مكية، وهي تسع وأربعون، وقيل: ثمان وأربعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿وَالطُّورِ * وكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * والْبَيْتِ المَعْمُورِ * والسَّقْفِ المَرْفُوعِ * والْبَحْرِ المَسْجُورِ * إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِن دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وتَسِيرُ الجِبَالُ سَيْرًا﴾ ١ - ١٠]
الطور: الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين. والكتاب المسطور في الرق المنشور - والرق: الصحيفة. وقيل: الجلد الذي يكتب فيه - الكتاب الذي تكتب فيه الأعمال
_________________
(١) سورة الطور مكية وهي تسع وأربعون آية، وقيل: ثمان وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (الكتاب الذي تكتب فيه الأعمال)، خبر للموصوف والصفة، وهي قوله: "والكتاب المسطور في الرق المنشور"، وما بينهما تفسير للرق، قد اعترض بينهما، وعن بعضهم: "والكتاب" مبتدأ، "والمسطور" خبر له، والأول أقرب.
[ ١٥ / ٤١ ]
قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] وقيل: هو ما كتبه الله لموسى وهو يسمع صرير القلم. وقيل: اللوح المحفوظ. وقيل: القرآن، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب، كقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧].
﴿والْبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ الضراح في السماء الرابعة. وعمرانه: كثرة غاشيته من الملائكة. وقيل: الكعبة لكونها معمورة بالحجاج والعمار والمجاورين.
_________________
(١) ـ قوله: (ونكر لأنه كتاب مخصوص)، يعني قيل: "كتاب" نكرة، وهو أعرف المعارف وأشهرها ليدل على اختصاصه من جنس الكتب بأمر تميز به من سائرها. قال في قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] نفسًا خاصة من بين النفوس، وهي نفس آدم ﵇، كأنه قيل: وواحدة من النفوس. وقريب منه ما سيجيء بعيد هذا؛ أن المتقين في جنات ونعيم، أي: في جنات مخصوصة بهم، خلقت لهم خاصة. وأنشد ابن جني: أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم وقال هذا كقوله: أمير المؤمنين على الصراط المستقيم، لا فرق بينهما، وعليه قوله تعالى: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨] أي: هديناهم من نعمتنا عليهم، ونظرنا لهم صراطًا مستقيمًا. قوله: (الضراح في السماء الرابعة)، النهاية: الضراح: بيت في السماء حيال الكعبة، ويروى: الضريح، وهو البيت المعمور؛ من المضارحة، وهي المقابلة والمضارعة، وبالصاد المهملة مصحف.
[ ١٥ / ٤٢ ]
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ السماء، ﴿والْبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ المملوء. وقيل: الموقد، من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦].
وروي أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها نار تسجر بها نار جهنم.
وعن علي ﵁ أنه سأل يهوديًا: أين موضع النار في كتابكم؟ قال: في البحر. قال علي: ما أراه إلا صادقًا، لقوله تعالى: ﴿والْبَحْرِ المَسْجُورِ﴾.
﴿لَوَاقِعٌ﴾ لنازل.
قال جبير بن مطعم: أتيت رسول الله ﷺ أكلمه في الأسارى فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة الطور، فلما بلغ ﴿إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ أسلمت خوفًا من أن ينزل العذاب.
_________________
(١) وفي الصحيحين في حديث الإسراء: أن البيت المعمور في السماء السابعة. قوله: (ما أراه إلا صادقًا)، قلت: ومصداقه أيضًا ما رويناه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تركب البحر إلا حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا". أخرجه أبو داود، وفي هذا الحديث إشارة إلى أن راكبه متعرض للآفات المهلكة والفتن المغرقة، إحداها وراء الأخرى، وفيه: أن اختيار ذلك لغرض من الأغراض الفانية سفه وجهل، لأن فيه تلف النفس، وبذل النفس لا يحمد إلا فيما يقرب العبد إلى الله.
[ ١٥ / ٤٣ ]
﴿تَمُورُ السَّمَاءُ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب. وقيل: المور: تحرك في تموج، وهو الشيء يتردد في عرض، كالداغصة في الركبة.
[﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١١ - ١٦]
غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥]، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] الدع: الدفع العنيف،
_________________
(١) قوله: (ومار الشيء: تردد في عرض)، الأساس: الدم يمور على وجه الأرض إذا انصب وتردد عرضًا. الراغب: المور: الجريان السريع: يقال: مار يمور مورًا، ومار الدم على وجهه، والمور: الترب المتردد به الريح، والناقة تمور في سيرها، وهي موارة. قوله: (كالداغصة)، الأساس: سمن حتى كأنه داغصه، وهي العظم الذي يموج في الركبة الداغصة، بالغين المعجمة والصاد المهملة. قوله: (غلب الخوض في الاندفاع في الباطل، الخوض في الأصل: الشروع في الماء والمرور فيه، ومستعار في الأمور.
[ ١٥ / ٤٤ ]
وذلك أن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعونهم إلى النار دفعًا على وجوههم، وزخا في أقفيتهم. وقرأ زيد بن علي: (يدعون) من الدعاء، أي يقال لهم: هلموا إلى النار، وادخلوا النار ﴿دَعًا﴾ مدعوعين، يقال لهم: هذه النار.
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ يعني كنتم تقولون للوحي: هذا سحر، أفسحر هذا؟ يريد: أهذا المصداق أيضًا سحر؟ ودخلت الفاء لهذا المعنى.
﴿أَمْ أَنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ كما كنتم لا تبصرون في الدنيا، يعني: أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عميًا عن الخبر، وهذا تقريع وتهكم، ﴿سَوَاءٌ﴾ خبر محذوف، أي: سواء عليكم الأمران: الصبر وعدمه.
فإن قلت: لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله: ﴿إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟
_________________
(١) روي عن المصنف أنه قال: "الخوض" في المعاني من الغالبة، فإنه يصلح للخوض في كل شيء، إلا أنه غلب في الباطل، ونظيره في الأسماء الغالبة: دابة، غلبت في ذوات الأربع، والقوم: في الرجال. قوله: (مدعوعين)، الأساس: دع اليتيم: دفعه بجفوة، ودعدع المكيال: حركه حتى يكتنز. و﴿دّعًّا﴾ على هذه القراءة: حال، وعلى الأول: مفعول مطلق. قوله: (أهذا المصداق أيضًا سحر؟) قيل: المصداق هو الشيء الذي يعرف به الصدق، والعذاب في الآخرة، وغير ذلك من أحوال القيامة، مما يعد من مصداق قول الأنبياء ﵈. قوله: (ودخلت الفاء لهذا المعنى)، عن بعضهم أي: تعقبت للمقدر، وهو: هذا سحر؟ ! وقلت: هذه الفاء تقتضي معطوفًا عليه، وهو مقدر دل عليه مضمون قوله: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ فدخلت الهمزة بين المعطوفين لمزيد من التقريع والتهكم، فإنه لما قيل:
[ ١٥ / ٤٥ ]
قلت: لأن الصبر غنما يكون له مزية على الجزع، لنفعه في العاقبة بأن يجازي عليه الصابر جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع.
[﴿إنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ونَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ووَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الجَحِيمِ * كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ١٧ - ٢٠]
_________________
(١) ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ عقب بقوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ يعني: هذا المصداق أيضًا سحر؟ ! أي: كنتم تقولون للقرآن الذي أنذركم هذه النار: هذا سحر، فتقولون: سحر هذا أيضًا! ! فالمشار إليه بهذا: النار، وذكر لأنه في تأويل المصداق، أو الخبر مذكر وقدم الخبر لإفادة الاختصاص تتميمًا للتقريع، ثم قرر المعنى بقوله: ﴿أَمْ أَنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أي: هذا أيضًا لا تبصرون، كما كنتم لا تبصرون ما يدل على هذا، وقلتم: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥]، و"أم" في ظاهر كلام المصنف منقطعة حيث قال: "أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عميًا عن الخبر"، أي: بل أنتم عمي عن المخبر عنه، وهذا تقريع وتهكم. وفي "التفسير الكبير": هل لأمرنا شك، أم هل في بصركم خلل، أي: لا واحد منهما ثابت، فجعلها معادلة. وقال صاحب "الكشف": ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾، كلام تام من مبتدأ وخبر، ثم قال: ﴿أَمْ أَنتُمْ﴾، أي: بل أنتم ﴿لا تُبْصِرُونَ﴾. قوله: (لأن الصبر)، أي: إنما علل استواء الصبر وعدمه بقوله: ﴿إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ
[ ١٥ / ٤٦ ]
﴿فِي جَنَّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ في أية جنات وأي نعيم! ! بمعنى الكمال في الصفة. أو في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين، خلقت لهم خاصة. وقرئ: ﴿فَاكِهِينَ﴾ و(فكهين) و(فاكهون)؛ من نصبه حالًا جعل الظرف مستقرًا، ومن رفعه خبرًا جعل الظرف لغوًا، أي: متلذذين ﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾.
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ووَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾؟
قلت: على قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾، أو على ﴿آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ على أن تجعل (ما) مصدرية؛ والمعنى: فاكهين بإيتائهم ربهم ووقايتهم عذاب الجحيم. ويجوز أن تكون الواو للحال و"قد" بعدها مضمرة. يقال لهم: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ أكلًا وشربًا ﴿هَنِيئًا﴾ أو طعامًا وشرابًا هنيئًا، وهو الذي لا تنغيص فيه.
_________________
(١) تَعْمَلُونَ﴾ لأن قوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ دل على تناهي العذاب، وأنه بلغ إلى أن الصبر والجزع لا ينفعان البتة. كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] فإنه دل على تصميمهم على الكفر، وعدم ارعوائهم. قوله: (جعل الظرف مستقرًا)، يعني: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ خبر لـ ﴿إِنَّ﴾، و﴿فَاكِهِينَ﴾ حال من ضمير الاستقرار، إذا قرئ منصوبًا، وإذا قرئ مرفوعًا كان هو الخبر، و﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ متعلق به، فالظرف لغو. قوله: (على أن تجعل "ما" مصدرية)، أي: إذا عطف ﴿ووَقَاهُمْ﴾ على ﴿آتَاهُمْ﴾ لا يجوز أن تكون ما موصولة، لفقدان العائد من الجملة المعطوفة، إذ التقدير: فاكهين بالذي آتاهم الله إياه، وبالذي وقاهم ربهم عذاب الجحيم، وليس في الجملة الثانية عائد إلى الموصول؛ لأن "وقاهم" أخذ كلا مفعوليه، بخلاف ﴿آتَاهُمْ﴾.
[ ١٥ / ٤٧ ]
ويجوز أن يكون مثله في قوله:
هنيئًا مريئًا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت
أعني: صفة استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل، مرتفعًا به ما استحلت كما يرتفع بالفعل، كأنه قيل: هنأ عزة المستحل من أعراضنا، وكذلك معنى ﴿هَنِيئًا﴾ هاهنا: هنأكم الأكل والشرب. أو هنأكم ما كنتم تعلمون؛ أي: جزاء ما كنتم تعلمون. والباء مزيدة كما في ﴿كَفَى بِاللهِ﴾ [الرعد: ٤٣] والباء متعلقة بـ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ إذا جعلت الفاعل الأكل والشرب. وقرئ: (بعيس عين).
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون مثله)، أي: لا يكون ﴿هَنِيئًا﴾ صفة مصدر محذوف، بل يكون من المصادر التي حذف عاملها، وأقيمت مقامه، وفاعله الأكل، أو ﴿بِمَا كُنتُمْ﴾، على أن الباء زائدة كما في البيت، لأن "ما استحلت" فال "هنيئًا مريئًا"، والهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغًا لا تنغص فيه. وقال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]: مصدر جاء على "فعيل"، وهو نعت لمصدر محذوف، أي: أكلًا هنيئًا، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهاء في ﴿فَكُلُوهُ﴾، أي: مهنأ. قوله: (والباء متعلقة بـ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾، أي: هناكم الأكل والشرب بسبب عملكم. قوله: (وقرئ: "بعيس عين")، قال ابن جني: وهي قراءة عبد الله وإبراهيم، المرأة العيساء: البيضاء، ومثله: جمل أعيس، وناقة عيساء.
[ ١٥ / ٤٨ ]
[﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ومَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَاسًا لاَّ لَغْوٌ فِيهَا ولا تَاثِيمٌ * ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ ٢١ - ٢٤]
﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوف على "حور العين" أي: قرناهم بالحور وبالذين آمنوا، أي: بالرفقاء والجلساء منهم، كقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمؤانسة الإخوان المؤمنين.
(وأتبعناهم ذرياتهم) قال رسول الله: "إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه" ثم تلا هذه الآية. فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، ومزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم. ثم قال: ﴿بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: بسبب إيمان عظيم رفيع المحل -وهو إيمان الآباء- ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضلًا عليهم وعلى آبائهم، لنتم سرورهم، ونكمل نعيمهم.
فإن قلت: ما معنى تنكير الإيمان؟
قلت: معناه: الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة
_________________
(١) قوله: (بسبب إيمان عظيم رفيع المحل -وهو إيمان الآباء_ ألحقنا بدرجاتهم)، روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن علي ﵁ عن خديجة ﵂ عن رسول الله ﷺ، قال: "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار"، ثم قرأ رسول الله ﷺ الآية. قوله: (الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة)، تكرير لما علم من قوله: "عظيم
[ ١٥ / ٤٩ ]
ويجوز أن يراد: إيمان الذرية الداني المحل، كأنه قال: بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم.
وقرئ: (وأتبعتهم ذريتهم)، ﴿واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم﴾، و(ذرياتهم)، وقرئ: (ذرياتهم) بكسر الذال. ووجه آخر، وهو أن يكون ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، خبره: ﴿بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، وما بينهما اعتراض.
_________________
(١) المحل" هذا المعنى، فيكون السؤال مستدركًا، لعله سأل ليجيب بما يعلم منه، هذا مع شيء آخر، وهو أن التنكير يحتمل التقليل أيضًا نحوه مر في أول البقرة: "هل لهذه الفواتح محل من الإعراب، بعد ما علم إعرابها من وجه"؟ فأجاب بمثل هذا الجواب. قوله: (بشيء من الإيمان)، والتنكير حينئذ للتقليل والتحقير، فوازن اعتبار التنكير في "إيمان" هاهنا بسبب الاحتمالين وزان الحاجبين في قول الشاعر: له حاجب في كل أمر يشينه وليس له عن طالب العرف حاجب قوله: ("وأتبعتهم ذريتهم"، ﴿واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم﴾)، "وأتبعناهم" بقطع الألف وإسكان التاء وألف بعد النون: أبو عمرو، والباقون: بالوصل وفتح التاء والعين بالتوحيد، وفتح التاء والعين وتاء ساكنة بعد العين. وقرأ أبو عمرو وابن عامر: "ذرياتهم بإيمان" الجمع، وضم ابن عامر التاء، وكسرها أبو عمرو، والباقون بالتوحيد وفتح التاء. قوله: (ووجه آخر، وهو: أن يكون ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، خبره: ﴿بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾)
[ ١٥ / ٥٠ ]
﴿ومَا أَلَتْنَاهُم﴾ وما نقصناهم. يعني: وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب والتفضل، وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء. وقيل معناه: وما نقصناهم من ثوابهم شيئًا نعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم، إنما ألحقناهم
_________________
(١) وهو عطف على قوله: " ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾، معطوف على (حور عين"، والتقدير: والذين آمنوا ألحقنا بهم ذريتهم بسبب إيمانهم. وقال أبو البقاء: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾ وهو الخبر، ويجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير: وأكرمنا الذين. وكذا عن صاحب "الكشف"، وقال: أزيدًا مررت به؟ أجزت زيدًا؟ والباء في ﴿بِإيمَانٍ﴾ حال، إما من الفاعل أو المفعول أو منهما جميعًا. وقلت: على أن يكون ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مرفوعًا على الابتداء، تكون الآيات بأسرها معطوفة على جملة: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾، ويكون هؤلاء غير المتقين من عوام المؤمنين، ومن يتصل بهم ليشمل طوائف المؤمنين أجمعين، وعلى تقدير النصب يحتمل أن يكونوا أولئك، كرر ليناط به أمر آخر وهو إلحاق ذرياتهم إلى درجاتهم، كرامة لهم لتقر به أعينهم، وتكون صلة الموصول علة للإلحاق. قوله: (﴿ومَا أَلَتْنَاهُم﴾، ابن كثير: بكسر اللام، والباقون: بفتحها، قال الزجاج: "ما ألتناهم": ما نقصناهم، يقال: ألته يألته ألتًا، ويقال: لاته يليته ليتًا: نقصه وصرفه عن الشيء.
[ ١٥ / ٥١ ]
بهم على سبيل التفضل. قرئ: ﴿أَلَتْنَاهُم﴾ وهو من بابين: منك ألت يألت، ومن: ألات يليت، كأمات يميت. و(آلتناهم)، من: آلت يؤلت، كآمن يؤمن. و(لتناهم)، من: لات يليت. و(ولتناهم)، من: ولت يلت. ومعناهن واحد.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: مرهون، كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحًا فكها وخلصها، وإلا أوبقها.
_________________
(١) وقال ابن جني: قرأ الأعرج: "آلتناهم" على: أفعلناهم، وقرأ عبد الله وأبي: "وما لتناهم"، وابن عباس كان يقول: و"أتناهم": نقصناهم، يقال ألته يألته ألتًا، وقالوا: ولته يلته: إذا صرفه عن شيء يريده، وقالوا: ألته يألته باليمين: إذا غلظ عليه بها، وآلته يؤلته: إذا قلده إياها. قوله: (فإن عمل صالحًا فكهًا وخلصها وإلا أوبقها)، ونظيره ما رويناه عن مسلم والترمذي عن أبي مالك الأشعري: "كل الناس يغدو؛ فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها". وفي "مسند أحمد بن حنبل" عن جابر أن النبي ﷺ: قال لكعب بن عجرة: "إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب بن عجرة، الناس غاديان؛ فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها". الرهن: ما يوضع وثيقة للدين، والرهان مثله، وقد يستعمل الثاني فيما فيه الإخطار، وأصلهما مصدران، يقال رهنت رهنًا، وراهنته رهانًا، فهو رهين ومرهون.
[ ١٥ / ٥٢ ]
﴿وأَمْدَدْنَاهُم﴾ وزدناهم في وقت بعد وقت.
﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتعاطون ويتعاورون، وهم وجلساؤهم من أقربائهم وإخوانهم، ﴿كَاسًا﴾: خمرًا، ﴿لاَّ لَغْوٌ فِيهَا﴾: في شربها، ﴿ولا تَاثِيمٌ﴾ أي: لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث، وما لا طائل تحته، كفعل المتنادمين في الدنيا على الشراب، في سفههم وعربدتهم، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله، أي: ينسب إلى الإثم لو فعله في دار التكليف من الكذب والشتم والفواحش، وإنما يتكلمون بالحكم والكلام الحسن متلذذين
_________________
(١) فإن قلت: كيف اتصال ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ بما قبله؟ قلت: هو متصل به على وجه التتميم، إن فسرت الآيات من قوله: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ بجملتها باتصال الثواب والجزاء إليهم تفضلًا، فإنه لما قيل: "وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب، وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء"، كما قال؛ علم أنهم فكوا رقابهم عما كانت مرهونة به من الكسب، فقيل: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي حالهم كيت وكيت، وغيرهم غير مفكوك بما كسبت، ونحوه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾، أو يقال: هو استئناف، فإنه لما قيل: ما نقصناهم من ثوابهم شيئًا تعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم على سبيل التفضل، قيل: لم كان الإلحاق تفضلًا؟ فقيل: لأن كل امرئ بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بهم بسببه، فألحقوا بهم تفضلًا. أو يقال: إنه لما قيل: ﴿بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، يعني بسبب إيمان الآباء ألحقنا بهم الذريات كرامة للآباء لا لشيء آخر، ودل على الاختصاص تقديم ﴿بِإيمَانٍ﴾ على ﴿أَلْحَقْنَا﴾، قيل: لم اختص الإلحاق بإيمان الآباء؟ قيل: لأن كل امرئ بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم كسب، فلم يكن سبب الفك إلا ذلك التفضل لا يفارق الوجوه.
[ ١٥ / ٥٣ ]
بذلك، لأن عقولهم ثابتة غير زائلة، وهم حكماء علماء. وقرئ: ﴿اَّ لَغْوٌ فِيهَا ولا تَاثِيمٌ﴾.
﴿غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ أي: مملوكون لهم مخصوصون بهم، ﴿مَّكْنُونٌ﴾ في الصدف، لأنه رطبًا أحسن وأصفى. أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة. وقيل لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب"، وعنه ﵊: "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه: لبيك لبيك".
[﴿وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ووَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ٢٥ - ٢٨]
_________________
(١) قوله: ﴿لاَّ لَغْوٌ فِيهَا﴾، كلهم سوى ابن كثير وابن عامر. قوله: (لأنه رطبًا أحسن وأصفى)، "رطبًا" حال من الضمير في "أحسن"، قال صاحب "اللباب": في قوله: هذا يسرًا أطيب منه رطبًا، الأصح أن العامل في "يسرًا": "أطيب"، وعمله في الأول عمل الفعل الصريح، ولهذا تقدمه، وفي الثاني عمل المعنى، وقال في تفسيره: "يسرًا": حال من الفاعل المستكن في "أطيب"، واسم التفضيل يعمل في الضمير المستكن فيه عمل الفعل من غير خلاف، فكذا يعمل فيما هو حال عنه، "ورطبًا" حال من الضمير المجرور المتصل بـ"من"، وإنما عمل فيه "أفعل" باعتبار أنه تضمن الزيادة، فلذا جيء بـ"من"، فليس هذا كعمل فعله، لأن فعله لا يعدى بـ"من"، وإنما هو كعمل المعنى في الظرف.
[ ١٥ / ٥٤ ]
﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يتحادثون ويسأل بعضهم بعضًا عن أحواله وأعماله، وما استوجب به نيل ما عند الله، ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله. وقرئ: (ووقانا) بالتشديد.
﴿عَذَابَ السَّمُومِ﴾: عذاب النار ووهجها ولفحها. والسموم: الريح الحارة التي تدخل المسام. فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة، ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه، يعنون في الدنيا، ﴿نَدْعُوهُ﴾: نعبده ونسأله الوقاية، ﴿إنَّهُ هُوَ البَرُّ﴾: المحسن، ﴿الرَّحِيمُ﴾: العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب. وقرئ: ﴿أَنَّهُ﴾ بالفتح، بمعنى: لأنه.
[﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ٢٩]
﴿فَذَكِّرْ﴾ فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم، ولا يثبطنك قولهم: كاهن أو مجنون، ولا تبال به فإنه قول باطل متناقض؛ لأن الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى على عقله. وما أنت بحمد الله وإنعامه عليك بصدق النبوة ورجاجة العقل أحد هذين.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "أنه" بالفتح)، نافع والكسائي. قوله: (وما أنت بحمد الله) أشار به إلى أن "نعمة ربك" حال متقدم على عاملها، وهو "كاهن أو مجنون"، والباء الزائدة لا تمنع من العمل، والحال معمول العامل المنفي، كذا صرح في سورة النون. المعنى: ما أنت بكاهن كاذب منعمًا عليك، بل أنت بحمد الله نبي صادق منعمًا عليك، ولا أنت بمجنون منعمًا عليك، بل أنت لحصافة العقل والشهامة بمكان. فإنك إذا قلت: الفعل المنفي بقيد مخصوص لزم منه إثبات فعل مضاد له، مقيدًا بذلك القيد، نحو قوله:
[ ١٥ / ٥٥ ]
[﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكُم مِّنَ المُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَامُرُهُمْ أَحْلامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ * فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إن كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَاتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * أَمْ لَهُ البَنَاتُ ولَكُمُ البَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣٠ - ٤٣]
وقرئ: (تتربص به ريب المنون) على البناء للمفعول. وريب المنون: ما يقلق النفوس
_________________
(١) على لا حب يهتدى بمناره على أحد وجهيه وهو أن يكون هناك منار، لكن لا يهتدى به، بل يضل لسببه لعمهه. ويمكن أن يكون ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ قسمًا اعترضت بين اسم "ما" وخبره، ونظيره في الإقسام بالنعمة قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧]. أي: أقسم بإنعامك علي بالمغفرة. قوله: (وريب المنون: ما يقلق النفوس) إلى آخره، فيه أن "المنون" بمعنى الدهر،
[ ١٥ / ٥٦ ]
ويشخص بها من حوادث الدهر. قال:
أمن المنون وريبه تتوجع
وقيل: المنون: الموت، وهو في الأصل فعول؛ من منه: إذا قطعه؛ لأن الموت قطوع؛
_________________
(١) قال الواحدي: ينتظر به حدثان الموت وحوادث الدهر، المنون يكون بمعنى الدهر وبمعنى المنية. قوله: (ويشخص بها). يقال للرجل إذا ورد عليه أمر أقلقه: شخص به. قوله: (أمن المنون) وتمامه: والدهر ليس بمعتب من يجزع بمعتب: بمرضي، الأساس: استعتبه: استرضاه، وفي معناه قول القائل: عن الدهر فاصفح إنه غير معتب وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع قوله: (وقيل: المنون: الموت)، الراغب: رابني كذا وأرابني، فالريب أن يتوهم بالشيء أمرًا ما، فينكشف عما يتوهمه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] والإرابة أن: يتوهم فيه أمرًا فلا ينكشف عما يتوهمه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وريب الدهر: صروفه، وإنما قيل: "ريب" لما يتوهم فيه من المنكر. وقوله: ﴿نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾، سماه ريبًا لأنه يشكك في كونه، بل من حيث تشكك في
[ ١٥ / ٥٧ ]
ولذلك سميت: شعوب، قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء؛ زهير والنابغة.
﴿مِّنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي.
﴿أَحْلامُهُم﴾ عقولهم وألبابهم. ومنه قولهم: أحلام عاد. والمعنى: أتأمرون أحلامهم بهذا التناقض في القول، وهو قولهم: كاهن وشاعر، مع قولهم: مجنون
_________________
(١) وقت حصوله، فالإنسان أبدًا في ريب المنون من جهة وقته، لا من جهة كونه، ولهذا قال الشاعر: الناس قد علموا أن لا بقاء لهم لو أنهم عملوا مقدار ما علموا والريبة اسم من الريب، قال تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠] أي: يدل على دغل وقلة يقين منهم. قوله: (ولذلك سميت: شعوب)، الضمير للموت وأنث بتأويل المنية. الجوهري: سميت المنية شعوب، لأنها تفرق، وهي معرفة لا يدخلها الألف واللام. قوله: (أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض [في القول]، وهو قولهم: كاهن وشاعر، مع قولهم: مجنون)، يريد: أن "أم" في هذه الآيات منقطعة، والهمزة فيها للتقريع والتوبيخ، وبل في ﴿أَمْ تَامُرُهُمْ﴾ إضراب عن جميع ما حكي عن القوم من الطعن في رسول الله ﷺ، ذكر أولًا، فذكر ﴿فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾، ردًا لقولهم: هو كاهن أو مجنون تسليًا له وتثبيتًا، ثم ترقى إلى قولهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يعني: دعوا عن القول بأنه كاهن أو مجنون، بل هو شاعر نتربص به ريب المنون، لأن الشعراء كانوا عندهم أعظم حالًا من الكاهن،
[ ١٥ / ٥٨ ]
وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي.
﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق لهم.
_________________
(١) أي: ننتظر به نوائب الزمان، فيهلك كما هلك امرؤ القيس وعنترة، وزهيرهم وغيرهم، فأضرب الله تعالى عن جميع ذلك بقوله: ﴿أَمْ تَامُرُهُمْ أَحْلامُهُم﴾ فنسبهم إلى السفه والجهل، والقول بالتناقض، ثم ترقى إلى قوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: ليسوا بجاهلين، أي أنهم أرباب النهى والأحلام، بل طغيانهم ومجاوزتهم الحد في العناد هو الذي حملهم على ذلك القول بالتناقض. وأما قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ فهو متصل بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ أي ليس بكاهن ولا شاعر، بل هو مفتر على الله، مختلق من تلقاء نفسه، فرد بما يناسبه من قوله: ﴿بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنه أجمع من نسبتهم إلى السفه والطغيان، أي أنهم ممن حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون البتة، وهم من الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، ثم بنى الكلام على نسبتهم الافتراء والتقول إليه، دفعًا للتهمة وإزالة للشبهة، وقال: ﴿فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في أنه تقول وافتراء. ولما فرغ من ذلك النوع من الإضرابات، وهو طعنهم في حق رسول الله ﷺ، عقبه بنوع آخر منها، وهو ما اشتمل على الرد فيما لزم منه الطعن في جلال الله وعلو كبريائه، من إثبات الشريك واتخاذ الولد، وترك الناس سدى، والطعن في رسله وهو قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ﴾ إلى آخره، مزيدًا للتسلي والتثبيت لرسوله ﷺ، يعني: كما طعنوا فيك طعنوا في خالقهم، ألا ترى كيف ختم السورة بقوله: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾؟ ! قوله: (وكانت قريش يدعون أهل الأحلام)، روي عن الجاحظ أنه قال: لا يكمل عقل الإنسان إلا بالمسافرة والمخالطة وزيارة البلاد المختلفة، ومصاحبة الأخلاق المتباينة، وقريش
[ ١٥ / ٥٩ ]
فإن قلت: ما معنى كون الأحلام آمرة؟
قلت: هو مجاز لأدائها إلى ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَصَلَاتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧].
وقرئ: (بل هم قوم طاغون).
﴿تَقَوَّلَهُ﴾: اختلقه من تلقاء نفسه، ﴿بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذا المطاعن، مع علمهم ببطلان قولهم، وانه ليس بمتقول لعجز العرب عنه، وما محمد إلا واحد من العرب. وقرئ (بحديث مثله) على الإضافة، والضمير لرسول الله ﷺ، ومعناه: أن مثل محمد في فصاحته ليس بمعوز في العرب، وإن قدر محمد على نظمه كان مثله قادرًا عليه، فليأتوا بحديث ذلك المثل.
_________________
(١) في أماكنهم لا يفعلون شيئًا من هذا، وهم أعقل من الكل، وما كان ذلك إلا أن جميع العالم يأتونهم ويخالطونهم، فيحصل غرضهم بدون مشقة. قوله: (كقوله: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾)، أي: كما قال قوم شعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ﴾، قال: جاز الصلاة أن تكون آمرة على طريق المجاز، كما كانت ناهية في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ كذا، لما كان مؤدى عقولهم السخيفة، ذلك القول بالتناقض جعلت آمرة على الاستعارة المكنية. قوله: (وقرئ: "بل هم قوم طاغون")، قال ابن جني: قرأها مجاهد، وقراءة الجماعة: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، هذا هو الموضع الذي يقول أصحابنا فيه: إن "أم" المنقطعة بمعنى "بل" للترك والتحول، لأن بعد "بل" متيقن وبعد "أم" مشكوك فيه مسؤول عنه. قوله: (ليس بمعوز في العرب)، الأساس: هذا شيء معوز: عزيز لا يوجد.
[ ١٥ / ٦٠ ]
﴿أَمْ خُلِقُوا﴾ أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم، ﴿مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ من غير مقدر، ﴿أَمْ هُمُ﴾ الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق، ﴿بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: إذا سئلوا: من خلقكم وخلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، وهم شاكون فيما يقولون، لا يوقنون. وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟ وقيل: أخلقوا من غير أب وأم؟
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ﴾ الرزق حتى يرزقوا النبوة من شاؤوا؟ أو: أعندهم خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختياره حكمة ومصلحة؟ "أم هم المسيطرون": الأرباب الغالبون، حتى يدبروا أمر التربوية ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم؟ وقرئ ﴿المُصَيْطِرُونَ﴾ بالصاد.
_________________
(١) قوله: ("المسيطرون" الأرباب الغالبون)، الراغب: يقال: سيطر فلان على كذا، وتسيطر عليه: إذا قام عليه قيام سطر، واستعمال المسيطر هاهنا كاستعمال القائم في قوله ﷿: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ وإلى هذا المعنى أشار المصنف: "ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم". قوله: (وقرئ: ﴿المُصَيْطِرُونَ﴾ بالصاد) قنبل وحفص وهشام: بالسين، وحمزة بخلاف:، وابن خلاد: بين الصاد والزاي، والباقون: باضاد خاصة. قال الزجاج: "المسيطرون": الأرباب المتسلطون، يقال: تسيطر علينا بالسين والصاد، والأصل السين. وقال أبو علي: ليس هذا البناء بناء تحقير، لكن الياء في مثل الواو في حوقل، فكما تقول: حوقل، كذلك مسيطر ومبيطر، لإلحاقهما جميعًا بمدحرج ومسرهف.
[ ١٥ / ٦١ ]
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ منصوب إلى السماء يستمعون، صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم، وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون؟
﴿بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم.
_________________
(١) الجوهري: حوقل الشيخ حوقلة: إذا كبر وفتر عن الجماع، سرعفت الصبي: إذا أحسنت غذاءه، وكذلك سرهفته. قوله: (حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم)، قلت: هذا التأويل إن كان ينظر إلى قوله: ﴿نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ لكن لا يلتئم مع قوله: ﴿أَمْ لَهُ البَنَاتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾، والأوفق لتأليف النظم ما قاله الواحدي: المعنى: أم لهم مرقى ومصعد إلى السماء يستمعون أن ما هم عليه حق، فليأت مستمعهم بحجة واضحة على تلك الدعوى؟ وبيان ذلك أن الكلام من لدن قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ إلى آخر: ﴿أَمْ لَهُ البَنَاتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ في الإلهيات مدمج فيها أمر النبوات، فقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ﴾ معناه ما نقل الواحدي عن الزجاج: أم خلقوا باطلًا لا يحاسبون ولا يؤمرون، وعن ابن كيسان: هم خلقوا عبثًا، وتركوا سدى، لا يؤمرون ولا ينهون، ثم ترقى إلى قوله، ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ﴾ يعني: أن السماوات والأرض ليسا من خلقهم، حتى يكون خلقهما باطلًا وعبثًا، ﴿بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أنا خلقناهم بالحق، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] أي: خلقناهما مساكن المكلفين وأدلة على المعرفة ووجوب الطاعة، ثم أضرب عنه إلى بيان ما هو تأسيس العبادة بقوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ أي: مفاتيحه بالرسالة يضعونها حيث شاؤوا، ثم إلى ما هو أعلى منه، بقوله: ﴿أَمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ أي: الأرباب المتسلطون، فلا يكونون تحت أمر الله ونهيه وطاعة رسوله
[ ١٥ / ٦٢ ]
المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه، أي: لزمهم مغرم ثقيل فدحهم فزهدهم ذلك في اتباعك؟
﴿أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ﴾: أي اللوح المحفوظ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ما فيه حتى يقولوا لا نبعث، وإن بعثنا لم نعذب، ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهم كيدهم في دار الندوة برسول الله ﷺ وبالمؤمنين،
_________________
(١) يفعلون ما شاؤوا، ثم إلى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ ومعناه ما عليه كلام الواحدي، أي: يستمعون الوحي فيعلمون أن ما هم عليه حق وصدق، وما عليه غيرهم باطل وزور، ثم أضرب عنه بقوله: ﴿أَمْ لَهُ البَنَاتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ يعني: قد كشف من محضكم وتبين من صدقكم وحقكم هذه الهناة، وهي نسبتكم إلى الله ﷿ ما هو منزه عنه، وجعلتم له أدون الجنسين، وما إن نسب إلى بعضكم ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، والله أعلم. قوله: (المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه)، الراغب: المغرم: ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية، يقال: غرم كذا غرمًا ومغرمًا وأغرم فلان غرامة، قال تعال: ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. قوله: (فدحهم) أي: أثقلهم، فدحه الدين: أثقله. الراغب: الثقل والخفة متقابلان، فكل ما يترجح على ما يوزن به أو يقدر به، يقال: هو ثقيل، وأصله في الأحسام، ثم يقال في المعاني: نحو أثقله الغرم والوزو، قال تعالى: ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. قوله: (﴿الغَيْبُ﴾ أي: اللوح المحفوظ)، يريد: أن الغيب بمعنى الغائب.
[ ١٥ / ٦٣ ]
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إشارة إليهم، أو أريد بهم كل من كفر بالله ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم، ويحيق بهم مكرهم. وذلك أنهم قتلوا يوم بدر. أو المغلوبون في الكيد، من كايدته فكدته.
[﴿وإن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ * فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ولا هُمْ يُنصَرُونَ * وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤٤ - ٤٧]
الكسف: القطعة، وهو جواب قولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] يريد: أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم،
_________________
(١) ـ قوله: (﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إشارة إليهم) فيكون من وضع المظهر موضع المضمر للتسجيل على كفرهم، والدلالة على أنه الموجب للدمار، فالتعريف فيه للعهد، وعلى أن يراد بهم كل من كفر للجنس، فقوله: "أو المغلوبون في الكيد"، عطف على قوله: "هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم" على طريقة النشر لإرادة أن التعريف إما للعهد أو الجنس. قوله: (الكسف: القطعة)، الراغب: كسوف الشمس والقمر: استتارهما بعارض، وبه شبه كسوف الوجه والحال، فقيل: هو كاسف الوجه، وكاسف الحال، والكسفة: قطعة من السحاب والقطن، ونحو ذلك من الأجسام المتخلخلة الحائلة، وجمعها كسف. قال تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] قال أبو زيد: كسفت الثوب أكسفه كسفًا، قطعته قطعًا. قوله: (وهو جواب قولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ﴾)، قال في ذلك المقام: "لما بين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر والبينات، ولزمتهم الحجة وغلبوا، أخذوا يتعللون باقتراح
[ ١٥ / ٦٤ ]
لو أسقطناه عليهم لقالوا: هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. وقرئ: ﴿حَتَّى يُلاقُوا﴾ و(يلقوا)، (يصعقون): يموتون. وقرئ: ﴿يُصْعَقُونَ﴾. يقال: صعقه فصعق، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وإن لهؤلاء الظلمة ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ دون يوم القيامة: وهو القتل ببدر، والقحط سبع سنين، وعذاب القبر. وفي مصحف عبد الله: (دون ذلك قريبا).
[﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبَارَ النُّجُومِ﴾ ٤٨ - ٤٩]
﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بإمهالهم وما يلحقك فيه من المشقة والكلفة، ﴿فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ مثل، أي: بحيث نراك ونكلؤك. وجمع العين، لأن الضمير بلفظ ضمير الجماعة
_________________
(١) الآيات، فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة، فقالوا: لن نؤمن لرقيك حتى تفجر … " إلى آخر الآيات، وجيء هاهنا بجواب بعض الاقتراحات على سبيل التلميح ليؤذن بأنهم محجوجون مبهوتون، وأن طعنهم ذلك ليس إلا للعناد والمكابرة، ومن ثم رتب عليه قوله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا﴾ بالفاء. قوله: (وقرئ: ﴿يُصْعَقُونَ﴾)، عاصم وابن عامر، والباقون: بفتح الياء، قال أبو البقاء: الفتح ماضيه: صعق، وقرئ بالضم ماضيه: أصعق، وقيل: صعق مثل سعد. قوله: (مثل) يعني: أن قوله تعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ استعارة تمثيلية شبهت حالة كلائه وحفظه رسول الله ﷺ بحالة من يراقب الشيء بعينيه ويحفظه. قوله: (لأ الضمير بلفظ [يضمر] الجماعة)، يعني: راعى المناسبة بين الجمعين، أعني العين وضمير الجماعة، وحين أفرد الضمير أفرد العين في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]،
[ ١٥ / ٦٥ ]
ألا ترى إلى قوله تعالى" ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]. وقرئ: (بأعينا) بالإدغام. ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من أي مكان قمت. وقيل: من منامك، ﴿وإدْبَارَ النُّجُومِ﴾: وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل. وقرئ: (وأدبار النجوم) بالفتح، بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت، والمراد الأمر بقول: سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات. وقيل: التسبيح: الصلاة إذا قام من نومه، ومن الليل: صلاة العشاءين، وأدبار النجوم: صلاة الفجر.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة الطور كان حقًا على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته".
_________________
(١) ويمكن أن يقال: أن ذلك امتنان على الكليم في كلاءته وحفظه من العدو في بدء حالة وتربيته في حال الطفولية، كما قال: "ولتربى ويحسن إليك، وأنا راعيك وراقبك، كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به"، فناسب الإفراد وهذا تعليل لتصبير الحبيب على مكائد أعداء الدين، كما قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ وتثبيته على مشاق التكاليف والعبادات، ألا ترى كيف عطف ﴿وسَبِّحْ﴾ على ﴿واصْبِرْ﴾ عطف الخاص على العام فناسبه الجمعان. قوله: (سبحان الله وبحمده)، أي أسبح الله وألتبس بحمده، أي: وبحمده أسبح، الراغب: ومعنى نسبح بحمدك، أي نسبحك والحمد لك، أو نسبحك بأن نحمدك، والباء على الأول حال، وعلى الثاني صلة. تمت السورة حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ.
[ ١٥ / ٦٦ ]