مكية، وهي تسع عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى • الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى • والَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى • والَّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى • فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) ١ - ٥]
تسبيح اسمه عز وعلا: تنزيهه عما لا يصح فيه من المعاني التي هي إلحاد في أسمائه، كالجبر والتشبيه ونحو ذلك، مثل أن يفسر (الأَعْلَى) بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار، لا بمعنى العلو في المكان والاستواء على العرش حقيقة؛
_________________
(١) سورة الأعلى مكية، وهي تسع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (مثل أن يفسر ﴿الْأَعْلَى﴾)، متصل بقوله: "تنزيهه"، أي: تسبيح اسمه: تنزيهه عما لا يصح فيه، مثل أن يفسر ﴿الْأَعْلَى﴾ بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار، لا بمعنى العلو في المكان. الراغب: "العلو ضد السفل، والعلو: الارتفاع، وقد علا يعلو علوًا، وعلي يعلى علاءً فهو علي؛ فـ "علا" بالفتح: في الأمكنة والأجسام أكثر، والعلي هو الرفيع القدر، من: علي، وإذا
[ ١٦ / ٣٩٠ ]
وأن يصان عن الابتذال والذكر، لا على وجه الخشوع والتعظيم
_________________
(١) وصف الله تعالى به، فمعناه أنه يعلو أن يحيط به وصف الواصفين، بل علم العارفين، وعلى ذلك يقال: تعالى، نحو: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]. وتخصيص لفظ التفاعل مبالغة ذلك، لا على سبيل التكليف كما يكون من البشر. وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، أي: أعلى من أن يقاس به أو يعتبر بغيره". قوله: (وأن يصان عن الابتذال)، عطف على قوله: "تنزيهه"، أي: تسبيح اسمه: تنزيه ذاته عما لا يصح فيه من المعاني، وأن يصان اسمه من أن يبتذل، وأن يُذكر إلا على وجه التعظيم. ويجوز أن يُعطف على (أن يفسر)، على أن يجعل من اللف التقدير، بأن يقال: تسبيح اسمه: تنزيهه عما لا يصح فيه من المعاني، وعما لا يليق باسمه من خلاف التعظيم، فالاسم على الأول مُقحم كما في قول القائل: إلى الحول، ثم اسم السلام عليكما وإلى المعنى الأول ينظر قول محيي السنة: "قال قوم: نزه ربك عما يصفه الملحدون، جعلوا الاسم صلة؛ يحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحدًا، لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، بل: سبحان الله". وإلى المعنى الثاني، يُلمح قوله: "وقال الآخرون: نزه تسمية ربك، بأن تذكره وأنت له معظم ولذكره محترم، جعلوا الاسم بمعنى التسمية".
[ ١٦ / ٣٩١ ]
_________________
(١) وقال الإمام: "إنه كما يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب". وقال القاضي في "شرح المصابيح": "قال مشايخنا: التسمية هو اللفظ الدال على المسمى، والاسم هو المعنى المسمى به"، كما أن الوصف قد يطلق ويراد به اللفظ، كذلك الاسم يطلق ويراد به المسمى، إطلاقًا لاسم الدال على المدلول، وعليه اصطلحت النحاة. ويدل على أنه للمعنى دون اللفظ قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، و﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠]؛ فإن من المعلوم أن عبدة الأصنام ما عبدوا اللفظ وإنما عبدوا المسمى. وقالت المعتزلة: الاسم هو التسمية دون المسمى. قال حجة الإسلام: "الاسم هو اللفظ الدال على المعنى بالوضع لغة، والمسمى هو المعنى الموضوع له، والتسمية: وضع اللفظ وإطلاقه". وقال الراغب: "ما ذكر من الخلاف في أن الاسم، هل هو المسمى أو هو غيره؟ كلاهما صحيح؛ فإن من قال: إن الاسم وهو زيد أو عمرو هو المسمى، نظر إلى قولهم: رأيت زيدًا، وزيد رجل صالح، فإن زيدًا هاهنا عبارة عن المسمى، والرؤية به تعلقت. ومن قال: هو غير المسمى، نظر إلى نحو قولهم: سميت ابني زيدًا، وزيد اسم حسن، فإنه عنى أني سميت ابني بهذا اللفظ، وأن هذا اللفظ محكوم عليه بالحُسن. فإذن، قولك: زيد حسن، لفظ مشترك يصح أن يعني به أن هذا اللفظ حسن، وأن يعنى به أن المسمى حسن. وأما تصور من قال: لو كان الاسم هو المسمى، لكان من قال: النار أحرقت فمه، فهو بعيد، لأن عاقلًا لا يقول: إن زيدًا الذي هو زاي، وياء، ودال، هو الشخص".
[ ١٦ / ٣٩٢ ]
ويجوز أن يكون (الأَعْلَى) صفة للرب، والاسم؛ وقرأ علي ﵁: سبحان ربي الأعلى. وفي الحديث لما نزلت: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ)، قال رسول الله ﷺ: «اجعلوها في سجودكم»، فلما نزل سبح اسم ربك الأعلى قال: «اجعلوها في سجودكم»، وكانوا يقولون في الركوع: اللهم لك ركعت، وفي السجود: اللهم لك سجدت. (خَلَقَ فَسَوَّى) أي خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية، ولم يأت به متفاوتًا غير ملتئم، ولكن على إحكام واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم، وأنه صنعة حكيم (قَدَّرَ فَهَدَى) قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به؛ يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت،
_________________
(١) واعلم أن المصنف قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِي﴾ [الأعراف: ١٨٠]: "ولله الأوصاف الحسنى، وهي الوصف بالعدل والإحسان وانتفاء الشبه بالخلق. وذروا الذين يلحدون في أوصافه، فيصفونه بمشية القبائح، وخلق الفحشاء والمنكر، وبما يدخل في التشبيه كالرؤية ونحوها". وأخفى هذه المعاني في قوله: "هي إلحاد في أسمائه كالجبر والتشبيه ونحو ذلك" هاهنا. ونحن معاشر أهل السنة، ننزه أسمائه بأن نمجده بأسمائه الحسنى الواردة في النقل الصحيح، وننزه صفاته بأن لا نخوض فيها من تلقاء أنفسنا، بل نصفه بما جاء في الكتاب والسنة، بعد أن نعتقد أنه تعالى ليس كمثله شيء. قوله: (عن الابتذال)، الجوهري: "ابتذال الثوب وغيره: امتهانه، والتبذل: ترك التصاون". قوله: (وفي الحديث: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤])، الحديث رواه أبو داود وابن ماجه والدرامي، عن عقبة بن عامر، وليس فيه: "وكانوا يقولون" إلى آخره.
[ ١٦ / ٣٩٣ ]
وقد ألهمها الله أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن الله. وهدايات الله للإنسان إلى مالا يحد من مصالحه وما لا يحصر من حوائجه في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض: باب واسع، وشوط بطين، لا يحيط به وصف واصف، فسبحان ربي الأعلى. وقرئ: (قدر) بالتخفيف. (أَحْوَى) صفة لـ «غثاء»، أي: (أَخْرَجَ المَرْعَى) أنبته. (فَجَعَلَهُ) بعد خضرته ورفيفه، (غُثَاءً أَحْوَى) دربنا أسود. ويجوز أن يكون (أَحْوَى) حالًا من (المَرْعَى)،
_________________
(١) قوله: (وشوط بطين)، الأساس: "ومن المجاز: شأو بطين، أي: بعيد، قال كعب بن زهير: فبصبصن بين أداني الغضا وبين عُنيزة شأوًا بطينا وتباطن المكان: تباعد. بصبص الكلب وتبصبص: حرك ذنبه، والتبصبص: التملق. قوله: (وقُرئ: "قدر" بالتخفيف)، الكسائي، والباقون: بالتشديد. قوله: (ورفيفه)، الجوهري: "رف لونه يرف - بالكسر- رفًا ورفيفًا، أي: برق وتلألأ. ثوب وشجر رفيف: إذا تندت". قوله: (درينًا أسود)، الجوهري: "الدرين: حطام المرعى إذا قدم، وهو ما يلي من الحشيش، قل ما ينتفع به الإبل". قوله: (ويجوز أن يكون ﴿أَحْوَى﴾ حالًا من ﴿الْمَرْعَى﴾)، قال صاحب "الكشف": ﴿أَحْوَى﴾ فسروه على وجهين: أحدهما: أسود يابسًا، والثاني: أخضر يضرب إلى السواد لشدة الري.
[ ١٦ / ٣٩٤ ]
أي: أخرجه أحوى أسود من شدة الخضرة والري، (فَجَعَلَهُ غُثَاءً) بعد حويه.
[(سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى • إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ ومَا يَخْفَى) ٦ - ٧]
بشره الله بإعطاء آية بينة، وهي: أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه، (إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ) فذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته، كقوله: (أَوْ نُنسِهَا) [البقرة: ١٠٦] وقيل: كان يعجل بالقراءة إذا لقنه جبريل، فقيل: لا تعجل، فإن جبريل مأمور بأن يقرأه عليك قراءة مكررة إلى أن تحفظه؛ ثم لا تنساه إلا ما شاء الله، ثم تذكره بعد النسيان.
_________________
(١) فعلى الثاني: في الكلام تقديم وتأخير؛ إذ التقدير: الذي أخرج المرعى أحوى، أي: أخضر، فجعله غثاءً، ولا يكون ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾ فصلًا بين الصلة ومتعلقه، لأن قوله: ﴿فَجَعَلَهُ﴾ أيضًا في الصلة، والفصل بين الصلة وبعضها جائز. هذا هو المراد من قول أبي البقاء: "قيل: ﴿أَحْوَى﴾ حال من ﴿الْمَرْعَى﴾، أي: أخرج المرعى أخضر، ثم صيره غثاءً؛ فقدم بعض الصلة"، ومن ثم قدر المصنف: فجعله غثاءً بعد حوته. قوله: (فيحفظه ولا ينساه ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾)، اعلم أنه أجرى ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ تارة على حقيقية الاستثناء، وأخرى على المجاز. أما الأول فعلى وجوه: أحدها: قوله: "فيحفظه ولا ينساه ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ". والمراد بالنسيان على هذا ما هو قسيم النسخ، من رفع الحكم والتلاوة، كما قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. ويلحق بهذا الوجه الوجه الأخير، وهو قوله: " ﴿فَلَا تَنسَى﴾، على النهي"، كقوله: "إلا ما شاء الله أن ينسيكهه برفع تلاوته للمصلحة". وثانيها: قوله: "أن تحفظه ثم لا تنساه إلا ما شاء الله"، فإن النسيان على هذا هو المتعارف، ولما كان المراد منه: لا ينساه نسيانًا كليًا كما قال في الوجه الأول.
[ ١٦ / ٣٩٥ ]
أو قال: إلا ما شاء الله، يعني: القلة والندرة، كما روي أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب أبى أنها نسخت، فسأله فقال: نسيتها أو قال: إلا ما شاء الله، الغرض نفي النسيان رأسًا كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهيمي فيما أملك إلا فيما شاء الله، ولا يقصد استثناء شيء، وهو من استعمال القلة في معنى النفي.
_________________
(١) ـ والفرق بين الوجه الأول والثاني، هو أن الإقراء على الأول محمول على رعاية مصالح الدين، فالأنسب أن الإنسان يُحمل على ما يجب أن يُنسى كالنسخ. وعلى الثاني كان الإقراء الحفظ، فاحتيج إلى التكرار؛ وإنما تكرر لأن يستقر ولا يُنسى فيتذكر، وإليه أشار بقوله: "ثم تذكره بعد النسيان". وثالثها: قوله: "قال: إلا ما شاء الله، يعني: القلة والنُّدرة"، أي: أصل الحكم، أي لا ينساه البتة، لأن النسيان غير مطلوب أصالة، قال الإمام: "ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع، بل من الآداب والسنن، لأنه لو نسى شيئًا من الواجبات لاختل أمر الشرع". وأما الثاني، فقوله: "قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، والغرض نفي النسيان"، وذلك على سبيل المبالغة، أي أنه تعالى لم يشأ النسيان، فلا يقع على مذهبه لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، قال المصنف: "عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله"، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَايْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، قال: " ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في معنى كلمة: تأبيد، كأنه قيل: لا تقولنه أبدًا". قوله: (وهو من استعمال القلة في معنى النفي)، مثاله: قل رجل يقول كذا، أي: ما رجل يقول كذا.
[ ١٦ / ٣٩٦ ]
وقيل: قوله (فَلا تَنسَى) على النهي، والألف مزيدة للفاصلة، كقوله: (السَّبِيلا) [الأحزاب: ٦٧] يعني: فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة، (إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ) يعني: أنك تجهر بالقراءة مع قراءة جبريل ﵇ مخافة التفلت، والله يعلم جهرك معه وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، فلا تفعل، فأنا أكفيك ما تخافه. أو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وبطن من أحوالكم، وما هو مصلحة لكم في دينكم ومفسدة فيه، فينسى من الوحي ما يشاء؛ ويترك محفوظًا ما يشاء.
[(ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى • فَذَكِّرْ إن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى • سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى • ويَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى • الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الكُبْرَى • ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا ولا يَحْيَى) ٨ - ١٣]
(ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) معطوف على (سَنُقْرِئُكَ) وقوله: (إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ ومَا يَخْفَى) اعتراض، ومعناه: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل،
_________________
(١) قوله: (وقيل: قوله ﴿فَلَا تَنسَى﴾ على النهي، والألف مزيدة)، قال أبو علي: "نهاه عن التشاغل والإهمال المؤديين إلى نسيان ما يقرأ، لأن النسيان ليس بفعل الناسي فينهي عنه لأنه من فعل الله، فيحدثه عند إهمال تكريره وترك مراعاته". وقلت: ونحوه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقولهم: لا أُرينك هاهنا، وإليه الإشارة بقوله: "فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه". قوله: (﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ اعتراض)، فعلى الوجه الأول: هو كالتعليل لما ورد عليه قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾، وإليه الإشارة بقوله: "إنك تجهر بالقراءة" إلى قوله: "فلا تغفل، فأنا أكفيك ما تخافه". وعلى الثاني: توكيد لمضمون الكلام السابق من مفتتح السورة واللاحق إلى مختتمها، لأنها محتوية على الأمور الدنيوية والأخروية، ولذلك عمم المعنى
[ ١٦ / ٣٩٧ ]
يعني: حفظ الوحي. وقيل للشريعة السمحة التي هي أيسر الشرائع وأسهلها مأخذًا. وقيل: نوفقك لعمل الجنة.
فإن قلت: كان الرسول ﷺ مأمورًا بالذكرى نفعت أو لم تنفع، فما معنى اشتراط النفع؟
قلت: هو على وجهين، أحدهما: أن رسول الله ﷺ قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغيانًا، وكان النبي ﷺ يتلظى حسرة وتلهفًا، ويزداد جدًا في تذكيرهم وحرصًا عليه، فقيل له: (ومَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وعِيدِ) [ق: ٤٥]، فاعرض عنهم وقل سلام،
_________________
(١) وقال: "يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم" إلى آخره، فيكون الخطاب في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ لكل أحد، ويقويه ما روينا من حديث عقبة بن عامر: "لما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: اجعلوها في سجودكم. والوجه الأول، وهو ن يختص الخطاب برسول الله؟، أظهر وأوفق لتأليف النظم، لما ذكر أن نبي الله؟، كان يعجل بالقراءة إذا لقنه جبريل ﵇، فقيل له: لا تعجل، وسبح باسم ربك الأعلى الذي له تلك القدرة الكاملة من الخلق والتسوية وكيت وكيت، وله ذلك العلم الشامل من الإحاطة بالسر وأخفى. ثم عقب الأمر بقوله بالتسبيح ما كان مهتمًا بشأنه من الخلق من قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾، ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾، جزاءً لالتجائه إلى القادر على كل مقدور والعالم بكل معلوم، ووسط أحد الوصفين، أعني العلم، بين المعطوفين، لكونه أقرب من الآخر إلى المقصود، وإليه الإشارة بقوله: "والله يعلم جهرك معه، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر"، ثم أتبع ذلك ما هو مبعوث به ومرسل إلى الخلق لأجله من قوله: "فذكِّر". قوله: (﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، فأعرض عنهم وقل: سلام)، أي: أعرض عن هؤلاء الذين كررت التذكير معهم، وألزمت الحجة عليهم، وذكر لمن ينفع التذكير
[ ١٦ / ٣٩٨ ]
(فَذَكِّرْ إن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. والثاني: أن يكون ظاهره شرطًا، ومعناه ذما للمذكرين، وإخبارًا عن حالهم، واستبعادًا لتأثير الذكرى فيهم، وتسجيلًا عليهم بالطبع على قلوبهم، كما تقول للواعظ: عظ المكاسين إن سمعوا منك. قاصدًا بهذا الشرط استبعاد ذلك، وأنه لن يكون،
_________________
(١) معهم ممن يخاف وعيد الله، فيطابقه قوله: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]. وقلت: النظم يساعد قول الواحدي ومحيي السنة، قالا: "عِظْ يا محمد أهل مكة إن نفع التذكير أو لم ينفع، لأنه صلوات الله عليه بُعث مبلغًا للإنذار، فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع، تأكيدًا للحجة واكتسابًا للمثوبة، ولم يذكر الحالة الثانية كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ليوافق قوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١٠ - ١٢] ". قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾، يعني: منك التذكير، ومنهم الإقبال والقبول أو الاجتناب والإباء، وللأولين الفلاح والنجاح، وللآخرين الصَّلْي بالنار الكبرى. "واعلم أن الناس في أمر المعاد على ثلاثة أقسام: منهم من قطع بصحته، ومنهم من جوز وجوده، ولكنه غير قاطع فيه لا بالنفي ولا بالإثبات، ومنهم من أصر على إنكاره. والقسمان الأولان ينتفعون بالتذكير بخلاف الثالث، ولذلك قال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. ولما كان الانتفاع بالذكرى مبنيًا على حصول الخشية في القلب، وصفات القلوب مما لا اطلاع لأحد عليها، وجب على الرسول تعميم الدعوة تحصيلًا للمقصود، لأن المقصود تذكير من ينتفع بالتذكير، ولا سبيل إليه إلا بتعميم التذكير"، هذا تلخيص كلام الإمام. قوله: (المكاسين)، أي: العشارين، الجوهري: "المكاس: العشار، والمكس: ما يأخذه العشار".
[ ١٦ / ٣٩٩ ]
(سَيَذَّكَّرُ) فيقبل التذكرة وينتفع بها، (مَن يَخْشَى) الله وسوء العاقبة، فينظر ويفكر حتى يقوده النظر إلى إتباع الحق: فأما هؤلاء فغير خاشين ولا ناظرين، فلا تأمل أن يقبلوا منك (ويَتَجَنَّبُهَا) ويتجنب الذكرى ويتحاماها، (الأَشْقَى) الكافر؛ لأنه أشقى من الفاسق. أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله في عداوة رسول الله ﷺ. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. (النَّارَ الكُبْرَى) السفلى من أطباق النار، وقيل: (الكُبْرَى) نار جهنم. والصغرى: نار الدنيا. وقيل: (ثُمَّ) لأن الترجح بين الحياة والموت أفظع من الصلي، فهو متراخ عنه في مراتب الشدة؛ والمعنى: لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
[(قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى • وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى • بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا • والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقَى) ١٤ - ١٧]
(تَزَكَّى) تطهر من الشرك والمعاصي، أو تطهر للصلاة، أو تكثر من التقوى، من الزكاء وهو النماء. أو تفعل من الزكاة، كتصدق من الصدقة
_________________
(١) قوله: (لأن الترجح)، الترجح: التردد، الأساس: "ترجحح في القول: تميل فيه"، قال الزجاج: "لا يموت موتًا يستريح به من العذاب، ولا يحيى حياة يجد معها روح الحياة". قوله: (﴿تَزَكَّى﴾: تطهر من الشرك والمعاصي)، قال الإمام: "هذا التفسير متعين، لأن مراتب أعمال المكلف ثلاث: أولها: إزالة العقائد الفاسدة عن القلب، وإليه الإشارة بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾. وثانيها: استحضار معرفة الله وصفاته وأسمائه، وهو المراد من قوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِي﴾. وثالثها: الاشتغال بخدمة الله ﷿، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَصَلَّى﴾، لأن من تخلى عن الرذائل وتحلى بالفضائل، لا بد أن يظهر في جوارحه نور ذلك بالخضوع والخشوع". قوله: (أو تكثر من التقوى: من الزكاء)، قال الزجاج: "ومعنى ﴿تَزَكَّى﴾: تكثر من تقوى الله، ومعنى الزاكي: النامي الكثير".
[ ١٦ / ٤٠٠ ]
(فَصَلَّى) أي: الصلوات الخمس، نحو قوله: (وأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ) [البقرة: ١٧٧]، وعن ابن مسعود: رحم الله امرأ تصدق وصلى. وعن علي ﵁ أنه التصدق بصدقة الفطر وقال: لا أبالي أن لا أجد في كتابي غيرها، لقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) أي: أعطى زكاة الفطر، فتوجه إلى المصلى، فصلى صلاة العيد، وذكر اسم ربه فكبر تكبيرة الافتتاح. وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة، لأن الصلاة معطوفة عليها، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه ﷿. وعن ابن عباس ﵁: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له
_________________
(١) قوله: (نحو قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧])، قال الإمام: "وفيه إشكال، لأن عادة الله تقديم الصلاة على الزكاة، والأولى: تزكى من الشرك والمعاصى ثم صلى، أو تطهر للصلاة ثم صلى". قوله: (أي: أعطى زكاة الفطر، فتوجه إلى المصلى)، قال الإمام: "وفيه إشكال لأن السورة مكية بالإجماع، ولم يكن حينئذ عيد ولا فطر". وفي "البسيط": "لا يمتنع أن يقال: إن الله تعالى أخبر عما سيكون". قوله: (وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة، لأن الصلاة معطوفة عليها)، قال الإمام: "إن الآية دلت على مدح من ذكر اسم الله فصلى عقيبه، وليس فيها أنها تكبيرة الإحرام، ولعل المراد: ذكر الله بقلبه وذكر ثوابه وعقابه، فدعاه ذلك إلى فعل الصلاة".
[ ١٦ / ٤٠١ ]
وعن الضحاك: وذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى صلاة العيد (بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا) فلا تفعلون ما تفلحون به. وقرئ: (يؤثرون) على الغيبة. ويعضد الأولى قراءة ابن مسعود: بل أنتم تؤثرون. (خَيْرٌ وأَبْقَى) أفضل في نفسها وأنعم وأدوم. وعن عمر ﵁: ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب.
[(إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى • صُحُفِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى) ١٨ - ١٩]
(هَذَا) إشارة إلى قوله: (قَدْ أَفْلَحَ) إلى (وأَبْقَى) يعني أن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وقيل: إلى ما في السورة كلها. وروي: عن أبي ذر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ: كم أنزل الله من كتاب؟ فقال: مائة وأربعة كتب، منها على آدم: عشر صحف، وعلى شيث: خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس: ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم: عشر صحائف والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان. وقيل: إن في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظًا للسانه، عارفًا بزمانه، مقبلًا على شأنه.
_________________
(١) قوله: ("يؤثرون" على الغيبة)، أبو عمرو: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. وعلى الغيبة الضمير لأهل مكة، أُمر رسول الله؟ بالتذكير نفع أم لم ينفع، ثم أضرب عنه بقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، ولذلك لا ينجع فيهم الترغيب والترهيب. وعلى الخطاب عام لكل أحد، والمضروب عنه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾، أي: أنتم، يا بني آدم، تؤثرون الحياة الدنيا، لأنه من جبلتكم كما قال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (وَتَذَرُونَ الْأخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢١]، فلا تفعلون ما تفلحون به. قوله: (إلا كنفجة أرنب)، النهاية: "وفي الحديث: "ما الأُولى عند الآخرة إلا كنَفْجة أرنب"، أي: كوثبته من مجثمه، يريد تقليل مدتها".
[ ١٦ / ٤٠٢ ]
عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الأعلى، أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمد».
وكان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى، وكان علي وابن عباس يقولان ذلك، وكان يحبها وقال: أول من قال (سبحان ربي الأعلى): مكيائيل ﵇.
_________________
(١) قوله: (وكان يحبها)، أي: الرسول؟ . تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٤٠٣ ]