مكية، إلا قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ الآية
وهي سبع وخمسون آية، وقيل: تسع وخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١ - ٨]
الواو في ﴿وَالْكِتابِ﴾ واو القسم، إن جعلت ﴿حم﴾ تعديدًا للحروف، أو اسمًا للسورة مرفوعًا على خبر الابتداء المحذوف، وواو العطف؛ إن كانت ﴿حم﴾ مقسمًا بها. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ﴾ جواب القسم، والكتاب المبين: القرآن.
_________________
(١) ـ سورة الدخان مكية، وهي سبع وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ جواب القسم): قال صاحب "الكشف": جواب القسم ﴿إنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، دون قوله: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، لأنك لا تقسم بالشيء على نفسه، لأن القسم تأكيد
[ ١٤ / ١٨٨ ]
والليلة المباركة: ليلة القدر، وقيل: ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصكّ، وليلة الرحمة، وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة، وقيل في تسميتها: ليلة البراءة والصكّ: أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة، كذلك الله ﷿ يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة.
_________________
(١) ـ خبر بخبر آخر، فقوله: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ اعتراض بين القسم وجوابه. وقال أبو البقاء: "الجواب ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، و﴿إنَّا كُنَّا﴾ مستأنف، وقيل: هو جواب آخر من غير عاطف". والجواب عن قول صاحب "الكشف": "لأنك لا تقسم بالشيء على نفسه": أنه من باب قول الشاعر: وثناياك إنها إغريض كما سبق في "الزخرف". قوله: (البندار): معرب، وما وجدت له ذكرًا سوى في الحاشية: "البندار: من في يده القانون، وهو أصل الخراج"، ثم وجدت في "كتاب ابن الصلاح" في معرفة الحديث: "البندار: من يكون مكثرًا من شيء يشتريه منه من هو دونه، ثم يبيعه، قاله السمعاني- ووجدته بخطه-، وبندار: لقب به محمد بن بشار البصري، روى عنه البخاري ومسلم، قال ابن الفلكي: إنما لقب بهذا لأنه كان بندار الحديث".
[ ١٤ / ١٨٩ ]
وقيل: هي مختصة بخمس خصال:
تفريق كل أمر حكيم، وفضيلة العبادة فيها، قال رسول الله ﷺ: «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك؛ ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنون من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان".
_________________
(١) ـ قوله: (قال رسول الله ﷺ: "من صلى في هذه الليلة") إلى أخره: ما ورد فيما يعتمد عليه من هذا المعنى في الأصول سوى ما رواه ابن ماجه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه، ألا من مبتلى فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا، حتى يطلع الفجر". ؟
[ ١٤ / ١٩٠ ]
ونزول الرحمة، قال ﵊: «إنّ الله يرحم أمّتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بنى كلب».
وحصول المغفرة، قال ﵊: «إنّ الله تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن، أو ساحر، أو مشاحن، أو مدمن خمر، أو عاق للوالدين، أو مصرّ على الزنى».
وما أعطي فيها رسول الله ﷺ من تمام الشفاعة، وذلك أنه سأل ليلة
_________________
(١) ـ قوله: (إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة) الحديث: من رواية الترمذي وابن ماجه عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب". قوله: (إن الله يغفر لجميع المسلمين): روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ قال: "يطلع الله تعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لعباده إلا اثنين؛ مشاحن وقاتل نفس". قوله: (مشاحن): النهاية: "المشاحن: المعادي، والشحناء: العداوة، وقال الأوزاعي: أراد بالمشاحن هاهنا: صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة". قوله: (وما أعطي فيها من تمام الشفاعة): عطف على قوله: "تفريق كل أمر حكيم"، وهي خامسة الخصال التي اختصت هذه الليلة بها. ؟
[ ١٤ / ١٩١ ]
الثالث عشر من شعبان في أمّته، فأعطي الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع، إلا من شرد عن الله شراد البعير.
ومن عادة الله في هذه الليلة: أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.
والقول الأكثر: أنّ المراد بالليلة المباركة: ليلة القدر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، ولمطابقة قوله: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ لقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤ - ٥]، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان.
فإن قلت: ما معى إنزال القرآن في هذه الليلة؟ قلت: قالوا أنزل جملة واحدة من السماء السابعة إلى سماء الدنيا، وأمر السفرة الكرام بانتساخه في ليلة القدر، وكان جبريل ﵇ ينزله على رسول الله ﷺ نجومًا نجومًا.
فإن قلت: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: ما موقع هاتين الجملتين؟ قلت: هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان، فسر بهما جواب القسم
_________________
(١) ـ قوله: (قالوا: أنزل جملةً واحدة): روى محيي السنة عن قتادة وابن زيد: "هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل ﵇ نجومًا في عشرين سنة". قوله: (ملفوفتان): وهو نوع غريب من اللف والنشر، لف أولًا في قوله: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ معنيين: إنزال القرآن، واختصاصه بليلة مباركة، ثم علل المعنى الأول بقوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، والمعنى الثاني بقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ولما كان المعنى الثاني ؟
[ ١٤ / ١٩٢ ]
الذي هو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصًا؛ لأنّ إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم.
والمباركة: الكثيرة الخير؛ لما يتيح الله فيها من الأمور التي يتعلق بها منافع العباد في دينهم ودنياهم، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة.
ومعنى ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويكتب، ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم، منها إلى الأخرى القابلة. وقيل: يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخه الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم: يعطى كل عامل بركات أعماله،
_________________
(١) ـ معتنقًا بالأول غير مستقل بنفسه- كما عليه النشر المتعارف، لأنه لا يتم إلا بأن يقال: إنما خصص إنزاله بهذه الليلة لأنه من الأمور المحكمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم، فناسب إنزاله فيها- قال: "جملتان مستأنفتان ملفوفتان"، وأعجب بنشر فيه لف. قوله: ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ من أرزاق العباد): روى محيي السنة بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى أن الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى". ؟
[ ١٤ / ١٩٣ ]
فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته.
وقرئ: "يُفْرَقُ" بالتشديد، "ويُفْرَقُ كل" على بنائه للفاعل ونصب "كل"، والفارق: الله ﷿، وقرأ زيد بن علي ﵁: "نفرق" بالنون.
كل أمر حكيم: كل شأن ذي حكمة، أي: مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازي؛ لأنّ الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة، ووصف الأمر به مجاز.
﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا﴾ نصب على الاختصاص، جعل كل أمر جزلًا فخمًا بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال: أعنى بهذا الأمر أمرًا حاصلًا من عندنا، كائنًا من لدنا، وكما اقتضاء علمنا وتدبيرنا. ويجوز أن يراد به: الأمر الذي هو ضد النهي، ثم إما أن يوضع موضع "فرقانًا" الذي هو مصدر ﴿يُفْرَقُ﴾، لأنّ معنى الأمر والفرقان واحد؛
_________________
(١) ـ قوله: (فيلقى على السنة الخلق مدحه): وهو من قوله صلوات الله عليه: "إذا أحب الله العبد، نادى جبريل: أن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة. قوله: (وهو من الإسناد المجازي): قال الإمام: "الحكيم: ذو الحكمة، وذلك أن تخصيص الله كل أحد بحالة معينة من الرزق والأجل والسعادة والشقاوة في هذه الليلة: يدل على حكمة بالغة"، فأسند إلى الليلة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧]. ؟
[ ١٤ / ١٩٤ ]
من حيث إنه إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به وأوجبه، أو يكون حالًا من أحد الضميرين في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ إما من ضمير الفاعل، أي: أنزلناه آمرين أمرًا، أو من ضمير المفعول، أي: أنزلناه في حال كونه أمرًا من عندنا بما يجب أن يفعل.
فإن قلت: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بم يتعلق؟ قلت: يجوز أن يكون بدلًا من قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾، ﴿ورَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ مفعولًا له، على معنى: إنا أنزلنا القرآن؛ لأنّ من شأننا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم، وأن يكون تعليلًا لـ ﴿يُفْرَقُ﴾، أو لقوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا﴾، …
_________________
(١) ـ قوله: (من حيث إنه إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به): يعني: أن معنى ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: يفصل ويكتب كل أمر مفعول على مقتضى الحكمة، كما هو معنى "الأمر" الذي هو ضد "النهي"، لأنه تعالى إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أوجبه، فكان معنى قوله: ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ معنى قوله: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾، وكان من حق الظاهر- لقوله: "أن يوضع موضع فرقانًا"- أن يقال: أن قوله: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾ بمعنى: يفرق ويفصل ويكتب، لأن أمره النازل من عنده ﷾ لا يكون إلا فصلًا وفرقانًا، لكن لما قال: "معنى الأمر والفرقان واحد"، جعل الأول بمعنى الثاني؛ لاتحادهما في المعنى. وإنما سلك هذا المسلك ليجمع بين قولي الزجاج حيث قال: "ويجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿يُفْرَقُ﴾، أي: يفرق فرقانًا، لأن ﴿أَمْرًا﴾ بمعنى "فرقانًا"، أو المعنى: يؤتمر فيها أمر قال أبو البقاء: "أمرنا أمرًا، دل على هذا ما اشتمل عليه الكتاب من الأوامر، و﴿مِّنْ عِندِنَا﴾: إما صفة لـ"أمر" أو أن يتعلق بـ ﴿يُفْرَقُ﴾ ". قوله: (تعليلًا لـ ﴿يُفْرَقُ﴾ أو لقوله: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾): هذا جمع، وقوله: "أي: يفصل ؟
[ ١٤ / ١٩٥ ]
و﴿رَحْمَةً﴾ مفعولًا به،
_________________
(١) ـ في هذه الليلة كل أمر"، وقوله: "أو تصدر الأوامر من عندنا": تقسيم، وقوله: "لأن من عادتنا" إلى آخره، وقوله: "وكذلك الأوامر الصادرة": تفريق. قوله: (و﴿رَحْمَةً﴾ مفعولًا به): أي إذا كان ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ تعليلًا لـ ﴿يُفْرَقُ﴾، أو لقوله: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾، يكون ﴿رَحْمَةً﴾ مفعولًا به لـ ﴿مُرْسِلِينَ﴾، قال أبو البقاء: " ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول ﴿مُرْسِلِينَ﴾، ويراد بها النبي ﷺ ". فإن قلت: هل الاختصاص كونه مفعولًا له في الأول، ومفعولًا به في الثاني، من عائده؟ قلت: أجل، لأن المبدل مطلق، فالمناسب أن يكون البدل كذلك، أعني: ﴿مُنذِرِينَ﴾ و﴿مُرْسِلِينَ﴾، وهو من بدل الكل؛ لأن الإنذار والإرسال يقتضيان المنذر والمرسل، وهو عبارة عن المختار المبعوث إلى الخلق للإرشاد، ولا يستقيم أن يقال: إنا كنا منذرين رحمة، إلا أن يكون مفعولًا له. وأما التعليل: فإنه إما أن يكون لـ ﴿يُفْرَقُ﴾، ولا شك أن تفريق كل أمر حكيم أمر عظيم يحتاج إلى أن يعلل بإرسال رحمة للعالمين، وإما أن يكون تعليلًا لـ ﴿أَمْرًا﴾، فهو أولى منه، إذ ؟
[ ١٤ / ١٩٦ ]
وقد وصف الرحمة بالإرسال، كما وصفها به في قوله: ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، أي: يفصل في هذه الليلة كل أمر، أو تصدر الأوامر من عندنا؛ لأنّ من عادتنا أن نرسل رحمتنا.
_________________
(١) ـ التقدير حينئذ: أعني بهذا الأمر أمرًا كائنًا من لدنا، ويليق بجلالنا وكبريائنا، ولا يحسن أن يقال: أن ﴿أَمْرًا﴾ على هذا مفعول مطلق، بل منصوبًا على الاختصاص معللًا بقوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾؛ ليستقل بالتعليل. قوله: (وصف الرحمة بالإرسال): أي: أوقع الإرسال على الرحمة، وجعلت مفعولًا به، كما أوقع الإمساك عليه في قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، فعلم من هذه الدقيقة: أن الفعل وصف للفاعل وللمفعول به، وكذلك يقال في قولنا: "ضرب زيد عمرًا": أن زيدًا ضارب، وعمرًا مضروب. فإن قلت: ذكر أن قوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾: إما بدل من قوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أو تعليل لـ ﴿يُفْرَقُ﴾، أو لقوله: ﴿أَمْرًا﴾، فأي الوجهين هو المختار؟ قلت- والمعلم عند الله-: الثاني؛ لأن الجمل كلها حينئذ واردة على التعليل المتداخل، كما يفهم من كلامه، فكأنه لما قيل: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، فقيل: لم؟ فأجيب: لأنه من شأننا التحذير والعقاب، فقيل: لم خصص الإنزال في هذه الليلة؟ فقيل: لأنه من الأمور المحكمة، ومن شأن هذه الليلة أن يفرق فيها كل أمر حكيم، فقيل: لم كان من الأمور المحكمة؟ فأجيب: لأن ذا الجلال والإكرام أراد إرسال رحمة للعالمين، ومن حق المنزل عليه أن يكون حكيمًا؛ لكونه للعالمين نذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فقيل: لماذا رحمهم الرب ﷿ بذلك؟ فأجيب: لأنه ﷾ هو وحده سميع عليم، يعلم جزئيات أحوال عباده وكلياتها، ويعلم ما يحتاجون إليه دنيا وآخرة، وهو وحده رب السماوات والأرض، يربيهم ويرزقهم ويمنحهم مرافقهم، وهو وحده يحييهم ويميتهم، ويثيبهم ويعاقبهم، وإليه الإشارة بقوله: ﴿إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وما بعده تحقيق لروبيته، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه. ؟
[ ١٤ / ١٩٧ ]
وفصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها: من باب الرحمة، وكذلك الأوامر الصادرة من جهته عز وعلا، لأنّ الغرض في تكليف العباد تعريضهم للمنافع، والأصل: إنا كنا مرسلين رحمة منا، فوضع الظاهر موضع الضمير؛ إيذانًا بأنّ الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين.
وفي قراءة زيد بن على: "أمر من عندنا"، على: هو أمر، وهي تنصر انتصابه على الاختصاص. وقرأ الحسن: "رحمة من ربك"، على: تلك رحمة، وهي تنصر انتصابها بأنها مفعول له.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وما بعده: تحقيق لربوبيته، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه، وقرئ: "رب السماوات" "ربكم ورب آبائكم" بالجر، بدلًا من ﴿ربك﴾.
فإن قلت: ما معنى الشرط الذي هو قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾؟ قلت: كانوا يقرون بأن للسماوات والأرض ربًا وخالقًا،
_________________
(١) ـ قوله: (على: تلك رحمة من ربك): وهي تنصر انتصابها مفعولًا له، وقال صاحب "التقريب": إذ لو كانت مفعولًا به لدل اللفظ على أن المرسل رحمة، لا الإرسال، وفيه نظر. وقلت: كلام المصنف لا يشعر بذلك، بل فيه: أن ﴿رَحْمَةً﴾ إذا قطعت وجعلت جملة مستأنفةً تعينت لبيان الموجب للإرسال. قوله: (كانوا يقرون بأن للسماوات والأرض ربًا): هذا الفصل إلى آخره فيه بيان للإشارات والتلويحات التي تضمنت الآيات؛ بدأ الله ﷾ بتعظيم الألوهية، وتعظيم كتابه الحكيم، ورسوله الكريم، حيث أتى بالصيغة المنبهة على الجلال والكبرياء، وهي: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ثم خص الخطاب برسوله صلوات الله عليه، والمراد ؟
[ ١٤ / ١٩٨ ]
فقيل لهم: إنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب، ثم قيل: إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به، ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما، إن كان إقراركم عن علم وإيقان، كما تقول: إنّ هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه،
_________________
(١) ـ العموم، وأن الأصل: ﴿مِنء رَبِّكُمْ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "فقيل لهم: أن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب"، فوضع "الرب" موضع "منا"؛ ليؤذن بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربين، وليكون تمهيدًا ينبني عليه التعليل المتضمن للتعريض؛ بتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر، للإشعار بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئًا، وإلى التعليل والتعريض أشار بقوله: ﴿إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وما بعده تحقيق لربوبيته، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه، وفي تخصيص ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ إدماج لمعنى التهديد والوعيد للكفار، والوعد للمؤمنين الذين تلقوا هذه النعمة بأنواع الشكر. ثم نبه الكفار عن سنة الغفلة والتقاعد عن موجبات الشكر، فرجع إليهم من خطاب الرسول ﷺ، موبخًا بما اشتهر عندهم من الوصف الذي لا بد لهم أن يقروا به، فأبدل من ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، يعني: هذا المذكور من إنزال الكتب وإرسال الرسول ﷺ رحمة وإنعام ممن تقرون به، وتقولون: إنه خالق السماوات والأرض وما بينهما، فما هذا التهاون، فاقبلوها واغتنموا الفرصة أن كنتم تدعون الإيقان. وقد أشار إلى هذا المعنى بقوله: "إن بلغك حديثه"؛ لأن ذلك مشهور عنده، ولم يكن الإعلام إلا للتنبيه على التهاون؛ ليقام الشكر على إنعامه، والشرط يقتضي ذلك، لأنه من باب قول العامل: أن كنت عملت فأعطني حقي. ؟
[ ١٤ / ١٩٩ ]
واشتهروا سخاؤه، إن بلغك حديثه وحدثت بقصته.
[﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ * فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ ٩ - ١٢]
_________________
(١) ـ ثم ألزمهم بعد هذا التقرير البليغ كلمة التقوى، وهي ﴿لا إلَهَ إلاَّ هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، ثم خص التربية بهم وبأسلافهم جاريًا على سنن الخطاب ﴿رَبُّكُمْ ورَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾، ومقررًا لمزيد توخي شكر تلك الرحمة السنية، وهذه النعمة الجليلة. ثم لفرط عنادهم وعدم إيقانهم التفت من الخطاب في قوله ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، فبعدهم وطردهم؛ إيذانًا بأنهم مع إيقانهم ذلك منزلون منزلة الشاكين، حيث لم يعملوا بموجبه، وخلطوا مع اليقين الهزء واللعب، كما قال: " قول مخلوط بهزء ولعب". ثم التفت إلى حبيبه صلوات الله عليه مسليًا له وإقناطًا من إيمانهم، بقوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، فقابل إنزال الكتاب بإنزال العقاب من السماء، يعني: إنزال الكتاب رحمة لهم، وحين أعرضوا عنه انتظر إنزال العذاب، وأسند"العذاب" إلى "السماء"، وإن كان هو الفاعل حقيقة؛ ليكون على وزان قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، والله أعلم بأسرار كلامه. قوله: (إن بلغك حديثه): عن بعضهم: فائدة قوله: "إن بلغك حديثه": التنبيه للمخاطب أن من حقك أن تكون عالمًا به، ولا تكون غافلًا عن مثله، فتغتر به، فإنه من أمر عظيم، فكذلك الشرط في الآية، ويراد تعيير المخاطب على الغفلة عنه. ويروى: "واشتهروا سخاءه" بالنصب؛ لأن"اشتهر" يستعمل لازمًا ومتعديًا. ؟
[ ١٤ / ٢٠٠ ]
ثم ردّ أن يكونوا موقنين بقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن، ولا عن جدّ وحقيقة، بل قول مخلوط بهزء ولعب.
﴿يَوْمَ تَاتِي السَّماءُ﴾ مفعول به مرتقب، يقال: رقبته وارتقبته، نحو: نظرته وانتظرته. واختلف في الدخان: فعن علي بن أبي طالب ﵁، وبه أخذ الحسن: أنه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة، يدخل في أسماع الكفرة، حتى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أو قد فيه، ليس فيه خصاص.
وعن رسول الله ﷺ: «أوّل الآيات: الدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر»، قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ الآية، وقال: «يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمّة، وأما الكافر فهو كالسكران، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره».
وعن ابن مسعود ﵁: خمس قد مضت: الروم، والدخان،
_________________
(١) ـ قوله: (ليس فيه خصاص): النهاية: "الخصاص: الفرج والأنقاب". قوله: (أبين): بكسر الهمزة وفتحها، وهو اسم رجل بنى هذه المدينة، والمشهور الفتح، و"عدن": غير منصرف. قوله: (خمس قد مضت)، وقوله: (إن قاصًا عند أبواب كندة): الحديث مع تغيير في الألفاظ والمعاني أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن مسروق، وعنه قال: "كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود، وهو مضطجع، فأتاه رجل"، الحديث. ؟
[ ١٤ / ٢٠١ ]
والقمر، والبطشة، واللزام. ويروى أنه قيل لابن مسعود: إن قاصًا عند أبواب كندة يقول: إنه دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأنفاس الخلق، فقال: من علم علمًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من علم الرجل أن يقول لشيء لا يعلمه: الله أعلم، ثم قال: ألا وسأحدّثكم، أنّ قريشًا لما استعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم، فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، فأصابهم الجهد، حتى أكلوا الجيف والعلهز، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان، وكان يحدّث الرجل، فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه، وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم.
﴿بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان.
﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ يشملهم ويلبسهم، وهو في محل الجر صفة لـ"دخان". و﴿هَذَا عَذابٌ﴾ إلى قوله: ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ منصوب المحل بفعل مضمر، وهو: يقولون، و"يقولون" منصوب على الحال، أي: قائلين ذلك، ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب.
_________________
(١) ـ قوله: (واللزام): اللزام: فسر بأنه يوم بدر، وهو في اللغة: الملازمة للشيء والمداومة عليه. و"اشدد وطأتك على مضر": أي: خذهم أخذًا شديدًا. والوطء في الأصل: الدوس بالقدم، فسمي به في الغزو والقتل، لأن من يطأ على الشيء برجله فقد استقصى في هلاكه وإهانته. و"العلهز": شيء يتخذونه في المجاعة، يخلطون الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه، وقيل: كانوا يخلطون فيه القردان، والعلهز: القراد الضخم، وقيل: العلهز: شيء ينبت له أصل كأصل البردي. كله في"النهاية". ؟
[ ١٤ / ٢٠٢ ]
[﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ١٣ - ١٦]
﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب، ﴿وَقَدْ جاءَهُمْ﴾ ما هو أعظم وأدخل في وجوب الادّكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله ﷺ من الآيات البينات؛ من الكتاب المعجز وغيره من المعجزات، فلم يذكروا، وتولوا عنه، وبهتوه بأن عداسًا -غلامًا أعجميًا لبعض ثقيف- هو الذي علمه، ونسبوه إلى الجنون.
ثم قال: ﴿إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ أي: ريثما نكشف عنكم العذاب تعودون إلى شرككم، لا تلبثون غب الكشف على ما أنتم عليه من التضرع والابتهال.
فإن قلت: كيف يستقيم على قول من جعل الدخان قبل يوم القيامة قوله: ﴿إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا﴾؟
_________________
(١) ـ فإن قلت: فسرت اللزام بيوم بدر، وكذا فسره المصنف في آخر الفرقان، ثم لا يخلو أن يراد ب"البطشة الكبرى": يوم القيامة أو يوم بدر، فيلزم من الأول أن البطشة الكبرى مترقبة، ولقد روي في الحديث أنها قد مضت، ومن الثاني أن لا يكون المعدود خمسًا؟ قلت: إذا وصف يوم بدر بأمرين: بأن العذاب كان شديدًا كثيرًا، وأن ذلك العذاب كان ملازمًا للقتلى كما ذكر في القرآن؛ يستقيم المعدود، وأما تفسير "البطشة الكبرى" بيوم القيامة فهو مشكل، اللهم إلا أن يذهب إلى التغليب، أو أن ما هو كائن بمنزلة الكائن، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]. قوله: (فإن قلت: كيف يستقيم على قول من جعل الدخان): تحرير السؤال والجواب ما ذكر في" التفسير الكبير": "أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، ؟
[ ١٤ / ٢٠٣ ]
قلت: إذا أتت السماء بالدخان تضور المعذبون به من الكفار والمنافقين، وقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ منيبون، فيكشفه الله عنهم بعد أربعين يومًا، فريثما يكشفه عنهم يرتدون لا يتمهلون.
ثم قال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾ يريد: يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤]، ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: ننتقم منهم في ذلك اليوم.
فإن قلت: بم انتصب ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾؟ قلت: بما دل عليه ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾،
_________________
(١) ـ هذا إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل: أنه لما اشتد القحط فيها مشى أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ، وناشده الرحم، وواعده- أن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية- أن يؤمنوا، فلما أزاله الله تعالى رجعوا إلى شركهم، أما إذا حملناه على أن المراد منه ظهور علامة القيامة لم يصح ذلك، لأن عند ظهور أشراط الساعة لا يمكنهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، ولم يصح أيضًا أن يقال لهم: ﴿إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلًا إنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. والجواب: لم لا يجوز أن يكون ظهور هذه العلامة جاريًا مجرى ظهور سائر علامات القيامة في أنه لا يوجب انقطاع التكليف، فتحدث هذه الحالة، ثم أن الناس يخافون فيتضرعون، فإذا زالت تلك الواقعة عادوا إلى الكفر والفسق، وإذا كان هذا محتملًا استقام قوله: ﴿إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ﴾ مع القول بأن الدخان قبل يوم القيامة، أي: هو من أشراط الساعة". قوله: (تضور المعذبون): الجوهري: "التضور: الصياح والتلوي عند الضرب أو الجوع"، وعن بعضهم: تضور: أي غلب عليهم الضعف، من قولهم: رجل ضورة، أي: ضعيف. قوله: (لا يتمهلون): تمهل في أمر: أي: اتأد، وتمهل: أي: تقدم. ؟
[ ١٤ / ٢٠٤ ]
وهو "ننتقم"، ولا يصح أن ينتصب بـ ﴿مُنتَقِمُونَ﴾، لأن «إن» تحجب عن ذلك.
وقرئ: "نبطش" بضم الطاء، وقرأ الحسن: "نبطش" بضم النون، كأنه يحمل الملائكة على أن يبطشوا بهم البطشة الكبرى، أو يجعل البطشة الكبرى باطشة بهم.
وقيل: ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾: يوم بدر.
_________________
(١) ـ قوله: (لأن "إن" تحجب عن ذلك): قال الزجاج: " ﴿يَوْمَ﴾ لا يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿مُنتَقِمُونَ﴾؛ لأن ما بعد ﴿إِنَّا﴾ لا يجوز أن يعمل فيما قبله". قال: وصاحب "الكشف" نصبه بقوله: ﴿إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ﴾. وقلت: لا يساعد عليه قوله: ﴿إنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، لأن البطشة الكبرى: إما أن تكون يوم القيامة أو يوم بدر، وقد عقب بقوله: ﴿إنَّا مُنتَقِمُونَ﴾. قوله: (كأنه يحمل الملائكة على أن يبطشوا): قال أبو البقاء: "يقال: أبطشته: إذا أمكنته من البطش، أي: نبطش الملائكة"، فعلى هذا: المفعول به محذوف، ويجوز أن تجعل ﴿البَطْشَةَ الكُبْرَى﴾ مفعولًا به على الإسناد المجازي، نحو: جد جده، و﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]. وقال ابن جني: "وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وطلحة بخلاف، وهذا من: بطش هو، وأبطشته أنا، كقدر وأقدرته، وأما انتصاب ﴿البَطْشَةَ﴾ فبفعل مضمر يدل عليه الظاهر، أي: يوم نبطش من نبطشه، فيبطش البطشة الكبرى، ولك أن تنصب ﴿البَطْشَةَ الكُبْرَى﴾ على أنه مفعول به، كأنه قيل: يوم نقوي البطشة الكبرى عليهم، ونمكنها منهم، كقولك: يوم نسلط القتل عليهم، ونوسع الأخذ منهم". الراغب: "البطش: تناول الشيء بصولة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ". ؟
[ ١٤ / ٢٠٥ ]
[﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ ١٧ - ٢١]
وقرئ: "ولقد فتنا"، بالتشديد؛ للتأكيد أو لوقوعه على القوم. ومعنى الفتنة: أنه أمهلهم ووسع عليهم في الرزق، فكان ذلك سببًا في ارتكابهم المعاصي واقترافهم الآثام، أو: ابتلاهم بإرسال موسى إليهم ليؤمنوا، فاختاروا الكفر على الإيمان، أو: سلبهم ملكهم وأغرقهم.
﴿كَرِيمٌ﴾ على الله وعلى عباده المؤمنين، أو كريم في نفسه، لأنّ الله لم يبعث نبيًا إلا من سراة قومه وكرامهم.
﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ﴾ هي "أن" المفسرة، لأن مجيء الرسول من بُعِثَ إليهم
_________________
(١) ـ قوله: ("فتنا" بالتشديد؛ للتأكيد أو لوقوعه على القوم): يريد: أنه على منوال المبالغة في قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، أي: "فعل" للتكثير، وهو إما بحسب ذنوبهم العظيمة، يعذبهم عذابًا شديدًا، أو بحسب كثرتهم، لوقوعه على كثيرين، فيوزع فيهم. الراغب: نحوه: قتل الرجل وقتل القوم. قوله: (أو كريم في نفسه): الأساس: "كرم فلان علينا كرامة، وله علينا كرامة، وأكرم نفسه بالتقوى، وأكرمها عن المعاصي، وهو يتكرم عن الشوائن، قال أبو حية: ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت على طمع لم أنس أن أتكرما" وقلت: وعليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. قوله: (من بعث إليهم): نصب بنزع الخافض، أي: إلى من بعث إليهم. ؟
[ ١٤ / ٢٠٦ ]
متضمن لمعنى القول، لأنه لا يجيئهم إلا مبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله. أو المخففة من الثقيلة، ومعناه: وجاءهم بأن الشأن والحديث: أدّوا إلي.
﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾ مفعول به، وهم بنو إسرائيل، يقول: أدوهم إليّ وأرسلوهم معي، كقوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧]، ويجوز أن يكون نداء لهم؛ على: أدوا إليّ -يا عباد الله- ما هو واجب لي عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي، وعلل ذلك بأنه ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ غير ظنين، قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته.
﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا﴾: "أن" هذه مثل الأولى في وجهيها، أي: لا تستكبروا، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ بالاستهانة برسوله ووحيه، أو لا تستكبروا على نبيّ الله، ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة واضحة.
﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ أن تقتلون، وقرئ: "عذت" بالإدغام،
_________________
(١) ـ قوله: (أو المخففة من الثقيلة): وعن بعضهم: إذا كانت مخففةً من الثقيلة يجب أن تعوض بأحد الحروف الأربعة: النفي، وقد، وسوف، والسين؛ بدلًا مما ذهب منها، وهاهنا ما عوض، ويجب أن تكون" أن" التي معها الفعل في تأويل المصدر؛ لأن جميع الأفعال سواء في هذا الحكم، أمرًا كان أو مضارعًا أو غيرهما. قوله: (﴿أَمِينٌ﴾ غير ظنين): النهاية: "وفي الحديث: "لا يجوز شهادة ظنين"، أي: متهم في دينه، فعيل بمعنى: مفعول؛ من الظنة: التهمة"، يريد: أن التعليل بقوله: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ترشيح لاستعارة ﴿أَدُّوا إلَيَّ﴾ لقبول الدعوة، ومن ثم قال: "أدوا إلى ما هو واجب عليكم". قوله: ("أن" هذه مثل الأولى في وجهيها): أي: في أن تكون مفسرةً أو مخففةً من الثقيلة. قوله: ("عذت" بالإدغام): وهي المشهورة. ؟
[ ١٤ / ٢٠٧ ]
ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه منهم ومن كيدهم، فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونه به من الرجم والقتل.
﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ يريد: إن لم تؤمنوا لي، فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن، فتنحوا عني، واقطعوا أسباب الوصلة عني، أو فخلوني كفافًا لا لي ولا عليّ، ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم، فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلاحكم ذلك.
[﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ٢٢ - ٢٤]
_________________
(١) ـ قوله: (فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن): يريد: أن قوله: ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ مسبب عن جواب الشرط، وأقيم مقامه، وإنما عم ولم يقل: فلا موالاة بيني وبينكم؛ ليؤذن بأن هذا دأبه وعادته، وليس مختصًا بهم. الراغب: "الاعتزال: تجنب الشيء؛ عمالةً كانت أو براءةً أو غيرهما، بالبدن كان أو بالقلب، يقال: عزلته وتعزلته فاعتزل، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾: أي: ممنوعون بعد أن كانوا يمكنون، والأعزل: الذي لا رمح معه". قوله: (أو فخلوني كفافًا): عطف على: "فتنحوا عني"، وعلى هذا الوجه: ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾: كناية عن تركه، وإن لم يوجد الاعتزال بالأبدان. النهاية: "وفي حديث عمر ﵁: " وددت أني سلمت من الخلافة كفافًا، لا علي ولا لي"؛ الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، وهو نصب على الحال، وقيل: أراد به: مكفوفًا عني شرها، وقيل: معناها: أن لا تنال مني ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها". ؟
[ ١٤ / ٢٠٨ ]
﴿أَنَّ هؤُلاءِ﴾ بأن هؤلاء، أي: دعا ربه بذلك. قيل: كان دعاؤه: اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم، وقيل: هو قوله: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]، وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك، وهو كونهم مجرمين.
وقرئ: "إنّ هؤلاء"، بالكسر؛ على إضمار القول، أي: فدعا ربه فقال: إن هؤلاء.
﴿فَأَسْرِ﴾ قرئ بقطع الهمزة؛ من أسرى، ووصلها؛ من سرى، وفيه وجهان: إضمار القول بعد الفاء؛ فقال: أسر بعبادي، وأن يكون جواب شرط محذوف، كأنه قيل: قال: إن كان الأمر كما تقول فأسر، ﴿بِعِبادِي﴾ يعني: فأسر ببني إسرائيل، فقد دبر الله أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده، فينجي المتقدمين، ويغرق التابعين.
الرهو: فيه وجهان: أحدهما: أنه الساكن، قال الأعشى:
يمشين رهوًا فلا الأعجاز خاذلة ولا الصدور على الأعجاز تتّكل
_________________
(١) ـ قوله: (قيل: كان دعاؤه: اللهم عجل): يعني: يجوز أن يكون دعاؤه هذا المذكور، وهو قوله: ﴿أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾ على تقدير الباء، أي: دعا ربه بأن -يا رب- هؤلاء المشخصون المشاهدون تناهى أمرهم في الكفر غايته، فافعل بهم ما هم أهله، لأن الكافر إذا وصف بالإجرام كان متناهيًا في الكفر. أو يكون الدعاء محذوفًا، والمذكور تعليلًا له، أي: عجل لهم ما يستحقونه؛ لأنهم قوم مجرمون، أو: ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، أي: محنةً وبلاءً للقوم الظالمين؛ لأن هؤلاء قوم مجرمون، وإليه أشار بقوله: "وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك"، أي: اكتفى بالسبب عن المسبب لظهوره، فأجاب الله دعاءه، وعزم على إهلاكهم، وقال له ﵇: "أسر بعبادي ليلًا". قوله: (﴿فَأَسْرِ﴾ قرئ بقطع الهمزة): بالوصل: نافع وابن كثير، والباقون: بقطعها. قوله: (يمشين رهوًا) البيت: والضمير في "يمشين" للإبل، "خاذلة": أي: تاركة، خذل ؟
[ ١٤ / ٢٠٩ ]
أي: مشيًا ساكنًا على هينة، أراد موسى لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق، كما ضربه فانفلق، فأمر بأن يتركه ساكنًا على هيئته، قارًّا على حاله؛ من انتصاب الماء، وكون الطريق يبسًا لا يضربه بعصاه، ولا يغير منه شيئًا، ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم.
والثاني: أن الرهو الفجوة الواسعة، وعن بعض العرب: أنه رأى جملًا فالجًا، فقال: سبحان الله، رهو بين سنامين. أي: اتركه مفتوحًا على حاله منفرجًا.
_________________
(١) ـ يخذل خذلانًا، وهو تركك نصرة أخيك، يصف نوقًا سالكات أرض الفلاة، أي: يمشين مشيًا على هينة، فلا الأعجاز تخذل قوائمها، ولا الصدور تتكل على أعجازها، أي: لسن بكثيرات اللحم. وبعده: فهن معترضات والحصى رمض والريح ساكنة والظل معتدل الراغب: "رهوًا: أي: ساكنًا؛ وقيل: سعة، وهو الصحيح، ومنه: الرهاء: المفازة المستوية، ويقال: لكل جوية مستوية يجتمع فيها الماء: رهو، ومنه قيل: لا شفعة في رهو". قوله: (الفجوة الواسعة): الجوهري: "الفجوة: الفرجة، والمتسع بين الشيئين". قوله: (جملًا فالجًا): الجوهري: "الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين، يحمل من السند للفحلة". ؟
[ ١٤ / ٢١٠ ]
﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ وقرئ بالفتح؛ بمعنى: لأنهم.
[﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ٢٥ - ٢٧]
والمقام الكريم: ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة، وقيل: المنابر.
والنعمة: بالفتح: من التنعم، وبالكسر: من الإنعام. وقرئ: ﴿فَاكِهِينَ﴾ و"فكهين".
[﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ ٢٨ - ٢٩]
﴿كَذلِكَ﴾ الكاف منصوبة على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها ﴿وَأَوْرَثْناها﴾، أو في موضع الرفع؛ على الأمر كذلك،
_________________
(١) ـ قوله: (والمقام الكريم: ما كان لهم من المجالس): الراغب: "كل شيء يشرف في بابه يوصف بالكرم، قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]، وقال: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، إذا وصف الله بالكرم: فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، كقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، وإذا وصف به الإنسان: فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه". قوله: (وقرئ: ﴿فَاكِهِينَ﴾): وهي المشهورة. قوله: (مثل ذلك الإخراج أخر جناهم): المشار إليه: الإخراج، ولم يسبق في اللفظ مصرحًا به، لكن في الكلام ما دل عليه، وهو قوله: ﴿إنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾، وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وعُيُونٍ﴾، لأنه إنما تكون المتابعة إذا حصل الإخراج، قال أبو البقاء: "و﴿كَذَلِكَ﴾ الأمر، أي: الأمر كذلك، وقيل: التقدير: تركًا كذلك". ؟
[ ١٤ / ٢١١ ]
قَوْمًا آخَرِينَ ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل، كانوا متسخرين مستعبدين في أيديهم، فأهلكهم الله على أيديهم، وأورثهم ملكهم وديارهم.
إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وفي حديث رسول الله ﷺ: «ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض»، وقال جرير:
تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا
_________________
(١) ـ قوله: (في تعظيم مهلكه): أي: هلاكه، الجوهري: "هلك الشيء هلاكًا وهلوكًا ومهلكًا وتهلكة، والاسم: الهلك؛ بالضم". قوله: (وفي حديث رسول الله ﷺ): روى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مؤمن إلا وله بابان، باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ﴾ ". قوله: (تبكي عليك نجوم الليل والقمرا): أوله- في "المطلع"-: الشمس طالعة ليست بكاسفة وقال: رثى جرير عمر بن عبد العزيز، ويروى برفع "النجوم" ونصبها، يعاتب الشمس في طلوعها، وكان من حقها أن يكون كاسفةً باكيةً لفقده، والمعنى على النصب: تبكي عليك بكاء النجوم، فحذف المضاف، والواو بمعنى "مع"، وقيل: أي: ليست بكاسفة نجوم الليل، وقدم "تبكي عليك" بين فعل الشمس ومفعولها، والمعنى: تبكي عليك الشمس، كأنه ؟
[ ١٤ / ٢١٢ ]
وقالت الخارجية:
أيا شجر الخابور مالك مورقًا كأنّك لم تجزع على ابن طريف
وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، وكذلك ما يروى عن ابن عباس ﵁؛ من بكاء مصلى المؤمن، وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله، ومهابط رزقه في السماء: تمثيل.
_________________
(١) ـ يتعجب من الطلوع، وقيل: كان يتهجد فتبكيه النجوم والقمر، ويعدل بالنهار فتبكيه الشمس، والشمس غالبة في البكاء، لأن العدل أفضل، وهو من قولهم: باكيته فبكيته؛ أي: كنت أبكى منه، أي: طلعت الشمس ولكن مع طلوعها تبكي وتغلب النجوم والقمر في البكاء عليك. وروي ما قبله: نعى النعاة أمير المؤمنين لنا يا خير من حج بيت الله واعتمرا حملت أمرًا عظيمًا فاصطبرت له وقمت فيه بأمر الله يا عمرا قوله: (أيا شجر الخابور) البيت: وبعده: فتىً لا يحب الزاد إلا من التقى ولا المال إلا من قنًا وسيوف فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني أرى الموت نزالًا بكل شريف ؟
[ ١٤ / ٢١٣ ]
ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾، فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض. وعن الحسن: فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، يعني: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض.
﴿وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر، ولم يمهلوا إلى الآخرة، بل عجل لهم في الدنيا.
[﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٣٠ - ٣١]
﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من ﴿العَذَابِ المُهِينِ﴾، كأنه في نفسه كان عذابًا مهينًا، لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم، ويجوز أن يكون المعنى: من العذاب المهين واقعًا من جهة فرعون. وقرئ: "من عذاب المهين"، ووجهه: أن يكون تقدير قوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: من عذاب فرعون، حتى يكون المهين هو فرعون.
وفي قراءة ابن عباس: "من فرعون؟ "، لما وصف عذاب فرعون بالشدة والفظاعة، قال: "مَن فرعون"؛ على معنى: هل تعرفونه من هو في عتوّه وشيطنته، ثم عرف حاله في ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: كبيرًا رفيع الطبقة من بينهم فائقًا لهم، بليغًا في إسرافه، أو عاليًا متكبرًا، كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]، ﴿ومِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ خبر ثان، كأنه قيل: إنه كان متكبرًا مسرفًا.
_________________
(١) ـ قوله: (واقعًا من جهة فرعون): قال القاضي: "هو على هذا الحال من ﴿العَذَابِ المُهِينِ﴾ ". قوله: (و﴿مِّنَ المُسْرِفِينَ﴾ خبر ثان): يؤذن أنه إذا فسر ﴿عّالِيًا﴾ بـ"متكبر" يكون ﴿مِّنَ المُسْرِفِينَ﴾ خبرًا ثانيًا، وإذا فسر بـ"كبير" لا يكون خبرًا، قال القاضي: "هو حينئذ حال من ؟
[ ١٤ / ٢١٤ ]
[﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ * وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلاؤٌ مُبِينٌ * إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ٣٢ - ٣٤]
الضمير في ﴿اخْتَرْناهُمْ﴾ لبني إسرائيل، و﴿عَلى عِلْمٍ﴾ في موضع الحال، أي: عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا، ويجوز أن يكون المعنى: مع علم منا بأنهم يزيغون وتفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال، ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ على عالمي زمانهم، وقيل: على الناس جميعًا لكثرة الأنبياء منهم.
﴿مِنَ الْآياتِ﴾ من نحو فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات العظام التي لم يظهر الله في غيرهم مثلها، ﴿بَلاؤٌ مُبِينٌ﴾ نعمة ظاهرة، لأن الله تعالى يبلو بالنعمة كما يبلو بالمصيبة، أو اختبار ظاهر لننظر كيف تعملون، كقوله: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩].
_________________
(١) ـ ضمير ﴿عَالِيًا﴾ "، وعليه كلام أبي البقاء. وقوله: "رفيع الطبقة من بينهم" إشارة إلى أن التركيب من باب قولهم: فلان من العلماء، أي: له مساهمة فيهم. قوله: (وقيل: على الناس جميعًا لكثرة الأنبياء): فعلى هذا يعم سائر الأزمنة، المعنى: قوم بني إسرائيل مختارون من بين سائر الأقوام بأن تكثر الأنبياء منهم، فهم بهذا المعنى مختارون. وليس هذا بوجه جيد. قوله: (أو اختبار ظاهر): يؤذن بأن "البلاء" أن فسر بالنعمة لم يكن اختبارًا ظاهرًا، وقد عللها بقوله: "لأن الله تعالى يبلو بالمصيبة"، وإن فسر بالمحنة كان ظاهرًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] الآية، قال في تفسيره: "ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه ؟
[ ١٤ / ٢١٥ ]
[﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَاتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ٣٥ - ٣٦]
﴿هؤُلاءِ﴾ إشارة إلى كفار قريش.
فإن قلت: كان الكلام واقعًا في الحياة الثانية، لا في الموت، فهلا قيل: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين، كما قيل: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]؟ وما معنى قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾؟ وما معنى ذكر "الأولى"؟ كأنهم وعدوا موتة أخرى، حتى نفوها وجحدوها، وأثبتوا الأولى؟
_________________
(١) ـ من الطاعة، وتسلمون لأمر الله أم لا؟ "، والمعنى على الأول: لنبلونكم بالنعم المتوالية المتظاهرة، فهل تشكرون الله وتزيدون في طاعاتكم، أم تتجبرون وترومون علوًا في الأرض وفسادًا. قوله: (﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى كفار قريش): وفيه تحقير لشأنهم وازدراء بهم، ولهذا قال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧]. اعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين إعراضهم عن رسول الله ﷺ وطعنهم فيه، بقوله: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٣ - ١٤]، وهددهم بقوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، وضرب لهم مثل قوم فرعون ومجيء رسول الله كريم إليهم، وقصدهم إياه، وتدمير الله وقطع دابرهم؛ اعتبارًا واتعاظًا، أتى: بما هو أطم من الأول، وهو تكذيب الله بأن لا بعث ولا حشر، وأن الله تعالى ما خلق السماوات والأرض بالحق، بل خلقهما باطلًا، لأنه سبق مرارًا وأطوارًا أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض إلا ليوحد ويعبد، ثم لا بد أن يجزي المطيع والعاصي، وليست هذه دار الجزاء. ؟
[ ١٤ / ٢١٦ ]
قلت: معناه -والله الموفق للصواب-: أنه قيل لهم: إنكم تموتون موتة تتعقبها حياة، كما تقدّمتكم موتة قد تعقبتها حياة، وذلك قوله ﷿: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، ..
_________________
(١) ـ قوله: (معناه- والله الموفق للصواب-: أنه قيل لهم: إنكم تموتون موتةً تتعقبها حياة): قال صاحب "الانتصاف": "أظهر من ذلك أنهم وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين: موت ثم بعث، وآمنوا بأولاهما، وهي الموت، ونفوا الثانية وسموها الأولى، وإن لم يعتقدوا شيئا بعدها، لأنهم نزلوا جهدهم على الإثبات، وهذا أولى من حمل الموتة الأولى على السابقة على الحياة الدنيا، لأنهم يعتقدون الحصر في هذه الموتة، لأنهم اعتقدوا الموتة التي تعقب الحياة الدنيا، وحمل الحصر المباشر للموت في كلامهم على صفة لم تذكر: عدول عن الظاهر بلا حاجة، لأن الموت السابق على الدنيا لا يعبر عنه الموتة؛ لأن فيها إشعارًا بالتجدد، والموت السابق مستصحب لم تتقدمه حياة. هذا مع أنه في الآية الأخرى وافق على أن ما الموت إلا الموتة الأولى، وإنما عنى بالموتة الأولى ما بعد الحياة الدنيا". الإنصاف: "إنما يعين ذلك في هذه الآية القرينة: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ [الدخان: ٥٦]، فالموتة الأولى لا يذوقونها، ويبطل قول صاحب "الانتصاف" أن الأولى ولأخرى لا تستعملان إلا فيما يشترك فيه مع ما قرنت به في الشيء المذكور، فلا يصح أن يقال: جاءني رجل وامرأة أخرى، والموتة مغايرة للحياة، فلا يصح أن يقال فيها: "أولى" بالنسبة إلى الحياة". وقلت: وقوله: "وحمل الحصر المباشر للموت في كلامهم على صفة لم تذكر: عدول عن الظاهر": منظور فيه أيضًا؛ لأن التعريف في ﴿المَوْتَةَ الأُولَى﴾ للعهد، وهو قرنية دالة على أن المراد بـ"الموتة الأولى" الموتة المعهودة، ولذلك استشهد بقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، ولأن في إثباتهم أداة الحصر- لأن "إن" ؟
[ ١٤ / ٢١٧ ]
فقالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾، يريدون: ما الموتة التي من شأنها أن يتعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها إلا للموتة الأولى خاصة، فلا فرق إذا بين هذا وبين قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٨] في المعنى.
يقال: أنشر الله الموتى ونشرهم: إذا بعثهم.
﴿فَاتُوا بِآبائِنا﴾ خطاب للذين كانوا يعدونهم النشور؛ من رسول الله ﷺ والمؤمنين، أي: إن صدقتم فيما تقولون، فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك، حتى يكون دليلًا على أنّ ما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حق، وقيل: كانوا يطلبون اليهم أن يدعوا الله وينشر لهم قصيّ بن كلاب ليشاوروه، فإنه كان كبيرهم ومشاورهم في النوازل ومعاظم الشئون.
[﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٣٧]
هو تبع الحميري، كان مؤمنًا وقومه كافرين، ولذلك ذمّ الله قومه ولم يذمّه، وهو الذي سار بالجيوش، وحير الحيرة، وبنى سمرقند، وقيل: هدمها،
_________________
(١) ـ النافية قرنت بـ "إلا"- وإيقاعهم الضمير مبهمان ثم فسره بالخبر، على نحو قولهم: هي العرب تقول ما شاءت: الدلالة على أن هذا الكلام وارد على ما لا يوافق آراءهم من إثبات موتتين، فهم يحاولون إبطاله ورده إلى موتة واحدة ويهتمون بشأنه، ولا يصلح لذلك إلا ما اشتمل على هذه الموتة الموصوفة. قوله: (كانوا يطلبون إليهم): أي: كانوا ينهون إليهم طالبين أن يدعوا الله. وقوله: (وحير الحيرة): أي: ألفها ورتبها واتخذها مدينة تسمى: حيرة، كما يقال: مدن المدن، أي: بنى المدائن. ؟
[ ١٤ / ٢١٨ ]
وكان إذا كتب قال: باسم الله الذي ملك برًّا وبحرًا. وعنى النبي ﷺ: «لا تسبوا تبعًا، فإنه كان قد أسلم»، وعنه ﵊: «ما أدري أكان تبع نبيًا أو غير نبي»، وعن ابن عباس ﵄: كان نبيًا، وقيل: نظر إلى قبرين بناحية حمير، قال: هذا قبر رضوى وقبر حبى بنتي تبع، لا تشركان بالله شيئًا. وقيل: هو الذي كسا البيت، وقيل لملوك اليمن: التبابعة، لأنهم يتبعون، كما قيل: الأقيال؛ لأنهم يتقيلون،
_________________
(١) ـ قوله: (لا تسبوا تبعًا): قال صاحب "النهاية": "في الحديث: "لا تسبوا تبعًا، فإنه أول من كسا الكعبة": تبع: ملك في الزمان الأول، اسمه: سعد أبو كرب، والتبابعة: ملوك اليمن، كان لا يسمى تبعًا حتى يملك حضرموت وسبأ وحمير. ويقال للرجل إذا أتقن الشيء وأحكمه: قد تابع عمله". قوله: (كما قيل: الأقيال؛ لأنهم يتقيلون): النهاية: "الأقوال: جمع "قيل"، وهو الملك النافذ القول والأمر، وأصله: قيول: فيعل؛ من القول، فحذفت عينه، ومثله: أموات جمع ميت، تخفيف ميت، وأما "أقيال" فمحمول على لفظ "قيل"، كما قيل: أرياح جمع ريح، والقياس: أرواح". وفي حاشية "الكشاف": معنى "يتقيلون": يتتبعون، من: تقيل أباه: إذا اتبعه، وقيل: أشبهه. الراغب: "سمي به ملك حمير لكونه معتمدًا على قوله، ومقتدىً به، ولكونه متقيلًا لأبيه، يقال: تقيل أباه". ؟
[ ١٤ / ٢١٩ ]
وسمي الظل «تبعًا» لأنه يتبع الشمس.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ﴾، ولا خير في الفريقين؟ قلت: معناه: أهم خير في القوّة والمنعة، كقوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣]، بعد ذكر آل فرعون. وفي تفسير ابن عباس ﵁: أهم أشدّ أم قوم تبع؟
[﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٣٨ - ٤٢]
﴿وَما بَيْنَهُما﴾ وما بين الجنسين، وقرأ عبيد بن عمير: "وما بينهن".
_________________
(١) ـ قوله: (وسمي الظل "تبعًا"): قالت سلمى الجهنية ترثي أخاها أسعد: يرد المياه حضيرةً ونفيضة ورد القطاة إذا اسمأل التبع أي: الظل، ويسمى الدبران: التبع؛ لأنه يدبره، الخضيرة: الأربعة والخمسة يغزون، والجمع: الحضائر، والنفيضة والنفض: الجماعة يبعثون في الأرض لينظروا هل فيها عدو أو خوف، واسمأل: أي: ضمر. قوله: (﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وما بين الجنسين"): قال القاضي: "وهو دليل على صحة الحشر، كما مر في "الأنبياء" وغيرهم، وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: بسبب الحق الذي اقتضاه الدليل من الإيمان والطاعة". ؟
[ ١٤ / ٢٢٠ ]
وقرأ: "ميقاتهم" بالنصب؛ على أنه اسم "إن"، و"يوم الفصل" خبرها، أي: إنّ ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل.
﴿لا يُغْنِي مَوْلًى﴾ أي مولى كان من قرابة أو غيرها، ﴿عَنْ مَوْلًى﴾ عن أي مولى كان، ﴿شَيْئًا﴾ من إغناء، أي: قليلًا منه، ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ الضمير للموالي، لأنهم في المعنى كثير، لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى.
_________________
(١) ـ وقلت: هاهنا المشركون لما أنكروا الحشر بقولهم: ﴿إنْ هِيَ إلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى ومَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، وبخهم بقوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾؛ إيذانًا بأن هذا الإنكار ليس عن حجة قاطعة ودليل ظاهر، بل عن مجرد حب العاجلة، والتمتع بملاذ الدنيا، والاغترار بالمال والمنال، ثم قرر أن الحشر لا بد منه؛ لأنا ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما للعبث، جل جنات الجلال عن ذلك، بل بالحق، وهو أن اعبدوا ووحدوا، ولا بد لمن عبد ووحد، ولمن أعرض وأشرك، من الثواب والعقاب، فكيف يقال: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾؟ ! وقوله: ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ تذييل وتجهيل عظيم لمنكري الحشر وتوكيد، لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. قوله: (﴿شَيْئًا﴾ من إغناء): أي: "شيئًا" نصب على المصدر، وعن بعضهم: يجوز أن يكون مفعولًا به، من قولهم: أغن عني وجهك، والمعنى: أنه لا يبعد عنه شيئًا، وفي الكلام تتميم ومبالغة، أي: ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى﴾ أي مولى كان، إغناءً أي إغناء كان. قوله: (لتناول اللفظ على الإبهام والشياع): يعني: جاز عود الضمير وهو مجموع، إلى ﴿مَوْلًى﴾ وهو مفرد؛ لأنه لفظ مطلق شائع في جنسه متناول للكل وللبعض على سبيل البدل، فكان عود ضمير الجمع فرينةً على إرادة الكل. ؟
[ ١٤ / ٢٢١ ]
﴿مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ في محل الرفع على البدل من الواو في ﴿يُنْصَرُونَ﴾، أي: لا يمنع من العذاب إلا من ﵀، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ لا ينصر منه من عصاه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمن أطاعه.
[﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَاسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ ٤٣ - ٥٠]
قرئ: "إنّ شجرت الزقوم" بكسر الشين، وفيها ثلاث لغات: شجرة، بفتح الشين وكسرها، وشيرة بالياء. وروي: أنه لما نزل: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ قال ابن الزبعرى: إنّ أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر: التزقم، فدعا أبو جهل بتمر وزبد، فقال: تزقموا، فإنّ هذا هو الذي يخوّفكم به محمد، فنزل ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ﴾، وهو الفاجر الكثير الآثام.
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن ينصب على الاستثناء): قال أبو البقاء: " ﴿إلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾ استثناء متصل، أي: من ﵀ بقبول الشفاعة فيه". وفي "التيسير": ﴿إلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾ أي: المؤمنين ﵏، فإنهم يشفعون للمذنبين، وقيل: لكن من ﵀، فإنه لا يحتاج إلى قريب ينفعه، ولا إلى ناصر ينصره. وقال مكي: " ﴿إلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾: "من" في موضع رفع على البدل من المضمر في ﴿يُنْصَرُونَ﴾، أي: لا ينصر إلا من رحم الله، وقيل: هي بدل من ﴿مَوْلًى﴾ الأولى، أي: يوم لا يغني إلا من رحم الله، أي: لا يشفع إلا من رحم الله، وهذا دليل على جواز الشفاعة من المؤمنين للمؤمنين أهل الذنوب". ؟
[ ١٤ / ٢٢٢ ]
وعن أبي الدرداء أنه كان يقرئ رجلًا، فكان يقول طعام اليثيم، فقال: قل طعام الفاجر يا هذا. وبهذا يستدل على أنّ إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها، ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي: أن يؤدي القارئ المعاني على كمالها، من غير أن يخرم منها شيئًا، قالوا: وهذه الشربطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة، لأنّ في كلام العرب -خصوصًا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه- من لطائف المعاني والأغراض، ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة ﵀ يحسن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر، وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية.
﴿كَالْمُهْلِ﴾ قرئ بضم الميم وفتحها، وهو دردي الزيت، ويدل عليه قوله: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨]، مع قوله: ﴿فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، وقيل: هو ذائب الفضة والنحاس.
_________________
(١) ـ قوله: (أنه كان يقرئ رجلًا، فكان يقول: طعام اليثيم): الانتصاف: "يعني: كان يقرئه، فلم يستطع أن يقول: الأثيم، فكان يقول: اليثيم، فأعاد عليه، فلما عجز قال: قل: طعام الفاجر، وفيه دليل على قراءة القرآن بالمعنى"، وقال: "لا حجة فيه، وقول أبي الدرداء محمول على إيضاح المغنى، عونًا على أن يأتي بالقراءة كما أنزلت، هكذا حمله القاضي أبو بكر في كتاب (الانتصار) ". قوله (﴿كَالْمُهْلِ﴾ قرئ بضم الميم): وهي المشهورة، والفتح شاذ. قوله: (ويدل عليه- أي: على أن المراد بـ "المهل" دردي الزيت- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾، مع قوله: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾): لأن الأول دل على أن السماء تصير ؟
[ ١٤ / ٢٢٣ ]
والكاف رفع؛ خبر بعد خبر، وكذلك ﴿يَغْلِي﴾، وقرئ بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام. والْحَمِيمِ الماء الحار الذي انتهى غليانه.
_________________
(١) ـ كالمهل، والثاني على أنها تصير كالدهان، وهو: إما جمع دهن أو اسم ما يدهن به، ويجب التوافق بينهما، فيصح تفسير "المهل" بدردي الزيت. هذا الاستدلال في الأصول من باب دلالة النص باستعانة نص آخر، نحو دلالة قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]: على أن مدة الحمل ستة أشهر. قوله: (وكذلك ﴿يَغْلِي﴾): أي: مرفوع المحل؛ خبر بعد خبر. قوله: (وقرئ بالتاء): ابن كثير وحفص: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. روى الواحدي عن أبي عبيد: أنه اختار الياء، وقال: لأن المهل مذكر، وهو الذي يلي المهل، فصار أولى به للذكر والقرب. وقال أبو علي: لا يجوز أن يحمل الغلي على المهل، لأن المهل إنما ذكر للتشبيه به في الذوب، ألا ترى أن المهل لا يغلي في البطون، وإنما يغلي ما شبه به، وهو كقوله: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾، يعني: الماء الحار إذا اشتد غليانه. أراد أن هاهنا المشبه واحد، والمشبه به متعدد، شبهت عصارة الشجرة تارة بالمهل في غلظها وكدورتها ونتنها، وأخرى بالماء في انفعالها بالغليان، ومن ثم لم يذهب المصنف إلى إسناد ﴿يَغْلِي﴾ إلى "المهل"، وقال: "تغلي: بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام"، وروي في ؟
[ ١٤ / ٢٢٤ ]
يقال للزبانية: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ فقودوه بعنف وغلظة، وهو أن يؤخذ بتلبيب الرجل، فيجر إلى حبس أو قتل، ومنه: العتلّ؛ وهو الغليظ الجافي، وقرئ بكسر التاء وضمها، ﴿إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ إلى وسطها ومعظمها.
فإن قلت: هلا قيل: صبوا فوق رأسه من الحميم، كقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩]، لأنّ الحميم هو المصبوب لا عذابه؟ قلت: إذا صب عليه الحميم، فقد صب عليه عذابه وشدّته، إلا أن صب العذاب طريقه الاستعارة، كقوله:
صبّت عليه صروف الدّهر من صبب
_________________
(١) ـ الحاشية: " أنه قيل له: هل يجوز بالياء صفةً للمهل؟ قال: لا، لأنه لا يوصف المهل، لكن الطعام أو الشجرة". وقلت: ولناصر قول أبي عبيد أن قول: هو من تداخل التشبيهين، أي: كالمهل المشبه غليانه بغلي الحميم في البطون، شبه طعام الشجرة بدردي خارج عن المتعارف في أنه إذا قدر أن يصب في البطون يغلي- بغير نار- غليان الماء الحار في المراجل بالنار، ولا يبعد هذا التأويل، فإن هذه الشجرة على خلاف الأشجار المتعارفة، لأنها تنبت في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين. قوله: (بتلبيب الرجل): الجوهري: "لببت الرجل تلبيبًا؛ إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة وجررته". قوله: (قرئ بكسر التاء وضمها): الحرميان وابن عامر: "فاعتلوه" بالضم، والباقون: بالكسر. قوله: (صبت عليه صروف الدهر من صبب): الأساس: "مشوا في صبب، وفي أصباب: ؟
[ ١٤ / ٢٢٥ ]
وكقوله تعالى: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠]، فذكر العذاب معلقًا به الصب، مستعارًا له، ليكون أهول وأهيب.
يقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ على سبيل الهزؤ والتهكم بمن كان يتعزز ويتكرم على قومه. وروي: أنّ أبا جهل قال لرسول الله ﷺ: ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فو الله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا. وقرئ: "أنك"، بمعنى: لأنك. وعن الحسن بن علي ﵄: أنه قرأ به على المنبر.
﴿إِنَّ هذا﴾ العذاب، أو: إن هذا الأمر هو ﴿مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أي: تشكون، أو تتمارون وتتلاجون.
[﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ * كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٥١ - ٥٧]
_________________
(١) ـ وهو الحدور، وفي الحديث: "كأنما يمشي في صبب"، ومن المجاز: صب عليه البلاء من صبب، أي: من فوق". قوله: (معلقًا به الصب، مستعارًا له): الفاء في "فذكر" متعلق بقوله: "صب العذاب طريقه الاسثعارة"، وقوله: "معلقًا" و"مستعارًا": حالان متداخلتان، أي: جعل الصب للعذاب، والعذاب لا يصب، مستعارًا لإصابته، على حذف المضاف، شبه العذاب بالمائع، ثم خيل له ما يلازم المائع من الصب، كما خيل الإفراغ للصبر بعد تشبيهه بالماء. قوله: (ما بين جبليها): أي: جبلي مكة، وهما الأخشبان؛ أبو قبيس وثور. قوله: (وقرئ: "أنك") الكسائي: بفتح الهمزة، والباقون: بكسرها. ؟
[ ١٤ / ٢٢٦ ]
قرئ: ﴿فِي مَقَامٍ﴾، بالفتح، وهو موضع القيام، والمراد: المكان، وهو من الخاص الذي وقع مستعملًا في معنى العموم، وبالضم، وهو موضع الإقامة، و"الأَمِينٍ": من قولك: أمن الرجل أمانة فهو أمين، وهو ضد الخائن، فوصف به المكان استعارة، لأنّ المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.
قيل: السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، وهو تعريب "استبر". فإن قلت: كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمي؟ قلت: إذا عرب خرج من أن يكون عجميًا، لأن معنى التعريب: أن يجعل عربيًا بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب.
﴿كَذلِكَ﴾ الكاف مرفوع على: الأمر كذلك،
_________________
(١) ـ قوله: (﴿فِي مَقَامٍ﴾ بالفتح): نافع وابن عامر: بالضم، والباقون: بالفتح. قوله: (وهو من الخاص الذي وقع مستعملًا في معنى العموم): نحوه: تعال، وأصله: موضع القيام، ثم عم واستعمل في جميع الأمكنة، حتى قيل لموضع القعود: مقام، وإن لم يقم فيه أصلًا، ويقال: كنا في مقام فلان، أي: في مجلسه. قوله: (فوصف به المكان استعارة): أي: الاستعارة المكنية. الراغب: "أصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل: مصادر، ويجعل الأمان تارةً اسمًا للحالة التي عليها الإنسان في الأمن، وتارةً اسمًا لما يؤمن عليه الإنسان، كقوله: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]، أي: ما ائتمنتم عليه". قوله: (على: الأمر كذلك): روي عن المصنف أنه قال: والمعنى فيه: أنه لم يستوف الوصف، وأنه بمثابة ما لا يحيط به الوصف، فكأنه قال: الأمر نحو ذلك، وما أشبهه، وليس يعين الوصف ويحققه. ؟
[ ١٤ / ٢٢٧ ]
أو منصوب على: مثل ذلك أثبناهم ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾، وقرأ عكرمة: "بحور عين" على الإضافة، والمعنى: بالحور من العين، لأن العين إما أن تكون حوراء أو غير حوراء، فهؤلاء من الحور العين، لا من شهلهن مثلًا، وفي قراءة عبد الله: "بعيس عين"، والعيساء: البيضاء تعلوها حمرة.
وقرأ عبيد بن عمير: "لا يذاقون فيها الموت"، وقرأ عبد الله: "لا يذوقون فيها طعم الموت".
_________________
(١) ـ قوله: ("بحور عين" على الإضافة): قال ابن جني: "الصفة أوفى من الإضافة، لأن المضاف والمضاف إليه جاريين مجرى المفرد، والصفة تأتي مع الاختصاص المستفاد منها [مأتى] الزيادة، وهي مع ذلك أشد إصراحًا بالمعنى من المضاف، ألا ترى أنك إذا قلت: "مررت بظريف كرام" جاز الظريف أن يكون كريمًا، وجاز أن يكون منسوبًا إليهم، وإن لم يكن كريمًا، وإذا قلت: "مررت بظريف كريم" فقد أثبت له مذهب الكرم البتة"، ولهذا جعل الإضافة من باب: خاتم فضة، وباب ساج. قوله: (لأن العين إما تكون حوراء أو غير حوراء): أنشد الجوهري للعجاج: بأعين محورات حور يعني: الأعين النقيات البياض، الشديدات سواد الحدقة. و"الشهلة" في العين: أن يشوب سوادها زرقة، وعين شهلاء، ورجل أشهل العين. ؟
[ ١٤ / ٢٢٨ ]
فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة، من الموت المنفي ذوقه فيها؟ قلت: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ موضع ذلك، لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.
وقرئ: "ووقاهم" بالتشديد.
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ عطاء من ربك وثوابًا، يعني: كل ما أعطى المتقين من نعيم الجنة والنجاة من النار. وقرئ: فضل، أي: ذلك فضل.
[﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ ٥٨ - ٨٩]
﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ فذلكة للسورة،
_________________
(١) ـ قوله: (أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة): الانتصاف: هذا مبني على أن ﴿الْمَوْتَةَ﴾ بدل؛ على طريقة بني تميم الذين يجوزون البدل من غير الجنس، والحجازيون ينصبونه بالاستثناء المنقطع، وسر اللغة التميمية في قولهم: ما في الدار أحد إلا حمار، أي: أن كان الحمار من الأحد، ففيها أحد، وبه فسر الزمخشري قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] ". قوله: (فهو من باب التعليق بالمحال): نظيره: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، نظيره: أن يستسقي أحد، فتقول: لا أسقيك إلا الجمر، والجمر لا يسقى. فمعناه: أن كان الجمر شيئًا يسقى فإنما أسقيكه. قوله: (﴿فَإنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ فذلكة للسورة)، إلى آخره، يعني: هو إجمال بعد تفصيل. ؟
[ ١٤ / ٢٢٩ ]
ومعناها: ذكرهم بالكتاب المبين ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أي: سهلناه، حيث أنزلناه عربيًا ﴿بِلِسَانِكَ﴾ بلغتك؛ إرادة أن يفهمه قومك فيتذكروا.
﴿فَارْتَقِبْ﴾ فانتظر ما يحل بهم، ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ ما يحل بك متربصون الدوائر.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "حم الدخان" في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك»، وعنه ﵇: «من قرأ حم التي يذكر فيها الدخان في ليلة جمعة أصبح مغفورًا له».
_________________
(١) ـ وقلت: بل خاتمة عزيزة، ورد للعجز على الصدر، وبها ظهر دقة نظر من قال: إن ﴿رَحْمَةً﴾ -في قوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الدخان: ٥ - ٦]-: مفعول به، والمراد بها سيد المرسلين وخاتم النبيين ورحمة العالمين، وأن قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] مقابل لقوله: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، ولذلك ضم مع التبشير قوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾. قوله: (من قرأ"حم الدخان"): روينا عن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ"حم الدخان" في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك"، وفي رواية: "في ليلة الجمعة غفر له". تمت السورة. * * * ؟
[ ١٤ / ٢٣٠ ]