه: ووثق به"، كأنه ضمن "اطمأن" معنى "سكن". وإسناد "سكن" إلى الليل من باب: قائم ليله، وصائم نهاره، أي: يسكن إليه من تعب في النهار، ولهذا علله بقوله: "لاستراحته فيه". قوله: (وجمامه)، الجوهري: "الجمام - بالفتح -: الراحة، يقال: جم الفرس جمًا وجمامًا: إذا ذهب إعياؤه".
[ ٦ / ١٧٣ ]
ويجوز أن يراد: وجعل الليل مسكونًا فيه، من قوله: (لتسكنوا فيه) [يونس: ٦٧، غافر: ٦١].
(وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) قرئا بالحركات الثلاث:
فالنصب على إضمار فعل دل عليه "جاعل الليل"، أي: وجعل الشمس والقمر حسبانًا، أو يعطفان على محل "الليل".
فإن قلت: كيف يكون لـ"الليل" محل والإضافة حقيقية، لأنّ اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضيّ، ولا تقول: زيدٌ ضاربٌ عمرًا أمس؟ قلت: ما هو في معنى المضيّ، وإنما هو دال على جعلٍ مستمرّ في الأزمنة المختلفة، وكذلك (فالق الحب)، و(فالق الإصباح)، كما تقول: الله قادرٌ عالم، فلا تقصد زمانًا دون زمان.
_________________
(١) قوله: «والشَّمْسَ والْقَمَرَ): قرئا بالحركات الثلاث). النصب: العامة، والرفع والجر: شاذتان. قوله: (ولا تقول: زيد ضارب عمرًا أمس). قال الزجاج: "ولا يجوز: "جاعل الليل سكنًا"، لأن أسماء الفاعلين، إذا كان الفعل ماضيًا، أضيفت إلى ما بعدها لا غير. تقول: هذا ضارب زيدًا أمس. أجمع البصريون على أنه لا يجوز في "زيد" النصب، وبعض الكوفيين يجيزه. فإذا قلت: هذا معطي زيد درهمًا، فنصب "درهمًا" محمول على تأويل: أعطي". قوله: (دال على جعلٍ مستمر). قال صاحب "التقريب": "فيه نظر، لأنه بخلاف ما ذكره في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٤] ". والجواب: أنه ليس مخالفًا له، بل هو تبيين وتفصيل لما
[ ٦ / ١٧٤ ]
والجرُّ عطفٌ على لفظ "الليل".
والرفع على الابتداء، والخبر محذوف، تقديره: والشمس والقمر مجعولان حسبانًا، أو محسوبان حسبانًا.
ومعنى جعل الشمس والقمر حسبانًا: جعلهما على حسبان، لأنّ حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما.
والحسبان - بالضم -: مصدر حسب، كما أنّ الحسبان - بالكسر - مصدر حسب. ونظيره الكفران والشكران. (ذلِكَ) إشارةٌ إلى جعلهما حسبانًا، أي: ذلك التسيير بالحساب المعلوم، (تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) الذي قهرهما وسخرهما (الْعَلِيمِ) بتدبيرهما وتدويرهما.
[(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)].
_________________
(١) ذكره هنالك، لأنه قال بعد ما قرر أنه إضافة اسم الفاعل إلى معموله: "إنما تكون غير حقيقية، إذا أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال، نحو: "مالك الساعة أو غدٍ"، وأما إذا قصد زمان مستمر، كقولك: "مالك العبيد"، كانت الإضافة حقيقية". وقد استقصينا القول فيه هناك. والذي نريده هاهنا هو أن اسم الفاعل المضاف، إذا كان بمعنى المضي فقط، تكون إضافته إلى ما بعده حقيقية، لانتفاء المشابهة المعنوية التي هي جزء العلة في إعمال اسم الفاعل، وإذا كان بمعنى الاستقبال أو الحال فقط، تكون إضافته غير حقيقية، لوجود المشابهة
[ ٦ / ١٧٥ ]
(فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ): في ظلمات الليل بالبر والبحر، وأضافها إليهما لملابستها لهما، أو شبه مشتبهات الطرق بالظلمات.
[(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)].
_________________
(١) التامة المقتضية للعمل. وأما إذا كان بمعنى الاستمرار، يعني يكون معناه موجودًا في جميع الأزمنة: من الماضي والمستقبل والحال، كالعالم والقادر، فيكون في إضافته اعتباران: أحدهما: محضة باعتبار معنى المضي وبهذا الاعتبار يقع صفة للمعرفة، وثانيهما: غير محضةٍ باعتبار معنى الاستقبال، وبهذا الاعتبار يعمل فيما أضيف إليه، نحو قوله تعالى: (أَيًا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) [الإسراء: ١١٠]، فإن (أَيَّا)، من جهة كونها متضمنة لمعنى الشرط، عامل في (تَدْعُوا)، ومن جهة كونها اسمًا يتعلق بـ (تَدْعُوا) معمول له. وقال صاحب "الفرائد" في قوله تعالى: (وقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ) [غافر: ٣]: لما كان "القابل" بالنظر إلى أنه شيء له القبول، لا بالنظر إلى أنه عامل، صلح أن يكون صفةً له بالإضافة إلى "التوب"، وكان معرفة، فيصلح أن يكون "الشديد" من حيث إنه شيء له الشدة، لا بالنظر إلى أنه عامل، صفةً له بالإضافة إلى "العقاب"، فعلى هذا يكون (شَدِيدُ العِقَابِ) معرفة، فليتأمل. وقال صاحب "لباب التفاسير": "والظاهر في (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٤] النكرة، لأنه بمعنى الاستقبال، وإضافة اسم الفاعل بمعنى الاستقبال لا يفيد تعريفًا، ولكن حمل على الماضي لتحقق لفظه".
[ ٦ / ١٧٦ ]
من فتح قاف "المستقر" كان "المستودع" اسم مكانٍ مثله أو مصدرًا، ومن كسرها، كان اسم فاعل و"المستودع" اسم مفعول. والمعنى: فلكم مستقرٌّ في الرحم ومستودعٌ في الصلب، أو مستقر فوق الأرض ومستودع تحتها، أو: فمنكم مستقرٌّ ومنكم مستودعٌ.
فإن قلت: لم قيل: (يَعْلَمُونَ) مع ذكر النجوم، و(يَفْقَهُونَ) مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من نفسٍ واحدة، وتصريفهم بين أحوالٍ مختلفةٍ ألطف وأدق صنعةً وتدبيرًا، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقًا له.
_________________
(١) قوله: (من فتح قاف "المستقر"). قرأها كلهم إلا ابن كثير وأبا عمرو، ويروى: "من فتح فاء المستقر" أي: فاء فعله، وهو القاف، لأن أصله: "قر". قال الزجاج: "الأكثر في القراءة: "مستقر"، بفتح القاف، وقد قرئت بكسرها، (وَمُسْتَوْدَعٌ) بالفتح لا غير". قوله: (ألطف وأدق صنعةً): إشارة إلى أن في دلائل الأنفس من دقة النظر ما ليس في دلائل الآفاق. ويوافقه ما ذكره حجة الإسلام: "الطبيعيون أكثروا البحث عن عجائب الحيوان والنبات، ورأوا في تشريح أعضاء الحيوان من عجائب صنع الله، وبدائع حكمته، ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم، مطلعٍ على غايات الأمور ومقاصدها". الانتصاف: "لا يتحقق الفرق، وإنما أريد أن يكون لكل آية فاصلة مستقلة بالمقصود،
[ ٦ / ١٧٧ ]
_________________
(١) بعدًا عن التكرار، وتفننًا في البلاغة. ويحتمل أن يقال: الفقه أدني درجات العلم، والجهل بالنجوم جهل بأمرٍ خارج عن الذات، فسمى عارفه عالمًا، والآخر لا يخرج عن أحوال النفس، وجهل الإنسان بأحوال نفسه أبشع، فسمى العارف به فقيهًا، لأن "الفقه" هاهنا من "فقه" - بالكسر -: إذا فهم ولو أدني فهم، وليس من باب "فقه" بضم القاف، لأنها درجة عالية، أي: صار فقيهًا. قال الهروي: "قال سلمان لامرأةٍ وقد أجابته عن سؤال: "فقهت"، أي: فهمت". "وقولنا: "لا يفقه شيئًا"، أذم من قولنا: "لا يعلم"، لأن نفي العلم نفي حصوله، وقد يكون فقيهًا، ويدل على أن جهل الإنسان بأمر نفسه أقبح لإنكاره، بقوله: (وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: ٢١] ". وقلت: الصحيح ما ذهب إليه المصنف، لأن صاحب "النهاية" قال: "الفقه في الأصل: الفهم، يقال: فقه الرجل - بالكسر - يفقه فقهًا: إذا فهم وعلم. وفقه - بالضم - يفقه: إذا صار فقيهًا عالمًا. وجعله العرف خاصًا بعلم الشريعة وتخصيصًا بعلم الفروع". وقال الجوهري: "فقه الرجل - بالكسر - وفلان لا يفقه. ثم خص به علم الشريعة"، وقد تقرر أن لابد من رعاية المناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه. وإنما خص علم الشريعة بالفقه لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلة، والأقيسة، والنظر الدقيق، بخلاف علم اللغة، والنحو، والصرف، وغير ذلك.
[ ٦ / ١٧٨ ]
[(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)].
(فَأَخْرَجْنا بِهِ): بالماء (نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ): نبت كل صنف من أصناف النامي، يعني: أن السبب واحد وهو الماء، والمسببات صنوفٌ مفتنة، كما قال: (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) [الرعد: ٤]، (فَأَخْرَجْنا مِنْهُ) من النبات (خَضِرًا): شيئًا غضًا أخضر، يقال أخضر وخضر، كأعور وعَوِر، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة، (نُخْرِجُ مِنْهُ): من الخضر (حَبًّا مُتَراكِبًا) وهو السنبل.
_________________
(١) وأما حديث سلمان، فقد رواه صاحب "النهاية": "أن سلمان نزل على نبطيةٍ بالعراق، فقال لها: هل هاهنا مكان نظيف أصلي فيه؟ فقالت: طهر قلبك، وصل حيث شئت. فقال: فقهت، أي: فهمت وفطنت للحق". وقلت: لو قال: علمت، لم يقع هذا الموقع. وروينا في "جامع الدارمي" عن عمران، قال: "قلت للحسن يومًا في شيءٍ قاله: يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك! هل رأيت فقيهًا قط؟ إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، والمداوم على عبادة ربه".
[ ٦ / ١٧٩ ]
و(قِنْوانٌ) رفعٌ بالابتداء، (ومِنَ النَّخْلِ) خبره، و(مِنْ طَلْعِها) بدلٌ منه، كأنه قيل: وحاصلةٌ من طلع النخل قنوان.
ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة "أخرجنا" عليه، تقديره: ومخرجة من طلع النخل قنوان. ومن قرأ: "يخرج منه حب متراكبٌ"، كان (قِنْوانٌ) عنده معطوفًا على "حبٌّ".
والقنوان: جمع قنو، ونظيره: صنوٌ وصنوان. وقرئ بضم القاف وبفتحها، على أنه اسم جمع كركب؛ لأنّ "فعلان" ليس من زيادة التكسير.
(دانِيَةٌ): سهلة المجتنى معرضةٌ للقاطف، كالشيء الداني القريب المتناول؛
_________________
(١) قوله: (و(قِنْوَانٌ) رفع بالابتداء): قرأ بها العامة. الجوهري: "القنوان: جمع قنو، وهو: العذق، وهو للتمر بمنزلة العنقود للعنب". قوله: (ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا). قال صاحب "التقريب": الخبر في الوجه الأول عام، فلا يفتقر إلى القرينة، وفي الثاني خاص فافتقر، فلذلك قال فيه: "لدلالة (أَخْرَجْنَا) ". وذلك أن الخبر إذا كان عامًا، كان المذكور نائبًا عن المقدر، فلا يقال: الخبر محذوف، وأما إذا كان خاصًا فلا يكون نائبًا عنه، فيقال: الخبر محذوف. قوله: (لأن "فعلان" ليس من زنات التكسير"، أي: بفتح الفاء. قال في "المفصل": "وما كانت زيادته ثالثة مدة، فلأسمائه في الجمع أحد عشر مثالًا". وذكر منها: فعلان وفعلان، بضم الفاء وكسرها. قوله: (معرضة). يقال: أعرض له كذا: إذا أمكنه. وحقيقته إبداء عرضه، والعرض - بالضم -: الجانب.
[ ٦ / ١٨٠ ]
ولأنّ النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها تأتى بالثمر لا تنتظر الطول.
وقال الحسن: (دانيةٌ): قريبٌ بعضها من بعض. وقيل: ذكر القريبة وترك ذكر البعيدة، لأنّ النعمة فيها أظهر، أو: دلّ بذكر القريبة على ذكر البعيدة، كقوله: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النحل: ٨١].
وقوله: (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ) فيه وجهان: أحدهما: أن يراد: وثم جناتٌ من أعناب، أي: مع النخل. والثاني: أن يعطف على (قِنْوانٌ)؛ على معنى: وحاصلةٌ- أو: ومخرجةٌ- من النخل قنوانٌ وجناتٌ من أعناب، أي: من نبات أعناب.
_________________
(١) قوله: (ولأن النخلة) معطوف على قوله: "سهلة المجتنى" من حيث المعنى، كأنه قال: إنما قال تعالى: (دَاِنِيَةٌ)، لأن النخلة سهلة المجتني، ولأن النخلة كذا، والأولى عطفه على "كالشيء الداني"، لأن "الداني"، على هذا الوجه يراد به القريب حقيقة، وفي الأول المراد: المشابه بالشيء القريب، ولهذا قال: "كالشيء الداني". قوله: (فإنها تأتي بالثمر): خبر "أن"، على قول من يجوز إدخال الفاء في الخبر مطلقًا، والشرط تأكيد، ويمكن أن يقال: إن الفاء جواب الشرط، وخبر "أن" محذوف بدلالة السياق، والشرط المذكور عطف عليه، والتقدير: لأن النخلة، إن كانت كبيرةً لا ينالها القاعد، فإنها سهلة المجتنى، وإن كانت صغيرة، فكيت وكيت. والأول أظهر من حيث المعنى؛ لأن أصل الكلام: ولأن النخلة تأتي بالثمر، لا تنتظر الطول وإن كانت صغيرة. ومثل هذا الشرط المذكور للمبالغة، لا يحتاج إلى الجزاء، ذكره بعض الفضلاء. قوله: (أن يعطف على (قِنْوَانٌ) على معنى: وحاصلة أو مخرجة)، أي: على التقديرين المذكورين، فعلى هذا يكون من عطف المفرد على المفرد. قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأنه [إن] عطف على (قِنْوَانٌ)، فـ (مِنْ أَعْنَابٍ) حينئذٍ إما: صفة "جنات" فيفسد المعنى،
[ ٦ / ١٨١ ]
_________________
(١) إذ يؤول إلى قولنا: وحاصلة أو مخرجة من النخل جنات حصلت من أعناب، وإما خبر لـ"جنات"، فلا يصح، لأنه يكون عطفًا لها على مفرد، ويكون المبتدأ نكرة، بلا مصحح. وقلت: العذر من الأول: أن المراد حصول هيئة الكروم، وخروجها من النخل، كما يرى في البساتين المعروشة الكرم، على فروع الأشجار المتدلية أغصانها، كأنها مخرجة منها. ومن ثم قال: "أي: من نبات الأعناب"، أي: بأغصان الكروم وأوراقها المخضرة، ولا تسمى الكروم جناتٍ إذا كانت مجتثة من فوق الأرض. وعن الثاني: أن المصحح عطفه على مخصص، وأنشد الخبيصي: عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي … فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا وأجاز المالكي أيضًا نحو ذلك.
[ ٦ / ١٨٢ ]
وقرئ: (وَجَنَّاتٍ) بالنصب عطفًا على (نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) أى: وأخرجنا به جناتٍ من أعناب، وكذلك قوله: (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ)،
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (وَجَنَّاتٍ) بالنصب) وهي قراءة الجمهور، وجعلها معطوفةً على (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ). وكذا أبو البقاء، وتبعهما الكواشي والقاضي، وأما الواحدي فعطفها على (خَضِرًا) وقال: "فأخرجنا خضرًا وجناتٍ من أعناب"، والأظهر أن يكون عطفًا على (حَبًّا)، لأن قوله: (نَبَاتَ كلِ شيءٍ) مفصل يشتمل على كل صنفٍ من أصناف النامي، كما قال: " (فَأَخْرَجْنَا) بالماء (نَبَاتَ كُلِ شَيءٍ): نبت كل صنفٍ من أصناف النامي"، والنامي: الحب والنوى وشبههما. وقال الراغب: "النبت: يقال لما له نمو في أصل الخلقة، يقال: نبت الصبي والشعر والسن. ويستعمل النبات فيما له ساق وما ليس له ساق، وإن كان في التعارف قد يختص بما لا ساق له". وقوله: (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا) طور آخر لذلك النبات، كما قال: " (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ): من النبات (خَضِرًا): شيئًا غضًا أخضر". وقال أبو البقاء: " (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)، أي: بسبب الماء، فيكون بدلًا من: (فَأَخْرَجْنَا) الأولي". يعني به: بدل الاشتمال، لاكتساء النبات بلباس الخضرة والطراوة، ومن هاهنا يقع التفصيل، فبعض يخرج منه السنابل ذات
[ ٦ / ١٨٣ ]
_________________
(١) حبوب متكاثرة، كما قال: " (نُّخْرِجُ مِنْهُ) من الخضر (حَبًّا مُّتَرَاكِبًا)، وهو السنبل". وبعض خرج منه ذات قنوان دانية، كما قال تعالى: (ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) وبعض آخر جنات معروضات، كما قال: " (وجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ)، أي: من نبات أعناب"، وبعض ينبت زيتونًا ورمانًا (مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشَابِهٍ)، ولكنه أبرز النخل والزيتون والرمان من صورة الإفراد إلى الجملة تفصيلًا لها ومزية، ولهذا قال: "والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص". ومما يدل على أن الأصل الإفراد، والمعطوف عليه (حَبًّا) قراءة من قرأ "حب متراكب"، ومن ثم قال: "ومن قرأ به كان (قِنْوَانٌ) عنده معطوفًا على (حب) ". وأحسن صاحب "المرشد" حيث قال: "والوقف على قوله (قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) لم أر به بأسًا، وكان كافيًا، ليعلم أن قوله: (وَجَنَّاتٍ) ليس عطفًا على (قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ)، وأنه معطوف على قوله (حَبًّا مُّتَرَاكِبًا)، والوقف على (مِّنْ أَعْنَابٍ) صالح. وقد أذن بتفضيل المذكورات على سائرها ذكرها مفصلًا بعد الإجمالي في قوله: (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) ". وقال الإمام: "اعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها المجلدات، وإنما اكتفي بذكر هذه الأقسام التي هي أشرف أنواعها، للتنبيه على البواقي". وقلت: هذه الآية كالتفسير لقوله تعالى: (وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الرعد: ٤]، وكالبيان لتفضيل بعضها على بعض، على ابلغ ما يكون من تدبر ورزق التوفيق.
[ ٦ / ١٨٤ ]
والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص، كقوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) [النساء: ١٦٢] لفضل هذين الصنفين.
(مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) يقال: اشتبه الشيئان وتشابها، كقولك استويا وتساويا. والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرًا. وقرئ: "متشابهًا وغير متشابه"، وتقديره: والزيتون متشابهًا وغير متشابه، والرمّان كذلك كقوله:
كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدَي … بَرِيّا
_________________
(١) قوله: (والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص) أي: (والزَّيْتُونَ والرُّمَّانَ)، لأن الظاهر العطف على "جناتٍ"، أي: نخرج منه الزيتون والرمان. لكن الاختصاص، كما مر، هو الوجه، ولأن أسلوب الاختصاص مشروط بأن يكون المذكور صالحًا للمدح، وأن يكون مشهورًا، فإنه تعالى لما ذكر الأصناف الثلاثة، وصور كلا منها بما هو أحسن أحواله، تشويقًا للسامع، وتزيينًا، أورد هذين الصنفين على طريقةٍ يظهر بها شر فهما، كأنه قال: الحب كذلك، والنخل على هذا، والأعناب كما ترى، ويذكر ما لا يخفى شأنهما في الفضل والكمال. هذا التقرير يقوي معنى الإجمال والتفصيل، ويخصص المذكورات لإنافتها على غيرها. قوله: (رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي بريًا)، تمامه: . ومن أجل الطوي رماني الطوي: البئر المبنية بالحجر والآجر أو غيرهما، والتقدير: كنت منه بريئًا، ووالدي بريئًا.
[ ٦ / ١٨٥ ]
والمعنى: بعضه متشابهًا وبعضه غير متشابه، في القدر واللون والطعم. وذلك دليلٌ على التعمد دون الإهمال.
(انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ): إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلًا ضعيفًا لا يكاد ينتفع به، وانظروا إلى حال ينعه ونضجه كيف يعود شيئًا جامعًا لمنافع وملاذ، نظر اعتبارٍ واستبصارٍ واستدلالٍ على قدرةِ مقدّره ومدبره وناقله من حال إلى حال.
وقرئ: "وَيَنْعِهِ" بالضم، يقال: ينعت الثمرة ينعًا وينعًا. وقرأ ابن محيصن: "ويانعه"، وقرئ: "وثمره" بالضم.
_________________
(١) قوله: (دليل على التعمد دون الإهمال) أي: الفاعل مختار لا موجب، كقوله بعض الزنادقة. قوله: (وانظروا إلى حال ينعه). قال المصنف في "الحاشية": "فإن قلت: هلا قيل: من غض ثمره وينعه؟ قلت: في هذا الأسلوب فائدة، وهي أن "الينع" وقع فيه معطوفًا على "الثمر"، على سنن الاختصاص على نحو قوله: (وَجِبْرِيِلَ)، للدلالة على أن الينع أولى من الغض". والتحقيق فيه أن قوله تعالى: (انظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ) عام في جميع أحوال الثمر، فيدخل النظر في حال بدئه ونضجه وغيرهما، فعطف (ويَنْعِهِ) على (ثَمَرِه)، ليؤذن بعموم أحوال الثمر، وأن حالة النضج مخرجة للثمر اليانع عن أن يسمى ثمرًا، ونوعًا داخلًا في ذلك الجنس لشرفه وفضله. وفيه بحث، لعدم مطابقته لما في المتن، لأنه جعل (إذَا أَثْمَرَ) قيدًا
[ ٦ / ١٨٦ ]
[(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ)].
إن جعلت (لِلَّهِ شُرَكاءَ) مفعولي "جعلوا"، نصبت (الجن) بدلًا من (شركاء)، وإن جعلت (لِلَّهِ) لغوا كان (شُرَكاءَ الْجِنَّ) مفعولين قدّم ثانيهما على الأول.
فإن قلت: فما فائدة التقديم؟ قلت: فائدته استعظام أن يتخذ لله شريكٌ مَن كان، ملكًا أو جنيًا أو إنسيًا أو غير ذلك، ولذلك قدّم اسم الله على "الشركاء".
_________________
(١) لإرادة حالة بدئه. يدل عليه قوله فيما بعد: "لما أبيح لهم الأكل من ثمره، قيل: (إَذَا أَثْمَرَ) ليعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر". قوله: (إن جعلت (لله) لغوا). قال ابن الحاجب: "الظرف إذا افتقر الكلام إليه، ولا يتم إلا به، يسمى ظرفًا مستقرًا، يجوز أن يكون خبرًا، أو حالًا، أو صفة. فإذا كان الكلام تامًا بدونه يسمى لغوًا، نحو: ما كان أحدٌ خيرًا منك فيها". قوله: (ولذلك قدم اسم "الله") أي: لفائدة الاستعظام قدم أيضًا اسم "الله". والحاصل أن في التركيب تقديمين، لأن الظرف إذا جعل لغوًا كان مكانه بعد ذكر المفعولين، و(الِجنَّ) إذا جعل مفعولا أول، لأنه معرفة، رجع الأصل إلى قوله: "وجعلوا الجن شركاء لله"، ولا ارتياب أن فائدة التقديم الاهتمام بشأن المقدم، والاعتناء فيه. قال سيبويه: "إنهم يقدمون شأنه أهم، وهم ببيانه أعني، وإن كانا جميعًا مما يهمانهم".
[ ٦ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وتحقيقه: أن المقدم في الكلام هو المقصود الأولي في أجزاء الكلام. ولما كان تقديم المفعول الثاني، وهو (شُرَكآءَ)، أوجب أن يكون الكلام فيه، قال: "استعظام أن يتخذ لله شريك من كان، ملكًا أو جنيًا أو إنسيًا أو غير ذلك"، وتقديم الظرف على المفعولين أوجب الاهتمام بشأنه، قال: "ولذل قدم اسم "الله" على الشركاء". وقال صاحب "المفتاح": "مثل أن يكون الشيء مهتما بشأنه بسبب التفات الخاطر إليه، كما تجدك إذا قال لك أحد: عرفت شركاء الله، يقف شعرك، وتقول: لله شركاء؟ ! ". فإذًا في تقديم اسم "الله" القصد إلى استعظام ذاته عز سلطانه أن يتصور لساحة جلاله معنى الشريك مطلقًا، من غير نظر إلى جواز إيجاده أو حظره، وفي تقديم (شُرَكَآءَ) على (الجِنَّ) استعظام إيجاد الشريك له، من غير نظر إلى كونه جنيًا أو إنسيًا أو غير ذلك. قال صاحب "الإيضاح": "وفيه نظر، لأن الآية مسوقة للإنكار التوبيخي، فيمتنع أن يكون إنكار تعلقه به باعتبار تعلقه بـ (شُرَكآءَ)، وتعلقه بـ (شُرَكآءَ) كذلك منكر، باعتبار تعلقه بالله، فلم يبق فرق بين التلاوة وعكسها". واعلم أنا على ما قررنا مغزى الكلام، وهو أن التقديم للاهتمام، سقط هذا السؤال بالكلية.
[ ٦ / ١٨٨ ]
وقرئ: "الجن" بالرفع، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الجن. وبالجرّ على الإضافة التي للتبيين.
والمعنى: أشركوهم في عبادته، لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله. وقيل: هم الذين زعموا أنّ الله خالق الخير وكل نافع، وإبليس خالق الشر وكل ضارّ.
_________________
(١) قوله: (وقيل: هم الذين زعموا أن الله تعالى خالق الخير وكل نافع، وإبليس خالق الشر، وكل ضار) عطف على قوله: "المعنى: أشركوهم"، ففاعل "جعلوا لله شركاء"، على الأول، عام، وعلى الثاني خاص. روى محيي السنة عن الكلبي أن الآية: "نزلت في الزنادقة، أثبتوا الشركة لإبليس من الخلق، فقالوا: الله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع، والحيات والعقارب". وقال الإمام: "القائلون بيزدان وأهرمن قالوا: إن الجن شركاء الله، وهم قد اعترفوا بأن أهرمن محدث. وفي المجوس من يقول: إن الله تعالى فكر في مملكة نفسه واستعظمها، فحصل نوع من العجب، فتولد الشيطان منه، ومنهم من يقول: شك في قدرة نفسه، فتولد منه الشيطان، فأقروا بحدوثه، وذلك قوله: (وَخَلَقَهُمْ) ". وهذا القول اختاره الإمام، وروى في الآية وجهين آخرين، وضعفهما: أحدهما: قالوا: إن الكافرين كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فسموا بالجن، كما سموا في قوله: (وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ
[ ٦ / ١٨٩ ]
(وَخَلَقَهُمْ): وخلق الجاعلين لله شركاء. ومعناه: وعلموا أن الله خالقهم دون الجن، ولم يمنعهم علمهم أن يتخذوا من لا يخلق شريكًا للخالق. وقيل: الضمير للجن. وقرئ: "وخلقهم"، أي: اختلاقهم للإفك، يعني: وجعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم: (وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) [الأعراف: ٢٨].
_________________
(١) الجِنَّةِ نَسَبًا) [الصافات: ١٥٨]. ومعنى الشركة أنها، مع كونها بنات الله، مدبرة لأحوال هذا العالم. وثانيهما: قال الحسن وطائفة من المفسرين: إن الجن لما دعوا الناس إلى عبادة الأصنام، والقول بالشرك، وكانوا مطاعين فيه، صح معنى الشركاء. وقال الزجاج: "إنهم أطاعوا الجن فيما سولت لهم من شركهم، فجعلوهم شركاء لله تعالى". قوله: (وعلموا أن الله تعالى خالقهم دون الجن). قال القاضي: " (وَخَلَقَهُمْ) حال، بتقدير "قد"، أي: وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن، وليس من يخلق كمن لا يخلق". يعني: هي حال مقدرة لجهة الإشكال، ولهذا قدر المصنف "العلم" على نحو قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) [البقرة: ٢٨] كما مر في موضعه. قوله: (وقيل: الضمير للجن): عطف على قوله: "وخلق الجاعلين لله شركاء". وذكر الزجاج الوجهين، وقرر الثاني بقوله: " (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ) والله خالق الجن، فكيف يكون الشريك لله ﷿ المحدث الذي لم يكن ثم كان؟ "، واختار الإمام الأول.
[ ٦ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: الذي عليه النظم: الوجه الثاني، لما علم من قوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ) هذا المعنى: أي: "خلق الجاعلين لله شركاء"، فالواجب أن يحمل على معنى زائد، لكن يجب تفسير الآية بما ذكره من قوله: "والمعنى: أشركوهم في عبادته"، ليعم جميع من اتخذ شريكًا لله ﷿ من المجوس وغيرهم، وجميع من جعلوه شركاء لله، من الملائكة والجن وأهرمن، لأن السورة إلى سياقها في شأن مشركي مكة، واختصاصها بالمجوس، مما يخرم النظم. وأما بيان النظم فإن الآيات من لدن قوله: (فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى) إلى خاتمة (ذلكم الله ربكم) [الأنعام: ٩٥ - ١٠٢] كالتفسير لسورة الإخلاص، والتفصيل لمجملها، وإن قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ): عطف على الجمل السابقة من قوله: (إنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى) من باب حصول مضمون الجملتين، على منوال ما سبق في فاتحة السورة التي هي كبراعة الاستهلال. يعني حصل من الله - عز شأنه، وجل سلطانه - تلك النعم العظمى، والآيات الباهرات، ليعبد ويوحد، وحصل من بني آدم ما ينافيه ويناقضه. نحوه ما رواه المصنف: "إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري! ". وعلى هذا المنوال نسج المصنف في قوله تعالى: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) [الرعد: ١٦] حيث قال: "أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء، فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد، من علمكم وإقراركم، سبب الإشراك؟ ".
[ ٦ / ١٩١ ]
(وَخَرَقُوا لَهُ): وخلقوا له، أي: افتعلوا له، (بَنِينَ وَبَناتٍ) وهو قول أهل الكتابين في المسيح وعُزير، وقول قريشٍ في الملائكة يقال: خلق الإفك وخرقه، واختلقه واخترقه، بمعنىً. وسئل الحسن عنه، فقال: كلمةٌ عربيةٌ كانت العرب تقولها: كان الرجلُ إذا كذب كذبةً في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله.
ويجوز أن يكون من: خرق الثوب؛ إذا شقه، أي: اشتقوا له بنين وبناتٍ.
_________________
(١) وقلت: وما أحسن موقع قوله: (إنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) خاتمة لتلك الآيات الباهرات، وتخلصًا إلى هذا التقريع، وتعريضًا بالمشركين! ومن حق التقريع أن يجعل: (وَخَرَقُوا): من خرق الثوب، لينبه على التباين الشديد بين طرفي الإفراط والتفريط. ويؤيد العموم عطف قوله: (وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَنَاتٍ)، لأن القائلين بالبنين: اليهود والنصارى، وبالبنات: المشركون. يعني: جمع من مال من الدين الحنيف بين هاتين العظيمتين، فوزان المعطوف عليه كله وزان قوله: (اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ) [الإخلاص: ١ - ٢]، ووزان قوله: (لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: ٣ - ٤]، وزان قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ). ووزان قوله: (لَم يَلِدْ) وزان قوله: (وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ). (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [الأعراف: ٤٣]. قوله: (اشتقوا له بنين)، النهاية: "وفي الحديث: "النساء شقائق الرجال"، أي: نظائرهم
[ ٦ / ١٩٢ ]
وقرئ: "وخرّقوا" بالتشديد للتكثير، لقوله: (بَنِينَ وَبَناتٍ)، وقرأ ابن عمر وابن عباسٍ ﵄: "وحرّفوا" له، بمعنى: وزوّروا له أولادًا، لأنّ المزوّر محرّف مغير للحق إلى الباطل.
(بِغَيْرِ عِلْمٍ) من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأٍ أو صواب، ولكن رميًا بقولٍ عن عمى وجهالة. من غير فكرٍ وروية.
[(بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)].
(بَدِيعُ السَّماواتِ) من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، كقولك: فلانٌ بديع الشعر، أي: بديعٌ شعره، أو هو بديعٌ في السموات والأرض، كقولك: فلانٌ ثبت الغدر، أي: ثابتٌ فيه، والمعنى أنه عديم النظير والمثل فيها.
وقيل: البديع بمعنى: المبدع، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأٍ محذوف، أو هو مبتدأٌ وخبره: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ)، أو فاعل "تعالى". وقرئ بالجرّ ردًّا على قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ)، أو على (سُبْحانَهُ)، وبالنصب على المدح.
وفيه إبطال الولد من ثلاثة أوجه:
_________________
(١) وأمثالهم في الأخلاق والطباع، كأنهن شققن منهم، ولأن حواء خلقت من آدم". وقال في تفسير قوله تعالى: (وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) [الزخرف: ١٥]: "قالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءًا له، وبعضًا منه، كما يكون الولد بعضًا من والده، وجزءًا له". قوله: (ردًا على قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ) أي: بدلًا منه. قوله: (فيه إبطال الولد من ثلاثة أوجه). قال صاحب "التقريب": "ولا يخفى افتقار الوجوه إلى مقدمات".
[ ٦ / ١٩٣ ]
أحدها: أن مبتدع السموات والأرض - وهي أجسامٌ عظيمةٌ - لا يستقيم أن يوصف بالولادة، لأنّ الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لا يكون جسمًا حتى يكون والدًا.
والثاني: أن الولادة لا تكون إلا بين زوجين من جنس واحد وهو متعالٍ عن مجانس، فلم يصح أن تكون له صاحبة، فلم تصح الولادة.
والثالث: أنه ما من شيءٍ إلا وهو خالقه والعالم به، ومن كان بهذه الصفة كان غنيًا عن كل شيء، والولد إنما يطلبه المحتاج.
_________________
(١) وقلت: أما الوجه الأول: فتقديره - على ما قال المصنف - أن مبدع الأجسام لا ينبغي أن يتصف بصفة الولادة، لأنه إن اتصف بها يكون جسمًا مثلها، لأن الولادة من صفات الأجسام، والله تعالى منزه عن أن يكون جسمًا، لأن الأجسام ممكنة، محتاجة في إنشائها إلى مخترع منشئ. والقاضي قرر هذا الوجه بأن قال: "إن من مبدعاته السموات والأرضين، وهي، مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة، مبرأة عنها، فهو أولى بأن يتعالى عنها، أو أن ولد الشيء: نظيره، ولا نظير له، فلا ولد له". والثاني: قوله: "إن الولادة لا تكون إلا بين زوجين"، وتحريره: أنه ثبت بالدليل أنه تعالى خالق الأجسام كلها، ومبدعها، ومنشئها، والخالق لا يجانس المخلوق، والزوجية تقتضي المجانسة، والولادة متوقفة على الزوجين، فإذًا لا ولد له. وقال القاضي: "والمعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثي متجانسين، والله تعالى منزه عن المجانسة". والثالث: قوله: "إنه ما من شيءٍ إلا وهو خالقه والعالم به". وهذا ظاهر.
[ ٦ / ١٩٤ ]
وقرئ: ولم يكن له صاحبة، بالياء، وإنما جاز للفصل كقوله:
لَقَدْ وَلَدَ الأُخَيْطِلَ أُمُّ سُوءِ
_________________
(١) فعلم من هذا التقرير أن قوله: (ولَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ): عطف على قوله: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ)؟ فعلى هذا لا يتم الوجه الثاني دليلًا إلا بأن يضم إليه مقدمة من الدليل الأول، وفي الفاءين في قوله: "فلم يصح" مكررًا، إشعار بذلك. والوجه الثالث دليل مستقل كالأول، والجملة معطوفة على جملة قوله: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ). وإنما كرر (كُلِّ شَيْءٍ) [البقرة: ٢٠]، ولم يكتف بقوله: وهو به عليم، ليشير به إلى استقلال كل من القدرة والعلم، بالإحاطة التامة، والقدرة الكاملة. ولهذا عطف الجملة الاسمية على الفعلية. قال القاضي: "إن الولد كفؤ الوالد، ولا كفؤ له، بوجهين: الأول: أن كل ما عداه مخلوقه فلا يكافئه، والثاني: أنه لذاته عالم بكل المعلومات، ولا كذلك غيره بالإجماع". وقال الإمام بعدما طول في تقرير الوجوه على غير هذا النمط: "ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألة كلامًا، يساويه أو يدانيه في القوة والكمال، لعجزوا عنه"، والله أعلم. قوله: (لقد ولد الأخيطل أم سوءٍ)، تمامه:
[ ٦ / ١٩٥ ]
[(ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)].
(ذلِكُمُ) إشارةٌ إلى الموصف مما تقدم من الصفات، وهو مبتدأ، وما بعده أخبار مترادفة وهي (اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)
_________________
(١) على قمع استها صلب وشام ويروى: باب استها. وقيل: كان الأخطل من نصارى العرب. واسمه: غياث. وزعموا أن جريرًا لقيه. وصلب: جمع صليب النصارى. والشام: النقوش. أراد أن هذه المرأة تفعل فعل المومسات. والقياس: "ولدت"، لأن الفاعل مؤنث حقيقي. قال ابن جني: "وهي قراءة إبراهيم النخعي. مثله ما حكاه سيبويه من قولهم: "حضر القاضي اليوم امرأة". وأنا أرى أن تذكير "كان" مع تأنيث اسمها أسهل من تذكير سائر الأفعال وتأنيث فاعليها، فـ" كان في الدار هند" أسوغ من: "قام في الدار هند"، وذلك أنه إنما احتيج إلى تأنيث الفعل عند تأنيث فاعله لأنهما يجريان مجرى الجزء الواحد، لأن كل واحد منهما لا يستغني عن صاحبه، فإنك لو حذفت الفعل لانفرد الفاعل، فلم يفد شيئًا، فأنث الفعل إيذانًا بأن الفاعل المتوقع بعده مؤنث، بخلاف "كان" وأخواتها، لأنك لو حذفتها لاستقل ما بعدها برأسه، فلم تقو حاجته إلى الفعل، فانحطت رتبته، ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا، فافهمه".
[ ٦ / ١٩٦ ]
أي: ذلكم الجامع لهذه الصفات، (فَاعْبُدُوهُ) مسببٌ عن مضمون الجملة، على معنى: أن من استجمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة، فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه. ثم قال: (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) يعني: وهو مع تلك الصفات مالكٌ لكل شيءٍ من الأرزاق والآجال، رقيب على الأعمال.
[(لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)].
البصر: هو الجوهر اللطيف الذي ركبه الله في حاسة النظر، به تدرك المبصرات، فالمعنى: أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه، لأنه متعالٍ أن يكون مبصرًا في ذاته،
_________________
(١) قوله: (أي: ذلكم الجامع لهذه الصفات): إشارة إلى الصفات السابقة، وقوله: (فَاعْبُدُوهُ): حكم ترتب على تلك الأوصاف، وهي علة مناسبة له، فحيث وجدت وجد، وحيث فقدت فقد، ولهذا قال: "فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه"، خص "البعض" لأن الكلام في الملائكة والجن، لقوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]. وقوله: (وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ): تتميم للصفات، أو تكميل لأمر العبادة، فقوله: "وهو، مع تلك الصفات، مالك لكل شيءٍ من الأرزاق والآجال، رقيب على الأعمال" يحتملهما، أي: هو الحقيق بالعبادة، لأنه المنزه عن النقائص، والمنفرد بالإلهية، والمختص بالخالقية، ومع ذلك متكفل لأرزاق العباد، رقيب على أعمالهم، بيده آجالهم وسائر ما يرتفقون، ويحتاجون إليه، فلم لا يخصونه بالعبادة؟ ! قوله: (أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه): رد على أهل السنة، لأنه يفيد أن الأبصار لا تتعلق به لا بالإحاطة ولا بغير الإحاطة، لأن أهل السنة قالوا بالثاني دون الأول.
[ ٦ / ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الزجاج: "معنى هذه الآية: معنى إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته. وهذا مذهب أهل السنة والحديث، لأن أحدًا من خلقه لا يدرك المخلوق بكنهه، فكيف به جل وعز؟ فالأبصار لا تحيط به". وقال الإمام: "المرئي إذا كان له حد ونهاية، وأدركه البصر بجميع حدوده، سمي إدراكًا، فالحاصل أن الرؤية جنس تحته نوعان: رؤية مع الإحاطة، ورؤية لا معها، فنفي الإدراك يفيد نوعًا واحدًا، وهو لا يفيد نفي الجنس". قال الواحدي: "يصح أن يقال: رآه وما أدركه، فالأبصار ترى الباري ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به". وقال الإمام: "هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، لكن قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) يفيد عموم النفي عن جميع الأشخاص، في كل الأوقات، وفي كل الأحوال، فإن نفي العموم غير عموم النفي، ونفي العموم يوجب ثبوت الخصوص. ألا ترى أنه إذا قيل: إن زيدًا ما ضربه كل الناس، فإنه يفيد أنه ضربه بعض الناس؟ ". ومثله ذكر المصنف في قوله تعالى: (إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي) [مريم: ٤]. ويقال: إن التعريف في (الأبْصَارَ) إما للاستغراق، أو للعهد، أو للجنس.
[ ٦ / ١٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أما الاستغراق: فيفيد أن جميع الأبصار لا تدركه، ودليل الخطاب - على ما قاله الإمام - يفيد أن البعض يدركه. وأما العهد: فأريد بها أبصار الكفار، على ما روى محيي السنة عن مالك: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يعير الكفار بالحجاب. وأما الجنس: فهو أن البصر: ما يعلمه كل أحد أنه ما هو، وهي حاسة النظر، فلا شك أن الحاسة على ما هي الآن لا تدركه، وأما إذا طهرها الله من الكدورات، وأحدث فيها بلطفه ما يستعين به العبد على رؤية الله تعالى في دار الثواب، كما أراده، ويليق بحاله، بحيث لا تدركه الأذهان، فأي بعدٍ منه؟ ! نقل الإمام عن ضرار بن عمرو أن الله تعالى لا يرى بالعين، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، بها تحصل رؤية الله وإدراكه. وروى محيي السنة عن ابن عباس ومقاتل: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) في الدنيا، وهو يرى في الآخرة (وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)، ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته". وقال الواحدي: "والدليل على أن هذه الآية مخصوصة بالدنيا قوله: (وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، فقيد النظر إليه بيوم القيامة، وأطلق في هذه الآية، والمطلق يحمل على المقيد".
[ ٦ / ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال السجاوندي: " (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) ليس بمدح، لعدم كونه مرئيًا، بل بيان أنه لا يرى في الدنيا، وهو يرى". وقلت: قضية النظم تساعد قول ابن عباس ﵁، وذلك أن عطف قوله تعالى: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠] كما سبق، على قوله: (إنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى) [الأنعام: ٩٥] على معنى: نحن أنعمنا عليهم بالنعم المتكاثرة، وأريناهم الآيات المتظاهرة، ليشكرونا، ولا يعبدوا غيرنا، وهم قد عكسوا؛ إذ عبدوا الجن، وجعلوا لله بنين وبنات: دل على استحقاق العبادة لله تعالى وعلى أنه ما خلق الخلق إلا للعبادة فلما أراد أن يبطل ما نسبوا إليه من اتخاذ بنين وبنات، على وجهٍ يستتبع المقصود من اختصاص العبادة به ﷿ قال: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام: ١٠١]، ورتب عليه قوله: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) [الأنعام: ١٠٢]. ومن المقرر أن العبادة لا تكون معتدًا بها، مقبولة، حتى تكون مصحوبة بالإخلاص، غير مشوبة بالرياء، فنبه بقوله: (وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ) [الأنعام: ١٠٢] على أنه بذاته الأقدس مراقب لأحوالهم، حافظ لما يصدر منهم، كقوله تعالى: (ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: ٣٩]، وأن مراقبته على خلاف ما عليه المراقب في الشاهد، لأنه مراقب بحيث لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، لئلا يبطل غرض التكليف، لأن العابد إذا رآه يضطر إلى العبادة. وفي تخصيص ذكر إدراكه الأبصار التلويح إلى المحافظة التامة، لئلا يسترق المرائي النظر إلى الخلق، وفي ذكر (اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) الرمز إلى المراقبة الكاملة لخبيئات الصدور،
[ ٦ / ٢٠٠ ]
لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلًا أو تابعًا، كالأجسام والهيئات.
(وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ): وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك، (وَهُوَ اللَّطِيفُ) يلطف عن أن تدركه الأبصار، (الْخَبِيرُ) بكل لطيفٍ فهو يدرك الأبصار، لا تلطف عن إدراكه وهذا من باب اللطف.
[(قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)].
(قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) هو واردٌ على لسان رسول الله ﷺ، لقوله: (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)،
_________________
(١) وخفيات الهواجس، ليكون المريد واقفًا على مواقف الإخبات والخضوع، آخذًا أهبة الحذر عن الشرك الخفي. وإلى هذه المعاني لمح صلوات الله عليه: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". فظهر من هذا البيان أن قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ): إما استئناف على تقدير سؤال مورده قوله: (وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ)، أو صفة لـ (وَكِيلٌ)، وكالمقابل لمعنى قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ) إلى قوله: (إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) [الأعراف: ٢٧]. قال المصنف: " (إنَّهُ يَرَاكُمْ): تعليل للنهي، وتحذير من فتنته، بأنه بمنزلة العدو المداجي، يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون". قوله: «قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ»: هو وارد على لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم لدلالة قوله: (ومَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ)، لأنه إما حال من فاعل "جاء"؛ وهو (بَصَائُر)، أو من المفعول؛ وهو الضمير المنصوب، ويؤيد الثاني قوله: "أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها".
[ ٦ / ٢٠١ ]
والبصيرة: نور القلب الذي به يستبصر، كما أن البصر نور العين الذي به تبصر. أي: جاءكم من الوحي والبينة على ما يجوز على الله وما لا يجوز ما هو للقلوب كالبصائر، (فَمَنْ أَبْصَرَ) الحق وآمن (فَلِنَفْسِهِ) أبصر وإياها نفع، (وَمَنْ عَمِىَ) عنه فعلى نفسه عمى وإياها ضرَّ بالعمى، (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.
[(وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)].
(وَلِيَقُولُوا) جوابه محذوف تقديره: وليقولوا "درست" نُصرّفها. ومعنى (دَرَسْتَ): قرأت وتعلمت.
_________________
(١) قوله: (والبصيرة: نور القلب الذي به يستبصر، كما أن البصر نور العين الذي به تبصر)، فيه بيان لربط هذه الآية بما قبلها، يعني: كما نفي إدراك البصر عن المكلفين، أثبت لهم البصيرة، ومن عليهم بما منى لهم، وحذرهم أن يغفلوا عنها بقوله: (ومَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا). وقلت: والذي يقتضيه النظم أن "قل" هاهنا مقدرة، بدليل قوله: (ومَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) فكأنه تعالى يقول: قل يا محمد للقوم: قد جاءكم فيما سبق في هذه السورة، من الآيات البينات، والبراهين الساطعات، ما يفتح به آذانًا صمًا، وأعينًا عميًا، وقلوبًا غلفًا، فمن أبصر الحق فلنفسه بصر، وإياها نفع، ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي، وإياها ضر، وأنا لا أحفظ أعمالكم، وإنما أنا منذر، والله هو الحفيظ عليكم. ولما قلنا: إن المراد: جاءكم في السورة من الآيات البينات، قال فذلكة: (وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). قوله: (جوابه محذوف)، أي: معلله.
[ ٦ / ٢٠٢ ]
وقرئ: (دارست)، أي: دارست العلماء، و(درست) بمعنى: قدّمت هذه الآيات وعفت، كما قالوا: أساطير الأولين، و"درست" بضم الراء، مبالغة في "درست"، أي: اشتدّ دروسها. و"درست" - على البناء للمفعول - بمعنى: قرئت أو عفيت، و(دارست) وفسروها بـ: دارست اليهود محمدًا ﷺ، وجاز الإضمار، لأن الشهرة بالدراسة كانت لليهود عندهم، ويجوز أن يكون الفعل للآيات، وهو لأهلها، أي: دارس أهل الآيات
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "دارست"): ابن كثير وأبو عمرو. و"درست": ابن عامر ويعقوب. قوله: (أي: اشتد دروسها)، لأن "فعل"، من أوزان أفعال الطبائع والغرائز، ولا شك في إثباتها وتمكنها. قوله: (بمعنى: قرئت)، أي: قرأها النبي صلي الله عليه وسلم، كما قالوا: تعلمت من يسار وحبر، وكانا عبدين من سبي الروم. قوله: (و"دارست"): أي: وقرئ: "ودارست". قال ابن جني: "رويت عن الحسن: "درست"، وعن ابن مسعود، وأبي: "درس". وأما "درست" ففيه ضمير الآيات، أي: وليقولوا: درستها أنت يا محمد، كقراءة العامة: "دارست". ويجوز أن يكون "درست"، أي: عفت وتنوسيت، كقوله تعالى: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) [الأنعام: ٢٥].
[ ٦ / ٢٠٣ ]
وحملتها محمدًا، وهم أهل الكتاب. و"درس" أي: درس محمد، و"دارسات"، على: هي دارساتٌ، أي: قديمات، أو ذات دروس، كـ (عيشة راضية) [الحاقة: ٢١، القارعة: ٧].
فإن قلت: أي فرقٍ بين اللامين في (لِيَقُولُوا)، "لِنُبَيِّنَهُ"؟ قلت: الفرق بينهما أنّ الأول مجازٌ، والثانية حقيقة؛ وذلك أن الآيات صرفت للتبيين، ولم تصرف ليقولوا: دارست، ولكن لأنه حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين، شبه به فسِيق مساقه. وقيل: ليقولوا كما قيل لنبينه.
_________________
(١) وأما "درس" ففيه ضمير النبي صلي الله عليه وسلم، وشاهد هذا: "دراست"، أي: فإذا جئتهم بهذه القصص والأنباء، قالوا: شيء قرأه، فأتي به، وليس من عند الله تعالى. أي: يفعل هذا التقوى أثرة التكليف عليهم، زيادة في الابتلاء لهم، كالحج والغزو وتكليف المشاق المستحق عليها الثواب. وإن شئت كان معناه: فإذا هم يقولون كذا، كقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨]، أي: فإذا هو عدو لهم". وقال الزجاج: "أهل اللغة تسمي هذه اللام: لام الصيرورة". وقال أبو البقاء: "قصد بالتصريف إلى أن يقولوا: (دَرَسْت) عقوبةً لهم"، أي: ليعاقبهم به. نحوه قوله تعالى: (ومَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا) [المدثر: ٣١]. قوله: (شبه به، فسيق مساقه). تحقيق تشبيهه سيجيء في "القصص" عند قوله تعالى:
[ ٦ / ٢٠٤ ]
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: "لِنُبَيِّنَهُ"؟ قلت: إلى (الآيات)، لأنها في معنى القرآن، كأنه قيل: وكذلك نُصرف القرآن، أو: إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر، لكونه معلومًا، أو: إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل، كقولهم: ضربته زيدًا.
ويجوز أن يراد فيمن قرأ: "درست" و"دارست": درست الكتاب ودارسته، فيرجع إلى "الكتاب" المقدّر.
_________________
(١) (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨]. المعنى: ولكن شبه به، فسيق مساقه، لأنه حصل هذا القول. قوله: (ضربته زيدًا). الضمير لمصدر "ضرب"، كقوله: هذا سراقة للقرآن يدرسه ومنه قوله تعالى: (ولِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) [البقرة: ١٦٣] إذا كان الضمير للتولية.
[ ٦ / ٢٠٥ ]
[(اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)].
(لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) اعتراضٌ أكد به إيجاب اتباع الوحي لا محلّ له من الإعراب. ويجوز أن يكون حالًا من (ربك)، وهي حالٌ مؤكدةٌ كقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) [البقرة: ٩١].
_________________
(١) قوله: «لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ): اعتراض أكد به إيجاب إتباع الوحي)، وذلك أن قوله: (لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ) كلمة التوحيد، اعتراض بين قوله: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ) وبين قوله: (وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ)، توكيدًا لما في كلمة التوحيد [من] التمسك بحبل الله، والاعتصام به، والتبري والإعراض عما سواه. ولأن الموحي ليس إلا التوحيد. قال الله تعالى: (إنَّمَا يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ واحِدٌ) [الأنبياء: ١٠٨]. وفيه تسلية لرسول الله صلي الله عليه وسلم والحث على احتمال الأذى من الكفار، والصفح عن مساوئهم، وذلك أنه تعالى ختم الآيات بقوله: (وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ولِيَقُولُوا) [الأنعام: ١٠٥]. وفيه معنى التعكيس، وهو أن تكرير الآيات البينات ليس إلا ليهتدوا ويتبعوك، فقد جعلوها وسيلةً إلى الطعن فيك، والقول بأنك درست وتعلمت من اليهود، فاصفح عنهم، واتبع ما جاءك من توحيد ربك. قوله: (وهي حال مؤكدة)، قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر، إذ شرط المؤكدة تقدم جملةٍ اسمية". قلت: هذا شرط لحذف العامل، كما مرَّ مرارًا.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
[(وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(وَلا تَسُبُّوا) الآلهة (الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ)، وذلك أنهم قالوا عند نزول قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [الأنبياء: ٩٨]: لتنتهينّ عن سب آلهتنا أو لنهجونّ إلهك. وقيل: كان المسلمون يسبون آلهتهم، فنهوا لئلا يكون سبهم سببًا لسب الله تعالى.
فإن قلت: سب الآلهة حق وطاعة، فكيف صحّ النهي عنه، وإنما يصح النهى عن المعاصي؟ قلت: ربّ طاعةٍ علم أنها تكون مفسدة فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب النهى عنها لأنها معصية، لا لأنها طاعة، كالنهي عن المنكر، هو من أجلّ الطاعات، فإذا علم أنه يؤدّي إلى زيادة الشر انقلب معصية، ووجب النهي عن ذلك النهي، كما يجب النهي عن المنكر.
فإن قلت: فقد روي عن الحسن وابن سيرين: أنهما حضرا جنازة، فرأى: محمد نساءً، فرجع،
_________________
(١) قال أبو البقاء: " (لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ) يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا مؤكدة من (ربك)، أي: منفردًا بالإلهية". قوله: (أنهم قالوا عند نزول: (إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ»، فإن قلت: لا يستقيم هذا مع النهي في (ولا تسبوا). قلت: إذا قصد بالتلاوة وغيظهم، يستقيم النهي عنها.
[ ٦ / ٢٠٧ ]
فقال الحسن: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا. قلت: ليس هذا مما نحن بصدده، لأنّ حضور الرجال الجنازة طاعة، وليس بسببٍ لحضور النساء، فإنهن يحضرنها، حضر الرجال أو لم يحضروا، بخلاف سب الآلهة. وإنما خُيل إلى محمدٍ ﵀ أنه مثله حتى نبه عليه الحسن.
(عَدْوًا): ظلمًا وعدوانًا. وقرئ: "عدوًّا" بضم العين وتشديد الواو بمعناه. ويقال: عدا فلانٌ عدوًا وعدوًا وعدوانًا وعداءً. وعن ابن كثير: "عدوًّا"، بفتح العين بمعنى: أعداء، (بِغَيْرِ عِلْمٍ): على جهالةٍ بالله وبما يجب أن يذكر به، (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ) مثل ذلك التزيين زينا لكل أمّةٍ من أمم الكفار سوء عملهم،
_________________
(١) قوله: (لأسرع ذلك في ديننا): أي لأسرع فساد ذلك في ديننا، أو: لأسرع ذلك في فساد ديننا. ضمن "أسرع" معنى التأثير: أي أثر الترك في ديننا سريعًا. قلت: إن صحت الرواية، فالحق مع ابن سيرين، لما روينا في "مسند أحمد بن حنبل"، و"سنن ابن ماجه"، عن ابن عمر قال: "نهي رسول الله صلي الله عليه وسلم أن تتبع جنازة معها رانة". وعن ابن ماجه، عن عمران بن حصين وأبي برزة، قالا: خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في جنازة، فرأي قومًا قد طرحوا أرديتهم، يمشون في قمص، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "أبفعل الجاهلية تأخذون - أو: بصنيع الجاهلية تشبهون-؟ لقد هممت أن أدعو عليكم دعوةً ترجعون في غير صوركم" قال: فأخذوا أرديتهم، ولم يعودوا لذلك. قوله: (مثل ذلك التزيين) المشار إليه قوله: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وهو أمر
[ ٦ / ٢٠٨ ]
أي: خليناهم وشأنهم، ولم نكفهم، حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو: أمهلنا الشيطان حتى زين لهم، أو: زيناه في زعمهم. وقولهم: إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا، (فَيُنَبِّئُهُمْ): فيوبخهم عليه ويعاتبهم ويعاقبهم.
[(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ)].
(لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ) من مقترحاتهم، (لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ) وهو قادرٌ عليها، ولكنه لا ينزلها إلا على موجب الحكمة، أو: إنما الآيات عند الله لا عندي، فكيف أُجيبكم إليها وآتيكم بها، (وَما يُشْعِرُكُمْ): وما يدريكم (أَنَّها): أن الآية التي تقترحونها (إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) بها،
_________________
(١) عظيم، فاستبعده، حيث أشار إليه بقوله: "ذلك"، ولا يحمل على مثل ذلك الأمر العظيم إلا التزيين. قوله: (أو زيناه في زعمهم): إشارة إلى أنه هو من باب المشاكلة، كقوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا) [البقرة: ٢٦]. قوله: (وما يدريكم أن الآية التي تقترحونها (إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ». قال أبو البقاء: " (وما يشعركم): (ما): استفهام في موضع رفعٍ بالابتداء، و(يشعركم): الخبر، وهو يتعدى إلى مفعولين".
[ ٦ / ٢٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال صاحب "الانتصاف": "إذا قيل لك: أكرم زيدًا يكافئك، قلت في إنكاره: وما يدريك أنني إذا أكرمته يكافئني؟ فإن قال: لا تكرم زيدًا فإنه لا يكافئك، قلت في إنكاره: وما يدريك أنه لا يكافئني؟ تريد: وأنا أعلم منه المكافأة. فكان مقتضي حسن ظن المؤمنين بهؤلاء المعاندين أن يقال لهم: وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون؟ وإثبات (لا) يعكس المعنى إلى أن المعلوم لك الثبوت، وأنت تنكر على من نفي، فلهذا حملها بعض العلماء على زيادة "لا"، وبعضهم على معنى "لعل"، والزمخشري أبقاها على وجهها بطريق نوضحه بمثالنا المذكور. فإذا قيل لك: أكرم زيدًا يكافئك، فلك حالتان: حالة تنكر عليه ادعاءه العلم بما يعلم خلافه، وحالة تعذره في عدم العلم أنه لا يكافئ، فإنكار الأول بحذف "لا"، وإنكار الثاني يجوز معه ثبوت "لا"، بمعنى: ومن أين تعلم أنت ما علمته أنا من أنه لا يكافئ؟ فالآية أقيم فيها عذر المؤمنين في عدم علمهم بالغيب الذي علمه الله، وهو عدم إيمان هؤلاء فاستقام دخول (لا) ". وقلت: الظاهر من تفسير المصنف بقوله: و"ما يدريكم (أنها): أن الآية التي تقترحونها (إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) بها"، وقوله: "يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، وأنتم لا تدرون" أن الاستفهام فيه للإنكار، وفيه معنى النفي، وإن منع صاحب "الكشف"
[ ٦ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ذلك بقوله: (ولا يجوز أن يكون "ما" نفيًا، على تقدير: وما يشعركم الله إيمانهم، لأن الله تعالى قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون، بقوله: (ولَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتَى) إلى قوله: (مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) [الأنعام: ١١١] "، لأن تقريره - وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها - بيان لمقتضي المقام، يعني: نزل المؤمنون، لحرصهم على إيمان القوم، منزلة من يدعي أن الآيات من عند رسول الله صلي الله عليه وسلم البتة، ومنزلة من لا يدري أن علم الله سبق بأنهم لا يؤمنون إذا جاءت الآيات. وذلك أن قريشًا لما سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية، وحلفوا: (ليؤمنن بها)، سأل المسلمون أيضًا ذلك إظهارًا للحرص على إيمانهم، فقيل له صلوات الله عليه أن يقول لهم: أولًا: (إنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ) لا عندي، وثانيًا: (ومَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) بمعنى: كأنكم لا تدرون سبق علمي بأنهم لا يؤمنون إذا جاءت الآيات، بسبب طمعكم هذا. وهو المراد من قوله: "وما يدريكم أنهم لا يؤمنون؟ على معنى: أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون". ولخصه القاضي حيث قال: "وما يدريكم، استفهام إنكار، أي: لا تدرون أنهم لا يؤمنون؛ أنكر السبب مبالغةً في نفي المسبب". يعني: أنكر الدراية بهذا العلم، وأريد إنكار إظهار الحرص على إيمانهم، أي: أنتم لا تدرون هذه المسألة، فلذلك تطمعون في إيمانهم. ومنه قوله تعالى: (وإن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ) الآية [الأنعام: ٣٥]، قال: "كانوا يقترحون الآيات، فكان يود أن يجابوا إليها، لتمادي حرصه
[ ٦ / ٢١١ ]
يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون بذلك. وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها، فقال ﷿: وما يدريكم أنهم لا يؤمنون، على معنى أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون به، ألا ترى إلى قوله: (كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: ١١٠]. وقيل: (أنها) بمعنى: «لعلها»، من قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لحمًا. وقال امرؤ القيس:
_________________
(١) على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت كذا فافعل، دلالةً على أنه بلغ في حرصه أنه لو استطاع ذلك لفعله". وقال الإمام نور الدين الحكيم الأبرقوهي ﵀: "معنى الآية: وما يشعركم أيها المؤمنون المتمنون مجيء الآيات التي اقترحوها أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ أي: أنكم لا تدرون ذلك وأنا أدري". فالاستفهام بمعنى النفي. وعلى هذا قال بعضهم: إن قوله فيما بعد: (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: ١١٠] متصل بهذا، تدرون أنهم (إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ)، (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ). والآية شديدة الشبه بقول السيد الذي حبس عبده - مثلًا - للذي يشفع إليه من أصحابه في إطلاقه: إنه إذا أطلق لا يمتثل، أي: أنا رزته، وذقت طباعه، وأعلم إصراره، وأنت لا تعلم. قوله: (ألا ترى إلى قوله: (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ) أي: هذه الآية التالية مؤذنة بأن (لا) غير مزيدة.
[ ٦ / ٢١٢ ]
عوجوا على الطّلل المحيل لأنّنا … نبكي الديار كما بكى ابن خذام
وتقويها قراءة أُبيّ: "لعلها إذا جاءت لا يؤمنون"، وقرئ: (إنها) بالكسر على أن الكلام قد تمّ قبله، بمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) البتة.
ومنهم من جعل (لا) مزيدةً في قراءة الفتح وقرئ: "وما يشعرهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون" أي: يحلفون بأنهم يؤمنون عند مجيئها، وما يشعرهم أن تكون قلوبهم حينئذٍ كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات مطبوعا عليها فلا يؤمنوا بها.
[(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ)].
_________________
(١) قوله: (عوجوا على الطلل) البيت، عاج من راحلته: مال وعطف، والعوج: عطف رأس البعير بالزمام، والطلل المحيل: المنزل الذي أتي عليه الحول، أو حال وتغير من صفته بصوب الأمطار، وهبوب الرياح، وابن خذام، بكسر الخاء المعجمة: قيل: إنه أول من بكي من الشعراء على الديار. قال الزجاج: "فزعم سيبويه عن الخليل أن معناها: "لعلها"، وهي قراءة أهل المدينة". قوله: (وقرئ "إنها" بالكسر": ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر بخلافٍ عنه، والباقون: بفتحها. قوله: (ومنهم من جعل (لا) مزيدةً في قراءة الفتح). قال الزجاج: "المعنى: وما يشعركم
[ ٦ / ٢١٣ ]
(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُم … وَنَذَرُهُمْ) عطفٌ على (يؤمنون)، داخلٌ في حكم (وما يشعركم)، بمعنى: وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يشعركم اما نقلب أفئدتهم وأبصارهم، أي: نطبع على قلوبهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق، كما كانوا عند نزول آياتنا.
أو لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعًا على قلوبهم، وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي: نخليهم وشأنهم لا نكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه.
وقرئ: "ويقلب"، "ويذرهم" بالياء، أي: الله ﷿. وقرأ الأعمش: "وتقلب أفئدتهم وأبصارهم" على البناء للمفعول.
[(وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)].
(وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ)؛ كما قالوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) [الفرقان: ٢١]، (وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى)؛ كما قالوا: (فَاتُوا بِآبائِنا) [الدخان: ٣٦]، (وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا)؛ كما قالوا: (أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا) [الإسراء: ٩٢].
_________________
(١) أنها إذا جاءت يؤمنون، كقوله تعالى: (وحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: ٩٥] ". قوله: «أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ والْمَلائِكَةِ قَبِيلًا» يعني: معنى: (وحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا): هذا المقترح، وقد مر أن (كل شيء) من إطلاق الكل على معظم الشيء.
[ ٦ / ٢١٤ ]
(قبلا): كفلاء بصحة ما بشرنا به وأنذرنا، أو جماعاتٍ. وقيل: (قُبُلًا): مقابلة. وقرئ: (قُبُلًا) أي: عيانًا. (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) مشيئة إكراهٍ واضطرار.
(وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات
_________________
(١) قوله: «قبلًا): كفلاء): شروع في تفسير (قبلًا). قال القاضي: " (قبلًا): جمع قبيل، بمعنى: كفيل، أي: كفلاء بما بشروا به وأنذروا، أو: جمع "قبيل" الذي هو: جمع قبيلة، بمعنى: جماعات، أو: مصدر، بمعنى: مقابلة. وهو على الوجوه: حال من (كل)، وإنما جاز ذلك لعمومه". قال الجوهري: "رأيته قبلًا - بضم القاف وكسرها وفتحها-، أي: مقابلةً وعيانًا، وقوله تعالى: (وحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا): قال الأخفش: أي: قبيلًا، وقال الحسن: أي: عيانًا". قوله: (وقرئ: "قبلًا") أي: بكسر القاف وفتح الباء: نافع وابن عامر، والباقون: بضمهما. قوله: (مشيئة إكراه واضطرار): مذهبه. قال القاضي: " (إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ): استثناء من أعم الأحوال، أي: لا يؤمنون في حالٍ إلا حال مشيئة الله إيمانهم. وقيل: منقطع، وهو حجة واضحة على المعتزلة".
[ ٦ / ٢١٥ ]
أو: ولكنّ أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرّهم فيطمعون في إيمانهم إذا جاءت الآية المقترحة.
[(وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ)].
(وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا): وكما خلينا بينك وبين أعدائك، كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم،
_________________
(١) قوله: (أو: ولكن أكثر المسلمين يجهلون). فإن قلت: لم نسب الجهل إلى المسلمين في هذا الوجه، وإلى المشركين في الوجه السابق؟ قلت: أما تخصيص المسلمين بالذكر فهو مفرع على القراءة المشهورة في الآية السابقة في قوله: (ومَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ)، وفسره بقوله: "إن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية، ويتمنون مجيئها"، فالمعنى كما قال: "أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون، إلا أن يضطرهم، فيطعمون في إيمانهم". وتخصيص المشركين بالذكر مبني على القراءة الشاذة، وهي: "وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون"، وفسره بقوله: "وما يشعرهم أن تكون قلوبهم حينئذ كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات، مطبوعًا عليها". فالمعنى كما قال: "وأكثرهم يجهلون، فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات". والحاصل: أن هذا الكلام تذييل للكلام السابق بحسب اعتبار القراءتين. قوله: (وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذل فعلنا بمن قبلك). قال القاضي: "وهو دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء بفعل الله وخلقه".
[ ٦ / ٢١٦ ]
لم نمنعهم من العداوة، لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر، وكثرة الثواب والأجر.
وانتصب (شَياطِينَ) على البدل من (عدوّا)، أو على أنهما مفعولان كقوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠].
(يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ): يوسوس شياطين الجنّ إلى شياطين: الإنس، وكذلك بعض الجنّ إلى بعض وبعض الإنس إلى بعض. وعن مالك ابن دينار: إنّ شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجنّ، لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجنّ عني، وشيطان الإنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عيانًا، (زُخْرُفَ الْقَوْلِ): ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي ويموّهه، (غُرُورًا): خدعًا وأخذًا على غرّة، (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ): ما فعلوا ذلك، أي: ما عادوك، أو ما أوحى بعضهم إلى بعضٍ زخرف الفول، بأن يكفهم ولا يخليهم وشأنهم.
[(وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ)].
_________________
(١) وقلت: الظاهر: أن المشار إليه بقوله: (كذلك) ما سبق من الأقوال التي لا تصدر إلا عن أعداء الأنبياء، تسليةً لرسول الله صلي الله عليه وسلم مثل قولهم: (درست) [الأنعام: ١٠٥]، ومثل السب الذي يفهم من قوله: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا) [الأنعام: ١٠٩]. يدل على أن الكلام في هذا قوله: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا)، ثم بين أن ذلك بتمكين الله إياهم، بقوله: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ). قوله: (على غرة) أي: "غفلة. والغار: الغافل، واغتره: إذا أتاه على غفلة". قاله الجوهري.
[ ٦ / ٢١٧ ]
(وَلِتَصْغى) جوابه محذوف، تقديره: وليكون ذلك (جعلنا لكل نبيّ عدوًّا)، على أن اللام لام الصيرورة وتحقيقها ما ذكر.
والضمير في (إِلَيْهِ) يرجع إلى ما رجع إليه الضمير في (فعلوه)، أي: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين، (أَفْئِدَةُ) الكفار، (وَلِيَرْضَوْهُ) لأنفسهم، (وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ) من الآثام.
[(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)].
(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) على إرادة القول، أي: قل يا محمد: أفغير الله أطلب حاكمًا يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل، (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ) المعجز،
_________________
(١) قوله: (جوابه محذوف)، أي: معلله، وهو ما قدره من قوله: (جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا) لدلالة المذكور عليه. ولأن الصغو إلى ما ذكره من عداوة الأنبياء لم يصح عنده أن يكون مطلوبًا لله بجعل كل نبي عدوًا، قال: "إن اللام للصيرورة". والمعنى عند أهل السنة: وليكون إصغاء الأتباع، وميل قلوبهم إلى المتبوعين من شياطين الإنس والجن، وإلى ما عادوا به الأنبياء من زخرف القول والغرور؛ (جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ)، تلخيصه: إنما جعلنا لكل نبي عدوًا ذا قول مزخرف، ليميل إليه قلوب الذين قدرنا في الأزل أنهم لا يؤمنون، هذا يؤيد قول القاضي: "فيه دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء بفعل الله". قوله: (وليكون ذلك) المشار إليه: الصغو المذكور. قوله: (وتحقيقها ما ذكر) أي: عند قوله: (ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ) [الأنعام: ١٠٨].
[ ٦ / ٢١٨ ]
(مُفَصَّلًا): مبينًا فيه الفصل بين الحق والباطل، والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء، ثم عضد الدلالة على أنّ القرآن حقٌّ بعلم أهل الكتاب
_________________
(١) قوله: (ثم عضد الدلالة على أن القرآن حق). يعني: احتج بقوله: (وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلًا) أن القرآن حق، ثم أيده بشهادة أهل الكتاب، فيكون "ثم عضد" عطفًا على قوله في الكتاب: (وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ) من حيث المعنى. وفيه أن قوله: (والَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ) عطف على قوله: (وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ) حال مثله. هذا يدل على إنكار عظيم من القوم، ولذلك صدرت الآية بهمزة الإنكار، مع إضمار فعل المنكر، وتقديم المفعول. وقريب منه قوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القُرْآنُ) [الأنعام: ١٩]، وهذا أبلغ، وذلك أنهم طعنوا في نبوته، وما عدوا القرآن معجزةً عنادًا، واتهموه تارة بقوله: (درست) وتعلمت من اليهود، وأنكروا نبوته، وأخرى بقوله: (وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا) [الأنعام: ١٠٩]، يعني: أنك لست بنبي وأن ما جئت به ليس بآية، فأت بآيةٍ حتى نؤمن بها. فبين الله تعالى عنادهم، وأنهم مختوم على قلوبهم، وعلى أبصارهم غشاوة. وأمثاله في آيات تسليته لحبيبه صلوات الله عليه.
[ ٦ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ثم أمره أن يوبخهم، وينكر عليهم بقوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ)؟: أي أأزل عن الطريق السوي بأباطيلكم هذه، فأخص غير الله بالحكم؟ وهو الذي أنزل هذا الكتاب المعجز، الذي أفحمكم، وأبكم فصحاءكم! وكفى به حاكمًا بيني وبينكم بإنزال هذا الكتاب المفصل بالآيات البينات؛ من التوحيد، والعدل، والنبوة، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والقصص والإخبار عن الغيوب، وبما تضمن من الألفاظ الفائقة الرائقة، كالعقد المفصل الذي أعجزكم عن آخركم. هذا كله معنى قوله: (مفصلًا)، كأنه تعالى أجابهم على الأسلوب الحكيم، والقول بالموجب، لأنهم طعنوا في معجزته، أي: القرآن، فبكتهم به على أحسن وجه، وضم مع ذلك علم أهل الكتاب بأنه حق، لتصديقه ما عندهم، وموافقته له، ثم أردف كل ذلك، على سبيل التتميم قوله: (وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ). قال صاحب "المرشد": "ولا يوقف عند قوله (أبتغي حكمًا)، لأن ما بعده متعلق به، أي: أغير الله أبتغي حكمًا، وهو الإله، ومنزل الكتاب الذي فيه الأحكام، ولا حكم لغيره؟ ".
[ ٦ / ٢٢٠ ]
أنه حق لتصديقه ما عندهم وموافقته له، (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) من باب التهييج والإلهاب، كقوله تعالى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٤].
أو (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) في أنّ أهل الكتاب يعلمون أنه منزلٌ بالحق، ولا يربك جحود أكثرهم وكفرهم به.
ويجوز أن يكون (فَلا تَكُونَنَّ) خطابًا لكل أحد، على معنى: أنه إذا تعاضدت الأدلة على صحته وصدقه، فما ينبغي أن يمتري فيه أحد. وقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ خطابٌ لأمته.
_________________
(١) قوله: (لتصديقه): تعليل لـ"العلم"، وهو "بعلم" متعلق بـ"عضد". قوله: (والإلهاب). ويقال: ألهبه على كذا، أي: حرضه عليه. الأساس: "ومن المجاز: ألهبته على الأمر: أردت بذلك تهييجه". قوله: (وقيل: الخطاب لرسول الله صلي الله عليه وسلم خطاب لأمته) يريد: أن قوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) من باب تلوين الخطاب، فيجوز أن يراد به رسول الله صلي الله عليه وسلم خاصةً؛ مزيدًا للثبات على اليقين، والتجنب عن الامتراء، تهييجًا وإلهابًا، ولأمته عامة؛ بالطريق الأولى، وأن يراد به جميع الناس ابتداءً، وذلك أنه لما أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يقول: أفغير الله أبتغي حاكمًا، وهو الذي أنزل القول الفصل، الفارق بين الحق والباطل، المشهود له بالصدق، التفت إلى من يصح أن يخاطب بقوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ)، وهذا لا يصار إليه، إلا أن ما يجري لأجله الخطاب معنى به جدًا، فلا يختص بواحد دون آخر: وإليه الإشارة بقوله: "إذا تعاضدت
[ ٦ / ٢٢١ ]
[(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].
(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي: تم كل ما أخبر به، وأمر ونهى، ووعد وأوعد، (صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ)
_________________
(١) الأدلة على صحته، فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد"، وأن يراد جميع الناس، لكن على سبيل التبعية، تعظيمًا للمخاطب، لأن الرسول صلي الله عليه وسلم رئيس أمته، وعليه تدور رحى الأمة، كقوله تعالى: (ْيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١]. والله أعلم. قوله: (أي: تم كل ما أخبر به وأمر ونهي، ووعد وأوعد)، خصها بالذكر بدلالة السابق، وهو قوله: (وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلًا) [الأنعام: ١١٤]: أي: فصله بمثل تلك الأنواع. واللاحق، وهو قوله: (صدقًا وعدلًا)، على النشر للف التقديري، كما قدره المصنف؛ فإن الصدق مناسب للخبر والوعد والوعيد، وإن العدل موافق للأمر والنهي، لأنه تعالى يأمر وينهي بمقتضي حكمته، ويضع كلا في موضعه، ويتصرف في ملكه بالأمر والنهي على ما أراد. وفسرت "الكلمة" بـ"كن"، والمقام ينبو عنه كما ترى، ومعنى تمام الإخبار والوعد والوعيد أن يكون صدقًا، وفي الأمر والنهي يكون عدلًا، لأن تمام الشيء انتهاؤه وكماله؛ لا
[ ٦ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يحتاج إلى خارج عنه، والناقص بخلافه. ومنه ما ورد في الحديث: "أعوذ بكلمات الله التامات". أخرجه مسلم. ويجوز أن يجري الصدق والعدل على كل واحد من تلك الأنواع، لأن الصدق قد يعبر به مجازًا عن كل فعل فاضل، قال تعالى: (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) [يونس: ٢]، و(مدخل صدق)، و(مخرج صدق) [الإسراء: ٨٠]. وجميع ما أمر الله تعالى به فواضل، وما نهي عن أضدادها إلا لتحققها. ويستعمل الصدق في التحقيق، قال تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) [الفتح: ٢٧]: أي: حقق رؤيته، وقال تعالى: (والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ) [الزمر: ٣٣]، أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا. وأوامر الله تعالى ونواهيه محققه لما رتب عليها من الجزاء. وإن العدل هو الاستواء والتقسيط على السواء، من غير زيادة ونقصان. فالكلمة الصادقة عادلة مستقيمة. و(صدقًا وعدلًا): مصدران منصوبان على الحال، إما من (ربك) أو من الـ"كلمة" على الإسناد المجازي. ويجوز أن يكون تمييزًا أو مفعولًا به.
[ ٦ / ٢٢٣ ]
لا أحد يبدّل شيئًا من ذلك مما هو أصدق وأعدل. و(صدقًا وعدلًا): نصبٌ على الحال. وقرئ: (كلمةُ ربك)، أي: ما تكلم به. وقيل: هي القرآن.
[(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)].
(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ) أي: من الناس أضلوك، لأنّ الأكثر في غالب الأمر يتبعون هواهم، ثم قال: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)، وهو ظنهم أنّ آباءهم كانوا على الحق فهم يقلدونهم، (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ): يُقدّرون أنهم على شيء. أو يكذبون في أنّ الله حرّم كذا وأحلّ كذا.
_________________
(١) قوله: (لا أحد يبدل شيئًا من ذلك)، قال القاضي: "لا أحد يقدر أن يحرفها تحريفًا شائعًا ذائعًا، كما فعل بالتوراة، على أن المراد بها القرآن، فيكون ضمانًا من الله تعالى بالحفظ، كقوله: (وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩] ". قوله: (وقرئ: (كلمت ربك»: عاصم وحمزة والكسائي. وفي قوله: "أي: ما تكلم به" إشارة إلى أن هذه القراءة أشمل من القراءة الـ"كلمات"، حيث قال: "كل ما أخبر به ونهي، ووعد وأوعد"، لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، كما سبق في آخر "البقرة" أن "كتابه" أكثر من "كتبه" عن ابن عباس.
[ ٦ / ٢٢٤ ]
[(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ* فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ* وَما لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)].
وقرئ: "مَنْ يَضِلُّ" بضم الياء، أي: يضله الله.
(فَكُلُوا) مسببٌ عن إنكار اتباع المضلين، الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "من يضل" بضم الياء، أي: يضله الله). قال القاضي: " (من) منصوبة بالفعل المقدر، أو مجرورة بإضافة (أعلم) إليه، أي: أعلم المضلين، من قوله تعالى: (ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ) [العراف: ١٨٦]، أو من: أضللته: إذا وجدته ضالا. وعلى المشهورة: (من) موصولة، أو موصوفة في محل النصب بفعل دل عليه (أعلم) لا به، فإن "أفعل" لا ينصب الظاهر في مثل ذلك". والتفصيل في العلم لكثرته وإحاطته، وبالوجوه التي يمكن تعلق العلم بها، ولزومه، وكونه بالذات، لا بالغير. وقال الزجاج: "موضع (من): رفع بالابتداء، أي: إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن سبيله، نحو قوله: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى) [الكهف: ١٢] ". قوله: «فكلوا): مسبب عن إنكار إتباع المضلين) بيان لترتيب النظم، وذلك أنه تعالى
[ ٦ / ٢٢٥ ]
وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان (فكلوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) خاصةً دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم، أو مات حتف أنفه، وما ذكر اسم الله عليه هو المذكى بـ: بسم الله.
_________________
(١) لما قال: (وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا) [الأنعام: ١١٥]، وأتبع ذلك قوله: (وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [الأنعام: ١١٦]، ليؤذن بمعنى قوله: (فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ) [يونس: ٣٢]، أتي بنوع دعوة المشركين المسلمين إلى أهوائهم وأباطيلهم، وهو أنهم كانوا يقولون للمسلمين: فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان فلا تتبعوا أهواءهم، وكلوا مما ذكر اسم الله عليه، فالفاء في (فكلوا) إذًا: نتيجة. قوله: (إن كنتم متحققين بالإيمان): أي: إن صرتم عالمين بحقائق الأمور بسبب إيمانكم بالله، وهذا من جملة ذلك، فالزموه. ويجوز أن يكون "تفعل" بمعنى "فعل" للمبالغة، أي: إن كنتم ثابتين في الإيمان، وأن يكون بمعنى "استفعل"، أي: إن كنتم طالبين الحق بسبب الإيمان. قوله: (خاصةً دون ما ذكر عليه اسم غيره) هذا الحصر يفيده توكيد الكلام بالشرط، أي: إن خصصتم الإيمان بآيات الله، فكلوا ما أحلته الآيات، دون ما أحلوه من الميتة، أو ما ذبحوه على النصب. أو أن الفاء في قوله: (فكلوا) لما دل على التسبيب وإنكار إتباع المضلين
[ ٦ / ٢٢٦ ]
(وَما لَكُمْ أَلَّا تَاكُلُوا) وأي: غرضٍ لكم في أن لا تأكلوا، (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ) وقد بين لكم ما حُرِّمَ عليكم مما لم يحرّم، وهو قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣] وقرئ: (فَصَّلَ لَكُم مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) على تسمية الفاعل، وهو الله ﷿، (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) مما حُرِّم عليكم، فإنه حلالٌ لكم في حال الضرورة، (وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ) قرئ بفتح الياء وضمها، أي: يضلون فيحرّمون ويحللون (بِأَهْوائِهِمْ) وشهواتهم من غير تعلقٍ بشريعة.
[(وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ)].
(ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ): ما أعلنتم منه وما أسررتم. وقيل: ما عملتم وما نويتم. وقيل: ظاهره الزنى في الحوانيت، وباطنه الصديقة في السرّ.
_________________
(١) وقولهم: كلوا ما قتله الله كما تأكلون ما قتلتم أنتم، فقيل لهم: كلوا ما قتلتم أنتم باسم الله خاصة، ولا تأكلوا ما أمروكم به. قوله: (وقرئ: (فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) على تسمية الفاعل): نافع وحفص. قوله: (قرئ بفتح الياء وضمها). بالضم: عاصم وحمزة والكسائي. قوله: (وقيل: ظاهره: الزنى في الحوانيت، وباطنه: الصديقة في السر). فعلى هذا قوله: (وذروا) معطوف على قوله: (فكلوا) وداخل في حكم التسبيب عن إنكار إتباع المضلين في تحليل ما حرمه الله، وتحريم ما أحله: من أكل الميتة، ومن الزنا. لكن الذي يقتضيه النظم أن تكون معترضةً بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو قوله:
[ ٦ / ٢٢٧ ]
[(وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)].
(وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) الضمير راجعٌ إلى مصدر الفعل الذي دخل عليه حرف النهي، يعني: وإنّ الأكل منه لفسقٌ، أو إلى الموصول على: وإنّ أكله لفسقٌ، أو جعل ما لم يذكر اسم الله عليه في نفسه فسقًا.
فإن قلت: قد ذهب جماعةٌ من المجتهدين إلى جواز أكل ما لم يذكر اسم الله عليه بنسيانٍ أو عمد؟ قلت: قد تأوله هؤلاء بالميتة وبما ذكر غير اسم الله عليه، كقوله: (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ به) [الأنعام: ١٤٥].
_________________
(١) (ولا تأكلوا) (فكلوا)، معناه: ما قال أولًا: " (ظاهر الإثم وباطنه) وما أسررتم، وقيل: ما عملتم وما نويتم"، توكيدًا للإنكار في قوله: (ومَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩]. قوله: (قد تأوله هؤلاء بالميتة) قال الإمام: "نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر عليه اسم الله من طعام أو شراب فهو حرام، تمسكًا بعموم الآية، والفقهاء خصوا العام بالذبح"، ويعضد قول الفقهاء ترتيب نظم الآيات. وروى الإمام أن مذهب مالك: كل ما ذبح وترك اسم الله عليه؛ عمدًا كان أو خطأ، فهو حرام، وهو قول ابن سيرين. وقال أبو حنفية: إن ترك عمدًا فهو حرام، وإلا فهو حلال.
[ ٦ / ٢٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال الشافعي ﵀: "حلال؛ سواء ترك عمدًا أو نسيانًا، إذا كان الذابح أهلًا له. وقال: هذا النهي مخصوص بما ذبح على النصب، أو مات حتف أنفه". وقال صاحب "الانتصاف" - وكان مالكيًا-: "مذهب مالك كمذهب أبي حنيفة: أنه لا يعذر العامد فيها، وأما السهو فقول شاذ بجواز أكل مذكي غير المتهاون في التسمية، والآية تساعد على ذلك مساعدةً بينة، فإن ذكره الفسق عقيبه؛ إن كان عن فعل المكلف - وهو إهمال التسمية - فلا يدخل الناسي لأنه غير مكلف، فلا يكون فعله فسقًا، وإن كان عن نفس الذبيحة التي لم يسم عليها، وليست مصدرًا، فهو منقول من المصدر، فالذبيحة المتروك التسمية عليها نسيانًا لا يصح تسميتها فسقًا، إذ الفعل الذي نقل منه هذا الاسم ليس بفسق. فإما أن يقول: لا دليل في الآية على تحريم المنسي، فبقي على أصل الإباحة، أو يقول: فيها دليل من حيث مفهوم تخصيص النهي بما هو فسق، فما ليس بفسق ليس بحرام. هذا إذا لم تكن الميتة مرادة، فإن ثبت أنها مرادة تعين صرف الفسق إلى الأكل أو المأكول، وكان الضمير في (إنه) عائدًا إلى المصدر المنهي عنه، أو إلى الموصول، وحينئذ يندرج المنسي في النهي، ولا تبقي - على هذا - الميتة مندرجةً إلا اندراج المنسي، إذ يكون الفسق إما للأكل أو للمأكول نقلًا من الأكل، ولا ينصرف إلى غير ذلك، لأن الميتة لم يفعل المكلف فيها فعلًا يسمى فسقًا سوى الأكل، والمنسي تسميتها لا يكون ذبحها فسقًا لأجل النسيان، فتعين صرفه إلى الأكل، فلأجله قوي عند الزمخشري تعميم التحريم في الناسي، لأنه يرى أن الميتة مرادة من الآية، إذ هي سبب نزول الآية.
[ ٦ / ٢٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والظاهر: أن العام باقٍ على ظهوره فيما عداها، إذا ثبت اندراج الميتة لزم اندراج المنسي، وحينئذ يضطر مبيح المنسي إلى مخصص، فيتمسك بقوله صلي الله عليه وسلم: "ذكر الله في قلب كل مؤمن؛ سمى أو لم يسم"، وكان الناسي ذاكرًا حكمًا، وإن لم يكن ذاكرًا وجودًا. وهذا ليس بتخصيص، ولكن منع لاندراج الناس في العموم، ويؤيده أن العام الوارد على سبب خاص - وإن قوي - تناوله السبب، حتى ينتهض الظاهر فيه نصًا، إلا أنه ضعيف التناول لما عداه، حتى ينحط عن أعالي الظواهر فيه، ويكتفي في معارضته بما لا يكتفي به منه لولا السبب". وقلت: هذا الكلام فيه تطويل وتعسف، إذ لم يلتفت فيه إلى النظم، وتكلم في حواشي المعاني، ولم يتعمق فيها، واستدلال الإمام في غاية من الجودة، قال: "والذي يدل على أن الآية واردة في أمر خاص قوله: (وإنه لفسق)، لأن الواو للحال، لقبح عطف الخبرية على الطلبية. والمعنى: لا تأكلوه حال كونه فسقًا. ثم إن الفسق مجمل، وقد فصل بما جاء بعده؛ وهو قوله: (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [الأنعام: ١٤٥] فيبقي ما عداه حلالًا؛ إما لمفهوم تخصيص التحريم في هذه الآية، أو للعمومات المحللة". وقلت: يؤيد هذا التأويل مضمون قوله: (وإنه لفسقٌ)، لأنه جملة اسمية مؤكدة
[ ٦ / ٢٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بـ"إن" واللام، ومثلها لا يليق بترك التسمية، لا سهوًا ولا عمدًا، وكذا عطف قوله: (وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)، والمجادلة: هي قولهم: لم لا تأكلون ما قتله الله، وتأكلون ما قتلتموه أنتم؟ وذلك إنما يصح في الميتة، فدخل في قوله: (وإنه لفسقٌ): ما أهل لغير الله فيه، وبقوله: (وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ)، فيتحقق قول الشافعي: هذا النهي مخصوص بما ذبح على اسم النصب، أو مات حتف أنفه. وفي كلام المصنف إشعار بهذا المعنى. ثم قضية النظم تساعده مساعدةً ليس بعدها، فإن قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١١٨] كما قال: "مسبب عن إنكار إتباع المضلين؛ الذين يحلون الحرام، ويحرمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقال للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان، فكلوا مما ذكر اسم الله عليه خاصة، دون ما ذكر عليه اسم غيره، أو مات حتف أنفه. وما ذكر اسم الله عليه: هو المذكي باسم الله". ثم حث المسلمين بقوله: (ومَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) على أكل ما أحل لهم، والاجتناب عما حرم عليهم، يعني: أي غرض لكم في توقفكم فيه بما أوقعوا من الشبه، وقد نص الله تعالى في أكل ما أباح أكله وترك ما يحترز عنه في قوله تعالى: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) إلى قوله: (إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ) الآية [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]، ثم لما أريد المزيد في التفصيل والبيان قيل: (ولا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ) كأنه قيل: كلوا مما ذكر اسم الله عليه، وما لكم لا تأكلون وقد أزيحت العلة بالبيان والتفصيل، وها قد تكرر عليكم النهي وتجدد مرةً أخرى بقوله: (ولا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).
[ ٦ / ٢٣١ ]
(لَيُوحُونَ): ليوسوسون (إِلى أَوْلِيائِهِمْ) من المشركين، (لِيُجادِلُوكُمْ) بقولهم: ولا تأكلوا مما قتله الله؟ وبهذا يرجع تأويل من تأوله بالميتة، (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) لأنّ من اتبع غير الله تعالى في دينه فقد أشرك به، ومن حق ذي البصيرة في دينه أن لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه كيفما كان؛ لما يرى في الآية من التشديد العظيم، وإن كان أبو حنيفة ﵀ مرخصًا في النسيان دون العمد، ومالكٌ والشافعي رحمهما الله فيهما.
[(أَوَ مَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ)].
_________________
(١) ويدل على التوكيد قوله: (وإنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وقوله أيضًا: (وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)، لأنهما في معنى قوله: (وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ) [الأنعام: ١١٦]، والله أعلم. قوله: (لأن من اتبع غير الله … فقد أشرك به) قال الزجاج: "هذه الآية فيها دليل على أن كل من أحل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أحل الله، فهو مشرك، وإن أطاع الله في جميع ما أمره، وإنما سمي مشركًا لأنه اتبع غير الله، فأشرك به غيره". والذي عليه كلام المصنف أنه من باب التغليظ، كقوله تعالى: (ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ)، وبعده: (ومن كفر) [آل عمران: ٩٧]، لقوله: "ومن حق ذي البصيرة في دينه ألا
[ ٦ / ٢٣٢ ]
مثل الذي هداه الله بعد الضلالة، ومنحه التوفيق لليقين الذي يميز به بين المحق والمبطل والمهتدي والضال، بمن كان ميتًا فأحياه الله وجعل له نورًا يمشي به في الناس مستضيئًا به، فيميز بعضهم من بعض، ويفصل بين حلاهم. ومن بقي على الضلالة بالخابط في الظلمات لا ينفك منها ولا يتخلص.
ومعنى قوله: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) كمن صفته هذه، وهي قوله: (فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها)،
_________________
(١) يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه"، وقوله: "وإن كان أبو حنيفة مرخصًا"، إلى آخره. قوله: (ومن بقي على الضلالة): عطف على قوله: "الذي هداه الله". وفي الآية استعارتان تمثيليتان، وتشبيه تمثيلي، أما الاستعارة الأولي: فبيانها ما قال: "مثل الذي هداه الله تعالى بمن كان ميتًا فأحييناه" والثانية: "مثل من بقي على الضلالة بالخابط في الظلمات لا ينفك منها" والاستعارة الأولي بجملتها مشبه، والثانية مشبه به، نحوه في التشبيه قوله: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ) [السجدة: ١٨]. قوله: (كمن صفته): خبر، والمبتدأ: قوله: "ومعنى قوله"، أي: معنى ذلك كمعنى هذه.
[ ٦ / ٢٣٣ ]
بمعنى: هو في الظلمات ليس بخارج منها، كقوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ) [محمد: ١٥]، أي: صفتها هذه، وهي قوله: (فِيها أَنْهارٌ).
(زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ) أي: زينه الشيطان، أو الله عزّ وعلا؛ على قوله: (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) [النمل: ٤]، ويدل عليه قوله: (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها)، يعني: وكما جعلنا في مكة صناديدها (ليمكروا فيها)،
_________________
(١) جعل (مثله) مبتدأ خبره محذوف، وجعل قوله: (في الظلمات) خبر مبتدأٍ محذوف، حيث قدر أولًا: "صفته هذه"، ثم ثانيًا: "هو في الظلمات ليس بخارج منها"، والجملة الثانية مبينة للأولي، فإنه لما قيل: كمن صفته هذه، اتجه لسائل: وما صفته؟ فقيل: هو (فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا). قال المصنف في قوله تعالى: (مثل الجنة) [محمد: ١٥]: "ويجوز أن يكون خبر مبتدأٍ محذوف؛ هي (فيها أنهار) [محمد: ١٥]، وكأن قائلًا قال: وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار". فقوله: "هي": مبهم مبين بالخبر، كما قال في "المؤمنون" في قوله: (إنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) [المؤمنون: ٣٧]: "هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من الخبر. ومنه: هي النفس ما حملتها تتحمل". قال أبو البقاء: " (مثله): مبتدأ، وخبره: (في الظلمات)، و(ليس بخارج منها) حال من المستكن في الظرف، لا من الهاء في (مثله) للفصل بينه وبين الحال بالخبر". قوله: (وكما جعلنا في مكة صناديدها) مشعر بأن قوله: (أو من كان ميتًا) الآية، متصلة
[ ٦ / ٢٣٤ ]
كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لذلك. ومعناه: خليناهم ليمكروا، وما كففناهم عن المكر، وخص "الأكابر" لأنهم هم الحاملون على الضلال والماكرون بالناس، كقوله: (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) [الإسراء: ١٦].
_________________
(١) بقوله: (وإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، لأن الضمير المرفوع للمسلمين، والمنصوب المفعول فيه للمشركين، وهم الذين قيل فيهم" (وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [الأنعام: ١١٦]، وهم الذين قالوا: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم. فالجملة الشرطية، أعني: (وإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) متضمنه لمعنى الإنكار العظيم. وقوله: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) [الأنعام: ١٢٢] إلى آخره: إما حال مقدرة لجهة الإشكال، وهمزة التوبيخ مقحمة بينها وبين عاملها، أي: (إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) بسبب إطاعتكم إياهم، والحال أنكم متحققون أنكم على هدىً مبين، وهم على ضلالٍ بعيد. أو أن يقدر بعد الهمزة معطوف عليه، أي: أتشركون بإطاعتهم ولا تعلمون أن الموحد والمشرك لا يستويان؟ أو: أتجمعون بين طاعة المبطلين، والعلم بأنكم على الحق المبين، وهم في الباطل منغمسون؟ قوله: (لذلك): أي ليمكروا فيها. قال القاضي: " (وجعلنا) بمعنى: صيرنا، ومفعولاه: (أكابر مجرميها)، على تقديم المفعول الثاني، أو (في كل قريةٍ أكابر). وقوله: (مجرميها) بدل، ويجوز أن يكون مضافًا إليه، إن فسر الجعل بالتمكين".
[ ٦ / ٢٣٥ ]
وقرئ: "أكبر مجرميها"؛ على قولك: هم اكبر قومهم، وأكابر قومهم.
(وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ) لأنّ مكرهم يحيق بهم، وهذه تسليةٌ لرسول الله ﷺ وتقديم موعد بالنصرة عليهم.
روي: أن الوليدين المغيرة قال: لو كانت النبوّة حقًا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنًا، وأكثر منك مالًا، وروي: أن أبا جهلٍ قال: زاحمنا بني عبد منافٍ في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهانٍ قالوا: منا نبيٌّ يوحى إليه،
_________________
(١) وقول المصنف: "ومعناه: خليناهم ليمكروا": تأويل على مذهبه. قوله: (وقرئ: "أكبر مجرميها") هذا يقوي الإضافة في (أكابر مجرميها) في تلك القراءة. قال القاضي: "أفعل التفضيل إذا أضيف، جاز فيه الإفراد والمطابقة". وقيل: أما المطابقة فعلى المشهورة (أكابر مجرميها)، وأما عدم المطابقة فعلى غيرها، كقوله: (ولَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) [البقرة: ٩٦]، قال ذو الرمة: ومية أحسن الثقلين جيدًا … وسالفةً وأحسنه فذالا قوله: (كفرسي رهان)، النهاية: "وفي حديث الضحاك في رجل آلي من امرأته، ثم طلقها، فقال: "هما كفرسي رهان: أيهما سبق أخذ به". أي: أن العدة، وهي ثلاثة أطهار، أو ثلاث حيض، إن انقضت قبل انقضاء وقت إيلائه، وهي أربعة أشهر، فقد بانت المرأة بتلك
[ ٦ / ٢٣٦ ]
والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدًا إلا أن يأتينا وحى كما يأتيه، فنزلت. ونحوها قوله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً) [المدثر: ٥٢].
[(وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ)].
(اللَّهُ أَعْلَمُ) كلامٌ مستأنفٌ للإنكار عليهم، وأن لا يصطفي للنبوّة إلا من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم.
_________________
(١) التطليقة، ولا شيء عليه من الإيلاء، لأن الأشهر تنقضي وليست له بزوجة، وإن مضت الأشهر وهي في العدة بانت منه بالإيلاء مع تلك التطليقة فكانت اثنتين، فجعلهما كفرسي رهانٍ يتسابقان إلى غاية". قوله: (كلام مستأنف للإنكار عليهم) أي: جواب عن سؤال مورده قوله: (لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)، يعني لما قالوا: والله ما نرضي به ولا نتبعه إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، سئل: فما كان جواب البارئ عز شأنه لهم؟ قيل: أجيبوا بأن النبوة فضل من الله تعالى يختص بها من يشاء، وليس ذلك بالكبر والصغر، بل بفضائل نفسانية يجتبي لها من يصلح لها. ثم زيد في الإنكار لاستحقاق النبوة بالكبر بقوله: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ)، يعني: أن الكبر والاستعلاء موجب للذلة والقماءة والمقت، لا التعظيم والكرامة. فوضع (الذين أجرموا) موضع (أكابر مجرميها)، لأنهم هم المرادون في قوله: (أكابر مجرميها) في الآية السابقة [الأنعام: ١٢٣]. ولهذا بينه بقوله: "من أكابرها". وهم القائلون: (لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)، والمعنى ما ذكر: "قال الوليد: لو كانت النبوة حقًا لكنت أولى بها منك، وقال أبو جهل: زاحمنا بني عبد منافٍ في الشرف".
[ ٦ / ٢٣٧ ]
(سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) من أكابرها (صَغارٌ) وقماءةٌ بعد كبرهم وعظمهم، (وَعَذابٌ شَدِيدٌ) في الدارين، من الأسر والقتل وعذاب النار.
[(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ* وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ* لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ): أن يلطف به، ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف،
_________________
(١) والحاصل أن قوله: (الذين أجرموا) مظهر وضع موضع المضمر، للإيذان بأن استكبارهم ذلك سبب لإيصال الذل والهوان، بالقتل والأسر يوم بدر، وإذاقة العذاب الشديد في الآخرة؛ فجمع لهم خزي الدارين. نحوه قوله تعالى: (وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والْمَسْكَنَةُ وبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ) إلى قوله: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُوا يَعْتَدُونَ) [البقرة: ٦١]. وفيه أن تصديق آيات الله، وطاعة رسل الله موجب للعز والنجاة في الدارين. قوله: (ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف): إشارة إلى مذهبه. أي: لا يلطف ابتداء، بل يلطف بمن يستحق اللطف، وينفعه، بسبب إحداثه الإيمان والعمل الصالح.
[ ٦ / ٢٣٨ ]
(يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ): يلطف به حتى يرغب في الإسلام، وتسكن إليه نفسه، ويحب الدخول فيه، (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ): أن يخذله ويخليه وشأنه، وهو الذي لا لطف له، (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا): يمنعه ألطافه، حتى يقسو قلبه، وينبو عن قبول الحق وينسدّ، فلا يدخله الإيمان.
_________________
(١) قال القاضي " (يهديه): يعرفه طريق الحق، ويوفقه للإيمان، (يشرح صدره للإسلام)، فيتسع له، ويفسح فيه مجاله، وهو كناية عن جعل النفس قابلةً للحق، مهيأة لحلوله فيها، مصفاةً عما يمنعه وينافيه". وقال محيي السنة: " (يشرح صدره للإسلام)، أي: يفتح قلبه، وينوره، حتى يقبل الإسلام. ولما نزلت هذه الآية، سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن شرح الصدر، قال: "نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح" قيل: فهل لذلك أمارة؟ قال: "نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت"". وقلت: قد أجمع أكثر المفسرين على نقل هذا الحديث، وقد رواه البيهقي في كتاب "شعب الإيمان" عن ابن مسعود، وقضية النظم تستدعيه، فإن الفاء رابطة مرتبة للكلام
[ ٦ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) على ما قبله، فإنه تعالى لما ضرب للمؤمنين والكافرين مثلًا، بقوله: (أو من كان ميتا فأحيينه) [الأنعام: ١٢٢]، ونص على أنه تعالى هو المزين للكافرين عملهم، وأنه صير في كل قرية أكابر مجرميها، وحكي عنهم أنهم يطلبون ما ليس لهم، رتب على ذلك قوله: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ) الآية، تسليًا لرسول الله صلي الله عليه وسلم وإرشادًا إلى تفويض الأمور إلى الله، وإعلامًا بأن إرادته ومشيئته إذا تعلقت بهداية بعض العباد (يشرح صدره للإسلام)، وإذا تعلقت بضلالة بعضٍ (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا). وهؤلاء المجرمون الذين خلقهم للصغار والدناءة، وأراد ضلالهم، لا يهتدون، (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ). فشرح الصدر يجب أن يحمل على الانفتاح والانفساح، لأنه مقابل لضيقها وصعودها إلى السماء. وقوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) كالخاتمة على الختم. اللهم إني أتضرع إليك بسوابغ فضلك، وسوابق أفضالك، وأبتهل إلى جنابك الأقدس، أن تشرح صدري، وتقذف النور في قلبي، إنك أنت الوهاب، وأدعوك بما دعا به حبيبك صلوات الله عليه: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، واجعلني نورًا"، وارزقني الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور.
[ ٦ / ٢٤٠ ]
وقرئ: (ضَيِّقًا) بالتخفيف والتشديد، (حَرَجًا) بالكسر، و(حرجًا) بالفتح وصفًا بالمصدر، (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ): كأنما يزاول أمرًا غير ممكن، لأن صعود السماء مثلٌ فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة
_________________
(١) وقال المصنف: "هذا آخر المرتفع عند قبر ابن عباس ﵁"، وفتح فاء "المرتفع"، أي: هذا آخر الحاصل. قوله: (وقرئ: "ضيقًا" بالتخفيف): ابن كثير، والباقون بالتشديد. قوله: ("حرجًا" بالكسر): نافع وأبو بكر، والباقون بفتحها. قال الزجاج: "هو بمنزلة: رجل دنف، بكسر النون، و"حرج" بمنزلة: دنف، والمعنى: ذو دنف. وعن ابن عباس، الحرج: موضع الشجر الملتف، كأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة، كما لا تصل الراعية إلى الموضع الملتف من الشجر، والحرج في اللغة: أضيق الضيق". قوله: (كأنما يزاول أمرًا غير ممكن) ما بين أن المشبه ما هو؛ فرارًا، وصرح به الواحدي حيث قال: " (ومَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ) فإنه في نفوره عن الإسلام، وثقله عليه، بمنزلة من يكلف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يستطاع".
[ ٦ / ٢٤١ ]
وقرئ: "يصعد"، وأصله: يتصعد. وقرأ عبد الله: "يتصعد". و(يصاعد)، وأصله: يتصاعد، و(يصعد)، من صعد، و"يصعد" من: أصعد، (يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ) يعني: الخذلان ومنع التوفيق، وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب،
_________________
(١) وقال ابن عباس: "فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ إلى السماء، فكذلك لا يقدر على أن يدخل التوحيد والإيمان في قلبه، حتى يدخله الله في قلبه". وقلت: لابد من هذا التأويل لمقابلة الآية، قوله: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ) أي: ومن يرد أن يهديه يفسح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يضيق صدره، حتى لا يدخل فيه؛ فضرب بالممتنع مثلًا للتوكيد، ولئلا يفسر بخلاف ما عليه القضاء والقدر. قوله: (وقرئ "يصعد"). روي عن الشيخ المعزي: أن من عادة المصنف إذا قال: قرئ كذا وكذا، وعدد قراءاتٍ متفاوتة؛ مشهورةً وغير مشهورة، أن يقدم المشهورة كما فعل هاهنا، وفيه نظر، لأن قراءة عبد الله: "يتصعد" شاذة، ومقدمة على قراءة أبي بكر وابن كثير. قال في "التيسير": "ابن كثير: "كأنما يصعد"، بإسكان الصاد مخففًا من غير ألف، وأبو بكر: "يصاعد"، بتشديد الصاد، وألف بعدها، وتخفيف العين، والباقون: بتشديد الصاد والعين من غير ألف". قوله: (وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق) يعني: كما وصف المعاني ومنه التوفيق بما يوصف به الأعيان، وصف ما يقابله من الخذلان بما يناقضه من الرجس، قال تعالى: (وَهُدُوا إلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ) [الحج: ٢٤]. النهاية: "قد يرد الطيب بمعنى الطاهر. قال صلي الله عليه وسلم لعمار:
[ ٦ / ٢٤٢ ]
أو أراد الفعل المؤدّي إلى الرجس وهو العذاب؛ من الارتجاس وهو الاضطراب.
(وَهذا صِراطُ رَبِّكَ): وهذا طريقه الذي اقتضته الحكمة، وعادته في التوفيق والخذلان، (مُسْتَقِيمًا): عادلًا مطردًا، وانتصابه على أنه حال مؤكدة كقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) [البقرة: ٩١].
(لَهُمْ): لقومٍ يذكرون (دارُ السَّلامِ): دارُ الله، يعني: الجنة، أضافها إلى نفسه تعظيمًا لها، أو دار السلامة من كل آفة وكدر، (عِنْدَ رَبِّهِمْ): في ضمانه، كما تقول: لفلانٍ عندي حق لا ينسى. أو ذخيرةٌ لهم لا يعلمون كنهها،
_________________
(١) "مرحبًا بالطيب المطيب"، أي: الطاهر المطهر، و"الطيبات" في التحيات، أي: الطيبات من الصلاة والدعاء". وقوله: (أو أراد الفعل المؤدي إلى الرجس، وهو العذاب)، قال القاضي: "وضع الرجس موضع العذاب، وهو من وضع المظهر موضع المضمر للتعليل". قوله: «لهم): لقوم يذكرون) يريد: أن قوله (لهم دار السلام)، صفة لـ"قوم"، (عند ربهم) حال من الضمير في (لهم)، والعامل الاستقرار. وقوله: (عند ربهم) إما كناية عن الوعد الصادق، أو عن الذخيرة، كقوله: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: ١٣٣].
[ ٦ / ٢٤٣ ]
كقوله: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة: ١٧]، (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ) مواليهم ومحبهم، أي: ناصرهم على أعدائهم، (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ): بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاه ما كانوا يعملون.
[(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)].
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) منصوبٌ بمحذوف، أي: واذكر يوم نحشرهم، أو: ويوم نحشرهم قلنا: (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ)، أو: ويوم نحشرهم وقلنا: (يا معشر الجن) كان ما لا يوصف لفظاعته! والضمير لمن يحشر من الثقلين وغيرهم، والجن هم الشياطين.
(قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ): أضللتم منهم كثيرًا أو جعلتموهم أتباعكم فحشر معكم منهم الجم الغفير، كما تقول: استكثر الأمير من الجنود، واستكثر فلانٌ من الأشياع. (وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ) الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم، (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ) أي: انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم وشهوتهم في إغوائهم، وقيل: استمتاع الإنس بالجن:
_________________
(١) قوله: (أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون). يريد: أن الولي إذا كان بمعنى المحب والناصر، فالوجه أن تكون الباء سببية، أي: يحبهم وينصرهم بسبب عملهم، وإذا كان بمعنى متولي الأمور، فالباء للملابسة، والمعنى: يتولاهم ملتبسا بجزاء عملهم، أي: يعد لهم الثواب. قوله: (الجم الغفير)، النهاية: "يقال: جاء القوم جمًا غفيرًا، والجماء الغفير، أي: مجتمعين كثيرين. ويقال: جاؤوا الجم الغفير: اسم وضع موضع المصدر".
[ ٦ / ٢٤٤ ]
ما في قوله: (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ) [الجن: ٦]، وأن الرجل كان إذا نزل واديًا وخاف قال: أعوذ بربّ هذا الوادي، يعني به: كبير الجن. واستمتاع الجن بالإنس: اعتراف الإنس لهم بأنهم يقدرون على الدفع عنهم وإجارتهم لهم، (وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا) يعنون: يوم البعث، وهذا الكلام اعترافٌ بما كان منهم من طاعة الشياطين واتباع الهوى والتكذيب بالبعث، واستسلامٌ لربهم، وتحسر على حالهم.
_________________
(١) قوله: (وإجارتهم لهم)، الجوهري: "الجار: الذي أجرته من أن يظلمه ظالم. وأجاره الله من العذاب: أنقذه". وأنشد لمروان بن أبي حفصة: هم المانعون الجار حتى كأنه … لجارهم فوق السماكين منزل قوله: (وهذا الكلام اعتراف) إلى قوله: (وتحسر على حالهم)، يعني قوله: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا) متضمن للاعتراف بأشياء ثلاثة وللاستسلام والتحسر أيضًا، وهو جواب عن قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإنسِ)، فإنه من جوامع الكلم، وهو سؤال توبيخ وتعريض، ولهذا أجاب الإنس عنه، وطابقوا، لأن معنى: (استكثرتم): "أضللتم كثيرًا منهم وجعلتموهم أتباعكم" كما قال. يعني: أنتم، يا معشر الجن، اجتهدتم في تزيين الشهوات وأسبابها، وما قصرتم في الإغواء، وإنهم أيضًا ما تهاونوا في القبول والطاعة، فركنوا إلى الخلود في الأرض، ومتابعة الهوى، حتى جحدوا لقاء يومهم هذا. وإليه الإشارة بقوله: "إتباع الهوى، والتكذيب بالبعث"، نظيره قوله: (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ) إلى قوله: (أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
[ ٦ / ٢٤٥ ]
(خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) أي: يخلدون في عذاب النار الأبد كله، (إلا ما شاء الله): إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النّار إلى عذاب الزمهرير، فقد روي أنهم يدخلون واديًا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون ويطلبون الردّ إلى الجحيم. أو يكون من قول الموتور الذي ظفر بواتره،
_________________
(١) ومعنى قوله: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) كما قال: "استمتع الإنس بالشياطين، حيث دلوهم على الشهوات، وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس، حيث أطاعوهم، وساعدوهم على مرادهم وشهوتهم في إغوائهم". وهذا معنى الاستكثار بعينه، كما شرحناه، ولذلك كان اعترافًا، ولهذا عقب بقوله: (قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا) الآية. وأما الاستسلام: فقولهم: (وبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا)، أي: جاء اليوم الذي لا ملك إلا للواحد القهار، وما لنا من ناصرين. وأما التحسر: فمن لفظة (ربنا)، قالوها تحسرًا على ما فرطوا في جنب الرب الغفور الرحيم. نظيره قولهم: (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ) [الزمر: ٥٦]، والله أعلم. قوله: (أي: يخلدون فيها من عذاب النار) قيل: "من" بيان الهاء في "فيها". وفي نسخة: "في عذاب النار"، بدل من "فيها" بإعادة العامل. قوله: «إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ): إلا الأوقات). (ما) في (ما شاء الله): مصدرية، ويقدر معه مضاف، أي: إلا أوقات مشيئة الله تعالى، خص مشيئة الله بقوله: "إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير". وسيجيء تحقيق هذا الاستثناء في قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأَرْضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ) [هود: ١٠٧]. قوله: (الموتور)، الأساس: "يقال: وترت الرجل: قتلت حميمه، وأفردته، وطلب وتره، أي: ثأره".
[ ٦ / ٢٤٦ ]
ولم يزل يحرق عليه أنيابه، وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه: أهلكني الله إن نفست عنك إلا إذا شئت! وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد، فيكون قوله: إلا إذا شئت، من أشد الوعيد، مع تهكمٍ بالموعد، لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه إطماع.
(إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ): لا يفعل شيئًا إلا بموجب الحكمة (عَلِيمٌ) بأن الكفار يستوجبون عذاب الأبد.
[(وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)].
(نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا): نخليهم حتى يتولى بعضهم بعضًا كما فعل الشياطين وغواة الإنس، أو يجعل بعضهم أولياء بعض يوم القيامة وقرناءهم، كما كانوا في الدنيا بِما (كانُوا يَكْسِبُونَ): بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي.
[يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ)].
_________________
(١) قوله: (يحرق عليه أنيابه)، الأساس: "ليحرق عليه الأرم: أي يسحق بعض الأضرا ببعضٍ للغيظ فعل الحارق بالمبرد". الأرم، بالهمز وتشديد الراء: الأضراس، جمع آرم. فعلى هذا: الاستثناء للتأبيد، كما نص عليه في قوله تعالى: (ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، ونحوه قوله: (ومَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الأعراف: ٨٩].
[ ٦ / ٢٤٧ ]
يقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ: (لَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ)؟
واختلف في أن الجن هل بعث إليهم رسل منهم؟ فتعلق بعضهم بظاهر الآية ولم يفرق بين مكلفين ومكلفين أن يبعث إليهم رسول من جنسهم، لأنهم به آنس وله آلف. وقال آخرون: الرسل من الإنس خاصة، وإنما قيل رسل منكم لأنه لما جمع الثقلان في الخطاب صحَّ ذلك، وإن كان من أحدهما، كقوله: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) [الرحمن: ٢٢]، وقيل: أراد رسل الرسل من الجنّ إليهم، كقوله تعالى: (وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) [الأحقاف: ٢٩]. وعن الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث محمد ﷺ يبعثون إلى الإنس، ورسول الله ﷺ بعث إلى الإنس والجن.
(قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا) حكايةٌ لتصديقهم وإيجابهم قوله: (أَلَمْ يَاتِكُمْ)، لأن الهمزة الداخلة على نفى إتيان الرسل للإنكار، فكان تقريرًا لهم.
وقولهم: (شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا) إقرارٌ منهم بأن حجة الله لازمةٌ لهم، وأنهم محجوجون بها.
_________________
(١) قوله: «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ» قال الزجاج: "وإنما جاز ذلك لأن الجماعة تعقل وتخاطب؛ فالرسل هم بعض من يعقل، نحوه: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ) [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من المالح دون العذب، فقال: (منهما)، لأن ذكرهما قد جمع، وهذا جائز في كل ما اتفق في أصله، كما اتفق الجن مع الإنس في باب التمييز". قوله: (وإيجابهم) تفسير لقوله: "لتصديقهم"، أي: يقرون بالاستفهام الداخل على النفي، ويقرون أن الحجة لازمة لهم، وأنهم محجوجون بالإيجاب، هو الذي في مقابل النفي.
[ ٦ / ٢٤٨ ]
فإن قلت: ما لهم مقرّين في هذه الآية جاحدين في قوله: (وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣]؟ قلت: تتفاوت الأحوال والمواطن في ذلك اليوم المتطاول، فيقرّون في بعضها، ويجحدون في بعضها.
أو أريد شهادة أيديهم وأرجلهم وجلودهم حين يختم على أفواههم.
فإن قلت: لم كرّر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟ قلت: الأولى حكايةٌ لقولهم كيف يقولون ويعترفون؟ والثانية: ذمّ لهم، وتخطئةٌ لرأيهم، ووصفٌ لقلة نظرهم لأنفسهم، وأنهم قومٌ غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة، وكان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام لربهم واستيجاب عذابه، وإنما قال ذلك تحذيرًا للسامعين من مثل حالهم.
[(ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ* وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)].
_________________
(١) قوله: (ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم) إشارة إلى أن قوله: (وغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا) بعد قوله: (قالوا شهدنا) من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب، يعني: أنهم قالوا: (شهدنا على أنفسنا)، إقرارًا منهم بأن حجة الله لازمة لهم، وأنهم محجوبون لقلة نظرهم، وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا، واللذات الدنيوية. فعلى هذا عطف قوله: (وغرتهم) على ما قبله، من باب الإخبار عن وجود شيئين مترتبين، وقد عول الترتيب إلى الذهن. وأما الواو الداخلة على (وشهدوا على أنفسهم) فاستئنافية مصدرة على الجملة التذييلية؛ نعى عليهم، بعد الفراغ من أخبار القيامة، سوء صنيعهم، تقبيحًا وفضيحة لهم، وتحذيرًا للسامعين من مثل حالهم.
[ ٦ / ٢٤٩ ]
(ذلِكَ) إشارةٌ إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة، وهو خبر مبتدأٍ محذوف: أي: الأمر ذلك، (وأَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى) تعليل، أي: الأمر ما قصصناه عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم، على أن (أن) هي التي تنصب الأفعال، ويجوز أن تكون مخففةً من الثقيلة، على معنى: لأن الشأن والحديث: (لم يكن ربك مهلك القرى بظلمٍ). ولك أن تجعله بدلًا من (ذلك)، كقوله: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ) [الحجر: ٦٦].
(بِظُلْمٍ): بسبب ظلم قدموا عليه، أو ظالمًا، على أنه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبهوا برسول وكتاب، لكان ظلماء وهو متعالٍ عن الظلم وعن كل قبيح.
(وَلِكُلٍ) من المكلفين (دَرَجاتٌ): منازل (مِمَّا عَمِلُوا) من جزاء أعمالهم،
_________________
(١) قوله: (أو ظالمًا) أي: ملتبسًا بظلم. فعلى هذا: (وأهلها غافلون) حال متداخلة. هذا الوجه قريب إلى مذهبه، بعيد من النظم، لأن قوله تعالى: (أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) استفهام على سبيل التوبيخ والتقرير يوم القيامة. وقد آذن أن الحجة قد لزمتهم، وهي أنه تعالى لا يهلك قريةً ظالمة ابتداء، بل يبعث إليهم من ينذرهم ويخوفهم عذاب الآخرة، فإذا لم يقلعوا عما هم فيه، أنحى عليهم بالقلع والدمار فيهم، فقوله: (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ) كالتذييل والتأكيد للآية السابقة، ولابد من إثبات الظلم لهم، ولا يستقيم هذا المعنى استقامةً من غير تعسف إلا بذلك الوجه. قوله: «ولكل) من المكلفين (درجات»، أي: للمطيعين والعاصين درجات ودركات، فغلب. وهو قول أبي مسلم. قال الإمام: "وفيه قولان؛ أحدهما: لكل عاملٍ عمله،
[ ٦ / ٢٥٠ ]
(وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) بساه عنه يخفى عليه مقاديره وأحواله وما يستحق عليه من الأجر.
[(وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ* إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)].
(وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ) عن عباده وعن عبادتهم، (ذُو الرَّحْمَةِ) يترحم عليهم بالتكليف ليعرّضهم للمنافع الدائمة،
_________________
(١) فله في عمله درجات، يعني في الثواب والعقاب، على قدر أعمالهم في الدنيا، وإنه عالم بها على التفصيل، فرتب على كل درجةٍ ما يليق به من الجزاء". هذا تقرير ما ذكره المصنف. "والثاني: أن هذا مختص بأهل الطاعة، لأن لفظة "الدرجة" لا تليق إلا بهم". وقلت: فعلى هذا: الجملة معطوفة من حيث المعنى على قوله: (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ)، يعني: إرسال الرسل لم يكن إلا لتنبيه الغافلين، لتلزمهم الحجة، ولظهور طاعة المطيعين، وثبوت درجاتهم لأعمالهم الصالحة، ليجازيهم الله على ذلك. قوله: «وربك الغني) عن عباده). قال الإمام: "اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات، وعقاب أصحاب المعاصي، وذكر أن لكل قوم درجةً مخصوصة، ومرتبةً معينة، بين أن تخصيص المطيعين بالثواب، والمذنبين بالعذاب، ليس لأجل أنه يحتاج إلى طاعة المطيعين، أو ينتقص لمعصية المذنبين، فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين، ومع كونه غنيًا، فإن رحمته عامة
[ ٦ / ٢٥١ ]
(إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ) أيها العصاة (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ) من الخلق المطيع (كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) من أولاد قومٍ آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم، وهم أهل سفينة نوح ﵇.
_________________
(١) كاملة، ولا سبيل إلى تربية المكلفين، وإيصالهم إلى درجات الأبرار، إلا بعد الترغيب في الطاعات، والترهيب عن المحظورات". وإلى هذا المعنى أشار المصنف بقوله: "يترحم عليهم بالتكليف، ليعرضهم للمنافع الدائمة". وقال القاضي: "وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه، بل لترحمه على العباد، وتأسيس لما بعده؛ وهو قوله: (إن يَشَا يُذْهِبْكُمْ)، أي: ما به إليكم حاجة. إن يشأ يذهبكم أيها العصاة". قلت: هذا أحسن لتأليف النظم، يعني أنه تعالى إنما ذكر "الرحمة"، وقرن به "الغنى" في قوله: (ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) لأمرين: أحدهما: ليشير إلى أن ذلك الإرسال المذكور لم يكن إلا لمحض رحمة العباد، لأنه غني مطلقًا، وثانيهما: أن يكون تخلصًا إلى خطاب العصاة من أمة محمد صلوات الله عليه بقوله: (إن يَشَا يُذْهِبْكُمْ) لأجل ذلك الاقتران، يعني أنه تعالى مع كونه ذا الرحمة، بإرسال الرسل، كذلك غني عن العالمين، وعنكم خاصة أيها العصاة، إن يشأ يذهبكم ويأت بآخرين، ولذلك عقبه بقوله: (إنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ). قوله: (وهم أهل سفينة نوحٍ) شبه إذهاب المخاطبين من عصاة الأمة واستبدالهم، وإنشاء
[ ٦ / ٢٥٢ ]
[(قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)].
«المكانة»: تكون مصدرًا، يقال: مكن مكانةً إذا تمكن أبلغ التمكن، وبمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، ومقام ومقامة. وقوله: (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) يحتمل: اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها. يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: على مكانتك يا فلان، أي: اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه (إِنِّي عامِلٌ) أي: عامل على مكانتى التي أنا عليها. والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي، فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أينا تكون له العاقبة المحمودة
_________________
(١) ـ. قومٍ آخرين من بقايا صالحيهم، باستئصال طالحي قوم نوح، وإنشاء آباء المخاطبين من بقايا صالحيهم، وهم أهل سفينته ﵇. قوله: (واعملوا على جهتكم) هذا تقرير الاحتمال الثاني، على سبيل الكناية، لأن المكانة بمعنى المكان، وفي تقريره لف ونشر. أما قوله: "إني عامل على مكانتي" فمتفرع على الوجهين في (مكانتكم).
[ ٦ / ٢٥٣ ]
وطريقة هذا الأمر طريقة قوله (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) [فصلت: ٤٠]، وهي التخلية، والتسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر، فكأنه مأمور به وهو واجب عليه حتم ليس له أن يتفصى عنه ويعمل بخلافه.
فإن قلت: ما موضع (مَنْ)؟ قلت: الرفع إذا كان بمعنى «أي»، وعلق عنه فعل العلم. أو النصب إذا كان بمعنى «الذي».
و(عاقِبَةُ الدَّارِ): العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها.
وهذا طريقٌ من الإنذار لطيف المسلك،
_________________
(١) قوله: (العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها) تفسيره ما ذكره في "القصص": "أن الله وضع الدنيا مجازًا إلى الآخرة، وأراد بعباده ألا يعملوا فيها إلا الخير، ليتلقوا خاتمة الخير، ومن عمل خلاف ما وضعه الله تعالى فقد حرف، فإذًا عاقبتها الأصلية هي الخير، وأما عاقبة الشر فلا اعتداد بها، لأنها من نتائج تحريف الفجار" هذا بناءً على مذهبه. والحق أن (عاقبة الدار) كناية عن خاتمة الخير، فكأنه قيل: من يكون له عاقبة الخير، سواء كان الظفر في الدنيا، كما قال الإمام: "العاقبة تكون على الكافر ولا تكون له. كما يقال: لهم الكرة، ولهم الظفر. وفي ضده: عليهم الكرة، وعليهم الظفر"، أو الجنة في العقبى، كما قال محيي السنة: " (عاقبة الدار): الجنة". قوله: (وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك) يريد أن تعقيب قوله: (إنَّهُ لا يُفْلِحُ
[ ٦ / ٢٥٤ ]
فيه إنصاف في المقال وأدب حسن، مع تضمن شدّة الوعيد، والوثوق بأنّ المنذر محق والمنذر مبطل.
[(وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ)].
كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاجٍ لله، وأشياء منها لآلهتهم؛ فإذا رأوا ما جعلوه لله زاكيًا ناميًا يزيد في نفسه خيرًا، رجعوا فجعلوه للآلهة، وإذا زكا ما جعلوه للأصنام تركوه لها، واعتلوا بأنّ الله غنىّ، وإنما ذاك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.
وقوله: (مِمَّا ذَرَأَ) فيه أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي،
_________________
(١) الظَّالِمُونَ)، من العدول من المضمر إلى المظهر، حيث لم يصرح بنفي الفلاح عنهم قوله: (مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ)، مع التعميم فيه المبني على الأمر في قوله: (اعملوا على مكانتكم): طريقًا من الكلام المنصف، وإرخاء العنان، لطيف المسلك، حيث ضمن ذلك "شدة الوعيد، والوثوق بأن المنذر محق، والمنذر مبطل". قوله: (فيه أن الله كان أولى) أي: في إتيان (مما ذرأ)، وبيانه بقوله: (مِنَ الحَرْثِ والأَنْعَامِ) إشعار وإدماج لمعنى أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي، لأنه الخالق والمزكي، وإلا فكان من الظانين: (وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ والأَنْعَامِ نَصِيبًا).
[ ٦ / ٢٥٥ ]
لأنه هو الذي ذرأه وزكاه، ولا يرد إلى ما لا يقدر على ذرء ولا تزكية (بِزَعْمِهِمْ) وقرى بالضم، أي: قد زعموا أنه لله والله لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك القسمة التي هي من الشرك، لأنهم أشركوا بين الله وبين أصنامهم في القربة، (فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ) أي: لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، (فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ) من إنفاقٍ عليها؛ بذبح النسائك عندها، والإجراء على سدنتها، ونحو ذلك، (ساءَ ما يَحْكُمُونَ) في إيثار آلهتهم على الله تعالى وعملهم ما لم يشرع لهم.
[(وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ)].
(وَكَذلِكَ) ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربات
_________________
(١) ـ قوله: (ذرأه) قال الزجاج: "يقال: ذرأ الله الخلق ذرءًا: إذا خلقهم". النهاية: "في الحديث: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر كل ما خلق وذرأ وبرأ". ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا: إذا خلقهم، وكأن الذرء مختص بخلق الذرية". قوله: (وقرئ بالضم) أي: "بزعمهم": الكسائي، وهو لغة. قوله: (أي: قد زعموا أنه لله، والله لم يأمرهم بذلك، ولا شرع لهم تلك القسمة) النهاية: "إنما يقال: "زعموا" في حديث لا سند له، ولا تثبت فيه، وإنما يحكي على الألسن". قوله: (ومثل ذلك التزيين، وهو تزيين الشرك في قسمة القربات بين الله والآلهة) يعني
[ ٦ / ٢٥٦ ]
بين الله تعالى والآلهة، أو: ومثل ذلك التزيين البليغ الذي هو علم من الشياطين.
والمعنى: أن شركاءهم من الشياطين، أو من سدنة الأصنام زينوا لهم قتل أولادهم بالوأد، وبنحرهم للآلهة، وكان الرجل في الجاهلية يحلف: لئن ولد له كذا غلامًا لينحرنّ أحدهم، كما حلف عبد المطلب.
_________________
(١) ـ المشار إليه بقوله: "ذلك" ما يعلم من قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ والأَنْعَامِ نَصِيبًا) الآية. قوله: (أو ومثل ذلك التزيين البليغ) هذا على أن يكون المشار إليه ما في الذهن، ولذلك قال: "الذي هو علم من الشياطين"، وسيجيء بيانه في قوله: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]، والمبالغة إنما يفيدها الإبهام الذهني، والتفسير بقوله: (زين) وهو ما يعلمه كل أحد أن المزين من هو، وهو الشيطان. قوله: (سدنة الأصنام)، الجوهري: "السادن: خادم الكعبة وبيت الأصنام. والجمع: السدنة". قوله: (بالواد)، الجوهري: "وأد ابنته، يئدها وأدًا، وهي موءودة، أي: دفنها في القبر وهي حية". قوله: (لينحرن أحدهم، كما حلف عبد المطلب) روى ابن الجوزي في كتاب "الوفا": "كان عبد المطلب قد رأي في المنام: "احفر زمزم"، ونعت له موضعها. وقام يحفر وليس له ولد يومئذ إلا الحارث، فنازعته قريش، فنذر: لئن ولد له عشرة نفرٍ، ثم بلغوا، لينحرن أحدهم لله
[ ٦ / ٢٥٧ ]
وقرئ: (زين)، على البناء للفاعل الذي هو (شركاؤهم)، ونصب (قَتْلَ أَوْلادِهِمْ)، و(زين) على البناء للمفعول الذي هو "القتل"، ورفع (شركاؤهم) بإضمار فعلٍ دل عليه "زُين"، كأنه قيل- لما قيل زين لهم قتل أولادهم من زينه؟
فقيل: زينه لهم شركاؤهم.
_________________
(١) ـ تعالى عند الكعبة. فلما تموا عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، أخبرهم بنذره، فأطاعوه، وكتب كل منهم اسمه في قدح، فخرج على عبد الله، فأخذ الشفرة لينحره، فقامت قريش من أنديتها، وقالوا: لا تفعل حتى ننظر فيه. فانطلق به إلى عرافة. فقال: قربوا عشرةً من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، إن خرجت على صاحبكم، فزيدوا من الإبل حتى يرضي ربكم، فإذا خرجت على الإبل فقد رضي، ونجا صاحبكم. فقربوا عبد الله وعشرًا، فخرجت على عبد الله، فلم يزالوا كذلك حتى جعلوها مئة، فخرج القدح على الإبل، فقالوا: قد رضي ربك. فقال: لا والله حتى أضرب عليه وعليها مرات، ففعل، فخرج القدح على الإبل، فنحرت ثم تركت، لا يصد عنها إنسان ولا سبع". قوله: (و"زين" على البناء للمفعول …، ورفع (شرؤكاهم» ابن عامر: "زين" بضم الزاي، "قتل" بالرفع، و"أولادهم" بالنصب، و"شركائهم" بالخفض، والباقون: بفتح الزاي، و" (قتل) بالنصب، و(أولادهم) بالخفض، و(شركاؤهم) بالرفع". قال ابن جني: "و"زين" على البناء للمفعول، ورفع (شركاؤهم): قراءة أبي عبد الرحمن السلمي. والوجه أن يكون مرفوعًا بفعل مضمر، دل عليه هذه الظاهر، ولا يرتفع بهذا الظاهر، لأن الفعل الواحد لا يرفع إلا الواحد، ونحوه بيت "الكتاب".
[ ٦ / ٢٥٨ ]
وأما قراءة ابن عامر: (قتل أولادهم شركائهم) - برفع "القتل" ونصب "الأولاد" وجرّ "الشركاء" على إضافة "القتل" إلى "الشركاء"، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر، لكان سمجًا مردودًا، كما سمج وردّ
زجّ القلوص أبى مزاده
فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته؟ ! والذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف شركاؤهم مكتوبًا بالياء. ولو قرأ بجر "الأولاد" و"الشركاء" - لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم - لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب.
_________________
(١) ـ ليبك يزيد ضارع لخصومةٍ … ومختبط مما تطيح الطوائح كأنه لما قيل: ليبك يزيد، قيل: من يبكيه؟ قال: ليبكه ضارع لخصومة. ويشهد له قراءة العامة، لأن الشركاء هم المزينون". قوله: (والذي حمله على ذلك أن رأي في بعض المصاحف "شركائهم" مكتوبًا بالياء) قال موفق الدين الكواشي: "هذا يشعر أن ابن عامر قد ارتكب محظورًا، وأن قراءته قد بغت من الرداءة مبلغًا لم يبلغه شيء من جائز كلام العرب وأشعارهم، وأنه غير ثقة، لأنه يأخذ القراءة من المصحف لا من المشايخ، ومع ذلك أسندها إلى النبي صلي الله عليه وسلم وهو جاهل بالعربية. وليس الطعن في ابن عامر طعنًا فيه، وإنما هو طعن في علماء الأمصار، حيث جعلوه أحد
[ ٦ / ٢٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ القراء السبعة المرضية، وفي الفقهاء، حيث لم ينكروا عليهم إجماعهم على قراءته، وأنهم يقرؤونها في محاريبهم. والله أكرم من أن يجمعهم على الخطأ". وذكر قريبًا منه صاحب "الانتصاف"، وفيه: "ولولا العذر أن المنكر ليس من أهل علمي القراءة والأصول، لخيف عليه الخروج من ربقة الإسلام بذلك. ثم مع ذلك، هو في عهدةٍ خطرة، وزلةٍ منكرة". قلت: إنه ذهب في هذا المقام أن مثل هذا المركب ممتنع، وخطأ إمام أئمة الإسلام، وضعفه في قوله: (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ) [إبراهيم: ٤٧] فبين كلاميه تخالف. وقال أبو محمد المكي: "لم أر أحدًا يحمل قراءته إلا على الصحة والسلامة، وقراءته أصل يستدل به لا له". وقال الإمام في "تفسيره": "وكثيرًا أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهد في تقريره ببيت مجهول، فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم، لأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلًا على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلًا على صحته كان أولى".
[ ٦ / ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قال السكاكي: "لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف، ونحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد محمول على حذف المضاف إليه من الأول. ونحو قراءة من قرأ: "قتل أولادهم شركائهم"، و"مخلف وعده رسله" لإسنادها إلى الثقات وكثرة نظائرها من الأشعار، ومن أرادها فعليه بخصائص ابن جني، محمولة عندي على حذف المضاف إليه من الأول، وإضمار المضاف في الثاني، على قراءة من قرأ: "والله يريد الآخرة" بالجر، أي: عرض الآخرة، وما ذكرت - وإن كان فيه نوع بعدٍ - فتخطئة الثقات والفصحاء أبعد". روى الواحدي عن أبي علي: أن الفصل بين المضاف والمضاف إليه قبيح، قليل في الاستعمال، ولكنه قد جاء في الشعر، كما أنشده أبو الحسن الأخفش: فزججتها متمكنًا … زج القلوص أبي مزاده وفي "المفصل": "فزججتها بمزجة. الزج: الطعن. والمزجة - بكسر الميم -: الرمح القصير كالمزراق. وأبي مزادة: كنية رجل".
[ ٦ / ٢٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ونقل صاحب "الإقليد" عن المصنف: "ووجهه أن يجر "القلوص" على الإضافة، ويقدر مضاف إلى: "أبي مزادة" محذوفًا بدلًا عن "القلوص"، تقديره: زج القلوص قلوص أبي مزادة. والقلوص: الشابة من النوق". وقال صاحب "الانتصاف": "إن إضافة المصدر إلى معموله مقدر بالفعل، ولهذا عمل. وهو وإن كانت إضافته محضة، مشبه بما إضافته غير محضة، حتى قال بعض النحاة: هي غير محضة. والحاصل أن اتصاله بالمضاف إليه، ليس كاتصال غيره، وجاء الفصل في غيره بالظرف، فتميز المصدر عن غيره، لجوازه بغير الظرف. وكأنه فكه، وقدم المفعول على الفاعل". ثم ذكر شواهد. وقال: "وليس القصد تصحيح القراءة بالعربية، بل تصحيح العربية بالقراءة". وأنشد السجاوندي: تمر على ما تستمر، وقد شفت … غلائل عبد القيس منها صدورها ومثله في شعر المتنبي: حملت إليه من لساني حديقةً … سقاها الحجي سقي الرياض السحائب
[ ٦ / ٢٦٢ ]
(لِيُرْدُوهُمْ) ليهلكوهم بالإغواء، (وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ): وليخلطوا عليهم ويشبهوه. ودينهم: ما كانوا عليه من دين إسماعيل ﵇ حتى زلوا عنه إلى الشرك. وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه. وقيل: معناه: وليوقعوهم في دين ملتبس. فإن قلت: ما معنى اللام؟ قلت: إن كان التزيين من الشياطين فهي على حقيقة التعليل، وإن كان من السدنة فعلى معنى الصيرورة.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ) مشيئة قسر، (ما فَعَلُوهُ): لما فعل المشركون ما زُين لهم من القتل، أو لما فعل الشياطين أو السدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ذلك، إن جعلت الضمير جاريًا مجرى اسم الاشارة (وَما يَفْتَرُونَ): وما يفترونه من الإفك. أو: وافتراؤهم.
_________________
(١) ـ جعل القصيدة كالروضة التي يحدث بها حاجز، وجعل العقل ساقيًا لها، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول. قوله: (فعلى معنى الصيرورة)، نحوه قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨]. قوله: (إن جعلت الضمير جاريًا مجرى اسم الإشارة). أي: الضمير في (فعلوه)، كقوله تعالى: (إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) [الإسراء: ٣٦]. وأنشد ابن جني: مثل الفراخ نتفت حواصله
[ ٦ / ٢٦٣ ]
[(وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ)].
(حِجْرٌ): فعلٌ، بمعنى: مفعول، كالذبح والطحن، ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات. وقرأ الحسن وقتادة «حُجر» بضم الحاء. وعن ابن عباس: "حرجٌ"، وهو من التضييق وكانوا إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: (لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ)، يعنون خدم الأوثان، والرجال دون النساء، (وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها) وهي البحائر والسوائب والحوامي (وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) في الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام. وقيل: لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها. والمعنى:
أنهم قسموا أنعامهم، فقالوا: هذه أنعام حجر، وأنعام محرّمة الظهور، وهذه أنعام لا يذكر عليها اسم الله، فجعلوها أجناسًا بهواهم، ونسبوا ذلك التجنيس إلى الله (افْتِراءً عَلَيْهِ) أي: فعلوا ذلك كله على جهة الافتراء، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا - وانتصابه على أنه مفعولٌ له، أو حال، أو مصدر مؤكد، لأنّ قولهم ذلك في معنى الافتراء.
_________________
(١) ـ أي: حواصل ذلك، أو حواصل ما ذكرنا، ذهب بالضمير إلى ذلك القدر والمبلغ، فلاحظ معنى الواحد فحمل عليه. قوله: (أو حال، أو مصدر مؤكد)، والحال أولى الوجوه: لملاءمته قوله: (بزعمهم)،
[ ٦ / ٢٦٤ ]
[(وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)].
كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيًا فهو خالصٌ للذكور لا تأكل منه الإناث، وما ولد منها ميتًا اشترك فيه الذكور والإناث. وأنث (خالِصَةٌ) للحمل على المعنى، لأنّ (ما) في معنى الأجنة، وذكر "مُحَرَّمٌ" للحمل على اللفظ. ونظيره (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ) [محمد: ١٦]. ويجوز أن تكون التاء للمبالغة مثلها في رواية الشعر، وأن تكون مصدرًا وقع موقع "الخالص"، كالعاقبة، أي: ذو خالصة. ويدل عليه قراءة من قرأ: "خالِصَةٌ" بالنصب على أنّ قوله (لِذُكُورِنا) هو الخبر، و"خالصةً" مصدر مؤكد، ولا يجوز أن يكون حالًا متقدمة، لأن المجرور لا يتقدم عليه حاله. وقرأ ابن عباس: "خالصةٍ" على الإضافة، وفي مصحف عبد الله: "خالص".
_________________
(١) ـ لأنه حال من فاعل: (قالوا) أي: قالوا زاعمين مفترين، قال أبو البقاء: (بزعمهم) متعلق بـ (قالوا). قوله: (ويدل عليه) أي: على أن (خالصة) في قراءة الرفع، مصدر بمعنى: ذو خالصة، قراءة النصب، فإنها مصدر قطعًا، لعدم جواز أن يكون حالًا من المجرور في (لذكورنا)، لأنها لا تتقدم عليه، ولا من الضمير في "لذكورنا" لأنها لا تتقدم على العامل المعنوي. وفيه بحث من وجهين: أحدهما: أن التقسيم غير حاصر، لجواز أن يكون حالًا من ضمير
[ ٦ / ٢٦٥ ]
(وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً): وإن يكن ما في بطونها ميتة. وقرئ: (وإن تكن)، بالتأنيث، على: وإن تكن الأجنة ميتة. وقرأ أهل مكة: (وإن تكن ميتة) بالتأنيث والرفع على كان التامّة وتذكير الضمير في قوله (فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ) لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى، فكأنه قيل: وإن يكن ميت فهم فيه شركاء.
_________________
(١) ـ الاستقراء في: (فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ). وعليه أبو البقاء، وصاحب "الكشف"، والكواشي، والقاضي. ويؤيده معنى قراءة ابن عباس: "خالصه" بالإضافة، أي: حيه. وثانيهما: أن التعليل بتقديم الحال ضعيف، لأنه يؤذن بأنها لو تأخرت عن المجرور لجاز، وأنه لا يجوز معنى، لأن (خالصةً) جارية على ما في بطون هذه الأنعام لا على الذكور. يدل عليه حمل (خالصة) عليه في قراءة الرفع، وقول المصنف: "ما ولد منها حيًا، فهو خالص للذكور، لا تأكل منه الإناث" إلى آخره. على أن المالكي أجاز تقديمها على المجرور، وذكر شواهد ودلائل سنذكرها في "سبأ" إن شاء الله تعالى. قوله: ("وإن تكن" بالتأنيث): أبو بكر وابن عامر، والباقون: بالتذكير. وابن كثير وابن عامر: "ميتة" بالرفع، والباقون: بالنصب. و"قتلوا" بالتشديد: ابن كثير وابن عامر، والباقون: بالتخفيف.
[ ٦ / ٢٦٦ ]
(سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) أى، زاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم من قوله تعالى: (تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) [النحل: ١١٦].
[(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)].
نزلت في ربيعة ومضر والرب الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر (سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ): لخفة أحلامهم، وجهلهم بأنّ الله هو رازق أولادهم، لا هم.
وقرئ: «قتلوا» بالتشديد (ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ): من البحائر والسوائب وغيرها.
[(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)].
_________________
(١) ـ قوله: (من قوله: (تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ». قال: "جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم، فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته"، ويجيء تمام تحقيقه في موضعه. قوله: (لخفة أحلامهم، وجهلهم بأن الله تعالى هو رازق أولادهم). الظاهر أن "جهلهم" عطف على "خفة"، وتفسير لقوله: (بغير علمٍ)، و"لخفة أحلامهم" تفسير لقوله: (سفها)، وأنه مفعول له. ولا يجوز أن يكون (بغير علم) معطوفًا عليه. قال أبو البقاء: " (سفها): مفعول له، أو مصدر لفعلٍ محذوف. و(بغير علم): حال".
[ ٦ / ٢٦٧ ]
(أَنْشَأَ جَنَّاتٍ) من الكروم، (مَعْرُوشاتٍ): مسموكاتٍ (وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ): متروكاتٍ على وجه الأرض لم تعرّش. وقيل: المعروشات: ما في الأرياف والعمران مما غرسه الناس واهتموا به فعرّشوه، (وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ) مما أنبته وحشيًا في البراري والجبال، فهو غير معروش. يقال: عرّشت الكرم؛ إذا جعلت له دعائم وسمكًا تعطف عليه القضبان، وسقف البيت: عرّشه.
(مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) في اللون والطعم والحجم والرائحة. وقرئ (أكله) بالضم والسكون وهو ثمره الذي يؤكل. والضمير للنخل والزرع داخل في حكمه، لكونه معطوفًا عليه
_________________
(١) قلت: المعنى: قتلوا أولادهم في حال كونهم جاهلين بالله، وبأنه هو الرازق ذو القوة المتين، لأجل خفة عقولهم. قوله: (ما في الأرياف). الريف: أرض فيها زرع وخصب. والجمع: أرياف. قوله: «وغير معروشات) مما أنبته الله) من بيان (وغير معروشات)، وكان من حق الظاهر أن يقال: وغير معروشات: ما في البراري والجبال مما أنبته الله تعالى؛ ليصح التقابل مع قوله: "المعروشات: ما في الأرياف والعمران، مما غرسه الناس" فعلق "في البراري والجبال" بقوله: "وحشيًا" وأخره، ليرتب عليه قوله: "فهو غير معروش"، ليؤذن بالفرق بين المأهول والوحشي. وفيه تنبيه على أن من لم يكن تحت سياسة سائس، وتأديب مؤدب، ولا ضبط ضابط، ينشأ كما ينشأ الوحشي، غير مؤدب، كأرباب البوادي والجبال. قوله: (وقرئ: (أكله) بالضم): كلهم إلا نافعًا وابن كثير، فإنهما قرآ بالسكون. قوله: (والضمير للنخل، والزرع داخل في حكمه)، لأن الأصل أن يطلق "الأكل" على
[ ٦ / ٢٦٨ ]
و(مختلفًا): حال مقدّرة لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك، كقوله تعالى (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) [الزمر: ٧٣]. وقرئ «ثمره» بضمتين.
فإن قلت: ما فائدة قوله: (إِذا أَثْمَرَ)، وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه؟ قلت: لما أبيح لهم الأكل من ثمره قيل: (إذا أثمر)، ليعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر، لئلا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع.
(وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) الآية مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة، فأريد بـ"الحق": ما كان يتصدّق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجبًا حتى نسخه افتراض العُشر ونصف العُشر. وقيل مدنية، والحق هو الزكاة المفروضة، ومعناه: واعزموا على إيتاء الحق واقصدوه واهتموا به يوم الحصاد، حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء.
_________________
(١) ـ الثمرة والجناة بالحقيقة، فيه الزرع. الأساس: "يقال: أكل بستانك دائم، أي: ثمره". ذكره في الحقيقة. الجوهري: "الأكل: ثمر النخل والشجر، وكل ما يؤكل فهو أكل". ولم يفرق بين الحقيقة والمجاز، فالضمير إذًا للمذكور. قوله: (وقرئ: "ثمرة" بضمتين): حمزة والكسائي، والباقون: بفتحتين. قوله: (لئلا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك) قال القاضي: "قيل: فائدة قوله: (إذا أثمر): رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله. وفائدة الأمر بالإيتاء يوم الحصاد: اهتمام
[ ٦ / ٢٦٩ ]
(وَلا تُسْرِفُوا) في الصدقة، كما روى عن ثابت بن قيس بن شماس: أنه صرم خمسمائة نخلة ففرّق ثمرها كله، ولم يدخل منه شيئًا إلى منزله (وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) [الإسراء: ٢٩].
[وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)].
(حَمُولَةً وَفَرْشًا) عطفٌ على (جناتٍ)، أى: وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح، أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش.
_________________
(١) ـ الأداء عند الحصاد حتى لا يؤخر عنه، وليعلم أن الوجوب بالإدراك لا بالتبقية". قوله: «ولا تسرفوا) في الصدقة) علق (ولا تسرفوا) في الصدقة بالقريب، وهو: (وءاتوا حقه) على طريقة التنازع، فيقدر مثله لقوله: (كلوا من ثمره). قوله: «حمولةً وفرشًا) عطف على (جناتٍ»: والجهة الجامعة: إباحة الانتفاع بالنوعين في عرف الشرع؛ وذلك أنه تعالى لما حكي عن المشركين تحريم ما في أجنة البحائر والسوائب، وسجل عليهم بالخسران، بسبب تحريمهم ما رزقهم الله افتراءً على الله، نص على
[ ٦ / ٢٧٠ ]
وقيل: «الحمولة» الكبار التي تصلح للحمل، «والفرش»: الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم، لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها، مثل الفرش المفروش عليها. (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية.
(ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) بدلٌ من (حمولة وفرشًا)، (اثْنَيْنِ): زوجين اثنين، يريد الذكر والأنثى، كالجمل والناقة، والثور والبقرة، والكبش والنعجة، والتيس والعنز - والواحد إذا كان وحده فهو فرد، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحدٍ منها زوجًا، وهما زوجان، بدليل قوله: (خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) [النجم: ٤٥]، والدليل عليه قوله تعالى: (ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) ثم فسرها بقوله: (مِنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)، (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ)، ونحو تسميتهم الفرد بالزوج، بشرط أن يكون معه آخر من جنسه: تسميتهم الزجاجة كأسًا بشرط أن يكون فيها خمر.
والضأن والمعز: جمع ضائنٍ وما عز، كتاجر وتجر
_________________
(١) ـ ما خلق للمكلفين، فأباح لهم أكله، وحمل الأثقال عليه، وقدم أولًا ذكر الجنات المختلفة، والزروع المتفاوتة، وأمرهم بالأكل منها، وأداء حقوق الله منها، ثم ثنى بذكر الأنعام المختلفة، ثم عم الخطاب في إباحة أكل سائر ما رزقهم الله تعالى، ونهي عن إتباع خطوات الشيطان؛ من تحريم ما أحل الله تعالى. قوله: (بدليل قوله: (خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثَى» تعليل لقوله: "سمي كل واحدٍ منهما زوجًا، وهما زوجان". وقوله: "والدليل عليه"، أي: على أنه يريد الذكر والأنثى؛ كالجمل والناقة، إلى آخره.
[ ٦ / ٢٧١ ]
وقرئا بفتح العين. وقرأ أُبيّ: "ومن المعزى". وقرئ: "اثنان"، على الابتداء.
الهمزة في (آلذَّكَرَيْنِ) للإنكار، والمراد بالذكرين: الذكر من الضأن والذكر من المعز، وبالأنثيين: الأنثى من الضأن والأنثى من المعز، على طريق الجنسية. والمعنى إنكار أن يحرّم الله تعالى من جنس الغنم ضأنها ومعزها شيئًا من نوعي ذكورها وإناثها، ولا مما تحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكران من جنسى الإبل والبقر، والأنثيان منهما، وما تحمل إناثهما، وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكورة الأنعام تارةً، وإناثها تارة، وأولادهما كيفما كانت ذكورًا وإناثًا، أو مختلطةً تارة، وكانوا يقولون: قد حرّمها الله، فأنكر ذلك عليهم.
(نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ): أخبروني بأمرٍ معلوم من جهة الله تعالى يدل على تحريم ما حرّمتم (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في أنّ الله حرّمه.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئا بفتح العين) "المعز" - بفتح العين -: ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والباقون: بإسكانها. قوله: (إنكار أن يحرم الله). قال صاحب "المفتاح": "قل في إنكار نفس الضرب: "أزيدًا ضربت أم عمرًا؟ "، فإنك إذا أنكرت من يردد الضرب بينهما، تولد منه إنكار الضرب على وجه برهاني. ومنه قوله تعالى: (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ) ". قوله: "على وجه برهاني"، يعني به: أن الضرب يستلزم محلًا، فإذا نفيت المحل، نفي اللازم، وانتفاء اللازم مستلزم لانتفاء الملزوم.
[ ٦ / ٢٧٢ ]
(أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ): بل أكنتم شهداء؟ ومعنى الهمزة الإنكار، يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم؟ وذكر المشاهدة على مذهبهم، لأنهم كانوا لا يؤمنون برسولٍ وهم يقولون: الله حرّم هذا الذي نحرّمه، فتهكم بهم في قوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ) على معنى: أعرفتم التوصية به مشاهدين، لأنكم لا تؤمنون بالرسل؟ (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) فنسب إليه تحريم ما لم يحرّم، (لِيُضِلَّ النَّاسَ) وهو عمرو بن لحي بن قمعة الذي بحر البحائر وسيب السوائب.
فإن قلت: كيف فصل بين بعض المعدود وبعضه ولم يوال بينه؟ قلت: قد وقع
_________________
(١) ـ قوله: (وذكر المشاهدة على مذهبهم) أي: على ما يؤدي إليه مذهبهم، فإنهم كانوا يقولون: الله حرم هذا. وطريق تصحيح هذه الدعوى أن يقال: إن هؤلاء إنما علموا ذلك إما بأن بعث الله تعالى رسولًا أخبرهم به، أو بأن كانوا مشاهدين يسمعون كلام الله في التحريم. والأول منافٍ لمذهبهم، لأنهم لم يكونوا مؤمنين بالرسل، فبقي الثاني، وذلك محال؛ فتهكم بهم. قال الزجاج: "قد بين الاحتجاج أنهم لا يدعون بأن نبيًا أخبرهم عن الله أن هذا حرام، ولا أنهم شاهدوا الله قد حرم ذلك. أي: هل شاهدتم الله قد حرم هذا إذ كنتم لا تؤمنون برسول؟ ثم بين ظلمهم فقال: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)، ثم قال: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا)، أعلمهم أن التحليل والتحريم إنما يقبل بالوحي والتنزيل". قوله: (فصل بين بعض المعدود) وهو قوله: (مِّنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ)، (وبعضه)، وهو: (ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ)، والفاصل: (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ) الآية.
[ ٦ / ٢٧٣ ]
الفاصل بينهما اعتراضًا غير أجنبي من المعدود؛ وذلك أنّ الله ﷿ منّ على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وبإباحتها لهم، فاعترض بالاحتجاج على من حرّمها، والاحتجاج على من حرّمها تأكيدٌ وتشديدٌ للتحليل، والاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد.
[(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ) تنبيهٌ على أنّ التحريم إنما يثبت بوحي الله تعالى وشرعه، لا بهوى الأنفس، (مُحَرَّمًا): طعامًا محرّمًا من المطاعم التي حرّمتموها، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) إلا أن يكون الشيء المحرّم ميتة،
_________________
(١) ـ قوله: (غير أجنبي من المعدود) يريد أن قوله: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) لما كان بدلًا من قوله: (حمولةً وفرشًا) على تقدير: أنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال، وما يفرش للذبح، وكان ذكرها للامتنان على المكلفين، لينتفعوا بها أنواع الانتفاعات، ثم جيء بقوله: (مِّنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ)، تفصيلا لتلك الفذلكة، فصل المعدود بقوله: (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ) الآية، للاحتجاج على من حرمها، لأن أصل الكلام كان مسوقًا في تحريمهم البحائر والسوائب وما تولد منها، وفي افترائهم على الله، وتضليلهم فيها يدل عليه قولهم: (مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا)، وقوله تعالى: (وحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ومَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). قوله: (طعامًا محرمًا من المطاعم التي حرمتموها … إلا أن يكون الشيء المحرم ميتة)،
[ ٦ / ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ظاهر هذا التركيب مشعر بأنه ذهب إلى أن الاستثناء منقطع، كما سيجيء بيانه. وقال أبو البقاء: " (يطعمه) صفة لـ (طاعم)، وقوله: (إلا أن يكون) استثناء من الجنس، وموضعه نصب، أي: لا أجد محرمًا إلا الميتة. ويقرأ (يكون) بالياء، و(ميتةً) بالنصب، أي: إلا أن يكون المأكول، أو ذلك. ويقرأ بالتاء، أي: المأكولة". واعلم أن هذا الموضع من المشكلات، فلابد من بسط الكلام فيه؛ فنقول: المستثنى هاهنا مخصص، لأن اسم (يكون) ضمير راجع إلى ما سبق، ومن ثم قال: "الشيء المحرم"، وقد خصص بقوله: (ميتةً)، وما عطف عليها، وقد قيد المستثنى منه بقوله: "من المطاعم التي حرمتموها"، وما هذا شأنه لا يكون متصلًا، فكأنه قيل: لا أجد فيما أوحي إلى من التنزيل، طعامًا محرمًا بما قيدتموه، ولكني أجد ذلك الطعام المحرم مقيدًا بهذه القيود المذكورة. وينكشف هذا التقرير بما ذكره في قوله تعالى: (إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إلاَّ آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) [الحجر: ٥٨ - ٥٩]. قال: " (إلا آل لوطٍ): لا يخلو من أن يكون استثناءً من (قومٍ)، فيكون منقطعًا، لأن "القوم" موصوفون بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان، وأن يكون استثناءً من الضمير في (مجرمين) فيكون متصلًا". والنظم والتركيب يساعد الانقطاع، ويأبي الاتصال؛ أما التركيب: فإن قوله: (يطعمه) صفة مؤكدة لـ (طاعم) على نحو: (ولا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨] فيفيد مزيد التعميم والإحاطة، فإذا استثنى المذكورات، آذن بقصر المحرمات على المذكورات، وليس بذلك؛ فوجب الانقطاع والتخصيص.
[ ٦ / ٢٧٥ ]
(أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) أي: مصبوبًا سائلا، كالدم في العروق، لا كالكبد والطحال. وقد رخص في دم العروق بعد الذبح.
(أَوْ فِسْقًا) عطف على المنصوب قبله. سمى ما أهلّ به لغير الله فسقًا لتوغله في باب الفسق. ومنه قوله تعالى: (وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) [الأنعام: ١٢١]، و(أهل): صفةٌ له منصوبة المحل. ويجوز أن يكون مفعولا له من (أهلّ)، أي: أهلّ لغير الله به فسقًا.
_________________
(١) ـ وأما النظم: فإن هذه الآيات وردت عقب افترائهم على الله من تحريم ما حرموه، قالوا: (هَذِهِ أَنْعَامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ) [الأنعام: ١٣٨]، و(هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا ومُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) [الأنعام: ١٣٩]، كأنهم ادعوا أن ما حرموه ليس من عند أنفسهم بل هو من عند الله. فقيل لهم: ليست الأطعمة المحرمة ما وصفتموه، ولكنها ما وصفه الله تعالى، ومن ثم قيل: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)، وعقبه بقوله: (قل لا أجد) الآية، ثم ختمها بقوله: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا) [الأنعام: ١٥٠]، ثم شرع بعد ذلك فيما حرمه الله تعالى بقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ) [الأنعام: ١٥٠] الآيات. قوله: (وقد رخص في دم العروق بعد الذبح). قال الإمام: "الدم المسفوح: السائل. وعن ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح. وعلى هذا التقدير: لا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، ولا ما يختلط باللحم من الدم، فإنه غير سائل. وسئل أبو مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم، وعن القدر يرى فيه حمرة الدم، فقال: لا بأس به، إنما نهي عن الدم المسفوح".
[ ٦ / ٢٧٦ ]
فإن قلت: فعلام تعطف (أُهِلَّ)؟ وإلام يرجع الضمير في (بِهِ) على هذا القول؟ قلت: يعطف على (يكون)، ويرجع الضمير إلى ما يرجع إليه المستكنّ في (يكون).
_________________
(١) وقال الشافعي ﵁: "قوله تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة والدم) [البقرة: ١٧٣]: بيان لتحريم الدم مطلقًا، فوجب الحكم بحرمة جميع الدماء، ونجاستها، سوى الكبد والطحال، بالحديث، فيجب إزالتها عن اللحم ما أمكن". قال صاحب "الجامع": "أبو مجلز: لا حق بن حميدٍ السدوسي البصري، تابعي، سمع عبد الله بن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك. وسمع منه قتادة، وسليمان التيمي، وعمران ابن حدير". قوله: (فعلام تعطف (أهل» الفاء: للإنكار؛ يعني: إذا جعل (فسقًا) مفعولًا له، من (أهل) مقدمًا على العامل، ينقلب مدخول حرف العطف من الإفراد إلى الجملة، والضمير المجرور بلا عائد ظاهر، إذ تلك الجملة المعطوف عليها، وإلام يرجع الضمير؟ قوله: (يعطف على (يكون». وقلت: الأول أولى، ليحصل في الكلام الترقي، وليؤذن بأن ما أهل لغير الله أقذر وأخبث من لحم الخنزير، ولذلك علل لحم الخنزير بالرجس، ثم أتبعه ذلك، وسماه أولًا بنفس الفسق، ثم وصفه بما يكشف عن حقيقته، كأن
[ ٦ / ٢٧٧ ]
(فَمَنِ اضْطُرَّ): فمن دعته الضرورة إلى أكل شيءٍ من هذه المحرّمات، (غَيْرَ باغٍ) على مضطر مثله تارك لمواساته، (وَلا عادٍ): متجاوزٍ قدر حاجته من تناوله، (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لا يؤاخذه.
[(وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ* فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَاسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)].
ذو الظفر: ما له أصبعٌ من دابةٍ أو طائر، وكان بعض ذات الظفر حلالًا لهم، فلما ظلموا حرّم ذلك عليهم، فعمّ التحريم كل ذى ظفر بدليل قوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) [النساء: ١٦٠].
وقوله: (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما) كقولك: من زيدٍ أخذت ماله، تريد بالإضافة زيادة الربط
_________________
(١) الفسق تفسيره، وبيانه: أنه أهل لغير الله. فعلى هذا ففي تأخير الدم عن الميتة الإشعار بأنه أخبث منه، فيجب أن يحترز منه ما أمكن، كما ذهب إليه الشافعي. قوله: (ذو الظفر: ما له أصبع من دابةٍ أو طائر). قال القاضي: "وقيل: كل ذي مخلبٍ وحافر. وسمي الحافر ظفرًا مجازًا". قوله: (تريد بالإضافة زيادة الربط). قيل: الإضافة: لفظ مشترك بين نسبة فعل إلى اسم، أو نسبة اسم إلى اسم، بواسطة حرف ملفوظٍ أو مقدر، والأول يسمى جارًا ومجرورًا، والثاني مضافًا ومضافًا إليه.
[ ٦ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قلت: والمراد هاهنا إضافة الشحوم إلى الضمير، لأن الظاهر أن يقال: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم الشحوم، وأخذت من زيد المال، فأضيف لزيادة الربط. وإلى هذا ذهب صاحب "التقريب". وأما بيان نسبة الفعل إلى الاسم فإن الظاهر أن يقال: "أخذت مال زيد" فأنت في قولك: "من زيد أخذت" مجمل، لأن المأخوذ يحتمل أن يكون جميع ما يملك، أو يكون شيئًا دون شيء، وإذا قلت: "ماله"، تعين المال. وقريب منه - من حيث الإجمال والتفصيل - قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح: ١]. هذا، وإن اقتضاه التركيب، لكنه ليس بمعنى هاهنا. وأما الحصر في قوله: "لم يحرم منهما إلا الشحوم الخالصة"، فمن تقديم المعمول على العامل، وتخصيصه في الثاني، وتأخيره وتعميمه في الأول. وقال أبو البقاء: " (ومن البقر) معطوف على (كل)، وجعل (حرمنا عليهم شحومهما) تبيينًا للمحرم من البقر. ويجوز أن يكون (البقر) متعلقًا بـ (حرمنا) الثانية". وقال صاحب "الكشف": "والتقدير حينئذ: وحرمنا من البقر والغنم عليهم
[ ٦ / ٢٧٩ ]
والمعنى: أنه حرّم عليهم لحم كل ذى ظفرٍ وشحمه وكل شيءٍ منه، وترك البقر والغنم على التحليل لم يحرّم منهما إلا الشحوم الخاصة، وهي الثروب وشحوم الكلى.
وقوله: (إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما) يعني: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة، (أَوِ الْحَوايا) أو اشتمل على الأمعاء (أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) وهو شحم الإلية. وقيل (الْحَوايا) عطف على (شحومهما). و(أو) بمنزلتها في قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين.
_________________
(١) شحومهما، فتقف على قوله: (ذي ظفر). فإن حملت (ومن البقر والغنم) على (ذي ظفر) - لأن المعنى: من كل ذي ظفر ومن البقر والغنم - وقفت على قوله: (والغنم). والوجه: الأول". قوله: (وهي الثروب)، الجوهري: "الثروب: شحم قد غشي الكرش والأمعاء، رقيق". و"السحفة" - بفتح السين وسكون الحاء المهملة، والفاء -: "الشحمة التي على الظهر، الملتزقة بالجلد، فيما بين الكتفين إلى الوركين". قوله: (و(أو) بمنزلتها في قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين). قال الزجاج: "يجوز أن يكون (الحوايا) نسقًا على (شحومهما) لا على الاستثناء. المعنى: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت الظهور، فإنه غير محرم، ودخلت (أو) على طريق الإباحة، كما قال: (ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: ٢٤] أي: هؤلاء أهل أن يعصى، فاعص هذا أو اعص هذا، و(أو) بليغة في هذا المعنى، لأنك إذا قلت: لا تطع زيدًا وعمرًا، فجائز أن تكون نهيتني عن طاعتهما معًا في حال، فإن أطعت زيدًا على حدته،
[ ٦ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ .. لم أكن عصيتك، وإذا قلت: لا تطع زيدًا أو عمرًا أو خالدًا، أي: هؤلاء كلهم أهل ألا يطاع، فلا تطع واحدًا منهم، ولا تطع الجماعة، ومثله: "جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي" فليس المعنى أني أمرتك بمجالسة واحد منهم، بل المعنى: كلهم أهل أن يجالس، فإن جالست واحدًا منهم فأنت مصيب، وإن جالست الجماعة فأنت مصيب". وقال ابن الحاجب: " (أو) في قوله تعالى: (ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: ٢٤] بمعناها، وهو أحد الأمرين، وإنما جاء التعميم من النهي الذي فيه معنى النفي، لأن المعنى قبل وجود النهي فيهما: تطيع آثمًا أو كفورًا، أي: واحدًا منهما، فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتًا في المعنى، فيصير المعنى: ولا تطع واحدًا منهما، فيجيء التعميم فيهما من جهة النهي الداخل، بخلاف الإثبات، فإنه قد يفعل أحدهما دون الآخر. فهو معنى دقيق" تم كلامه. وحاصل ذلك أنك إذا عطفت (أَوِ الحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) على (شحومهما) دخلت الثلاث تحت حكم النفي، فيحرم الكل سوى ما استثنى منه، وإذا عطفت على المستثنى لم يحرم سوى "الشحوم". و(أو) على الأول للإباحة، وعلى الثاني للتنويع. قال أبو البقاء: " (أو): هاهنا لتفصيل مذاهبهم، لاختلاف أماكنها، كقوله تعالى: (وقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) [البقرة: ١١١]، فلما لم يفصل في قوله: (وقالوا) جاء بـ (أو) للتفصيل، إذ كانت موضوعةً لأحد الشيئين".
[ ٦ / ٢٨١ ]
(ذلِكَ) الجزاء (جَزَيْناهُمْ)، وهو تحريم الطيبات (بِبَغْيِهِمْ) بسبب ظلمهم (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) فيما أوعدنا به العصاة لا نخلفه، كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة. فلما عصوا وبغوا ألحقنا بهم الوعيد وأحللنا بهم العقاب.
(فَإِنْ كَذَّبُوكَ) في ذلك وزعموا أن الله واسع الرحمة، وأنه لا يؤاخذ بالبغي ويخلف الوعيد جودًا وكرمًا (فَقُلْ) لهم (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) لأهل طاعته (وَلا يُرَدُّ بَاسُهُ) مع سعة رحمته (عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) فلا تغترّ برجاء رحمته عن خوف نقمته.
_________________
(١) ـ … قوله: «وإنا لصادقون) فيما أوعدنا به العصاة لا نخلفه، كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة)، الثاني صحيح، والأول اعتزال. وأنشد أصحابنا: وإني إذا أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقال الإمام: " (وإنا لصادقون): في الإخبار عن بغيهم، وفي الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم". قوله: «فإن كذبوك) في ذلك)، أي: في "إنا لصادقون فيما أوعدنا به العصاة، لا نخلفه"، وإنما فسره بقوله: "وزعموا أن الله واسع الرحمة"، لوقوع قوله: (فَقُل رَّبُّكُمْ
[ ٦ / ٢٨٢ ]
[(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَاسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ* قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ)].
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) إخبار بما سوف يقولونه، ولما قالوه، قال: (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [النحل: ٣٥]، يعنون بكفرهم وتمردهم. أن شركهم وشرك آبائهم، وتحريمهم ما أحل الله، بمشيئة الله وإرادته. ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب المجبرة بعينه، (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: جاءوا بالتكذيب المطلق، لأنّ الله ﷿ ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها،
_________________
(١) ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) جوابًا لتكذيبهم، فقرر ما قالوه، وزيد عليه: (ولا يُرَدُّ بَاسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ) أي: رحمته، وإن كانت واسعة، لكن لأهل طاعته. وهو من أسلوب القول بالموجب، كما سيجيء بيانه في سورة التوبة في قوله: (ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ) [التوبة: ٦١]. قوله: (وقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا): الآية في سورة "النحل" [٣٥]. قوله: (ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب المجبرة). قال القاضي: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) أي: لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاء، كقوله: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)
[ ٦ / ٢٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . لما فعلنا نحن ولا آباؤنا. أرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله، لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة الله إياها منهم، حتى ينهض ذمهم به دليلًا للمعتزلة". وقلت: وأما مقتضي النظم: فهو أن الله تعالى من ابتداء قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]، وقوله: (ومَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩] وهلم جرًا، إلى آخر الآيات المتعلقة بأمر الأنعام، يحتج عليهم في اتخاذهم شركاء لله من الجن والملائكة، وينعي عليهم سوء صنيعهم في تحريم البحائر والسوائب، ويعلم نبيه صلي الله عليه وسلم طريقة الرد عليهم بقوله: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا) [الأنعام: ١٤٥]. وحين لم تجد معهم الآيات والنذر، أخذ يسليه صلي الله عليه وسلم مما قاسي من تكذيبهم، بقوله: (فَإن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) [الأنعام: ١٤٧] وبقوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) إلى قوله: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، أي: لا تتهاون في الإنذار والاحتجاج، ولا تبال بقولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا)، فإنه دأبهم، ودأب من سلف من أمثالهم عند إلزامهم، لأن ديدن المحجوج، إذا لم يبق له حجة يتمسك بهأ، التشبث بأمثال هذا، فإنهم إذا تفكروا في الأمر، ورأوا أن الحجة قد لزمتهم، وتيقنوا بطلان مذهبهم، لابد أن يقولوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا). ونحوه ما روينا عن البخاري ومسلم، عن الحسين بن علي ﵉، أن عليا أخبره: أن النبي صلي الله عليه وسلم طرقه ليلًا وفاطمة، فقال: "ألا تصليان؟ "، قال على: فقلت: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلي الله عليه وسلم حين قلت له ذلك، ولم يرجع
[ ٦ / ٢٨٤ ]
والرسل أخبروا بذلك. فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره، (حَتَّى ذاقُوا بَاسَنا): حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم، (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ): من أمرٍ معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم (فَتُخْرِجُوهُ لَنا)، وهذا من التهكم، والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة.
_________________
(١) شيئًا. ثم سمعته وهو منصرف يضرب فخذه، ويقول: " (وكَانَ الإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) [الكهف: ٥٤] ". والحاصل: أن هذه كلمة حق، يريد بها هذا القائل في هذا المقام باطلًا. ويعضد ما ذكرناه، قوله: (هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا)، يعني: هذا الذي قلتموه جهل محض، لأنه لازم عليكم، فإن كان لكم حجة أخرى مما يصح الاحتجاج به، فأخرجوها. وقوله: (قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)، يعني: أن المحق الصادق الدعوى، كأهل السنة، إذا تمسكوا بهذا الكلام ابتداءً على إظهار الحق، فلله ولهم الحجة البالغة، لعلمهم بذلك، ومن تمسك به لمجرد المماراة والجدال وإبطال الحق، يكون حجةً عليهم، ودليلًا على إفحامهم وعجزهم. ونحوه ما ذكره المصنف في أول "البقرة"، عند قوله تعالى: (وَادْعُوا شُهَداءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ) [البقرة: ٢٣]: "يعني: لا تستشهدوا بالله، ولا تقولوا: الله يشهد أن ما ندعيه حق، كما يقوله العاجز عن إقامة الحجة"، وقال: "هذا بيان لتعجيزهم وانقطاعهم". فإذًا، التكذيب واقع في واقعة معينةٍ وحالة مخصوصة، فكيف يقال: "جاؤوا بالتكذيب المطلق"، "وقد كذب التكذيب كله"؟ ! ومراده بالتكذيب المطلق: قولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)، لأنه يهدم جميع قاعدة التكليف.
[ ٦ / ٢٨٥ ]
(إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) في قولكم هذا، (وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ): تقدّرون أن الأمر كما تزعمون أو تكذبون.
وقرئ: "كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" بالتخفيف.
_________________
(١) ثم إني، بعد استخراج هذه المعاني، وقفت على كلام إمام الحرمين في كتاب "الإرشاد"، قال: "إنهم إنما استوجبوا التوبيخ، لأنهم كانوا يهزؤون بالدين، ويبغون رد دعوة الأنبياء، وكان قد قرع مسامعهم من شرائع الرسل تفويض الأمور إلى الله تعالى، فلما طولبوا بالإسلام، والتزام الأحكام، تعللوا بما احتجوا به على النبيين، وقالوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)، ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم، والدليل عليه قوله: (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إن تَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وإنْ أَنتُمْ إلاَّ تَخْرُصُونَ)، فكيف لا يكون الأمر كذلك، والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان بالله تعالى والمقرعون بالآية كفرة؟ ! ". قوله: (وقرئ: "كذلك كذب الذين من قبلهم" بالتخفيف). هذه القراءة شاذة، بل كادت أن تكون موضوعة، وابن جني ما ذكرها في "المحتسب"، وردها الإمام أبلغ رد. والقراءة بالتشديد هي المتفق عليها، والاستدلال بها لا بهذه. ولو أريد التفصي منها يقال: إن قوله: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) دفع لداعيهم إلى الإيمان. المعنى: إن الله تعالى لم يشأ منا الإيمان على زعمكم، فامضوا من حيث جئتم منه، واتركونا، فإذا قالوه أجب عنه، وقل: هل عندكم من علم أن الله تعالى أراد منكم الكفر، ولم يرد الإيمان؟ بل هذا الذي تقولونه كذب بحت، لأن مشيئة الله مخفية عن الخلق، ولا يعلم أحد ما قضي له من الكفر والإيمان، ومن ادعى أنه يعلم ما قدره الله تعالى عليه، يكون جاهلًا خارصًا.
[ ٦ / ٢٨٦ ]
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) يعني: فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله، فلله الحجة البالغة عليكم على قود مذهبكم، (فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضى أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضًا بمشيئته، فتوالوهم ولا تعادوهم، وتوافقوهم ولا تخالفوهم، لأنّ المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه.
[(قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)].
(هَلُمَّ) يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث عند الحجازيين، وبنو تميم تؤنث وتجمع. والمعنى: هاتوا شهداءكم وقرّبوهم.
فإن قلت: كيف أمره باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أنّ الله حرم ما زعموه محرما، ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟
_________________
(١) هذا معنى ما روي عن الحسن أنهم قالوا: إن الله رضي منا ما نحن عليه، وأراده منا، ولو لم يرض منا لحال بيننا وبين ما نحن عليه، ولعالجنا بالعقوبة. قوله: (على قود مذهبكم)، الجوهري: "قدت الفرس وغيره، أقوده قودًا ومقادةً وقيدودةً. وفرس قؤود: سلس منقاد". والقود في الكتاب: بمعنى مفعول. المعنى: فلله الحجة البالغة على ما يقوده مذهبكم، وهو مساواة جميع الملل المخالفة، لأن ما خالف مذهبكم من الملل يجب أن يكون عندكم حقًا، لأنه بمشيئة الله، فيؤدي إلى تصحيح الأديان المتناقضة. هذا تفسير في نهاية من التعسف. والحق ما مر.
[ ٦ / ٢٨٧ ]
قلت: أمره باستحضارهم- وهم شهداء بالباطل-، ليلزمهم الحجة، ويلقمهم الحجر، ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شيء، لتساوي أقدام الشاهدين والمشهود لهم في أنهم لا يرجعون إلى ما يصح التمسك به.
وقوله: (فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) يعني: فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم، لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم، وكان واحدًا منهم، (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) من وضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على أنّ من كذب بآيات الله وعدل به غيره فهو مُتبع للهوى لا غير، لأنه لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدقا بالآيات موحدًا لله تعالى.
فإن قلت: هلا قيل: قل هلم شهداء يشهدون أنّ الله حرّم هذا؟ وأي: فرقٍ بينه وبين المنزل؟ قلت: المراد أن يحضروا شهداءهم الذين علم أنهم يشهدون لهم وينصرون قولهم، وكان المشهود لهم يقلدونهم، ويثقون بهم، ويعتضدون بشهادتهم، ليهدم ما يقومون به، فيحق الحق ويبطل الباطل، فأضيفت الشهداء لذلك، وجيء بـ (الذين) للدلالة على أنهم شهداء معروفون موسومون بالشهادة لهم وبنصرة مذهبهم، والدليل عليه قوله تعالى: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ)، ولو قيل: "هلم شهداء يشهدون"
_________________
(١) قوله: (لأنه إذا سلم لهم، فكأنه شهد معهم). تلخيصه: أن قوله: "لا تشهد معهم" أبلغ في النهي من قوله: "ولا تصدقهم"، فهو من باب الكناية، ويجوز أن يكون من باب المشاكلة. قوله: (والدليل عليه)، أي: على أنهم شهداء معروفون، قوله تعالى: (فَإن شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ)، لأنه لو أريد مطلق الشهداء، لم يقل: (فإن شهدوا)، فإن العاقل لا يشهد بالباطل، ومن يشهد بالحق لا يجوز أن يقال لمن يشهد معه: لا تشهد معه، أي: لا تصدقه.
[ ٦ / ٢٨٨ ]
لكان معناه: هاتوا أناسًا يشهدون بتحريم ذلك، فكان الظاهر طلب شهداء بالحق، وذلك ليس بالغرض، ويناقضه قوله تعالى: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ).
[(قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)].
تعال: من الخاص الذي صار عامًا، وأصله أن يقوله من كان في مكانٍ عالٍ لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عمّ. و(ما حَرَّمَ) منصوب بفعل التلاوة، أي: أتل الذي حرمه ربكم،
_________________
(١) ولا يقال ذلك إلا في حق من علم بطلان شهادته. وإليه الإشارة بقوله: "ويناقضه قوله تعالى: (فَإن شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) ". قال في "الانتصاف": "وجه مناقضته: أن قوله: (هلم شهدآءكم) يفهم منه أن الطالب لذلك ليس على يقين أن ثم شهداء، كما يقول الحاكم: "هات بينةً تشهد لك" من غير أن يتحقق أن ثم بينة، ويكون قوله: "هلم شهداء يشهدون" تحقيقًا أن ثم شهداء". وقلت: بل مثاله أن يقول الحاكم لمن يدعي أن له شهداء، وهو يعرف بأنهم شهداء زورٍ وباطل، فيقول: "هات شهداءك ليشهدوا لك" فإذا شهدوا له، ثم خرجوا، وعرف كذبهم، كان أفحم له من أن يطلب الشهداء مطلقًا. وإليه الإشارة بقوله: "ويلقمهم الحجر".
[ ٦ / ٢٨٩ ]
أو بـ (حرم) بمعنى: أقل أي: شيء حرّم ربكم، لأن التلاوة من القول، و«أن» في (أَلَّا تُشْرِكُوا) مفسرة و«لا» للنهى.
فإن قلت: هلا قلت هي التي تنصب الفعل، وجعلت (ألا تشركوا) بدلًا من (ما حَرَّمَ)؟ قلت: وجب أن يكون (َلَّا تُشْرِكُوا) و(لا تَقْرَبُوا) و(لا تَقْتُلُوا) و(لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) [الأنعام: ١٥٣] نواهي لانعطاف الأوامر عليها، وهي قوله: (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا)، لأن التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، و(أَوْفُوا)، (وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) [الأنعام: ١٥٢]، (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) [الأنعام: ١٥٢].
_________________
(١) قوله: (أو بـ (حرم) بمعنى: أقل). يريد أن (ما) في قوله: (ما حرم ربكم): إما أن تكون موصولةً أو استفهامية، فإن كان الأول كان مفعولًا لـ: (أتل)، "وأن" في (ألا تشركوا): ناصبة للفعل، و"لا" نافية، والمنصوب - وهو: (ألا تشركوا) - بدل من الهاء المحذوفة. قال أبو البقاء: "أن: مصدرية، وفي موضعها وجهان؛ أحدهما: أنها منصوبة، وفي ذلك وجهان، أحدهما: هي بدل من الهاء المحذوفة، أو من (ما)، و"لا" زائدة؛ أي: حرم ربكم أن تشركوا، والثاني: أنها منصوبة على الإغراء، والعامل فيها: (عليكم)، والوقف على ما قبل (عليكم) أي: الزموا ترك الشرك. والوجه الثاني: أنها مرفوعة، والتقدير: المتلو: هو (ألا تشركوا)، أو المحرم: أن تشركوا، و"لا" زائدة". وإن كان الثاني - أي: "ما" استفهامية - كان (حرم) عاملًا فيها، و"أن" هي المفسرة، و(أتل): في معنى القول، و"لا": للنهي. التقدير: أقل: أي شيء حرم ربكم؛ أي: أقل قولًا فيه تحريم أشياء، وهي: (ألا تشركوا به شيئًا) إلى آخره. قوله: (هلا قلت: هي التي تنصب الفعل؟): أي: لم لا تجعل "أن" ناصبة، والمنصوب بدلًا من (ما حرم)؟
[ ٦ / ٢٩٠ ]
فإن قلت: فما تصنع بقوله: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] فيمن قرأ بالفتح، وإنما يستقيم عطفه على (ألا تشركوا) إذا جعلت "أن" هي الناصبة للفعل، حتى يكون المعنى: أتل عليكم نفى الإشراك والتوحيد، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيمًا؟ قلت: أجعل قوله (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا) [الأنعام: ١٥٣] علة للاتباع بتقدير اللام، كقوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: ١٨]، بمعنى: ولأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه. والدليل عليه القراءة بالكسر، كأنه قيل: واتبعوا صراطي لأنه مستقيم، أو: واتبعوا صراطي إنه مستقيم.
_________________
(١) وأجاب عنه أن المانع من ذلك وجوب حمل (ألا تشركوا)، (ولا تقتلوا)، (ولا تقربوا) على أن تكون نواهي، ليحسن عطف "أحسنوا" و(وأوفوا) عليها. ولو جعلت "أن" ناصبة، و"لا" نافية، لزم عطف الطلبي على الخبري، فالواجب أن تجعل "أن" مفسرة، و"لا" ناهية، لتتفق الأوامر مع النواهي. ثم أورد على القول الذي اختاره سؤالين. أحدهما: قوله: "فما تصنع بقوله: (وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) [الأنعام: ١٥٣]؟ ". وأجاب بأن الواو ليست عاطفة، بل هي استئنافية، والجملة معترضة مؤكدة لمضمون الجمل، واللام متعلقة بقوله: (فاتبعوه)، أي: فاتبعوا صراطي لأنه مستقيم، كما قدر في قوله: (وأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: ١٨]: أي: "فلا تدعوا مع الله أحدًا في المساجد، لأنها لله تعالى خاصة". والدليل عليها القراءة بكسر "إن"، لأنها صريحة في العلية.
[ ٦ / ٢٩١ ]
فإن قلت: إذا جعلت "أَنَّ" مفسرة لفعل التلاوة وهو معلق بـ (ما حرم ربكم)، وجب أن يكون ما بعده منهيًا عنه محرما كله، كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرف النهي، فما تصنع بالأوامر؟ قلت: لما وردت هذه الأوامر مع النواهي، وتقدمهنّ جميعًا فعل التحريم، واشتركن في الدخول تحت حكمه، علم أن التحريم راجعٌ إلى أضدادها، وهي الإساءة إلى الوالدين، وبخس الكيل والميزان، وترك العدل في القول، ونكث عهد الله.
(مِنْ إِمْلاقٍ) من أجل فقر ومن خشيته، كقوله تعالى: (خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) [الإسراء: ٣١]. (ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) مثل قوله: (ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ) [الأنعام: ١٢٠]، (إِلَّا بِالْحَقِّ) كالقصاص، والقتل على الردّة، والرجم.
_________________
(١) والسؤال الثاني قوله: "إذا جعلت "أن" مفسرة". وتقديره: أنك إذا جعلت "أن" مفسرةً لفعل التلاوة، لزمك أيضًا محذور، وهو وجوب اشتراك النواهي والأوامر في التحريم، لأن فعل التلاوة معلق بـ (ما حرم)، أي: مفعول له، وأجاب بما أجاب. فتفطن له، فإنه دقيق جدًا. قوله: (محرمًا كله) بالرفع: إما تأكيد لقوله: "ما بعده"، أو فاعل "محرمًا". قوله: (أن التحريم راجع إلى أضدادها). قال صاحب "الفرائد": ومما يشاكل هذا في اعتبار المعطوف عليه من حيث المعنى: قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ) [البقرة: ٢٥٨]، ثم قوله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: (وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى) [البقرة: ٢٦٠]، وقول الشاعر: بدا لي أني لست مدرك ما مضى … ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيا
[ ٦ / ٢٩٢ ]
[(وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)].
(إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): إلا بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل بمال اليتيم، وهي حفظه وتثميره والمعنى: احفظوه عليه حتى يبلغ أشدّه فادفعوه إليه (بِالْقِسْطِ): بالسوية والعدل، (لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها): إلا ما يسعها ولا تعجز عنه. وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك، لأن مراعاة الحدّ من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج، فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفوّ عنه، (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى): ولو كان المقول له أو عليه في شهادةٍ أو غيرها من أهل قرابة القائل، فما ينبغي أن يزيد في القول أو ينقص، كقوله: (وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [النساء: ١٣٥].
[(وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)].
وقرئ: (وأن هذا صراطي مستقيمًا) بتخفيف «أن» وأصله:
_________________
(١) وقلت: تقدير الآية: أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مر على قرية. وفائدة الاختلاف: أن المنهيات، نحو: الشرك، وقتل الأولاد، وقربان الزنا، وقتل النفس المحرمة، كانت العرب مستقرةً عليها، ولا يستنكفون منها، بل كانوا متدينين بها. وأما إحسان الوالدين، وإيفاء الكيل، والقول الصدق، والوفاء بالعهد، ونحوها فكانوا يفتخرون بالانتساب إليها، ويذكرونها في أشعارهم، فأمروا بإزالة ما كانوا فيه من الرذائل، والثبات على ما كانوا عليه من الفضائل. قوله: (وقرئ: (وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) بتخفيف "أن"): ابن عامر.
[ ٦ / ٢٩٣ ]
وأنه هذا صراطي، على أن الهاء ضمير الشأن والحديث. وقرأ الأعمش: "وهذا صراطي"، وفي مصحف عبد الله: "هذا صراط ربكم"، وفي مصحف أُبيّ: "وهذا صراط ربك".
(وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ): الطرق المختلفة في الدين، من اليهودية والنصرانية، والمجوسية وسائر البدع والضلالات، (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ): فتفرقكم أيادي سبأ، (عَنْ سَبِيلِهِ): عن صراط الله المستقيم، وهو دين الإسلام. وقرئ: (فتفرق) بإدغام التاء.
وروى أبو وائل عن ابن مسعودٍ عن النبي ﷺ: أنه خط خطًا ثم قال: هذا سبيل
_________________
(١) قوله: (أيادي سبأ) وقع في الكتاب صفة مصدرٍ محذوف، أي: فيفرقكم إتباع السبل تفرقًا مثل تفرق أيادي سبأ، والأيدي: كناية عن الأبناء والأسرة، لأنهم في التقوى والبطش بهم بمنزلة الأيدي. الجوهري: "ذهبوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ، أي: متفرقين، وهما اسمان جعلا أسمًا واحدًا". النهاية: "سبأ: اسم مدينة بلقيس باليمن، وقيل: هو اسم رجل ولد عامة قبائل اليمن. وكذا جاء مفسرًا في الحديث. وسميت المدينة به". قوله: ("فتفرق بكم" بإدغام التاء): ابن كثير. قال أبو البقاء: " (فتفرق) جواب النهي، والأصل: فتتفرق. و(بكم): في موضع المفعول، أي: فتفرقكم. ويجوز أن يكون حالًا، أي: فتتفرق وأنتم معها". قوله: (عن النبي صلي الله عليه وسلم "أنه خط خطًا"). الحديث: رواه أحمد بن حنبل، والنسائي، والدارمي، مع اختلافٍ يسير.
[ ٦ / ٢٩٤ ]
الرشد، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطًا ثم قال: "هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"،
ثم تلا هذه الآية (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ).
وعن ابن عباس ﵄: "هذه الآيات محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتب". وقيل: إنهنّ أمّ الكتاب، ومن عمل بهنّ دخل الجنة، ومن تركهنّ دخل النار. وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعبٍ بيده، إنّ هذه الآيات لأول شيء في التوراة.
فإن قلت: علام عطف قوله: (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) [الأنعام: ١٥٤]؟ قلت: على (وَصَّاكُمْ بِهِ).
فإن قلت: كيف صح عطفه عليه بـ (ثم)، والإيتاء قبل التوصية بدهر طويل؟ قلت: هذه التوصية قديمة، لم تزل توصى بها كل أمّة على لسان نبيهم، كما قال ابن عباس ﵄: "محكمات لم ينسخهنّ شيءٌ من جميع الكتب"، فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به، يا بني آدم قديمًا وحديثًا.
_________________
(١) قوله: (هذه الآيات محكمات). يعني: من قوله: (قل تعالوا) إلى قوله: (لعلكم تتقون). قوله: (إنهن أم الكتاب)، لأنها جامعة لمعظم ما يجب أن يؤتي به، وما ينبغي أن يتحرز عنه. كما سميت "الفاتحة" بأم القرآن. قوله: (وعن كعب الأحبار). قال صاحب "الجامع": "هو كعب بن ماتع، بكسر التاء، فوقها نقطتان، وبالعين المهملة: من حمير، أدرك زمن النبي صلي الله عليه وسلم ولم يره، وأسلم في زمن عمر بن الخطاب".
[ ٦ / ٢٩٥ ]
[(ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)].
(ثُمَّ) أعظم من ذلك أنَّا (آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) وأنزلنا هذا الكتاب المبارك.
_________________
(١) النهاية: "الأحبار: هم العلماء. جمع حبر وحبر بالفتح والكسر، والفتح أكثر". قوله: «ثم) أعظم من ذلك أنا (آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ». اعلم أنه أوهم في الجواب بقوله: "هذه التوصية قديمة" أن معنى التراخي في (ثم) زماني، وبقوله: "ثم أعظم من ذلك" أنها للتراخي في الرتبة. وذهب القاضي إلى أن "ثم" للتفاوت في الرتبة. وما يفهم من كلام الزجاج أنها للتراخي في الزمان، لكن بحسب الإخبار والتلاوة. قال: "أدخلت (ثم) في العطف على معنى التلاوة. المعنى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)، ثم أتل عليكم ما آتاه الله موسي". وقلت: يمكن الجمع بينهما، إذ لا منافاة بين الاعتبارين، وذلك أن قوله: (ثُمًّ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ)، وقوله: (وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ) [الأنعام: ١٥٥] من جملة ما وصاه الله تعالى قديمًا وحديثًا، ويكون قوله: (ذلكم وصاكم) مشارًا به إلى جميع ما ذكر من أول هذه السورة، لاسيما هذه المنهيات المختتمة بقوله: (وأن هذا صراطي). فالعطف على طريقة: (ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ) [البقرة: ٩٨] لشرفهما على سائر وصاه الله، وأنزل فيه كتابًا،
[ ٦ / ٢٩٦ ]
وقيل: هو معطوفٌ على ما تقدّم قبل شطر السورة من قوله تعالى: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) [الأنعام: ٨٤].
(تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ): تمامًا للكرامة والنعمة، (على الذي أحسن)، على من كان محسنًا صالحًا، يريد جنس المحسنين. وتدل عليه قراءة عبد الله: "على الذين أحسنوا"، أو أراد به موسى ﵇، أي: تتمةً للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ما أمر به أو تمامًا على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع، من: أحسن الشيء؛ إذا أجاد معرفته، أي: زيادةً على علمه على وجه التتميم. وقرأ يحيى بن يعمر: "على الذي أحسن" بالرفع، أي: على الذي هو أحسن، بحذف المبتدأ،
_________________
(١) فحصل التراخي بحسب الزمان، وبحسب الرتبة أيضًا، ثم ربي معنى التعظيم بالالتفات من الغيبة إلى التكلم، وإيثار ضمير الجمع المؤذن بالتعظيم. قوله: (وقيل: هو معطوف على ما تقدم). فعلى هذا (ثم) للتراخي بحسب الزمان، وهو متعسف. قوله: (أي: على الذي هو أحسن، بحذف المبتدأ). فعلى هذا الصلة والموصول صفة موصوفٍ محذوف، وهو: "الدين"، والعائد محذوف. قال ابن جني: "هذا مستضعف لحذف المبتدأ العائد على (الذي)، وذلك إنما يحذف في نحو: "مررت بالذي ضربت" أي: ضربته، لأن من المفعول بدًا، وطال الاسم بصلته، وليس المبتدأ بفضلة، فيحذف تخفيفًا، لاسيما وهو عائد إلى الموصول، وقد جاء نحوه عنهم. حكي سيبويه عن الخليل: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا وسوءًا". و"أحسن" على هذا على التفضيل.
[ ٦ / ٢٩٧ ]
كقراءة من قرأ: "مَثَلًا ما بَعُوضَةً" [البقرة: ٢٦] بالرفع، أي: على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه. أو آتينا موسى الكتاب تمامًا- أي: تامًّا كاملًا- على أحسن ما تكون عليه الكتب، أي: على الوجه والطريق الذي هو أحسن وهو معنى قول الكلبي: أتمَّ له الكتاب على أحسنه.
_________________
(١) قوله: (أو آتينا موسى الكتاب تمامًا): عطف على قوله: "تمامًا للكرامة". فعلى الوجوه: الأول: (تمامًا): مفعول له. قال الزجاج: "وكذلك (تفصيلًا)، أي: إتيانه للتمام والتفصيل". وعلى الثاني: حال من (الكتاب). ثم التعريف في (الذي أحسن): إما للجنس أو للعهد. فعلى الجنس يوافق معناه قوله تعالى: (الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ١ - ٢]. وإليه الإشارة بقوله: "على من كان محسنًا صالحًا، يريد جنس المحسنين". وعلى العهد: (أحسن) إما بمعنى الإحسان في الطاعة، والامتثال بجميع ما أمر به، كقوله تعالى: (وأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) [البقرة: ١٩٥]، أو بمعنى الجودة في العمل والإتقان فيه. قال الله تعالى في سورة يوسف: (من المحسنين) [يوسف: ٣٦]: "من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، ويجيدونها، أو من المحسنين إلى أهل السجن". وفي هذا الوجه من المبالغة ما ليس في الأول، لأن الإحسان على الأول نفس الطاعة، وفي هذا زيادة عليها. ومن ثم قال: "أي: زيادة على علمه وجه التتميم". والتتميم على هذا للاستيعاب، وعلى الأول بمعنى التكميل.
[ ٦ / ٢٩٨ ]
[(وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ* أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ* أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ)].
(أَنْ تَقُولُوا): كراهة أن تقولوا، (عَلى طائِفَتَيْنِ): يريدون أهل التوراة وأهل الإنجيل (وَإِنْ كُنَّا) هي "إن" المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والأصل: وإنه كنا عن دراستهم غافلين، على أن الهاء ضمير الشأن، (عَنْ دِراسَتِهِمْ): عن قراءتهم، أي: لم نعرف مثل دراستهم.
(لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ) لحدّة أذهاننا، وثقابة أفهامنا،
_________________
(١) قوله: (كراهة أن تقولوا). قال الزجاج: "قال بعضهم: معناه: أنزلناه لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على الطائفتين، أي: أنزلناه لتنقطع حجتكم، وإن كانت الحجة لله. وقال البصريون: معناه: أنزلناه كراهة أن تقولوا. ولا يجيزون إضمار "لا". فالمعنى: هذا كتاب أنزلناه إلى العرب، لئلا يحتجوا فيقولوا: إنما أنزل على اليهود والنصارى الكتاب، وما أنزل إلينا كتاب". قوله: (مثل دراستهم)، أي: مثل قراءتهم. أي: لم يكن على لغتنا، فلم نقدر على قراءته مثل ما قدروا عليها. قوله: (وثقابة أفهامنا)، النهاية: "ومنه قول الحجاج لابن عباس: "إن كان لمثقبًا" أي: ثاقب العلم مضيئه. والمثقب - بكسر الميم -: "العالم الفطن"". ويروى: "ثقافة"، بالفاء.
[ ٦ / ٢٩٩ ]
وغزارة حفظنا لأيام العرب ووقائعها، وخطبها وأشعارها، وأسجاعها وأمثالها، على أنا أمّيون. وقرئ: "أن يقولوا"، "أو يقولوا"، بالياء.
(فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) تبكيتٌ لهم، وهو على قراءة من قرأ "يقولوا" على لفظ الغيبة أحسن، لما فيه من الالتفات. والمعنى: إن صدّقتكم فيما كنتم تعدّون من أنفسكم فقد جاءكم بينةٌ من ربكم، فحذف الشرط وهو من أحاسن الحذوف، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ) بعد ما عرف صحتها وصدقها، أو تمكن من معرفة ذلك (وَصَدَفَ عَنْها) الناس، فضلّ وأضلّ، (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ) كقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ) [النحل: ٨٨].
_________________
(١) النهاية: (وهو غلام ثقف: كـ"قضبٍ"، أي: ذو فطنة وذكاء". قوله: (ووقائعها): عطف تفسيري لقوله: "أيام العرب". قوله: «فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ): تبكيت لهم). فالفاء: جزاء شرطٍ محذوف. نحوه قول الشاعر: قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا … ثم القفول، فقد جئنا خراسانا أي: إن صح ما قلتم: إن خراسان المقصد، فقد جئناه، وأين الخلاص؟ ولهذا قدر: "إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم، فقد جاءكم بينة من ربكم". وقد حققنا القول فيه في "الحجرات". قوله: (على لفظ الغيبة أحسن، لما فيه من الالتفات) لأنه من مجازه، فإنه تعالى لما خاطبهم بقوله: (وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ) الآية، ثم قال على الغيبة: (أَن تَقُولُوا
[ ٦ / ٣٠٠ ]
[(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)].
(الْمَلائِكَةُ): ملائكة الموت، أو العذاب (أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ): أو يأتي كل آيات ربك، بدليل قوله (أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ). يريد آيات القيامة والهلاك الكلي، وبعض الآيات: أشراط الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك.
_________________
(١) إنَّمَا أُنزِلَ) الآية، (لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ)، جعلهم بعداء، أي: أنزلنا [الكتاب إليكم] لئلا يقول أولئك البعداء المتصلفون: (لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ). ولما عاد إلى ذكر المنزل عليهم، خاطبهم تبكيتًا وإلزامًا؛ أي: أنتم أولئك الذين تصلفتم، وقلتم: كيت وكيت! فقد جاء مطلوبكم، فأين مقتضي قولكم؟ وساعد عليه حذف الشرط. يعني: لم يثبت عنكم مجيء ما طالبتموه، مع بلوغه أقصى غاياته، وهو كونه بينةً ظاهرة من خالقطم ومالككم، وهاديًا إلى طريق مستقيم، ورحمةً من الله، كثير البركات. ومن ثم قال: "وهو من أحاسن الحذوف". وقد سمى مثل هذه الفاء في سورة "الحجرات": فاء فصيحة، وإن كانت جزائية، لدلالتها على السرعة، كما في قوله تعالى: (اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانفَجَرَتْ) [البقرة: ٦٠]. قوله: (أشرط الساعة كطلوع الشمس). روينا عن أحمد بن حنبل، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "ثلاث إذا خرجن لا
[ ٦ / ٣٠١ ]
وعن البراء بن عازب: كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ فقال: "ما تتذاكرون"؟ فقلنا: نتذاكر الساعة،
_________________
(١) ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض". وعند هذا البيان، أمر الله تعالى حبيبه صلوات الله عليه أولًا بأن يقول لهم: انتظروا ذلك الموعود، إني معكم من المنتظرين، إقناطًا له عن إيمانهم. ثم ثنى بما ينبئ عن الإعراض عنهم، بقوله: (إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [الأنعام: ١٥٩]. وثلث بالإقبال على من ينجع فيه الإنذار والوعظ، بقوله: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: ١٦٠]. وربع بما يسليه من خاصة نفسه بقوله: (قُلْ إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأنعام: ١٦١]. وخمس بخاتمةٍ شريفةٍ مطابقة لما بدئت السورة به من المقاصد، وهي قوله: (قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ) [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. فإن الفاتحة فتحت بذكر بدء النشأة الأولي، لبيان إثبات التوحيد، ونفي الشرك، والخاتمة بذكر بدء النشأة الأخرى، والأمر بالإخلاص، ونفي الشرك. فسبحانه ما أعظم شأنه! وما أعجز بيانه قوله: (وعن البراء بن عازب). الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي، عن حذيفة
[ ٦ / ٣٠٢ ]
قال: "إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بالمشرق، وخسفًا بجزيرة العرب، والدجال، وطُلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونارًا تخرج من عدن".
(لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) صفة لقوله: (نفسًا)، وقوله (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا) عطف على (آمنت). والمعنى: أنّ أشراط الساعة إذا جاءت - وهي آيات ملجئة مضطرّة- ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذٍ نفسًا غير مقدّمةٍ إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدّمة الإيمان غير كاسبة خيرًا في إيمانها.
_________________
(١) ابن أسيد الغفاري. وفي موضع: "نار تخرج من عدن". وآخر ذلك: "نار تطرد الناس إلى محشرهم". قوله: (بجزيرة العرب)، النهاية: "قال أبو عبيد: هو اسم صقعٍ من الأرض، وهو ما بين حفر أبي موسي الأشعري، إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض. قال الأزهري: سميت جزيرةً لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيها، وأحاط بجانبها الشمالي دجلة والفرات".
[ ٦ / ٣٠٣ ]
فلم يفرّق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيرًا، ليعلم أنَّ قوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) [البقرة: ٢٥] جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك (قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) وعيد.
_________________
(١) قوله: (فلم يفرق - كما ترى - بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقتها، ولم تكسب خيرًا)، قال في "الانتصاف": "يروم الاستدلال على أن الكافر والعاصي في الخلود سواء، حيث سوي في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات. ولا يتم ذلك، فإن هذا الكلام في البلاغة يلقب باللف. وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا - لم تكن مؤمنة قبل - إيمانها بعد، ولا نفسًا - لم تكسب في إيمانها خيرًا قبل - ما تكسبه من الخير بعد، ويظهر بذلك أنها لا تخالف مذهب الحق، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدم في إسلامه". وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "الإيمان قبل مجيء الآيات نافع، وإن لم يكن عمل صالح غيره. ومعنى الآية: لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا كسبها، وهو العمل الصالح، لم تكن آمنت قبل الآية، أو كان العمل الصالح لا مع الإيمان قبلها، فاختصر للعلم به".
[ ٦ / ٣٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قوله: «لم تكن) صفة لـ (نفسًا)، وإن وقع الفصل، لأن المعنى على التأخير، لأن: (إيمانها) فاعل (لا ينفع)، وكان الواجب: لا ينفع إيمان نفسٍ نفسًا لم تكن آمنت من قبل، فلما أوجب الضمير التقديم ليعود إلى النفس، بقيت الصفة في محلها. وقال صاحب "التقريب": "وقد ثبت أن "من قال: "لا إله إلا الله" دخل الجنة" فلنؤول الآية بأن (أو) بمعنى الواو، كـ"جالس الحسن أو ابن سيرين". أي: إذا انتفيا لم ينفع وجودهما حال ظهور الأشراط، أو لا ينفع نفعًا منجيًا من دخول النار، بل من الخلود، أو لا ينفع من لا يؤمن إيمانها، ولا من لم يكسب كسبها، فحذف لدلالة الكلام عليه. أو الإيمان: هو الاعتقاد، والكسب: هو العمل، والقول اللساني عمل وكسب. فالمراد بمن لم يكسب: من لم يتلفظ بالشهادتين، ونقول بشقاوته، أو نقول: ظاهر اللفظ أن عند انتفاء أحد الأمرين من الإيمان والكسب، ينتفي النفع، فلا يجزم بانتفاء النفع إلا بالجزم بانتفاء أحد الأمرين، ولا يجزم بانتفاء أحد الأمرين إلا عند انتفائهما جميعًا. فإذا انتفيا جميعًا فلا نزاع في أنه لا ينفع قطعًا، وأما إذا انتفي أحدهما دون الآخر، فهو محل الاحتمال. فلا يتم الاستدلال".
[ ٦ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال القاضي ﵀: " (أو كسبت): عطف على (آمنت). والمعنى: لا ينفع الإيمان حينئذ نفسًا غير مقدمةٍ إيمانها، أو مقدمةً إيمانها غير كاسبةٍ في إيمانها خيرًا. وهو دليل لمن لم يعتبر الإيمان المجرد عن العمل، وللمعتبر تخصيص هذا الحكم بذاك اليوم. وحمل الترديد على اشتراط النفع بأحد الأمرين، على معنى لا ينفع نفسًا خلت عنها إيمانها، والعطف على (لم تكن) بمعنى: لا ينفع نفسًا إيمانها الذي أحدثته حينئذ، وإن كسبت فيه خيرًا قبل ذلك". وقال الإمام: "المعنى: أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أو أن التكليف عندها فلم ينفع الإيمان نفسًا ما آمنت قبل ذلك، وما كسبت في إيمانها خيرًا قبل ذلك". وقلت - والعلم عند الله -: والذي يقتضيه البلاغة والنظم الفائق، ويستدعيه مقام الحث على الاعتصام بحبل الله المجيد، والقرآن الكريم، والحض على الاهتداء بهديه، بقدر الوسع والإمكان، والاغتنام بالفرصة قبل فوات الأوان، ما عليه كلام ابن الحاجب، وصاحب "الانتصاف" مع تغيير يسير. وبيانه: أنه تعالى لما خاطب المعاندين المكذبين من قوم رسول الله صلي الله عليه وسلم بقوله: (وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام: ١٥٥]. وعلل الإنزال بقوله: (أَن تَقُولُوا إنَّمَا أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا) [الأنعام: ١٥٦]، وبقوله: (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ) [الأنعام: ١٥٧]، إزاحةً للعذر، وإلزامًا للحجة - كر إلى قوله: (فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وهُدًى ورَحْمَةٌ) [الأنعام: ١٥٧] تبكيتًا لهم، وتقريرًا لما سبق من طلب الاتباع والتقوى.
[ ٦ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يعني: أنزلنا هذا الكتاب المبارك الكاشف لكل ريب، والهادي إلى طريقٍ مستقيم، والرحمة من الله للخلق ليجعلوه زادًا لمسيرهم إلى الله، في يومٍ لا ينفع فيه شيء سوى ما قدموه من الإيمان، والعمل الصالح، فجعلوا شكر تلك النعمة الخطيرة الجليلة، أن كذبوا بها، ومنعوا الناس عن الانتفاع بها: فضلوا وأضلوا، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْهَا) [الأنعام: ١٥٧]. يعني: ما ينتظر هؤلاء الضالون المضلون بما يفعلون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا، بنزول الملائكة، أو عقابٍ من الله تعالى يستأصل شأفتهم، كما فعل بالمكذبين من الأمم السالفة، أو يأتي عذاب الآخرة وبأسها، بأن يأتي بعض قوارعها، فحينئذ تفوت تلك الفرصة السابقة، فلا ينفعهم شيء قط مما كان ينفعهم من قبل من الإيمان، أو العمل الصالح مع الإيمان. فكأنه قيل: (يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا) أو كسبها في إيمانها حينئذ، (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا) من قبل. ففي الآية لف، لكن حذف إحدى القرنتين بإعانة النشر عليه، كما في قوله تعالى: (ومَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٧٢] على ما مر بيانه في موضعه. هذا الذي عناه صاحب "الانتصاف" بقوله: "هذا الكلام يلقب باللف".
[ ٦ / ٣٠٧ ]
وقرئ: أن يأتيهم الملائكة، بالياء والتاء، وقرأ ابن سيرين: لا تنفع، بالتاء، لكون الإيمان مضافًا إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه كقولك: ذهبت بعض أصابعه.
[(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ)].
(فَرَّقُوا دِينَهُمْ) اختلفوا فيه كما اختلفت اليهود والنصارى. وفي الحديث: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية، وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة. وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة» وقيل: (فرّقوا دينهم) فآمنوا ببعض وكفروا ببعض
_________________
(١) ومن فواضل نعم الله المتكاثرة، وسوابغ آلائه المتتابعة، العثور بعد هذا التقرير - معنى ولفظًا، من غير إفراطٍ وتقتير - على قوله تعالى: (ولَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [الأعراف: ٥٢ - ٥٣]. فوازن معه، لنقف على صنع الملك العلام، ما نقر معه بالتحدث والإلهام، فنقول: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) [الأعراف: ٤٣]، ونستعيذ من أن نتلفظ بمثل (قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا) [الأعراف: ٥٣]. وظهر منه أن الإيمان المجرد - قبل كشف قوارع الساعة - نافع، وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع، وأما بعدها فلا ينفع شيء قط. قوله: (افترقت اليهود) الحديث: من رواية عبد الله بن عمرو، عن النبي صلي الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملةً، وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين ملة، كلهم في النار،
[ ٦ / ٣٠٨ ]
وقرئ: "فارقوا دينهم"، أي: تركوه (وَكانُوا شِيَعًا): فرقًا كل فرقة تشيع إمامًا لها، (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) أي: من السؤال عنهم وعن تفرقهم. وقيل من عقابهم. وقيل: هي منسوخة بآية السيف.
[(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)].
(عَشْرُ أَمْثالِها) على إقامة صفة الجنس المميز مقام الموصوف، تقديره: عشر حسنات أمثالها، وقرئ: "عشر أمثالها"، برفعهما جميعًا على الوصف. وهذا أقل ما وعد من الأضعاف، وقد وعد بالواحد سبع مئة، ووعد ثوابًا بغير حساب. ومضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل، (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ): لا ينقص من ثوابهم ولا يزاد على عقابهم.
[(قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)].
_________________
(١) إلا ملةً واحدةً. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، أخرجه الترمذي. قوله: (ومضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل). قال الزجاج: "معنى الآية غامض، لأن المجازاة من الله تعالى على الحسنة بدخول الجنة شيء لا يبلغ وصف مقداره. فإذا قال: (عشر أمثالها)، أو سبعمئة، أو أضعافًا كثيرة، فمعناه أن جزاء الله على الحسنات على التضعيف للمثل الواحد، الذي هو النهاية في التقدير وفي النفوس". قلت: فعلى هذا لا يتصور في الحسنات إلا الفضل.
[ ٦ / ٣٠٩ ]
(دِينًا) نصب على البدل من محل (إِلى صِراطٍ مستقيمٍ)، لأنّ معناه: هداني صراطًا، بدليل قوله (وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا) [الفتح: ٢]، والقيم: فيعل، من قام، كسيدٍ من: ساد، وهو أبلغ من القائم. وقرئ: (قيمًا). والقيم: مصدر بمعنى: القيام وصف به. و(مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) عطف بيان. و(حَنِيفًا) حال من (إبراهيم).
[(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)].
(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي) وعبادتي وتقرّبى كله. وقيل: وذبحى. وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢]، وقيل: صلاتي وحجي من مناسك الحج، (وَمَحْيايَ وَمَماتِي): وما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، (لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) خالصة لوجهه، (وَبِذلِكَ) من الإخلاص (أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) لأن إسلام كل نبيّ متقدّم لإسلام أمّته.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (قيمًا» بكسر القاف وفتح الياء مخففة: الكوفيون، والباقون: بفتح القاف وكسر الياء مشددة. قوله: (ملة إبراهيم): عطف بيان)، يريد أن الدين القيم هو ملة إبراهيم بعينه. قال الراغب: "الملة كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى على لسان الأنبياء ﵈ ليتوصلوا به إلى جوار الله تعالى. والفرق بينها وبين الدين: أن الملة لا تضاف إلا للنبي الذي تسند إليه، نحو: (فاتبعوا ملة إبراهيم) [آل عمران: ٩٥] ولا تكاد توجد مضافة إلى الله تعالى ولا إلى آحاد أمة النبي صلي الله عليه وسلم، ولا تستعمل إلا في حملة الشرائع، وأصلها من: أمللت الكتاب".
[ ٦ / ٣١٠ ]
[(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)].
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم، والهمزة للإنكار، أي: منكر أن أبغي ربا غيره (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) فكل من دونه مربوب، ليس في الوجود من له الربوبية غيره، كما قال: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ) [الزمر: ٦٤]، (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها) جواب عن قولهم: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) [العنكبوت: ١٢].
[(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ) لأن محمدًا ﷺ خاتم النبيين، فحلفت أمّته سائر الأمم. أو جعلهم يخلف بعضهم بعضًا، أو هم خلفاء الله في أرضه، يملكونها ويتصرفون فيها. (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) في الشرف والرزق، (لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) من نعمة المال والجاه، كيف تشكرون تلك النعمة؟ وكيف يصنع الشريف بالوضيع، والحرّ بالعبد، والغني بالفقير؟ (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ) لمن كفر نعمته
_________________
(١) قوله: (أغير الله أبغي ربا): جواب عن دعائهم له)، لأن كل تقديم إما للاهتمام، أو جواب إنكار، وكذا ما فيه أداة الحصر. ولهذا قال: " (ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا): جواب عن قولهم: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا) [العنكبوت: ١٢] ".
[ ٦ / ٣١١ ]
(وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) لمن قام يشكرها. ووصف العقاب بالسرعة، لأن ما هو آت قريب.
عن رسول الله ﷺ: «أنزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملكٍ لهم زجلٌ بالتسبيح والتحميد، فمن قرأ الأنعام صلى الله عليه، واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يومًا وليلة».
_________________
(١) قوله: (لأن ما هو آتٍ قريب) أي: الموعود سريع الوصول، فإن سرعة العقاب تستدعي سرعة إنجاز الوعيد. تمت السورة بعون الله وحسن توفيقه، والله أعلم. * * *
[ ٦ / ٣١٢ ]