مختلف فيها، وهي خمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ)] ١ - ٥ [
الفلق والفرق: الصبح، لأن الليل يفلق عنه ويفرق: فعل بمعنى مفعول. يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح. ومنه قولهم: سطع الفرقان، إذا طلع الفجر. وقيل: هو كل ما يفلقه الله،
_________________
(١) سورة الفلق مكية، وقيل مدنية وهي خمس آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قولُه: (لأن الليلَ يُفلَقُ عنه)، أي: لأن الليلَ يَنْشقُّ عن الصبحِ، فيخرجُ الصبح؛ فَعَلٌ بمعنى مفعول؛ فالليلُ مفلوقٌ عنه. قولُه: (وقيل: هو كلُّ ما يَفْلِقُه)، قال القاضي: «وهو يَعمُّ جميعَ الممكنات؛ فإنه تعالى فَلَقَ ظلمةَ العدمِ بنورِ الإيجادِ عنها، سيّما ما يخرجُ عن أصلٍ، كالعيونِ والأمطارِ والنباتِ والأولاد، ويَختْصُّ عُرفًا بالصُّبح، ولذلك فُسِّر به. وتَخْصيصُه لِما فيه من تَغيُرِ الحالِ، وتَبدُّلِ وحشةِ
[ ١٦ / ٦٤٤ ]
كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك. وقيل: هو واٍد في جهنم أوجب فيها، من قولهم لما اطمأن من الأرض: الفلق، والجمع: فلقان. وعن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرأى دور أهل الذمّة وما هم فيه من خفض العيش، وما وسع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالي، أليس من ورائهم الفلق؟ فقيل: وما الفلق؟
_________________
(١) ـ الليلِ بسرورِ النور، ومحاكاةِ الخيرِ بيوم القيامة، والإشعارِ بأن مَن قدَر أن يزيلَ ظلمةَ الليلِ عن هذا العالم، قدَر أن يزيلَ عن العائذِ ما يخافه. ولفظُ الرّبّ ها هنا أوقعُ من سائرِ الأسماء، لأن الإعاذةَ مِن المضارِّ قريبة». قولُه: (لا أبالي، أليسَ من ورائهم الفَلَق؟)، أي: لا أبالي بحُسنِ دُورِهم وخفضِ عَيْشِهم. ثم استأنفَ مستفهمًا على سبيل التقرير: أليسَ من ورائهم الفَلَق؟ ونظيرُه ما روينا البخاريِّ ومسلمٍ وأحمدَ والترمذيِّ والنسائي، عن ابنِ عباسٍ في حديثٍ طويل، عن عمرَ -﵁-: دخلتُ على رسول الله -ﷺ-، فسلّمتُ وهو متكئ على رمالٍ حصيرٍ قد أثر في جنبِه وفه شيئًا ردَّيه، فجلستُ فرفعتُ رأسي في البيت، فوالله ما رأيتُ فيه شيئًا ردَّ البصرَ إلا أَهَبَةَّ ثلاثةً، فقال: يا رسولَ الله، ادع الله أن يوسعَ على أمتك، فقد وَسَّعَ على فارسَ والرومِ وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسًا، ثم قالَ: أفي شكٍّ أنت يا ابنَ الخطاب؟ أول~ك قومٌ قد عُجِّلتْ لهم طيباتُهم في الحياة الدنيا. فقلت: استغفِرْ لي يا رسولَ الله. الحديث. وأما تفسير الفلقِ بأنه وادٍ في جهنم، فروى محيي السُّنةِ عن ابن عباسٍ في رواية، أن الفلقَ سَجْنٌ في جهنم، وعن الكلبي أنه وادٍ في جهنم.
[ ١٦ / ٦٤٥ ]
قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه. (مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) من شر خلقه، وشرهم: ما يفعله المكلفون من الحيوان من المعاصي والمآثم، ومضارّة بعضهم بعضًا من ظلم وبغى وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين منه عن الأكل والنهس واللدغ والعض كالسباع والحشرات، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر كالإحراق في النار والقتل في السم. و"الغاسق": الليل إذا اعتكر ظلامه، من قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ)] الإسراء: ٧٨ [ومنه: غسقت العين امتلأت دمعا، وغسقت الجراحة: امتلأت دمًا. ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء، ويقال: وقبت الشمس إذا غابت. وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها، يعنى صلاة المغرب. وقيل: هو القمر إذا امتلأ،
_________________
(١) قولُه: (وشَرُّهم ما يفعله المكلَّفون من الحيوان)، لعلَّ إيقاعَ "من الحيوان" بيانًا للمكلَّفين، لإخراجِ الملائكةِ منهم. قال القاضي: «خُصَّ عالمُ الخلقِ بالاستعاذةِ عنه لانحصارِ الشرِّ فيه؛ فإن عالمَ الأمرِ خيرٌ كلُّه، وشَرُّه اختياريٌ لازمٌ ومتعدٍّ، كالكفرِ والظلم، وطبيعيٌ كإحراقِ النارِ وإهلاكِ السموم». قولُه: (إذا اعتكر ظَلامُه)، الجوهري: «اعتكرَ الظلامُ: اختلطَ كأنه كرَّ بعضُه على بعض من بُطْءِ انجلائِه». قولُه: (ويقال: وَقَبت الشمس، إذا غابت)، الراغب: «الوَقَبُ كالنُقْرةِ في الشئ، ومنه وَقَبتِ الشمس، والإيقابُ: تَغيّبُها» قولُه: (هذا حينُ حَلِّها)، برفعِ "حين"، وكسرِ الحاءِ، وجرِّ اللامِ من "حلها". النهاية:
[ ١٦ / ٦٤٦ ]
وعن عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأشار إلى القمر فقال: تعوّذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب، ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده. ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات، ووقبه: ضربه ونقبه. والوقب: النقب، ومنه: وقبة الثريد؛ والتعوّذ من شر الليل؛ لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب، ومنه قولهم: الليل أخفى للويل، وقولهم: أغدر الليل؛
_________________
(١) «وفي الحديث: لّما رأى الشمسَ قد وَقَبتْ، قال: هذا حينُ حلِّها؛ وَقَبتْ: غابت. وحينُ حِلِّها: الوقتُ الذي يَحلُّ فيه أداؤها، يعني: صلاة المغرب. والاوُقوبُ: الدخولُ في كلِّ شئ». قولُه: (وعن عائشة﵂-)، الحديثُ اخرجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيّ، وليسَ فيه: آخذٌ بيدي؛ روى الإمامُ عن ابنِ قتيبة: «إنما سُمي القمرُ غاسقًا، لأنه يُكْسفُ فيغسِق، أي يذهبُ ضوؤُه، ويَسْود، ووقوبُه: دخولُه في ذلك الاسوداد». وقال: «وقد صَحَّ أن القمرَ في جِرْمه غيرُ مستنير فسمّى بالغاسِق لهذا. ووقوبُه المحاقُ في آخر الشهر، لأنه حينئذٍ قليلُ القوةِ وفي غايةِ الرذالة، ولذلك يشتغلُ السحرةُ فيه بالسحر الذي يورثُ التمريض، وهذا مناسبٌ لسبب نزولِ السورتين «، والله أعلم. قولُه: (الليلُ أخفى للوَيْل)، قالَ الميداني: «أي: افعلْ ما تريدُ ليلًا، فإنه أسْترُ لسِرِّك. وأولُ مَن قال ذلك ساريةُ بنُ عُويْمرِ بنِ عَدِيٍّ العُقَيلي»، وسببُه مذكورٌ في كتابه. قولُه: (أَغدرَ الليل)، قيل: هو من بابِ أَحصدَ الزّرع، أي حانَ وقتُ غَدْره. وقيل: صارَ ذا غَدْر.
[ ١٦ / ٦٤٧ ]
لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر، وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه. النَّفَّاثاتِ: النساء، أو النفوس، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدًا في خيوط وينفثن عليها ويرقين، والنفث: النفخ من ريق، ولا تأثير لذلك، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار، أو سقيه، أو إشمامه، أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه؛ ولكنّ الله ﷿ قد يفعل عند ذلك فعلًا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام،
_________________
(١) قوُله: (يَتميز به الثُّبَّتُ على الحقِّ من الحَشْوية)، الانتصاف: «القدريّةُ ينكرونَ السحر، والكتابُ والسُّنةُ واردانِ بوقوعِه، والأمرُ بالتعوّذِ منه دليلٌ عليه. وقد سُحِرَ رسولُ الله -ﷺ-، في مُشُطٍ ومُشاطَةٍ وجُفِّ طَلْعةِ ذَكَر». وقلتُ: الحديثُ رويناه عن البخاريِّ ومسلمٍ وابنِ ماجه، عن عائشةَ -﵂- قالت: «سُحِرَ رسولُ الله -ﷺ-، حتى إنه ليُخَيّلُ إليه أنه فعلَ الشئَ ولم يكن فعلَه، حتى إذا كانَ ذاتَ يومٍ وهو عندي، دعا الله ودَعاه، ثم قالَ: جاءني رجلان، فجلس أحدهُما عند رأسي والآخر عند رِجْليَّ، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرجل؟ قال مَطْبوب. قال: ومَن طَبَّه؟ قال: لبيدُ بنُ الأعصمِ اليهوديُّ من بني زُريق. قال: في ماذا؟ قال: في مُشُطٍ ومُشاطةٍ وجُفِّ طَلْعةِ ذَكَرٍ. قال: فأين هو؟ قال: في بئرِ ذي أَرْوان»، الحديث. الراغب: «تأثيرُ السحرِ في النبيِّ -ﷺ-، لم يكن من حيثُ إنه نبي، وإنما كانَ في بَدَنِه من حيثُ إنه إنسانٌ أو بشر، كما كان يأكلُ ويتغوّطُ ويغضبُ ويَشْتهي ويَمْرض، فيصحُّ من حيثُ هو نبيّ، وإنما يكون ذلك قادحًا في النبوة. أو وُجدَ للسحرِ تأثيرٌ في أمر يرجعُ إلى النبوة،
[ ١٦ / ٦٤٨ ]
فينسبه الحشوية والرعاع إليهنّ وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به.
فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرهن؟
قلت: فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهنّ في ذلك. والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن. والثالث: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن. ويجوز أن يراد بهن النساء الكيادات،
_________________
(١) كما أن جُرْحَه وكسرَ ثناياه يومَ أُحُد، لم يقدحْ فيما ضمنَ اللهُ له من عصمته في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وكما لا اعتدادَ بما لا يقعُ في الإسلامِ من غلبةِ المشركين على بعضِ النواحي، فيما ذُكرَ من كمالِ الإسلامِ في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، قالَ القاضي: «ولا يوجبُ ذلك صِدْقَ الكفرةِ في أنه مسحور، لأنهم أرادوا به أنه مجنونٌ بواسطةِ السحر». النهاية: «أنه طُبَّ في مُشُطٍ ومُشاطة، وهو الشعرُ الذي يسقطُ من الرأسِ واللحيةِ عند التسريحِ بالمُشُط». ويُرْوى: مُشاقة، و«هي ما ينقطعُ من الإبْرَيْسَمِ والكَتّانِ عند تخليصِه وتَسْريحه. والمَشْقُ: جَذْبُ الشئِ ليطول». «الجُفّ: وعاءُ الطلع، وهو الغشاءُ الذي يكونُ فوقه». قولُه: (الِّرعَاع)، الأحداثُ والطَّغام. قولُه: (النساءُ الكيّادات)، شُبِّه كيدُهنّ بالسحر، اختصَره صاحبُ "الانتصاف" ثُم قال: «لو فَسَّرَ غيرُ الزمخشريّ هذا، لَعُدَّ من بِدَعِ التفاسير».
[ ١٦ / ٦٤٩ ]
من قوله: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)] يوسف: ٢٨ [تشبيهًا لكيدهن بالسحر والنفث في العقد. أو اللاتي يفتن الرجال بتعرّضهن لهم وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك (إِذا حَسَدَ) إذا ظهر حسده، وعمل بمقتضاه من بغى الغوائل للمحسود؛ لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضارّ لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد. ويجوز أن يراد بشر الحاسد: إثمه وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهاره أثره.
فإن قلت: قوله: (مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟
قلت: قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به. وقالوا: المداجي الذي يكيدك من حيث لا تشعر.
فإن قلت: فلم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ قلت: عرفت النفاثات؛ لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق؛ لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضرّ. ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات. ومنه قوله ﵊: «لا حسد إلا في اثنتين»،
_________________
(١) قولُه: (كأنما يُغتالُ به)، الأساس: «فلانٌ يَغتالُ مَن يَمرُّ به، وقَنلَه غيلةً، وأخافُ غائلتَه، أي: عاقبةَ شَرِّه». قولُه: (لا حَسَدَ إلّا في اثنتين)، روينا عن البخاري، عن أبي هريرة، أن رسولَ الله -ﷺ- قال: «لا حَسَدَ إلّا على اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ القرآن، فهو يتلوه آناءَ الليلِ والنهار، فسمعَه جارُه فقال: ليتني أوتيتُ مثل ما أوتي فلان، فعملتُ مثل ما يعمل. ورجلٌ آتاه الله مالًا فهة ينفقه في حقه، فقال: يا ليتني أوتيتُ مثل ما أوتي فلان، فعملتُ مثل ما يعمل».
[ ١٦ / ٦٥٠ ]
وقال أبو تمام:
وما حاسد في المكرمات بحاسد
وقال:
إنّ العلا حسن في مثلها الحسد
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ "المعوّذتين"، فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها».
_________________
(١) ـ النهاية: «الحسَدُ: أن يرى الرجلُ لأخيه نعمةٌ، فيتمنّى أن تول عنه، فتتكون له دونه. والغَبْط: أن يتمنى أن يكون له مثلها، ولا يتمنّى زوالها عنه. ومعنى الحديث: ليسَ حسدٌ لا يضرُّ إلّا في اثنتين». قولُه: (وما حاسدٌ) أولُه: وإني لمحسودٌ وأعذرُ حاسدي وقيل: أوله: هُمُ حَسَدوه -لا ملومين- مَجْدَه … وما حاسدٌ في المكرمات بحاسد وقال: واعْذِرْ حَسودَك فيما قد خُصِصْتَ به … إنّ العُلا حَسَنٌ في مثلِها الحسّدُ مِثْلُ ها هنا مثلُ ما في قولك: يجود. أي: إن العُلا حَسَنٌ فيها الحسَد. تَمَّتِ السُّورَة **********
[ ١٦ / ٦٥١ ]