مختلف فيها، وهي تسع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)] ١ - ٨ [.
(زِلْزالَها) قرئ بكسر الزاي وفتحها؛ فالمكسور: مصدر، والمفتوح: اسم؛ وليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف.
_________________
(١) سورة الزلزلة مدنية، وهي تسع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (وليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف)، وفي "الكواشي": "وقد جاء "ناقة جزعال" التي تطلع، و"قصطال" اسم للغبار، وليسا من المضاعف. وقيل: أما بهرام وشهرام فعجميان". وأما القهقار فلغة ضعيفة؛ في "الصحاح": "القهقر، بتشديد الراء: الحجر الصلب، وكان أحمد بن يحيى وحده يقول: القهقار".
[ ١٦ / ٥٣٦ ]
فإن قلت: ما معنى (زلزالها) بالإضافة؟
قلت: معناه زلزالها الذي تستوجبه في الحكمة ومشيئة الله، وهو الزلزال الشديد الذي ليس بعده. ونحوه قولك: أكرم التقىّ إكرامه، وأهن الفاسق إهانته، تريد: ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة. أو زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه. الأثقال: جمع ثقل، وهو متاع البيت، وتحمل أثقالكم جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالًا لها.
_________________
(١) قوله: (الذي ليس بعده)، أي: ليس بعده زلزال، أي: ليس فوقه وأقوى منه. المغرب: "وقوله: وإن كان ليس بالذي لا بعد له، أي: ليس بنهاية في الجودة وهو من قولهم: هذا مما ليس بعده غاية في الجودة والرداءة. وربما اختصروا وقالوا: ليس بعده، ثم أُدخل عليه "لا" النافية للجنس، واستعمل استعمال الاسم المتمكن". قوله: (أو زلزالها كله)، أي: القدر اللائق بها ويضاف إليها. والفرق بينه وبين الوجه السابق، هو أن السابق مستند إلى الفاعل ومقتضٍ مشيئته، ومن ثم قال: "زلزالها الذي تستوجبه في الحكمة". والثاني وإن دل على الشمول، ولكن دون الأول في الشدة، وفي قوله "تستوجبه في الحكمة" إشارة إلى مذهبه، قال الإمام: "أي الزلزال المكتوب عليها إذا قُدرت تقدير الحي. روي أنها تُزلزل من شدة صوت إسرافيل ﵇"، وليس ذلك إلا إذا قُدر أنها حية فزعة، كما كانت متكلمة في قوله: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. قوله: (جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالًا لها)، الراغب: "أثقالها: قيل: كنوزها، وقيل: ما تضمنت من أجساد البشر عند الحشر، وقوله: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧]: أي: أحمالكم الثقيلة".
[ ١٦ / ٥٣٧ ]
(وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها) زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها؛ وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ أمواتها أحيًاء، فيقولون ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع، كما يقولون: (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا)] يس: ٥٢ [. وقيل: هذا قول الكافر؛ لأنه كان لا يؤمن بالبعث؛ فأما المؤمن فيقول: (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون)] يس: ٥٢ [.
فإن قلت: ما معنى تحديث الأرض والإيحاء لها؟
قلت: هو مجاز عن إحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان، حتى ينظر من يقول مالها إلى تلك الأحوال، فيعلم لم زلزلت ولم لفظت الأموات؟ وأنّ هذا ما كانت الأنبياء ينذرونه ويحذرون منه. وقيل: ينطقها الله على الحقيقة، وتخبر بما عمل عليها من خيٍر وشر. وروى عن رسول الله ﷺ: " تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها".
فإن قلت: (إِذا) و(يَوْمَئِذٍ): ما ناصبهما؟
_________________
(١) قوله: (﴿مَا لَهَا﴾ زُلزلت؟)، قيل: هذه إشارة إلى أن في الكلام حذفًا، وهو حال من الضمير المجرور لأنه مفعول، أي: أي شيء ثبت لها في هذه الحال، لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]. قوله: (تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها)، روى الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول الله؟ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، قال: "أتدرون ما أخبارها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم [كذا] كذا وكذا، فهذه أخبارها".
[ ١٦ / ٥٣٨ ]
قلت: (يَوْمَئِذٍ) بدل من (إِذا)، وناصبهما (تُحَدِّثُ). ويجوز أن ينتصب (إِذا) بمضمٍر، و(يَوْمَئِذٍ) بتحدث.
فإن قلت: أين مفعولا (تُحَدِّثُ)؟
_________________
(١) قوله: (أين مفعولًا ﴿تُحَدِّثُ﴾؟)، قيل: في السؤال والجواب نظر، لأن "حدث" ليس متعديًا إلى مفعولين، بل هو متعد إلى مفعول واحد، والمحذوف الذي صرح بذكره هاهنا هو المفعول به، وأما المذكور وهو ﴿أَخْبَارَهَا﴾ فمفعول مطلق، وهما لا يُسميان مفعولين في اصطلاح النحاة. نعم، إذا ذُكرت خصوصية المصدر في هذا الباب جُعل منصوبًا، ويسميه بعض النحاة حينئذ مفعولًا ثانيًا وثالثًا، نحو: حدثت زيدًا عمرًا قائمًا، ويقال حينئذ: هو متعد إلى ثلاثة مفاعيل، وقد ذُكر وحُقق في موضعه أنه ليس كذلك، وأنه متعد إلى واحد، وأن "زيدًا قائمًا" نصبا لوقوعهما موقع المصدر. وأما إذا ذُكر المصدر بلفظه نحو: حدثته حديثًا وخبرًا، فلا يقول أحد/ إنه متعد إلى مفعولين. والدليل على ما ذكرنا أن ابن الحاجب بعدما بين أن "زيدًا قائمًا" نُصب في مثل هذا الموضع لوقوعه موقع المصدر، لا لكونه مفعولًا ثانيًا وثالثًا، قال: "بقى أن يقال: كيف يصح أن يقع ما ليس بفعل في المعنى مصدرًا، وهو المفعول الثاني والثالث؟ " ثم قال: "والجواب عنه أنه لم يكن مصدرًا باعتبار كونه زيدًا قائمًا، ولكن باعتبار كونه حديثًا مخصوصًا، فالوجه الذي صح الإخبار به عن الحديث إذا قلت: حدثني زيد عمرو منطلق، هو الذي صحح وقوعه مصدرًا". وقلت: ويمكن أن يقال: إن "حدثت وأخواتها" متعديات إلى مفعول واحد حقيقة، وجعلها متعديات إلى ثلاثة أو إلى اثنين تجوز أو تضمين؛ قال في "المفصل": "حدثت
[ ١٦ / ٥٣٩ ]
قلت: قد حذف أوّلهما، والثاني: (أخبارها)، وأصله تحدث الخلق أخبارها؛ إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيما لليوم.
فإن قلت: بم تعلقت الباء في قوله: (بِأَنَّ رَبَّكَ)؟
قلت: بتحدّث، معناه: تحدّث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث. ويجوز أن يكون المعنى: يومئذ تحدث بتحديث أنّ ربك أوحى لها أخبارها،
_________________
(١) أُجري مجرى أعلمت لموافقته له في معناه، فعُدي بتعديه". قال صاحب "الإقليد": "الأصل في أنبأ ونبأ، وأخبر وخبر، التعدي إلى مفعول واحد، نحو: أنبأت زيدًا بكذا، ثم حُذف الجار فيقال: أنبأته كذا، وفي التنزيل: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣]، أي: بهذا، ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]؛ فإذا عُديت إلى ثلاثة، فليس إلا لإجرائها مجرى أعلمت". فظهر أن سؤال المصنف مبني على هذا، وجوابه يدل عليه حيث صرح بقوله: "كأنه قيل: يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها؛ لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا". قوله: (إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار)، أي: الغرض في الآية هو المفعول الثاني لا الأول، لأن السورة مسوقة في هول القيامة، أي: يوم عظيم تحدث فيه الجمادات. قوله: (يومئذ تحدث بتحديث أن ربك أوحى لها أخبارها)، والظاهر أن الباء على هذا كالباء في قولك: لئن لقيت فلانًا، لتلقين به رجلًا متناهيًا في الخير. المعنى: يومئذ تحدث بتحديث أن ربك أوحى لها أخبارها المتناهية في بابها، فيكون من باب التجريد، ولذلك قال: "على أن تحديثها بأن ربك أوحى لها: تحديث بأخبارها"؛ قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]: "أراد
[ ١٦ / ٥٤٠ ]
على أن تحديثها بأن ربك أوحى لها: تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كل نصيحة، بأن نصحتني في الدين. ويجوز أن يكون (بِأَنَّ رَبَّكَ) بدلًا من (أَخْبارَها) كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها؛ لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا، و(أَوْحى لَها) بمعنى أوحى إليها، وهو مجاز كقوله: (أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)] يس: ٨٢ [قال:
أوحى لها القرار فاستقرّت
وقرأ ابن مسعود: (تنبئ أخبارها)، وسعيد بن جبير: تنبئ، بالتخفيف. يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف، (أَشْتاتًا) بيض الوجوه آمنين؛ وسود الوجوه فزعين. أو يصدرون عن الموقف أشتاتًا يتفرق بهم طريقا الجنة والنار،
_________________
(١) بالثاني الأول بعينه، أي: أخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقًا غليظًا، وعليه المثال: نصحتني بكل نصيحة، بأن نصحتني في الدين؛ جرد من النصحية في الدين النصيحة الكاملة، وعليه قول الشاعر: فأنالني كل المنى بزيارة كانت مخالسة كخطفة طائر فلو استطعت إذا خلعت على الدجى لتطول ليلتنا سواد الناظر قوله: (وهو مجاز)، أي استعار تمثيلية كما سبق في قوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾؛ شبه إرادة إظهار ما فيها من الأحوال بما يُلقى إلى المأمور، لإظهار ما يراد منه من سراعة الامتثال.
[ ١٦ / ٥٤١ ]
ليروا جزاء أعمالهم. وفي قراءة النبي ﷺ: (ليروا) بالفتح، وقرأ ابن عباس وزيد بن على: (يره) بالضم. ويحكى أنّ أعرابيا أخر (خَيْرًا يَرَهُ) فقيل له: قدّمت وأخرت؛ فقال:
خذا بطن هرشى أو قفاها فإنّه … كلا جانبي هرشى لهنّ طريق
والذرّة: النملة الصغيرة، وقيل: (الذرّ) ما يرى في شعاع الشمس من الهباء.
فإن قلت: حسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيئات المؤمن معفوّه باجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرّ من الخير والشر؟
قلت: المعنى فمن يعمل مثقال ذرّة خيرًا من فريق السعداء، ومن يعمل مثقال ذرّة شرًا من فريق الأشقياء؛ لأنه جاء بعد قوله: (يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا).
_________________
(١) ـ قوله: (خُذا بطن هَرشى) البيت، هَرشى: عقبة في طريق مكة قريبة من "الجُحفة" لها طريقات؛ يخاطب صاحبيه ويقول لهما: سيرا في بطن هذه الثنية أو في قفاها، فإن كلا الجانبين طريقًا للإبل، وهذا مثل فيما سهل الطريق من الجانبين. قيل: كان الأعرابي ظن أن التقديم والتأخير في هذا الموضع جائز وهو خطأ، فإنه غفل عن اللطائف القرآنية، ولا معنى لإيراد البيت في هذا المقام، فكان تركه أولى؛ لأن العناية منوطة بالخير، والشر عارض، قال القاضي في قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم: ٤٤ - ٤٥]: " ﴿لِيَجْزِيَ﴾ علة لـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾، والاقتصار على جزاء المؤمن للإشعار بأنه المقصود بالذات". قوله: (لأنه جاء بعد قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾، يعني: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ تفصيل للناس، وهم فريقان: السُّعداء والأشقياء، أي: الآية مختصة.
[ ١٦ / ٥٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الانتصاف: "سؤاله مبني على قاعدتين: إحداهما: أن حسنات الكافر مُحطبة بالكفر وفيه نظر؛ فإن أريد به أنها لا يثاب بها فصحيح، وأما تخفيف العذاب فغير مُسلم، وقد وردت فيه الأحاديث أن حاتمًا يُخفف الله عنه لكرمه، وفي حق أبي طالب وغيره، فلها أثر في تخفيف العذاب. وثانيتهما: أن اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر، فهو خلاف مذهب أهل السنة؛ فتكفير الصغائر بأحد أمرين، إما بالتوبة، وإما بمشيئة الله بالمغفرة؛ فهذا السؤال ساقط عندنا". وقال الإمام: "يجوز أن يقال: إن حسنات الكافر وإن كانت مُحبطة بكفره، لكن الموازنة معتبرة عندكم، فبقدر تلك الحسنات ينحط من عقاب كفره، وكذا القول في الجانب الآخر، فلا يكون ذلك قادحًا في عموم الآية". وقلت: الآية تحتمل معنيين: أن يراد بإحدى القرينتين السعداء وبالأخرى الأشقياء لتكرير الموصول، وأن يراد العموم في كل قرينة كما يقال: فمن يعمل مثقال ذرة من المؤمنين والكافرين خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة من المؤمنين والكافرين شرًا يره. وعلى الأول ورد كلام المصنف، وما روى محيي السنة والإمام عن محمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر، فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله، حتى يلقى الآخرة وليس له فيها خير. ومن يعمل مثقال ذرة من شر وهو مؤمن، كُفر ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله، حتى بلغ الآخرة وليس له فيها شر. لكن قصد المصنف في ذلك إدخال مرتكب الكبيرة في زمرة الكفار والأشقياء، لأن حسنات مرتكب الكبيرة محبطة به فلا يرى غير الشر، كما أن صغائر مجتنب الكبائر مكفرة به، فلا يرى غير الخير، يُعلم ذلك من سؤاله. وعلى الثاني ما رواه الواحدي عن مقاتل: فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرة خيرًا،
[ ١٦ / ٥٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يره يوم القيامة فيفرح به، وكذلك الشر فيراه في كتابه، فيسوؤه ذلك. وروى محيي السنة والإمام عن ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرًا كان أو شرًا، إلا أراه الله تعالى إياه؛ فأما المؤمن فتغفر له سيئاته ويُثيبه بحسناته، وأما الكافر فتُرد حسناته ويعذب بسيئاته. وهذا الاحتمال يساعده النظم والمعنى والأسلوب. أما النظم، فإن قوله ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ كما سبق، تفصيل لما عقب به من قوله ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، فيجب التوافق. والأعمال جمع مضاف يفيد الشمول والاستغراق، ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ مقيد بقوله ﴿أَشْتَاتًا﴾، فيفيد أنهم على طرائق شتى للنزول في منازلهم من الجنة والنار، بحسب أعمالهم المختلفة، ومن ثم كانت الجنة ذات درجات، والنار ذات دركات. وأما المعنى، فإنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وأما الأسلوب، فإنها من الجوامع الحاوية لفوائد الدين أصولًا وفروعًا، روينا عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة: سُئل رسول الله؟ عن الحمر، فقال: لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة، فتلاها. قوله: عن الحُمر، أي: عن صدقة الحُمر. والفاذة: أي المنفردة في معناها؛ فذ الرجل عن أصحابه إذا شذ عنهم. وروى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق، أنه
[ ١٦ / ٥٤٤ ]
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة (إذا زلزلت) أربع مرات، كان كمن قرأ القرآن كله».
_________________
(١) أتى النبي ﷺ، فقرأ الآية، فقال: حسبي، لا أبالي أن لا أسمع غيرها. وفي "الحقائق": قيل لبعض الحكماء: عظ، فتلا الآية. فقال السائل: فقد انتهيت الموعظة. قوله: (من قرأ [سورة] ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أربع مرات، روينا عن الترمذي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله؟: "من قرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ عُدلت له بنف القرآن". تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٥٤٥ ]