مدنية، وهي إحدى وثلاثون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) ١]
(هَلْ) بمعنى «قد» في الاستفهام خاصة، والأصل: أهل،
_________________
(١) سورة الإنسان إحدى وثلاثون آية، مكية، وقيل: مدنية بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي قوله: (﴿هَلْ﴾ بمعنى: "قد" في الاستفهام خاصّة)، أي: "هل" تُستعمل في الاستفهام خاصة، وهو بمعنى "قد"، قال في "المفصل": "عند سيبويه أن "أهل" بمعنى "قد"، إلا أنهم قد تركوا الألف قبلها، لأنها لا تقع إلا في الاستفهام". قال في "الإقليد": "هَلْ: ضعيفة في الاستفهام، ألا تراها تجيء بمعنى "قد" كقوله: أهل رأوْنا
[ ١٦ / ١٧٨ ]
بدليل قوله:
أهل رأونا بسفع القاع ذى الأكم
فالمعنى: أقد أتى؟ على التقرير والتقريب جميعًا، أي: أتى على الإنسان قبل زمان قريب (حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن) فيه (شَيْئًا مَّذْكُورًا)،
_________________
(١) فلو كان للاستفهام، للزم الجمع بين حرفين، وهما الهمزة وهل، وهو ممتنع". وقال ابن الحاجب: "أصلها أن يكون بمعنى "قد"، فاقتضت وقوع الفعل؛ فكما لا يقال: قد زيدًا ضربت، لا يقال: هل زيدًا ضربت؟ ". قوله: (أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم)، أوله: سائل فوارس يربوع بشدَّتنا يقال: سأل بشيء وعن شيء بمعنى، وهما من صلاته. بشدتنا، بفتح الشين: بحملتنا، والأولى بكسرها، أي: بقوتنا. يقول: سائل هذه القبيلة حين جُزنا بجانب القاع ذي الروابي، أي: هل رأوا منا جُبنًا وضعفًا؟ البيت شاذ. قوله: (أقد أتى؟ على التقرير)، قال الواحدي: " ﴿هَلْ﴾ هاهنا خبر وليس باستفهام"،
[ ١٦ / ١٧٩ ]
أي: كان شيئًا منسيا غير مذكور نطفة في الأصلاب، والمراد بالإنسان: جنس بني آدم، بدليل قوله (إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ) [الإنسان: ٢]؟
_________________
(١) قال أبو عبيدة: "مجازها: "قد أتى على الإنسان" وليس باستفهام. قوله: (بدليل قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ﴾)، يعني: تقرر أن الاسم المعرف باللام، إذا أعيد كان الثاني عين الأول، فحين أُعيد ﴿الْإِنسَانَ﴾ وبيَّن بأن المراد بالإنسان الجنس، لقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ﴾، عُلِمَ أن السابق كذلك. وإنما أراد بذلك الرد على من ذهب إلى أن المراد بالإنسان آدم ﵇، كالواحدي وغيره. ولعل نظرهم إلى قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾؛ فإن آدم لم يُخلق منها. والجواب أنه من باب التغليب، أو من قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (أَوَ لَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧]. قال: "فإن قلت: لِمَ جازت إرادة الأناسي كلهم، وكلهم غير قائلين ذلك؟ قلت: لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم، صح إسناده إلى جميعهم". وعليه النظم؛ فإن ﴿الْإِنسَانَ﴾ الثاني مُظهر وضع موضع المضمر لإفادة الترقي، أي كان الشيء المنسي الذي لا يُلتفت إليه ولا يُذكر، فإنا قلبناه في الأطوار المتباينة والأحوال المُتخالفة، وجعلناه مما يذكر فيه ويعتبر، حيث
[ ١٦ / ١٨٠ ]
(حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ) طائفة من الزمن الطويل الممتد.
فإن قلت: ما محل (لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا)؟ قلت: محله النصب على الحال من الإنسان، كأنه قيل: هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور. أو الرفع على الوصف ل- (حِينٍ)، كقوله: (يَوْمًا لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَن ولَدِهِ) [لقمان: ٣٣]،
_________________
(١) جعلناه محلًا للمعرفة والعبادة، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. ثم فصله بقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وبين افتراقهم بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ﴾، ففيه جمع وتقسيم وتفريق. قوله: (﴿حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾: طائفة من الزمن الطويل الممتد)، الراغب: الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، وعلى ذلك قوله ﷿: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، ثم يعبر عن كل مدة، وهو خلاف الزمان، فإنه يقع على [المدة] القليلة والكثيرة. ودهر فلان: مُدة حياته. وما روي في الحديث: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر"، قيل: معناه أن الله فاعل ما يضاف إلى الدهر، فإذا سببتم الذي تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد سببتموه. وقيل: الدهر الثاني في الخبر غير الأول، وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل، أي أن الله هو الداهر، أي: المصرف المدبر والمقيض لما يحدث، والأول أظهر". قوله: (أو الرفع على الوصف لـ ﴿حِينٌ﴾)، والراجع محذوف، أي: لم يكن فيه شيئًا، كما أن تقدير الآية: لا يجزي فيه.
[ ١٦ / ١٨١ ]
وعن بعضهم: أنها تليت عنده فقال: ليتها تمت، أراد: ليت تلك الحالة تمت، وهي كونه شيئًا غير مذكور، ولم يخلق ولم يكلف.
[(إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) ٢]
(نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) كبرمة أعشار، وبرد أكياش: وهي ألفاظ مفردة غير جموع، ولذلك وقعت صفات للأفراد. ويقال أيضًا: نطفة مشج، قال الشماخ:
طوت أحشاء مرتجة لوقت … على مشج سلالته مهين
_________________
(١) قوله: (وعن بعضهم: أنها تُليت عنده، فقال: ليتها تمت)، قيل: هو أبو بكر ﵁. وفي "الوسيط": "سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلًا يقرأ هذه الآية، فقال: ليت ذلك تم، يعني: ليته بقى على ما كان، فكان لا يلد، ولا يبتلى أولاده". قوله: (كبُرمة أعشار)، الجوهري: "البُرمة: القدر، وبُرمة أعشار: إذا انكسرت قطعًا". قوله: (وبُرد أكياش)، في الحاشية: الأكياش: ثوب يُغزل غزله مرتين، وهو من بُرود اليمن. قوله: (طوت أحشاء مُرتجة) البيت، أرتجت الناقة: إذا أغلقت رحمها على الماء، يُقال: أُرتج عليه، إذا استغلق عليه الكلام. والمُرتجة المُطبقة، أي: أحشاء ناقة مُرتجة، أي: طوت أحشاء نفسها.
[ ١٦ / ١٨٢ ]
ولا يصح (أَمْشَاجٍ) أن يكون تكسيرًا له، بل هما مثلان في الإفراد، لوصف المفرد بهما. ومشجه ومزجه بمعنى. والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماءان. وعن ابن مسعود: هي عروق النطفة. وعن قتادة: «أمشاج»: ألوان وأطوار، يريد: أنها تكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة (نَّبْتَلِيهِ) في موضع الحال، أي: خلقناه مبتلين له، بمعنى: مريدين ابتلاءه، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، تريد: قاصدًا به الصيد غدًا
_________________
(١) "سلالته" مرفوع بـ "مُرتجة"، أي: مُرتجة سلالته. "على مشج": المشج: المختلط حمرة في بياض، وكل لون من ذلك مشج، والجمع أمشاج، وهو شبه ماء الرجل في بياضه، وماء المرأة في رقته واصفراره. والسلالة: ما ينسل من بين الأصابع من الطين، ومن النُّطفة ما ينسل ويندفق منها. مهين: [حقير] يصف أُنثى قبلت ماء الفحل وحملت منه، يقول: طوت أحشاء أمعاء كأثواب مُرتجة لوقت الولادة، على نُطفة مُختلطة حقيرة. على مشج: صلة "طوت"، أو صلة: "مُرتجة"، أي أغلقت الناقة الرحم بالولد. ويروى: "مُرتجة"، على لفظ الفاعل، و"مهين" بالرَّفع؛ فعلى هذا: "سلالته" مبتدأ، و"مهين" خبره. قوله: (هي عُروق النُّطفة) في "المطلع"، عن ابن مسعود: "عروق العلق تبدو في النطفة". قوله: (مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا)، اعلم أن قوله: ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ هو حال من فاعل ﴿خَلَقْنَا﴾، وهو على ظاهر مُشكل، لأن قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾ عطف على ﴿خَلَقْنَا﴾ بالفاء. والابتلاء إنما يستقيم إذا حصل للمكلف السمع والبصر، وتأويله على وجوه: أحدها: أنه من الحال المقدرة، أي خلقنا الإنسان مُقدرين له الابتلاء، فجعلناه سميعًا بصيرًا، ليترتب عليه ما قدرنا له من الابتلاء، وإليه ينظر قول القاضي: "نبتليه: في موضع
[ ١٦ / ١٨٣ ]
ويجوز أن يراد: ناقلين له من حال إلى حال، فسمى ذلك ابتلاء على طريق الاستعارة. وعن ابن عباس: نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة. وقيل: هو في تقدير التأخير، يعني: فجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه، وهو من التعسف.
_________________
(١) الحال، أي: خلقنا الإنسان مبتلين له، بمعنى: مُريدين اختباره، فجعلناه سميعًا بصيرًا، ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات، فهو كالمسبب من إرادة الابتلاء. ولذلك، عُطف بالفاء على الفعل المقيد به، ورُتِّب عليه قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾، بنصب الدلائل وإنزال الآيات". وثانيها: أن يكون الابتلاء استعارة للانتقال، استعارة الجحفلة وهي للفرس لشفة الإنسان، على ما سبق في قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]؛ استعار الابتلاء للنقل لاستلزام كل منهما ظهور حال غِبَّ حال، ثم سرى منه إلى الفعل على التبعية، فحينئذ يحسن ترتيب ما بعد الفاء على ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾. المعنى: خلقنا الإنسان من نُطفة أمشاج ناقلين له من النُّطفة إلى العلقة ثم إلى المضغة، وهلم جرا، إلى أن جعلناه سميعًا بصيرًا. وثالثها: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، أي: خلقناه من نطفة أمشاج، فجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه. قوله: (هو في تقدير التأخير)، روى الواحدي عن الفراء أنه قال: "المعنى: جعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه. ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو السمع والبصر". وعلى هذا
[ ١٦ / ١٨٤ ]
[(إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وإمَّا كَفُورًا) ٣]
شاكرًا وكفورًا: حالان من الهاء في هديناه، أي: مكناه وأقدرناه في حالتيه جميعًا. أو دعوناه إلى الإسلام بأدلة العقل والسمع: كان معلومًا منه أنه يؤمن أو يكفر لإلزام الحجة. ويجوز أن يكونا حالين من السبيل، أي: عرفناه السبيل إما سبيلًا شاكرًا وإما سبيلًا كفورًا، كقوله: (وهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: ١٠]، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز. وقرأ أبو السمال بفتح الهمزة في (إمَّا)، وهي قراءة حسنة، والمعنى: أما شاكرًا فبتوفيقنا، وأما كفورًا فبسوء اختياره.
_________________
(١) يكون فيه قلب وكثرة حذف، لأن الأصل: لأن نبتليه، فحذف حرف الجر، ثم حُذف "أن" ورُفع الفعل؛ فللزوم كثرة الحذف والقلب، قال: "وهو من التعسف". قوله: (أي: مكناه وأقدرناه في حالتيه جميعًا)، فعلى هذا، الهُدى هو الدلالة الموصلة إلى البُغية. قال صاحب "الانتصاف": "هذا من تحريفه، والآية على ظاهرها". قوله: (أو دعوناه إلى الإسلام بأدلة العقل والسمع)، فعلى هذا: الهُدى: مجرد الدلالة، قال أبو البقاء: " ﴿إمَّا﴾ ها هنا لتفصيل الأحوال، أي: بينا له في كلتي حالتيه". قوله: (والمعنى: أما شاكرًا فبتوفيقنا، وأما كفورًا فبسوء اختياره)، وعن بعضهم: هذا الوجه أقرب إلى التعسف مما ذكره قُبيل هذا في ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾، لأن ذالك تقديم وتأخير، وهو كثير في الكلام. وفي هذا حذف ذي الحال والعامل وخبر المبتدأ والفاء، إن قُدر: أما إقدارنا إياه فبتوفيقنا، وهو الظاهر في إعرابه. وتعدد المحذوفات سبب ظاهر في التعسف. الانتصاف: "اختياره هذه القراءة لأجل تقسيم لا يُفيده، فيجوز أن يكون المراد: أما
[ ١٦ / ١٨٥ ]
[(إنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وأَغْلالًا وسَعِيرًا) ٤]
ولما ذكر الفريقين أتبعهما الوعيد والوعد. وقرئ: (سَلاسِلَ) غير منون، «وسلاسلًا»، بالتنوين،
_________________
(١) شاكرًا فمثاب، وأما كفورًا فمعاقب". وقال الإمام: "هذه القراءة تُقوي تأويل أهل السنة. المعنى: إنا هديناه السبيل، ثم جعلناه تارة شاكرًا وتارة كفورًا، كما في قوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] ". وقلت: الآية كما سبق، من باب الجمع مع التقسيم مع والتفريق، فمعنى ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾: إنا دللناه على طريقي الخير والشر، بإرسال الرسل وإنزال الكنب ونصب الأدلة، ليمتاز السعيد من الشقي والشاكر من الكفور: أما شاكرًا، فبما خلقناه سعيدًا، وأما كفورًا، فبإقدارنا إياه شقيًا. ثم فرق بينهما بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ﴾. قوله: (وقُرئ: ﴿سَلَاسِلَا﴾ غير منون، و"سلاسلًا"، بالتنوين)، نافع والكسائي وهشام وأبو بكر، والباقون: بغير تنوين. قال الزجاج: "الأجود أن لا ينصرف، ولكن لما جعلت رأس آية صُرفت، ليكون آخر الآي على لفظ واحد". وفي الكواشي: "القراءة: "سلاسلًا" منونًا مصروفًا وإن كان جمعًا ليس على وزانه مُفرد، لأن الأصل الصرف. ولذلك طائفة من العرب يصرفون كل ما لا ينصرف، إلا أفعل منك،
[ ١٦ / ١٨٦ ]
وفيه وجهان: أحدهما أن تكون هذه النون بدلًا من حرف الإطلاق، ويجرى الوصل مجري الوقف، والثاني: أن يكون صاحب القراءة به ممن ضري برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف.
_________________
(١) وطائفة يصرفونه أيضًا. وقد يُجمع في الحديث: "إنكن أنتن صواحبات يوسف"، وقد جاء: مواليات. وقول من قال: إنها صرفت ليكون أواخر الآي على لفظ واحد فاسد، لأن ذلك إنما يجوز في محل الضرورات، وكذلك قول من قال: إن النون بدل من حرف الإطلاق، فجرى الوصل مجرى الوقف". وقال صاحب "المطلع": "إن هذا الجمع أشبه الآحاد حتى جمع مرة فقيل: صواحبات يوسف، ومواليات فلان، في جمع الصواحب والموالي؛ فمن حيث جمعوه جمع الآحاد المنصرفة، جعلوه في حكمها فصرفوه". قوله: (بدلًا من حرف الإطلاق)، عن بعضهم: حرف الإطلاق هو ألف ﴿سَلَاسِلَا﴾ يطلق لسانه، فإذا زيدت النون عند الوصل، صارت النون كالإطلاق عند الوقف. قيل: قوله: "أن يكون صاحب القراءة" إلى آخره، هذا تعليل أبي علي، وهذا ديل على أنه كان يرى الإطلاق لهم زيادة غير موقوفة على النقل المتواتر، وجعل التواتر من جملة غلط اللسان، أي: في القراءة، والأول هو الصحيح. قوله: (أن يكون صاحب القراءة به ممن ضري برواية الشعر)، الانتصاف: "هو يرى أن القراءات المُستفيضة غير موقوفة على النقل المتواتر، وجعل التواتر من جُملة غلط اللسان.
[ ١٦ / ١٨٧ ]
(إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَاسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا *إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) ٥ - ١٠)
(الْأَبْرارَ) جمع برّ أو بارّ، كرب وأرباب، وشاهد وأشهاد. وعن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذرّ. والكأس: الزجاجة إذا كانت فيها خمر، وتسمى الخمر نفسها كأسا (مِزاجُها) ما تمزج به (كافُورًا) ماء كافور، وهو اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده. و(عَيْنًا) بدل منه. وعن قتادة: تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك.
_________________
(١) ـ والحق أنها متواترة عن النبي ﷺ وهي لغةُ من صرف في منثور الكلام جميع مالا ينصرف إلاّ (أَفعل) والقراءات تشتمل على اللغات المختلفة. وقيل: قول من قال: إن القراءات السبع متواترة في ما ليس من قبيل الأداء، كالمدّ والإمالة وتخفيف الهمزة، برخص الزيادة والنقصان في المذكورات. قوله: (والكأس: الزجاجة إذا كانت فيها خمر)، قال الزجاج «الكأس الإناء إذا كان فيه الشراب فإذا لم يكن لم يسمّ كأسا» قال التغلبي: صددت الكأس عنّا أمّ عمرو**وكان الكأس مجراها اليمينا
[ ١٦ / ١٨٨ ]
وقيل: تخلق فها رائحة الكافور وبياضه وبرده، فكأنها مزجت بالكافور. و(عَيْنًا) على هذين القولين: بدل من محل (مِن كَاسٍ) على تقدير حذف مضاف، كأنه قيل: يشربون فيها خمرًا خمر عين، أو نصب على الاختصاص.
فإن قلت: لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولا، وبحرف الإلصاق آخرًا؟
قلت: لأن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته؛ وأما العين فبها يمزجون شرابهم، فكان المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر، كما تقول: شربت الماء بالعسل. (يُفَجِّرُونَهَا) يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم (تَفْجِيرًا) سهلًا لا يمتنع عليهم. (يُوفُونَ) جواب من عسى يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟
_________________
(١) الراغب: "الكأس: الإناء بما فيه من الشراب، يُسمى كل واحد منهما بانفراده: كأسًا. يُقال: كأس خال، ويقال: شربت كأسًا، وكأس طيبة يعني بها الشراب، قال تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ". قوله: (و﴿عَيْنًا﴾ على هذين القولين)، أي: على أن لا يكون ﴿كَافُورًا﴾ اسم عين، بل تكون الخمر قد مُزجت بالكافور، أو خُلق في الخمر رائحته. فإن قلت: فما الفرق بين الإبدالين؟ قلت: على الأول: ﴿كَافُورًا﴾ علم للعين، فلا يُعتبر فيه معنى هذا الطيب المخصوص، فيصح إبدال ﴿عَيْنًا﴾ من ﴿كَافُورًا﴾. وعلى الثاني: هذا الطيب منظور فيه، فلا يصح إبداله منه، بل من محل ﴿مِن كَأْسٍ﴾، ولما كان المراد بالكأس الخمر، وجب أن يُقدر في البدل مُضاف، بأن يقال: خمر عين، ليصح الإبدال. قوله: (لأن الكأس مبدأ شُربهم)، الانتصاف: "هذا على القول الأول مُستقيم. أما على أن العين بدل من الكأس، إما لاشتمالها على أوصافه، وهو الكافور المعهود، فلا يتم الجواب بذلك". يريد أن "كأسًا" ﴿عَيْنًا﴾ هما مُتحدان حينئذ، فلا يصدق قوله: "لأن الكأس مبدأ
[ ١٦ / ١٨٩ ]
والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات؛ لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله، كان بما أوجبه الله عليه أو في (مُسْتَطِيرًا) فاشيًا منتشرًا بالغا أقصى المبالغ، من استطار الحريق، واستطار الفجر. وهو من: طار، بمنزلة «استنفر» من: نفر، (عَلَى حُبِّهِ) الضمير للطعام، أي: مع اشتهائه والحاجة إليه، ونحوه (وآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ) [البقرة: ١٧٧]، (لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: ٩٢] وعن الفضيل بن عياض: على حب الله.
_________________
(١) شربهم، وأما العين فيها يمزجون"، لأن هذه العبارة مُشعرة بالتغاير بين الكأس والعين. "بل الجواب: أنه لما ذكر الشُّرب أولا باعتبار الوقوع في الوجود، ذكره ثانيًا مُضمنًا للاستدامة، كأنه قال: يشربون منها فيلتذون بها، كذا قال أبو عبيدة". قال أبو البقاء: " ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ حال من ﴿يَشْرَبُونَ﴾؛ أي: يشربون ممزوجًا بها. والأولى أن يكون محمولًا على المعنى؛ أي: يلتذون بها". وقال صاحب "الكشف": "الباء زائدة، أي: يشربها، أي: ماءها". قوله: (وهو من: طار، بمنزلة "استنفر" من نفر)، أي: استطار من طار، لكن في "استطار" مبالغة، واستنفر ونفر كذلك، لقوله تعالى: ﴿حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠]. قوله: (مع اشتهائه والحاجة إليه)، فيكون من باب التعميم، وقوله: "على حُب الله" هو من باب التكميل، وصفهم اولًا بالجود والبذل، وكمله بأن ذلك عن إخلاص لا رياء فيه.
[ ١٦ / ١٩٠ ]
(وأَسِيرًا) عن الحسن: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين، فيقول: أحسن إليه؛ فيكون عنده اليومين والثلاثة، فيؤثره على نفسه. وعند عامة العلماء: يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات. وعن قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه. وعن سعيد بن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القبلة، وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون. وسمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أسيرًا، فقال: «غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك». (إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ) على إرادة القول. ويجوز أن يكون قولًا باللسان منعًا لهم عن المجازاة بمثله أو بالشكر؛ لأن إحسانهم مفعول لوجه الله؛ فلا معنى لمكافأة الخلق. وأن يكون قولهم لهم لطفًا وتفقيهًا وتنبيهًا، على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله.
وعن عائشة ﵂ أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت، ثم تسأل الرسول: ما قالوا؟ فإذا ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا عند الله
_________________
(١) قوله: (وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار)، قال الزجاج: "الأسير في ذلك الوقت كان من الكفار. وقد مدح الله من يطعم الأسير، وهذا يدل على أن في إطعام أهل الحبوس ثوابًا جزيلًا. وأهل الحبوس: الأُسراء". روى محيي السنة عن مجاهد وسعيد بن جُبير وعطاء: "هو المسجون من أهل القبلة، وقال الحسن وقتادة: وفيه دليل على أن إطعام الأسارى وإن كانوا من أهل الشرك حسن، ويُرجى ثوابه". قوله: (هو الأسير من أهل القبلة)، هذا إنما يستقيم إذا أُنفق الإطعام في دار الحرب من السلم لأسير في أيديهم.
[ ١٦ / ١٩١ ]
ويجوز أن يكون ذلك بيانًا وكشفًا عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئًا. وعن مجاهد: أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله منهم فأثنى عليهم. والشكور والكفور: مصدر ان كالشكر والكفر. (إنَّا نَخَافُ) يحتمل: إن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم، لا لإرادة مكافأتكم؛ وإنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأة بالصدقة. ووصف اليوم بالعبوس مجاز على طريقين: أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء، كقولهم: نهارك صائم؛ روي أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وأن يشبه في شدته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل. والقمطرير: الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون بيانًا وكشفًا عن اعتقادهم)، عطف على قوله: "ويجوز أن يكون قولًا باللسان"، يعني: قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ﴾ وراد على إرادة القول، وهذا القول يجوز أن يكون بلسان القال، وأن يكون بلسان الحال، والأول على وجهين: أحدهما: يقولون ذلك لئلا يجازيهم المستجدي بالشكر أو بمثله. وثانيهما: يقولون لينبهوهم على ما ينبغي من الإخلاص، قال الزجاج: "وجائز أن يكونوا يُطعمون ولا ينطقون بهذا، ولكن قصدهم في إطعامهم هذا، فترجم عما في قلوبهم، وكذلك: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا﴾. روى محيي السنة عن مجاهد وسعيد بن جُبير: "إنهم لم يتكلموا به، ولكن علم الله ذلك من قلوبهم فأثنى عليهم". وقلت: دل هذا على إثبات الكلام النفسي. قوله: (وأن يُشبه في شدته وضرره بالأسد العبوس)، وعلى الأول من الإسناد المجازي، وعلى هذا من الإستعارة المكنية.
[ ١٦ / ١٩٢ ]
قال الزجاج: يقال: اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها؛ فاشتقه من القطر وجعل الميم مزيدة، قال أسد بن ناعصة:
واصطليت الحروب في كل يوم … باسل الشر قمطرير الصّباح
[(فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقَّاهُمْ نَضْرَةً وسُرُورًا • وجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا • مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا • ودَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا • ويُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ • قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا • ويُسْقَوْنَ فِيهَا كَاسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا • عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا • ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا • وإذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا • عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا • إنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) ١١ - ٢٢]
_________________
(١) قوله: (وجمعت قُطريها)، الأساس: "يُقال: جمع فلان قُطريه إذا تغير مُغضبًا، وأصله في الناقة إذا لقحت فزمت برأسها وشالت بذنبها كبرًا. يقال: زم بأنفه: رفع رأسه كِبرًا، ورأيته زامًا: شامخًا لا يتكلم. قوله: (واصطليت الحروب) البيت، اصطلى بهذا الأمر: إذا قاسى حره وشدته، يوم باسل: شديد، ويوم قماطر وقمطرير: شديد، واقمطرَّ يومنا: أي: اشتد، والباسل: الشجاع الذي اشتد كلوحه، وقوله: باسل الشر، كقول الحماسي: قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووُحدانا
[ ١٦ / ١٩٣ ]
(ولَقَّاهُمْ نَضْرَةً وسُرُورًا) أي: أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة في الوجوه وسرورًا في القلوب، وهذا يدل على أن اليوم موصوف بعبوس أهله (بِمَا صَبَرُوا) بصبرهم على الإيثار. وعن ابن عباس ﵁: أن الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله ﷺ في ناس معه؛ فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن برءا مما بهما، أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعًا واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صيامًا؛ فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم، فآثروه؛ ووقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك؛ فلما أصبحوا أخذ علي ﵁ بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله ﷺ، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، قال: ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم! وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة.
_________________
(١) قوله: (أي: أعطاهم بدل عُبوس الفُجار نضرة في الوجوه)، الراغب: "يقال: لقيته بكذا إذا استقبلته به، قال تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]، ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾، وتلقاه كذا، ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦]، ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ".
[ ١٦ / ١٩٤ ]
فإن قلت: ما معنى ذكر الحرير مع الجنة؟ قلت: المعنى: وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع والعري بستانًا فيه مأكل هني، وحريرًا فيه ملبس بهى. يعني: أن هواءها معتدل، لا حر شمس يحمي ولا شدة برد تؤذي. وفي الحديث: هواء الجنة سجسج، لا حر ولا قر. وقيل: الزمهرير القمر، وعن ثعلب: أنه في لغة طيئ، وأنشد:
وليلة ظلامها قد اعتكر … قطعتها والزمهرير ما زهر
والمعنى: أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها شمس وقمر.
فإن قلت: (ودَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا)، علام عطفت؟ قلت: على الجملة التي قبلها، لأنها في موضع الحال من المجزيين؛ وهذه حال مثلها عنهم، لرجوع الضمير منها إليهم في «عليهم»، إلا أنها اسم مفرد، وتلك جملة في حكم مفرد، تقديره: غير رائين فيها شمسًا ولا زمهريرًا، ودانية عليهم ظلالها؛ ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم، كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والقر ودنو الظلال عليهم وقرئ: «ودانية» بالرفع، على أن «ظلالها» مبتدأ، و«دانية» خبره، والجملة في موضع الحال؛ والمعنى: لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرًا، والحال أن ظلالها دانية عليهم؛
_________________
(١) قوله: (وليلة ظلامُها) البيت، اعتكر الظلام: اختلط كأنه تراكم بعضه على بعض نت بُطءِ انجلائه، وزهرت النار زهورًا: أضاءت، وأزهرتها أنا. يقول: رُب ليلة شديدة الظلمة قطعتها بالسُّرى، والحال أن القمر ما طلع وما أضاء. قوله: (والمعنى: لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرا، والحال أن ظلالها دانية)، يُريد: أن "دانية"، إذا قُرئت بالنصب يكون الحال مُفردًا؛ فالواو للعطف على الحال المتقدمة. وإذا
[ ١٦ / ١٩٥ ]
ويجوز أن تجعل (مُتَّكِئِينَ) و(لا يَرَوْنَ) و(ودَانِيَةً) كلها صفات ل- (جَنَّةً). ويجوز أن يكون (ودَانِيَةً) معطوفة على (جَنَّةً)، أي: وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها، على أنهم وعدوا جنتين، كقوله (ولِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٤٦]، لأنهم وصفوا بالخوف: (إنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا) [الإنسان: ١٠].
فإن قلت: فعلام عطف (وذُلِّلَتْ)؟ قلت: هي، إذا رفعت (ودَانِيَةً)، جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية، وإذا نصبتها على الحال، فهي حال من «دانية»، أي: تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم، أو معطوفة عليها على: ودانية عليهم ظلالها، ومذللة قطوفها؛ وإذا نصبت (ودَانِيَةً) على الوصف، فهي صفة مثلها؛ ألا ترى أنك لو قلت: جنة ذللت قطوفها كان صحيحًا
_________________
(١) قُرئت بالرفع تكون الجملة الاسمية حالًا؛ فالواو للحال لا للعطف، وذو الحال الضمير في ﴿لَا يَرَوْنَ﴾، والحال متداخلة لأن ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ قيل: حال من مفعول ﴿وَجَزَاهُم﴾، و﴿لَا يَرَوْنَ﴾ من ضمير ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾. وإنما قيل: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل: منهم، لأن الظلال عالية عليهم. قوله: (أن تجعل ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ و﴿لَا يَرَوْنَ﴾)، قيل: في جعل ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ صفة ضعف، لأنه حينئذ جار على غير من هو له، فكان يجب إبراز الضمير. قوله: (جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية)، فيه لطيفة، وهي أن استدامة الظل مطلوبة هناك. واما التذليل للقطف، فهو على التجدد شيئًا غِبَّ شيء، قال الزجاج: "كلما أرادوا أن يقطعوا شيئًا منها ذُلِّلَ لهم ودنا منهم، قعودًا كانوا أو مضطجعين أو قيامًا".
[ ١٦ / ١٩٦ ]
وتذليل القطوف: أن تجعل ذللا لا تمتنع على قطافها كيف شاؤوا! أو تجعل ذليلة لهم خاضعة متقاصرة، من قولهم: حائط ذليل، إذا كان قصيرًا، (قَوَارِيرَ • قَوَارِيرَ): قرئا غير منونين، وبتنوين الأول، وبتنوينهما. وهذا التنوين بدل من ألف الإطلاق، لأنه فاصلة؛ وفي الثاني لإتباعه الأول، ومعنى (قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ) أنها مخلوقة من فضة، وهي مع بياض الفضة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها
_________________
(١) قوله: (أو تُجعل ذليلة)، قال: الأول: من الذِّلِّ، والثاني: من الذُّلِّ؛ بالضم. قال ابن جني في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤] بالضم والكسر في "الذل": "الذِّلُّ بالكسر: في الدابة؛ ضد الصعوبة، وبالضم: للإنسان وهو ضد العز؛ كأنهم فرقوا، لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدرًا مما يلحق الدابة، فاختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة، ولا تستنكر مثل هذا". قوله: (قُرئا غير مُنونين، وبتنوين الأول، وبتنوينهما)، "نافع والكسائي وأبو بكر: بتنوينهما، ووقفوا عليهما بالألف. وابن كثير: في الأول بالتنوين ووقف عليه بالألف، والثاني بغير تنوين ووقف عليه بغير ألف، والباقون: بغير تنوين فيهما، ووقف حمزة عليهما بغير ألف، ووقف هشام عليهما بالألف صلة للفتحة، ووقف الباقون - وهم أبو عمرو وحفص وابن ذكوان - على الأول بالألف، وعلى الثاني بغير ألف"، قاله صاحب "التيسير". وقال الزجاج: "من صرف الأول فلأنه رأس آية، ومن صرف الثاني أتبع اللفظ اللفظ، لأن العرب ربما قلبت إعراب الشيء ليتبع اللفظ اللفظ، فيقولون: هذا جُحر ضب خَرِب؛ وإنما الخرب من نعت الجُحر".
[ ١٦ / ١٩٧ ]
فإن قلت: ما معنى «كانت»؟ قلت: هو من «يكون» في قوله (كُن فَيَكُونُ) [البقرة: ١١٧] أي: تكوّنت قوارير، بتكوين الله تفخيمًا لتلك الخلقة العجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين. ومنه «كان» في قوله: (كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا)، وقرئ: «قوارير من فضة»، بالرفع على: هي قوارير (قَدَّرُوهَا) صفة ل- «قوارير من فضة»؛ ومعنى تقديرهم لها: أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم، فجاءت كما قدّروا. وقيل: الضمير للطائفين بها، دل عليهم قوله (ويُطَافُ عَلَيْهِم) [الإنسان: ١٥]، على أنهم قدروا شرابها على قدر الري، وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها ولا يعجز. وعن مجاهد: لا تفيض ولا تغيض. وقرئ: «قدروها»، على البناء للمفعول، ووجهه أن يكون من: قدر، منقولًا من: قدر، تقول: قدرت الشيء وقدرنيه فلان؛ إذا جعلك قادرًا له. ومعناه: جعلوا قادرين لها كما شاؤوا.
_________________
(١) قوله: (أي: تكونت قوارير)، "قوارير": حال، كما يقال: خُلِقَتْ قوارير. قوله: (وقيل: الضمير للطائفين)، أي: الواو في ﴿قَدَّرُوهَا﴾، وفي معناه أنشد المصنف لأبي تمام: فلو صَوَّرت نفسك لم تزدها على ما فيك من كرم الطباع قوله: (ووجهه أن يكون من قُدر، منقولًا من قدر)، قال صاحب "الكشف": "أو هو من المقلوب، على تقدير: قَدِرت عليهم، أي: على ربهم، كما قالوا: إذا طلعت الجوزاء انتصب العود على الحرباء، أي: انتصب الحرباء على العود".
[ ١٦ / ١٩٨ ]
وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا، سميت العين زنجبيلًا لطعم الزنجبيل فيها، والعرب تستلذه وتستطيبه. قال الأعشى:
كأنّ القرنفل والزنجبيـ …
_________________
(١) ـل باتا بفيها وأريا مشورا وقال المسيب بن علس: وكأن طعم الزنجبيل به … إذ ذقته وسلافة الخمر و(سَلْسَبِيلًا) لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يعني: أنها في طعم الزنجبيل وليس فيها لذعه، ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة قوله: (وأريا مشورا)، أي: عسلًا مُستخرجًا من بيت النحل. قوله: (وقال المسيب بن علس)، قيل: اسمه عمرو؛ وإنما لُقِّب بالمُسيب، لأن أباه أعطاه إبلًا يرعاها، فأبهل أصرتها، فقال له: أحق أسمائك المسيب. الأصرة: جمع صرار، وهو ما يُصر به الضرع، ومعنى أبهل أصرتها: عَطل الحبال التي يُصر بها ضرع الناقة. والضمير في "به" في قوله: وكأن طعم الزَّنجبيل به للفم، يصف فم امرأة. قوله: (وسُلافة الخمر)، السلاف: السائل من عصير العنب قبل أن يُعصر. وقيل: السُّلافة أول ولكل شيء عصرته. قوله: (وليس فيها لذعة)، اللذع - بالذال المعجمة والعين المهملة -: هو الإحراق.
[ ١٦ / ١٩٩ ]
يقال: شراب سلسلٌ وسلسالٌ وسلسبيل، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية، ودلت على غاية السلاسة، قال الزجاج: السلسبيل في اللغة: صفةٌ لما كان في غاية السلاسة. وقرئ: "سلسبيل"، على منع الصرف، لاجتماع العلمية والتأنيث، وقد عزوا إلى على بن أبى طالبٍ ﵁ أن معناه: سل سبيلًا إليها، وهذا غير مستقيمٍ على ظاهره، إلا أن يراد أن جملة قول القائل: سل سبيلًا، جعلت علمًا للعين، كما قيل: تأبط شرًا، وذرّى حبًا، وسميت بذلك لأنه لا يشرب منها
_________________
(١) ـ قوله: (وقد عزوا إلى علي رضي الله تعالى عنه) إلى آخره، روى محيي السنة عن مُقاتل بن حيان: "سميت سلسبيلًا لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى اهل الجنان، ويؤيد ذلك قوله: ﴿تُسَمَّى﴾. وأما إذا جعلت صفة كما قال الزجاج/ فمعنى ﴿تُسَمَّى﴾: تُوصف". الراغب: "سل الشيء من الشيء نزعه، كسل السيف من الغمد. وتسلسل الشيء: اضطرب، كأنه تصور منه تسلل متردد، فردد لفظه تنبيهًا على تردد معناه، ومنه السِّلسلة. وماء سَلْسَل: متردد في مقره حتى صفا، قال: أشهى إلىَّ من الرحيق السَّلسل وقوله: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾، أي: سهلًا لذيذًا سلسًا، وقيل: هو مركب من سل سبيلًا كالبسملة، وقيل: اسم لكل عين الجرية. وأسلة اللسان: طرفه".
[ ١٦ / ٢٠٠ ]
إلا من سأل إليها سبيلًا بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلفٌ وابتداع؛ وعزوه إلى مثل على ﵁ أبدع، وفي شعر بعض المحدثين:
سل سبيلا فيها إلى راحة النّف- … -س براح كأنّها سلسبيل
و(عَيْنًا) بدلٌ من (زَنْجَبِيلًا)، وقيل: تمزج كأسهم بالزنجبيل بعينه. أو يخلق الله طعمه فيها. و(عَيْنا) على هذا القول مبدلةٌ من (كَاسًا) كأنه قيل: ويسقون فيها كأسًا كأس عين، أو منصوبةٌ على الاختصاص؛ شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم باللؤلؤ المنثور. وعن المأمون: أنه ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهلٍ وهو على بساطٍ منسوجٍ من ذهبٍ وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثورًا على ذلك البساط، فاستحسن المنظر وقال: لله درّ أبى نواس، وكأنه أبصر هذا حيث يقول:
كأنّ صغرى وكبرى من فواقعها … حصباء درّ على أرض من الذّهب
_________________
(١) ـ قوله: (وفي شعر بعض المحدثين)، ذكر في "اليتيمة" أنه لحسن بن مطران الشاشي. قوله: (و﴿عَيْنًا﴾ بدل من ﴿زَنجَبِيلًا﴾)، وقد مضى مثل هذا الإبدال في قوله تعالى: ﴿مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]. قوله: (كأن صُغرى وكٌبرى من فواقعها)، "فواقعها": جمع فاقعة، وهي الحُبابة على وجه الخمر والماء، والضمير في "فواقعها" يعود إلى الخمر، قال ابن الأثير: "صُغرى وكُبرى غير جائز؛ فإن "فُعلى" أفعل لا يجوز نزع اللام منها، وإنما يجوز من "فُعلى" التي لا "أفعل" لها
[ ١٦ / ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) نحو حُبلى، إلا أن تكون "فُعلى" أفعل مضافة، وهاهنا قد عريت عن اللام والإضافة". وأجاب صاحب "الفلك الدائر": "إنا وجدنا "فُعلى" أفعل في غير موضع، واردة بغير لام ولا إضافة، قال الراجز: في سعي دُنيا طالما قد مُدت وقال الآخر: لا تبخلن بدنيا وهي مُقبلة والآخر: وإن دعوت إلى جُلي ومَكرُمة
[ ١٦ / ٢٠٢ ]
وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه، لأنه أحسن وأكثر ماء (رَأَيْتَ) ليس له مفعولٌ ظاهرٌ ولا مقدرٌ ليشيع ويعم، كأنه قيل: وإذا أوجدت الرؤية ثم، ومعناه: أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيمٍ كثيرٍ وملكٍ كبير، و(ثَمّ) في موضع النصب على الظرف، معناه: في الجنة. ومن قال: معناه: «ما ثم» فقد أخطأ، لأن «ثم» صلة ل- "ما"، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة
_________________
(١) وقالوا: طُوبى لك. وفي البيت وجه آخر، وهو ان يجعل "من" في قوله: من فواقعها، زائدة على مذهب الأخفش في الواجب، كقوله تعالى: ﴿فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]، فعلى هذا هي مضافة في البيت". قوله: (وقيل: شُبهوا باللؤلؤ الرَّطب إذا نُثر من صدفه)، وعلى هذا: التشبيه في حكم المفرد لأنهم شُبهوا باللؤلؤ، المخصوص. روى محيي السنة عن عطاء: "يريد في بياض اللؤلؤ وحُسنه، واللؤلؤ إذا نُثر من الخيط على البساط، كان أحسن من منظومًا". وعلى الأول مُركب، والوجه مُتعدد؛ لأن الانبثاث على الثاني غير منظور إليه. ويجوز أن يكون مُركبًا لتصور النثر من الصدف مع تصوره، ومنه قول البحتري: إذا نضون شُفوف الرَّيط آونة قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا شبه أجسادهن إذا خلعن ثيابهن، بلؤلؤ قُشر عنه الصدف.
[ ١٦ / ٢٠٣ ]
(كَبِيرًا) واسعًا وهنيئًا.
يروى: "أن أدنى أهل الجنة منزلةً ينظر في ملكه مسيرة ألف عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه". وقيل: لا زوال له، وقيل: إذا أرادوا شيئًا كان. وقيل: تسلم عليهم الملائكة ويستأذنون عليهم. قرئ: "عاليهم" بالسكون، على أنه مبتدأٌ خبره (ثِيابُ سُندُسٍ)، أي: ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندسٍ. و"عاليهم"بالنصب، على أنه حالٌ من الضمير في (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ) أو في (حَسِبْتَهُمْ)،
_________________
(١) قوله: (﴿كَبِيرًا﴾: واسعًا وهنيئًا)، قيل: المراد بالواسع امتداده في الطول والعرض، وبالهنيء سلامته عما ينغص. ثم حقق الأول بقوله: "يروى: أن أدنى" إلى آخره، والثاني بقوله: "لا زوال له"؛ وذلك أن النعمة إذا كانت في معرض الزوال، لا يتلذذ به صاحبه، ولا يستبشر به الاستبشار التام، قال: أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا وإنما فُسر الكبير بالواسع الهنيء لإطلاقه، فاعتبره من جهة اللفظ والمعنى. وأما رواية قوله: "إن أدنى أهل الجنة منزلة"، [فقد] مضى تخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، قال القاضي: "وللعارف أكبر من ذلك، وهو أن تنتقش نفسه بجلايا الملك وخفايا الملكوت، فيستضيء بأنوار قُدس الجبروت". قوله: (قُرئ: "عاليهم" بالسكون)، نافع وحمزة: "عاليهم"، بإسكان الياء وكسر الهاء، والباقون: بفتح الياء وضم الهاء.
[ ١٦ / ٢٠٤ ]
أي: يطوف عليهم ولدانٌ عاليًا للمطوف عليهم ثيابٌ. أو حسبتهم لؤلؤًا عاليًا لهم ثياب سندس. ويجوز أن يراد: رأيت أهل نعيم وملكٍ عاليهم ثيابٌ. و"عاليتهم": بالرفع والنصب على ذلك. و"عليهم". و(خضرٌ وإستبرقٌ) بالرفع، حملًا على الثياب، بالجر على السندس. وقرئ: "وإستبرق" نصبًا في موضع الجر على منع الصرف لأنه أعجمي، وهو غلطٌ لأنه نكرةٌ يدخله حرف التعريف؛ تقول: الإستبرق، إلا أن يزعم ابن محيصنٍ أنه قد يجعل علمًا لهذا الضرب من الثياب
_________________
(١) قوله: (أو حسبتهم لؤلؤًا عاليًا لهم ثياب)، عطف على ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾، وهما لف ونشر لما لف أولًا في الحالتين. والفرق أنه إذا كان حالًا من ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾، وهم المؤمنون، كان للمؤمنين ثياب، وهو المراد من قوله: "للمطوف عليهم ثياب". وإذا كان من ضمير ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾، كان على الغلمان ثياب، وإليه أشار بقوله: "لهم ثياب"، على الابتداء والخبر. "الانتصاف": "في هذا نظر، لأنه جعله داخلًا في مضمون الحسبان، وكيف هذا وهم لابسون السُّندس حقيقة، بخلاف كونهم لؤلؤًا، فإنه تشبيه وتمثيل". قوله: (و"عاليتهم": بالرفع والنصب على ذلك)، أي: على المذكور من وجه الرفع والنصب. قوله: (و"عليهم")، أي: وقُرئ: "عليهم"، مكان: "عاليهم". قوله: (و﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، بالرفع)، حفص: برفعهما، وابن كثير وأبو بكر: بخفض
[ ١٦ / ٢٠٥ ]
وقرئ "واستبرق"، بوصل الهمزة والفتح، على أنه مسمى باستفعل من البريق، وليس بصحيح أيضًا، لأنه معربٌ مشهورٌ تعريبه، وأنّ أصله: استبره. (وَحُلُّوا) عطف على (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ) [الإنسان: ١٥].
فإن قلت: ذكر هاهنا أنّ أساورهم من فضة، وفي موضعٍ آخر أنها من ذهب.
قلت: هب أنه قيل وحلوا أساور من ذهبٍ ومن فضة، وهذا صحيحٌ لا إشكال فيه، على أنهم يسوّرون بالجنسين: إما على المعاقبة، وإما على الجمع، كما تزاوج نساء الدنيا بين أنواع الحلي وتجمع بينها، وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران:
سوارٌ من ذهب، وسوارٌ من فضة! (شَرابًا طَهُورًا) ليس برجسٍ كخمر الدنيا؛ لأنّ كونها رجسًا بالشرع لا بالعقل، وليست الدار دار تكليف
_________________
(١) ـ الأول ورفع الثاني، وابن عامر وأبو عمرو: برفع الأول وخفض الثاني، وحمزة والكسائي: بخفضهما. قوله: (كما تزاوج)، بالتاء والزاي والجيم، ويروى: "تُراوح"، بالراء والحاء. الجوهري: "المُراوحة في العملين: أن يعمل هذا مرة وهذا مرة". "كما تُزاوج" نشر لقوله: "على المعاقبة"، وتجميع لقوله: "على الجمع". قوله: (بالشرع لا بالعقل)، خبر لـ "أن"، يريد أن كون الخمر رجسًا ثابت بحكم الشرع ابتلاء، لأن فيها ما يُنجسه العقل من القاذورات. والآخرة ليست دار ابتلاء واختبار، بل فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فعلى هذا: معنى ﴿طَهُورًا﴾ رفع المانع الشرعي.
[ ١٦ / ٢٠٦ ]
أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة، وتدوسه الأقدام الدّنسة، ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن بتنظيفها. أو لأنه لا يئول إلى النجاسة لأنه يرشح عرقًا من أبدانهم له ريحٌ كريح المسك. أي: يقال لأهل الجنة (إِنَّ هذا) وهذا إشارةٌ إلى ما تقدّم من عطاء الله لهم: ما جوزيتم به على أعمالكم وشكر به سعيكم، والشكر مجاز.
[(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) ٢٣ - ٢٦]
تكرير الضمير بعد إيقاعه اسمًا ل- "إنّ": تأكيدٌ على تأكيدٍ لمعنى اختصاص الله بالتنزيل، ليتقرّر في نفس رسول الله ﷺ أنه إذا كان هو المنزل
_________________
(١) قال القاضي: "شرابًا طهورًا: يريد به نوعًا آخر تفوق على النوعين المُتقدمين، ولذلك أسند سقيه إلى الله ﷾، ووصفه بالطهورية؛ فإنه يُطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية، والركون إلى ما سوى الحق، فيتجرد لمطالعة جماله، مُلتذًا بلقائه، باقيًا ببقائه، وهي مُنتهى درجات الصديقين، ولذلك ختم به على ثواب الأبرار". قوله: (الأيدي الوضرة)، الجوهري: "الوضر: الدرن والدَّسم"، قال: أباريق لم يعلق بها وضر الزُّبد
[ ١٦ / ٢٠٧ ]
لم يكن تنزيله على أي وجهٍ نزل إلا حكمةً وصوابًا، كأنه قيل: ما نزّل عليك القرآن تنزيلًا مفرقًا منجمًا إلا أنا لا غيري، وقد عرفتني حكيمًا فاعلًا لكل ما أفعله بدواعي الحكمة؛ ولقد دعتني حكمةٌ بالغةٌ إلى أن أنزل عليك الأمر بالمكافة والمصابرة، وسأنزل عليك الأمر بالقتال والانتقام بعد حين (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) الصادر عن الحكمة وتعليقه الأمور بالمصالح، وتأخيره نصرتك على أعدائك من أهل مكة؛ ولا تطع منهم أحدًا قلة صبرٍ منك على أذاهم وضجرًا من تأخر الظفر، وكانوا مع إفراطهم في العداوة والإيذاء له ولمن معه يدعونه إلى أن يرجع عن أمره، ويبذلون له أموالهم وتزويج أكرم بناتهم إن أجابهم.
_________________
(١) قوله: (ما نزل عليك القرآن تنزيلًا مُفرقًا مُنجمًا إلا أنا لا غيري)، هو نحو قولك: ما يقوم إلا زيد لا عمرو، وقد منعه صاحب "المفتاح". قوله: (وقد عرفتني حكيمًا)، حال من فاعل "نَزَّلَ"، وإنما اعتبر في الآية معنى الحكمة، ليترتب عليه قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. قوله: (بالمُكافة)، أي: كف الحرب من الطرفين. الأساس: "صافوهم ولافوهم ثم كافوهم، أي: حاجروهم، وتكافوا: تحاجروا". قوله: (﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ الصادر عن الحكمة)، أي: نحن نزلنا الأمر بالمكافة والمصابرة، فلا تطلب وجه حكمة في ترك القتال. قوله: (ويبذلون له أموالهم)، روى محيي السنة عن مُقاتل: أراد بـ "الآثم" عُتبة بن ربيعة، وبـ "الكفور" الوليد بن المغيرة، قالا للنبي؟: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال،
[ ١٦ / ٢٠٨ ]
فإن قلت: كانوا كلهم كفرة، فما معنى القسمة في قوله (آثِمًا أَوْ كَفُورا)؟
قلت: معناه ولا تطع منهم راكبًا لما هو إثمٌ داعيًا لك إليه، أو فاعلًا لما هو كفرٌ داعيًا لك إليه؛ لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعلٍ هو إثمٌ أو كفر، أو غير إثمٍ ولا كفر، فنهى أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث. وقيل: الآثم عتبة؛ والكفور: الوليد؛ لأنّ عتبة كان ركابًا للمآثم، متعاطيًا لأنواع الفسوق؛ وكان الوليد غالبًا في الكفر شديد الشكيمة في العتوّ.
فإن قلت: معنى "أو": ولا تطع أحدهما، فهلا جيء بالواو ليكون نهيًا عن طاعتهما جميعًا؟
قلت: لو قيل: ولا تطعهما، لجاز أن يطيع أحدهما؛ وإذا قيل: لا تطع أحدهما، علم أنّ الناهي عن طاعة أحدهما، عن طاعتهما جميعًا أنهى
_________________
(١) ـ فارجع عن هذا الأمر، قال عتبة: فأنا أُزوجك ابنتي وأسوقها إليك بغير مهر، وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا الأمر، فأنزل الله هذه الآية". قوله: (معناه: ولا تُطع منهم راكبًا لما هو إثم داعيًا لك إليه، أو فاعلًا لما هو كفر داعيًا لك إليه)، قال القاضي: "التقسيم باعتبار ما يدعونه إليه؛ فإن ترتب النهي على الوصفين مُشعر بأنه لأجلهما، وذلك يستدعي أن تكون المطاوعة في الإثم والكفر محظورًا؛ فإن مطاوعتهما فيما ليس بإثم ولا كفر غير محظور". قوله: (وإذا قيل: لا تطع أحدهما، علم أن الناهي عن طاعة أحدهما: عن طاعتهما جميعًا أنهى)، قيل: جوابه فاسد، لاحتمال أن يكون المطلوب ترك واحد منهما، أي واحد كان، لا
[ ١٦ / ٢٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ترك كل واحد. ويجوز له الإتيان بواحد منهما، أي واحد كان، بشرط ترك الآخر، لأي الآخر كان. والجواب الصحيح أن "أو" في الإثبات تفيد أحد الأمرين، وفي النفي تُفيد نفي كلا الأمرين جميعًا. وقلت: هذا السؤال مبني على أن "أو" للتخيير، وهو عين السؤال الذي أورده المصنف، حيث قال: "معنى ﴿أَوْ﴾: ولا تطع أحدهما، فهلا جيء بالواو" إلى آخره. واعلم أن جواب المصنف إنما يتمشى إذا حققنا القول في هذا المقام، وذلك أن السؤال الأول وارد على إرادة العموم في قوله: ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، لقوله: "كانوا كلهم كفرة". و﴿أَوْ﴾ للتنويع لقوله: "فما معنى القسمة؟ "، وكان الوصف بالكفور والآثم علة للنهي كما سبق. والسؤال الثاني وارد على أن المراد بالآثم عُتبة بعينه، وبالكفور الوليد نفسه. والمراد بالوصفين الذم، فيرد حينئذ السؤال الذي أورده، وتقريره أن "أو" يوهم أن المنهي عنه طاعة أحدهما لا على التعيين، والحال أن كليهما مُستحقان لأن لا يطاعا لما علم من حالهما، ولو جيء بالواو لأُزيل الوهم، ودل على أن السؤالين مُتفرعان على القولين الفاسدين فيهما. وتقرير هذا الجواب: أن ﴿أَوْ﴾ حينئذ ليست للتخيير حتى يلزمنا ذلك، وإنما هي للإباحة، لما علم أن طاعة كل واحد منهما محترز عنهما، لما فيهما من تعاطي الإثم المبالغ والكفر الغالي. والمقام يقتضي المبالغة في النهي عن طاعتهما مُنفردين ومُجتمعين، ولو قيل: لا تُطعهما، لدل المنطوق على النهي عن طاعتهما مُجتمعين، وأوهم المفهوم جواز طاعة أحدهما فقيل: لا تُطع أحدهما، ليدل المنطوق على النهي عن طاعة أحدهما لا على التعيين، لأن كليهما مُستحقان لأن لا يُطاعا لما علم من حالهما، ولو جيء بالواو لأزيل الوهم ودل على الفحوى بمساعدة مُقتضى المقام على النَّهي عن طاعتهما جميعًا بالطريق الأولى.
[ ١٦ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الزجاج: " ﴿أَوْ﴾ هاهنا أوكد من الواو، لأنك إذا قلت: لا تُطع زيدًا وعمرًا، فأطاع أحدهما كان غير عاصٍ. فإن أبدلتها بـ "أَوْ"، فقد دللت على أن كل واحد منهما أهل لأن يُعصى". ويُعلم من هذا التقرير أن "أو" التي للإباحة، إذا دخلت على الإثبات، كان سبيلها هذا السبيل. فإذا قلت: جالس الحسن أو ابن سيرين، علم أن الأمر وارد على استحقاق كل واحد منهما المجالسة، لما فيهما من الفضل والمزية. ودل على الفحوى على استحقاقهما المجالسة مجتمعين بالطريق الأولى؛ فالإباحة إنما نشأت من أمر خارج لا من اللفظ، كما أن حظر الإباحة عن طاعة عُتبة والوليد، إنما نشأ من أمر خارج، وهو ما فيهما من الإثم والكُفر الغالي. ويُوافقه قول ابن الحاحب: "إن وضع "أو" لإثبات الحُكم لأحد الأمرين، إلا أنه إن حصلت قرينة يُفهم معها أن الأمر غير حاجز عن الآخر، مثل قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، سُمِّي إباحة، وإن حجز فهو لأحد الأمرين، وإنما أُخذ نفي الحجز عن الآخر من أمر خارج". وأما قوله: "وقد استشكل بعضهم وقوع ﴿أَوْ﴾ في النهي، في مثل قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، وهاهنا لو انتهى عن أحدهما لم يمتثل، ولا يعد ممتثلًا إلا بالانتهاء عنهما جميعًا، ومن ثم حملها بعضهم على أنها بمعنى الواو، والأولى أن تبقى على بابها. وإنما جاء التعميم فيهما من أمر وراء ذلك، وهو النهي الذي فيه معنى النفي، لأن المعنى قبل وجود النهي: تُطيع آثمًا أو كفورًا، أي: واحدًا منهما. فإذا جاء النهي، ورد على ما كان ثابتًا في المعنى، فيصير المعنى: ولا تُطع واحدًا منهما، فيجيء التعميم فيهما من جهة النهي، وهي على بابها فيما
[ ١٦ / ٢١١ ]
كما إذا نهى أن يقول لأبويه: أف، علم أنه منهيٌ عن ضربهما على طريق الأولى. (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ودم على صلاة الفجر والعصر (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) وبعض الليل فصل له، يعنى: صلاة المغرب والعشاء، وأدخل "مِنَ" على الظرف للتبعيض، كما
_________________
(١) ـ ذكرناه، لأنه لا يحصل الانتهاء عن احدهما حتى ينتهي عنهما بخلاف الإثبات، فإنه قد يفعل أحدهما دون الاخر"، فليس بطائل، والقول ما قالت حذام. وتلخيصه: أن ﴿آثِمًا﴾ أو ﴿كَفُورًا﴾، إذا أريد بهما الجنس كان الوصف علة للنهي، من حيث هو هو لا من حيث الذات، ولذلك جازت الإطاعة إذا فقد. وإذا عُني بهما العهد، كان النهي عن إطاعة الشخصين المعينين لما فيهما من الخلال الذميمة، فلا يعمل بالمفهوم؛ ولا يجوز طاعتهما على أي حال كان؛ فإذن لا مدخل للنهي في العموم. قوله: (ودُم على صلاة الفجر والعصر، ﴿وَمِنَ الَّيْلِ﴾ وبعض الليل فصَلِّ له، يعني صلاة المغرب والعشاء)، قيل: الليل اسم لسواد ممتد، والليلة اسم لكل الليل، وأتى بصلاتي النهار وصلاتي الليل ولم يظفر بصلاة الظهر. والأقرب من حيث النّظم: أنه تعالى لما نهى
[ ١٦ / ٢١٢ ]
دخل على المفعول في قوله (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح: ٤]. (وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) وتهجد له هزيعًا طويلًا من الليل: ثلثيه، أو نصفه، أو ثلثه.
[(إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا * نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا) ٢٧ - ٢٨]
(إِنَّ هؤُلاءِ) الكفرة (يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ) يؤثرونها على الآخرة، كقوله: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا) [الأعلي: ١٦]. (وَراءَهُمْ) قدّامهم أو خلف ظهورهم لا يعبئون به (يَوْمًا ثَقِيلًا) استعير الثقيل لشدّته وهو له، من الشيء الثقيل الباهظ لحامله. ونحوه: (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف: ١٨٧]. الأسر: الربط والتوثيق، ومنه: أسر الرجل إذا أوثق بالقدّ وهو الإسار، وفرسٌ مأسور الخلق، وترسٌُ مأسورٌُ بالعقب. والمعنى: شددنا توصيل عظامهم بعضها ببعض، وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب، ومثله قولهم: جارية معصوبة الخلق، ومجدولته.
_________________
(١) ـ حبيبه صلوات الله عليه، عن طاعة الآثم والكفور، وحثه على الصبر على أذاهم وإفراطهم في العداوة، وأراد أن يرشده إلى مشاركتهم، عقب ذلك الأمر باستغراق أوقاته بالاشتغال بالعبادة ليلًا ونهارًا، بالصلوات كلها من غير تخصيص، وبالتسبيح لما يطيق عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٨]. قوله: (هزيعًا طويلًا)، الجوهري: "مضى هزيع من الليل، أي: طائفة، وهو نحو من ثُلثُه أو رُبعه". قوله: (ومَجدولته)، الجوهري: "جدلت الحبل أجدله جدلًا: فتلته فتلًا مُحكمًا، ومنه: جارية مجدولة الخلق: حسنة الجدل".
[ ١٦ / ٢١٣ ]
(وَإِذا شِئْنا) أهلكناهم و(بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ) في شدّة الأسر، يعنى: النشأة الأخرى. وقيل: معناه: بدلنا غيرهم ممن يطيع. وحقه أن يجيء بـ "إن" لا بـ "إذا"، كقوله: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) [محمد: ٣٨]، (إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ) [النساء: ١٣٣].
_________________
(١) ـ قوله: (وحقه أن يجيء بـ "إن" لا بـ "إذا")، قال المصنف: "إذا: تدخل على الكان كقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، و"إن" تدخل على المقدر كقوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]. هذا رد للوجه الآخر، لأن تبديل أمثالهم العاصين بالمُطيعين في الدنيا مشكوك فيه، فحقه بأن يُجاء بـ "إن"، ليفرض كما يُفرض ما لا تحقق له. وأما التبديل بالمعنى السابق، وهو تبديل أمثالهم في شدة الأَسْرِ في النشأة الأخرى فمُحقق لا بد منه، فحقه أن يُجاء بـ "إذا". والتبديل على الوجه الأول التغيير في الصفات، ولذا قال: في شدة الأَسْر، لأن الذات المحشورة هي هذه الذات. وعلى الوجه الثاني بمعنى التغيير في الذات، ولذلك بدل قوله: "غيرهم" بقوله: "ممن يُطيع".
[ ١٦ / ٢١٤ ]
[(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَما تَشاءون إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا) ٢٩ - ٣١]
(هذِه) إشارةٌ إلى السورة أو إلى الآيات القريبة (فَمَنْ شاءَ) فمن اختار الخير لنفسه؛ وحسن العاقبة. واتخاذ السبيل إلى الله عبارةٌ عن التقربٍ إليه والتوسل بالطاعة (وَما يَشاؤونَ) الطاعة (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) بقسرهم عليها
_________________
(١) ـ والوجه هو الأول، لأن الآية واردة عقب قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾. أنكر عليهم رُكونهم إلى هذه العاجلة التي هي لا طائل تحتها، بحيث بلغ إلى المحبة الذاتية، وذُهولهم عما هو مصيرهم إليه من الأمر المهول، بحيث بلغ إلى أن جعلوه كالشيء المتروك المنسي، ثم قال: نحن خلقناهم وشددنا توصيل أعصابهم، ليشتغلوا بعبادتنا عن الالتفات إلى الغير ويشكروا تلك النعمة. ولا بد أن يُفكك هذا التركيب، ويُحلل هذا التوثيق، ثم يعيده كما هو الآن في شدة الأَسْر، للمجازاة على ذلك، وحقق ذلك بقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. قوله: ("وما يشاؤون" الطاعة ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ بقسرهم عليها)، الإنصاف: "حَرَّف النص؛ والآية حاضرة بالنفي والإثبات، ككلمة لا إله إلا الله، وما ذكره مُضاد للآية بزعمه، فالمعنى عنده أن مشيئة العبد الفعل، لا يكون إلا إذا قسره الله عليه، والقسر ينافي المشيئة، فحاصله أن مشيئة العبد لا توجد إلا إذا انتفت، فأراد إثبات المشيئة مطلقًا، فنفاها
[ ١٦ / ٢١٥ ]
(إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا) بأحوالهم وما يكون منهم (حَكِيمًا) حيث خلقهم مع علمه بهم. وقرئ: (تشآءُون) بالتاء.
_________________
(١) ـ رأسًا". وقال الإمام: "هذه الآيات من جملة الآيات، التي تلاطمت فيها أمواج القدر والجبر، فالقدري يتمسك بقوله: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ خاتمة السورة، والجبري يقول: من ضم منعها قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، خرج منه صريح مذهبنا". وقلت: وفي إيقاع ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ خاتمة للسورة، إيذان بإثبات الكسب للمُكلفين، وأنهم به يسلكون سبل النجاة، وبه يتذكرون، وينتفعون بإنزال الكتب وإرسال الرسل. ثم في تعقيبها بقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، إعلام بأنهم غير مُستقلين فيه، وأن ذلك الكسب أيضًا بمشيئة الله وإرادته، ليكون اعتمادهم عليه، وتفويضهم للأمور إليه، وعلل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. والاستثناء مُفرغ، قال أبو البقاء: "وما تشاؤون إلا وقت مشيئة الله تعالى، أو إلا في حال مشيئة الله تعالى". قوله: (وقُرئ: ﴿تَشَاءُونَ﴾)، نافع وعاصم وحمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.
[ ١٦ / ٢١٦ ]
فإن قلت: ما محل (أَنْ يَشاءَ اللَّهُ)؟ قلت: النصب على الظرف، وأصله: إلا وقت مشيئة الله، وكذلك قراءة ابن مسعود: إلا ما يشاء الله؛ لأنّ "ما" مع الفعل ك- "أن" معه. (يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ) هم المؤمنون، ونصب "الظَّالِمِينَ" بفعلٍ يفسره. أعدّ لهم، نحو: أوعد وكافأ، وما أشبه ذلك. قرأ ابن مسعودٍ: و"للظالمين"، على: وأعدّ للظالمين، وقرأ ابن الزبير: و"الظالمون" على الابتداء، وغيرها أولى لذهاب الطباق بين الجملة المعطوفة والمعطوف عليها فيها، مع مخالفتها للمصحف.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة (هل أتى) كان جزاؤه على الله جنةً وحريرًا».
_________________
(١) ـ قوله: (وغيرها أولى لذهاب الطباق)، يعني: النَّصب والجرُّ أولى من الرفع، لما يلزم من الرفع المخالفة بين الجملتين، فإن قوله: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ﴾ فعلية، و"الظالمون" اسمية، فيختارون النصب على معنى: وبررت عمرًا: أعددت له بُرًا، فلا يختارون للقرآن إلا أجود الوجوه مع موافقة المصحف". ومن دعاء المصنف: "اللهم ارزقنا جنة وحريرًا، وحررنا من النار تحريرًا تحريرًا". تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه * … * … *
[ ١٦ / ٢١٧ ]