مكِّيّة، وهي ثمانٌ وثمانون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿طسم *تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ*﴾ ١ - ٣]
﴿مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ مفعول ﴿نَتْلُوا﴾، أي: نتلُو عليكَ بعضَ خَبَرِهما ﴿بِاَلْحَقِ﴾ مُحِقِّين، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِاَلدُّهْنِ﴾. ﴿لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ﴾ لِمَن سبقَ في عِلْمِنا أنّه يُؤمن، لأنَّ تنفعُ هؤلاءِ دُونَ غيرهِم.
_________________
(١) سورة القصص مكية، وهي ثمانون وثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم قولهُ: (نتلُو عليكَ بعضَ خَبَرِهما)، يريدُ أنّ ﴿مِن﴾ في ﴿مِن نَّبَإِ مُوسَى﴾ للتبعيض؛ وهُوَ مفعولُ ﴿نَتْلُوا﴾ [القصص: ٣]. وقالَ أبو البقاء: ﴿نَتْلُوا﴾ مفعولُه محذوف، دلّتْ عليه صفتُه، تقديرُه: شيئًا مِنْ نَبِأ موسى؛ فـ ﴿مِن﴾ للبيان. وعلى قولِ الأخفشِ ﴿مِن﴾ زائدة. قولُه: (لِمَنْ سبقَ في علمِنا أنه يؤمِنُ)، يريدُ أنّ إنزالَ الكتابِ على رسولِ الله صلى الله عليهم وسلم
[ ١٢ / ٥ ]
[﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٤]
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ جملةٌ مستأنَفةٌ كالتَّفسيرِ للمُجْمَل، كأنَّ قائلًا قالَ: وكيفَ كان نَبَؤُهُما؟ فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرضَ مملكتِه؛ قد طغى فيها وجاوزَ الحدَّ في الظُّلمِ والعَسْف. ﴿شِيَعًا﴾ فِرَقًا يُشَيِّعونه على ما يُريدُ ويُطيعونه، لا يملِكُ أحدٌ منهم أن يَلوِيَ عُنُقَه. قالَ الأعشى:
_________________
(١) إنما كانَ لأنْ يتلوه على المؤمنينَ والكافرينَ جميعًا: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَاَ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. لكن اختصاصُ المؤمنينَ بالذكرِ لانتفاعِهم به؛ فإذَنِ المرادُ بقولِه: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] لقومٍ سيُؤمِنون، وعليه قولُه تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أي: الضالينَ الصائرينَ إلى التقوى، وهُوَ مجازٌ باعتبارِ ما يُؤوّل، وقال فيه: «إنّ الضالينَ فريقان؛ فريقٌ عُلِمَ بقاؤُهم على الضلالةِ وهُمُ المطبوعُ على قلوبِهم، وفريقٌ عُلِمَ أنّ مصيرَهم إلى الهُدى؛ فلا يكونُ هدًى للفريقِ الباقينَ على الضلالة؛ فبقى أنْ يكونَ هدًى لهؤلاء»، وإليهِ الإشارةُ بقولِه: «إنما ينفعُ هؤلاءِ دونَ غيرِهم». والمعنى: نتلو عليكَ مِن نَبَإِ موسى وفرعونَ وما جرى بينَهما بقوم عُلِمَ أنّ التلاوةَ تنفَعُ فيهم دونَ مَنْ عَداهم مِنَ المُصرِّين، ونحوُه قولُه تعالى: ﴿فَذَكِرَ بِاَلْقُرْآَنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] قال: إنّ التذكيرَ لا ينفعُ إلا فيمنْ يخافُ الوعيدَ دونَ المُصِرِّ على الكُفر. وقلت: هذا الإنباءُ العجيبُ الشأنِ متضمِّنٌّ لإثباتِ القضاءِ والقدر، وقد عَلِمَ الله ﷾ أنّ بعضًا مِنَ الذينَ يدّعونَ الإيمانَ لا يؤمنونَ بالقدَر؛ فقال: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تعريضًا بهم؛ فعلى هذا يمكنُ أنْ يُجعَلَ ﴿بِاَلْحَقِّ﴾ حالًا منَ المجرور؛ أي: نتلو عليكَ نبأَهُما مُلتبِسًا بالحقِّ على القضاءِ والقدر. قولُه: (قد طغى فيها وجاوزَ الحدّ)، يعني: معنى ﴿عَلَا فِي الأَرْضِ﴾ طغى فيها؛ مِن قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُون عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] أي: استِكبارًا وتجبُّرًا.
[ ١٢ / ٦ ]
وبَلدةٍ يَرهَبُ الجَوّابُ دُلجتَها … حتّى تَراهُ علَيها يَبتَغي الشِّيَعا
أو يُشَيِّعُ بعضُهم بعضًا في طاعَتِه، أو أصنافًا في استخدامِه يتسخَّرُ صنفًا في بناءِ، وصنفًا في حَرْثٍ وصنفًا في حَفْر، ومن لم يستَعْمِلْه ضربَ عليه الجِزية، أو فِرَقًا مُختلفةً قد أغرى بينهمُ العداوةَ، وهم إسرائيلَ والقبطُ. والطّائفةُ المُستضعفة: بنو إسرائيل، وسببُ ذبحِ الأبناءِ: أنَّ كاهنًا قالَ له: يولَدُ مولودٌ في بني إسرائيلَ يَذْهَبُ مُلكُكَ على
_________________
(١) الراغب: العُلْوُ ضدُّ السُّفْل، والعُلْويُّ والسُّفْليُّ: المنسوبُ إليهما، والعُلُوّ: الارتفاع، وقد علا يَعْلُوا عُلُوًّا وعَلِيَ يَعْلي عَلاءَ فهو عَلِيٌّ؛ فـ «علا» بالفتحِ بالفتحِ في الأمكِنةِ والأجسامِ أكثر، قال تعالى: ﴿عَلَيْهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ﴾ [الإنسان: ٢١]، ويُستعملُ في المحمودِ والمذموم؛ قال تعالى: ﴿سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٣]، وقال: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [يونس: ٨٣]. والعليّ: رفيعُ القدرِ من «عَلِيَ»، فإذا وُصِفَ به الله تعالى فمعناهُ أنّه يعلو أن يحيطَ بهِ وصفُ الواصفين، بل علمُ العارفين؛ وعلى ذلك يُقال: تعالى الله، وخُصّ التفاعلُ للمبالغةِ لا للتكلُّفِ كما في البَشَر. و﴿عُلُوًّا﴾ في قوله: ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ليسَ مصدرًا، كما أنّ قولَه: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] كذلك، و«استعلى» قد يكونُ للعلوِّ المذموم، وقد يكونُ طَلَبُ العلاء أي الرفعة، وقولُه تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اَلْيَوْمَ مَنِ اَسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٤] يَحْتَمِلُ الوجهينِ. ولاعتبارِ العلو قيلَ للمكانِ المُشْرِفِ، وللشّرَفِ: العلياءُ، وعَلاوةُ الشيء: أعلاه؛ ولذلكَ قيلَ للرأسِ والعُنُق: عَلاوة، ولِما يُحمَلُ فوقَ الأحمال: عَلاوة. قولُه: (وبلدةٍ يرهَبُ الجوّابُ دُلْجتَها) البيت: البلدة: المفازة، الجوّاب: القَطّاع، دُلْجتها: مِن أَدْلَج: إذا سار آخِرَ الليل، والدُّلجة: الساعةُ منَ الليلِ. تراه: أي الجوّاب. يقول: رُبّ بلدةٍ - يخافُ الجوّابُ أنْ يسيرَ فيها في الدُّلجةِ حتى تراهُ يطلبُ يمينًا وشمالًا مَن يُشَيِّعُه مِن خوفه- أنا قطعتها بلا شِيَع.
[ ١٢ / ٧ ]
يدِه. وفيه دليلٌ بيِّنٌ على ثخانةِ حُمقِ فرعون؛ فإنَّه إنْ صدقَ الكاهنُ لم يدفعِ القتلَ الكائن، وإن كذَبَ فما وجهُ القَتْل؟ و﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ حالٌ من الضَّميرِ في ﴿وَجَعَلَ﴾، أو صفة لـ ﴿شِيَعًا﴾، أو كلامٌ مستأنَف. و﴿يُذَبِّحُ﴾ بدلٌ من ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾. وقولهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ بيانُ أنَّ القتلَ ما كانَ إلاّ فعلَ المُفسِدِين فحسب؛ لأنه فعلٌ لا طائلَ تحتَه، صدَقَ الكاهن أو كذَب.
[﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اَلْوَارِثِينَ* وَنُمَكِنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ٥ - ٦]
فإن قلتَ: علامَ عُطِفَ قولُه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ وعَطْفُه على ﴿نَتْلُوا﴾ و﴿يَستَضْعِفُ﴾ غيرُ سديد؟ قلتُ: هي جملةٌ معطوفةٌ على قولِه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأنَّها
_________________
(١) قولُه: (لأنه فعلٌ لا طائلَ تحته)، يعني: ذبحُ الأبناءِ واستحياءُ البناتِ منهُ لم يكُنْ إلاّ للفسادِ فحَسْب، ولو كانَ فيهِ نوعُ صلاحٍ أو متضمِّنًا لمصلحةِ نفسِهِ وخلاصِهِ مِمّا كانَ يخافُ منه رُبّما عُذِرَ ولمْ يُسمّ فسادًا بالنسبةِ إليه. ولَمّا كانَ خِلْوًا مِن ذلكَ عُدّ فسادًا صِرْفًا؛ ولذلكَ قال: ﴿مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾، أي: الكاملينَ في الفسادِ والمعدودينَ في زُمْرتِهم، قالَ الله: ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِ﴾ [يونس: ٢٣] قالَ المصنِّف: «والبغيُ يكونُ بحقِّ كاستيلاءِ المسلمينَ على أرضِ الكَفَرةِ وهَدْمِ دُورِهم وإحراقِ زروعِهم وقلعِ أشجارِهم كما فعلَ رسولُ الله ﷺ بِبَني قُرَيْظة». قولُه: (وعطفُه على ﴿نَتْلُوا﴾ و﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ غيرُ سديد)، أما على ﴿نَتْلُوا﴾ فإنّه لوْ عُطِف عليه لخرجَ عنْ أنْ يكونَ بعضَ المتلُوِّ ومِن نبأِ موسى وفرعون، وإنه مِنْ أَعجَبِ وأَهمِّ
[ ١٢ / ٨ ]
نظِيرةُ تلك في وقُوعِها تفسيرًا لنَبأِ موسى وفِرْعَون، واقتِصاصًا له. ﴿وَنُرِيدُ﴾: حكايةُ حالٍ ماضية، ويجوزُ أن تكونَ حالًا من ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾، أي: يستضعِفُهم فرعونُ، ونحنُ نريدُ أن نَمُنَّ عليهم. فإن قلتَ: كيف يجتمعُ استِضْعافُهم وإرادةُ الله المنّةَ عليهِم؟ وإذا أراد الله شيئًا كانَ، ولم يتوقّف إلى وقتٍ آخَرَ، قلتُ: لمّا كانتْ منّةُ الله شيئًا كانَ، ولم يتوقّفْ إلى وقتٍ آخَرَ، قلتُ: لمّا كانتْ منّةُ الله بخلاصِهم من فرعونَ قريبةَ الوُقوع، جُعِلتْ إرادةُ وقوعِها كأنَّها مقارِنةٌ لاستضعافِهم. ﴿آَئِمَّةً﴾ مُقَدَّمِين في الدِّين والدُّنيا، يطأُ النّاسُ أعقابَهم. وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄: قادةً يُقتدى بهم في الخير.
_________________
(١) المُنبّأِ به؛ بلْ هوَ المقصودُ في الإنباء. وأما على ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ فلأنه: إما صفةٌ لـ ﴿شِيَعًا﴾، أو حالٌ مِنْ فاعِلِ ﴿وَجَعَلَ﴾، أو استئنافٌ، ولا كلامَ في فسادِ الأولين. وأما الثالثُ فيكونُ على سؤالِ سائل موردُه ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، فلمْ يَنطَبِقْ عليه ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ [القصص: ٥]، و﴿يُذَبِّحُ﴾ و﴿وَيَسْتَحْيِ﴾ بدلانِ مِن ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ وحُكمُهما حُكمُه؛ فبقِيَ أنْ يكونَ عطفًا على ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ الآية، وإنْ اختَلَفتا اسميّةً وفعلية. وتأويلُه: إنّ فرعونَ فَعَلَ بهم ما فَعَلَ مِنَ الاستضعافِ والاستخدام والقتلِ والفَناء، ونحنُ قضَيْنا عَكْسَ ذلكَ مِنْ جَعْلِهم مُتمكِّنينَ في الأرضِ أقوياءَ أئمةً مُتمكِّنينَ في الأرضِ أقوياءَ أئمةً مُقدَّمينَ باقينَ بَعدَهم وارثينَ دِيارَهم، ولمْ يَكُنْ إلا ما أرَدْنا. هذا معنى قولِنا: هذا الإنباءُ مُتضَمِّنٌ لإثباتِ القضاءِ والقَدَر. ومعنى أنْ يكونَ «نُريدُ» حالًا منْ «أن يستضعف» يعودُ إلى هذا. قولُه: (كيفَ يجتَمِعُ استضعافُهم وإرادةُ الله المِنّة؟)، يعني: لَزِمَ مِنْ هذا التقريرِ الجمعُ بينَ المتنافِيَيْن. وخُلاصةُ الجوابِ: أنّ الله تعالى لَمّا أرادَ أنْ يَمُنّ على بني إسرائيلَ بعدَ هلاكِ فرعونَ ونجاتِهم مِنه، وكانتْ تلكَ قريبةَ الوقوع، جُعِلَتْ كأنّها واقِعةٌ مقارِنةٌ لاستضعافِهم. وقريبٌ منهُ قولُه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ١، ٢]. وقالَ صاحبُ «المطلع»: أرادَ الله تعالى حالَ استضعافِهم إياهم أن يَمُنّ عليهم بالخلاصِ في وقتٍ قدّرَهُ الله وقضاه. قولُه: (يطأُ الناسُ أعقابَهم)، العبارةُ كنايةٌ عن أنّهم كثيرٌ والأتباعُ مقدمون.
[ ١٢ / ٩ ]
وعن مجاهدٍ ﵁: دُعاةً إلى الخير، وعن قَتادةَ ﵁: وُلاةً، كقولِه تعالى: ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]. ﴿اَلْوَارِثِينَ﴾ يرِثُون فرعونَ وقومَه مُلكَهم وكُلَّ ما كانَ لهم. مكَّن له: إذا جَعلَ له مكانًا يقعُدُ عليه أو يرقُد، فوطّأَهُ ومَهَّدَهُ، ونظيرُه: أرَّضَ له. ومعنى التَّمْكينِ لهم في الأرضِ وهي أرضُ مِصرَ والشّامِ: أن يجعَلَها بحيثُ لا تَنْبُو بهم ولا تَغِثُّ؛ كما كانتْ في أيّامِ الجبابرة، ويُنَفِّذَ أمْرَهم، ويُطلِقَ أيديَهم ويُسَلِّطَهم. وقُرئ: (ويَرى فرعونُ وهامانُ وجنودُهما)، أي: يرون منْهُمْ ما حُذِّرُوه: من ذهابِ مُلكِهم وهلاكِهم على يدِ مَوْلودٍ منهُم.
[﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ٧]
اليمُّ: البحر. قيل: هو نِيلُ مِصْر. فإن قلتَ: ما المُرادُ بالخَوفَيْنِ حتّى أُوجِبَ أحدُهما ونُهي عنِ الآخَر؟ قلتُ: أمّا الأوّلُ فالخَوفُ عليهِ من القَتلِ؛ لأنه كان إذا صاحَ خافَ أن يسمَعَ الجيرانُ صوتَه فينِمُّوا. وأمّا الثّاني، فالخوفُ عليهِ من الغَرَقِ ومن الضَّياعِ
_________________
(١) قولُه: (أرّضَ له)، الأساس: تأرّضَ فلان: لَزِمَ الأرضَ؛ فلمْ يَبْرَح. فلانٌ إنْ رأى مطمعًا تعرّض، وإن أصابَ مطعمًا تأرّض. قولُه: (ولا تَغِثُّ عليهم)، الأساس: أغَثّ فلانٌ في كلامِه؛ إذا تَكَلّمَ بما لا خيرَ فيه، وسمعتُ صبيًّا مِن هُذيلٍ يقول: غثّتْ علينا مكة؛ أي: لمْ نقدِرْ أنْ نعيشَ فيها؛ لقولِهم: اجتوى المكانَ؛ إذا لم يَستمرِئْ طعامَه وشرابَه، وكذلكَ استَوْخَم. قولُه: (وقُرِئَ: «ويَرى فرعونُ»)، حمزةُ والكسائي: «ويَرى» بالياءِ التحتانيِّ مفتوحةً وفتح الراءِ ورفعِ الأسماءِ الثلاثة، والباقونَ: بالنونِ مضمومة وكسرِ الراءِ وفتحِ الياءِ ونصبِ الأسماء.
[ ١٢ / ١٠ ]
ومن الوُقوعِ في يدِ بعضِ العُيونِ المبثوثةِ من قِبَلِ فرعونَ في تطلُّبِ الوِلْدان، وغيرِ ذلك من المَخاوِف. فإن قلتَ: ما الفرقُ بينَ الخوفِ والحُزن؟ قلتُ الخوفُ غَمٌّ يلحَقُ الإنسانَ لِمُتوقَّع. والحُزن: غَمٌّ يلحقهُ لِواقِع؛ وهو فراقُه والإِخطارُ به، فنُهِيَت عنهُما جميعًا، وأُومِنَتْ بالوحِي إليها، ووُعِدَت ما يُسلِّيها ويُطامِنُ قلبَها ويملؤُها غِبطةً وسُرورًا؛ وهو ردُّه إليها وجعلُه من المُرسلِين. ورُويَ: أنّه ذُبِحَ في طلبِ مُوسى ﵇ تسعون ألفَ وليد. ورُوي: أنّها حينَ أقْرَبت وضرَبَها الطَّلْقُ وكانتْ بعضُ القوابلِ المُوكَّلاتِ بحبالي بني إسرائيلَ مُصافِيةً لها، فقالتْ لها: لينفَعني حبُّكِ اليومَ، فعالَجَتها، فلمّا وقعَ إلى الأرضِ هالَها نورٌ بينَ عيْنَيه، وارتعش كُلُّ مَفصِلٍ منها، ودخلَ حبُّه قلبَها، ثمّ قالت: ما جئتكُ إلاّ لأقتُلَ مولودَك وأخبِرَ فرعون، ولكنِّي وَجَدْتُ
_________________
(١) قولُه: (وهو فِراقُه والإخطارُ به)، نَشْرٌ لِما سَبقَ على غَيرِ الترتيب. وقالَ الإمام: كأنه قيل: ولا تخافي مِن هلاكِه، ولا تحزني بسببِ فِراقِه؛ فإنّا رادُّوه إليكِ لتكوني أنتِ المرضِعةَ له، وجاعلوه مِنَ المرسلينَ إلى أهلِ مصرَ والشام. قالَ أبو رجاءٍ أحمدُ بنُ عبدِ الله: حدثنا أبو الحسينِ عليُّ بنُ الصباحِ قال: سَمِعَ أعرابيٌّ رجلًا يقرأُ ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية، قالَ للقارئ: أعِدْه؛ فأَعادها، فقال: أشهدُ أنّ هذا كلامُ ربِّ العالمين؛ في آيةٍ واحدةٍ أمرانِ ونهيانِ وخبرانِ وبشارتان: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ خبر، و﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ أمر، ٍ ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ﴾ أمر، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ نهيان، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ بشارتان. روي عنِ الأصمعي: كلّمَتِني جاريةٌ أعرابيةٌ فاستَفصحْتُ كلامَها؛ فقالت: أينَ أنتَ مِنْ كلامِ الله: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ كيفَ جَمَعَ بينَ أمرينِ ونهيَيْنِ وبشارتَيْن؟ ! قولُه: (حينَ أقرَبَتْ)، الجوهري: أقْرَبَتِ المرأةُ؛ إذا قَرُبَ ولادُها، وكذلك الفرسُ والشاة؛ فهِيَ مُقْرِب، ولا يُقالُ للناقة.
[ ١٢ / ١١ ]
لا بنِكِ حُبًّا ما وجَدَتُ مثلَه فاحفظيه، فلمّا خَرَجتْ جاءَ عيونُ فرعون، فلفَّتُه في خِرقةٍ ووضعَتْه في تَنُّورٍ مَسجُور، لم تعلمْ ما تصنعُ لمِا طاشَ من عقلِها، فطلبوا فلم يُلفُوا شيئًا، فخرجوا وهي لا تدري مكانَه، فسمعت بُكاءَه من التَّنُّور، فانطلقت إليه وقد جعلَ الله النّارَ عليه بَرْدًا وسلامًا. فلمّا ألحَّ فرعونُ في طَلَبِ الوِلْدانِ أوحى الله إليها فألقَتْه في اليمِّ. وقد رُوِيَ أنَّها أرضعتْه ثلاثةَ أشهُرٍ في تابُوتٍ من بَرْديٍّ مطليٍّ بالقار من دخِلِه.
[﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ٧]
اللاّم في ﴿ليَكُونَ﴾ هي لامُ كيْ؛ الّتي معناها التَّعليل، كقولِك: جئتُك لتُكرِمَني سواءً بسواءٍ ولكنّ معنى التَّعليلِ فيها وارِدٌ على طريقِ المجازِ دُونَ الحقيقة، لأنه لم يكُنْ داعيهم إلى الالتقاطِ لهم عدُوًّا وحَزَنًا، ولكن: المحبةُ والتَّبَنِّي، غيرَ أنّ ذلك لمّا كان نتيجةَ التقاطِهم له وثمرتَه، شُبِّهَ بالدّاعي الّذي يَفعلُ الفاعِلُ الفعلَ لأجلِه، وهو الإكرامُ الذي هو نتيجةُ المجيء، والتّأدّبُ الذي هو ثمرةُ الضَّربِ في قولِك: ضربته ليتأدّب. وتحريره: أنّ هذه اللّامَ حكمُها حُكْمُ الأسد، حيثُ استُعيرتْ لِمَا يُشبِهُ التّعليل، كما يُستعارُ الأسدُ لِمَنْ يُشبِهُ الأسد
_________________
(١) قولُه: (في تابوتٍ مِنْ بَردِيّ)، الجوهري: البَرْدِيُّ بالفتح: نباتٌ معروف، قيل: نبتٌ تُسَدُّ بهِ خَصاصاتُ البُيُوت، والخَصاصةُ بالفتحِ: الخَلَلُ والثّقْبُ الصغير. قولُه: (وتحريرُه: أنّ هذهِ اللامَ حُكمُها حُكمُ الأسد؛ حيثُ استُعيرَتْ لِما يُشبِهُ التعليلَ كما يُستعارُ الأسَدُ لَمِنْ يُشبِهُ الأسد)، وتلخيصُ المعنى: شَبّهَ هذا الترتيبَ الذي ليسَ مطلوبًا بالأوّل الثاني وهُوَ التقاطُهُم لِيكونَ عَدوًّا لَهُم بالترتيبِ الحقيقيِّ وهُوَ أنْ يكونَ الثاني مطلوبًا بالأوّلِ كالإكرامِ بالمجيءِ في قولِك: جئتُكَ لتُكرِمَني، وأدْخَلَ المشبّهَ في جنسِ المشبّهِ به؛ فاستُعيرَ للترتيبِ المشبّهِ ما كانَ مستعمَلًا في الترتيبِ المشبّهِ به، وهُوَ لامُ «كي».
[ ١٢ / ١٢ ]
وقُرِئَ: (وحُزْنًا) وهُما لُغَتان: (كالعُدم) و(العَدم) ﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ في كُلِّ شيء، فليس خَطَؤُهم في تربيةِ عدُوِّهم بِبِدْعٍ منهم. أو كانوا مُذنِبِين مُجرِمين، فعاقَبَهُم الله بأن رَبَّى عدُوَّهم ومن هو سببُ هلاكِهم على أيدِيهم
_________________
(١) ـ وقيل: ﴿فَاَلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، فيكونُ استعارةً مُصرّحةً؛ لأنّ المذكورَ لفظُ المستعارِ منه، كاستعارةِ لفظِ الأسدِ للمِقْدام، وتبعيّةً؛ لأنّ الحروفَ مِنَ الاستعارةِ بمَعْزِل؛ لأنّها لمْ تقعْ موصوفات؛ فالاستعارةُ تقعُ في معانيها ثُمّ تسري مِنَ المعاني إليها، وتهكُّميةً؛ لأنّ لا يفعلُ هذا الفعل. قولُه: (وقُرِئَ: «وحُزْنًا»)، حمزةُ والكسائي: «حُزْنًا» بضمِّ الواوِ وإسكانِ الزاي، والباقون: بفتحِهما. قولُه: (﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ في كلِّ شيء)، يريدُ أنّ قولَه: ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ الآية تذييلٌ واعتراض؛ بدليلٍ قولهِ: «فليسَ خطؤهم بِبِدْعٍ منهم». قولُه: (أو كانوا مُذنِبين)، فعلى الأوّل: ﴿خَاطِئِينَ﴾؛ مِنَ الخطأِ في الرأي، وعلى هذا؛ مِنْ: خَطِئ: أذْنَب. قالَ في «الأساس»: خاطئينَ: مِن: أخطأَ في المسألةِ أو في الرأي، وخَطِئَ خطأَ عظيمًا؛ إذا تعمّدَ الذّنْب. فالجملةُ استئنافٌ لبيانِ الموجب؛ بدليلِ قولِه: «ومَنْ هُوَ سَبَبُ هلاكِهم»؛ فعلى هذا معنى اللامِ على ظاهرِه، والتقدير: نريدُ أنْ نَمُنّ على بني إسرائيلَ بأنْ قدّرْنا ما قدَّرْنا ودبَّرْنا ما دبّرْنا؛ ليكونَ موسى عدوًّا لهم وحزنًا؛ لأنّهم كانوا خَطّائِين مُجرمِين، ويؤيِّدُه قولُه: «فعاقبَهم الله بأنْ رَبَّى عدوَّهم ومَنْ هُوَ سَبَبُ هلاكِهم». وهذا هوَ الوَجْهُ كما سيجيءُ تقريرُه.
[ ١٢ / ١٣ ]
وقُرِئَ: (خاطين)، تخفيفُ خاطِئِين، أو خاطينَ الصَّوابَ إلى الخطأ.
[﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ٩]
رويَ أنَّهم حينَ التَقطوا التّابوتَ عالجُوا فتْحَة، فلمْ يقدِرُوا عليه، فعالجوا كَسْرَهُ فأعياهُم، فدنتْ آسيةُ فرأت في جَوفِ التّابوتِ نُورًا، فعالجتْهُ ففتحته، فإذا بصَبِيِّ نورُه بينَ عينَيْه وهو يمُصُّ إِبهامَه لبنًا فأحَبُّوه، وكانت لفرعونَ بنتٌ بَرصاء، وقالتْ له الأطباء: لا تبرأُ إلاّ من قِبَلِ البحر، يوجدُ فيه شِبهُ إنسانٍ دواؤُها ريقُه، فلطَّختِ البرصاءُ بَرَصَها بريقِه فَبَرأت. وقيل: لمّا نظرت إلى وجهِه بَرَأت، فقالت: إنّ هذه لنَسمةٌ مباركة، فهذا أحدُ ما عَطَفَهم عليه، فقالَ الغُواةُ من قومِه: هو الصَّبيُّ الذي نحذرُ منه، فَاذَن لنا في قتلِه، فهَمَّ بذلك فقالت آسيةُ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فقالَ فرعون: لكِ لا لي. وروي في حديث: «لو قالَ هوَ قرّةُ عينٍ لي كما هُوَ لَكِ، لهداهُ الله كما هداهَا»، وهذا على سبيلِ الفَرْضِ والتّقدير، أي: لو كانَ غيرَ مطبوعٍ على قلبِه كآسية؛ لقالَ مثلَ قولِها، ولأَسْلَم كما أسلمت، هذا -إن صحَّ الحديثُ- تأويلُه، والله أعلمُ بصحَّتِه. ورُويَ أنَّها قالتْ له: لعلَّه من قومٍ آخرينَ ليسَ من بني إسرائيل.
_________________
(١) ـ قولُه: (وقُرِئَ: «خاطِينَ») وهيَ شاذّة. وقولُه: «أو خاطِين الصوابَ» هُوَ مِنَ الخَطْو: مُجاوَزةِ الصواب. الأساس: ومِنَ المجاز: لنْ يُخطِئَكَ ما كُتِبَ لك، وما أخطأَكَ لمْ يَكُنْ لِيُصيبَك، وما أصابكَ لمْ يَكُنْ ليُخطِئَك، وتخَطّأتْهُ النُّبْل: تجاوَزَتْه. قولُه: (وهذا على سبيلِ الفَرضْ)، أي: هذا الحديث. وقولُه: «هذا» مبتدأ، و«تأويلُه» الخبر، و«إنْ صحّ» معَ جوابِه المقدّر مُعتَرِضة.
[ ١٢ / ١٤ ]
﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾: خبرُ مُبتدأٍ محذوف، ولا يَقْوى أن تجعلَه مُبتدأً و﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ خبرًا، ولو نُصِبَ لكانَ أقوى. وقراءةُ ابنِ مسعودِ ﵁ دليلٌ على أنّه خبر، قرأ: (لا تقتلوه قرّةُ عينٍ لي ولك)، بتقديمِ. ﴿لا تقتلوه﴾. ﴿عَسَى أَن يَنفَعَنَاَ﴾ فإنّ فيه مخايلَ اليُمْنِ ودلائلَ النَّفْعِ لأهلِه، وذلك لِما عايَنَتْ من النُّورِ وارتضاعِ الإبهام وبَرْءِ البرصاءِ، ولعلَّها توسَّمت في سيمائِه النَّجابةَ المؤذِنةَ بكونِه نفّاعًا. أو نتبنّاه، فإنّه أهلٌ للتَّبنِّي، ولِأنْ يكونَ ولدًا لبعضِ المُلوك. فإن قلت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ، فما ذو حالِها؟
قلتُ: ذو حالِها آلُ فرعون. وتقديرُ الكلام: فالتَقَطَهُ آلُ فرعونَ ليكونَ لهم عدُوًّا
_________________
(١) ـ قولُه: (﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ خبرُ مبتدإٍ محذوف)، وقالَ أبو البقاء: أي: هُوَ قُرّةُ عين، و﴿لِي وَلَكَ﴾ صفتانِ لـ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾. قولُه: (ولا يَقْوى أنْ تجعلَه مبتدأً و﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ خبرًا)، قالَ الزجّاج: يَقْبُحُ هذا التقدير؛ فيكونُ كأنّه قدْ عَرَفَ أنّه قُرةُ عينٍ له. قولُه: (ولَوْ نُصِبَ لكانَ أقوى)، قالَ الزجّاج: ويجوزُ النصبُ؛ ولكنهُ لمْ يأتِ فيه روايةٌ على معنى: لا تقتلوا قُرّةَ عينٍ لي ولك، لا تقتلوه. كما تقول: زيدًا لا تضرِبْه. قولُه: (توَسّمَتْ) يقال فيه الخير، أي: تفرّسْت، والتوسُّم: التأمُّلُ في وَسْمِ الشيء. قولُه: (النجابة)، الجوهري: رجلٌ نجيبٌ، أي كريمٌ بَيِّنٌ النّجابة. قولُه: (أو نَتَبَنّاه)، تفسيرٌ لقولِه تعالى: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ، وَلَدًا﴾. وقولُه: «ولأنْ يكونَ ولدًا لبعضِ الملوك» عطفٌ تفسيريٌّ لقولِه: «للتبني». قولُه: (ذو حالِها آلُ فرعون)، قال القاضي: يجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِنَ القائلةِ والمقولِ له؛ أي: وهُمْ على الخطأِ في التقاطِهِ وفي طَمَعِ النفعِ منهُ والتبَنِّي له، أو مِنْ أحدِ ضميرَيْ ﴿نَتَّخِذَهُ،﴾ على
[ ١٢ / ١٥ ]
وحَزَنًا، وقالتِ امرأةُ فرعونَ كذا، وهم لا يشعرُونَ أنَّهم على خطأٍ عظيمٍ في التقاطِه ورجاءِ النَّفعِ منه وتبنِّيه.
وقولُه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ الآية: جملةٌ اعتراضيّةٌ بينَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه، مُؤَكِّدةٌ لمعنى خطئِهِم. وما أحسنَ نظمَ هذا الكلام عندَ المُرتاضِ بعلمِ محاسنِ النَّظْم.
_________________
(١) ـ أنّ الضميرَ للناس؛ أي: وهُمْ لا يشعرونَ أنّه لغيرِنا وقد تَبَنّيْناه. قولُه: (وما أحسَنَ [نَظْم] هذا الكلامِ عندَ المُرتاضِ بعلمِ محاسنِ النظم)، وذلكَ أنّ قولَه: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي اَلْأَرْضِ﴾ وقولَه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ تفصيلٌ لقولِه: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ على ما سَبق. وما أجمَلَ ثم فَصّلَ وخَصّ بلفظِ الإنباءِ إلا لاشتمالِ هذا المُنبّأِ بهِ لهُ شأنٌ، وليسَ ذلكَ إلا لبيانِ أنّ ما قدّرَه الله كائنٌ لا محالة، وأنّ الحَذَرَ لا يُغنيِ عَنِ القَدَر، وإذا جاءَ القضاءَ عَمِيَ البَصَر؛ فإنّ فرعونَ وقومَه لَمّا قُضِيَ هلاكُهُم على يَدِ الكليمِ ﵇ واجتهدوا في الدفعِ، فَعَلوا ما لا طائلَ تَحتَه بلْ عَكَسُوا؛ حيثُ أُفنِيَ البريءُ مِنْ قَتْلِ الأبناء، ورُبِّيَ مَنْ عليه دمارُه؛ فسُلِبَتْ عقولُهم وأيفت مشاعرُهم؛ فالتقطوه ليكونَ لهم عدوًّا وحزنًا وهُمْ لا يشعرون. فحَسُنَ لذلكَ أنْ يؤكِّدَ بقولِه: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ على التفصيل؛ ليؤذِنَ بأنّ ذلكَ الجَمّ الغفيرَ بعدَ ذلكَ التحذيرِ زَلُّوا عن دَفْعِ التقدير؛ فاللامُ في قولهِ: ﴿ليَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ مُجْرَى على حقيقتِه. وتمامُ تقريرِه أنْ يُقال: إنّا أرَدْنا أنْ نَمُنّ على المستضعَفين، وأنْ نجعَلَهُمُ الوارثين، وأنْ نُرِيَ فرعونَ وهامانَ وجنودَهما ما كانوا يحذَرُون؛ دبّرْنا ما دبّرْنا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ﴾، فامتَثَلَتْ أمْرَنا وألقَتْهُ في اليَمّ وألقاهُ اليمُّ بالساحِل؛ فقَضَيْنا على آلِ فرعونَ التقاطَه؛ ليَظْهَرَ مِنْ لطِيفِ تقديرِنا عداوتُهُ وسَبَبُ حُزْنِه، وهُمْ لا يشعرونَ بذلك.
[ ١٢ / ١٦ ]
[﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ١٠ - ١١]
﴿فَارِغًا﴾ صِفرًا من العقل. والمعنى: أنّها حينَ سمعتْ بِوقُوعِه في يدِ فرعونَ طارَ عقلُها لِما دَهِمَها من فَرْطِ الجَزَع والدَّهَش. ونحوُه قولُه تعالى: ﴿وَأَفْدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي: جُوَّفٌ لا عُقُول فيها، ومنهُ بيتُ حسّان:
ألا أَبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي … فأنت مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ
_________________
(١) ـ ويؤيِّدُه قولُه تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ،﴾ [طه: ٣٩]؛ حيثُ جعلَ ﴿يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَّهُ،﴾ جوابًا للأمر، ومسبّبًا عنِ الإلقاء. وقدْ سبقَ قُبَيْلَ هذا في كلامِ المصنَّفِ ما يعضُدُ هذا المعنى، ونبّهْناكَ عليه. فعلى هذا قولُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ عطفٌ على مُقدّراتٍ شَتّى بحسَبِ ما يقتَضيهِ الحالُ والقِصّة. وأقول: ما أحسَنَ نظْمَ هذا الكلامِ عندَ المرتاضِ بعِلْمِ محاسن النّظم، وما أظْهَرَهُ مِنْ سُلطانٍ على القولِ بالقضاءِ والقَدَر، والمصنفُ لو تنبَّه على هذه الدقيقة لما نبَّهنا عليها، والجملة على ذلك. قولُه: (أي: جُوّفٌ لا عقولَ فيها)، وهوَ جَمْعُ أجْوَف. الأساس: رجلٌ أجوفٌ ومُجَوّف: جَبانٌ لا فؤادَ له، وقومٌ جُوّف. قولُه: (ألا أَبْلِغْ أبا سُفْيانَ) البيت، «نَخِبٌ»: الأساس: نَخِب: لا فؤادَ له، وقد نُخِبَ قَلْبُه كأنما نُزِعَ؛ مِنْ قولِهم: نَخَبْتُ الشيّءَ وانْتَخَبْتُه: إذا نَزَعْتُه، ومِنهُ الانتِخاب؛ كأنك
[ ١٢ / ١٧ ]
وذلك أنّ القُلوبَ مراكزُ العُقُول. ألا ترى إلى قولِه: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ﴾؟ ويدلُّ عليه قراءةُ مَن قرأ: (فَزِعًا). وقُرِئَ: (قَرِعًا) أي: خاليًا؛ من قولِهم: أعوذُ بالله من صُفْرِ الإناءِ وقَرَعِ الفناء، وفِرْغًا، من قولِهم: دماؤُهم بينَهم فِرْغٌ، أي: هَدْر، يعني: بَطَلَ قلبُها وذهب، وبقِيَتْ لا قلبَ لها من شدّةِ ما ورد عليها ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ لَتُصْحِرُ به. والضَّميرُ لمُوسى والمرادُ: بأمرِه وقِصَّتِه، وأنَّه وَلَدُها ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بإلهامِ الصَّبر، كما يُربَطُ على الشَّيءِ المُنفَلِتِ ليَقِرَّ ويَطمئِنَّ ﴿لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ من المُصدِّقين بِوَعْدِ الله، وهو قولُه: ﴿إِنَّا رَأَىدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ويجوز: وأصبحَ فؤادُها فراغًا من الهمّ، حينَ سمعتْ أنَّ فرعونَ عطفَ عليهِ وتبنّاه إن كادتْ لتُبدي بأنَّهُ ولَدُها؛ لأنّها لم تملكْ نفسَها فرَحًا وسُرورًا بما سمعتْ، لَولا أنّا طمأنَّا قلبَها وسكَّنّا
_________________
(١) ـ تَنْتَزِعُه مِنْ بَيْنِ الأشياء. قال: ومِنَ المجاز: قولُهم للجَبان: إنّهُ لَهَواءُ خالي القلبِ مِنَ الجَرْأة ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] والأَصْل: الجَوّ. قولُه: (ويَدُلُّ عليه)، أي: على أنّ معنى ﴿فَارِغًا﴾: فارغًا مِنَ العقل. قولُه: (مَنْ قَرَأَ: «فَزِعًا». وقُرِئَ: «قَرِعًا»)، قالَ ابنُ جِنِّي: الحَسَنُ وابنُ قطيب: (فَزِعًا) بالفاءِ والزاي، ومعناه: قَلِقًا يكادُ يخرجُ مِنْ غِلافِه، فيُكشَفُ؛ منه ﴿حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] أي: كُشِّفَ عنها. وقرأ ابنُ عباسٍ: «قَرِعًا» بالقافِ والراء، ومعناهُ راجعٌ إلى فارغًا؛ وذلكَ أنّ الرأسَ الأقرعَ وهوَ الخالي عنِ الشعر، وإذا خَلِيَ عن الشعرِ فقدْ انكَشَفَ منه. وعنهُ (فَرَغًا) أي: هَدَرًا وباطلًا. يؤكِّدُ ذلكَ كُلّه: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. قولُه: (لَتُصْحِرُ بهِ)، أي: لَتُبدِي به؛ مِنَ البَدْوِ وهوَ البَرِيّة، لا مِنَ البُدُوِّ بمعنى الظهور. الأساس: ومِنَ المجاز: أصْحَرَ بالأمرِ وأصْحَرَه: أظْهَرَه.
[ ١٢ / ١٨ ]
قلقَهُ الذي حدثَ به من شِدّةِ الفرحِ والابتهاج، لِتكونَ من المُؤمنِينَ الواثِقِينَ بوعْدِ الله لا بتَبنِّي فرعونَ وتعطُّفِه. وقرئَ: (مؤسى)، بالهمزِ: جُعِلت الضَّمّةُ في جارةِ الواوِ وهي الميمُ كأنّها فيها، فهُمِزَتْ كما تُهمَزُ واوُ وجوه. و﴿قُصِّيهِ﴾ اتّبعي أثره وتتّبعي خبَرَه. وقُرِئَ: (فَبَصِرَتْ) بالكسرِ، يُقالُ بَصُرَت به عن جُنُبٍ وعن جُنُبٍ وعن جنابة، بمعنى: عن
_________________
(١) ـ قولُه: (لِيكونَ مِنَ المُؤمِنينَ الواثِقين بوَعدِ الله لا بتَبَنِّي فِرعونَ وتعطُّفِه)، فإنْ قلتَ: ما الفرقُ بينَ هذه العبارةِ وبينَ ما سبقَ مِنَ المؤمنينَ مِنَ المصدِّقِينَ بوَعدِ الله؟ قلتُ: الأوّلُ مبنيٌّ على أنّ ﴿فَارِغًا﴾ بمعنى: فارغًا مِنَ العقلِ مِنَ العقلِ مِن فَرْطِ الجَزَعِ والدّهَش، فالمناسِبُ أنْ يُقال: كادتْ تُظْهِرُ بأَمْرِ مُوسى مِنَ الغَمّ؛ لولا أنّ الله تعالى ألْهَمَها الصّبرَ لِتَقَرّ وتكونَ مِنَ المصدِّقينَ بوَعدِ الله وهُو: ﴿إِنَّا رَأَىدُّوهُ إِلَيْكِ﴾. والثاني مبنيٌّ على أنّ ﴿فَارِغًا﴾ بمعنى: فارغًا مِنَ الهَمِّ والحُزْن -عكسُ الأوّل-، فالمناسبُ أنْ يُقَال: كادتْ تُظْهِرُ بأمْرِ مُوسى مِنَ الفَرَح؛ لولا أنْ رَبَطْنا على قَلْبِها كَرامةً لها؛ ليكونَ فرحُها وابتهاجُها مِنَ الوثوقِ بوَعدِ الله وهُو: أنّهُ حافظُه وَرادُّه إليها، ولا يكونَ فرحُها مِن تَبَنِّي فِرعون؛ فإنّ هذا الفَرَحَ سَخْطةٌ مِنَ الله تعالى؛ فالإيمانُ على المعنى الأوّلِ بمعنى الأوّلِ بمعنى التصديق، وعلى الثاني بمعنى الوثوق. روى المصنِّفُ عن أبي زيد: ما آمنتُ أنْ أَجِدَ صحابة؛ أي: ما وَثِقْتُ، وحقِيقتُه: صِرْتُ ذا أمن؛ أي: ذا سكونٍ وطمَانينة. قولُه: (يُقال: بَصُرَتْ به)، الراغب: البَصَر: يُقالُ للجارِحةِ الناظِرة؛ كقولِه تعالى: ﴿كَلَمْحِ اَلْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧]، وللقُوّةِ التي فيها. ويُقالُ لِقوّةِ القلبِ المُدرِكة: بَصِيرةٌ وبَصَر؛ كقولِه تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، ولا يكادُ يُقالُ للجارِحة: بصيرة. ويُقالُ مِنَ الأول: أبْصَرْتُ، ومِنَ الثاني: أبْصَرْتُه وبَصُرْت به. وقلّما يُقال: بَصُرْت في الجارحة، ويقال: رأيته لَمْحًا باصِرًا؛ أي: نظرًا بتحديق. وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] أي: مضيئة، وقولُه: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، أي: طالبينَ البصيرة. ويجوزُ أنْ يُستعارَ الاستبصارُ للإبصار، نحوُ استعارةِ الاستجابةِ للإجابة.
[ ١٢ / ١٩ ]
بُعْد. وقرئ: (عن جانب)، (وعن جنب). والجنْبُ: الجانِبُ. يقالُ: قعدَ إلى جنبهِ وإلى جانِبِه، أي: نظرتْ إليهِ مُزْوَرَّةً مُتجانفِةً مُخاتلةً. وهم لا يُحِسُّون بأنَّها أُختُه، وكان اسمُها مريم.
[﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١٢ - ١٣]
التَّحريم: استعارةٌ للمَنْعِ؛ لأنَّ من حُرِّمَ عليه الشيءُ فقد مُنِعَه. ألا ترى إلى قولِهم: محظور، وحِجْر، وذلك لأنَّ الله منعَه أن يرضَع ثديًا، فكان لا يَقْبَلُ ثَدْيَ مُرضِعٍ قطّ، حتى أهمَّهم ذلك. والمراضع: جمعُ مُرضِع، وهي المرأةُ التي تُرضِع. أو جمعُ مَرْضَع، وهو موضِعُ الرَّضاعِ يعني: الثَّديَ، أو الرَّضاعُ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبلِ قَصَصِها أثرَه. رُوِيَ أنّها لمّا قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ، نَاصِحُونَ﴾ قال هامان: إِنها لتَعْرِفُه وتعرفُ أهلَه، فقالتْ: إنّما أردتُ: وهُم للملِكِ ناصحون. والنُّصْح: إخلاصُ العملِ من شائِبِ الفساد،
_________________
(١) ـ قولُه: (مخاتلة)، الجوهري: خَتَلَه وخاتَلَه؛ إذا خادَعَه، التخاتُل: التخادُع. قولُه: (قالَ هامان: إنها لَتعرِفُه وتعرِفُ أهلَه، فقالت: إنما أَرَدْت: وهُم للمَلِكِ ناصحون)، الانتصاف: فخَلُصَتْ بهذهِ الكلمةِ مِنَ التهمةِ وأحسَنَت، وليسَ بِبِدْع؛ لأنها مِنْ بيتِ النُّبوّةِ وأختُ النبي؛ فحقيقٌ بها ذلك. قالَ صاحبُ «الإنصاف»: ما ذكرَه الزمخشريُّ وصاحبُ «الانتصاف» بعيد؛ لأنّ اللغةَ التي كانتْ تتكلمُ بها أختُ موسى غيرُ هذهِ اللغة؛ فالألفاظُ المتلُوّةُ في القرآنِ عبارةٌ عن معنى الألفاظِ التي قالتها، وهذا الاحتمالُ إنما نشأَ مِنْ تركيبِ الألفاظِ العربيةِ واحتمالِ الضميرِ للأمرَيْنِ فيها؛ فلا يَلزَمُ أنْ يكونَ لفظُها في لغتِها للأمرَيْن.
[ ١٢ / ٢٠ ]
فانطلقَت إلى أُمِّها بأمرهم، فجاءتْ بها والصَّبيُّ على يدِ فرعونَ يُعلله شفقةً عليه وهو يبكي يطلُبُ الرَّضاعَ، فحينَ وجَدَ رِيحَها استأنَسَ والْتَقَم ثديَها، فقال لها فرعون: ومن أنتِ منه فقد أبي كُلَّ ثَدْيٍ إلاّ ثديَك؟ قالت: إنِّي امرأةٌ طيِّبةُ الرِّيحِ طيِّيةُ اللَّبَن، لا أُوتي بصبِيٍّ إلاّ قَبِلَني، فدَفَعَه إليها وأجرى عليها، وذهبتْ به إلى بيتِها، وأنجزَ الله وعدَه في الرَّدّ، فعندَها ثَبَتَ واستقرَّ في علمِها أن سيكونُ نبيًّا، وذلك قولُه: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ يريدُ: وليثُبتُ علمُها ويتمكّنَ. فإن قلتَ: كيف حلّ لها أنْ تأخُذَ الأجرَ على إرضاعِ ولدِها؟ قلتُ: ما كانت تأخُذُه على أنّه أجرٌ على الرَّضاعِ، ولكنّه مالٌ
_________________
(١) ـ وقلتُ: هذا الأسلوبُ مِنَ الكلام الموجّهِ أو الإيهام وأيُّ بُعْدٍ في وقوعِ نحوِهِ في لغةٍ أخرى لا سِيّما في الضمير، وقد روى مُحيي السُّنةِ عنِ ابنِ جُرَيحٍ والسُّنةِ عنِ ابنِ جُرَيجٍ والسُّدِّيِّ نحوَه. قولُه: (يُعلله شفقةً)، الجوهري: علله بالشيء: لهاهُ به؛ كما يُعلّلُ الصبيُّ بشيءٍ مِنَ الطعامِ يتجزّأُ بهِ عنِ اللّبن. قولُه: (واستقرّ في علمِها أنْ سيكونُ نبيًّا)، وذلكَ أنّه تعالى وعَدَها بخَصلَتَيْنِ في قولِه: ﴿إِنَّا رَأَىدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فعِندَما أَنجَرَ الوعدَ بإحدى الخَصْلَتَيْنِ حقّقَتْ أنّ الأخرى ستكون؛ فكانَ الردُّ علةً لتحقيقِ حُصولِ الرسالة؛ ولهذا قال: إنّ الرّدّ إنما كانَ لهذا الغرضِ الدينيِّ وهُو عِلمُها بصدقِ وعدِ الله. قولُه: (ما كانتْ تأخذُه على أنّه أجرٌ على الرضاع)، مذهبُ الشافعيِّ ﵀: جوازُ أخذِ الوالِدةِ مِنَ المولودِ لهُ أُجْرةَ الرضاع، وأبو حنيفة ﵀ لا يجوِّزُه؛ فورودُ السؤالِ على مذهبِه.
[ ١٢ / ٢١ ]
حربيٌّ كانت تأخذُه على وجهِ الاستباحة. وقولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ داخلٌ تحتَ علمِها. المعنى: لنتعلمَ أنَّ وعدَ الله حقٌّ، ولكنّ أكثرَ النّاس لا يعلمون أنّه حقٌّ فيرتابون. ويُشْبِهُ التَّعريضَ بما فَرَطَ منها حينَ سمِعَتْ بخبرِ مُوسى، فَجزِعَتْ وأصبحَ فؤادُها فارغًا. يُروى أنّها حينَ ألقتِ التّابُوتَ في اليمِّ جاءَها الشَّيطان فقال لها: يا أُمَّ مُوسى، كرهتِ أن يَقْتُلَ فرعُون موسى فتُؤجَري، ثمَّ ذهبتِ فتولَّيتِ قتلَه؟ فلمّا أتاها الخبرُ بأنّ فرعونَ أصابَه قالتْ: وقَعَ في يدِ العَدُوِّ، فنسِيَتْ وعدَ الله. ويجوزُ أن يتعلَّقَ ﴿وَلَكِنَّ﴾ بقولِه: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾ ومعناهُ: أنَّ الرَّدَّ إنّما كانَ لهذا الغرضِ الدِّينيّ،
_________________
(١) ـ قولُه: (ويُشبِهُ التعريض)، أي بِأُمِّ موسى؛ يعني: قولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اَلْنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ تنبيهٌ لها على أنّ ما دَهَمَها مِنْ فَرْطِ الجَزَعِ والدّهَشِ في أَوّلِ الأَمرِ كانَ من قِلّةِ العِلم، والجَهلِ بتدبيرِ الله؛ كما أنّ قولَه تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ*إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوءِ﴾ [النمل: ١٠، ١١] كانَ تعريضًا بموسى مِن وَكْزةِ القِبْطيِّ وقولِه فيه: ﴿إنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦]. قولُه: (ويجوزُ أنْ يتعلّقَ ﴿وَلَكِنَّ﴾ بقولِه: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾، أي: يختصُّ بهِ دونَ المعطوفَيْن -يعني: ﴿تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ - بشهادةِ إعادةِ حرفِ التعليل، وكانَ مُستغنًى عنهُ بالعاطِف؛ فدلّ ذلكَ على شِدّةِ العنايةِ به، وأنّهُ الغَرَضُ الأصلي؛ فاختصّ لذلكَ بهِ لأنّهُ لا يُستدرَكُ بذلك إلا في أمرٍ يَعزُّ الوصولُ إليه، ولأنّ كلّ أحدٍ يعلمُ ضرورةً أنّ فَرَحَ الثّكْلى وذَهابَ حُزْنِها إنما يكونُ بوِجْدانِ مَفْقودِها؛ ولكنْ لا يعرِفُ أنّ الردّ لصدقِ الوعدِ إلا الواقِفونَ على أسرارِ الله تعالى ودقائقِ حكمتِه؛ فعلى هذا جملةُ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
[ ١٢ / ٢٢ ]
وهو عِلْمُها بصدْقِ وعدِ الله. ولكنَّ الأكثرَ لا يعلمونَ بأنّ هذا هو الغرضُ الأصليُّ الذي ما سِوَاهُ تَبعٌ له من قُرّةِ العَيْنِ وذهابِ الحُزن.
[﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ١٤]
﴿وَاسْتَوَى﴾ واعتدل وتمّ استحكامُه، وبلَغَ المَبلَغَ الذي لا يُزادُ عليه، كما قال لقيط:
واستَحمِلوا أمرَكُم لله دَرُّكُمُو … سوء المرِيرَة لا قَحْمًا ولا ضَرَعَا
_________________
(١) ـ يَعْلَمُونَ﴾ معطوفةٌ على جملةِ العلةِ والمعلول، وعلى الأوّلِ عطفٌ على ما سدّ مَسدّ المفعولَيْنِ لِقولِه: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾. قولُه: (وبَلَغَ المبْلَغَ الذي لا يُزادُ عليه)، وعنْ بعضِهم: وفي الحديث: «إذا بَلَغَ العَبْدُ أربِعينَ سنة؛ فقدْ أعذَرَ الله إليه»، قالت الحكماء: هي التي على العاقلِ اللبيبِ إذا شارَفَها أن يَسْتَوِي وعلى الأديبِ الأريبِ إذا أناخَ عليها أن يَرْعَوِي. قولُه: (واستَحْمِلوا أمرَكُم) البيت، استحملتُه: سألتُه أنْ يحُمِّلَني أمرَكم؛ أي: أمرَ الخلافة. لله دَرُّكُم أي: خيرُكُم وصالحُ عَمَلِكُم؛ لأنّ الدرّ أفضلُ ما يُحتَلَب، وإذا ذَمُّوا قالُوا: لادَرّ الله دَرّه؛ أي: لا كَثّرَ خيرَهُ ولا زَكّى عَمَلَه. والشّزَرُ مِنَ الفَتْل: ما كانَ إلى فوق، خلافُ دورِ المِغْزَل؛ يُقال: حَبْلٌ مَشْزُور؛ أي: شَديدُ الفَتْل. والمرِيرة: العزِيمة، أو مِنْ المِرّةِ، وهي القُوّة، والمريرُ مِنَ الجِبال: ما لَطُفَ وطالَ واشتَدّ، ورجلٌ ذو مِرّة: إذا كانَ سليمَ الأعضاءِ صحيحًا. وشيخٌ قَحْم: هَرِم، مثلُ: قَحْل. والضَّرَع -بفتحتين-: الضعيف. يقول: قلِّدُوا أَمْرَ الخلافةِ رجلًا قادرًا قويًّا غيرَ الهَرِم والضعِيفِ الذي لا رأيَ له، لا قَحْمًا ولا ضَرَعًا؛ كقولِه تعالى: ﴿لاَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].
[ ١٢ / ٢٣ ]
وذلك أربعونَ سنةً، ويُروى: أنّه لم يُبعثْ نبيٌّ إلاّ على رأسِ أربَعِينَ سنةً. العلم: التَّوراة. والحُكْم: السُّنّة. وحكمةُ الأنبياء: سُنَّتهُم. قالَ الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَايُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَاَلْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] وقيل: معناهُ آتيناهُ سيرةَ الحُكماءِ العُلَماءِ وسَمْتَهُم قبلَ البَعْث، فكانَ لا يفعلُ فِعلًا يستَجْهِلُ فيه.
[﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ* قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ١٥ - ١٧]
المدينةُ: مصرُ. وقيل: مدينةُ مَنْفَ من أرضِ مصر. وحينُ غَفْلَتِهم: ما بينَ العِشاءَيْن.
وقيل: وقتُ القائِلة. وقيل: يومُ عيدٍ لهم هم مُشتغِلُون فيه بلَهْوِهم. وقيل: لما شبَّ وعَقَل أخذَ يتكلَّمُ بالحقِّ وينْكِرُ عليهم، فأخافوه، فلا يدخلُ قريةً إلاّ على تَغَفُّلٍ. وقرأ سيبويهِ: (فاستعانَهُ). ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ ممّن شايَعَهُ على دينهِ من بَني إسرائيل. وقيل: هو السّامِرِيّ ﴿مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من مُخالِفِيه من القِبْط، وهو فاتون، وكان يتسخَّرُ الإسرائيليَّ لحَمل الحطبِ إلى مَطبخِ فرعون. و(الوكز): الدّفعُ بأطرافِ الأصابع. وقيل: بجَمع الكفّ، وقرأ ابن مسعود: (فَلَكَزَهُ) باللاّم. ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فقتله. فإن قلتَ: لم جُعِلَ
_________________
(١) ـ قولُه: (مدينةُ مَنْفَ)، مُنِعَ الصّرْف؛ لاجتماعِ التأنيثِ والعَلَميّةِ والعُجْعة، كماه وجور في اسمِ بلدَتَيْن. قولُه: (وَقْتُ القائلة)، أي: الظّهيرة، وقد يكونُ بمعنى القيلولة؛ وهيَ النومُ في الظّهيرة. قولُه: (فلَكَزه)، الجوهري: اللّكْزُ: الضّرْبُ بالجُمْعِ على الصّدْر، وقيل: على جميعِ الجسد. قولُه: (﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فقتله)، الأساس: وقضى المريضُ نَحْبَه، قَضى عليه بضَرْبِه قضاه، وأَتَتْ عليه القاضِيةُ أي: المَنِيّة.
[ ١٢ / ٢٤ ]
قتلُ الكافرِ من عَمَلِ الشّيطانِ، وسمّاه ظُلمًا لنفسِه واستُغْفِرَ منه؟ قلتُ: لأنّه قَتلَهُ قبلَ أن يؤذَنَ له في القتلِ، فكان ذَنَبًا يُستَغفَرُ منه. عن ابن جُرَيج: «ليس لنبيٍّ أن يَقتُلَ؛ ما لم يؤمرْ». ﴿بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ يجوزُ أن يكونَ قَسَمًا جوابُه محذوفٌ، تقديرُه: أُقسِمُ بإنعامِكَ عليَّ بالمَغفِرةِ لأَتُوبنَّ؛ ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾، وأن يكونَ استعطافًا، كأنَّه قال: ربِّ اعصمني بحقِّ ما أنعمتَ عليَّ من المغفرةِ، فلن أكُونَ، إن عصمتَني، ظهيرًا للمُجرِمِين. وأراد بمُظاهرةِ المُجرِمِين: إمّا صُحبةَ فرعونَ وانتظامَه في جُملتِه، وتكثيرَهُ سوادَهُ؛ حيثُ كان يَركبُ برُكُوبِه؛ كالوَلَدِ مع الوالد، وكان يُسمّى ابنَ فرعون. وإمّا مُظاهرةَ مَنْ أدّتْ مُظاهرتُه إلى الجُرمِ والإثمِ، كمُظاهرةِ الإسرائيليِّ المُؤديةِ إلى القتلِ الّذي لم يَحِلَّ له. وعن ابنِ عباسٍ: لم يَسْتَثنِ فابُتليَ به مرّةً أُخرى. يعني: لم يقل: ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ إن شاءَ الله. وهذا نحوُ قولِه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوَا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣]
_________________
(١) ـ قولُه: (وأنْ يكونَ استعطافًا)، قالَ ابنُ الحاجِب: القَسَمُ جملةٌ إنشائيّةٌ يُؤكّدُ بها جملةٌ أخرى؛ فإنْ كانتْ خبريّةً فهُوَ القَسَمُ لغيرِ الاستعطاف، وإنْ كانتْ طلبيةً فهُوَ للاستعطاف. وقلتُ: الاستعطافُ يُستفادُ مِنَ اللفظِ الذي يُشعِرُنا بالعَطْفِ والحُنُوّ؛ فكأنّ الداعي يستعطفُ المدعُوّ بنعمةِ المغفِرة، ويجعلُها وسيلةً لطلبِ العِصْمة، وقدْ لَمحَ إليهِ في أولِ «النساء». ومما يدلُّ على أنّ الاستعطافَ ليسَ بقَسَمٍ أنّ المصنِّفَ جعلَهُ هاهنا قَسيمًا للقَسَم؛ لأنّ القائلَ إذا قال: تالله لأفعلَنّ كذا؛ انعَقَدَ اليمين، ولو قال: تاالله أفعَلُ كذا؛ لا يَنعِقد اليمين. وعلى الوجهِ الثالثِ- وهُوَ قولُه: «بما أنعمتَ علىّ مِنَ القُوّة» -: الباءُ سَبَبِيّة؛ فحينئذٍ لا يكونُ قَسَمًا، ولا استعطافًا؛ فالمعنى: بسببِ ما أنعمتَ عليّ مِنَ القُوّة؛ أشكُرُك، فلنْ أستعملَ القُوّةَ إلا في مُظاهَرةِ أوليائك. قالَ في قولِه تعالى: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩]: «ويجوزُ أنْ لا يكونَ قَسَمًا، ويكونَ المعنى: بسببِ تَسْبيبِكَ لإغوائي أُقسِمُ لأفعلَنّ».
[ ١٢ / ٢٥ ]
وعن عطاءٍ ﵀: أنَّ رجُلًا قال له: إنّ أخي يَضرِبُ بقَلَمِه ولا يعدُو رِزقَه. قال: فَمَن الرّأسُ؟ يعني: مَن يكتُبُ له؟ قال: خالدُ بنُ خالدُ بنُ عبدِ الله القَسْريّ. قال: فأينَ قولُ موسى؟ وتلا هذه الآيةَ. وفي الحديثِ: «ينادي منادٍ يومَ القيامة: أينَ الظَّلَمَةُ وأشباهُ الظَّلَمةِ وأعوانُ الظَّلَمة؟ حتّى من لاقَ لهم دَواةً أو بَرى لهم قلمًا، فيُجمعونَ في تابوتٍ من حديدٍ فيُرمى به في جهنّم». وقيل معناه: بما أنعمتَ عليَّ من القُوّة، فلن أستَعْمِلَها إلاّ في مُظاهرةِ أوليائِك وأهلِ طاعتِكَ والإيمانِ بك، ولا أدعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ أحدًا من بني إسرائيل.
[﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ*فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ١٨ - ١٩]
﴿يَتَرَقَّبُ﴾ المكروهَ وهو الاستقادةُ منه، أو الأخبار وما يُقال فيه، ووَصَفَ الإسرائيليَّ بالغَيِّ؛ لأنّه كان سببَ قتلِ رجل، وهو يقاتِلُ آخَر. وقرئ: (يَبْطُش)، بالضَّمّ. والذي هو عدوٌّ لهما: القِبْطِيّ؛ لأنّه ليسَ على دينِهِما، ولأنّ القِبْطَ كانوا أعداءَ بني إسرائيل.
والجبّارُ: الذي يفعلُ ما يريدُ من الضَّرْبِ والقَتلِ بظلم، لا ينظُرُ في العواقبِ، ولا يدفَعُ
_________________
(١) ـ قولُه: (لا يعدو رزقَه)، أي: لا يتجاوزُ عما عُيِّنَ لهُ مِنَ الرزق، أي: الأُجْرةِ على عَمَلِه. قولُه: (مَنْ لاقَ لهُمْ دَواة)، الجوهري: لاقَتِ الدواةُ تليق؛ أي: لَصِقَتْ، ولِقْتُها أنا؛ يتعدّى ولا يتعدّى، وهيَ مَلِيقة: إذا أَصلَحْتَ مِدادَها. الأساس: لِقْتُ الدّواة، وأَلَقْتُها؛ فلاقَت، وهذهِ لِيقةُ الدّواة؛ أي: بعضُ أخلاطِها. قولُه: (والجَبّارُ: الذي يفعلُ ما يُريد)، الراغب: والجَبّارُ في صِفةِ الإنسان: مَنْ يَجْبُرُ نَقِيصتَهُ بادِّعاءِ مَنزِلةٍ مِنَ التعالي لا يَستَحِقُّها، وهذا لا يُقالُ إلا على طريقِ الذّمِّ؛ كقولهِ تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. وأمّا
[ ١٢ / ٢٦ ]
بالّتي هي أحسن: وقيل: المُتعظِّمُ الذي لا يتواضعُ لأمرِ الله، ولمّا قالَ هذا أفشى على مُوسى؛ فانتشرَ الحديثُ في المدينةِ، ورَقَى إلى فرعونَ، وهمُّوا بقتلِه.
[﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ٢٠]
_________________
(١) ـ في وَصْفِهِ تعالى فقدْ قِيل: سُمِّيَ بذلكَ مِنْ: جَبَرْتُ الفقير؛ لأنّهُ تعالى هُوَ الذي يَجْبُرُ الناسَ بفائِضِ نِعَمِه، وقيل: لأنهُ يَجْبُرُ الناسَ أي: يَقْهَرُهم على ما يريد. ودفَعَهُ بعضُ أهلِ اللغةِ منْ حيثُ اللفظ؛ لأنّ «فعّالًا» لا يُبْنى مِنْ: أفْعَلْت؛ فأُجِيبَ بأنّ ذلكَ مِنْ لفظِ الجَبْرِ المرويِّ في قولِهم: لا جَبْرَ ولا تَفْويضَ، لا مِنَ الإجبار. وأنكَرَ ذلكَ جماعةٌ مِنَ المُعتزِلةِ مِن حيثُ المعنى؛ فقالوا: يتعالى الله عنْ ذلكَ، وليسَ بمُنكَر؛ فإنهُ تعالى قد أَجْبَرَ الناسَ على أشياءَ لا انفكاكَ لهُمْ مِنها حَسْبَ ما تقتضِيهِ حكمتُهُ لا على ما تتوهّمُهُ الغُواةُ والجَهَلة؛ وذلكَ كإكراهِهِمْ على المَرَضِ والمَوْتِ والبَعْثِ، وسخّرَ كلاَّ منهمْ لصناعةٍ مِن الأخلاق، وجعلَهُ مُجْبَرًا في صُورةِ مُخَيّر؛ قالَ تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيَواةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقد رُوِي عن عليٍّ ﵁: يا بارئَ المسموكاتِ وجبّارَ القلوبِ على فِطْرتِها شَقيِّها وسعيدِها. وأصلُ الجَبْر: إصلاحُ الشيءِ بضربٍ مِنَ القَهْر؛ يُقال: جَبَرتُه فانْجَبَر، وقدْ يُقالُ تارةً في الإصلاح المجَرّد؛ كقولِ القائل: يا جابِرَ كلِّ كسير، ومُسَهِّلَ كلِّ عسير، وتارةً في القهرِ المجرّدِ كقولِه: لا جَبْرَ ولا تَفْوِيض. قولُه: (ورقى إلى فرعون)، الجوهري: رقى عليه كلامًا يَرْقِيه: إذا رَفَع، وفي استعمالِه بـ «إلى» تضمينُ معنى الانتهاء.
[ ١٢ / ٢٧ ]
قيل: الرَّجُل: مؤمنُ آل فرعون، وكان ابنَ عمِّ فرعون، و﴿يَسْعَى﴾ يجوزُ ارتفاعُه؛ وصفًا لرجُل، وانتصابُه حالًا عنه؛ لأنّه قد تخصّص بأن وُصِفَ بقولِه: ﴿مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ﴾، وإذا جُعِلَ صلةً لـ «جاء»، لم يَجُزْ في ﴿يَسْعَى﴾ إلاّ الوصف. والائتمار:
_________________
(١) ـ قولُه: (وإذا جُعِلَ- أي: ﴿مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ﴾ - صلةَ «جاء» لم يَجُزْ في ﴿يَسْعَى﴾ إلا الوَصْفُ)، لأنّ ذا الحالِ نكرةٌ صِرْفة. كأنّ ميلَ صاحِبِ «المفتاح» إلى هذا الوجه؛ حيثُ قال: ذَكَرَ المجرورَ بعدَ الفاعِلِ وهوَ مَوضِعُه، وفي «يس» قَدّمَه لِكونِهِ أَهَمّ؛ لأنّ الكلامَ هناكَ في سوءِ مُعامَلةِ أصحابِ القريةِ للرُّسُل، وكانَ لأنْ يجيلَ السامعُ في فكرِه: أكانتْ تلكَ القريةُ بحافّاتِها كَذلك، أَمْ كانَ هناكَ قَطْرٌ مُنبِتُ خَيْر؟ فانتَظَرَ مَساقَ حديثِهِ فَقَدّمَ لهذا العارضِ بخلافِه هاهنا؛ فإنّ المترتِّبَ إخبارُ مُخبِر، كما قالَ المصنِّفُ في قولِه تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي اَلْمَدِينَةِ خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾: «أي: الإخبارَ وما يُقالُ فيه». بَقِيَ أنْ يُقال: لِمَ قَدّمَ المجرورَ على الوصفِ ومرتبتُه التأخير؟ والأظهرُ أنّ المجرورَ صلةُ ﴿يَسْعَى﴾، والجملةُ وصفٌ لـ ﴿رَجُلٌ﴾؛ لأنّ موسى ﵇ كانَ مختفيًا في بعضِ أقطارِ المدينةِ وأكنافِها، مترقِّبَا لمُخبِرٍ يُخبِرُه، والرجلُ كانَ مؤمنًا مُعتَنِيًا بشأنِ نبيِّ الله؛ فحينَ أطرقَ سمعَه مؤامرةُ القومِ سعي مِن عندِهم إليهِ انتهازًا للفرصة؛ ومِن ثَمّ أتْبعَه بقولِه: ﴿إِنّيِ لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي: مِنَ الذينَ لهُمْ مساهَمةٌ في النُّصح لك. وأكّدَه بأنّ قولَه: ﴿لَكَ﴾ بيانٌ وليسَ بِصِلةٍ للناصحِين؛ أي جوابٌ لِمَنْ يقولَ: لِمَنْ ينصَح؟ كقولِه تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ اَلْزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠].قالَ الزجّاج: ﴿لَكَ﴾ ليسَ مِن صِلةِ ﴿اَلْنَّاصِحِينَ﴾؛ لأنّ الصِّلةَ لا تتقدّمُ على الموصول، كأنّه قال: إني مِنَ الناصحِينَ ينصحونَ لك، وفي الكلام: «نَصَحْتُ لكَ» أكثرُ مِنْ نَصَحْتُك.
[ ١٢ / ٢٨ ]
التَّشاور. يقالُ: الرَّجُلانِ يتآمرانِ ويأتَمِران؛ لأنّ كُلَّ واحدٍ منهما يأمرُ صاحبَه بشيءٍ، أو يُشيرُ عليه بأمرٍ. والمعنى: يتشاوَرُون بسبَبِك. ﴿لَكَ﴾ بيان، وليس بصلةِ النّاصحين. [﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢١]
﴿يَتَرَقَّبُ﴾ التَعرُّضَ له في الطّريق، أو أن يُلْحَقَ.
[﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٢٢]
﴿تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ قَصْدَها ونَحْوَها. ومَدْيَن: قريةُ شعيبٍ ﵇، سُمِّيتْ بمَدْيَنَ بنِ إبراهيم، ولم تكنْ في سُلطانِ فرعون، وبينها وبينَ مصرَ مسيرةُ ثمانٍ، وكان مُوسى صلى الله عليه لا يعرفُ إليها الطَّريقَ. قال ابنُ عباسٍ: خرجَ وليسَ لهُ علمٌ بالطريقِ إلاّ حُسنُ ظنِّه بربِّه. ﴿سَوَآءُ اَلْسَّبِيلِ﴾ وسطُه ومُعظَمُ نهْجِه. وقيل: خَرَجَ حافيًا لا يعيشُ إلا بورَقِ الشَّجَر، فما وصلَ حتّى سقَطَ خُفُّ قَدَمِه. وقيل: جاءَهُ مَلَكٌ على فرسٍ بيدهِ عَنَزةٌ، فانطلقَ بهِ إلى مَدْيَن.
[﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ
_________________
(١) ـ قولُه: (وليسَ لهُ عِلمٌ بالطريقِ إلا حُسنُ ظنِّهِ بربِّه)، هذا الاستثناءُ نحو: ﴿لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ*إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبِ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. قولُه: (عَنَزَة)، النهاية: العنَزَةُ: مِثلُ نِصفِ الرُّمحِ أو أكبرَ، وفيها سِنانٌ مِثلُ سِنانِ الرُّمح.
[ ١٢ / ٢٩ ]
عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ *قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ٢٣ - ٢٨]
﴿مَآءَ مَدْيَنَ﴾ ماؤهم الذي يستَقُونَ منه، وكان بئرًا فيما روي. ووُرودُه: مجيئُه والوصولُ إليه. ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾: وجد فوقَ شفيرِه ومُستَقاهُ، ﴿أُمَّةً﴾: جماعةً كثيفةَ العدد، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ من أُناسٍ مختَلِفِين، ﴿مِن دُونِهِمُ﴾ في مكانٍ أسفلَ من مكانِهِم. والذَّودُ: الطَّرْدُ والدَّفعُ، وإنّما كانتا تذودان؛ لأنَّ على الماءِ مَن هو أقوى منهُما؛ فلا تتمكنان من السَّقْي. وقيل: كانتا تَكْرهانِ المُزاحمةَ على الماء. وقيل: لئلاّ تختَلِطَ أغنامُهُما بأغنامِهِم. وقيل: تذودانِ عن وُجوهِهِما نظرَ النّاظِرِ لِتَستُّرِهِما. ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾: ما شأنُكُما؟ وحقيقتُه: ما مخطوبُكما؟ أي: مطلوبُكما من الذِّياد، فسمّى
_________________
(١) ـ قولُه: (﴿أُمَّةً﴾ جماعةً كثيفةَ العددِ ﴿مِّنَ اَلْنَّاسِ﴾ مِنْ أُناسٍ مختلفِين)، أما تقييدُها بالكثيفة؛ فمِنْ تخصيص ذكرِ «الأمة». النّهاية: يُقالُ لكلِّ جيلٍ مِنَ الناسِ والحيوان: أمة. وفي الحديث: «لولا أنّ الكلابَ أمّةٌ تُسَبِّحُ لأَمَرْتُ بقتلِها». الراغب: الأمة: جماعةٌ يجمَعُهم أمرٌ ما؛ إما دينٌ واحد، أو زمانٌ واحد، أو مكانٌ واحد؛ سواء كانَ الأمرُ تسخيرًا أو اختيارًا. وأما معنى «أناسٍ مختلفِين»؛ فمِنَ التعريفِ في «الناسِ»، وهو ما تعورِفَ واشتُهِرَ أنّ مَنْ يجتمِعَ حوالَيْ شَفِيرِ البئرِ لأجلِ الاستقاءِ مِنهم. وقريبٌ منهُ قولُه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠، والأعراف: ١٦٠]. قولُه: (ما مخطوبُكما؟)، أي: ما مطلوبُكما؟ مِنْ قولِهم: خَطَبْتُ المرأةَ خِطْبة؛ أي: طَلَبْتَ
[ ١٢ / ٣٠ ]
المخطوبَ خطبًا، كما سمَّي المَشئُونَ شأنًا في قولِك: ما شأنُك؟ يقال: شَأَنْتُ شأنَه، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقرئ: (لا نُسقي) و﴿يُصْدِرَ﴾ و(الرُّعاء)، بضمِّ النونِ والياءِ والرّاء. والرِّعاءُ: اسمُ جمعٍ كالرُّخال والثّناء. وأما ﴿اَلْرِّعَاءُ﴾ بالكسْرِ فقِياس، كصِيامٍ وقيامٍ. ﴿كَبِيرٌ﴾ كبيرُ السِّنّ. ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ فسقى غَنَمَهُما لأجْلِهِما. ورُويَ أنَّ الرُّعاةَ كانوا يضعونَ على رأسِ البئرِ حجرًا لا يُقِلُّه إلاّ سبعةُ رجال. وقيل: عَشَرَة. وقيل: أربَعُون. وقيل: مئة، فأقلَّه وَحْدَه. ورُوِيَ أنّه سألَهُم دَلوًا من ماءٍ فأعطَوه دَلوَهُم
_________________
(١) ـ تَزَوُّجَها. الأساس: ومِنَ المجاز: فلانٌ يخطُبُ عَمَلَ كذا؛ يطلُبُه، وما خَطْبُك؟ وما شأنُكَ الذي تخطُبُه؟ قولُه: (وقُرِئَ: «لَا نُسْقي» و﴿يُصْدِرَ﴾)، المشهورة: ﴿لَا نَسْقِي﴾ بفتحِ النون، و«يَصدُر» بفتحِ الياءِ وضمَّ الدال: ابنُ عامرٍ وأبو عمرو، والباقون: بضمِّ الياءِ وكسرِ الدال. وسألَ بعضُهم عنِ الفرقِ بينَ يصدر بفتحِ الياءِ وضمِّها مِن حيثُ المعنى، وأُجيبَ: أنّ الأولَ دلّ على فرطِ حيائِهِما وتفادِيهِما مِنَ الاختلاطِ بالأجانب، وأنّ الثاني دلّ على إصدارِهِمُ المواشي، ولَمْ يُفْهَمْ مِنهُ صدورُهُم عنِ الماءِ. قولُه: (كالرُّخال)، الجوهري: الرّخِلُ بكسرِ الخاء: الأنثى مِن أولادِ الضأن، والجمع: رخال. والثنا: جمعُ الثني؛ وهوَ الذي يُلقي ثنيّتَهُ مِن ذواتِ الظّلْفِ والحافِرِ في السنةِ الثالثة، وفي الخُفَّ في السنةِ السادسة. قال الحريريُّ في «دُرّةِ الغَوّاص»: وقدْ جُمِعَ «رَخِل» بفتحِ الراءِ وكسرِ الخاءِ على «رُخال» بضمِّ الراء، وهوَ مِما جُمِعَ على غيرِ القياس. حُكِيَ أنّ أبا زيدٍ حَكى أنّ العَرَبَ تقولُ في مُلَحِها: قِيلَ للضَّان: ما أعْدَدْتِ للشِّتاء؟ قال: أُجَزُّ جُفالًا، وأُنْتِجُ رُخالًا، وأُحْلَبُ كُثَبًا ثِقالًا، ولنْ تَرى مِثلي مالًا. وفُسِّرَ أنّ الجُفال: الكثير، والكُثَب: جَمْعُ كُثْبة؛ وهِيَ ما انصَبّ ومار، ومِنهُ سُمِّيَ الكثيبُ مِنَ الرّمل. قولُه: (لا يُقِلُّهُ)، النِّهاية: يقال: أَقَلَّ الشيءَ يُقِلُّهُ واستقلّهُ يستقلُّه؛ إذا رَفَعَهُ وحَمَلَه.
[ ١٢ / ٣١ ]
وقالوا: استقِ بها، وكانتْ لا ينزِعُها إلاّ أربعون، فاستقى بها وصبَّها في الحوضِ ودعا بالبَرَكة، وروّى عنهما وأصدَرَهما. ورُويَ أنّه دفَعَهُم عنِ الماءِ حتّى سقي لهما. وقيل: كانتْ بئرًا أُخرى عليها الصَّخْرة. وإنّما فعل هذا رغبةً في المعروفِ وإغاثةً للملهوف. والمعنى: أنّه وصلَ إلى ذلكَ الماءِ وقد ازدحَمتْ عليه أُمّةٌ من أناسٍ مختلفةٍ متكاثفةِ العَدَد، ورأى الضَّعِيفَتَيْنِ من ورائِهم مع غُنَيمتِهِما مُتَوقِّفَتَينِ لِفَراغِهم، فما أخْطَأَت همَّتُه في دينِ الله تلكَ الفُرصة، معَ ما كانَ من النَّصَبِ وسقوطِ خُفِّ القَدَمِ والجُوع، ولكنَّه رحِمَهُما فأغاثَهُما، وكفاهُما أمرَ السَّقْيِ في مثلِ تلك الزَّحمةِ بقُوَّةِ قلبِه وقوَّةِ ساعِدِه، وما آتاهُ الله من الفضلِ في متانةِ الفطرةِ ورصانةِ الجِبِلَّة، وفيه- مع إرادةِ اقتصاصِ أمره، وما أوتِيَ من البَطْشِ والقُوّةِ، وما لم يَغفُلْ عنه، على ما كانَ به من انتهازِ فُرصةِ الاحتساب- ترغيبٌ في الخير، وانتهازِ فُرَصِه، وبعثٌ على الاقتداءِ في ذلك بالصّالِحِين، والأخذِ بِسَيرِهِم ومذاهِبِهم. فإن قلتَ: لمَ تُرِكَ المَفعولُ غيرَ المَفعولُ غيرَ مَذْكُورٍ في قولِه: ﴿يَسْقُونَ﴾ و﴿تَذُودَانِ﴾ و﴿لَا نَسْقِي﴾؟ قلت: لأنَّ الغرضَ هو الفعلُ لا المفعول. ألا ترى أنّه إنّما
_________________
(١) ـ قولُه: (فما أخطأَتْ هِمّتُه)، أي: ما تجاوَزَتْ. الأساس: ومِنَ المجاز: تَخَطّاهُ المكروه. قولُه: (تلكَ الفرصة)، الجوهري: الفُرصةُ هِيَ الشِّرْبُ والنّوْبة؛ يُقال: وَجَدَ فلانٌ فُرصة؛ أي نُهْزة، وانتَهَزَها إذا اغتَنَمَها. قولُه: (وفيه)، خبر، والمبتدأُ «ترغيب»، و«ما أوتي» عطفٌ تفسيريٌّ على «أمره»، و«ما لمْ يَغفُلْ عنه» عطفٌ على «البطش والقوة»، وهوَ عبارةٌ عنِ الجزمِ البليغ والتيقُّظِ التام؛ ولذلكَ أوقعَ «على ما كانَ بهِ» حالًا مِن فاعلٍ لمْ يفعلْ على وجهِ التتميم والمبالَغة؛ أي على ما كانَ بهِ مِنَ النّصَبِ وسقوطِ الخوفِ والجوع. و«من» - في «مِن انتهازِ الفُرصة» - بيانُ «ما لمْ يَغفُلْ عنه»، المعنى: أَدْمَجَ في هذا الكلامِ- معَ اقتصاصِ أمرِ موسى ﵇ مِنَ القُوّةِ والتيقُّظِ في تلكَ الحالةِ- ترغيبَ المؤمِنينَ في الخير، وانتهازَ الفُرصةِ فيه، والبعثَ على الاقتداءِ بسُنّةِ الصالحِينَ مِنَ المرسَلِين. ويجوزُ أنْ يكونَ «وما لمْ يَغفُلْ عنه» عطفًا على «ما أوتي». قولُه: (لأنّ الغرضَ هوَ الفعلُ لا المفعول)، فإنْ قلتَ: هلْ مِنْ فَرقٍ بينَ هذا وما ذهبَ
[ ١٢ / ٣٢ ]
رَحِمَهُما لأنَّهما كانَتا على الذِّيادِ وهُم على السَّقْي، ولم يَرحَمْهما لأنّ مذُودَهُما غَنَمٌ ومَسقِيَّهُم إبِلٌ مثلًا، وكذلك قولُهما ﴿لَا نَسقِي حَتَّى يُصْدِرَ اَلرِّعَاءُ﴾ المقصودُ فيه السَّقْيُ لا المَسْقِيُّ.
فإن قلتَ: كيفَ طابقَ جوابُهما سؤالَه؟ قلتُ: سألَهُما عن سببِ الذَّودِ فقالَتا: السَّبَبُ في ذلك أنّا امرأتانِ ضعيفتانِ مَسْتُورَتان لا نقدِرُ على مساجَلَةِ الرِّجالِ ومزاحَمَتِهم، فلابُدَّ
_________________
(١) ـ إليهِ صاحبُ «المفتاح» مِنْ أنّ القصدَ في تركِ المفعولِ إلى مجرّدِ الاختصار؛ لانصبابِ الكلامِ إلى إرادةِ: يسقونَ مواشيهم، إلى آخرِه؟ قلتُ: نعم؛ لأنهُ نَظَرَ إلى اللفظ، وأنّ التركَ لصونِ الكلام عنِ العبثِ لنيابة قرائن الأحوال. والمصنِّفُ نَظَرَ إلى المعنى وأنّ المفعولَ مرفوضٌ غيرُ مُلتَفَتِ إليه؛ فلِكُلِّ وِجْهة. فإنْ قلتَ: فعلى هذا يكونُ مِن تنزيلِ المتعدِّي منزلةَ اللازِمِ إيهامًا للمبالَغة؛ فأينَ المبالَغة؟ قلتُ: وَهْمٌ بعيد؛ لأنّ معنى قولِه: «الغرضُ هوَ الفعلُ لا المفعول» أنّهمْ قدْ يقصِدونَ في الكلامِ المحتوِي على معانٍ إلى معنَى منها قصدًا أوليًّا، ويوهِمونَ أنّ ما سِواهُ مُطّرَح؛ ألا ترى إلى قولِه في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]: تَرَكَ المفعولَ به؛ لأنَّ الغرضَ المعزّزَ بهِ وإنْ كانَ الكلامُ مُنصَبًّا إلى غَرَضٍ مِنَ الأغراضِ جَعَلَ سياقَهُ لهُ وتوجُّهَهُ إليه، كأنّ ما سِواهُ مرفوضٌ مطروح. قولُه: (كيفَ طابقَ جوابُهما سؤالَه؟)، يعني أن موسى ﵇ سألَهُما عنْ شأنِهِما ومطلوبِهِما بقولِه: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ وكانَ الظاهرُ أنْ يقولا: شأنُنا أنّنا نريدُ السّقي، ولا قُدرةَ لنا عليه مِنَ الزحمة. وأجاب: إنّ جوابَهما ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ اَلْرِّعَاءُ وأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ معناه: سَبَبُ ذَوْدِنا ضَعْفُنا وعَجْزُنا وضَعْفُ مُتَوَلِّي أَمْرِنا؛ وهُوَ أبونا. وفي اختصاصِهِما الأبَ بالذكرِ الدلالةُ على أنْ ليسَ لَهُمْ رَجُلٌ يقومُ بذلك؛ فأَوْجَبَ ذلكَ أنْ يُفَسّرَ قولُه: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ بقولِنا: ما سببُ ذَوْدِكما؟ لِيَتَطابَقا.
[ ١٢ / ٣٣ ]
لنا من تأخِيرِ السَّقْيِ إلى أنْ يَفرَغُوا، ومالنا رَجُلٌ يقومُ بذلك، وأبونا شيخٌ قد أضعَفَهُ الكِبَر؛ فلا يَصْلُحُ للقِيامِ به: أبْلَتا إليهِ عُذْرَهُما في تولِّيهِما السَّقْيَ بأنفُسِهِما. فإن قلت: كيف ساغَ لنبيِّ الله الذي هو شُعيبٌ ﵇ لأن يَرْضى لابنَتَيهِ بسَقْيِ الماشية؟ قلتُ الأمرُ في نفسِه ليسَ بمَحْظور؛ فالدِّينُ لا يأباه. وأمّا المروءة، فالنّاسُ مختلفون في ذلك، والعاداتُ مُتَبايِنةٌ فيه، وأحوالُ العربِ فيه خِلافُ أحوالِ العَجَم، ومذهبُ أهلِ البَدْوِ فيه غيرُ مذهبِ أهلِ الحَضَر، خُصوصًا إذا كانتِ الحالةُ ضَرورة. ﴿إِنِّي﴾ لأيِّ شيءٍ ﴿أَنْزَلْتَ إِلَيَّ﴾ قليلٍ أو كثيرٍ، غثٍّ أو سَمِينٍ لَ ﴿فَقِيرٌ﴾؛ وإنّما عُدِّيَ ﴿فَقِيرٌ﴾ باللاّم؛ لأنّه ضمنَ معنى سائلٍ وطالب. قيل: ذَكَرَ ذلك وخضرةُ البَقْلِ تَتراءى في بطنِه
_________________
(١) ـ فإنْ قلتَ: فَلِمَ عَدَلَ عنِ السؤالِ الظاهرِ إلى قولِه: ما مخطوبُكما؟ أي: ما مطلوبُكما من الذِّياد؟ قلتُ: مقصودُ نَبيِّ الله مِنْ قولِه: ما مطلوبُكما مِنَ الذياد؟ أنْ يُجابَ بطلبِ المعونةِ منه؛ لكرمِهِ ورحمتِهِ على الضعفاء. ولمّا كانتا مِنْ بيتِ النُّبُوّة؛ حَمَلْنا قولَه على ما يُجابُ عنهُ بالسّبَب، وفي ضِمنِهِ طلبُ المعونة؛ لأنّ إظهارَهُما العَجْزَ ليسَ إلا لذلكَ، هذا وإنهُ ليسَ في الكلامِ ما يدلُّ على ضعفِهِما؛ بلْ فيهِ أَماراتٌ على حيائِهِما وسترِهِما كما سَبَقَ في بيانِ اختلافِ القراءتَيْنِ في «يصدر». وكذا قولُه: ﴿فَجَآءَتْهُ إحْدَيهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ﴾ على أنهما قالتا: ﴿لَا نَسْقِي﴾ دون: لا نقدِرُ على السقي. ومعنى ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾: أنّا معَ حيائنا إنما تصدّيْنا لهذا الأمر؛ لِكِبَرِهِ وضعفِه، وإلا كانَ عليهِ أنْ يتولاه. قولُه: (أَبْلَتا إليه عُذْرَهُما)، الأساس: أبْلَيْتُه عذرًا؛ إذا بَيّنْتَهُ لهُ بيانًا لا لَوْمَ عليكَ بَعدَه. وحقيقتُهُ: جَعَلْتُهُ بالِيًا بِعُذْري؛ أي: خابرًا لهُ عالمًا بكُنْهِه. قولُه: (تتراءى في بطنِه)، الأساس: تراءى الجمعان، وتراءتْ لنا فُلانة: تصدّتْ لنا لِنَراها، وعلى وجهِهِ رُواءُ الحُمْق؛ وهوَ ما يُرى عليهِ مِنْ آياتِهِ البيِّنةِ التي لا تَخفى على الناظِرِ كأنها تتكلّمُ بهِ وتنادي عليه.
[ ١٢ / ٣٤ ]
من الهُزال، ما سأَل الله إلاّ أكلةً. ويُحتَمَلُ أن يريد: إنِّي فقيرٌ من الدُّنيا لأجْلِ ما أنزلتَ إليَّ من خَيرِ الدّين؛ وهو النَّجاةُ من الظالمينَ؛ لأنَّه كان عندَ فرعونَ في مُلْكٍ وثَرْوة: قال ذلك رِضًا بالبَدَلِ السَّنِيِّ، وفَرَحًا به، وشُكْرًا له، وكان الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ. ﴿عَلَى اسْتِحْيَآءٍ﴾: في موضعِ الحال، أي: مُستَحيِيَةً مُتَخَفِّرَةً. وقيل: قد استَتَرَت بِكُمِّ دِرعِها. رُوِيَ أنّهما رَجَعَتا إلى أبِيهٍما قبلَ النّاسِ، وأغنامُهُما حُفَّلٌ بطانٌ، قال لهُما: ما أعجَلَكُما؟ قالتا: وجدْنا رجُلًا صالحًا رحِمَنا فسقى لنا، فقال لإحداهُما: اذهبي فادعِيه لي، فتَبِعَها مُوسى فألزَقَتِ الرِّيحُ ثوبَها بجَسَدِها فوصَفَتْه، فقال لها: امشي خَلْفي وانعَتِي ليَ الطَّريق، فلّما قصّ عليه قصَّتَه قال له: لا تخفْ فلا سُلطانَ لفرعونَ بأرضِنا.
فإن قلت: كيف ساغَ لمُوسى أن يعملَ بقولِ امرأة، وأن يمشيَ معها وهي أجنبيَّة؟
قلتُ: أمّا العملُ بقولِ امرأةٍ؛ فكما يُعمَلُ بقولِ الواحدِ حرًّا كانَ أو عبدًا، ذكرًا كان أو
_________________
(١) ـ قولُه: (إني فقيرٌ مِنَ الدُّنيا لأجلِ ما أَنزَلْتَ إليّ)، «ما» _على هذا_ موصولةٌ، و«من» بيان، والتنكيرُ في «خير» للنوعِ والتعظيم؛ ولذلكَ أضافَهُ إلى الدِّين. وعلى الأوّلِ «ما» موصوفة، والتنكيرُ للشيوع؛ ومِن ثُمّ قُدِّرَ أوّلًا لأيِّ شيء، وثانيًا قليلٍ أو كثير، غَثٍّ أو سمين. وأما فائدةُ الماضي في «ما أنزلت» على التأويلِ الثاني؛ فظاهِر، وأما على الأَوّل؛ فللاستعطاف، أي: ربِّ إني سائلٌ الآنَ ما كنتُ أَعهَدُه في الأيامِ الماضيةِ مِمّا أَسُدُّ بهِ جَوْعتي مِن قليلٍ أو كثير، غثٍّ أو سمين؛ لأني مُحتاجٌ إليه؛ لأنّ معنى التضمينِ أنْ يُقال: أنا سائلٌ الطعامَ في حالِ كوني محتاجًا إليه. ويؤيِّدُ هذا التأويلَ قولُه: «ما سألَ الله إلا أكلة»، وقولُ ابنِ عباسٍ ﵄: سألَ الله فلق خُبْزٍ بهِ صُلْبَه. قولُه: (مُتَخَفِّرة)، الجوهري: الخَفَرُ- بالتحريكِ- شِدّةُ الحياء، تقولُ منه: خَفِرٌ - بالكسرِ-، وجاريةٌ خَفِرةٌ ومُتَخَفِّرة. قولُه: (حُفَّل)، جَمْعُ حافِل. الجوهري: ضِرْعٌ حافِل؛ أي: مُمتَلِئٌ لبنًا. قولُه: (فوَصَفَتْه)، الأساس: ومِنَ المجاز: وَجْهُها يَصِفُ الحُسْن، ومعناهُ ما سَبَقَ آنفًا، وهوَ ما يُرى عليهِ مِنْ آيتِهِ البيِّنةِ التي لا تَخفى على الناظر، إلى آخرهِ.
[ ١٢ / ٣٥ ]
أُنثى في الأَخبار، وما كانتْ إلاّ مُخبِرةً عن أبِيها بأنّه يدعُوهُ ليَجْزِيَه. وأمّا مُماشاتُه امرأةً أجنبيةً؛ فلا بأسَ بها في نظائِرِ تلكَ الحال، مع ذلك الاحتياطِ والتَّوَرُّع. فإن قلتَ: كيفَ صحّ له أخذُ الأجرِ على البِرِّ والمعروف؟ قلتُ: يجوزُ أن يكونَ قد فعلَ ذلك لوجهِ الله وعلى سبيلِ البِرِّ والمعروف. وقيل: إطعامُ شعيبٍ وإحسانُه لا على سبيلِ أخذِ الأَجْر، ولكنْ على سبيلِ التَّقبُّلِ لِمعروفٍ مُبتَدَأٍ. كيفَ وقد قصَّ عليه قَصَصَهُ وعرَّفه أنه من بيتِ النُّبوَّة من أولادِ يعقوب؟ ومِثلُه حَقيقٌ بأن يُضَيَّفَ ويُكَرَّمَ؛ خصوصًا في دارِ نبيٍّ من أنبياءِ الله، وليسَ بمُنكرٍ أنْ يفعلَ ذلك لاضطرارِ الفَقْرِ والفاقَةِ طلبًا للأجر. وقد رُوِيَ ما يعضُدُ كِلا القَولَين: رُوِيَ أنَّها لمّا قالت: ﴿ليَجْزِيَكَ﴾، كَرِهَ ذلك، ولمّا قدّم إليه الطّعامَ امتنعَ، وقال: إنّا أهلَ بيتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بطِلاعِ الأرضِ ذهبًا، ولا نأخُذُ على المعروفِ ثمنًا، حتى قالَ شُعَيب: هذه عادتُنا مع كُلِّ من ينزلُ بنا. وعن عطاءِ بنِ السائب: رفع صوتَه بدُعائِه ليُسمِعَهما، فلِذلك قيل له: ﴿ليَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ﴾، أي: جزاءَ سَقْيِك. والقَصَصُ: مصدرٌ كالعَلَل، سُمِّيَ به المَقصُو. كُبراهُما: كانت تُسمَّى صفراء، والصُّغرى: صُفَيراء. وصفراءُ: هي التي ذهبتْ به وطلبت إلى أبيها أن يستأجِرَه، وهي التي تزوَّجَها.
_________________
(١) قولُه: (بطِلاع الأَرْض)، أي: مِلْئِها. الأساس: وملأتُ لهُ القَدَحَ حتى كادَ يطلعُ مِنْ نواحِيه، ومنه: قَدَحٌ طِلاع: ملآن. وعنِ الحسن: لَأَنْ أَعلَمَ أني بريءٌ مِنَ النفاقِ أَحَبُّ إليّ مِنْ طِلاعِ الأرضِ ذهبًا. قولُه: (وعنْ عطاءِ بنِ السائِب: رَفَعَ صوتَهُ بدعائِه)، وهوَ قولُه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ هذا يَعْضُدُ القولَ الثاني، وهوَ قولُه: «وليسَ بمُنكَرٍ أنْ يَفْعَلَ ذلكَ لاضطِرارِ الفقر». قولُه: (والقَصَصُ مصدر)، يُقال: قَصّ يَقُصُّ قَصًّا وقَصَصًا، سُمِّيَ بهِ المقصوص؛ كالعَلَلِ وهوَ الشُّرْبُ الثاني، سُمِّيَ لِما يُعَلُّ به.
[ ١٢ / ٣٦ ]
وعن ابنِ عباسٍ ﵁: أنّ شُعيبًا أحفَظَتْه الغَيرةُ فقال: وما علمُكِ بقُوَّتِه وأمانتِه؟ فذَكرتْ إقلالَ الحجَرِ ونَزْعَ الدَّلو، وأنّه صوَّبَ رأسَه حتّى بلغَتهُ رسالَتَه، وأمَرَها بالمَشْيِ خلفَه. وقولُها: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَثْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾: كلامٌ حكيمٌ جامعٌ لا يُزادُ عليه؛ لأنّه إذا اجتمعتْ هاتانِ الخَصلتان؛ أعني الكفايةَ والأمانةَ في القائمِ بأمرِك فقد فَرَغَ بالُك وتمّ مُرادُك. وقد استَغْنَت بإرسالِ هذا الكلام الذي سياقُه سياقُ المَثَل والحِكمةِ أن تقولَ: استأجِرْهُ لقُوّتِه وأمانتِه. فإن قلتَ: كيف جُعِلَ ﴿خَيْرَ مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ اسمًا لـ ﴿إِنَّ﴾ و﴿اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾ خبرًا؟ قلتُ: هو مِثلُ قولِه:
_________________
(١) ـ قولُه: (أحْفَظَتْهُ الغَيْرة)، الجوهري: الحَفِيظة: الغَضَب، وكذلكَ الحِفْظةُ بالكسر. قولُه: (وقدِ استَغْنَتْ بإرسالِ هذا الكلام)، إشارةٌ إلى أنّ هذا الكلامَ معَ كونِهِ مِنَ الجَوامِعِ هوَ أيضًا دليلٌ على إثباتِ هذا المُدّعي؛ لأنّ الحُكْمَ أنّ مَنْ فيهِ هاتانِ الخُصلَتانِ فهوَ صالحٌ للاستِئجار، وقدْ شوهِدَ فيهِ ذلك؛ فوَجَبَ أنْ يُختارَ لذلك، فذَكَرَ الدليلَ العامّ وتركَ الخاصّ لاستغنائِهِ عنه؛ لأنّ الكلامَ سِيقَ له. قولُه: (سياقُهُ سياقُ المَثَل)، أي أنّ قولَه: ﴿خَيْرَ مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾ لعمومِهِ صارَ مثلًا. قولُه: (كيفَ جعلَ ﴿خَيْرَ مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ اسمًا؟)، وخُلاصتُهُ أنّ المعرّفَ باللامِ أَوْغَلُ في التعريفِ مِنَ المضاف. وقيل: إنّ المضمَرَ أَعْرَفُ المعارف؛ لأنّ الشيءَ لا يُضمَرُ إلا وقدْ عُرِف، فهوَ بمنزلةِ وضعِ اليد؛ فلذا لا يُوصَفُ كسائِرِ المعارف، ثُمّ العَلَم؛ لأنّهُ موضوعٌ على شَيءٍ بعينِه، ثُمّ المُبْهَم؛ لأنّهُ يُعرَفُ بالعينِ والقلبِ نحوُ: هذا؛ للحاضر، ثُمّ المُحَلّى باللام؛ لأنّهُ يُعرَفُ بالقلبِ لا غير، ثُمّ المضاف؛ لأنّ تَعرُّفَه مِنْ غيرِه. ويمكنُ أنْ يُقال: إنّ ﴿مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ موصولةٌ، وهوَ أعرَفُ مِنَ المعرّفِ باللام، ولَمّا أُضيفَ إليهِ «أَفْعَل» امتَزَجا. وقالَ هذا القائل: إنّ المضافَ لَمّا نُزِّلَ مَنزِلةَ التنوينِ مِنَ المضافِ صارَ بمنزلةِ شيءٍ واحد، فلما
[ ١٢ / ٣٧ ]
أَلا إِنَّ خَيْرَ الناسِ حَيًّا وهَلِكا … أسِيرُ ثَقِيفٍ عِندهُم في السَّلاسلِ
_________________
(١) ـ امتزجا معنًى كانَ معنى الامتزاجِ المعنويِّ على قدرِ امتزاجِ المعنى، والألفاظُ قوالبُ المعاني؛ فيُعتَبَرُ أمرُ المضافِ لِما أُضيفَ إليه. وقلتُ: هذا إذا لَمْ يُنظَرْ إلى المقامِ، وأُجرِيَ التعريفُ في ﴿اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾ على الجنس، وأما إذا جُعِلَ مرادًا بهِ موسى ﵇ و﴿مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ على عمومِهِ، لأنّ ﴿مَن﴾ موصولةٌ أو موصوفة؛ كأنه قيل: إنّ خَيْرَ مَنِ استأجرتَهُ موسى، لم يَصِحّ ما قاله. ويؤيِّدُ الثاني استشهادُهُ بالبيت؛ فإنّ التعريفَ في «الناس» للجنسِ قطعًا، والمرادُ بالأسيرِ في «أسير ثقيف» خالدُ بنُ عبدِالله؛ فصحّ ما ذهبَ إليهِ المصنِّفُ مِنْ أَنّ ﴿القَوِيَّ الأَمِينَ﴾ هوَ الاسمُ وأنّ الاهتمامَ هوَ سَبَبُ تقديم الخبرِ وجعلِهِ اسمًا، أو هوَ مٍنْ القلبِ للمبالَغة. ولَمّا كانَ مُقتضى الحالِ- أي شيخوختُهُ وحياؤُهُما- هوَ الذي أوجَبَ قيِّمًا يهتمُّ بها مستأجرًا يستأجرونه لها؛ كانَ ذلكَ مطلوبًا لذاتِه، وكانتِ القوةُ والأمانةُ تابعتين لهُ تُعرَفُ بالذوق. أو يُقال: إنّ الفاصلةَ هيَ التي استدعتْ تأخيرَ ﴿اَلْأَمِينُ﴾، و﴿اَلْأَمِينُ﴾ استدعى مقارنةَ القويِّ معَه. الانتصاف: هذا أجمَلُ في مدحِ النساءِ للرجالِ مِنَ المدحِ الخاصِّ وخصوصًا [إن كانت] فهمتْ أنّ أباها يزوِّجُها مِنه. وما أَحْسَنَ ما أَخَذَ الفاروقُ مِنْ هذا المعنى فقال: أشكو إلى الله ضَعفَ الأمينِ وخيانةَ القوي، ففي ضِمنِ هذه الشكاية سؤالُ الله أنْ يُتحِفَهُ بقويٍّ أمينٍ يستعينُ به. قولُه: (ألا إنّ خيرَ الناس حيًّا وميتًا) البيت، قالَهُ أبو الشغبِ في خالِدِ بنِ عبدِ الله القسريِّ وهوَ أسيرٌ في يدِ يوسفَ بنِ عمر، بالغَ في العمومِ وهوَ مِنَ الإغراقِ المذموم. قالَ أبو البقاء: «حَيًّا وميتًا» يجوزُ أنْ يكونَ مِن «خير» ومِنَ الضمير فيه، والعاملُ ما دلً عليه
[ ١٢ / ٣٨ ]
في أنّ العنايةَ هي سببُ التَّقدِيم، وقد صدَقَت حتّى جُعلَ لها ما هو أحقُّ بأن يكونَ خبرًا اسمًا، وورودُ الفِعلِ بلفظِ الماضي؛ للدَّلالِةِ على أنّه أمرٌ قد جُرِّبَ وعُرِف.
ومنه قولُهم: أهوَنُ ما أعمَلْتَ لسانٌ مُمِخّ. وعنِ ابنِ مسعودٍ ﵁: أفرسُ النّاسِ ثلاثةٌ: بنتُ شُعَيبٍ، وصاحبُ يُوسُف، في قولِه: ﴿عَسَى أَن يَنفَعَنَآ﴾ [يوسف: ٢١]، وأبو بكرٍ في عُمَر. رويَ أنّه أنكَحَهُ صفراءَ. وقولُه: ﴿هَاتَيْنِ﴾ فيه دليل على أنّه كانتْ له غيرُهما. ﴿تَاجُرَنِي﴾: من آجرتُه إذا كنتُ له أجيرًا، كقولك: أبَوْتُه إذا كنتَ له أبًا، و﴿ثَمَانِيَ جِجَجٍ﴾ ظرفُه
_________________
(١) ـ «خير»؛ أي يَفْضُلُ الناسَ في حياتِهِ وموتِه. وأنْ يكونَ تمييزًا؛ أي أنّ أحياهُ وموتاهُ أفضلُ الأحياءِ والأموات، كقولِك: زيدٌ أَفْرَهُ الناسِ عبيدًا؛ أي: عبيدُه أَفْرَهُ العبيد. قولُه: (وقدْ صَدَقَتْ)، أي العنايةُ التي أوجَبَتْ تغييرَ الكلام. قولُه: (أهْوَنُ ما أعمَلْتَ لسانٌ مُمِخّ)، الأساس: ومِنَ المجاز: أمرٌ مُمِخّ؛ فيهِ فضلٌ وخير، وهذا لسانٌ مُمِخّ؛ حَسَنُ الشفاعة، ولهُ لسانٌ مُمِخّ؛ ذَلِقٌ قويٌّ على الكلام، والاستشهادُ بأنّ «أَعمَلْتَ» جاءَ بلفظِ الماضي. وفي «مجمع الأمثال»: أَهْوَنُ مَرْزِئةٍ لسانٌ مُمِخّ، قالَ الميداني: أمخّ العَظْمُ إذا صارَ فيهِ المخ، والمعنى: أهونُ معونةِ على الإنسانِ أنْ يُعينَ بلسانِهِ دونَ المال؛ أيْ كلامٍ حَسَن. وقالَ المصنِّفُ في «المستقصي»: مثلُه قولُه: وأَيْسَرُ ما يَحْبُو بهِ المَرْءُ خِلّهُ … مِنَ العاهِنِ الموجودِ أنْ يتكلّما يُقال: أعطاهُ مِنْ عاهِنِ مالِهِ وآهِنِه؛ أي: تالِدِه. قولُه: (وأبو بكرٍ في عمرَ ﵄)، حيَن استَخْلَفَه.
[ ١٢ / ٣٩ ]
أو مِن: أجرتُه كذا؛ إذا أثَبْتَه إيّاه. ومنه: تعزيةُ رسولِ الله ﷺ: (آجرَكُم الله ورَحِمكَم).
و﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾: مفعولٌ به، ومعناه: رِعْيةُ ثماني حِجَجٍ، فإن قلتَ: كيف صحَّ أن يُنكِحَه إحدى ابنَتَيهِ من غيرِ تمييز؟ قلتُ: لم يكن ذاك عقدًا للنّكاح، ولكنْ مُواعدةً ومواصفةَ أمرٍ قد عَزَمَ عليه، ولو كانَ عقدًا لقالَ: قد أنكَحْتُك ولم يقل: ﴿إِنِّي أَرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾. فإن قلتَ: فكيف صحَّ أن يُمْهِرَها إجارةَ نفسِه في رِعيةِ الغَنَم، ولابُدَّ من تسليم ما هو مالٌ؟ ألا ترى إلى أبي حنيفةَ كيف منعَ أن يتزوّجَ امرأةً بأن يخَدِمَها سنةً، وجوَّز أن يتزَوَّجَها بأن يُخدِمَها عبدَه سنةً، أو يُسكِنَها دارَه سنةً، لأنّه في الأوّل: مُسَلِّمٌ نفسَهُ وليسَ بمال، وفي الثّاني: هو مُسَلِّمٌ مالًا وهو العبدُ أو الدّار، قلتُ: الأمرُ على مذهبِ أبي حنيفةَ على ما ذكرت. وأمّا الشّافعيُّ: فقد جوّزَ التَّزوُّجَ على الإجارةِ لبعضِ الأعمالِ والخدمة، إذا كان المُستَأجَرُ له أو المخدومُ فيه أمرًا معلومًا، ولعلَّ ذلك كان جائزًا في تلكَ الشَّرِيعة. ويجوزُ أن يكونَ المَهْرُ شيئًا آخر،
_________________
(١) ـ قولُه: (أو مِنْ: أَجَرْتُهُ كذا؛ إذا أَثَبْتَهُ إياه)، الأساس: يجعلُها أَجرًا على التزويج؛ يريدُ المهرَ مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، كأنهُ قال: على أنْ تُمهِرَني عملَ هذه المُدّة. وأصلُه: أَجَرَكَ الله على ما فَعَلْت، وأنتَ مأجور. قولُه: (ومواصفةَ أمرٍ)، «الأساس»: واصَفْتُهُ الشيءَ مُواصَفة، ونِهُيَ عنْ بيعِ المُواصَفةِ وهوَ أنْ يَبِيعَ الشيءَ بصفتِهِ وليسَ عندَه، ثُمّ يبتاعَهُ ويدفَعَه. قولُه: (أنْ يُمهِرَها)، وفي بعضِ النسخ: «يَمْهُرَها» بفتحِ الياء. يُقال: أَمْهَرَ المرأة: سَمّي لها مهرًا، ومَهَرَها: أعطاها مهرَها. وخُطّْئَ الحريريُّ في قولِه: وماهرًا لها كما مهرَ رسولُ الله ﷺ أمُّ سلمة؛ لأنّ حالةَ الخِطبةِ حالةُ التسمية، لا حالةُ إعطاءِ المهر.
[ ١٢ / ٤٠ ]
وإنّما أرادَ أن يكونَ راعيَ غَنَمِه هذه المُدّةَ، وأرادَ أن يُنكِحَه ابنَتَه، فذكَرَ له المُرادَين، وعلَّقَ الإنكاحَ بالرِّعيةِ على معنى: أنِّي أفعلُ هذا إذا فعلتُ على وجهِ المُعاهدةِ لا على وجهِ المُعاقدة. ويجوزُ أن يستأجِرَه لرِعْيةِ ثماني سنينَ بمبلغٍ معلومٍ ويُوَفِّيَه إيّاه، ثمّ يُنكِحُه ابنَتَه به، ويجعلُ قولَه: ﴿عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ عبارةً عمّا جرى بينَهما. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ﴾ عَمَلَ عَشْرِ حِجَجٍ ﴿فَمِنْ عِندِكَ﴾ فإتمامُه من عندك. والمعنى: فهو من عِندِك لا من عِنْدِي، يعني: لَا أُلزِمُكَهُ ولا أَحتِمُه عليك، ولكنّك إنْ فعلتَه فهُوَ منكَ تَفَضُّلٌ وتَبرُّع، وإلاّ فلا عَلَيْك ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزامِ أتمِّ الأجَلَينِ وإيجابِه. فإن قلتَ: ما حقيقةُ قولِهم: شقَقْتُ عليه، الأمرُ؟ قلتُ: حقيقتُه أنَّ الأمرَ إذا تعاظَمَكَ فكأنَّه شقّ عليك ظنُّك باثنَيْنِ، تقولُ تارةً: أُطيقُه، وتارةً: لا أُطيقُه. أو وعَدَهُ المُساهَلةَ والمُسامحةَ من نفسِه، وأنّه لا يَشُقُّ عليه فيما استَاجَرَه له من رَعيِ غَنَمِه، ولا يفعل نحوَ ما يفعلُ المُعاسِرونَ من المُسترعِينَ، من المُناقشةِ في مُراعاةِ الأوقاتِ، والمُداقَّةِ في استيفاءِ الأعمال، وتكليفِ الرُّعاةِ أشغالًا خارجةً من حدِّ الشَّرْط، وهكذا كانَ الأنبياءُ ﵈ آخذينَ بالأسْمَحِ في مُعاملاتِ النَّاس.
ومنه الحديثُ: «كانَ رسولُ الله ﷺ شريكي، فكانَ خيرَ شريكٍ لا يُدارِي ولا يُشارِي
_________________
(١) ـ قولُه: (وإنما أرادَ أنْ يكونَ راعيَ غَنَمِه)، غايةُ ما يُقالُ: إنّ هذا عقدٌ فيهِ خطر؛ حيثُ عُلِّقَ بهِ عَقْدُ النكاح، وهذا لا يَقْدَحُ في بابِ النكاح؛ لأنّ النكاح لا يَفْسُدُ بالشروطِ الفاسدة. قولُه: (فكأنّهُ شَقّ عليكَ ظنُّكَ باثنَيْن)، يريدُ أنّ أصلَ المَشَقّةِ مِنَ الشّقِّ كما قالَ في الأنفال: والمُشاقّةُ مُشتَقّةٌ مِنَ الشّقّ؛ لأنّ كلاًّ مِنَ المُتَعادِيَيْنِ في شَقٍّ خِلافَ شَقٍّ صاحِبِه. قولُه: (أو وعده المساهلة)، عطفٌ على قولِه: «وما أريدُ أنْ أشُقّ عليكَ بإلزامِ أتمِّ الأجلَيْن». قولُه: (كانَ رسُولُ الله ﷺ شريكي) الحديثُ رواهُ أبو داودَ عنِ السائبِ بنِ أبي السائبِ
[ ١٢ / ٤١ ]
ولا يُمارِي» وقولُه: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ اَلْصَّالِحِينَ﴾ يدلُّ على ذلك، يريدُ بالصّلاح: حسنَ المُعاملةِ ووَطاءةَ الخُلُقِ، ولينَ الجانِب. ويجوزُ أن يريدَ الصَّلاحَ على العُموم. ويَدْخُلُ تحتَه حسنُ المُعاملة، والمُراد باشتراطِ مشيئةِ الله فيما وَعَدَ من الصَّلاح: الاتّكالُ على توفيقِه فيهِ ومَعُونَتِه، لا أنّه يستعملُ الصَّلاحَ إن شاءَ الله، وإن شاءَ استعملَ خِلافَه. ﴿ذَلِكَ﴾ مُبتدأ، و﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ خبرُه، وهو إشارةٌ إلى ما عاهَدَهُ عليه شُعَيب، يريد؛ ذلك الذي قلتُه وعاهدتَني فيه وشارطْتَنِي عليه قائمٌ بينَنا جميعًا، لا نَخْرُجُ كلانا عنه، لا أنا عمّا شرطتَ عليَّ ولا أنتَ عمّا شرطتَ على نفسِك. ثمّ قال: أيَّ أجلٍ قضيتُ من الأجَلَيْنِ: أطولَهما الذي هو العَشْر، أو أقصَرَهُما الذي هو
_________________
(١) ـ قال: أتيتُ النبيّ ﷺ فجعلوا يُثنونَ ويذكروني؛ فقالَ رسولُ الله ﷺ: «أنا أعلَمُكُم به» فقلت: صدقتَ بأبي وأمي؛ كنتَ شريكي فنِعْمَ الشريك؛ كنتَ لا تُداري ولا تُماري. وفي روايةِ رزين: «لا تُشاري» بدلَ «لا تُداري». قالَ في «الفائق»: المُماراة: المجادَلة، من: مَرْيِ الناقة؛ لأنُه يستخرجُ ما عندَهُ مِنَ الحُجّة. والمُداراة: المُخاتَلة، من: داراه؛ إذا خَتَلَه. ويكونُ تحقيقُ المداراةِ وهي مدافعةُ ذي الحقِّ عنْ حقِّه. والمشاراةُ: المُلاجّة. قولُه: (لا أنّهُ يَستعمِلُ الصّلاح)، أي ليسَ معنى «إنْ شاءَ الله» التعليقَ كما هوَ على ظاهرِه؛ إنما هوَ التبرُّكُ واستنزالُ التوفيق. ونحوُهُ قولُ أصحابِ الشافعي: أنا مؤمِنٌ إنْ شاءَ الله. قولُه: (قائمٌ بَيْنَنا)، خبرٌ لقولِه: «ذلكَ الذي قُلْتُه»، أي: مُراعًى بَيْنَنا نتعاهدُهُ أنا وأنت؛ فيكونُ كالقائم، وهوَ على منوالِ قولِه: ﴿اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلْصَّلَواةَ﴾ [المائدة: ٥٥، الأنفال: ٣، النمل: ٣، لقمان: ٤] إذا أُريدَ بالإقامةِ التجلُّد؛ مِنْ قولِهم: قامَ بالأمر، وقامتْ الحربُ على ساقِها. قولُه: (لا يخرُجُ كِلانا)، ويجوز: «لا نخرُجُ» بالنونِ على تأكيدِ «كلانا» للضمير؛ كقولِه: «ويعلمُ سنلقاهُ كِلانا» بالنونِ والياء.
[ ١٢ / ٤٢ ]
الثَّمان ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي: لا يُعتَدى عليَّ في طلبِ الزِّيادةِ عليه. فإن قلتَ: تصوُّرُ العُدوانِ إنَّما هو في أحدِ الأجَلَيْن الذي هو الأقصَرُ؛ وهو المُطالبةُ بَتتِمَّةِ العَشْر، فما معنى تعليقِ العُدوانِ بهما جميعًا؟ قلتُ: معناهُ كما أنِّي طُولِبْتُ بالزِّيادةِ على العَشْرِ كان عُدوانًا لا شكَّ فيه، فكذلك؛ إن طُولِبتُ بالزِّيادةِ على الثَّمان. أرادَ بذلك تقريرَ أمرِ الخيار، وأنّه ثابتٌ مُستقِر، وأنَّ الأجلين على السَّواءِ: إمّا هذا وإمّا هذا من غيرِ تَفاوُتٍ بينَهُما في القضاءِ، وأمّا التَّتمّةُ فموكُولةٌ إلى رأيي: إن شئتُ أتيتُ بها، وإلاّ لم أُجْبَرْ عليها. وقيل: معناه فلا أكونُ معتديًا، وهو في نفيِ العُدوانِ عن نفسِه، كقولِك: لا إثمَ عليَّ، ولا عليَّ. وفي قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (أيَّ الأجلينِ ما قضيتُ). وقرئَ: (أيْما) بسُكونِ الياءِ، كقولِه:
_________________
(١) ـ قولُه: (وقُرِئَ «أيْما» بسكونِ الياء)، قالَ ابنُ جِنِّي: «هيَ قراءةُ الحَسَن، وفي تخفيف هذهِ الياءِ طريقان: أحدُهما: تضعيفُ الحرف، وقد امتدَّ عنهُمْ حذفُ أحدِ المثلَيْن؛ نحو: أحَسْتُ وأمَسْتُ. والآخرُ: أنّ الياءَ حرفٌ ثقيلٌ مُنفَرِدة؛ فكيفَ بِها إذا ضُعِّف؟ واعلَمْ أنّ «أيا» عندَنا مِمّا عينُهُ واوٌ ولامُهُ ياء؛ فهوَ مِنْ بابِ «أوَيْت» قياسًا واشتقاقًا. أما القياسُ؛ فإنّ الأصلَ «أوي» فاجتمعَ الواوُ والياء، وسُبِقَتِ الواوُ بالسكونِ فقُلِبَتْ ياءً وأُدغِمَت. وأما الاشتقاقُ؛ فإنها أينَ وقَعَتْ هيَ بعضٌ مِنْ كل، كقولِنا: أيُّ الناسِ عندَك؟ وبعضُ الشيءِ آوٍ إلى جميعِه؛ فأصلُها على هذا «أوي» ثُمّ أُدغِمَتْ كما مضى. فإذا حُذِفَتِ الياءُ تخفيفًا؛ فإنها الثانية، فإذا زالتِ الثانية؛ أَوْجَبَ القياسُ أنْ تعودَ الأولى إلى أصلِها وهوَ الواو؛ فيُقال: أَوْ ما الأجَلَيْنِ قَضَيْت. والذي يَحْسُنُ عندِي إظهارُ العينِ ياء، وإنما حُذِفَتِ اللامُ تخفيفًا وهيَ مَنْوِيّةٌ مُرادة؛ فقُلِبَتِ العينُ ياءً لِيَدُلّ على إرادةِ الياءِ هيَ اللام، كما صَحّتِ الواوُ الثانيةُ في
[ ١٢ / ٤٣ ]
تنَظَّرْتُ نَصرًا وَالسِّماكَينِ أيهُما … عَليَّ من الغَيثِ استُهِلَّت مَواطرُه
وعن ابنِ قُطيب: (عِدوان)، بالكَسْر. فإن قلتَ: ما الفرقُ بينَ موقِعَيْ (ما) المَزيدةِ في القِرَاءَتَيْن؟ قلتُ: وقعَتْ في المُستفيضةِ مؤكِّدةً لإبهام، أيْ: زائدة في شياعها، وفي الشّاذّةِ تأكيدًا للقضاء، كأنّه قالَ: أيّ الأجَلَينِ صمَّمْتُ على قضائِه وجرَّدْتُ عزِيمَتِي له. الوكيلُ: الذي وُكِلَ إليه الأمر، ولمّا استعملَ في موضعِ الشّاهدِ والمُهيمِنِ والمُقيت، عُدّيَ بعلي لذلك. رُويَ أنَّ شُعيبًا كانت عندَه عَصَا الأنبياءِ فقال لمُوسى باللَّيل: ادخُل ذلك البيتَ فخُذْ عصًا من تلكَ العصيّ. فأخذَ عصًا هبطَ بها آدمُ من الجنّة، ولم يزلِ الأنبياءُ يتوارثُونها حتّى وقعتْ إلى شعيب، فمسَّها وكان مكفوفًا، فضنَّ بها فقال:
_________________
(١) ـ قولِه: «وكَحّلَ العينَيْنِ بالعواور» دَلالةً على الياءِ في «العواوير»، وإنما حُذِفَتْ استحسانًا وتخفيفًا لا وجوبًا. وأنْشَدَنا أبو عليِّ للفرزدق: تَنَظّرْتُ نَصْرًا والسّماكَيْن البيت). تَمّ كلامُ ابنِ جِنِّي. العوّار: الجبان، والجمع: العواوير، وإنْ شِئْتَ لَمْ تُعوِّضْ في الشعر، وقُلت: العواور. تَنَظّرْتُ: أي انتَظَرْت. والسّماكان: نجمان: الأعزل: وهو الذي لا شيءَ بَيْنَ يَدَيْه، والرامحُ: هوَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ الكواكب. وهلّ السحابُ واستَهَلّ: إذا انصَبّ شديدًا، و«نصرًا» اسمُ الممدوح، وأَيْهُما أصلُه: أَيُّهُما؛ فسَكّنَ الياءَ للضرورة، و«من» -في «مِنَ الغَيْث» - للبيان، والمواطِر: جمعُ ماطِرة؛ أي: سحابةٌ ماطِرة. المعنى: انتَظَرْتُ نصرًا ونَوْءَ السماكَيْن، أَيُّهُما استَهَلّتْ مَواطرُه عليّ مِنَ الغَيث؛ لأني لَمْ أُفرِّقْ بَيْنَ النّصْرِ وبَيْنَ السماكَيْنِ في الجُود. قولُه: (وفي الشاذة)، أي قراءةِ ابنِ مسعود؛ لأنّ «ما» على المشهورةِ: تأكيدٌ للمفعول، وفيهِ إيهام؛ فزادَ في إيهامِه. وفي الشاذّةِ: تأكيدٌ للفعلِ فزادَ في تأكيدِ إسنادِه.
[ ١٢ / ٤٤ ]
غيرَها، فما وقع في يدهِ إلاّ هي سبعَ مرات، فعَلِمَ أنَّ له شأنّا. وقيل: أخَذَها جبريلُ بعدَ موتِ آدم، فكانتْ معه حتّى لقيَ بها مُوسى ليلًا. وقيل: أودَعَها شُعيبًا مَلَكٌ في صورةِ رجُل، فأمر بِنتَه أن تأتِيَه بعصا، فأتتْه بها فردَّها سبعَ مرّات، فلم تقعْ في يدِها غيرُها، فدفَعَها إليه، ثمّ نَدِمَ لأنَّها وديعةٌ، فتَبِعَه فاختصما فيها، ورضيا أن يَحكُمَ بينَهُما أوَّلُ طالعٍ، فأتاهُما المَلَكُ فقالَ: ألقِياها؛ فمن رفعها فهي له، فعالجها الشَّيخُ فلم يُطِقْها، ورفعها مُوسى.
وعن الحسَنِ: ما كانتْ إلا عصًا من الشجر اعتَرَضَها اعتراضًا. وعن الكلبيّ: الشجرةُ التي منها نُوديَ شجرةُ العَوْسَج، ومنها كانت عصاهُ. ولمّا أصبحَ قال له شعيبٌ: إذا بلغتَ مَفرِقَ الطَّريقِ فلا تأخُذْ على يمينِك، فإنَّ الكَلأَ وإنْ كان بها أكثر، إلاّ أنّ فيها تِنِّينًا أخشاهُ عليك وعلى الغنم، فأخذتِ الغنمُ ذاتَ اليَمِين، ولم يقدرْ على كفِّها، فمشى على أثَرِها فإذا عشبٌ وريفٌ لم يَرَ مثلَه، فنامَ فإذا بالتِّنِّينِ قد أقبل، فحاربَتْه العصا حتّى قتلَتْه وعادت إلى جنبِ مُوسى داميةً، فلمّا أبْصَرَها داميةً والتِّنِّينُ مقتولًا ارتاحَ لذلك، ولما رجع إلى شعيبٍ مسَّ الغنم، فوجَدَها ملأي البُطونِ غزيرةَ اللَّبَن، فأخبَرَه مُوسى ففرِحَ، وعلِمَ لمُوسى والعصا شأنّا، وقال له: إنِّي وهبتُ لك من نَتاجِ غَنَمي هذا العامَ كُلَّ أدرَعَ وودرعاءَ، فأُوحيَ إليه في المنام: أن اضْرِبْ بعصاك مُستقى الغنم، ففعل، ثمّ سقي فما أخطأتْ واحدةً إلاّ وضعتْ أدرعَ ودرعاء، فَوَفى له بِشَرْطه.
_________________
(١) ـ قولُه: (اعتَرَضَها اعتراضًا)، أي: أخَذَها مِنْ عُرْضِ الشّجَر، أي: واحدٍ مِنَ الأشجار. الجوهري: قولُهم: اضرِبْ عَرْضَ الحائط؛ أي: اعتَرِضْهُ حيثُ وَجَدْتَ منهُ أيّ ناحيةٍ مِنْ نَواحِيه. قولُه: (أَدْرَعَ ودَرْعاء)، الجوهري: الأَدْرَعُ مِنَ الخيلِ والشاءِ: ما اسْوَدّ وابْيَضّ سائرُه، والأنثى: دَرْعاء.
[ ١٢ / ٤٥ ]
[﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَأَىهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ *اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ٢٩ - ٣٢]
سُئلَ رسولُ الله ﷺ: أيُّ الأجلَينِ قضَى موسَى؟ فقال: (أبعدَهما وأبطأهما).
وروي أنّه قال: (قَضى أوفَاهُما، وتزوَّج صُغرَاهُما)، وهذا خلافُ الرِّوايةِ التي سبَقَتْ. الجَذوَةُ- باللُّغاتِ الثّلاث، وقُرئَ بهنَّ جميعًا-: العُودُ الغَلِيظ، كانت في رأسِه نارٌ أو لم تَكُن، قال كُثَيِّرُ:
_________________
(١) ـ قولُه: (سُئِلَ رسولُ الله ﷺ: أيّ الأجلَيْنِ قضى)، الحديثُ مِنْ روايةِ البخاريِّ عنْ سعيدِ ابن جُبير قال: سألَنِي يهودي: أيّ الأجلَيْنِ قضى موسى؟ فقُلْت: لا أدري، حتى أَقْدَمَ على حَبْرِ العرب، فسألتُ ابنَ عباس، فقال: قضى أكثَرهُما وأطيَبَهما؛ لأنّ رسولَ الله إذا قالَ فعل. قولُه: (قضى أوفاهما)، أي: أطيَبَهما. قولُه: (وهذا خلافُ الروايةِ التي سَبَقَتْ)، أي: تزوّجَ صُغْراهُما، فإنهُ قال: كُبْراهُما كانتْ تُسمّى «صفرا» والصُّغرى «صفيرا»، وصفرا هيَ ذهبَتْ به، وهيَ التي تزوّجَها. قولُه: (وقُرئَ بِهنّ جميعًا)، عاصم: بفتحِ الجيم، وحمزة: بضمِّها، والباقون: بكسرِها. «الجذوة» مبتدأ، والخبرُ «العود»، وما بينهما معترضة.
[ ١٢ / ٤٦ ]
باتَت حَواطِبُ ليلى يَلتمِسنَ لَها … جَزلَ الجُذي غَيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ
وقال:
وألقَى على قَبسٍ من النَّارِ جَذوَةً … شَدِيدًا عَليهِ حَرُّها وَالتِهابُها
﴿مِن﴾ الأُولى الثّانيةُ لابتداءِ الغاية، أي: أتاهُ النِّداءُ من شاطِئ الوادي من قِبَل الشَّجرة. و﴿مِنَ اَلْشَّجَرَةِ﴾ بدَلٌ من قولِه: ﴿مِن شَاطِئِ أَلْوَادِ﴾، بدلُ الاشتِمال؛ لأنّ
_________________
(١) ـ الراغب: الجذوة: التي تبقى مِنَ الحطبِ بعدَ الالتهاب، الجمع: جُذّي بضمِّ الجيمِ وكسرِها. قالَ الخليل: يُقال: جَذا يجذو، نحو: جثا يجثو؛ إلا أنّ «جذا» أدلُّ على اللزوم، يُقال: جَذا القُرادُ في جنبِ البعير؛ إذا اشتدَّ التزاقُهُ به، ومنه: أجْذَتِ الشجرة: صارَتْ ذاتَ جَذْوَة، وفي الحديث: «كَمَثَلِ الأَرزةِ المُجذِية». الأرزةُ بفتحِ الراءِ وسكونِها: شجرةُ الأَرْزَن، وهوَ خشبٌ معروف، وقيل: هوَ الصنوبَر. قولُه: (باتَتْ حَواطِبُ ليلى) البيت، الحواطِب: الجواري اللاتي يطلُبْنَ الحَطَب، والجزل: الحَطَبُ اليابِسُ العظيم، والخَوّار: الضعيف؛ مِنَ الخَوْر، يقال: رُمْحٌ خَوّار، ورَجُلٌ خَوّار. والدّعَر: مصدرُ دَعَرَ دَعَرًا؛ فهوَ عودٌ دَعِر: رديءٌ كثيرُ الدُّخان، ومنهُ أُخِذَتِ الدّعارةُ وهي: الفِسْقُ والخُبْث. قولُه: (وألقى على قبس) البيت، الجَذْوة: القَبْسةُ مِنَ النار، والمرادُ بها النميمة؛ أي: ألقى على قبسٍ جَذْوةً مِنَ النميمة اشتدّ عليهِ حرُّها والتهابُها؛ لأنها هَيّجَتْ نارَ العداوةِ والفتنةِ بينَ القوم. استشهدَ بالبيتِ الأوّلِ على أنّ الجذوة: العودُ الغليظُ وليسَ في رأسِهِ نار، وبالبيتِ الثاني على أنّ الجذوة: هي التي على رأسِها نار.
[ ١٢ / ٤٧ ]
الشَّجرةَ كانتْ نابتةً على الشاطِئ، كقولِه تعالى: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِاَلرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] وقُرئَ: ﴿اَلْبُقْعَةِ﴾ بالضَّمِّ والفتح. و﴿اَلرَّهْبِ﴾ بفتحَتَيْن، وضمَّتَيْن، وفتح ٍ وسُكون، وضَمِّ وسكون: وهو الخوف. فإن قلتَ: ما معنى قولِه: ﴿وَاَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ اَلرَّهْبِ﴾؟ قلتُ: فيه معنَيان، أحدُهما: أنَّ موسى ﵇
_________________
(١) ـ قولُه: (كقولِه: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِاَلرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ﴾)، يعني: إبدالُ ﴿مِنَ اَلشَّجَرَةِ﴾ مِنْ قولِه: ﴿مِن شَاطِئ اَلْوَادِ﴾ بإعادةِ العاملِ بدلَ الاشتمالِ كإبدالِ ﴿لبُيُوتِهِمْ﴾ مِنْ قولِه: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِاَلرَّحْمَانِ﴾. قولُه: (وقُرِئَ: ﴿اَلْبُقْعَةِ﴾ بالضمِّ والفتح)، بالضمّ: سبعة، وبالفتح: شاذّة. قولُه: (و﴿الرَّهْبِ﴾ بفتحتَيْن، حفص: ﴿اَلرَّهْبِ﴾ بفتحِ الراءِ وإسكانِ الهاء، والحرميان وأبو عمرو: بفتحِهما، والباقون: بضمِّ الراءِ وإسكانِ الهاء. الراغبك الرهب: مخافةٌ معَ تحرُّز. قولُه: (ما معنى [قوله:] ﴿وَأضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾؟)، يعني: عَلّلَ الله تعالى قولَه: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ بقولِه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الأَمِنِينَ﴾ وعقّبَهُ بقولِه: ﴿أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ سدًّا يَعْضُدُ التعليل؛ فما موقعُ قولِه: ﴿وَأضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ اَلرَّهْبِ﴾؟ وأجاب: أنّ موسى ﵇ خافَ خوفًا شديدًا وأُزعِجَ إزعاجًا قويًّا، كأنهُ قبلَ التّوَلِّي ألقى العصا حينَ صارتْ حيّةً بيدِه؛ فلّما أرادَ الله أنْ يُؤَمِّنَ جَاشَهُ ويُزيلَ خَوْفَهُ بها ويَنْهاهُ عمّا صَدَرَ عنهُ مِنَ الاتِّقاءِ باليدِ لغضاضتِه، ويَمْنَحَه بَدَلَهُ مُعجِزةً أخرى؛ قالَ أوّلًا: ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الأَمِنِينَ﴾ إزالةً للخَوْف، وقالَ ثانيًا: ﴿أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ امتنانًا عليهِ بمَوْهِبةٍ أخرى؛ مزيدًا لانشراحِ صدرِه، وقالَ ثالثًا: ﴿وَأضْمُمْ
[ ١٢ / ٤٨ ]
لمّا قلبَ الله العصا حيّةً: فَزِعَ واضطربَ، فاتَّقاها بيدِه كما يفعلُ الخائفُ من الشَّيءِ، فقيلَ له: إنَّ اتِّقاءَك بيدِك فيه غَضاضةٌ عند الأعداء. فإذا ألقَيْتَها فكما تنقلِبُ حيّةً، فأدخِلْ يدَكَ تحتَ عَضُدِك مكانَ اتِّقائِك بها، ثُمَّ أخرِجْها بيضاءَ ليَحصُلَ الأمرانِك اجتنابُ ما هو غضاضةٌ عليك، وإظهارُ مُعجِزةٍ أُخرى. والمرادُ بالجَناحك اليدُ؛ لأنَّ يدَيِ الإنسانِ بمنزلة جناحَيِ الطّائر. وإذا أدخلَ يدَه اليُمنى تحتَ عَضُدِ يدِه اليُسرى، فقد ضمَّ جناحَه إليه. والثّاني: أن يرادَ جناحِه إليه: تجلُّدُه وضبطُه نفسَه. وتشدُّدُه
_________________
(١) ـ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ تعليمًا لهُ مكانَ اتقائِه بها. وفي الحقيقةِ قولُه: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أمرٌ واحد؛ لأنّ معناه: اجعَلْ يَدَكَ اليُمْنى تحتَ عَضُدِكَ اليُسرى؛ لأنّ الجَناحَ عبارةٌ عنِ اليد، لكنْ صيّرَهُما شيئَيْن، ليُعَلِّقَ بكلٍّ غرضًا، وإليهِ الإشارةُ بقولِه: «وإنما كَرّرَ المعنى الواحدَ لاختلافِ الغرضَيْن؛ وذلكَ أنّ الغَرَضَ في أحدِهِما خروجُ اليدِ بيضاء، والثاني إخفاءُ الرهب» والإمامُ نقلَ الجوابَيْنِ مِنْ غيرِ زيادةٍ ونقصان، وقال: أحسنُ الناسِ كلامًا فيهِ صاحبُ «الكشاف». قولُه: (فاتّقاها بيدِه)، أي: جَعَلَ يَدَهُ حاجزةً بينَهُ وبيْنَ المخوفِ كما في حديثِ عليٍّ ﵁: «كنا اتّقَيْنا إذا اتّقَيْنا برسُولِ الله ﷺ؛ فلَمْ يَكُنْ إلى العدوِّ أقربُ مِنه». قولُه: (غضاضة)، يُقال: غَضّ مِنهُ يَغُضُّ غضاضة؛ أي: وَضَعَ ونَقَصَ مِنْ قَدْرِه. و«كما» -في قولِه: «فكما تنقلِب» - مثلُه في قولِ بعضِهِم: كما أنهُ لا يعلمُهُ فغفرَ الله له، نقلَهُ المالكيُّ عنْ سيبويهِ. وقالَ في «اللُّباب»: الكافُ في قولِهم: كما حَضَرَ زيدٌ قامَ عمروٌ للقِرانِ في الوُقوع. قولُه: (أنْ يُرادَ بضَمِّ جَناحِهِ [إليه]: تجلُّدُهُ وضبطُهُ نَفْسَه)، يعني: قولُه: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ كنايةٌ عنْ تجلُّدِهِ وضبطِه، وهوَ مأخوذٌ مِنْ فِعْلِ الطائرِ عندَ الأمنِ بعدَ الخوف؛ فيكونُ بهذا الوجهِ مستعارًا على التمثيل، والحاصلُ أنهُ في الأصلِ مستعارٌ مِنْ فعلِ
[ ١٢ / ٤٩ ]
عندَ انقلابِ العصا حيّةً حتى لا يضطربَ ولا يرهَب؛ استعارةٌ من فعلِ الطّائر؛ لأنَّه إذا خافَ نشَرَ جناحَيْهِ وأرخاهُما. وإلاّ فجناحاه مضمومان إليه مُشَمَّران. ومنه ما يُحكي عن عمرَ بنِ عبدَ العزيزِ ﵀ أنَّ كاتِبًا له يكتبُ بينَ يدَيْه، فانْفَلَتَتْ منه فَلْتَةُ رِيحٍ، فخَجِلَ وانكَسَر، فقامَ وضربَ بقَلَمِه الأرضَ، فقالَ له عمرُ: خُذ قَلَمَك، واضمُمْ إليك جناحَك، وليُفْرِخ رَوْعُك، فإنِّي ما سمِعْتُها من أحدٍ أكثرَ ممّا سمِعْتُها من نفسِي.
ومعنى قولِه: ﴿مِنَ اَلْرَّهْبِ﴾ من أجلِ الرَّهْب، أي: إذا أصابَكَ الرّهبُ عندَ رُؤيةِ الحيّةِ فاضمُمْ إليك جناحَك: جُعِلَ الرَّهَبُ الّذي كان يصيبُه سببًا وعِلّةً فيما أُمِرَ به من ضَمِّ جناحِه إليه. ومعنى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾، وقولِه: ﴿أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ على أحَدِ التَّفسِيرَينِ: واحدٌ؛ ولكن خُولِفَ بينَ العِبارَتَيْن، وإنِّما كُرِّرَ المعنى الواحدُ لاختلافِ الغَرَضَيْن؛ وذلك أنَّ الغرضَ في أحَدِهِما خروجُ اليَدِ بيضاءَ وفي
_________________
(١) ـ الطائرِ عندَ هذهِ الحالةِ، ثُمّ كَثُرَ استعمالُهُ في التجلُّدِ وضَبْطِ النفسِ حتى صارَ مثلًا فيهِ وكنايةً عنه؛ فعلى هذا يكونُ تتميمًا لمعنى ﴿إِنَّكَ مِنَ اَلْأَمِنِينَ﴾. قولُه: (وليُفْرٍخْ رَوْعُك)، الأساس: ومِنَ المجاز: أَفْرَخَ رَوْعُك؛ أي: خلا قلبُكَ مِنَ الهَمِّ خُلُوّ البَيْضةِ مِنَ الفَرْخ، هذا ظاهر. وأما «أفرخ روعك» فمَنْ رواهُ بالفتح فوجهُهُ أنْ يُرادَ زوالُ ما يتوقعُهُ المُرْتاع؛ فإذا زالَ انقلبَ الرّوْعُ أمنًا. جَعَلَ زوالَ المتوقّعِ الذي هوَ مُتعلّقُ الرّوْع بمنزلةِ الفَرْخِ مِنَ البيضة، وكَثُرَ حتى صارَ في معنى الكشفِ والزوال. قولُه: «على أحد التفسيرَيْن)، وهوَ الوجهُ الأوّل؛ لأنّ المعنى على ما سَبَق: فأَدْخِلْ يدَكَ اليُمنى تحتَ عَضُدِكَ اليُسرى؛ فخُولِفَ بيْنَ العبارتَيْنِ بأنْ ذَكَرَ اليدَ أوّلًا والجناحَ ثانيًا، وإنما كرّرَ المعنى الواحدَ لِيُناطَ بكُلِّ مرّةٍ معنَى مُخالِف. وعلى الوجهِ الثاني قولُه: ﴿أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ مُجْرى على حقيقتِهِ كما في الأوّل؛ لكنّ قولَه: ﴿وَأضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ كنايةٌ عنِ التجلُّدِ والتشدُّد.
[ ١٢ / ٥٠ ]
الثّاني: إخفاءُ الرَّهَب. فإن قلتَ: قد جُعِلَ الجناحُ وهو اليَدُ في أحَدِ المَوضِعَيْنِ مضمُومًا وفي الآخَرِ مَضمُومًا إليه، وذلك قولُه: ﴿وَأضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وقولُه: ﴿وَأضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] فما التّوفيقُ بينَهما؟ قلتُ: المرادُ بالجَناحِ المضموم: هو اليَدُ اليُمنى، وبالمَضْمُومِ إليه: اليدُ اليُسرى وكلُّ واحدةٍ من يُمنى اليَدَيْنِ ويُسراهُما: جَناحٌ. ومن بِدَعِ التّفاسير: أنَّ الرَّهْبَ: الكُمُّ، بلُغةِ حِمْيَرَ، وأنَّهم يقُولُون: أعطِني ممّا في رَهْبِك، ولَيْتَ شِعرِي كيفَ صحَّتُه في اللّغة؟ ! وهل سُمِعَ من الأثْباتِ الثِّقاتِ الّذينَ تُرتَضى عربِيَّتُهم؟ ثمّ ليتَ شعريْ كيفَ موقِعُه في الآية؟ وكيف تطبيقُه المَفْصِلَ كسائِرِ كلماتِ التَّنزيل؟ على أنّ موسى صلواتُ الله عليه ما كان عليهِ ليلةَ المُناجاةِ إلاّ زُرْمانِقةٌ
_________________
(١) ـ قولُه: (ومِنْ بِدَعِ التفاسير: أنّ الرّهْب: الكُمّ، بلُغةِ حِمْيَر)، قالَ مُحيي السُّنة: قالَ الأصمَعيّ: سمعتُ بعضَ الأعرابِ يقولُ: أعطني ما في رَهبِك؛ أي: في كُمِّك. أي: اضمُمْ إليكَ يَدَكَ وأخرِجْهُ مِنَ الكُم؛ لأنُه تناولَ العصا ويدُهُ في كُمِّهِ وهوَ بعيد؛ ولهذا قال: «ليت شعري كيفَ موقِعُهُ في الآية؟». قولُه: (مِنَ الأثبات)، الأساس: هوَ ثَبْتٌ مِنَ الأثبات؛ إذا كانَ ذا حُجّةٍ لِثِقَتِهِ في روايته، ووجدْتُ فلانًا مِنَ الثقاتِ والأعلامِ الأثبات. قولُه: (زُرْمانِقة)، النِّهاية: وفي حديثِ ابنِ مسعود: أنّ موسى ﵇ أتى فرعونَ وعليهِ زُرْمانِقة، أي: جُبّةُ صُوف. والكلمةُ أعجمية، قيل: هيَ عبرانية، وقيل: فارسية؛ أصلُه: أُشْتُرْبانهْ؛ أي: متاعُ الجَمّال.
[ ١٢ / ٥١ ]
من صُوفٍ لا كُمَّيْ لها. ﴿فَذَانِكَ﴾ قرئَ مُخفَّفًا ومُشدَّدًا، فالمُخَّففُ مُثنّى ذاك. والمُشدَّدُ مُثنّى «ذلك». ﴿بُرْهَانَانِ﴾ حُجَّتانِ بَيِّنَتانِ نيِّرَتان. فإنْ قلتَ: لمَ سُمِّيَتِ الحُجّةُ بُرهانًا؟ لبَياضِها وإنارَتِها من قولِهم للمرأةِ البيضاءِ: بَرَهْرَهةٌ، بتكريرِ العَيْنِ واللاّم معًا. والدَّليلُ على زِيادةِ النُّونِ قولُهم: أَبرَهَ الرَّجُلُ، إذا جاءَ بالبُرهان. ونظيرُه تسمِيَتُهُم إيّاها سلطانًا؛ من السُّليطِ وهو الزَّيتُ، لإنارَتِها.
[﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ* وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ٣٣ - ٣٤]
يقالُ: رَدَاتُه: أَعَنتُهُ. والرِّدْءُ: اسمُ ما يُعانُ به، (فِعْلٌ) بمعنى (مفعولٍ)
_________________
(١) ـ قولُه: (لا كُمّيْ لها)، مثل: لا غُلامَيْ لك، ولا أبا لك، في سقوطِ النونِ وإقحامِ اللامِ بيْنَ المضافِ والمضافِ إليهِ لتأكيدِ الإضافة. قولُه: (قُرِئَ مُخفّفًا ومُشدّدًا)، ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو: «فذانِّك» بتشديدِ النون، والباقون: بتخفيفِها. قولُه: (والمُشَدّدُ مُثَنّى «ذلك»)، قيل: أصلُه: ذانِ لك؛ قُلِبَتِ اللامُ نونًا وأُدغِمَتِ النونُ في النون. وقالَ الزجّاج: وكأنَّ «ذانِّكَ» مُشَدّدًا تثنيةُ «ذلك»، و«ذانِكَ» مخفّفًا تثنيةُ «ذاك»؛ جَعَلَ بَدَلَ اللام تشديدَ النونِ في «ذانّك». قولُه: (بَرَهْرَهَة)، الأساس: أَبْرَهَ فلان: جاءَ بالبُرهان، وبَرْهَنَ مُوَلّد، والبُرهان: بيانُ الحُجّةِ وإيضاحُها؛ مِنَ البَرَهْرَهة، وهيَ البيضاءُ مِنَ الجواري؛ كما اشْتُقّ السلطانُ مِنَ السليطِ لإضاءتِه. قولُه: (والرِّدْء: اسمُ ما يُعانُ به)، الراغب: الرِّدْءُ الذي يَتْبَعُ غيرَهُ مُعينًا له، وقد أردأني، والرِّدءُ في الأصلِ مثلُه؛ لكنْ تعورِفَ في المتأخِّرِ المذموم، يُقال: رَدَأَ الشيءُ رداءة؛ فهوَ رديء.
[ ١٢ / ٥٢ ]
كما أنَّ الدِّفءَ اسمٌ لما يُدفَأُ به. قالَ سلامةُ بنَ جَنْدلٍ:
ورِدئي كُلُّ أبيضَ مَشرَفيٍّ … شَحِيذِ الحَدِّ عَضبٍ ذِي فُلُولِ
وقُرِئَ: (رِدًا) على التخفيف، كما قُرئَ (الخِبَ). ﴿رِدْءًا يُصَدِّ قُنِي﴾ بالرَّفْعِ والجَزْمِ صفةٌ وجوابٌ، ونحو: ﴿وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ سواء. فإن قلتَ: تصديقُ أخيه ما الفائدةُ فيه؟
قلتُ: ليسَ الغَرَضُ بتصديقِه أنْ يقولَ له: صدقتَ، أو يقولَ للناسّ: صدقَ مُوسى، وإنَّما هو أن يُلَخِّصَ بلسانِه الحقَّ، ويَبْسُطَ القولَ فيه، ويُجادِلَ به الكفَّارَ- كما يفعلُ الرَّجُلُ المِنْطِيقُ ذو العارِضةِ، فذلك جارٍ مَجرى التَّصديقِ المُقيَّدِ، كما يُصدَّقُ القَولُ
_________________
(١) ـ قولُه: (كما أنّ الدِّفْءَ اسمٌ لِما يُدْفَأُ به)، الجوهري: الدِّفْء: السخونة؛ تقولُ مِنه: دَفِئَ الرجلُ دَفاءة؛ مثل: كَرِهَ كَراهة، وكذلك: دَفِئَ دَفَأً؛ مثل: ظَمِئَ ظَمَأَ، والاسم: الدِّفْءُ، بالكسر، وهو: الشيءُ الذي يُدفِئُك، والجمع: الأَدْفاء. قولُه: (ورِدْئي كلُّ أبيضَ) البيت، أي: عوني كلُّ سيفٍ مصقولٍ شحيذٍ حديدٍ عَضْبٍ ماضٍ، المَشْرَفيّ: منسوبٌ إلى مشارِفِ الشام، والفُلول: الكَسْرُ في حَدِّ السيف. قولُه: (وقُرِئَ: «رِدًا» على التخفيف)، نافع: «رِدًا» بفتحِ الدالِ مِنْ غيرِ همز، والباقون: بإسكانِ الدالِ وبالهمز، وحمزة: على مذهبِهِ في الوقف. قولُه: (﴿يَصَدِّقُنِي﴾ بالرفعِ والجزم)، عاصمٌ وحمزة، والباقون: بالجزم. وعلى قراءةِ الرفعِ: الجَوابُ محذوف. قولُه: (ذو العارضة)، النِّهاية: في حديثِ عَمرِو بنِ الأهتم: قالَ للزِّبْرِقان: إنهُ شديدُ العارضة؛ أي: شديدُ الناحيةِ ذو جَلَدٍ وصرامة.
[ ١٢ / ٥٣ ]
بالبُرهان؛ ألا تَرى إلى قولِه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، وفضلُ الفصاحةِ إنَّما يُحتاجُ إليه لذلك، لا لقولِه: صدقتَ؛ فإنَّ سَحْبانَ وباقلًا يستَوِيانِ فيه-، أو يَصلَ جناحَ كلامِه بالبيان، حتّى يُصدِّقَه الذي يَخافُ تكذيبَه، فأُسنِدَ التَّصديقُ إلى هرونَ؛ لأنَّه السببُ فيه إسنادًا مجازيًّا. ومعنى الإسنادِ المجازيِّ: أنَّ التَّصديقَ حقيقةٌ في المُصدِّقِ، فإسنادُه إليه حقيقةٌ، وليس في السَّببِ تصديقٌ، ولكنِ استُعِيرَ له الإسنادُ؛ لابَسَ التَّصديقَ بالتَّسَبُّبِ كما لابَسَهُ الفاعِلُ بالمُباشَرةِ. والدَّليلُ على هذا الوجهِ قولُه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ وقراءة
_________________
(١) ـ قولُه: (ويصلَ جَناحَ كلامِهِ بالبيان)، شَبّهَ الكلامَ الماضي بالسّهْمِ المُرْسَل، فإذا وصلَ السّهْمُ بالجَناح؛ قَصَدَ الرّمِيّةَ فلا يلتوِي عندَها، كَذلكَ الكلامُ إذا بُيَنِّ وزِيدَ في بُرْهانِه؛ تَمَكّنَ عندَ السامعِ وأخذَ بمجامعِ قلبِه. والفرقُ بينَ هذا الوجهِ هوَ أنّ هارونَ في الأَوّلِ كانَ ناقلًا لكلامِ موسى ﵉ ومؤدِّيًا على وجهٍ أبْيَنَ وأكْشَف؛ فمعنى ﴿يُصَدِّقُنِي﴾: يُلخِّصُ كلامي، فإنّ الكلامَ المُلَخّصَ مؤثِّر؛ فكأنّهُ يُصدِّقُهُ فيما ادّعاه، والمعنى على الثاني: يؤيّدُ كلامي بالبرهانِ والبيان؛ فيصدِّقني قومي بسَبَبِه. فالمصدِّقُ على الأوّلِ هارون، وعلى الثاني القوم. والأوّلُ مِنْ إطلاقِ المُسَبِّبِ على السّبَب، والثاني مِنَ الإسنادِ المجازي. قولُه: (ومعنى الإسناد المجازي)، يعني: أنّ التصديقَ حقيقةٌ في القوم وهُمُ الذينَ يباشرونَهُ بأنفسِهم؛ فإسنادُ الفعلِ إليهم حقيقة، وليس في هارون تصديق؛ ولكنْ لمّا كانَ السببَ في التصديقِ استُعيرَ الإسنادُ له، ونحوُه: بني الأميرُ المدينة؛ والأميرُ إنما أمرَ بالبناء، فأسندَ إلى الحاملِ كما أسندَ إلى المباشر. قولُه: (والدليل على هذا الوجه قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾)، لأنّ التقدير: أرسلْهُ
[ ١٢ / ٥٤ ]
من قرأ: (ردءًا يُصَدِّقُوني)، وفيها تقوِيةٌ للقراءةِ بجَزْمِ (يُصَدِّقْني).
[﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ ٣٥]
العَضُدُ: قَوامُ اليَدِ، وبِشِدَّتِها تشتَدُّ. قالَ طَرَفةُ:
أبَني لُبَينَى لَستُمُ بِيَد … إلاَّ يدًا ليسَتْ لَها عَضُدُ
ويُقالُ في دُعاءِ الخَير: شَدَّ الله عَضُدَك، وفي ضِدِّه: فتَّ الله في عَضُدِك. ومعنى ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ سنُقَوِّيك به ونعينُك، فإِمّا أن يكونَ ذلك لأَنَّ اليَدَ تشتَدُّ
_________________
(١) ـ معي ليكونَ سببًا لأنْ يُصدِّقَني قومي. فقيلَ له: لِمَ ذلك؟ فأجاب: إني أخافُ أنْ يُكذِّبون. وهوَ الوجه؛ لأنُه مقابلٌ لقولِه: ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾. ولمّا كانَ جُلّ غَرَضِهِ ﵇ الدينُ وكانَ يُؤْثِرُه على حظِّ نفسِه؛ جاءَ بـ «أنْ» في هذا التعليل، وبالفاءِ في الأوّل؛ لأنُه تعليلٌ لتصديقِ القوم، كأنُه قيل: أَرْسِلْهُ معي رِدْءًا لأَن يُصَدِّقْني قومي؛ لأني أخافُ أنْ يُكذِّبون. قولُه: (وفيها)، أي: في قراءةِ «يُصدِّقوني» تقويةٌ لقراءةِ مَنْ جَزَم؛ لأنّ «يُصدِّقوني» لا يصلحُ أنْ يكونَ صفةً لقولِه: ﴿رِدْءًا﴾؛ لعَدَمِ المطابقة؛ فتعيّنَ أنْ يكونَ جوابًا؛ وذلكَ لأنّ كلتا القراءتَيْنِ تدلُّ على أنّ الإرسالَ علةٌ للتصديق، وتقريرُه: أنْ يُصدِّقوني؛ استئنافٌ كأنهُ قيل: لِمَ تَرسِلُه؟ فقيلَ في الجواب: يُصدِّقوني أي: لَأجْلِ أنْ يُصَدِّقوني؛ اعتمادًا على فهمِ السامِع. و«يُصدِّقْني» بالجزمِ جوابُ الأمر؛ فيكونُ معناه: أنْ تُرسِلَهُ معي يُصَدِّقْني؛ فالأوّلُ سببٌ للثاني. قولُه: (أَبَني لُبَيْني) البيت، لُبَيْني: مُصَغّرٌ اسمُ أَمة؛ عَيّرَهُم بكَوْنِهم أبناءَ أَمة، ونَصَبَ «يدًا»، والمستثنى منهُ مجرورٌ بالباء؛ فجعلَ الاستثناءَ مِنَ مَوضِعِ الباءِ لا مِنْ لفظِه. قولُه: (ومعنى ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾: سنُقَوِّيكَ بهِ ونُعينُك؛ فإمّا أنْ يكونَ)،
[ ١٢ / ٥٥ ]
بِشِدّةِ العَضُد. والجملةُ تقوي بشِدّةِ اليَدِ على مزاوَلةِ الأُمور. وإمّا لأنَّ الرَّجُلَ شُبِّهَ باليَدِ في اشتِدادِها باشتدادِ العَضُد، فجُعِلَ كأنَّه يَدٌ مُشتدّةٌ بعَضُدٍ شديدةٍ. ﴿سُلْطَانًا﴾ غلبةً وتسَلُّطًا. أو حُجّةً واضِحةً ﴿بِئَايَتِنَا﴾ متعلِّقٌ بنحوِ ما تعلَّقَ به ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾، أي: اذهبا بآياتِنا. أو بـ ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، أي: نسلِّطُكما بآياتِنا. أو بـ (لا يَصِلون)، أي: تمتنِعُون منهُم بآياتِنا. أو هو بيان لـ ﴿اَلْغَالِبُونَ﴾ لا صلةٌ، لامْتِناعِ تقدُّم الصِّلةِ على المَوْصُول. ولو تَأَخَّرَ لم يَكُنْ إلاّ صلةً له. ويجوزُ أن يكونُ قَسَمًا جوابُه: ﴿فَلَا يَصِلُونَ﴾، مُقدَّمًا عليه. أو من لَغْوِ القَسَم.
[﴿لَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ٣٦]
_________________
(١) ـ يعني: أنّ قولَه: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ عبارةٌ عنْ قولِنا: سنُقَوِّيك، وطريقُهُ وجهان: أحدُهما: أنْ يكونَ مجازًا مُرسلًا مِنْ بابِ إطلاقِ السّبَبِ على المُسَبّبِ بمَرْتَبَتَيْن؛ فإنّ الأصل: سنُقَوِّيك به، ثُمّ نُقَوِّي يَدَكَ به، ثُمّ سَنشُدُّ عَضُدَكَ به. وثانيهما: أنْ يكونَ استعارة؛ شَبّهَ حالةَ موسى بالتّقَوِّي بأخيهِ بحالةِ اليدِ المُتَقَوِّي بالعَضُد؛ فجُعِلَ كأنُهُ يدٌ مُشتَدّةٌ بعَضُدٍ شديدة. قولُه: (أو هوَ بيانٌ لـ ﴿أَلْغَالِبُونَ﴾ لا صِلة)، كأنُه قيل: بماذا نَغْلِبُ؟ وأُجيبَ: ﴿بِئَايَتِنَا﴾. قولُه: (قَسَمًا جوابُه: ﴿فَلَا يَصِلُونَ﴾)، فيهِ تساهُل؛ لأنّ جوابَ القَسَمِ لا يتقدّمُ عليه، ولا يكونُ فيهِ فاء. ولعلّ مُرادَهُ أنّ ما قبلَهُ يَدُلُّ على أنّ جوابَهُ محذوف. قولُه: (أو مِنْ لَغْوِ القَسَم)، قيل: أيْ لا جوابَ له؛ يعني: مطلقًا لا لفظًا ولا تقديرًا؛ بلْ جيءَ بهِ مُقحَمًا لمجرّدِ التأكيد؛ كقولِك: زيدٌ وأبيكَ منطلق. قالَ صاحبُ «الفرائد»: جوابُه محذوف؛ لأنّ التقديرك زيدٌ منطَلِقٌ والله إنّ زيدًا لمنطَلِق، تُرِكَتْ لِدَلالةِ الجملةِ المذكورة. وإنّما سُمِّيَ لَغْوًا؛ لأنّ القائلَ غيرُ قاصدٍ القَسَم، وإنّما أُجرِيَ على لسانِهِ بطريقِ العادة. وقلتُك هذا لا يجوزُ في كلامِ الله المجيدِ لا سيّما مِنَ الله تعالى.
[ ١٢ / ٥٦ ]
﴿سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ سِحْرٌ تعمَلُه أنتَ، ثمّ تفتَرِيهِ على الله. أو: سحرٌ ظاهرٌ افتِراؤُه. أو: موصوفٌ بالافتراءِ أنواعِ السِّحرِ، وليسَ بِمُعجزةٍ من عندِ الله. ﴿فِي آبَائِنَا﴾ حالٌ منصوبةٌ عن هذا، أي: كائنًا في زمانِهِم وأيّامِهِم، يريدُ: ما حُدِّثْنا بكَونه فيهم، ولا يخلو من أن يكُونُوا كاذِبِينَ في ذلك، وقد سمِعُوا وعَلِمُوا بنَحْوِه. أو يريدوا أنَّهم لم يسمَعُوا في فَظاعتِه. أو: ما كانَ الكُهّانُ يُخبِرُون بظُهورِ مُوسى ومجيئهِ بما جاءَ به. وهذا دليلُ أنَّهم حُجُّوا وبُهِتُوا، وما وَجَدُوا ما يدفَعُون به ما جاءَهم من الآيات إلاّ قولهم: هذا سحرٌ وبِدْعةٌ لم يسمعوا بمِثْلِها.
[﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٣٧]
يقولُ: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾ منكم بحالِ مَن أَهَّلَهُ الله للفَلاحِ الأَعْظمِ، حيث جعلَه نبيًّا وبَعَثَهُ بالهُدى، ووَعَدَهُ حُسنَ العُقبى: يعني نفسَه، ولو كانَ -كما تزعمُون- كاذبًا ساحِرًا مُفتَرِيًا لما أهَّلَهُ لذلك؛ لأنّه غنِيٌّ حَكِيمٌ لا يُرسِلُ الكاذِبِينَ، ولا يُنَبِّئُ السَّاحِرِينَ، ولا يُفلِحُ عندَه الظّالمون. و﴿عَاقِبَةُ اَلْدَّارِ﴾ هي العاقبةُ المحمودةُ. والدَّلِيلُ عليه قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَلدَّارِ* جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وقولُه: ﴿وَسَيَعْلَمُ اَلْكُفَّارُ لِمَن عُقْبَى اَلْدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢]، والمُرادُ بالدّارِ: الدُّنيا، وعاقِبتُها وعُقباها: أن تُختَمَ للعبدِ بالرَّحمةِ والرِّضوان وتَلَقِّي الملائكةِ بالبُشرى عندَ الموَت. فإن قلتَ: العاقبةُ المحمودةُ والمذمومةُ؛ كِلْتاهُما يصحُّ أنْ عاقبةَ الدّار؛ لأنَّ الدُّنيا إمّا أن تكون خاتِمتُها بخيرٍ أو بشرٍّ،
_________________
(١) قولُه: (أو موصوفٌ بالافتراءِ كسائرِ أنواعِ السِّحْر)، هذا بناءٌ على مذهبِهِ أنّ السِّحْرَ لا أَثَرَ في لهُ في نفسِه، وأنهُ حِيلةٌ وتَمْويه؛ كما نَصّ عليهِ في البقرةِ عندَ قولِه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فعلى هذا الوجهِ ﴿مُّفْتَرًى﴾ باقٍ على إطلاقِه، وهوَ صفةٌ مؤكِّدة، وعلى الوجهِ الأولِ صفةٌ مُخصّصةٌ مُقيّدةٌ بما ذكَره؛ أي: ما جئتَ بهِ ليسَ بمُعجِز؛ بلْ هوَ سِحْرٌ تفتريهِ أنتَ على الله، أو: ليسَ بمُعجِز؛ بلْ هوَ سحرٌ ظاهرٌ غيرُ خافٍ على أحد.
[ ١٢ / ٥٧ ]
فَلِمَ اختُصّتْ خاتمتُها بالخَيْرِ بهذه التَّسميةِ دُونَ خاتِمتِها بالشَّرِّ؟ قلتُ: قد وضَعَ الله سبحانَه الدُّنيا مجازًا إلى الآخرة وأراد بعبادِه أن لا يعمَلُوا فيها إلاّ الخير، وما خلَقَهُم
_________________
(١) قولُه: (الدنيا مجازًا إلى الآخرة)، أي: موضعُ الجوازِ وممرٌّ إلى الآخرة. قولُه: (وأرادَ بعباده أنْ لا يعملوا فيها إلا الخير)، وهوَ مدفوعٌ بقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. قالَ مُحيي السُّنة: ﴿وَمَن تَكُونُ لَهُ، عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: العُقْبى المحمودة. وقلتُ: لعلّ معنى كونِها محمودةً أنها مُقتَرِنةٌ بقولِه: ﴿لَهُ،﴾؛ فلَوْ قيل: «عليه» أو ما يجري مَجْراها -كما سيجيءُ بُعَيْدَ هذا ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةً الظَّالِمِينَ﴾ - لانْقَلَبَتْ إلى السُّوء، ولوْ يُقيِّدْها بأحدِهِما جازَ أنْ تُقيّدَ بالمحمودة أو بالسُّوء. الانتصاف: أما وَجْهُ العاقبةِ المطلَقةِ وإرادةِ الخيرِ بِها فهوَ أنّ الله هدى الناسَ إليها ووعدَهُمْ ما في سُلوكِها مِنَ النجاةِ- إذ هي المأمُور بها، وعوملت معاملةَ ما هو مراد، وإن لم تكن مرادة- والنعيم، ونهاهُمْ عَنْ ضِدِّها وتَوَعّدَ عليهِ بالعقابِ الأليم، وركّبَ فيهِمْ عقولًا تُرشِدُهمْ إلى عاقبةِ الخير، وأزاحَ عِللهم؛ فكانَ مِنْ حَقِّهِمْ أنْ يَسلُكُوا طريقَ الخير، وأنْ يَجعلُوها نُصْبَ أَعيُنِهِم؛ فأُطلِقَتِ العاقبةُ للخيرِ لذلك؛ إذْ هيَ المأمورُ بها، وعُومِلَتْ معامَلَةَ ما هوَ مرادٌ وإنْ لَمْ تكُنْ مُرادة. ثُمّ قال: «لولا قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ اَلدَّارِ﴾ [الرغد: ٢٥] لقُلْتُ: استعمالُ اللامِ هوَ الدالُّ على كونِها خيرًا، واستعمالُ «عليهم» على كونِها شَرًّا». وقلتُ: الآيةُ غيرُ مانِعةٍ عنْ ذلك؛ فإنّ قرينةَ اللعنةِ والسُّوءِ مانِعةٌ عنْ إرادةِ الخير، وإنّما أتى بـ ﴿لَهُ،﴾ ليُؤذِنَ أنّهُما حقّانِ ثابتانِ لهُمْ لازمانِ إياهم. ويَعْضُدُهُ التقديمُ المفيدُ للاختصاص.
[ ١٢ / ٥٨ ]
إلاّ لأجْلِه؛ لِيتَلقَّوا خاتِمةَ الخَيرِ وعاقِبةَ الصِّدقِ، ومَن عَمِلَ فيها خلافَ ما وضَعَها الله لهُ فقد حرّف؛ فإذن عاقبتُها الأصْليّةُ هي عاقِبةُ الخَيرِ. وأمّا عاقبةُ السُّوءِ فلا اعتِدادَ بها؛ لأنّها من نتائِج تحريفِ الفُجّار. وقرأَ ابنُ كثيرٍ: (قال موسى) بغيرِ واوٍ، على ما في مصاحفِ أهلِ مكّةَ، وهي قراءةٌ حسنةٌ؛ لأنَّ الموضِعَ مَوضِعُ سؤالٍ وبحثٍ عمّا أجابَهُم به مُوسى ﵇ عند تسمِيتَهِم مِثْلَ تلك الآياتِ الباهرةِ سِحرًا مُفترى. ووجهُ الأُخرى: أنَّهم قالُوا ذلك. وقالَ مُوسى ﵇ هذا، ليُوازِنَ النّاظِرُ بينَ القَوْلِ والقَوْلِ، ويتبصّرَ فسادَ أحدِهِما وصحّةَ الآخَر، وَبِضِدِّهَا تَتَبيَّنُ الأشياءُ. وقُرئَ: ﴿تَكُونُ﴾ بالياءِ والتّاء.
[﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣٨]
رُويَ أنّه لمّا أَمَر ببِناءِ الصَّرح، جَمعَ هامانُ العُمّال حتّى اجتمعَ خمسونَ ألفَ بنّاءٍ سوى الأتباعِ والأُجَراء، وأمرَ بطَبْخِ الآجُرِّ والجِصِّ، ونَجَرَ الخشبَ وضَرَبَ المَسامِير، فشيَّدُوه حتّى ما لمْ يبلُغهُ بنيانُ أحدٍ من الخَلْق، فكان الباني لا يقدِرُ أن يقِفَ على رأسِه يبنى، فبعثَ الله تعالى جبريلَ ﵇ عند غُروبِ الشَّمس، فضربَه بجَناحِه فقَطَعَه ثلاثَ قِطَع: وقعتْ قطعةٌ على عَسْكَرِ فِرعَونَ فقتلتْ ألفَ ألف رجُلٍ، ووقعتْ قطعةٌ في البحر، وقِطعةٌ في المغرِب، ولم يبقَ أحدٌ من عُمّالِه إلاّ قد هَلَك.
ويُروى في هذه القصّة: أنَّ فرعونَ ارتقى فوقَه فرمى بنُشّابِه نحوَ السّماء، فأرادَ الله أن يَفتِنَهم فرُدَّت إليه وهي ملطوخةٌ بالدَّم؛ فقالَ: قد قتلتُ إله موسى، فعندَها بعثَ الله جبريلَ ﵇ لهَدْمِه، والله أعلمُ بصحّتِه.
_________________
(١) ـ قولُه: (وقُرِئَ ﴿يَكُونَ﴾ بالياءِ والتاء)، حمزةُ والكسائي: بالياءِ التحتانية، والباقون: بالتاء.
[ ١٢ / ٥٩ ]
قَصَدَ بنفْي عِلْمِه بإلهٍ غيرِه: نفيَ وجودهِ، معناه: ما لكم من إلهٍ غيري، كما قال ﷿: ﴿قَلْ أَتُنَبِئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨] معناه: بما ليسَ فيهنَّ، وذلك لأنَّ العلمَ تابعٌ للمعلومِ لا يتعلّق به إلا على ما هو عليه، فإذا كان الشّيءُ معدومًا لم يتعلَّقْ به موجودًا، فمن ثمَّ كان انتفاءُ العلمِ بوُجودِه لانتفاءِ وجودِه. وعُبِّرَ عنِ انتفاءِ وُجودِه بانتِفاءِ العلمِ بوُجودِه. ويجوزُ أن يكونَ على ظاهرِه، وأنَّ إلهًا غيرَه غيرُ معلومٍ عندَه، ولكنَّه مظنونٌ بدليلِ قولِه: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ، مِنَ أَلْكَاذِبِينَ﴾، وإذا ظنَّ موسى ﵇ كاذبًا في إثباتِه إلهًا غيرَه ولم يعلَمْهُ كاذبًا، فقد ظنَّ أنَّ في الوُجودِ إلهًا غيرَه، ولو يكُنِ المَخذُولُ ظانًّا ظنًّا كاليَقِين؛
_________________
(١) ـ قولُه: (قَصَدَ بنفي علمِهِ بإلهٍ غيرِه: نفيَ وجودِه)، الانتصاف: وَهِمَ فيهِ الزمخشري؛ لأنّ الله عبَّرَ عنْ نفيِ المعلومِ بنفيِ العلم في قولِه: ﴿أَتُنَبِئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨]؛ فظنّ أَنّ سِرّ التعبيرِ شاملٌ لكلِّ تعلُّقٍ بالمعلوم، وليسَ كذلك؛ بلْ هذا التعبيرُ لا يكونُ إلا في علمِ الله؛ لعمومِ تعلُّقِهِ بجميع المعلومات؛ حتى لا يعزُبُ عنهُ مِثقالُ ذَرّة، وعِلْمُ المخلوقينَ ليستْ لهُ هذهِ الدرجة. وقلتُ: إنّ فِرعونَ كانَ يدّعي الإلهية؛ فعامَلَ بعِلْمِهِ معامَلَةَ عِلْمِ الله؛ ومِنْ ثَمّ طغى وتكبّرَ وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، ولمْ يَقُلْ: اطبخْ لي الآجُر؛ تعاظُمًا، كما قالَ مَنْ لَهُ العظَمةُ حقيقةً: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلْنَّارِ﴾ [الرعد: ١٧]. ومِنْ تعاظُمِهِ نداؤُهُ لوزيرِهِ باسمِهِ وبحرفِ النداء، وتوسيطِ ندائِهِ خلالَ الأمر. قولُه: (ويجوزُ أنْ يكونَ على ظاهرِه)، يعني أنّ قولَه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إلَهٍ﴾ واردٌ على الشكِّ وإجرائِهِ مَجْرى سائرِ علوم الخلقِ في أنُهُ لا يلزمُ مِنْ نفيِ تعلُّقِهِ بوجودِ أمرٍ نفيُ ذلكَ الأمر؛ فهوَ أحقرُ مِنْ ذلك، ويؤيِّدُهُ استعمالُهُ «لعلّ» والظنّ. ويمكنُ أنْ يُقال: إنّ الظاهرَ أنّ كلامَه الأوّلَ كانَ تمويهًا وتلبيسًا على القوم، والثاني مُواضَعةٌ معَ صاحبِ سِرِّهِ هامان؛ فإثباتُ الظنِّ في الثاني لا يَدفَعُ أنْ يكونَ نفيُ العِلمِ في الأوّلِ لنفيِ المعلوم.
[ ١٢ / ٦٠ ]
بل عالمًا بصحّةِ قَولِ مُوسى ﵇ لقولِ مُوسى له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] لَمَا تكلَّفَ ذلك البُنيانَ العظيم، ولَمَا تعبَ في بنائِه ما تعِب، لعلّه يطَّلِعُ بزَعْمِه إلى إلهِ مُوسى ﵇، وإن كانَ جاهلًا مُفرِطَ الجهلِ به وبصِفاتِه؛ حيثُ حَسِبَ أنّه في مكانٍ كما كانَ هو في مَكان، وأنّه يُطلَعُ إليه كما كان يُطلَعُ إليه إذا قَعَدَ في عِلِّيَّتهِ، وأنه مَلِكُ السَّماء؛ كما أنَّه مَلِكُ الأرض. ولا ترى بيِّنةً أثْبَتَ شهادةً على إفراطِ جهلِه وغباوَتِه وجهلِ مَلَئِه وغباوَتِهِم؛ من أنّهم رامُوا نَيْلَ أسبابِ السّمواتِ بصَرحٍ يبنُونَه، وليتَ شِعري؛ أكانَ يُلَبِّسُ على أهلِ بلادِه ويضحكُ من عقولِهم، حيثُ صادَفَهم أغبى النّاسِ وأخلاقُهم من الفِطَنِ وأشبَهُهُم بالبَهائِم بذلك؟ أم كانَ في نفسِه بتلكَ الصِّفة؟ وإنْ صحَّ ما يُحكي من رُجوعِ النُّشّابةِ إليه ملطوخةً بالدَّم، فتهكَّمَ به بالفعل، كما جاءَ التَّهَكُّمُ بالقَول، في غَيْرِ موضِعٍ من كتابِ الله بنُظرائِه من الكَفَرة. ويجوزُ أنْ يُفَسَّرَ الظَّنُّ على القَولِ الأوَّلِ؛ باليَقِين، كقوله:
_________________
(١) قولُه: (يُطلَعُ إليه)، المَطْلَع: المأتى؛ يُقال: أينَ مَطْلَعُ هذا الأمر؟ أي: مأتاهُ الذي يُطلَعُ عليهِ مِنْ إشرافٍ إلى انحدار. قولُه: (في عِلِّيّته)، أي: غُرْفتِه، هيَ فُعِّيلة؛ مثل: مُرِّيقة، وأصلُها: عُلِّيوة: وقيل: هيَ العِلِّيّةُ بالكسرِ على فِعِّيلة؛ جُعِلَ مِنَ المُضاعَف؛ إذْ ليسَ في الكلامِ فُعِّيلة. قولُه: (على القولِ الأوّلِ)، أي: على أنْ يكونَ القصدُ بنفيِ عِلْمِهِ في قولِه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ نفيَ وجودِ إلهٍ غيرِه؛ أي: ما لَكُمْ مِنْ إلهٍ غيري البتّة، وإني على يقينٍ أنّ موسى كاذب؛ فحينئذٍ يتناقضُ الأمرُ ببناءِ الصّرْح، كما قالَ فيما سبق: «لوْ لمْ يَكُنِ المخذولُ ظانًّا؛ لَما تكلّفَ ذلكَ البُنيان».
[ ١٢ / ٦١ ]
فقُلْتُ لهمْ ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ
ويكونُ بناءُ الصَّرح مناقضَةً لِما ادَّعاهُ من العلمِ واليَقِين، وقد خَفِيَتْ على قومِه لغباوَتِهم وبَلَهِهِم. أو لمْ تَخفَ عليهم، ولكنّ كلاًّ كانَ يخافُ على نفسِه سوطَه، وسيفَه، وإنّما قال: ﴿فَأَوْقِدْلِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، ولم يقُل: اطبُخ لي الآجرَّ واتَّخِذْه، لأنَّه أوّلُ من عَمِلَ الآجُرَّ، فهو يُعَلِّمَه الصَّنعة، ولأنَّ هذه العبارةَ أحسنُ طِباقًا لفصاحةِ القُرآنِ وعلوِّ طبقتِه، وأشبهُ بكلامِ الجبابرة.
_________________
(١) ـ قولُه: (فقلتُ لهمْ ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجّجٍ)، تَمامُه: سَراتُهُمُ في الفارسيِّ المُسَرّد مُدَجّج: مُغطّى في السلاح؛ مِنْ: دَجّجَتِ السماءُ إذا تَغَيّمَت، والسّراة: الرؤساء، وظُنُّوا -بضمِّ الظاء-: أمر، الفارسي: الدِّرْعُ المنسوبُ إلى الفارس، وهوَ مَثَلٌ في الجودة. يُنذِرُ قومًا بهجومِ جيشٍ تامِّ السلاح؛ أي: قلتُ لهم: أَيْقِنُوا بإتيانِ ذلكَ الجيش. قولُه: (أحسَنُ طِباقًا لفصاحةِ القرآن)، قالَ صاحبُ «المثل السائر»: فانظرْ إلى قولِهِ تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾؛ فإنُه لَمّا جيءَ بما يقتضي أنْ يَذكُرَ لفظَ «الآجُرّ» عَدَلَ مِنهُ إلى هذهِ العبارة، ولم يَذْكُرْ لفظَ «القَرْمَد» كما فَعَلَ النابغة: أو دُمْيةٍ في مَرْمَرٍ مرفوعةٍ … بُنِيَتْ بآجُرٍّ يُشادُ بقَرْمَدِ فإنّ أُولى العبارتَيْنِ مُبتَذَلةٌ سخيفةٌ متداوَلةٌ بينَ العامة، والثانيةُ متنافِرةٌ وحْشِيّةٌ غريبةٌ يضعانِ الكلامَ مِنْ قَدْرِه. قولُه: (وأشبَهُ بكلامِ الجبابرة)، أي: أَوْقِدْ لي على هذا الشيءِ المسمّى بالطين؛ كأنُه شيءٌ حقيرٌ لا يصلُحُ مِنْ مثلِ الملوكِ أنْ يتلفّظَ به، ويَدخُلُ في تسميتِهِ في زُمْرةِ العامة؛ كما عَبّرَ الله
[ ١٢ / ٦٢ ]
وأمْرُ هامانَ -وهو وزيرُه ورديفُه- بالإِيقادِ على الطِّين منادَى باسمه بـ «يا» في وسَطِ الكلام؛ دليلُ التّعظيمِ والتَّجَبُّر. وعن عُمرَ ﵁ أنَّه حينَ سافَرَ إلى الشّام ورأي القُصورَ المُشَيَّدةَ بالآجُرِّ قال: ما علمتُ أنّ أحدًا بني بالآجُرِّ غيرُ فرعون. والطُّلُوعُ والاطِّلاع: الصُّعود. يقال: طَلَعَ الجبلَ واطَّلَع: بمعنى.
[﴿اسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ٣٩ - ٤٠]
الاستكبارُ بالحقِّ: إنّما هو لله ﷿، وهو المُتَكَبِّرُ على الحقيقة، أي: المُتبالِغُ في كبرياءِ الشَّأن. قالَ رسولُ الله ﷺ فيما حَكى عن ربِّه: «الكبرياءُ ردائي، والعَظَمةُ إزاري؛ فَمن نازَعَني واحدًا منهُما ألقيتُه في النّار». وكُلُّ مُستَكبِرٍ سِواهُ فاستكبارُه بغيرِ الحقِّ
_________________
(١) ـ تعالى بقولِه: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ،﴾ [الرعد: ١٧] عَنِ الفِلِز، ويناسبُهُ نداؤهُ هامانَ بـ «يا» وهوَ قريبٌ حاضر؛ لكنْ بعيدٌ مِنْ حيثُ المرتَبة. قولُه: (بـ «يا» في وسطِ الكلام)، يعني أنّ هامانَ كانَ حاضرًا بينَ الملأ، وداخلًا في الخطاب؛ بلْ هوَ المخاطَبُ الأوّلُ لكونِهِ وزيرَهُ ومُشيرَه؛ فاختصاصُهُ مِنْ بينِهِم بالنداء، ثُمّ بـ «يا» الدّالةِ على البعيد، ثُمّ تصريحُهُ باسمِه- ما كانَ إلا إظهارًا للكبرياء. قالَ صاحبُ «المفتاح»: «يا» في مثلِ هذا المقامِ تبعيدٌ للمنادى وإيذانٌ بالتهاوُنِ به. قولُه: (الكبرياءُ ردائي)، الحديثُ رواهُ أبو داودَ عن أبي هُريرةَ مع تغييرٍ يسير، ولمسلمٍ روايةٌ على غيرِ هذه العبارة.
[ ١٢ / ٦٣ ]
﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالضَّمِّ والفَتْحِ ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ، فَنَبَذْنَهُمْ فِي اَلْيَمِ﴾ من الكلامِ الفَخْمِ الذي دلَّ به على عظمةِ شأنهِ وكبرياءِ سُلطانِه. شبَّههمُ استِحْقارًا لهم واستِقْلالًا لعَدَدِهِم، وإنْ كانُوا الكَثْرَ الكثيرَ والجَمَّ الغفير، بحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ آخذٌ في كفِّهِ فطرحَهُنَّ في البحر. ونحوُ ذلك قولُه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]، ﴿وَحُمِلَتِ اَلْأَرْضُ وَالجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةُ وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ، يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتُ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وما هيَ إلاّ تصويراتٌ وتمثيلاتٌ لاقتدارِه، وأنّ كُلَّ مقدورٍ وإنْ عَظُمَ وجَلَّ، فهُو مُستَصْغَرٌ إلى جنبِ قُدرتِه.
[﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ٤١ - ٤٢]
فإن قلت: ما معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾؟ قلت: معناه: ودَعَوناهم أئمّةً دُعاةً إلى النّار، وقُلنا: إنَّهم أئمِّةٌ دعاةٌ إلى النّار، كما يُدعى خلفاءُ
_________________
(١) ـ قولُه: (﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالضمِّ والفتح)، نافعٌ وحمزةُ والكسائي: بالفتح، والباقون: بالضم. قولُه: (دَعَوْناهُم أئمة …، وقُلنا: إنّهُمْ أئمةٌ دُعاةٌ إلى النار)، قالَ مُحيي السُّنّة: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ قادةً رؤساءَ يَدْعُونَ إلى النار، وقالَ الإمام: قد تمسّكَ الأصحابُ بها في كونِهِ تعالى خالقًا للخيرِ والشر. الانتصاف: لا فرقَ عِندَنا بينَ قولِه: ﴿وَجَعَلَ لظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] ﴿وَجَعَلْنَا اَلَّيْلَ والْنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] وبينَ هذهِ الآية؛ فمَنْ حَمَلَ الجَعلَ على التسميةِ هاهنا فهوَ بمثابةِ مَنْ حملَهُ على التسميةِ هناك.
[ ١٢ / ٦٤ ]
الحَقِّ أئمّةً دُعاةً إلى الجنّة. وهو مِن قولِك: جعلَهُ بخِيلًا وفاسِقًا، إذا دعاهُ وقال: إنَّه بخيلٌ وفاسقٌ. ويقولُ أهلُ اللُّغةِ في تفسيرِ فسَّقَهُ وبَخَّلَهُ: جعلَه بخِيلًا وفاسقًا. ومنه قولُه عزّ وعَلا: ﴿وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] ومعنى دعوَتِهم إلى النّار: دعوتُهم إلى موجِباتِها من الكُفْرِ والمعاصِي. ﴿وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾ كما يُنْصَرُ الأئِمّةُ الدُّعاةُ إلى الجنّة. ويجوز: خَذَلناهُم حتّى كانُوا أئمّةَ الكُفر. ومعنى الخُذلان: منعُ الألطاف، وإنّما يُمنَعُها من عُلِمَ أنَّها لا تنفَعُ فيه، وهو المُصمِّمُ على الكُفْرِ الذي لا تُغني عنهُ الآياتُ والنُّذُر، ومُجراهُ مُجرى الكِناية؛ لأنَّ منعَ الألطافِ يَردَفُ التَّصميم، والغرضُ بذِكْرِه: التَّصميمُ نفسُه، فكأنَّه قيل: صمَّمُوا على الكُفْرِ حتّى أئمّةً فيه، دُعاةً إليه وإلى سُوءِ عاقِبَتِه.
فإن قلت: وأيُّ فائدةٍ في تَرْكِ المَردُوف إلى الرّادِفة؟ قلت: ذِكرُ الرّادِفةِ يدُلُّ على وُجودِ المردُوف؛ فيُعلمُ وجودُ المَردُوفِ مع الدَّليلِ الشّاهدِ يوجُودِه، فيكونُ أقوى لإِثباتِه من ذكرِه. ألا ترى أنَّك تقول: لولا أنَّه مُصَمِّمٌ على الكُفر، مقطوعٌ أمرُه، مبتوتٌ حكمُه؛ لما مُنِعتْ منهُ الأَلطاف، فبذِكرِ منعِ الألطافِ يحصُلُ العِلمُ بوجودِ التَّصميمِ على الكُفرِ وزيادةٌ؛ وهو قيامُ الحُجّةِ على وجُودِه. وينصرُ هذا الوَجْهَ قولُه: ﴿وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾
_________________
(١) ـ قولُه: (ويجوزُ: خذلناهُم حتى كانوا أئمةَ الكُفر)، الوجهُ الأوّلُ قولُ الجُبّائي، وهذا قولُ الكعبي. يريدُ: أنّ مُؤدّي قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ مِنْ حيثُ التأويلِ إلى هذا المعنى؛ وهو: خذلناهُم حتى كانوا أئمة. وإنما قالَ: «وإنما يمنعُها مِنْ عَلِمَ أنها لا تَنْفَعُ» بناءً على أنّ رعايةَ الأصلحِ واجبة، وهوَ مَنْحُ الألطاف. وهُمْ إنما خُذِلوا ومُنِعَ عنهُم الألطافُ مِنْ جِهَةِ أنفُسِهِم؛ وهوَ تصميمُهم على الكفر. ورَجَعَ معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ إلى قولِه: «صَمّمُوا على الكُفْر»؛ لأنهُ رديفُهُ ولازمُه؛ فيكونُ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ كنايةً عنْ «صَمّمُوا على الكُفر». ولَعَمْري إنّ هذا التعسُّفَ لا يركَبُهُ إلا مَنْ عَمِيَ عنهُ الجادّة. قولُه: (وينصُرُ هذا الوجه- أيْ: أنّ المراد: خذلناهم- قولُه: ﴿ لَا يُنصَرُونَ﴾)؛ فإنهُ مِنْ بابِ ردِّ العَجُزِ على الصدرِ مِنْ حيثُ المعنى؛ لأنّ الخُذلانَ هوَ عدمُ النُّصْرة.
[ ١٢ / ٦٥ ]
كأنه قيل: وخَذَلناهُم في الدُّنيا، وهم يومَ القِيامةِ مخذُولُون، كما قال: ﴿وَأَتْبَعَنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي: طردًا وإبعادًا عن الرَّحمة ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المَطرُودِينَ المُبْعَدِين.
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤٣]
﴿بَصَائِرَ﴾ نصبٌ على الحال. والبصيرَةُ: نَورُ القلبِ الذي يَسْتَبصِرُ به، كما أنَّ البصرَ نورُ العَيْنِ الذي تُبصِرُ به، يريد: آتيناهُ التَّوراةُ أنوارًا للقلوب؛ لأنّها كانت
_________________
(١) ـ وقلتُ: ويمكنُ أنْ يُقال: وجعلناهُم في الدنيا قادةً رؤساءَ أقوياءَ ذَوِي سَلْطَنةٍ وغَلَبة، وانقلبَ في الآخرةِ الأمرُ فصارت تلكَ القدرةُ عَجْزًا، والتقدُّمُ نكوصًا؛ فلا ينصُرُهُم مِنْ ذلكَ ناصِر، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي: هلاكًا بالغَرَق، وبُعدًا عنْ رحمةِ الله. أو: لسانَ سُوءٍ بأنْ يلعنَهُمُ اللاعنونُ إلى قيامِ الساعة، ﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾. قولُه: (﴿هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: مِنَ المطرودِينَ المُبعَدين)، عبَّرَ عنِ الطردِ والبُعدِ بالقُبْح؛ إذْ لا ارتيابَ أنهُ لمْ يُرِدْ قُبْحَ الصورة؛ فإذنْ الآيةُ على وزانِ قولِهِ تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ، لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]. روى مُحيي السُّنةِ عن ابنِ عباس: مِنَ المشوّهِينَ بسَوادِ الوجهِ وزُرْقةِ العيون؛ يُقال: قَبَحَهُ الله وقَبَّحَه؛ إذا جعلَهُ قبيحًا، وقَبَحَهُ قَبْحًا وقُبُوحًا؛ إذا أبْعَدَهُ مِنْ كُلِّ خير. قولُه: (آتيناهُ التوراةَ أنوارًا للقلوب)، أي: مُشابهًا لأنوارِ القلوب؛ شَبّهَ التوراةَ بالأنوارِ التي تَستَبْصِرُ بها القلوب؛ فتعرِفُ بها حقيقةَ الأشياءِ فكَما أنّ فاقِدَ هذهِ الأنوارِ خابِطٌ في ظلماءِ التعسُّف؛ كذلكَ فاقدُها واقعٌ في مَهْواةِ الضلالة، تائهٌ في بيداءِ الكُفْر. فقولُه: «لأنها كانتْ عمياء» تعليلٌ وجعلَ ﴿بَصَائِرَ﴾ وصفًا لـ ﴿الْكِتَابَ﴾. ولذلكَ كانَ قولُه: «لأنهم كانوا يخبطون» تعليلًا لقولِه: «إرشادًا»؛ يعني: إنما أَوقعَ ﴿بَصَائِرَ﴾ حالًا مِنَ
[ ١٢ / ٦٦ ]
عُمْيًا لا تستبصرُ ولا تعرفُ حقًّا من باطلٍ. وإرشادًا؛ لأنَّهم كانُوا يَخبطُونَ في ضَلالٍ. ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ لأنَّهم لو عملوا بها وصَلُوا إلى نيلِ الرَّحمة. ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ إرادةَ أنْ يتذَكَّرُوا، شُبِّهتِ الإرادةُ بالتَّرجِّي فاستُعِيرَ لها. ويجوزُ أنْ يرادَ به: ترجِّي موسى ﵇ لتَذْكرتِهم، كقولِه تعالى: ﴿لَّعَلَّهُ، يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: ٤٤]
[﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٤٤]
﴿الْغَرْبِيِّ﴾ المكانُ الواقعُ في شِقِّ الغرب، وهو المكانُ الذي وقعَ فيه ميقاتُ موسى ﵇ من الطُّور، وكتبَ الله له في الألواح. والأمرُ المقْضِيُّ إلى مُوسى ﵇: الوحيُ الذي أوحى إليه؛ والخطابُ لرسولِ الله ﷺ يقول: وما كُنتَ حاضِرَ المكانِ الذي أوحينا فيه إلى مُوسى ﵇، ولا كُنتَ مِنَ جُملةِ الشَّاهِدِينَ للوحيِ إليه، أو على الوحيِ إليه،
_________________
(١) ـ ﴿الْكِتَابَ﴾؛ ليؤذِنَ بشدّةِ احتياجِ القومِ إلى ما تُفتَحُ بهِ قلوبُهُمُ العمياء. وإنما أَرْدَفَها بقولِه: ﴿وَهُدًى﴾؛ ليُنَبِّهِ على أنّهُمْ كانوا يخبِطون في ضلال، وعقّبَهُما بقولِه: ﴿وَرَحْمَةً﴾ لينادي بأنهُمْ كانوا بُعَداءَ مِنْ رحمةِ الله وما عَمِلوا بمقتضى الكتاب؛ لأنّهُمْ لو عَمِلوا بهِ لوصَلوا إلى رحمةِ الله. جَعَلَ ألفاظَ الآيةِ كلّها تعريضاتٍ باليهود، ودلّ على مكانِ التعريضِ قولُه: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. قولُه: (كقولِه تعالى: ﴿لَّعلَّهُ، يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤])، يعني: شَبّهَ حالةَ إيتاءِ الكتابِ لاستبصارِ بني إسرائيلَ واهتدائِهِمِ، وترجِّي موسى منهُم التذكُّر، بحالةِ بَعْثِتِهِ وأخيهِ إلى فرعونَ وترجِّيهِما مِنهُ التذكُّرَ والخشية؛ فاستعمَلَ هاهنا كلمةَ الترجِّي كما استُعمِلَتْ هناك. قولُه: (وما كنتَ حاضرَ المكان)، إلى قولِه: (حتى تَقِفَ مِنْ جهةِ المشاهدة) قد ذكَرْنا فائدةَ هذا الأسلوبِ في «البقرة» عندَ قولِه: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣]. قولُه: (أو على الوحي إليه)، على هذا: الشاهدُ بمعنى القائم بالشهادة، وعلى الأوّل: بمعنى الحاضر.
[ ١٢ / ٦٧ ]
وهم نقباؤُه الذين اختارَهم للميقات، حتّى من جهةِ المُشاهدةِ على ما جَرى من أمرِ مُوسى ﵇ في ميقاتِه وكَتْبِه التَّوراةَ له في الألواح، وغيرِ ذلك.
[﴿وَلَكِنَّا أَنْشَانَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ ٤٥]
فإن قلتَ: كيفَ يتَّصلُ قولُه: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَانَا قُرُونًا﴾ بهذا الكلام؟ ومن أيِّ وجهٍ يكونُ استدراكًا له؟ قلتُ: اتِّصالُه به وكونُه استدراكًا له، من حيثُ أنّ معناه: ولكنّا أنشَانا بعدَ عهدِ الوحيِ إلى عهدِكَ قُرُونًا كثيرةً ﴿فَتَطَاوَلَ﴾ على آخِرِهم: وهو
_________________
(١) ـ قولُه: (كيفَ يتصلُ قولُه: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَانَا قُرُونًا﴾؟)، توجيهُ السؤال: أنّ وَضْعَ «لكن» على أنْ يكونَ ما بعدَها مخالفًا لما قبلَها نفيًا وإثباتًا؛ فكيفَ مَوْقِعُها هاهنا؟ وتلخيصُ الجوابِ أنْ ليسَ الاعتبارُ بصورةِ النفيِ والإثبات؛ وإنما المعتَبَرُ المعنى؛ فإنهُ تعالى لمّا نفي عنْ رسولِ الله ﷺ أوّلًا كونَهُ بجانبِ الغربيّ، وكونَهُ مشاهِدًا للوحيِ إلى موسى ﵇ وقضاءِ الأمرِ لهُ مِنَ المُكالَمةِ وكِتْبةِ التوراةِ وغيرِهِما، والمرادُ نفيُ عِلمِهِ بذلك، أَثْبَتَ لهُ العلمَ ثانيًا بتلكَ القصةِ وبسائِر قِصَصِ الأنبياء؛ فكأنهُ قيل: ما كنتَ داريًا بذلكَ بطريقٍ مِنْ طُرُقِ العلم؛ لكنْ جعلناكَ داريًا بطريقِ الوحيِ بأنْ أرسلناكَ أحْوَجَ ما يكونُ الناسُ إلى إرسالِك؛ لفتورُ الوحي مُدّةً مُتطاوِلة. فَوَضَعَ قولَه: ﴿أَنشَانَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص: ٤٥] مَوْضِعَ «أرسلناكَ وكَسَبْنا لكَ العِلم»؛ وضعًا للسّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبّب؛ لأنّ إطالةَ فترةِ الوحي واندراسِ العلومِ سببٌ لإرسالِ الرُّسُلِ وكَسْبِهِمُ العلوم. ويدلُّ على هذا التأويلِ تصريحُ لفظِ ﴿مُرْسِلِينَ﴾ بعدَ حرفِ الاستدراكِ في قولِه: ﴿وَمَا كُنتَ ثَوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. وفي قصةِ موسى ﵇ والطور: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِنْ رَّبِّكَ﴾؛ ومِنْ عَلله بقولِه: ﴿لِتُذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَهُم مِن نَّذِيرٍ﴾، وإليهِ الإشارةُ بقولِه: «فإذنْ هذا الاستدراكُ شيبهُ الاستدراكَيْن». قولُه: (﴿فَتَطَاوَلَ﴾ على آخرِهم)، أي: تطاولَ العمرُ على آخرِهِم؛ بمعنى: طالَ أمدُ انقطاعِ الوحيِ على القرنِ الذي أنتَ فيهِم. وقالَ في «الأساس»: تطاوَلَ علينا الليل: طال،
[ ١٢ / ٦٨ ]
القَرْنُ الذي أنت فيهم ﴿اَلْعُمُرُ﴾ أي: أمدُ انقطاعِ الوحيِ واندرستِ العُلوم، فوجَبَ إرسالُك إليهم، فأرسلناكَ وكسيناكَ العلمَ بقِصَصِ الأنبياءِ وقصّةِ موسى ﵈، كأنّه قال: وما كُنتَ شاهدًا لمُوسى وما جرى عليه، ولكنّا أوحيناهُ إليك؛ فذكرَ سببَ الوحيِ الذي هو إطالةُ الفترة؛ ودلَّ به على المُسَبِّب على عادةِ الله ﷿ في اختصاراتِه؛ فإذن: هذا الاستدراكُ شبيهُ الاستدراكَيْنِ بعدَهُ ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا﴾ أي: مُقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾؛ وهم شُعيبٌ والمُؤمنون به. ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ تقرؤُها عليهم تعلُّمًا منهم، يريد: الآياتِ التي فيها قِصّةُ شعيبٍ وقومِه، ولكنّا أرسلناكَ وأخبرناكَ بها وعلمناكَها.
[﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤٦]
﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ يُريدُ مناداةَ موسى ﵇ ليلةَ المناجاةِ وتكليمَه، ﴿وَلَكِن﴾
_________________
(١) ـ ومِنَ المجاز: وطالَ عليهِ الطول؛ أي: طالَ عُمرُه. الراغب: الأَمَدُ والأَبَدُ: متقاربان؛ لكنّ الأبدَ: عبارةٌ عنْ مُدّةِ الزمانِ الذي ليسَ لها حَدٌ محدودٌ ولا يتقيّد، ولايُقال: أَبَدَ كذا. والأَمَدُ: مُدّةٌ لها حدٌ مجهولٌ إذا أُطلِق، وقدْ تَنْحَصِرُ نحوُ أنْ يُقال: أَمَدَ كذا؛ كما يُقال: زَمانُ كذا. والفرقُ بيْنَ الزمانِ والأمد: أنّ الأمَدَ يُقالُ باعتبارِ الغاية، والزمانُ عامٌّ في المبدأِ والغاية. ولذلكَ قالَ بعضُهُم: الأَمدُ والمدى متقاربان. قولُه: (﴿ثَاوِيًا﴾ أي مقيمًا)، الراغب: الثّواء: الإقامةُ معَ الاستقرار، وقيل: مَنْ أُمُّ مَثْواك؟ كنايةٌ عمّنْ نَزَلَ بهِ ضيفًا، والثّوِيّة: مأوى الغَنَم.
[ ١٢ / ٦٩ ]
علَّمناكَ ﴿رَّحْمَةً﴾ وقرئ: (رحمةٌ)، بالرَّفع، أي: هي رحمةٌ ﴿مّا أَتَاهُم مِن نَّذِيرٍ﴾ في زمانِ الفَتْرَةِ بينَك وبينَ عيسى؛ وهيَ خمسُ مئةٍ وخمسُونَ سنةً، ونحوُه قولُه: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦].
[﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤٧]
﴿لَوْلَا﴾ الأولى: امتناعيّةٌ وجوابُها محذوفٌ، والثانيةُ: تحضِيضِيّةٌ، وإحدى الفاءَيْنِ: للعطْف، والأُخرى: جوابُ ﴿لَوْلَا﴾، لكَونِها في حُكمِ الأمر، من قِبَلِ أنَّ الأمرَ باعثٌ على الفعل، والباعثُ والمُحضِّضُ من وادٍ واحدٍ. والمعنى: ولولا أنَّهم قائِلونُ إذا عُوقِبُوا بما قَدَّمُوا من الشِّرْكِ والمعاصي: هلاّ أرسلتَ إلينا رسولًا؟ محتجِّينَ علينا بذلك: لما أرسَلْنا إليهم، يعني: أنّ إرسالَ الرَّسُولِ إليهم إنّما هو ليُلْزِمُوا الحُجّة ولا يُلزِمُوها، كقولِه: ﴿لئِلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]، ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾. فإن قلت: كيفَ استقامَ هذا المعنى وقد جُعِلَتِ العُقوبةُ هي السّببَ في الإرسالِ
_________________
(١) ـ قولُه: (في زمانِ الفترةِ بينَكَ وبينَ عيسى وهيَ خمسُ مئةٍ وخمسونَ سنة)، روَيْنا عنِ البخاريِّ عنْ سلمانَ الفارسيَّ قال: فترةُ بَيْنَ عيسى ومحمدٍ صلواتُ الله عليهِما ستُّ مئةِ سنة. قولُه: (وقدْ جُعِلَت العقوبةُ هيَ السببَ في الإرسالِ)، يعني: لَمّا جَعَلْتَ قولَه: ﴿فَيَقُولُوا﴾ عطفًا على ﴿أَن تُصِيبَهُم﴾، وجَعَلْتَ ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ جوابَ ﴿لَوْلَا﴾ الثانية، وقدّرتَ الكلام: لولا أنْ تُصيبَهُم مصيبة؛ لمَا أرسلنا إليهِم، لَزِمَكَ أنْ تَجعَلَ العقوبةَ هيَ السببَ في الإرسالِ لولا القول. والقولُ في الحقيقةِ هوَ السبب؛ بدليلِ قولِه: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ
[ ١٢ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلا َ نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]. فأجابَ بقولِه: «القولُ هوَ المقصودُ بأنْ يكونَ سببًا لإرسالِ الرُّسُل». قالَ صاحبُ «الفرائد»: لا شكّ أنّ «أنْ» في ﴿أَن تُصِيبَهُم﴾ مصدرية، وهيَ داخلةٌ على ﴿فَيَقُولُوا﴾، وقدْ عُطِفَ على ﴿تُصِيبَهُم﴾ بالفاء؛ فالتقدير: لولا إصابتُهُم فيقولوا كذا؛ فيكونُ سببُ إرسالِ الرسلِ المجموعَ لا الواحدَ فحَسْب؛ فالواحدُ جزءُ السبب، وجزءُ السببِ لا يكونُ سببًا؛ فقولُه: «القولُ هوَ المقصودُ بأنْ يكونَ سببًا لإرسالِ الرسل» ليسَ بمستقيم، وكذا قولُه: «جُعِلَتِ العقوبةُ كأنها سببُ الإرسالِ بواسطةِ القول». ويمكنُ أنْ يُقال: القولُ يكونُ سببًا على تقديرِ وجودِ العقوبة؛ فيكونُ القولُ سببًا لا المجموع. فالجوابُ أنْ يُقال: القولُ لمْ يكنْ سببًا في نفسِ الأمر، بلْ على التقدير، فإذا لمْ يكن القولُ بدونِ التقديرِ سببًا كانَ المجموعُ سببًا؛ لأنّا لا نعني بكوْنِ المجموعِ سببًا إلا تَوَقُّفَ المسببِ عليه، وقدْ كانَ متوقِّفًا عليه، وهوَ المطلوب. وقولُه: «إنما السببُ في قولِهم هذا هوَ العقابُ لا غير، لا التأسُّفُ على ما فاتَهُم مِنَ الإيمانِ بخالقِهِم» هذا قولٌ مجرّدٌ عنِ الدليل؛ لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ السببُ هوَ المجموع؛ أعني: العقابَ والتأسف. تَمّ كلامُه. وقلتُ: قولُ المصنِّف: «هوَ المقصودُ بأنْ سببًا لإرسالِ الرسل» لا يُنافي أنْ يكونَ لهُ سببٌ آخر، وأنّ المجموعَ ليسَ بسبب؛ بل المرادُ أنّ القولَ هوَ المقصودُ الأَوْلى مِنْ مجموع السبب. على أنّ هذهِ الآيةَ على وِزانِ قولِهِ تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ﴾﴾ [المائدة: ١٩]. ولا ارتيابَ في استقلالِ القولِ في السببية؛ فعلى هذا يحتاجُ في جَعْلِ العقوبةِ سببًا بإيلائه حرفَ الامتناعِ إلى عذر؛ ولهذا قال: «لمّا كانتْ هيَ السببَ للقولِ …؛ جُعِلَتْ العقوبةُ كأنها سبب» على التشبيه، ولابدّ لهذا العُدولِ والتشبيهِ مِنْ فائدة، وما هيَ إلا ما قال: إنهُم لَوْ لَمْ يُعاقَبوا على كُفرِهِم؛ لَمْ يقولوا ذلك. الانتصاف: فإنْ قيل: كيفَ استقامَ جَعْلُ العقوبةِ سببَ الإرسالِ لا القول؛ لدخول حرفِ الامتناعِ عليها دُونَه؟ قلتُ: العقوبةُ سببُ القول؛ فهيَ سببُ السبب؛ فجُعلتْ سببًا.
[ ١٢ / ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وفي عطفِهِ السببَ الأصليّ عليهِ مزيدُ العنايةِ بسببِ السبب؛ لكونِهِ مقصودَ السياق. وأيضًا في هذا النظمِ تنبيهٌ على سَبَبِيّةِ كلِّ واحدٍ منهما؛ أما الأوّلُ؛ فلاقترانِهِ بحرفِ التعليلِ وهوَ ﴿أَن﴾. والثاني بالفاء، ولا يُعطي هذا المعنى إلا مِنَ المتلو. تمّ كلامُه. وأما قضيةُ النظم؛ فإنّ قولَه: ﴿وَمَا كُنتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾، ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ تخلُّصاتٌ مِنْ ذِكرِ موسى إلى إثباتِ نُبوّةِ سيدِنا محمدٍ ﷺ، وإلزامِ الحُجّةِ على المعانِدينَ مِنْ أهلِ الكتابِ والمشركين. يعني: إنكَ تُخبِرُ عنْ هذهِ الغيوبِ وهُمْ عالِمونَ أنكَ أُمِّيٌّ لَمْ تقرا ولَمْ تأخُذْ مِن أحد، ولا أنتَ حضَرْتَ هناكَ فتُخبِرُ عنها؛ بحيثُ لم تَخْرُم حرفًا، ولَمْ يكنْ ذلك إلا مِنْ طريقِ الوحي كما قال: ﴿وَلَكِن رَّحْمَةً مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتاهُم مِن نَّذِيرٍ﴾. والقومُ الذينَ ما أتاهُمْ مِنْ نذيرٍ هُمْ مشرِكو العَرَب، ولابدّ مِنْ إرسالِكَ إليهم؛ وإلا فلهُمْ أنْ يقولوا- إذا عوقِبوا بما قدّموا مِنَ الشِّرْكِ والمعاصي-: هلاّ أرسَلْتَ إلينا رسولًا فنتّبعَ آياتِك؟ وإلى هذا المعنى ينظُرُ قولُه: «ولولا قولُهُم هذا إذا أصابَتْهُم مصيبة؛ لَما أرسلنا» ويَعْضُدُ هذا الترتيبَ الفاءُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا﴾؛ فإنها نحوُ قولِ الشاعر: قالوا: خُراسانُ أقصى ما يُرادبِنا … ثُمّ القفولُ، فقدْ جِئنا خُراسانا وقولُه تعالى: ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلا َ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]. ووضْعُ المُظهَرِ وهوَ ﴿الْحَقُّ﴾ مَوْضِعَ المُضْمَر؛ فإنّ فيهِ الإشعارَ بقطعِ الحُجّة، وأنُه المؤيّدُ بالمعجزاتِ القاهرةِ والآياتِ الباهرة، والهادي إلى ما يُزلِفُهُم إلى المقامِ الأَسنى والدرجاتِ الحُسنى، ويُبعِدُهم عما يُوقِعُهُم في وَرَطاتِ الرّدي، ونحوَها مما يدخلُ تحتَ معنى الحق. المعنى: فلمّا جاءَهُم مثلُ هذا الحقِّ الساطِعِ والنورِ اللامعِ عندما كانوا أفقرَ شيءٍ إليه؛ تعامَوْا وتصامُّوا واقترحُوا عليهِ مِنَ الآياتِ ما ظَهَرَ بهِ عِنادُهم وتمرُّدُهُم؛ فقالُوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
[ ١٢ / ٧٢ ]
لا القول، لدُخولِ حرفِ الامتناعِ عليها دُونَه؟ قلتُ: القولُ هو المقصودُ بأنْ يكونَ سببًا لإرسالِ الرُّسُل، ولكنَّ العقوبةَ لمّا هيَ السَّببُ للقول، وكانَ وجودُه بوُجودِها، جُعلتِ العقوبةُ كأنَّها سببُ الإرسالِ بواسطةِ القَول، فأُدخِلتْ عليها ﴿لَوْلَا﴾، وجِيءَ بالقَولِ معطوفًا عليها بالفاءِ المُعطِيةِ معنى السَّببِّية، ويؤولُ معناهُ إلى قولِك: ولولا قولُهم هذا إذا أصابَتْهُم مصيبةٌ لَمَا أرسَلْنا، ولكن اختِيرَتْ هذه الطَّريقةُ لنُكتةٍ، وهي: أنَّهم لو لمْ يُعاقَبُوا مثلًا على كُفرِهم وقد عايَنُوا ما أُلجِئُوا به إلى العلمِ اليَقِين؛ لم يَقُولُوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ وإنّما السَّببُ في قولِهم هذا هو العقابُ لا غيرُ؛ لا التَّأسُّفَ على ما فاتَهم من الإيمانِ بخالِقِهم. وفي هذا الشَّهادةِ القَوِيّةِ على استحكامِ كُفْرِهم ورسوخِه فيهم ما لا يخفى، كقولِه تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. ولمّا كانتْ أكثرُ الأعمالِ تُزاوَلُ بالأيدي جُعِلَ كُلُّ عَمَلٍ مُعَبَّرًا عنهُ باجتراحِ الأيدي، وتقديمِ الأيدي، وإن كانَ من أعمالِ القُلُوب، وهذا من الاتِّساعِ في الكلام، وتصييرِ الأقَلِّ تابِعًا للأكثر، وتغليبِ الأكثَرِ على الأقلِّ.
[﴿لَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ ٤٨]
﴿لَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ وهو: الرَّسولُ المصَدَّقُ بالكتابِ المُعجِزِ، مع سائرِ
_________________
(١) قولُه: (جُعِلَ كلُّ عملٍ مُعبّرًا عنهُ باجتراح الأيدي)، «جَعَلَ» بمعنى: صَيّر، ومعبّرًا: ثاني مفعولَيْه. المعنى: عَبّرَ عنْ كلِّ الأعمالِ- وإنْ لَمْ يَصدُرْ عنِ اليدِ- باجتراح الأيدي؛ لأنّ الأصلَ في المزاوَلةِ والمعالَجةِ الأيدي. ونحوُهُ في الأسلوب: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ،﴾ [البقرة: ٢٨٣]. قولُه: (وهوَ الرسولُ المصدّقُ والكتاب المعجِز)، يعني: وضَعَ ﴿الْحَقُّ﴾ موضِعَ
[ ١٢ / ٧٣ ]
المُعجِزات، وقُطِعَتْ معاذِيرُهُم وسُدَّ طريقُ احتجاجِهم ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِي مُوسَى﴾ من الكتابِ المُنزَلِ جُملةً واحدةً، ومِن قَلبِ العصا حيّةً، وفلقِ البحرِ، وغيرِهما من الآيات؛ فجاءُوا بالاقتراحات المبنِيّةِ على التَّعنُّتِ والعِناد، كما قالُوا: لولا أُنزِلَ عليه كَنْزٌ أو جاءَ معه مَلَك، وما أشْبَهَ ذلك. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ يعني: أبناءَ جنسِهم، ومَن مَذهَبُهم مَذهَبُهم وعنادُهم عنادُهم، وهمُ الكفرةُ في زمنِ مُوسى ﵇ ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، وعن الحسنِ ﵀: قد كان للعربِ أصلٌ في أيّامِ مُوسى ﵇، فمعناهُ على هذا: أو لم يكفرْ آباؤُهم؟ ﴿قَالُوا﴾ في مُوسى وهارون: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أي: تعاوَنَا. وقُرِئَ: (اظّاهَرَا) على الإدغام. و﴿سِحْرَانِ﴾ بمعنى: ذوا سِحْر. أو: جعلوهُما سِحْرَينِ مُبالغةً في وصفِهِما بالسِّحر.
_________________
(١) ـ الرسول؛ لأنّ التعريفَ فيهِ للعهد، والمعهودُ ﴿رَسُولًا﴾ في قولهِ: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَتِكَ﴾؛ فينبغي أنْ يُحمَلَ على كلِّ ما يُتسَبُ ويضافُ إلى الرسولِ على وجهٍ يُزهِقُ كلّ باطلٍ ويَدْحَضُ كلّ حُجّة. ومِنْ ثَمّ قال: «وقُطِعَتْ معاذيرُهُم، وسُدّ طريقُ احتجاجِهِم». قولُه: (﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ يعني: أبناءَ جنسِهِم)، المعطوفُ عليهِ محذوف؛ أي: أَوَلَمْ يُؤْتَ موسى ما أُوتي مِنَ الآياتِ ولَمْ يكفُرْ قومُهُ المعاندون كهؤلاء. قولُه: (قد كانَ للعربِ أصلٌ في أيام موسى)، أي: نسبةٌ مِنْ حيثُ الكُفر والعناد، كما أنّ مِنَ المسلمينَ إخوةً مِنْ حيثُ الإيمان. أو أنّ أبا العربِ إسماعيل، وأبا بني إسرائيلَ إسحاق. والفاءُ في «فمعناه» نتيجةٌ؛ بِناءً على هذا التقدير. قولُه: (و﴿سِحْرَانِ﴾ بمعنى: ذَوا سِحْر)، وهيَ قراءةُ عاصمٍ وحمزةَ والكسائي.
[ ١٢ / ٧٤ ]
أو أرادُوا: نوعانِ من السِّحرِ. ﴿بِكُلٍّ﴾ بكُلِّ واحدٍ منهُما. فإن قلت: بم علَّقْتَ قولَه: ﴿مِن قَبْلُ﴾ في هذا التَّفسيرِ؟ قلت: بـ ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾، ولي أنْ أُعلِّقَه بـ ﴿أُوتِيَ﴾، فينقلبُ المعنى إلى أنَّ أهلَ مكَّةَ الذينَ قالُوا هذه المقالةَ كما كَفَرُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ وبالقُرآنِ؛ فقد كفرُوا بمُوسى ﵇ وبالتَّوراة، وقالُوا في مُوسى ومُحمَّدٍ عليهِما الصَّلاةُ والسَّلام: ساحِرانِ تظاهَرا. أو في الكتابين: سِحرانِ تظاهرا؛ وذلك حين بَعَثُوا الرّهطَ إلى رُؤَساءِ اليهودِ بالمدينةِ يسألونَهم عن مُحمَّدٍ ﷺ، فأخبَروهُم أنّه نعتُه وصِفَتُه،
_________________
(١) ـ قولُه: (أو أرادوا نوعانِ مِنَ السِّحْر)، قالَ صاحبُ «التقريب»: يعنُونَ التوراةَ والقرآن. قلتُ: يؤيِّدُ قوله تعالى: ﴿قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾. قولُه: (بِمَ علّقْتَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ في هذا التفسير؟)، أيْ: في تفسيرِ الحَسَن؛ وهوَ قولُه: «قدْ كانْ للعربِ أصلٌ في زَمَنِ موسى»، وكذا في الحاشية، وفيهِ تفصيل؛ وهوَ أنّ الضميرَ في ﴿يَكْفُرُوا﴾: إما للكَفَرةِ في زَمَنِ موسى ﵇ مِنْ بني إسرائيل؛ فيتعلّقُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ بـ ﴿يَكْفُرُوا﴾ لا بـ ﴿أُوتِيَ﴾؛ لأنّ موسى ﵇ ما أُوتيَ الكتابَ مِنْ قَبْلِهِم، وإنما وَبّخَ الحاضِرِينَ في زَمَنِ مُحمدٍ صلواتُ الله عليهِ بهِ؛ لأنّهُمْ أبناءُ جِنسِهِم في العِناد. وإما لآباءِ الكَفَرةِ الحاضِرة. فالتوبيخُ نحوُ التوبيخِ في قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١، ٩٢]. ويجوزُ أنْ يُجعَلَ الضميرُ للكَفَرةِ الحاضِرة، ويُعلّقَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ بـ ﴿أُوتِيَ﴾، كما قال: «ولي أنْ أُعلِّقَه بـ ﴿أُوتِيَ﴾ وفي كلامِهِ حذف؛ أي: ولي أنْ أُعلِّقَه بـ ﴿أُوتِيَ﴾ وأَجْعَلَ الضميرَ في ﴿يَكْفُرُوا﴾ للحاضرِينَ لا لآبائِهِم؛ فينقلبَ المعنى، إلى آخرِه. فعلى هذا: إذا قُرِئَ «ساحران» أو ﴿سِحْرَانِ﴾ وأُريدَ: ساحران؛ كانَ المرادُ محمدًا وموسى ﵉، وإنْ أُريدَ نوعانِ مِنَ السِّحْر؛ فالمرادُ التوراةُ والقرآن. قولُه: (فقالوا في موسى ومحمد: ساحِرانِ [تظاهرا]، أو في الكتابين: سِحْرانِ تظاهرا)،
[ ١٢ / ٧٥ ]
وأنّه في كتابِهِم، فرجَعَ الرَّهْطُ إلى قُريشٍ فأخبروهُم بقَولِ اليهود، فقالُوا عندَ ذلك: ساحِران تَظاهرا.
[﴿قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤٩]
﴿هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ ممّا أُنزِلَ على مُوسى ﵇ وممّا أُنزِلَ عليَّ. هذا الشَّرْطُ من نحوِ ما ذكرتُ أنَّه شرطُ المُدِلِّ بالأمرِ المتَحَقِّقِ لصِحَّتِه؛ لأنَّ امتناعَ الإتيانِ بكتابٍ أهدى من الكِتابَيْنِ أمرٌ متَحَقِّقٌ لا مجالَ فيه للشَّكِّ. ويجوزُ أنْ يُقصَدَ بحرفِ الشَّكِّ: التَّهكُّمُ بهم.
[﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥٠]
فإن قلت: ما الفرقُ بينَ فعلِ الاستجابةِ في الآية، وبينَهُ في قولِه:
_________________
(١) هذا التفسيرُ بناءً على القراءةِ الثانية. قالَ الزجاج: والثاني أظْهَر؛ لقولِه تعالى: ﴿قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾. ولقائلٍ أنْ يقول: لا يَمْنَعُ هذا مِنْ حَمْلِ ﴿سِحْرَانِ﴾ على محمدٍ وموسى ﵉؛ لأنّ المعنى: قل فأتوا بكتابٍ مِنْ عندِ الله هوَ أهدى مِنْ كتابَيْهِما، ويؤيِّدُهُ قراءةُ مَنْ قرأ «ساحران». قولُه: (هذا الشرطُ مِنْ نحوِ ما ذكرتُ)، أي في سورةِ الشعراء: ﴿أَن كُنَّا أَوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١] قال: «وهوَ الشرطُ الذي يجيءُ بهِ المُدِلُّ بأمْرِهِ المتحقِّقُ بصِحّتِه، ونظيرُهُ قولُ العامِلِ لمَنْ يُؤخِّرُ جُعْلَه: إنْ كنتُ عَمِلْتُ لكَ فوفِّني حقِّي». المُدلّ: الواثِق، وهوَ يُدَلُّ بفُلانٍ: يثقُ بِه.
[ ١٢ / ٧٦ ]
فَلم يَسْتَجِبْهُ عِندَ ذاكَ مُجِيبُ
حيثُ عُدِّيَ بغيرِ اللاّم؟ قلت: هذا الفعلُ يتعدّى إلى الدُّعاء بنفسِه وإلى الدّاعي باللاّم، ويُحذَفُ الدُّعاءُ إذا عُدِّيَ إلى الدّاعي في الغالب، فيُقال؛ استجابَ الله دعاءَه، أو استجابَ له، ولا يَكادُ يقال: استجابَ له دُعاءَه. وأمّا البيتُ فمعناه: فلم يستجِبْ دُعاءَه، على حذفِ المُضاف. فإن قلت: فالاستجابةُ تقتضي دُعاءً ولا دُعاءَ هاهنا.
قلت: قولُه: ﴿فَاتُوا بِكِتَابٍ﴾ أمرٌ بالإتيان، والأمرُ بعْثٌ على الفِعلِ ودُعاءٌ إليه، فكأنّه قال: فإنْ لم يستجِيبُوا دُعاءَك إلى الإتيانِ بالكتابِ الأهدى، فاعلمْ أنَّهم قد أُلزِمُوا لهم حُجّةٌ إلاّ اتباعُ الهوى، ثمّ قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ﴾ لا يتّبعُ في دينِه إلاّ ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ﴾ أي: مطبوعًا على قلبه، ممنوعَ الألطاف. ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي﴾ أي: لا يلطُفُ بالقوم الثّابِتينَ على الظُّلم؛ الذين اللاّطِفُ بهم عابثٌ. وقولُه: ﴿بِغَيْرِ هُدًى﴾ في موضِع الحال، يعني: مخذُولًا مُخلًّى بينَه وبينَ هواه.
[﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥١]
قُرِئ: ﴿وَصَّلْنَا﴾ بالتَّشدِيد والتَّخفيف. والمعنى: أنَّ القُرآنَ أتاهُم مُتتابعًا مُتواصلًا، وعدًا ووَعيدًا، وقَصصًا وعِبَرًا، ومَواعِظَ ونصائِح: إرادةَ أن يتذكَّرُوا فيُفلِحُوا. أو:
_________________
(١) ـ قولُه: (فَلم يستجِبْهُ عندَ ذاكَ مُجيب)، أوّله: وداعٍ دعا يا مَنْ يُجيبُ إلى الندى أي: رُبّ داعٍ دعا: هلْ مِنْ مُجيبٍ إلى الندى؛ أي: هلْ أحدٌ يَمنَحُ المُستَمنِحِين؟ فلَمْ يُجِبْهُ أحد. قولُه: (﴿وَصَّلْنَا﴾، بالتشديد: السبعة، وبالتخفيف: شاذة. قولُه: (متتابعًا متواصلًا، وعدًا ووعيدًا)، قالَ الزجّاج: وَصَّلْنا لهُمُ القول؛ أي: فصّلناهُ
[ ١٢ / ٧٧ ]
نزلَ عليهِم نُزولًا مُتَّصِلًا بعضُه في أثرِ بعض. كقولهِ: ﴿وَمَ يَاتِيهِمِ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥].
[﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ٥٢]
نزلتْ في مُؤمِنِي أهلِ الكتابِ. وعن رِفاعَةَ بنِ قَرَظة: نزلتْ في عَشَرةٍ أنا أحدُهم.
وقيل: في أربَعِينَ من مُسلِمِي أهلِ الإنجيل: اثنانِ وثلاثُونَ جاؤُوا مع جعفرٍ من أرضِ الحبشة، وثمانيةٌ من الشّام، والضّميرُ في ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ للقُرآن.
[﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ٥٣]
فإن قلت: أيُّ فرقٍ بينَ الاستئنافَيْن: إنَّهُ وإنّا؟ قلت: الأوّلُ تعليلٌ للإيمانِ به، لأنّ كونَه حقًّا من الله حقيقٌ بأنْ يؤمِنَ به. والثّاني: بيانٌ لقولِه: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾؛ لأنَّه يُحتَملُ أن يكونَ إيمانًا قريبَ العهدِ وبعيدَه، فأُخبِرُوا أنّ إيمانَهم به مُتَقادِمٌ؛ لأنَّ آباءَهمُ القُدَماءَ قَرؤُوا في الكُتُبِ الأُوَلِ ذكْرَه وأبناؤُهم من بعدِهم ﴿مِن قَبْلِهِ﴾: من قَبْلِ وُجُودِه ونُزُولِه. ﴿مُسْلِمِينَ﴾: كائِنينَ على دينِ الإسلام؛ لأنّ الإسلامَ صفةُ كُلِّ مُوَحِّدٍ مُصدِّقٍ للوَحْي.
[﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٥٤]
_________________
(١) ـ بأنْ وصَلْنا ذِكرَ الأنبياءِ أو أقاصيصَ مَنْ مضى، بعضَها ببعض. والحاصلُ أنّ الوصلَ يقتضي التتابُعَ وإنما يقال: وصل؛ إذا كانَ بينَ الكلامينَ اتصالٌ معنويٌ ومناسبة، أو اتصالٌ لفظيٌ بأنْ يكونَ الكلامُ متتابعًا مسرودًا لَمْ يقعْ بينَهُما فاصِلة. قولُه: (﴿مِن قَبْلِهِ﴾ مِنْ قَبْلِ وُجودِه)، قيل: أشارَ إلى مذهبِه.
[ ١٢ / ٧٨ ]
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ بصَبْرِهِم على الإيمانِ بالتَّوراةِ والإيمانِ بالقُرآن. أو: بصبْرِهِم على الإيمانِ بالقُرآنِ قبلَ نُزُولِه وبعدَ نُزُولِه. أو: بصبْرِهِم على أذى المُشرِكِينَ وأهلِ الكتاب.
ونحوهُ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنٍ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِئَةَ﴾ بالطّاعةِ المَعصيةَ المُتقدِّمة. أو: بالحِلمِ الأذى.
[﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ٥٥]
﴿سَلَامُ عَلَيْكُمْ﴾ تودِيعٌ ومُتارَكة. وعن الحَسنِ ﵁: كلمةُ حِلمٍ من المُؤمِنين ﴿لَا نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ﴾ لا نُريدُ مخالطَتهُم وصُحبَتَهُم، فإنْ قلت: مَن خاطبوا بقولِهم ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؟ قلت: اللاّغِينَ الذينَ دَلَّ عليهِم قولُه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾.
[﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٥٦]
﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لا تقدِرُ أن تُدْخِلَ في الإسلامِ كُلَّ مَن أحبَبتَ أنْ يدخُلَ فيه مِن قومِكَ وغيرِهم، لأنّك عبدٌ لا تعلمُ المَطبوعَ على قلبِه مِن غيرِه ﴿وَلَكِنَّ اللهَ﴾
_________________
(١) ـ قولُه: (توديعٌ وتارَكة)، نقلَ في «المطلع» عَنِ الزجّاج: لَمْ يريدوا بقولِهم: ﴿سَلَامُ عَلَيْكُمْ﴾ التحية؛ وإنما أرادوا: بيننا وبينَكُمُ المتاركةُ والتسليم، كأنهم قالوا: سَلِمْتُمْ مِنّا، لا نُعارِضُكُمْ بالشّتْمِ والأذى. قولُه: (﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: لا تَقْدِر)، وإنما فسّرَهُ بهذا وعلله بقولِه: «لأنكَ عبدٌ لا تَعلَمُ»؛ لأنّ كلمةَ الاستداركِ وُضِعَتْ لتدخُلَ بينَ كلامَيْنِ متغايِرَيْنِ نفيًا وإيجابًا، فإذا دَلّ قولُه: «ولكنّ الله» إلى آخرهِ على أنهُ تعالى يقدِرُ على الهدايةِ لعلمِهِ بالمهتدي، يجبُ أنْ يُفسّرَ قولُه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ بقولِه: لا تقدِرُ على الهدايةِ لأنكَ عبدٌ لا تعلمُ المهتدي.
[ ١٢ / ٧٩ ]
يُدخِلُ في الإسلامِ ﴿مَن يَشَاءُ﴾ وهو الذي عَلِمَ أنَّه غيرُ مطبوعٍ على قلبِه، وأن الأَلطافَ تنفعُ فيه، فَيقْرُنُ به ألطافَه حتّى تدعُوه إلى القَبُولِ ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ بالقابِلِينَ مِن الذينَ لا يقبَلُون. قال الزَّجّاج: أجمعَ المُسلِمُونَ أنَّها نزلتْ في أبي طالب، وذلك أنّ أبا طالبٍ قال عندَ موتِه: «يا مَعشَرَ بنِي هاشِمٍ، أطيعُوا مُحمَّدًا وصدِّقُوه تُفلِحُوا وتَرْشُدُوا، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا عَمِّ، تأمُرُهُم بالنَّصيحةِ لأنفُسِهم وتَدَعُها لنَفْسِك؟ فقالَ: فما تُريدُ يا ابنَ أخِي؟ قال: أريدُ منكَ كلمةً فإنَّكَ في آخرِ يَوْمٍ من أيّامِ الدُّنيا: أن تقولَ لا إلهَ إلاّ الله. أشهدُ لكَ بها عندَ الله. قال: يا ابنَ أخي، قد علمتُ إنَّك لصادِقٌ، ولكنِّي أكرَهُ أن يُقال: خَرِعَ عندَ المَوْت، ولولا أنْ تكُونَ عليكَ وعلى
_________________
(١) ـ قولُه: (قالَ الزجاج: أَجْمَعَ المسلمون)، والمذكورُ في «تفسيرِه»: أجمعَ المفسرونَ أنها نزلتْ في أبي طالب. ثُمّ قال: وجائزٌ أنْ يكونَ ابتداءُ نزولِها بسببِ أبي طالب، وهيَ عامّةٌ لأنهُ لا يهدي إلا الله ﷿، ولا يُرشِدُ ولا يُوفِّقُ إلا الله، وكذلكَ هوَ يُضِلُّ مَنْ يشاء. رَوينا في «صحيح البخاريِّ» عنِ ابنِ المسَيّب، عنْ أبيه: أنّ أبا طالبٍ لمّا حَضَرَتْهُ الوفاةُ دخلَ عليهِ النبيُّ ﷺ وعندَهُ أبو جهل؛ فقال: «أي عمّ، قُل: لا إلهَ إلا الله؛ كلمةً أُحاجُّ لكَ بها عندَ الله». فقالَ أبو جهلٍ وعبدُ الله بنُ أمية: يا أبا طالب، ترغبُ عنْ مِلّةِ عبدِ المطّلِب؟ فلَمْ يزالا يُكلِّمانِهِ حتى قالَ آخرَ شيءٍ كَلّمَهم به: على ملةِ عبدِ المطّلِب. فنزلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. وعنْ مسلم والترمذيِّ عنْ أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ لعمِّهِ عندَ الموت: «قل: لا إله إلا الله؛ أشهدُ لكَ يومَ القيامة»؛ فأنزلَ الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. قولُه: (خرع عندَ الموت)، بالخاءِ المعجمةِ والراء. الجوهري: الخَرَعُ- بالتحريك-: الرّخاوةُ في كلِّ شيء؛ يُقال: خرع الرّجُلُ أي: ضَعُف. النِّهاية: ويُروى بالجيمِ والزاي؛ وهو:
[ ١٢ / ٨٠ ]
بَنِي أبيكَ غضاضةً ومَسَبّةً بعدي، لقُلتُها، ولأقرَرْتُ بها عَيْنَك عندَ الفِراق، لِما أرى من شِدَّةِ وَجَدِكَ ونصيحَتِك، ولكنِّي سَوفَ أموتُ على ملَّةِ الأشياخِ عبدِ المُطَّلِبِ وهاشِمٍ وعبدِ مَناف».
[﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٥٧]
قالت قريش- وقيل: إنّ القائِلَ الحارثُ بنِ نَوفَلٍ بنُ عبدِ مَناف-: نحنُ نعلمُ أنَّك على الحقِّ، ولكنّا نخافُ إِنِ اتَّبعناكَ وخالَفْنا العَرَبَ بذلك، وإنَّما نحنُ أَكَلَةُ رأسٍ، أي: قليلُون أن يتخطَّفُونا مِن أرضِنا، فألقَمَهُم الله الحَجَر. بأنّه مكَّنَ لهُم في الحَرَمِ الذي آمَنَهُ بحُرمةِ البيتِ وآمَنَ قُطّانَهُ بحُرمَتِه، وكانتِ العربُ في الجاهِليّةِ حولَهُم يتغاوَرُون ويتناحَرُون، وهُم آمِنُون في حَرَمِهِم لا يخافُون، وبِحُرمةِ البيتِ هُمْ قارُّونَ بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ، والثَّمَراتُ والأرزاقُ تُجبي إليهِم مِن كُلِّ أَوبٍ، فإذا خوَّلَهُم الله ما خوَّلَهُم مِنَ الأمنِ والرِّزقِ بحُرمةِ البيتِ وَحْدَها وهُم كفرةٌ عَبَدةُ أصنامٍ؛ فكيفَ يستقيمُ أن يُعرِّضَهم للتّخَوُّفِ والتَّخَطُّف، ويَسلُبَهمُ الأمنَ إذا ضَمُّوا إلى حُرمةِ البيتِ حُرمةَ الإسلامِ، وإسنادُ الأمنِ إلى أهلِ الحَرَم حقيقةٌ،
_________________
(١) الخَوْف. وقالَ ثعلب: إنما هوَ بالخاءِ والراء. قولُه: (غضاضة)، ذِلّةٌ ومَنقَصة. قولُه: (أَكَلَةُ رأس، أي: قليلون)، يكفيهِمْ رأسٌ واحد، وهوَ جَمْعُ «آكِل». قولُه: (أنْ يتخطّفونا مِنْ أرضِنا)، التخَطُّف: الانتزاعُ بسرعة. قولُه: (فألقَمَهَم الله الحَجَرَ)، ألقَمَهُ الحَجَر: ألزَمَهُ الحَجّة؛ مِن: إلقامِ الأُمِّ الثدي. قولُه: (يتغاورون)، الأساس: التغاور: التناحُر، وفلانٌ مغايرٌ ومغاور، ومغوارٌ مِنْ قومٍ مغاوير. والأَوْب: المرجع، كُلُّ أَوْب: كُلُّ وَجْه.
[ ١٢ / ٨١ ]
وإلى الحرمِ مجازٌ. ﴿يُجْبي إِلَيْهِ﴾ تُجلَبُ وتُجمَعُ. قُرِئَ بالياءِ والتّاء. وقرئَ: (تُجني)، بالنُّون، من الجَنْي. وتَعْدِيَتُه بـ «إلى» كقولِه: يَجنِي إليَّ فيه، ويَجْني إلى الخافة و«ثُمْراتٌ»: بضمَّتَينِ وبضَمَّةٍ وسُكُون. ومعنى الكُلِّيّة: الكَثرةُ، كقولِه: ﴿وَأُوِتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ
﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ متعلِّقٌ بقولِه ﴿مِّن لَّدُنَّا﴾ أي: قليلٌ منهم يُقِرُّونَ بأنَّ ذلك رِزقٌ من عندِ الله، وأكثُرهم جَهَلةٌ لا يَعلَمُونَ ذلك ولا يَفْطِنُون له، ولو عَلِمُوا أنَّه من عندِ الله لعَلِمُوا أنَّ الخوفَ والأمنَ من عندِه. ولمَا خافُوا التَّخطُّفَ
_________________
(١) قولُه: (وإلى الحرم مجاز)، إذا جعلَ ﴿ءَلمِنًا﴾ صفةً لـ ﴿حَرَمًا﴾. قالَ في البقرة: «أو آمنًا مَنْ فيه؛ كقولِك: نهارُهُ صائمٌ وليلُهُ قائم». قولُه: (قُرِئَ بالياءِ والتاء)، نافع: بالتاءِ الفوقانية، والباقون: بالياء، وبالنونِ: شاذ. والجني: قطعُ الثمر. قولُه: (ويجني إلى الخافة)، الجوهري: الخافة: الخريطةُ مِن أدمٍ يُشتارُ فيها العسل. قولُه: (و«ثُمُرات» بضمّتَيْن)، قالَ ابنُ جِنّي: هيَ قراءةُ أبانِ بنِ ثعلب، جُمِعَ «ثَمَرةٌ» على «ثُمْرٍ»؛ نحو: خَشَبةٍ وخُشْب، وأكَمةٍ وأُكْم، ثُمّ ضُمّتْ الميمُ إشباعًا وتمكينًا، ثم جُمِعَ «ثُمُرٌ» على ثُمُراتٍ جمعَ التأنيث؛ فجرى ما لا يعقُل مجرى المؤنث، وعليهِ قالوا: يا ثاراتِ فلان؛ جمعُ ثأر. قولُه: (ومعنى الكُلِّية: الكثرة)، عن بعضِهِم: كلمةُ «كل» للإحاطة؛ فاستُعيرتْ لنفسِ الكثير؛ لأنهُ مجموعُ المعنى مفردُ اللفظ. قولُه: (ولا يَفطِنون)، الفِطْنةُ كالفَهْم؛ تقولُ: فطَنْتُ الشيءَ-بالفتح-، وقدْ فَطِنَ- بالكسر- فِطنةً وفَطانة. وفي حديثِ فاطمةَ ﵄: فلَمْ يفطِنْ حتى فطِنْتُ لها.
[ ١٢ / ٨٢ ]
إذا آمنوا به وخلعوا أنداده. فإن قلت: بم انتصب رزقًا؟ قلت: إن جعلته مصدرًا جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله؛ لأنّ معنى (يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) ويرزق ثمرات كل شيء: واحد، وأن يكون مفعولًا له. وإن جعلته بمعنى: مرزوق، كان حالًا من الثمرات لتخصصها بالإضافة، كما تنتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة.
[(وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ) ٥٨]
هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن وخفض العيش، فغمطوا النعمة وقابلوها بالأشر والبطر، فدمرّهم الله وخرّب ديارهم. وانتصبت (مَعِيشَتَها) إمّا بحذف الجار وإيصال الفعل، كقوله تعالى: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) وإمّا على الظرف بنفسها، كقولك: زيدٌ ظنى مقيم. أو بتقدير حذف الزمان المضاف، أصله: بطرت أيام معيشتها، كخفوق
_________________
(١) ـ قولُه: (وخلعوا أندادَه)، النهاية: هوَ مِن: خلعتُ الثوب؛ إذا ألقيتَهُ عنك. شُبِّهَتِ الطاعةُ واشتمالُها على الإنسانِ به، ومنهُ سُمِّيَ الأميرُ إذا عُزِل: خليعًا قَدْ لَبِسَ الإمارةَ ثُمّ خَلَعَها. قولُه: (مِن إنعامِ الله عليهم بالرُّقودِ في ظلالِ الأمنِ وخفضِ العيش)، قال: مَنْ كانَ بالدنيا أخا ثقةٍ بها … والأمنُ مذهبُ ليلهِ ونهارهِ عطفتْ عليهِ مِنَ الردي بقوابل … قدْ نامَ عنها ناظرًا لحِذارِه قولُه: (فغَمِطُوا)، أي: حَقّروا. وغمطُ الناس: الاحتقارُ لَهُمْ والإزراءُ بهم، قالُه الجوهري. قولُه: (وإما على الظرفِ بنفسها)، سمّاهُ ظرفًا مجازًا؛ لأنهُ مصدرٌ مؤوّل. ويجوزُ أنْ يكونَ «مفعلة» للزمانِ والمكان؛ كقولِك: زيدٌ ظني مقيم؛ أي: في ظني، والعاملُ في «ظني» المنتَزَعُ مِنْ معنى الجملةِ كالإخبارِ والإسنادِ والحكم.
[ ١٢ / ٨٣ ]
النجم، ومقدم الحاج. وإمّا بتضمين (بَطِرَتْ) معنى: (كفرت) و(غمطت). وقيل: البطر سوء احتمال الغنى، وهو: أن لا يحفظ حق الله فيه. (إِلَّا قَلِيلًا) من السكنى. قال ابن عباس ﵄: لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يومًا، أو ساعةً، ويحتمل أنّ شؤم معاصى المهلكين بقي أثره في ديارهم، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلًا. (وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ) لتلك المساكن من ساكنيها، أى: تركناها على حالٍ لا يكنها أحدٌ، أو: خرّبناها وسوّيناها بالأرض.
تتخلّف الآثار عن أصحابها … حينا ويدركها الفناء فتتبع
[(وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ) ٥٩]
_________________
(١) ـ قولُه: (وإما بتضمين ﴿بَطِرَتْ﴾ معنى «كفرت»)، الأساس: ومِنَ المجاز: بَطِر فلانٌ نعمةَ الله؛ أي: استخفّها فكفَرَها، ولم يستَرْجِهْها فيشكُرْها. ومنهُ قولُه تعالى: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾. قولُه: (البَطَر: سوءُ احتمالِ الغِنى؛ وهوَ أنْ لا يحفظَ حقّ الله فيه)، النهاية: في الحديث: «الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ» هوَ أنْ يجَعَلَ ما جَعَلَهُ الله حقًّا مِنْ توحيدِهِ وعبادتِهِ باطلًا. قولُه: (﴿إِلاَّ قَلِيلًا﴾ مِنَ السُّكْنى)، يُقال: سَكَنْتُ داري وأسْكَنْتُها غيري، والاسمُ مِنه: السُّكْنى؛ كما أنْ العُتْبى مِنَ الإعتاب. فقولُه: «إلا قليلًا مِنَ السكنى» معناه: إلا سُكنى قليلًا. قولُه: (أي: تركناها على حالٍ لا يسكُنُها أحد)، وذلكَ أنّ معنى أنهُ تعالى وارثٌ هو: أنّ الأشياءَ كلّها في العاقبةِ زائلةٌ عمّنِ ادّعى ملكَها، صائرةٌ إليهِ تعالى لمّا ينادِي: لِمَنِ الملكُ اليوم؟ فيُقال: لله الواحدِ القهار. قولُه: (تتخلف الآثار) البيت للمتنبي، يعني: تتبعُ الآثارُ الأصحابَ، أي: الآثارُ تبقى بعدَ صاحبِها زمانًا مِنَ الدهر، ثم تفني وتتبعُ صاحِبَها في الفناء.
[ ١٢ / ٨٤ ]
وما كانت عادة ربك أن يهلك القرى في كل وقتٍ (حَتَّى يَبْعَثَ فِي) القرية التي هي أمّها، أى: أصلها وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها (رَسُولًا) لإلزام الحجة وقطع المعذرة، مع علمه أنهم لا يؤمنون. أو: وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعنى: مكة رسولًا؛ وهو محمدٌ ﷺ خاتم الأنبياء. وقرئ: (إمها) بضم الهمزة وكسرها لاتباع الجرّ، وهذا بيانٌ لعدله وتقدسه عن الظلم، حيث أخبر بأنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسل،
_________________
(١) ـ قولُه: (وقَصَبتُها التي هيَ أعمالُها)، الجوهري: قصبةُ القرية: وسطُها، وقصبةُ السواد: مدينتُها. قولُه: (لإلزامِ الحُجّةِ وقطعِ المعذِرة، معَ علمِهِ أنّهُمْ لا يُؤمنون)، هذا يَهدِمُ قاعدةَ مذهبِهِ؛ لأنّ لَهُمْ أنْ يعتذروا بسابِقِ علمِهِ فيقولوا: أليسَ في علمِكَ وحُكمِكَ أنّا لا نؤمِن؟ فكيفَ لنا أنْ نأتِيَ على خِلافِ علمِك؟ وليسَ الجوابُ عنهُ إلا أنْ يُقال: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. قولُه: (أو: وما كانَ في حُكم الله وسابقِ قضائه)، هذا الوجهُ مبنيٌّ على قولِه تعالى: ﴿وَإِن مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الإسراء: ٥٨]، ومِنَ أمارات القيامةِ بعثةُ الرسولِ ﷺ؛ ولهذا قال: «بُعِثتُ أنا والساعةُ كهاتين». والوجهُ الأولُ أوفقُ لتأليفِ النّظْم؛ لأنهُ تعالى لمّا قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ بَيّنَ أنّ الإهلاكَ إنما كانَ لأنهم لم يشكروا الله على ما أوْلاهُمْ مِنَ النعمة، ومِنْ أَجَلِّ النعمةِ بعثةُ الرُّسُلِ وشكرُ الاقتداءِ بهداهُمْ والاقتفاءِ بآثارِهم. قولُه: (إلا بعدَ تأكيدِ الحُجّةِ والإلزامِ ببعثةِ الرُّسُل)، الانتصاف: هذا سؤالٌ واردٌ على
[ ١٢ / ٨٥ ]
ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم، ونزه ذاته أن يهلكهم وهم غير ظالمين، كما قال تعالى: (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) [هود: ١١٧].
فنصّ في قوله: (بِظُلْمٍ) أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلمًا منه، وأنّ حاله في غناه وحكمته منافيةٌ للظلم، دلّ على ذلك بحرف النفي مع لامه، كما قال الله تعالى: (وَما كانَ الله لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) [البقره: ١٤٣].
[(وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ الله خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ) ٦٠]
وأى شيء أصبتموه من أسباب الدنيا؛ فما هو إلا تمتعٌ وزينةٌ أيامًا قلائل، وهي مدة
_________________
(١) القَدَريّة؛ إذْ لَوْ كانتِ العقولُ تحكُمُ بأحكامِ التكاليف؛ لقامتِ الحُجّةُ على الناس، وإنْ لَمْ يكُنْ بعثة، ولا يجدونَ عنهُ جوابًا. قولُه: (ولا يجعلُ عِلْمَهُ بأحوالهِم حُجّةً عليهم)، يعني: أنّ الله تعالى لا يعامِلُ خلقَهُ بعِلْمِه؛ بلْ يعاملُهُم بفعلِهِم. قولُه: (فنَصّ في قولِه: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أنّهُ لوْ لأهلَكَهُم وهُمْ مصلِحون؛ لكانَ ذلكَ ظُلمًا مِنه)، فجوابُهُ أنهُ لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ معناه: ليسَ مِنْ شأنِهِ وعادتِهِ إلا التفضُّلُ والرحمة؛ فلا يُهلِكُهُم في حالِ صلاحِهِم، ولوْ فَرَضَ إهلاكَها فبِعَدِلِه؛ لأنهُ يتصرّفُ في مُلكِهِ؟ كما سَبَق. قولُه: (وأيّ شيءٍ أصَبْتُموه)، أبرزَ الضميرَ المنصوبَ ليُؤذِنَ «ما» - في ﴿وَمَا أُوتِيتُم﴾ - موصولة، وقدْ بُيِّنَتْ بقولِه: ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ فأفادَتِ الشيوعَ فأُجِيبَ بالفاءِ في قولِه: ﴿فَمَتَاعُ﴾ على طريقِ الإخبارِ والتنبيه، كما في قولِه: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: ٥٣]. ويؤيِّدُهُ قولُه: ﴿وَمَا عِند اللهِ خَيْرٌ﴾؛ لأنهُ قرينة، وليستْ ﴿وَمَا﴾ إلا موصولة. وأما إفادةُ الحصرِ في قولِه: «فما هوَ إلا تمتُّعٌ وزينة» فمِنْ مفهومِ التركيب؛ لأنّ الآيةَ مِنَ
[ ١٢ / ٨٦ ]
الحياة المتقضية. (وَما عِنْدَ الله) وهو ثوابه (خَيْرٌ) في نفسه من ذلك (وَأَبْقى)؛ لأنّ بقاءه دائمٌ سرمدٌ. وقرئ: (يعقلون) بالياء، وهو أبلغ في الموعظة. وعن ابن عباسٍ ﵄: "أن الله خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصنافٍ: المؤمن، والمنافق، والكافر؛ فالمؤمن يتزوّد، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع".
[(أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) ٦١]
هذه الآية تقريرٌ وإيضاح للتي قبلها. و(الوعد الحسن): الثواب؛
_________________
(١) ـ التقسيمِ الحاضر، كأنُه قيل: إنّ ما يتصلُ بكُمْ ما هوَ مِنْ عندِ الله، أو غيرُ ذلك. فالأوّلُ باقٍ لا محالة، والثاني فانٍ ولا شكّ فيه. قولُه: (وقُرِئَ: «يعقلون»)، بالياءِ التحتانيّة: أبو عمرو، وهوَ أبلغُ في الموعظة؛ لأنّ الخطابَ معَ أهلِ مكة، كأنهُ لمّا عَدَلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبةِ آذَنَ بأنّ أولئك البُعداءَ مِنَ الخيرِ لا عقلَ لهم؛ حيثُ يُؤْثِرونَ الفاني على الباقي، والدنيءَ الحقيرَ على الشريفِ العظيم. روى الإمامُ عنِ الشافعيِّ ﵁: مَنْ بثُلُثِ مالِهِ لأعقلِ الناسِ صرفَ إلى المشتغِلينَ بطاعةِ الله؛ لأنّ أعقلَ الناسِ مَنْ أعطى القليلَ وأخذَ الكثير. فكأنهُ ﵁ اقتبسَ المعنى مِنْ هذهِ الآية. قولُه: (هذهِ الآيةُ تقريرٌ وإيضاح)، أما كونهُ تقريرًا فإنهُ ضَرَبَ المعنَيَيْنِ- أعني: ﴿وَمَا أُوتِيتُم﴾، ﴿وَمَا عِندَ اللهِ﴾ - مثلًا في هذهِ الآية، وأخرجَهُما مخرجَ المشبّهِ والمشبّهِ به، وأَدْخَلَ همزةَ الإنكارِ على فاءِ التعقيبِ العاطفةِ لهذهِ الجملةِ على الأولى. والمعنى: أَبَعْدَ هذا التفاوتِ الظاهرِ يستويان؟ أي: أبناءُ الدنيا والآخرة. وأما البيانُ فإنهُ تعالى ذكرَ أنّ ما أوتوا مِنْ شيءٍ فهوَ تمتُّعٌ وزينةٌ أيامًا قلائل. ولمْ يبيِّنْ في تلكَ الآيةِ مالَها وسوءَ مغبّتِها فبيّنَ في هذهِ الآيةِ أنّ المالَ أنّهُمْ يُحضَرونَ النار، وذكَرَ فيها أنّ ما عندَ الله خيرٌ وأبقى. ولمْ يبيِّنْ العاقبةَ فيه؛ فبيّنَ في
[ ١٢ / ٨٧ ]
لأنه منافع دائمةٌ على وجه التعظيم والاستحقاق، وأى شيء أحسن منها؟ ولذلك سمى الله الجنة بالحسنى. و(لاقِيهِ) كقوله تعالى: (ولقاهم نضرة وسرورًا)، وعكسه (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: ٥٩] (مِنَ الْمُحْضَرِينَ) من الذين أحضروا النار، ونحوه: (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) [الصافات: ٥٧]، (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) [الصافات: ١٢٧] قيل: نزلت في رسول الله ﷺ وأبى جهل. وقيل: في على وحمزة وأبى جهل. وقيل: في عمار ابن ياسرٍ والوليد بن المغيرة. فإن قلت: فسر لي الفاءين وثم، وأخبرنى عن مواقعها. قلت: قد ذكر في الآية التي قبلها متاع الحياة الدنيا وما عند الله وتفاوتهما، ثم عقبه بقوله: (أَفَمَنْ وَعَدْناهُ) على معنى: أبعد هذا التفاوت الظاهر يسوّى بين أبناء الآخرة وأبناء الدنيا؟ فهذا معنى الفاء الأولى وبيان موقعها. وأمّا الثانية فللتسبيب: لأن لقاء الموعود مسببٌ عن الوعد الذي هو الضمان في الخير. وأمّا (ثم) فلتراخى حال الإحضار عن حال التمتيع، لا لتراخى وقته عن وقته.
_________________
(١) ـ هذهِ أنّ الموعودَ الجنّة، وإليهِ الإشارةُ بقولِه: «والوَعْدُ الحَسَن: الثواب» إلى قولِه: «ولذلكَ سَمّي الله الجنةَ بالحسنى». قولُه: (لأنُه منافِعُ دائمة)، تعليلٌ لتفسيرِ الوعدِ الحسنِ بالثواب. وإنّما قَيَّدَ التعريفَ بقولِه: «على وجهِ التعظيم»؛ لأنّ المنافعَ الدينيويةَ ليستْ للتعظيم؛ أكثرُها بلْ جُلُّها استدراج، قالَ الله تعالى: ﴿إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وقيّدَ الاستحقاقَ إشارةً إلى مذهبِه؛ فإنهُ عندَنا على وجهِ التفضُّل. قولُه: (وأما ﴿ثُمَّ﴾ فلتراخي حالِ الإحضارِ عنْ حالِ التمتيع، لا لتراخي وقتِهِ عنْ وقتِه)، لأنهُ أبلَغُ وأكثرُ إفادةً لأنّ تأخُّرَ زمانِ الإحضارِ عنْ زمانِ التمتيعِ ظاهرٌ بَيِّن، لا يحتاجُ إلى التنبيهِ عليه. قالَ صاحبُ «الفرائد»: لا مانعَ أنْ تكونَ مستعمَلةً في حقيقتِها وهوَ التراخي في الزمان، والحملُ على المجازِ بدونِ المانعِ باطل. ويمكنُ أنْ يُقال: متّعناهُ زمانًا وهوَ زمانُ حياتِه، ثُمّ أُحضِرَ يومَ القيامة.
[ ١٢ / ٨٨ ]
وقرئ: (ثُمَّ هُو) بسكون الهاء، كما قيل (عضدٌ) في (عضدٍ)؛ تشبيهًا للمنفصل بالمتصل، وسكون الهاء -في (فهو)، (وهو)، (ولهو) - أحسن؛ لأنّ الحرف الواحد لا ينطق به وحده؛ فهو كالمتصل.
[(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ٦٢]
(شُرَكائِيَ) مبنى على زعمهم، وفيه تهكمٌ. فإن قلت: (زعم) يطلب مفعولين، كقوله:
ولم أزعمك عن ذاك معزلا
فأين هما؟ قلت: محذوفان، تقديره: الذين كنتم تزعمونهم شركائي
_________________
(١) ـ وقلتُ: مَنْ مُنِحَ الذّوْقَ السليمَ والطّبْعَ المستقيمَ فلْيَذُقْ ما أثرُهُ معَ قولِنا: متّعناهُ أيامًا قلائلَ ثُمّ أَوْقَعناه في مشاقِّ الأبد، على نحوِ قولِه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]؛ هلْ يَجِدُ لهُ رَوْنَقًا وبهاء؟ ولنحقق أنّ أربابَ البلاغةِ وأصحابَ الفصاحةِ إذا وجدوا الطريقَ إلى المجازِ عَدَلوا عنِ الحقيقة؛ لِتضمُّنِهِ مثلَ هذهِ اللطائف. قولُه: (وقُرِئَ: «ثُمَّ هْوَ» بسكونِ الهاء)، قرأها قالونُ والكسائي. قولُه: (ولم أزعُمْكِ عنْ ذاكَ معزلًا)، أولُه: وإنّ الذي قَدْ عاشَ يا أُمّ مالكٍ … يموتُ ويُروى: عَددتَ قُشيرًا إذْ فَخَرْتَ فلَمْ أُسَا … بِذاكَ
[ ١٢ / ٨٩ ]
ويجوز حذف المفعولين في باب "ظننت"، ولا يصح الاقتصار على أحدهما.
_________________
(١) ـ قولُه: (ويجوزُ حذفُ المفعولَيْنِ في بابِ «طننت»، ولا يصحُّ الاقتصارُ على أحدِهما)، وذكرَ في «المفصّل»: وليسَ لكَ أنْ تقول: حَسِبْتُ زيدًا، وتَسْكُت؛ لِفَقْدِ ما عَقَدْتَ عليهِ حديثَك، فأمّا المفعولانِ معًا فلا عليكَ أنْ تسكُتَ عنهما. وذكرَ في فاتحةِ سورةِ العنكبوت: أنّ الحُسبانَ لا يصحُّ تعلُّقُهُ بمعاني المفرداتِ ولكنْ بمضامينِ الجُمَل، إلى آخرهِ. وقالَ بعضُهم: فمَنْ قرأَ «الكاشفيةَ» وضح الفرق بَين امتناعِ طرحِ أحدِ المفعولَينِ وبينَ جوازِ طرح أحدِ الشطرَيْنِ في بابِ المبتدأ والخبر، معَ أنَّ البابَيْنِ مِنْ حيثُ المعنى سِيّان؛ وذلكَ أنَّ تعَلُّقَ تلكَ الأفعالِ بمضامينِ الجُمَلِ وهيَ أمورٌ خَفِيّةٌ في نفسِها؛ إذْ هيَ مِنَ المعقولاتِ الذهنيةِ لا مِنَ الملفوظات، والتعلُّقُ بها أمرٌ خَفِيّ، ولوْ طُرِحَ أحدُ الشطرَيْنِ لتراكَمَ الخفاء، بخلافِ الجملةِ الخبرية؛ فإنّ مراتبَ الخفاءِ فيهِ أقل، فاعرِفْه. وأما جوازُ طرحِ المفعولَيْن؛ فلأنّ عندَ طرحِهما ينتفي المضمونُ وتعلُّقُ الفعلِ به، ويصيرُ الغرضُ نفسَ إحداثِ ذلكَ الفعل. وقلتُ: هذا كلامٌ حسن؛ فإنّ قولَهُ تعالى: ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢] حينئذٍ بمنزلةِ: فلانٌ يعطي ويمنعُ في الشياع في جميع ما فسدَ مِنَ الظنّ. وقولُ القائل: مَنْ يسمعْ يَخَلْ؛ أي: مَنْ يسمعْ يَخَلِ المسموعَ صحيحًا؛ إذْ معنى «مَنْ يسمع»: مَنْ يركَنْ إلى السماع. والآيةُ واردةٌ على هذا. وقالَ صاحبُ «التحفة»: معنى الاقتصارِ أنْ لا يكونَ أحدُ المفعولَيْنِ مرادًا، فأما إذا حُذِفَ لقرينةٍ دَلّتْ عليهِ وهوَ مُرادٌ معنًى؛ فليسَ اقتصارًا، كما لا يُسمّى حذفُ الخبرِ اقتصارًا على المبتدأ؛ لأنّ الحذفَ لا يجوزُ إلا بدليل. وأما بابُ «كسوت» فيجوزُ الاقتصارُ بدليلٍ وبغيرِ دليل؛ لأنّ الأولَ منهما غيرُ الثاني. فأما قولُ الأخفش: إذا دخلَتْ هذهِ الأفعالُ على «أنّ»
[ ١٢ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ نحْوَ: ظننتُ أنكَ قائم؛ فالمفعولُ الثاني منهما محذوف، والتقدير: ظننتُ قيامَكَ كائنًا؛ لأنّ المفعولَ مع «أنّ» المفتوحة بتأويلِ المفرد. وأما سيبويهِ فيرى أنها سَدّتْ مَسَدّ المفعولَيْن، وأجازَ الكوفيّونَ الاقتصارَ على الأوّلِ إذا سَدّ شيء مَسَدّ الثاني كما في بابِ المبتدأِ، نحو: أقائمٌ أخواك؟ فيقولُ على هذا: ظننتُ قائمًا أخواك. وقالَ المالكي: إذا دَلّ دليلٌ على أحدِهِما جازَ حذفُه، كقولِه: كأنْ لَمْ يكنْ بَيْنٌ إذا كانَ بعدَهُ … تلاقٍ ولكنْ لا أَخَالُ تلاقيا أي: لا أَخالُ الكائنَ تلاقيًا، أو: لا أخالُ بعدَ البَيْنِ تلاقيًا. وعليهِ قولُ المصنّفِ في قولِهِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتَا﴾ [آل عمران: ١٦٩]: ويجوزُ أنْ يكونَ ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ فاعلًا؛ المعنى: ولا تحسَبَنّهُمُ الذينَ قتلوا أمواتًا؛ أي: أنفسَهُم. إنما جازَ حذفُهُ لأنهُ في الأصلِ مبتدأ؛ فحُذِفَ كما حُذِفَ المبتدأُ في قولِهِ: ﴿أَحْيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٦٩]؛ أي: هُمْ أحياء. وقولُه: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النور: ٥٧] الأصل: لا تحسَبَنّهُمُ الذينَ كفروا مُعجِزِين، ثُمَّ حُذِفَ الضميرُ الذي هوَ المفعولُ الأوّل. وكانَ الذي سَوّغَ ذلكَ أنّ الفاعلَ والمفعولَيْنِ لمّا كانا كشيءٍ واحد؛ اقتنعَ بذكرِ الاثنَيْنِ عنْ ذِكرِ الثالث. وقلتُ: في هذا القيدِ إعلامٌ بشدةِ الاهتمامِ بمضامِينِ الجُمَلِ دُونَ مفرداتِها، ولعلّ السرّ أنّ هذهِ الأفعالَ قيودٌ للمضامينِ تدخلُ على الجملةِ الاسميةِ لبيانِ ما هيَ عنه؛ لأنّ النسبةَ قدْ تكونُ عنْ عِلْمٍ وقدْ تكونُ عنْ ظنٍّ، فلَوِ اقْتَصَرَ على أحدِ طرفَي الجملةِ لقيامِ قرينةٍ يوهِمُ أنّ الذي سيقَ لهُ الكلامُ والذي هوَ مهتمٌّ بشأنِهِ الطرفُ المذكور، وليسَ المضمونُ مما يُعتني به. نعمْ إذا كانَ الفاعلُ والمفعولُ لشيءٍ واحدٍ يهونُ الخَطْب. ويؤيِّدُهُ ما ذكرَهُ صاحبُ «الإقليد»: أنك إذا قلتَ: حسبتُ زيدًا منطلقًا؛ فقدْ عقدْتَ الحديثَ على أنّ زيدًا مظنونٌ انطلاقُهُ عندَك، فلَوْ قلتَ: حسبتُ زيدًا، وسَكَتّ؛ فقدْتَ ما
[ ١٢ / ٩١ ]
[(قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّانا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ) ٦٣]
(الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) الشياطين أو أئمة الكفر ورءوسه. ومعنى (حق عليهم القول): وجب عليهم مقتضاه وثبت، وهو قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود: ١١٩]، [السجده: ١٣] و(هؤُلاءِ) مبتدأ، و(الَّذِينَ أَغْوَيْنا) صفته،
_________________
(١) ـ هوَ فيهِ الفائدةُ العظمى وهوَ الثاني؛ لأنهُ هوَ الذي وقعَ فيهِ الشك، وقصدُكَ بهذا التركيبِ أنْ تُخبِرَ بذلكَ لا الإخبارُ بذاتِ زيد؛ وإنما تذكرُ «زيدًا» ليترتّبَ الثاني عليه. ولوْ قلتَ: حسبتُ منطلقًا وسَكَتّ؛ خَرَجَ مِنْ يَدِكَ ما يفيدُهُ الأولى، وهوَ أنهُ هوَ الذي انطلاقُهُ مظنونٌ عندَك؛ فإذنْ لابدّ مِنْ ذِكْرِ كِلَيْهما. وأما قولُ القائل: إنّ تَعَلُّقَ تلكَ الأفعالِ بمضامينِ الجُمَل، وهيَ أمورٌ خَفِيةٌ، إلى آخرِه؛ فمدفوعٌ بجوازِ حَذْفِ أحدِ شطرَيِ اسمِ إنّ وخبرِه، وأنها لتوكيدِ مضمونِ الجملة. قولُه: (و﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ صفتُه)، روى صاحبُ «الكشف» عن أبي عليٍّ أنه قال: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنآ﴾ خبرُ مبتدأ آخر، والتقدير: هؤلاءِ همُ الذّين أغويناهم، و﴿أَغْوَيْنَاهُم كَمَا غَوَيْنَا﴾ استئنافٌ، ولا يكونُ «الذين أغويناهم» صفةً لـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ ويكونُ ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبرًا؛ لأنهُ حينئذٍ لا يكونُ مُفيدًا بقولِه: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ زيادةً لم تُستَفَدْ بالصفةِ والموصوف. قال: فإنْ قلتَ: فلِمَ لا يكونُ قولُه: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبرًا، وجازَ لتعلُّقِ قولِه: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ به؛ فيكونُ مفيدًا فائدةً زائدةً ليستْ في الصفةِ والموصوف؟ والجواب: إنّ ذلكَ يُوجبُ أنْ يكونَ قولُه: ﴿غَوَيْنَا﴾ جاريًا مجرى ما لابدّ مِنهُ مِنْ أحدِ جُزَئيِ الجملة، وهذا لا يجوز؛ لأنهُ ظرف، والظروفُ فَضَلاتٌ في الكلامِ بمنزلةِ المفعول، فكما لا يجوز: زيدًا ضَرَب؛ بنصبِ «زيد» على أنهُ مفعولُ «ضَرَب»، وفي «ضَرَبَ» ضميرٌ يعودُ إليه؛ لأنهُ يؤدي إلى أَنْ يكونَ الفَضْلةُ لابدّ منهُ لِعَوْدِ الضميرِ إليه؛ فكذا لا يجوزُ هذا هاهنا. هذا كلامُه.
[ ١٢ / ٩٢ ]
والراجع إلى الموصول محذوفٌ، و(أَغْوَيْناهُمْ) الخبر، والكاف صفة مصدرٍ محذوف، تقديره: أغويناهم، فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون: أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أنّ
_________________
(١) ـ وقد قالَ [أبو] عثمان: إنا رأَيْنا الظرفَ الذي يدّعِيهِ فضلةً لابدّ مِنه، كقولهِم: زيدٌ قائمٌ عمروٌ في دارهِ؛ فلابدّ مِنْ قولِك: في دارِه؛ ليعودَ مِنَ الجملةِ إلى «زيد» ضمير، وهوَ فَضْلةٌ في الكلام؛ فكذا هاهنا ينبغي أنْ يكونَ ﴿أَغْوَيْنَا﴾ خبرًا؛ لتعلُّقِ قولِهِ: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ بهِ وإنْ كانَ فَضْلة. وأما المصنفُ فقدْ خالفَ أبا عليٍّ وأبا عثمانَ أيضًا، وذهبَ إلى أنهُ كَرّرَ ﴿أَغْوَيْنَا﴾ في الخبر؛ ليعلِّقَ بهِ المصدرَ الذي يُوجِبُ إضمارَ فعلٍ يطابِقُه؛ لأنّ ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ غيرُ مطابِقٍ لـ ﴿أَغْوَيْنَا﴾، فيفيدُ تشبيهَ الغواية بالغواية؛ ولذلكَ قال: إنّا لَمْ نُغْوَ إلا باختيارِنا؛ لأنّ فَوْقَنا مُغوِين. ومِثْلُ في تكرير الخبرِ للتوكيدِ والتعليقِ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] إذا قيل: استزلالُهم الشيطان هوَ التّوَلِّي كما سَبَق، وفائدةُ التكريرِ والتعليقِ وتقديرِ فاءِ التعقيبِ الإيذانُ بتسجيلِ استحقاقِ العذابِ مِنْ إمهال؛ إذِ المعنى: أغويناهُمْ فَغَوَوْا، ولَمْ تتخلّفْ غوايتُهُمْ عنْ إغوائِنا إياهم؛ أي: أطاعونا بسُرعةٍ مِنْ غيرِ رَوِيّةٍ وتَفَكُّر. والذي يقتضيهِ النّظْمُ أنْ يُرادَ بقولهِ: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الشركاءُ مِنَ الشياطينِ والجنِّ بشهادةِ قولهِ: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾، وقولِه: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ بعدَه؛ وذلكَ أنّ الشركاءَ لمّا خَذَلوهُمْ وتَبَرّؤوا مِنهُمْ قيلَ لَهُمْ مُوَبِّخًا: هؤلاء شُركاؤُكُمُ الذينَ كنتُمْ تزعمونَ أنّهُمْ يشفعونَ لَكُمْ وينصرونكم؛ فادْعُوهُمْ لِيستجيبوا لكُم. فحينئذٍ المعنى: هؤلاءِ الذينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهُمْ فَغَوَوْا كما غَوَيْنا نحنُ بإغواءٍ قاهر. لأنّ الأصلَ في التشبيهِ أنْ يكونَ الوجهُ شاملًا للطرفَيْن؛ فلا بدّ مِنْ تقديرِ «قاهر». ويَعضُدُهُ قولُه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المُستَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦].
[ ١٢ / ٩٣ ]
فوقنا مغوين أغرونا بقسرٍ منهم وإلجاء. أو دعونا إلى الغىّ وسوّلوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم؛ لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسةًً وتسويلًا لا قسرًا وإلجاءً، فلا فرق إذا بين غينا وغيهم. وإن كان تسويلنا داعيًا لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر، وناهيك بذلك صارفًا عن الكفر وداعيًا إلى الإيمان، وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان (إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) [إبراهيم: ٢٢] والله ﷿ قدّم هذا المعنى أوّل شيء، حيث قال لإبليس (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) [الحجر: ٤٢]. (تَبَرَّانا إِلَيْكَ) منهم ومما اختاروه من الكفر
_________________
(١) ـ قولُه: (ناهيكَ بذلكَ صارفًا)، عنْ بعضِهم: نَاهِيكَ ونَهاكَ ونَهْيُك؛ أي: حَسْبُك، يُقال: هذا رجلٌ ناهِيكَ مِنْ رَجُل، وأَنْهاكَ مِنْ رَجُل. وتأويلُهُ أنهُ بِجِدِّهِ وغَنائِهِ يَنْهاكَ عنْ تَطَلُّبِ غيرِه. قال: هوَ الشيخُ الذي حدّثْتَ عنه … نهاكَ الشيخُ مكرمةً وفخرَا وهذه امرأةٌ ناهيكَ مِنَ امرأة؛ تُذكّرُ وتُؤنّث، وتُثَنى وتُجمَع؛ لأنهُ اسمُ فاعل. وإذا قلتَ: نَهْيُكَ مِنْ رَجُل، كما تقول: حَسْبُكَ مِنْ رَجُل؛ لَمْ تُثَنّ ولَمْ تُجْمَع؛ لأنهُ مصدر. وتقولُ في المعرفة: هذا عبدُ الله ناهيكَ مِنْ رَجُل؛ فتَنْصِبُ «ناهيك» على الحال. قولُه: (والله تعالى قدّمَ هذا المعنى)، وهوَ أنّ إغواءَ الشيطانِ لمْ يكنْ إلا وَسْوَسةً وتسويلًا، لا قَسْرًا وإلجاءً. قولُه: (أول شيء)، أي: أولُ قصةٍ حكاها عنْ إبليس، كقولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيّكُم مِن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
[ ١٢ / ٩٤ ]
بأنفسهم، هوى منهم للباطل ومقتًا للحق، لا بقوّة منا على استكراههم ولا سلطانٍ (ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ) إنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم. وإخلاء الجملتين من العاطف؛ لكونهما مقرّرتين لمعنى الجملة الأولى.
[(وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ *وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ *فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) ٦٤ - ٦٦]
(لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ) لوجهٍ من وجوه الحيل يدفعون به العذاب. أو: لو أنهم كانوا مهتدينمؤمنين، لما رأوه
_________________
(١) ـ قولُه: (وإخلاءُ الجملتيْنِ مِنَ العاطف؛ لكونهما مُقرِّرتيْنِ لمعنى الجملةِ الأولى)، إحداهُما: ﴿تَبَرَّانَا إِلَيْكَ﴾، وثانيهِما: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾، كما قال الشاعر: وقدْ رَكِبتُمْ صماءَ معضلةً … تفري البراطيلَ تفلقُ الحَجَرا وذلكَ أنّ الشركاءَ لمّا سَمِعوا: ﴿أَيْنَ شُرَكَاءِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تبرّؤوا عنهُمْ بقولِهم أولًا: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذينَ أَغْوَيْنَا أغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾؛ أي: غَوَوْا باختيارِهِم؛ لأنّ إغواءَنا لم يكنْ إلا وسوسةً وتسويلًا لا قسرًا، ولا فرقَ بينَ غَيَّنا وغَيِّهم. قولُه: (﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ لِوَجهٍ مِنْ وجوهِ الحيلِ يدفعونَ بهِ العذاب)، فالجوابُ محذوفٌ، ودلّ عليهِ سياقُ الكلام. قولُه: (أوْ لوْ أنهُمْ كانوا مهتدِينَ مؤمِنين؛ لَمَا رَأَوْه)، والجوابُ أيضًا محذوفٌ يدلُّ عليهِ قولُه: ﴿وَرَأَوْا العَذَابَ﴾. ولوْ أنهُمْ كانوا مُهتَدينَ في الدنيا لَمَا رَأوا العذاب في الآخرة؛ فقولُه: «لَمَا رَأَوْه» متعلقٌ بالوجهِ الثاني، ويجوزُ أنْ يتعلّقَ بالوجهيْن.
[ ١٢ / ٩٥ ]
أو تمنوا لو كانوا مهتدين. أو تحيروا عند رؤيته
_________________
(١) قولُه: (أو تَمَنّوْا لو كانوا مُهتدِين)، وَلّدَ «لو» معنى التمنِّي لجامعِ الامتناع، ولمْ يَحتَجْ إلى الجواب. قالَ صاحبُ «التقريب»: وفيهِ نظر؛ إذْ حقُّهُ أنْ يُقال: لوْ كُنا، إلا أنْ يكونَ على الحكاية؛ كأقْسَمَ لَيَضْرِبَن، أو على تأويل: ولوْ مُتَمَنِّينَ هدايتَهُم. قولُه: (أو تحيّرُوا عند رؤيتِه)، يعني وَضَعَ ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ مَوضِعَ «تحيّرُوا لرؤيتِه» على إرادةِ التمني؛ إما مِنْ كلِّ أحدٍ لشدةِ ما رَأَوْا، أوْ مِنَ الله على المجازِ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٣]. قالَ المصنف: ويجوزُ أنْ يكونَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ تمنِّيًا لإيمانِهِم على سبيلِ المجاز؛ كأنهُ قيل: وليتَهُمْ آمنوا، وعلى إرادةِ التحيُّرِ النظم؛ وذلكَ أنهُمْ لمّا خُوطِبوا بقولِه: ﴿أَيْنَ شُرَكَاءِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] والشركاءُ أظهَرُوا البراءةَ مِنهُم، ثُمّ قيلَ لهم تهكُّمًا: أينَ شركاؤُكُم؟ أي: ناصِرُكُمْ ومُعينُكُم، فادعُوهُمْ فإذا دَعَوْهُمْ ولمْ يستجيبوا لهُمْ وَرَأَوُا العذابَ قدْ دَنا؛ تحيّرُوا وبُهِتُوا ولَحِقَهُمْ ما لا يُوصَفُ كُنْهُه؛ فعندَ ذلكَ يُقالُ بلسانِ الحالِ ترحُّمًا عليهِم: ليتَهُم كانوا مُهتَدِين. فهوَ مِنْ إطلاقِ المُسَبّبِ على السّبَب؛ لأنّ تحيُّرَهُمْ سببٌ حاملٌ على هذا القول. وفي قولهِ: «حكي أولًا ما يُوبِّخُهُم» إشعارٌ بهذا النظم. قالَ الحِيريُّ: في قولِه: «لوْ كانوا مُهتدِينَ في الدنيا؛ لَما رَأَوُا العذابَ في الآخرة» نظرٌ؛ لأنّ الدالّ على المحذوفِ ﴿وَرَأَوُا العذابَ﴾ وهوَ مُثَبت؛ فلا يجوزُ أنْ يُقدّرَ المحذوفُ منفِيًّا. والصوابُ والله أعلم: لوْ أنهُمْ كانوا يَهتَدُونَ لَرَأَوُا العذاب؛ أي: لوْ لمْ يكونوا ضالِّينَ في الدنيا لَعلِمُوا العذابَ موجودًا موعودًا. وجوابُهُ سبقَ في قولِه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّتُصِيبَنَّ﴾ [الأنفال: ٢٥] في مسألة: لا تَدْنُ مِنَ الأسدِ يأكُلك؛ لأنّ المعنى: إنْ دَنَوْتَ يأكُلْك؛ لأنهُمْ يميلونَ إلى المعنى كلّ الميل، حتى إنهُمْ لا يلتَفِتونَ إلى إيجابِ اللفظِ ونَفْيه.
[ ١٢ / ٩٦ ]
وسدروا فلا يهتدون طريقًا. حكى أوّلًا ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء، ثم ما يقوله الشياطين أو أئمتهم عند توبيخهم؛ لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة، اعتذروا بأن الشياطين هم الذين استغووهم وزينوا لهم عبادتها، ثم ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم، وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ) فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعًا لا تهتدى إليهم (فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) لا يسأل بعضهم بعضا كما يتساءل الناس في المشكلات؛ لأنهم يتساوون جميعا في عمى الأنباء عليهم
_________________
(١) قولُه: (وسَدِرُوا)، الجوهري: السادِر: المتحيٍّر، والسَّدَر: تحيُّرُ البَصَر. قولُه: (حكي أولًا)، يعني قولَه: ﴿أَيْنَ شُرَكَاءِيَ﴾ الآية، وقوله: «ثم ما يقوله الشياطين» يعني به قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الآية، وقوله: «ما يشبه الشماتة»؛ أي قوله: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ وهو كما يقول لمن استظهر بغيره في النصرة واعتمد عليه ثم خذله عند الحاجة إليه: ادع ناصرك ينصرك، وقوله: «ثم ما يُبكَّتون به»، أي: قوله ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾. قولُه: (لأنهُمْ إذا وُبِّخُوا بعبادةِ الآلهة)، تعليلٌ لتقديمِ حكايةِ الله ما يوبِّخُهُمْ به، وهو: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِيَ﴾ على حكايةِ ما تقولُهُ الشياطين؛ وهو قولُه: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾. قولُه: (فصارتِ الأنبياءُ كالعمى)، هذا التشبيهُ إشارةٌ إلى أنّ «الأنباءَ» في قولِه: ﴿فَعَمْيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ﴾ استعارةٌ مَكنِية، يدلُّ عليهِ قولُه: «لا تهتدي إليهم». قالَ القاضي: أصلُه: فَعمُوا عنِ الأنباء؛ لكنهُ عكسَ مبالغةً، يريدُ مِنْ بابِ القلب؛ كقولهِ: لُعابُ الأفاعي القاتلاتِ لُعابُهُ
[ ١٢ / ٩٧ ]
والعجز عن الجواب. وقرئ: (فعميت)، والمراد بالنبأ: الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال، ويفوّضون الأمر إلى علم الله، وذلك قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [المائدة: ١٠٩] فما ظنك بالضلال من أممهم.
[(فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) ٦٧]
(فَأَمَّا مَنْ تابَ) من المشركين من الشرك، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح (فَعَسى أَنْ) يفلح عند الله، و(عسى) من الكرام تحقيقٌ. ويجوز أن يراد: ترجى التائب وطمعه، كأنه قال: فليطمع أن يفلح.
[(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ الله وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ٦٨]
الخيرة من التخير، كالطيرة من التطير: تستعمل بمعنى: المصدر هو التخير، وبمعنى: المتخير كقولهم: محمدٌ خيرة الله من خلقه.
_________________
(١) قولُه: (يتتعتعون)، النهاية: في الحديث: «يقرأُ القرآنَ ويَتَتَعْتَعُ فيه»، أي: يَتَردَّدُ في قراءتِهِ وَيَتَبلَّدُ فيها لسانُه. قولُه: (الخيرةُ مِنَ التخيُّر)، النهاية: الخيرُ ضِدُّ الشر؛ تقولُ منه: خِرتَ يا رجل؛ فأنتَ خاير، وخَيِّر. خارَ الله لك؛ أي: أعطاكَ ما هوَ خيرٌ لك. والخِيرةُ -بسكونِ الياءِ- الاسمُ منه، والخِيرَةُ -بالفتح- الاسمُ مِنْ قولِك: اختارَهُ الله، ومحمدٌ ﷺ خيرةُ الله مِنْ خَلْقِه؛ تُقالُ بالفتحِ والسكون.
[ ١٢ / ٩٨ ]
(ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) بيان لقوله: (وَيَخْتار)؛ لأنّ معناه: ويختار ما يشاء، ولهذا لم يدخل العاطف. والمعنى: أنّ الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، ليس لأحدٍ من خلقه أن يختار عليه. قيل: السبب فيه قول الوليد بن المغيرة: (لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: ٣١] يعنى: لا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم. وقيل: معناه: ويختار الذي لهم فيه الخيرة، أى: يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح، وهو أعلم بمصالحهم من أنفسهم،
_________________
(١) قولُه: (وقيل: معناه: ويختارُ الذي لهم فيهِ الخيرة)، عطفٌ على قولِه: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ بيانٌ لقولِه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾. و﴿مَا﴾ على الأوّلِ نافية؛ لا ينبغي لأحدٍ مِنْ خلقِهِ أنْ يختارَ عليه؛ فيكون تفسيرًا لقولِه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾؛ لأنّ معناه: يختارُ ما يشاء؛ لعطفِهِ على ﴿يَخْلُقُ﴾. قالَ مكيُّ بنُ أبي طالب: و﴿مَا﴾ على أنْ تكونَ موصولةً ليسَ بمختار؛ لأنهُ لا عائدَ يعودُ على ﴿مَا﴾، وهوَ أيضًا بعيدٌ في المعنى والاعتقاد؛ لأنّ كونَها للنفيِ يُوجِبُ أنْ يَعُمّ جميعَ الأشياء، وأنها حدَثتْ بقدرةِ الله واختيارِه، وليسَ للعبدِ فيها شيءٌ غيرُ اكتسابِهِ بقَدَرٍ مِنَ الله. وكونُها موصولةً لمْ يَعُمّ جميعَ الأشياء؛ فإنها مختارةٌ لله تعالى؛ بل إنهُ تعالى يختارُ ما لهمْ فيهِ الخيرةُ وما ليسَ لهمْ فيهِ لهمْ فيهِ خيرةٌ موقوفة، وهوَ مذهبُ القَدَريةِ والمعتزلة. وقيل: معنى الآية: وربُّكَ يا محمد يخلقُ ما يشاءُ ويختارُ لولايتِهِ ورسالتِهِ مَنْ يريد. ثُمّ ابتدأَ بنفيِ الاختيارِ عنِ المشركين، وأنهُ لا قُدرةَ لهم؛ فقال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: ليسَ الولايةُ والرسالةُ وغيرُ باختيارِهِمْ ولا بمُرادِهِم. وقالَ القاضي: فظاهرُهُ نفيُ الاختيارُ عنهمْ رأسًا، والأمرُ كذلكَ عند التحقيق؛ فإنّ اختارَ العبادِ مخلوقٌ باختيارِ الله، منوطٌ بدواعٍ لا اختارَ لَهُمْ فيها. وقلتُ: والذي يقتَضِيهِ النظمُ هذا؛ لأنّ قولَهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مُتّصلٌ بقولِه: ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحَيَوةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾، وأحوالُ الشركاءِ
[ ١٢ / ٩٩ ]
من قولهم في الأمرين: ليس فيهما خيرةٌ لمختارٍ. فإن قلت: فأين الراجع من الصلة إلى الموصول إذا جعلت ما موصولة؟ قلت: أصل الكلام: ما كان لهم فيه الخيرة، فحذف «فيه» كما حذف منه في قوله: (إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان: ١٧] لأنه مفهومٌ. (سُبْحانَ الله) أى: الله بريءٌ من إشراكهم، وما يحملهم عليه من الجرأة على الله، واختيارهم عليه ما لا يختار.
[(وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ *وَهُوَ الله لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ٦٩ - ٧٠]
(ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ) من عداوة رسول الله وحسده (وَما يُعْلِنُونَ) من مطاعنهم فيه، وقولهم: هلا اختير عليه غيره في النبوّة.
_________________
(١) ـ مُستطرَدةٌ بينهما للذكرِ الإحضار، وقولُه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ كالتذييل، وبيانْ أنهُ هوَ الذي يخلُقُ ما يشاء؛ يُضلُّ مَنْ يشاءُ ويهدي مَنْ يشاء، ليسَ لأحدٍ أنْ يتصرّفَ في ملكِهِ ويشاركَهُ في خَلقِه. ولهذا ختمَهُ بقولِه ﴿سُبْحَانَ اللهِ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ويدخُلُ في هذا العامِّ حديثُ سببِ النزولِ أيضًا. قولُه: (مِنْ قولِهم في الأمرَيْن: ليسَ فيهما خيرةٌ لمختار)، يعني: إذا جعلَ ﴿مَا﴾ موصولةً والمراد المتخير؛ فلابدّ مِنْ وجودِ شيئيْن ليُختارَ أحدُهُما مِنَ الآخر. والمثالُ يحتَمِلُ وجهَيْن: أحدُهُما أنّ الأمرَيْنِ مختارانِ فليسَ لأحدٍ أنْ يترُكَ أحدَهُما ويختارَ الآخر، وأنهما سِيّانِ في الكراهة؛ فليسَ فيهما مختارٌ يختارُهُ المختار. قولُه: (واختيارهم عليه)، قيل: هوَ عطفٌ على «ما» في «وما يحمِلُهُم»، أو على الضميرِ المجرورِ في «عليه»؛ أي: الله بريءٌ مِما يحمِلُهُم على إشراكِهِم وعلى اختيارِهم على الله ما لا يختار؛ نحو: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. وقلتُ: ويجوزُ أنْ يكونَ عطفًا على «الجرأةِ على الله» على سبيلِ التفسير؛ لأنّ اختيارَهُم على الله ما لا يختارُ جُرْأةٌ على الله مِنْ قولِهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
[ ١٢ / ١٠٠ ]
(وَهُوَ الله) وهو المستأثر بالإلهية المختص بها، و(لا إِلهَ إِلَّا هُو) َ تقرير لذلك، كقولك: الكعبة القبلة، لا قبلة إلا هي. فإن قلت: الحمد في الدنيا ظاهر فما الحمد في الآخرة؟ قلت: هو قولهم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) [فاطر: ٣٤]، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ) [الزمر: ٧٤] (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [الزمر: ٧٥] والتحميد هناك على وجه اللذة لا الكلفة. وفي الحديث: "يلهمون التسبيح والتقديس" (وَلَهُ الْحُكْمُ) القضاء بين عباده.
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ الله يَاتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ *قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ الله يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ *وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ٧١ - ٧٣]
_________________
(١) ـ قولُه: (المستأثرُ بالإلهية)، يُقال: استأثرَ بكذا: اختصّ بهِ واستبد، والاسم: الأثَرةُ بالتحريك. النهاية: الاستئثار: الانفرادُ بالشيء. وإفادةُ التركيبِ هذا المعنى مِنْ جَعْلِ اسمِ ﴿اللهُ﴾ خبرًا لـ ﴿وَهُوَ﴾؛ ولهذا كانَ ﴿لَا إلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ تقريرًا له. قولُه: (وفي الحديث: «يُلهَمُونَ التسبيح»)، الحديثُ مِنْ روايةِ مُسلمٍ وأبي دوادَ عنْ جابرٍ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ أهلَ الجنةِ يأكلونَ فيها ويشربون، ولا يتفلونَ ولا يبولونَ ولا يتغوّطونَ ولا يتمخّطون» قالوا: فما بالُ الطعام؟ قالَ: «جُشاءٌ ورشحٌ كرشحِ المِسْك، يُلهَمُونَ التسبيحَ والتحميدَ كما يُلهَمُونَ النّفَس». النهاية: الإلهامُ: أنْ يُلقِي الله في النّفْسِ أمرًا يَبْعَثُهُ على الفعل أو التّرْك، وهوَ نوعٌ مِنَ الوحي.
[ ١٢ / ١٠١ ]
(أَرَأَيْتُمْ) وقرئ: (أريتم): بحذف الهمزة، وليس بحذف قياسي. ومعناه: أخبرونى من يقدر على هذا؟ والسرمد: الدائم المتصل، من السرد وهو المتابعة. ومنه قولهم في الأشهر الحرم: ثلاثةٌ سردٌ، وواحدٌ فردٌ، والميم مزيدة. ووزنه (فعمل). ونظيره. دلامصٌ؛ من الدلاص. فإن قلت: هلا قيل: بنهارٍ تتصرفون فيه،
_________________
(١) ـ قولُه: (وقُرِئَ: «أريتم» بحذفِ الهمزة)، الكسائي. قولُه: (ومنهُ قولُهم في الأشهُرِ الحُرُم)، الجوهري: قيلَ لأعرابي: تعرفُ الأشهُرَ الحُرُم؟ قال: نعم، ثلاثةٌ سَرْدٌ وواحدٌ فَرْد؛ فالسردِ: ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم. والفرد: رجب. قولُه: (دُلامِص؛ مِنَ الدّلاص)، الجوهري: الدّليصُ والدِّلاص: البَرّاق؛ يُقال: دِرعٌ دِلاص، وأدْرُعٌ دِلاص. والدّلامِص: البَرّاقُ والميمُ زائدة. قولُه: (هلاّ قيل: بنهارٍ تتصرّفون فيه- أي: بدلَ قولِهِ: ﴿بِضِيَاءٍ﴾ - كما قيل: ﴿بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾)، يريدُ أنّ الآيتينِ متقابِلتان؛ ففي الثانية جيءَ بقولِه: ﴿بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ وهوَ مطابقٌ لسائرِ الآيات؛ فلِمَ عَدَلَ في الأولِ عن الظاهرِ إلى خلافِه؟ وأجابَ عنهُ أنهُ إنما وَضَعَ ﴿بِضِيَاءٍ﴾ مَوْضِعَ «بنهار تتصرّفون فيه»، والضياءُ ضوءُ الشمس؛ لقولِهِ تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضْيَاءً﴾ [يونس: ٥]، ليُؤذِنَ بأنّ منافعَ النهارِ ليستْ مقصورةً على التصرُّف؛ فإنّ منافِعَهُ متكاثرة، ولهذا لا يطّلِعُ عليهِ كلُّ أحد؛ كأنهُ قيل: أتيناكُمْ بضياءِ الشمس؛ ليتسهّلَ لكُمْ جميعُ ما تفتَقِرونَ إليهِ مِنَ التصرُّفِ في المعاشِ وغيره. ولهذا أتى بقولِه: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ تتميمًا لهذا المعنى؛ لأنّ مُدرَكَ السّمْعِ أكثرُ مِنْ مُدرَكِ البصر، واستفادةُ العقلِ مِنَ السمعِ أَجَلُّ مِنَ استفادتِهِ مِنَ البصر، وبقولِه: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ تتميمًا لذلك؛ لأنّ أعظمَ فوائدِ الليلِ الهدوءُ فيهِ والسكون، ولهذا صرّحَ بهِ في الآية، وهوَ شيءٌ قليل؛ ولهذا يطّلِعُ عليهِ كلُّ أحد، والناسُ في إدراكِهِ بالبصرِ مستوون. فإنْ قلتَ: فلِمَ لَمْ يقُل: بظلام؟ قلتُ: لأنهُ وإنْ لمْ يُوهِمْ أنّ فائدةَ الليلِ متكاثرة؛ إذْ كلُّ أحدٍ يعلمُ فائدتَه، لكنهُ مِمّا يكرَهُهُ الطبعُ ويتنفّرُ عنه، بخلافِ الضوء؛ فإنهُ نعمةٌ في ذاتِه،
[ ١٢ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ مقصودٌ بِنَفْسِه. ثُمّ الذي أَبْعَدُ مِنَ التكلُّفِ أنْ يُجعَلَ ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ تذييلًا للتوبيخِ الذي يعطيهِ قولُه: ﴿أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ﴾ إلى آخرهِ، وكذا في الثانيةِ- على ما في «المعالم»: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ سماعَ فهمٍ وقبول، ﴿أفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ما أنتم عليهِ مِنَ الخطأ. تَمّ كلامُه- ليجتمِعَ لهمُ الصّمَمُ والعمي مِنَ الإعراض عنْ سماعِ البراهين، والإغماضِ عنْ رؤيةِ الشواهد. ولَمّا كانتِ استدامةُ الليلِ أشقّ مِنَ استدامةِ النهار؛ لأنّ النومَ الذي هوَ أجَلُّ الغرضِ فيهِ شبيهٌ بالموت، والابتغاءُ مِنْ فضلِ الله الذي هوَ بعضُ فوائدِ النهارِ شبيهٌ بالحياة، قيلَ في الأول: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ أي: سماعَ فَهْم، وفي الثانية: ﴿أفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ما أنتمْ عليهِ مِنَ الخطأ؛ ليُطابِقَ كلٌّ مِنَ التذييلَيْنِ الكلامَ السابقَ مِنَ التشديدِ والتوبيخ، كأنهُ قيل: أخبروني إنْ جعلَ الله عليكُم الليلَ سرمدًا إلى يومِ القيامة؛ مَنْ إلهٌ غيرُ الله يأتيكمْ بضياء؛ أفلا تسمعونَ مثلَ هذهِ الدلائلِ الباهرةِ والنصوصِ المتظاهرةِ لِتعرِفوا أنّ غيرَ الله لا يقدرُ على شيءٍ من ذلك؟ وأخبروني إنْ جعلَ الله عليكم النهارَ سرمدًا إلى يومِ القيامة؛ مَنْ إلهٌ غيرُ الله يأتيكمْ بليلٍ تسكنونَ فيه؟ أفلا تبصرونَ الشواهدَ المنصوبةَ الدالّةَ على القدرةِ الكاملةِ لتقِفُوا على أنّ غيرَ الله لا قدرةَ لهُ على ذلك؟ وفيهِ أنّ دَلالةِ النصِّ أوْلى وأقْدَمُ مِنَ العقل. وقالَ الراغبُ في «غُرّةِ التنزيل»: إنّ نسخَ اليلِ بالنّيِّرِ الأعظم أبلغُ في المنافعِ وأضمنُ للمصالحِ مِنْ نسخِ النهارِ بالليل؛ ألا ترى أنّ الجنةَ نهارُها دائمٌ لا ليلَ معه؟ لأنّ اللَيلَ في دارِ التكليفِ للاستراحةِ والاستعانةِ بالجَمام والراحةِ على ما يلزَمُ مِنَ الكُلَفِ المتعِبةِ والمشاقِّ المُنْصِبة، ودارُ يُستَغنى فيها عنْ ذلك؛ لأنها مقصورةٌ على سبيلِ المشتهى وعلى ما تَلَذُّ الأعينُ وتهوى الأنفُس؛ فتقديمُ ذِكْرِ الليلِ لانكشافِهِ عنِ النهارِ الذي يُمَكِّنُ مِنَ التصرُّفِ في المعايشِ بالسعي في المصالحِ إلى ما لا يُحصى كثرةً مِنَ المنافعِ المتعلّقةِ بالشمسِ أَحَقُّ وأوْلى.
[ ١٢ / ١٠٣ ]
كما قيل: (بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ)؟ قلت: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس؛ لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثمة قرن بالضياء (أَفَلا تَسْمَعُونَ)؛ لأنّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل (أَفَلا تُبْصِرُونَ)؛ لأنّ غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره وأنت؛ من السكون ونحوه (وَمِنْ رَحْمَتِهِ): زاوج بين الليل والنهار، لأغراض ثلاثة: لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر وهو النهار، ولإرادة شكركم.
[(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ٧٤]
_________________
(١) ومعنى قولِه: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾: أفلا تسمعونَ سماعَ مَنْ يتدبّرُ المسموعَ ليستدرِكَ مِنهُ قصدَ القائل، ويحيطَ بأكثرِ ما جَعَلَ الله في النهارِ مِنَ المنافع، أمْ أنتمْ صُمٌّ عنْ سماعِ ما ينفعُكُم؟ وقولُه: ﴿يَاتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ معناه: أفلا تستدرِكونَ مِنْ ذلكَ ما يجبُ استدراكُه؟ فإنّ عَقِيبَ السماعِ استدراكُ المرءِ المرادَ بالمسموعِ إذا كانَ هناكَ تدبُّرٌ لهُ وتفكُّرٌ فيه، ولمْ يجعلْهُ السامعُ دبرَ أُذُنِه، والله أعلم. قولُه: (زاوَجَ بينَ الليلِ والنهار)، يُروى بالراءِ والحاءِ المهملة، و«زاوجَ» بالزاي والجيم. الجوهري: المُراوَحةُ في العملَيْن: أنْ تعملَ هذا مرًة وهذا مرة، وتقول: راوَحَ بينَ رجلَيْه؛ إذا قامَ على إحداهُما مرًة وعلى الأخرى مرة. النهاية: وفي الحديثِ أنهُ ﷺ كانَ يُراوِحُ بينَ قدَمَيْه؛ لِطولِ القيام. أي: يعتمدُ على إحداهُما مرًة وعلى الأخرى مرة؛ ليُوصِلَ الراحةَ إلى كلٍّ منهما. ومنهُ حديثُ ابن مسعودٍ أنهُ أبصرَ رجلًا صافًّا قدمَيْه؛ فقال: لوْ راوَحَ كانَ أفْضَل.
[ ١٢ / ١٠٤ ]
وقد سلكت بهذه الآية طريقة اللف في تكرير التوبيخ؛ باتخاذ الشركاء: إيذانٌ بأن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده. اللهم فكما أدخلتنا في أهل توحيدك، فأدخلنا في الناجين من وعيدك.
[(وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) ٧٥]
(وَنَزَعْنا): وأخرجنا، (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدا) وهو نبيهم: لأن أنبياء الأمم شهداء عليهم، يشهدون بما كانوا عليه (فَقُلْنا) للأمة (هاتُوا بُرْهانَكُمْ) فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول (فَعَلِمُوا) حينئذٍ (أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ) ولرسوله، لا لهم ولشياطينهم (وَضَلَّ عَنْهُمْ) وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع (ما كانُوا يَفْتَرُونَ) من الكذب والباطل.
_________________
(١) ـ قولُه: (في تكريرِ التوبيخِ باتخاذِ الشُّركاء)، يريد: كرّرَ هذه الآيةَ بعينِها قُبَيْلَ هذه لتوكيدِ المعنى المقصودِ وتقريرِه؛ ومِنْ ثَمّ جُعِلَ خاتمةً للآياتِ وتخلُّصًا إلى قصةِ قارون. وفي صحيفةِ سُليمانَ ﵇: وما أحسنُ الأشياءِ وما أقبحُ الأشياء؟ قالَ سليمان: أحسنُ الأشياءِ الإيمانُ بالله بعدَ الشِّركِ، وأقبحُ الأشياءِ الكُفرُ بعدَ التوحيد. قالَ القاضي: الأولُ لتقريرِ فسادِ رأيِهِم، والثاني لبيانِ أنهُ لمْ يكنْ عنْ سَنَد؛ وإنما كانَ محضَ تَشَهٍّ وهوًى. قولُه: (فكما أَدْخَلْتَنا) الفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٍ متصلٍ بما قبلَه؛ أي: إذا كانَ الأمرُ كما ذكرتَ فأدخِلْنا. والفَهْمُ معترضٌ نحوَ قولِهِ تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. قولُه: (وغابَ عنهمْ غَيْبةَ الشيءِ الضائع)، أيْ: ﴿ضَلَّ﴾ مستعارٌ لمعنى غاب؛ فلما كانتْ تلكَ الغَيْبةُ بحيثُ لا يمكِنُ إحضارُ ما غابَ وأنهُ كالشيءِ الضائع؛ قيل: ضَلّ. الأساس: ومِنَ المجاز: ضلّ عنْ كذا: ضاع.
[ ١٢ / ١٠٥ ]
[(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ *وَابْتَغِ فِيما آتاكَ الله الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) القصص: ٧٦ - ٧٧]
(قارُونَ) اسم أعجمى مثل هرون، ولم ينصرف للعجمة والتعريف، ولو كان (فاعولًا) من قرن لانصرف. وقيل: معنى كونه من قومه أنه آمن به. وقيل: كان إسرائيليًا ابن عم لموسى: هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب. وموسى بن عمران بن قاهث. وقيل: كان موسى ابن أخيه، وكان يسمى المنور لحسن صورته، وكان أقرأ بنى إسرائيل للتوراة، ولكنه نافق كما نافق السامري وقال: إذا كانت النبوّة لموسى ﵇، والمذبح والقربان إلى هرون فما لي؟ وروى: أنه لما جاوز بهم موسى البحر، وصارت الرسالة والحبورة لهارون يقرّب القربان، ويكون رأسًا فيهم، وكان القربان إلى موسى فجعله موسى إلى أخيه؛ وجد قارون في نفسه وحسدهما، فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء، إلى متى أصبر؟ قال موسى: هذا صنع الله. قال: والله لا أصدق حتى تأتى بآية، فأمر رؤساء بنى إسرائيل أن يجيء كل واحد بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحى ينزل عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيهم بالليل، فأصبحوا وإذا بعصا هرون تهتز ولها ورقٌ أخضر،
_________________
(١) ـ قولُه: (والحبورة)، في الحاشية: الحبورة: الإمامة، وهيَ مصدَرُ الحَبْر؛ يُقال: حبرَ الرجلُ حُبُورة. قولُه: (وَجَدَ [قارونُ] في نَفْسِه)، أي: حَزِن. الجوهري: وَجَدَ في الحُزنِ وَجْدًا بالفتح، ووَجَدَ في المالِ وُجْدًا؛ أي: استغنى. قولُه: (فحَزَمَها)، الجوهري: حَزَمْتَ الشيءَ حَزْمًا؛ إذا شَدَدْته، والحزم: ضبطُ الرجُلِ أمرَهُ وأخذُهُ بالثِّقة.
[ ١٢ / ١٠٦ ]
وكانت من شجر اللوز، فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر (فَبَغى عَلَيْهِمْ): من البغي؛ وهو الظلم. قيل: ملكه فرعون على بنى إسرائيل فظلمهم. وقيل: من البغي وهو الكبر والبذخ: تبذخ عليهم بكثرة ماله وولده. قيل: زاد عليهم في الثياب شبرًا. المفاتح: جمع مفتح بالكسر: وهو ما يفتح به. وقيل هي الخزائن، وقياس واحدها: مفتح بالفتح. ويقال: ناء به الحمل، إذا أثقله حتى أماله. والعصبة: الجماعة الكثيرة، والعصابة: مثلها. واعصوصبوا: اجتمعوا. وقيل: كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلًا، لكل خزانةٍ مفتاحٌ، ولا يزيد المفتاح على أصبع، وكانت من جلود. قال أبو رزين: يكفى الكوفة مفتاحٌ، وقد بولغ في ذكر ذلك بلفظ: الكنوز، والمفاتح، والنوء، والعصبة، وأولى القوة. وقرأ بديل بن ميسرة: لينوء بالياء. ووجهه أن يفسر المفاتح بالخزائن، ويعطيها حكم ما أضيفت إليه للملابسة والاتصال، كقولك: ذهبت أهل
_________________
(١) ـ قولُه: (تبذّخَ عليهمْ بكثرةِ مالِه)، الأساس: ومِنَ المجاز: تبذّخَ فلان: تطاولَ، وهوَ بذاخٌ وفيهِ بَذَخ. قولُه: (أبو رَزِين)، «جامِعُ الأصول»: هوَ أبو رَزِين العقيلي، صحابيٌّ، واسمُهُ لقيطُ بنُ عامر، رَزين: بفتحِ الراءِ وكسرِ الزايِ وسكونِ الياءِ وتحتَها نقطتان. قولُه: (يكفي الكوفةَ مِفتاح)، قيل: معناه: يكفي الكوفةَ كنزٌ واحدٌ مِنْ كنوزِهِ معَ كثرةِ أهلِ الكوفة. قولُه: (ووجهُهُ أنْ يُفسِّرَ المفاتِحَ بالخزائن)، قيل: إنما يُفسّرُ بالخزائنِ ليكونَ متصلًا بالكنوزِ المرادةِ بما في قوله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾؛ فيكتسبُ منهُ التذكيرَ كما يكتسبُ المضافُ مِنَ المضافِ إليهِ التأنيثَ في مثلِ قولِهم: ذهبَتْ أهلُ اليمامة. وأما إذا فُسِّرَ بجمعِ «المِفْتح» بالكسر، وهوَ ما يُفتَحُ به؛ فلا يكونُ متصلًا به؛ لأنّ المفتاحَ لا يكونُ متصلًا بالكنوز، وإذا لمْ يكنْ متصلًا بهِ لا يكتسبُ منهُ التذكيرَ بإضافتِهِ إليهِ كما يكتسبُ الاسمُ التأنيثَ بمثلِ هذهِ الإضافة؛ لأنّ اتصالَ الظرفِ بالمظروفِ أَمَسُّ مِنَ اتصالِ المفتاحِ بالكنوز.
[ ١٢ / ١٠٧ ]
اليمامة. ومحل إذ منصوب بتنوء. (لا تَفْرَحْ) كقوله: (وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ) [الحديد: ٢٣] وقول القائل:
ولست بمفراحٍ إذا الدّهر سرّني
_________________
(١) ـ وقالَ ابنُ جِنِّي: ذهبَ بالتذكيرِ إلى ذلكَ القَدْرِ والمبْلَغ؛ فلاحظَ معنى الواحدِ فحَمَلَ عليه. ونحوُهُ قولُ الراجز: مثلُ الفراخِ نتفت حواصلَه أي: حواصَل ذلكَ أو حواصَل ما ذكَرْنا. وقلتُ: هذا أَوْلى وأنسَبُ للقراءةِ المشهورة؛ لأنّ المرادَ أنّ مفاتحَ خزائنِهِ هيَ التي لتنوءُ بالجماعةِ مِنَ الناس، لا الخزائن، عَلى أنّ الخزائنَ نفسَها لا تثقلُ بالعُصْبة. وإنْ أُريدَ بهِ الأموالُ فيؤدِّي إلى خلافِ المرادِ مِنَ المبالغة، ويلزمُ إضافةُ الأموالِ إلى الكنوز. قالَ أبو البقاء: ﴿ما﴾ بمعنى: الذي، في موضِع نصبٍ بـ «آتينا»، و«إنّ» واسمُها وخبرُها صلةُ «الذي»؛ ولهذا كُسِرَتْ ﴿إِنَّ﴾، والباءُ في ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ مُعَدِّيةٌ مُعاقِبةٌ للهمزةِ في «أنَأته»، يُقال: أنَاتُهُ ونُؤْتُ به، والمعنى: لتُنِيءُ: أي: تُثقِلُ العُصْبة. وقيل: هيَ على القلب؛ أي: لَتَنُوء بهِ العُصْبة. قالَ صاحبُ «الكشف»: وُصِلَتْ ﴿مَا﴾ هاهنا بـ ﴿إِنَّ﴾ وكُسِرَتْ ﴿إِنَّ﴾ لأنّ الموصولةَ تُوصَلُ بكلتا الجملتَيْن الاسمية والفعلية. قولُه: (ولستُ بِمفراحٍ إذا الدّهرُ سَرّني)، تمامُه: ولا جازعٍ مِنْ صَرْفِهِ المتقلِّب
[ ١٢ / ١٠٨ ]
وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن. وأمّا من قلبه إلى الآخرة، ويعلم أنه مفارقٌ ما فيه عن قريب، لم تحدّثه نفسه بالفرح. وما أحسن ما قال القائل:
أشد الغمّ عندي في سرور … تيقّن عنه صاحبه انتقالا
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ الله) من الغنى والثروة (الدَّارَ الْآخِرَةَ) بأن تفعل فيه أفعال الخير؛ من أصناف الواجب والمندوب إليه، وتجعله زادك إلى الآخرة (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ) وهو أن تأخذ منه ما يكفيك ويصلحك (وَأَحْسِنْ) إلى عباد الله (كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ) أو: أحسن بشكرك وطاعتك لله كما أحسن إليك. والفساد في الأرض: ما كان عليه من الظلم والبغي. وقيل: إن القائل موسى ﵇. وقرئ: (واتبع).
[(قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) ٧٨]
_________________
(١) ـ البيتُ ينظرُ إلى قولِهِ تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. قولُه: (أَشَدُّ الغَمِّ عندي في سُرورِ) البيت، يقولُ: السرورُ الذي تَيَقّنَ صاحبُهُ الانتقالَ عنهُ هوَ أشدُّ الغمِّ؛ لأنهُ يُراعي وقتَ زوالِهِ فينتَفِضُ كلما ذكرَ زوالَه. وروي: والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، إِنَّ ما أوتيتم مِنَ الدنيا كإناخةِ ناقة؛ فعلامَ تفرحون، وإلامَ تنتظرون؟ ولله درُّ القائل: إنما الدنيا كظلٍّ زائلٍ … أو كضيفٍ نازلٍ ثُمّ ارتَحَلْ
[ ١٢ / ١٠٩ ]
(عَلى عِلْمٍ) أي: على استحقاق واستيجاب؛ لما فىّ من العلم الذي فضلت به الناس؛ وذلك أنه كان أعلم بنى إسرائيل بالتوراة. وقيل: هو علم الكيمياء. عن سعيد بن المسيب: "كان موسى ﵇ يعلم علم الكيمياء، فأفاد يوشع بن نونٍ ثلثه، وكالب بن يوفنا ثلثه، وقارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبًا". وقيل: علم الله موسى علم الكيمياء، فعلمه موسى أخته، فعلمته أخته قارون. وقيل: هو بصره بأنواع التجارة والدهقنة وسائر المكاسب. وقيل: (عِنْدِي) معناه: في ظنى، كما تقول الأمر عندي
_________________
(١) ـ قولُه: (﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على استيجابٍ واستحقاق) قالَ القاضي: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في موضِع الحال، و﴿عِندِي﴾ صفةٌ للعلم، وإلى هذا أشارَ بقولِه: «على استحقاقٍ لِما فيَّ مِنَ العلمِ الذي فَضَلْتُ بهِ الناسَ». قولُه: (هوَ علمُ الكيمياء)، قالَ الزجاج: هذا لا يصح؛ لأنّ الكيمياءَ باطلٌ لا حقيقةَ له. وقلتُ: لعلّ ذلكَ كانَ مِنْ قَبيلِ المعجزة. قولُه: (وقيلَ: ﴿عِندِي﴾ معناه: في ظني)، قالَ القاضي: وعلى هذا ﴿عِندِي﴾ يتعلّقُ بـ ﴿أُوتِيتُهُ﴾ صلةً له؛ كقولِك: جازَ هذا عندي؛ أي: في ظنِّي واعتقادي. وعنْ بعضِهِم: على ذلكَ قولُ القائل: ومَنْ أنتمُ حتّى يكونَ لكُمْ عِنْدُ؟ وكلمةُ «عِندَ» بيانُ الحُكْم؛ كما تقول: هذا عندَ أبي حنيفةَ والشافعي؛ أي: في حُكمِها.
[ ١٢ / ١١٠ ]
كذا، كأنه قال: إنما أوتيته على علم، كقوله تعالى: (ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ) [الزمر: ٤٩] ثم زاد (عِنْدِي) أى: هو في ظنى ورأيى هكذا. يجوز أن يكون إثباتًا لعلمه بأنّ الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قد قرأه في التوراة، وأخبر به موسى، وسمعه من حفاظ التواريخ والأيام. كأنه قيل: (أَوَ لَمْ يَعْلَمْ) في جملة ما عنده من العلم هذا، حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوّته. ويجوز أن يكون نفيًا لعلمه بذلك؛ لأنه لما قال: أوتيته على علمٍ عندي، فتنفج بالعلم وتعظم به. قيل: أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبةً لكل نعمةٍ، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين (وَأَكْثَرُ جَمْعًا) للمال، أو: أكثر جماعةً وعددًا. فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: (وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) بما قبله؟ قلت: لما ذكر قارون من أهلك من قبله من القرون الذين كانوا أقوى منه وأغنى، قال على سبيل التهديد له: والله مطلعٌ على ذنوب المجرمين،
_________________
(١) قولُه: (ويجوزُ أنْ يكونَ نفيًا لعلمِهِ بذلكَ)، يريدُ أنّ الهمزةَ في قولِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ إذا كانَ للتقريرِ أفادَ إثباتَ عِلمِ قارون، وإذا كانَ للإنكارِ كانَ نفيَ عِلمِه. وعلى التقديرَيْنِ المعطوفُ عليهِ محذوف؛ أي: ألم يَقْرَأِ التوراةَ ولمْ تُعلِّمْه الأحداثُ والوقائع؟ أي: قرأَ وعَلِم؛ أي: اغترّ بما عندَهُ مِنَ العلم، ولمْ يعلمْ ذلكَ ليعتَبِرَ ويُمسِكَ عنْ ذلكَ القول. قولُه: (فتَنَفّجَ)، يُروى بالخاءِ والجيم. الأساس: ومِنَ المجاز: فلانٌ نفّاجٌ وفيهِ نَفَج، وسمعتُ مَنْ يقول: فيهِ نفاجة. وفي الأساس أيضًا: ومِنَ المجاز: انتَفَخَ النهار: علا، ونفخَ شِدْقَيْه: تَكَبّر. قولُه: (لَمّا ذَكّرَ قارونَ مَنْ أُهلِكَ مِنْ قَبْلِه ، قالَ على سبيلِ التهديدِ له: والله مُطّلِعٌ على ذنوبِ المجرمين)، يريدُ أنّ هذهِ الجملةَ تذييلٌ للسابق؛ فإنّ قولَه: ﴿[أَوَلَمْ] يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ﴾ تهديدٌ لقارونَ ووعيدٌ لهُ بالهلاك، وقولُه: ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَن
[ ١٢ / ١١١ ]
لا يحتاج إلى سؤالهم عنها واستعلامهم. وهو قادرٌ على أن يعاقبهم عليها، كقوله تعالى: (وَالله خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) [آل عمران: ١٥٣]، (بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [البقره: ٢٨٣، المؤمنون: ٥١، النور: ٢٨] وما أشبه ذلك.
[(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ٧٩]
(فِي زِينَتِهِ) قال الحسن: في الحمرة والصفرة. وقيل: خرج على بغلةٍ شهباء عليها الأرجوان وعليها سرجٌ من ذهب، ومعه أربعة آلافٍ على زيه. وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلامٍ، وعن يساره ثلاثمائة جاريةٍ بيضٌ عليهنّ الحلي والديباج. وقيل: في تسعين ألفًا عليهم المعصفرات، وهو أوّل يوم رؤي فيه المعصفر: كان المتمنون قومًا مسلمين، وإنما تمنوه على سبيل الرغبة في اليسار والاستغناء كما هو عادة البشر. وعن قتادة: تمنوه ليتقربوا به إلى الله ولينفقوه في
_________________
(١) ـ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ كقولِه: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣، النور: ٢٨] في كونِهِ عالمًا بها لا يحتاجُ إلى سؤالِهم عنها. وفيهِ تهديدٌ بالهلاكِ بسببِ الإجرامِ لكلِّ مجرم، وهؤلاءِ منهم؛ فكانَ تأكيدًا له. وجيءَ بالواوِ فعُدّ تذييلًا أو معترضة. قالَ القاضي: كأنهُ لمّا هَدّدَ قارونَ بذِكْرِ إهلاكِ مَنْ قَبْلَهُ أكّدَ ذلكَ بأنْ بَيّنَ أنهُ لمْ يكنْ ما يخصُّهم؛ بَلِ الله مُطّلِعٌ على ذنوبِ المجرمينَ كُلِّهمْ مُعاقِبُهُمْ عليها. قولُه: (الأُرجوان)، النهاية: هوَ مُعرّبٌ مِنْ «أُرغوان» وهوَ شجرٌ له نَوْرٌ أحمر. وكلُّ لونٍ يُشبِهُهُ فهوَ أُرجوان. وقيل: هوَ الصّبْغُ الأحمر، وقيل: عربيةٌ والألفُ والنونُ زائدتان. وذكرهُ الجوهري في مُعتلِّ اللام.
[ ١٢ / ١١٢ ]
سبل الخير. وقيل: كانوا قومًا كفارًا. الغابط: هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه. والحاسد: هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه، فمن الغبطة قوله تعالى: (يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ) ومن الحسد قوله: (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ) [النساء: ٣٢] وقيل لرسول الله ﷺ: هل يضر الغبط؟ فقال: «لا؛ إلا كما يضر العضاه الخبط»، والحظ: الجدّ، وهو البخت والدولة: وصفوه بأنه رجلٌ مجدودٌ مبخوت، يقال: فلانٌ ذو حظ، وحظيظٌ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظٍ وجدودٌ.
_________________
(١) ـ قولُه: (ومِنَ الحَسَدِ قولُه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢])، وذلكَ أنّ تَمَنِّي ما فُضِّلَ البعضُ على بعضٍ المُتمنّي عَيْنُ ما فُضِّلَ به، ولا يُتَوَصّلُ إلى ذلكَ إلا بزوالِهِ عَنِ المحسود. قولُه: (وقيلَ لرسولِ الله ﷺ: هلْ يَضُرُّ الغَبط؟ قال: «لا، إلا كما يَضُرُّ العِضاهَ الخَبْط»)، النهاية: الغَبْط: حَسَدُ خاص؛ يُقال: غَبَطْتُ الرجُلَ أَغبِطُهُ غَبْطًا. أراد ﷺ أنّ الغَبْطَ لا يَضُرُّ ضَرَر الحَسَد، وأنّ ما يَلْحَقُ الغابِطَ مِنَ الضررِ الراجعِ إلى نُقصانِ الثوابِ دونَ الإحباطِ بقَدْرِ ما يَلْحَقُ العِضاهَ مِنْ خَبْطِ وَرَقِها الذي هوَ دونَ قَطْعِها واستئصالها، ولأنهُ يعودُ بعدَ الخبط؛ فهوَ وإنْ كانَ فيهِ طَرَفٌ مِنَ الحسد؛ فهوَ دونَهُ في الإثم. والعِضاهُ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلان، وكلُّ شَجَرٍ عظيم لهُ شَوْك، الواحدة: عِضةٌ بالتاء، والخَبْط: ضَرْبُ الشّجَرِ بالعصا ليتناثرَ ورقُها لعلفِ الإبل. قولُه: (وما الدنيا إلا أحاظٍ وجُدود)، مِنْ قولِ الحماسي: وليسَ الغني والفقرُ مِنْ حِيلَةِ الفتي … ولكنْ أَحاظٍ قُسِّمَتْ وجُدودُ
[ ١٢ / ١١٣ ]
[(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ الله خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ *فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ الله وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) ٨٠ - ٨١]
ويلك: أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى، كما استعمل: لا أبا لك. وأصله: الدعاء على الرجل بالإقراف في الحث على
_________________
(١) ـ الجوهري: الحظ: النصيبُ والجَدّ، وجمعُ القِلّة: أَحُظٌّ، والكثير: حظوظٌ وأحاظٍ كأنهُ جَمْعُ أَحْظٍ، وأنشدَ البيت. الراغب: الحظ: النصيبُ المقدّر. قولُه: (ويلك: أصلُهُ الدعاءُ بالهلاك)، الراغب: قالَ الأصمعي: وَيْل: قبوح، وقدْ يُستعمَلُ على التحسُّر، ووَيس: استصغار، ووَيْح: ترحُّم. ومَنْ قال: ويل: وادٍ في جَهنّمَ لمْ يُرِدْ أنّ «ويلًا» في اللغةِ هوَ موضوعٌ لهذا؛ وإنما أراد: مَنْ قالَ الله فيهِ ذلك؛ فقدْ استحقّ مقرًّا مِنَ النارِ وثبتَ لهُ ذلك؛ ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهمْ ووَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]». قولُه: (كما استُعمِل: لا أبا لكَ وأصلُهُ الدعاءُ على الرجل)، وعنْ نَضْرِ بنِ شُمَيلٍ أنهُ قال: سألتُ الخليلَ عنْ قولِهم: لا أبا لك؛ فقال: معناه: لا كافيَ لك، وقيل: معناه: بعثٌ وتحضيض، وليسَ بنفيِ الأبُوة. قولُه: (الدعاءُ على الرجلِ بالإقراف)، أي: بالهُجْنة. الأساس: وأُقْرِفَ: أُدْنَي للهجْنة، ويُقال: الإقراف مِنْ جهةِ الأب. قال:
[ ١٢ / ١١٤ ]
الفعل. والراجع في (وَلا يُلَقَّاها) للكلمة التي تكلم بها العلماء. أو للثواب؛ لأنه في معنى المثوبة أو الجنة، أو للسيرة والطريقة، وهي الإيمان والعمل الصالح (الصَّابِرُونَ) على الطاعات، وعن الشهوات، وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير.
كان قارون يؤذى نبى الله موسى صلي الله عليه كل وقتٍ، وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة، فصالحه عن كل ألف دينارٍ على دينار، وعن كل ألف درهمٍ على درهمٍ، فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه، فجمع بنى إسرائيل وقال: إنّ موسى
_________________
(١) ـ فإنْ نُتِجَتْ مُهرًا كريمًا فبِالحري … وإنْ يكُ إقرافٌ فَمِنْ قِبَلِ الفَحْلِ وقيل: هوَ مِقْرف، بالكسر، وقدْ أقرفَ الهُجْنةَ وقارَفَها: قارَبَها وخالَطَها. أما قولُه: «في الحثِّ» ليسَ بمتّصِلٍ بالإقراف؛ بلِ استُعمِلَ كما استُعمِلَ «لا أبا لك» في الحث. نحوُه في الحثِّ قولُه تعالى: ﴿حَرِضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. قال: أي: سَمِّهِ حرضًا وقُلْ له: لا أراكَ إلا ممرضًا في هذا الأمر؛ لتُهيِّجَهُ وتُحرِّكَ منه. قولُه: (للكلمةِ التي تكلّمَ بها العلماء)، وهيَ قولُه: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. قولُه: (﴿الصَّابِرُونَ﴾ على الطاعاتِ وعنِ الشهوات)، عنْ بعضِهِم: ﴿الصَّابِرُونَ﴾ لهُ متعلِّقان: الذي انقطعَ بهِ عنه، والذي اتصلَ به. والأولُ مَدْخَلُ «عن» وهوَ المعصية، والثاني مَدْخلُ «على» وهوَ الطاعة. و«عَنْ» هذهِ كـ «مِنْ» في قولِهِ: ﴿لَن تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠، ١١٦، المجادلة: ١٧] أي: بدلَ طاعتِه. أي: صابرونَ على الطاعاتِ بدلَ الشهواتِ ومقيموها مقامَها، وكذلكَ القليلُ مِنَ الكثير. مثلُهُ قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِ﴾ [المائدة: ٤٨] أي: بدلَ ما جاءَك. وجمهورُ المفسرينَ على أنّ معناه: مُنحرِفًا عما جاءَكَ أو متنحِّيًا؛ كقولِك: رميتُ عَنِ القَوْس.
[ ١٢ / ١١٥ ]
أرادكم على كل شيءٍ، وهو يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، فمر بما شئت، قال: نبرطل فلانة البغىّ، حتى ترميه بنفسها، فيرفضه بنو إسرائيل، فجعل لها ألف دينار. وقيل: طستًا من ذهب. وقيل: طستًا من ذهب مملوءةً ذهبًا. وقيل: حكمها، فلما كان يوم عيدٍ قام موسى فقال: يا بنى إسرائيل، من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصنٍ جلدناه، وإن أحصن رجمناه، فقال قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: فإنّ بنى إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فأحضرت، فناشدها موسى بالذي فلق البحر، وأنزل التوراة أن تصدق، فتداركها الله فقالت: كذبوا، بل جعل لي قارون جعلًا على أن أقذفك لنفسي، فخرّ موسى ساجدًا يبكى وقال: يا رب، إن كنت رسولك فاغضب لي. فأوحى إليه: أن مر الأرض بما شئت، فإنها مطيعةٌ لك. فقال: يا بنى إسرائيل، إنّ الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معنى فليعتزل، فاعتزلوا جميعا غير رجلين، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ﵇ ويناشدونه بالله والرحم، وموسى لا يلتفت اليهم لشدّة غضبه، ثم قال: خذيهم، فانطبقت عليهم. وأوحى الله إلى موسى: ما أفظك! استغاثوا بك مرارًا فلم ترحمهم، أما وعزتي لو إياى دعوا مرةً واحدةً لوجدوني قريبًا مجيبًا، فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله. (مِنَ المُنْتَصِرِينَ) من المنتقمين من
_________________
(١) ـ قولُه: (أرادَكُمْ على كلِّ شيء)، ضُمِّنَ «أرادَ» معنى «قَهَرَ» فعُدِّيَ تعديتَه؛ أي: قهرَكُمْ على كلِّ شيءٍ يريدُه. قولُه: (نُبَرْطِلُ)، أي: نرشو؛ مِنَ البِرْطيل. قولُه: (وقيل: حَكَّمَها)، أي: جَعَلَها حاكِمًا لنفسِها بما شاءتْ مِنَ المال. ويروي: «حُكْمَها»؛ أي: ما حَكَمَتِ البغيُّ في مالِه.
[ ١٢ / ١١٦ ]
موسى ﵇، أو من الممتنعين من عذاب الله تعالي. يقال: نصره من عدوه فانتصر، أى: منعه منه فامتنع.
[(وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ الله عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) ٨٢]
قد يذكر الأمس ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن الوقت المستقرب على طريق الاستعارة، (مَكانَهُ) منزلته من الدنيا. (وي) مفصولةٌ عن كأن، وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم. ومعناه: أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وقولهم: (يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ) وتندموا ثم قالوا: "ْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ" أى: ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح، وهو مذهب الخليل وسيبويه. قال:
_________________
(١) قولُه: (على طريقِ الاستعارة)، أي: الاستعارةِ اللفظية، نحوُ استعارةِ المَرْسِن- وهوَ أنفٌ فيهِ رَسَن- لمُطلَقِ الأنف. وكذلكَ استعارَ «الأمس» وهوَ وقتٌ محدودٌ متعارَفٌ للزمانِ المستقرَب. قولُه: (أي: ما أشبهَ الحالَ بأنّ الكافرينَ لا ينالونَ الفلاح)، قالَ ابنُ جِنِّي: يُروى على قياسِ مذهبِ الخليلِ وسيبويهِ اسمٌ سُمِّيَ بهِ الفعلُ في الخبر؛ فكأنهُ اسمُ أَعْجَبُ، ثُمّ ابتدأَ فقال: «كأنه»، «كأن» فيهِ عاريةٌ مِنْ معنى التشبيه. أنشدَ أبو علي: كأَنّني حينَ أُمسِي لا تُكلِّمُني … مُتَيّمٌ يَشتَهِي ما ليسَ موجودا وفي «المطلع»: قالَ عليُّ بنُ عيسى: شُبِّهتْ حالُ الكافرينَ بحالِ مَنْ لا يُفلِح؛ لأنكَ
[ ١٢ / ١١٧ ]
وي كأنّ من يكن له نشبٌ يحـ … ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ
وحكى الفراء أنّ أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: وى كأنه وراء البيت. وعند الكوفيين أنّ «ويك» بمعنى: ويلك، وأنّ المعنى: ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون. ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومةً إلى وى، كقوله:
_________________
(١) ـ إذا قلتَ: كأنّ هذا الكافرَ لا يُفلِح؛ فُهِمَ مِنكَ أنّ حالَهُ حالُ مِنْ لا يُفلِح. هذا تقريرُ كلامِ المصنِّف، لكنْ يفتقرُ إلى مزيدِ بيان؛ فتقول: إنهُ أبرزَهُ مَبرَزَ فِعلِ التعجُّب؛ لِما في «وَيْ» مِنْ معنى التعجب. وأشارَ بقولِه: «حال» إلى أنّ الضميرَ في «كأنه» للحال، والباءُ في «بأنّ» صلةُ «أشْبَهَ»؛ يعني: ظَهَرَ لنا مِنْ حالِ قارونَ- وهوَ استمتاعُهُ بالدنيا واغترارُهُ بزهرتِها، ثُمّ خسفُهُ بالأرضِ- مشابِهٌ لما تقرّرَ بأنّ الكافرينَ لا يُفلِحون. قولُه: (أنّ «وَيْكَ» بمعنى: وَيْلَك)، وأنّ المعنى: ألم يعلم أنّه لا يُفْلحُ الكافرون. وحكي صاحبُ «المَطْلعِ» عن خلفٍ الأحمرِ أنّ «وَيْكَ» بمعنى «وَيْلك» فحُذِفَ اللامُ استخفافًا، ونُصِبَ «أنّ الله» بفعلٍ مُضمَرٍ تقديرُه: وَيْلَك، اعلَمْ أنّ الله. قالَ الزجاج: هذا الخطأُ مِنْ غيرِ وجه؛ إذْ لوْ كانَ كما قال؛ لكانتْ «إن» مكسورةً ولمْ يُحذَفِ اللامُ منه؛ لأنهُ يقال: وَيْلَك، إنهُ لا يُفلِح. والصحيحُ ما ذكَرَهُ سيبويه عنِ الخليلِ ويونس: أنّ «وَيْ» مفصولةٌ مِنْ «كأن»، والقومُ تنبّهُوا فقالوا: وَيْ؛ مُتندِّمِينَ على ما سَلَفَ مِنهم، وكلُّ مَنْ تَندّمَ أو نَدِم؛ فإظهارُ ندامتِهِ أو تندُّمه أنْ يقول: وَيْ، كما يعاتَبُ الرجُلُ على ما سلفَ مِنهُ فيقول: وَيْ كأنكَ قصدتَ مكروهي. قال العرجيّ: سَالتاني الطلاقَ أنْ رأتاني … قلّ مالي قدْ جِئتُماني بنُكْرِ ويكأنْ مَنْ يكنْ لهُ نَشَبٌ يُحْـ … ـبَبْ ومَنْ يفتقِرْ يَعِشْ عيش ضُرّ
[ ١٢ / ١١٨ ]
ويك عنتر أقدم
وأنه بمعنى لأنه، واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون
_________________
(١) ـ النّشَب: المال، و«يُحْبَبْ» جوابُ «مَنْ» وفيهِ معنى الإنكار؛ أيْ أنّ الغَنِيّ محبوبٌ في الناس، والفقيرُ يعيشُ في الناسِ عَيْشَ ذُلٍّ وضُر. قالَ ابنُ جِنِّي: ومَنْ قال: إنها «ويك»؛ فكأنهُ قال: أَعْجَبُ لأنهُ لا يُفلِحُ الكافرون، وأَعْجَبُ لأنّ الله يبسُطُ الرزقَ، وهوَ قولُ أبي الحسن. وينبغي أنْ يكونَ الكافُ حرفَ خطابٍ لا اسمًا بمنزلةِ الكافِ في «ذلك، وأولئك»؛ لأنّ «وي» ليستْ مِما يُضاف. والاستشهادُ بالبيتِ مِنْ أَجْلِ أنّ الكافَ لا يجوزُ أنْ تكونَ ضميرًا أو حرفَ خِطاب؛ لفُقدانِ المطابقةِ لأنّ البيتَ السابقَ خطابٌ لمؤنثَيْن. وكذا قولُ الزوجِ للأعرابية؛ لأنهُ لوْ كانَ الكافُ خطابًا لكانَ مكسورًا لتأنيثِ المخاطَب. وأما قولُ عنتَرةَ فلا يُحمَلُ على «ويلك»؛ لأنهُ زَجْرٌ ورَدْعٌ وبَعْثٌ على تركِ ما لا يرضى، وهوَ حَثٌّ وبعثٌ على الإقدام؛ لأنهُ في مقامِ مدحِ نفسِهِ بالشجاعة. وتلخيصُهُ أنّ ذاكَ زَجْرٌ عما لا يرضى وهذا حثٌّ على ما يرضى. قولُه: (ويكَ عنترَ أَقْدِمِ)، أولُه: ولقدْ شفى نفسي وأبرأَ سُقْمَها … قيلُ الفوارسِ ويكَ عنترَ أَقْدِمِ قولُه: «عنتر» مُرخّم، يقول: لقدْ شفى نفسي قولُ الفوارسِ لي: يا عنترةُ أقدِمْ نحوَ العدوِّ واحمِلْ عليهِم. يريدُ أنّ تعويلَ أصحابِهِ عليه والتجاءَهُمْ إليهِ شفى نفْسَهُ ونفى هَمّه. قولُه: (واللامُ لبيانِ المقولِ لأجلِهِ هذا القول)، نحو: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]؛ فإنهُ لمّا قيل: وي؛ قيل: لَمِنْ؟ وأجيب: لك.
[ ١٢ / ١١٩ ]
كان ذلك، وهو الخسف بقارون، ومن الناس من يقف على «وى» ويبتدئ «كأنه»، ومنهم من يقف على «ويك». وقرأ الأعمش: (لولا منّ الله علينا). وقرئ (لَخَسَفَ بِنا) وفيه ضمير الله. ولا نخسف بنا، كقولك: انقطع به. ولتخسف بنا.
[(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ٨٣]
(تِلْكَ) تعظيمٌ لها وتفخيمٌ لشأنها، يعنى: تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها. لم يعلق الموعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما، كما قال: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [هود: ١١٣] فعلق الوعيد بالركون. وعن على ﵁: إنّ الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها. وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال: "ذهبت الأمانى هاهنا". وعن عمر بن عبد العزيز كان يردّدها حتى قبض. ومن الطماع من يجعل العلوّ لفرعون، والفساد لقارون،
_________________
(١) ـ قولُه: (مَنْ يقفُ على «وي»)، يعني: الكسائي، وعلى «ويك»: أبو عمرو. قولُه: (وقُرِئَ: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾)، أي: على بناءِ الفاعل؛ قرأَها حفص. قالَ ابنُ جِنِّي: وهيَ قراءةُ الأعرجِ وغيرهِ، الفاعلُ «الله»، والمفعولُ محذوف؛ أي: لخَسَفَ بنا الله الأرض. قولُه: (ولا نُخسِفُ بنا)، قالَ ابنُ جِنِّي: قرأَ بها الأعمشُ وطلحةُ وابنُ مسعود. «بنا» مرفوعةُ المَوْضِع؛ لإقامتِها مقامَ الفاعِل، نحو: انقطعَ بالرجُل، وسِيرَ بزَيْد. وإنْ شئتَ أضمرتَ المصدرَ مقامَ الفاعل، ولا يكونُ للفعلِ الواحدِ فاعلانِ قائمانِ مقامَهُ إلا على وجهِ الاشتراك. قولُه: (ومِنَ الطّماعِ مَنْ يجعلُ العُلُوّ لفِرعَون، والفسادَ لقارون)، قالَ صاحبُ «الانتصافِ»
[ ١٢ / ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وهوَ يُعرِّضُ بأهل السُّنةِ في أنّ كلّ مُوحِّدٍ مِنْ أهلِ الجنة، وإنما طَمِعوا فيما أطمَعَهُمُ الله تعالى على لسانِ رسولِهِ ﷺ حيثُ قال: «مَنْ قالَ: لا إله إلا الله؛ دخلَ الجنةَ وإنْ زَنى وإنْ سَرَق» ثلاثًا، وفي الثالثة: «وإنْ رَغِمَ أنفُ أبي ذَرّ». وقلتُ: لا شكّ أنّ العُلوّ في الأرضِ هوَ الاستكبارُ على الله تعالى، والاستطالةُ على الناس، والإفسادُ: إخراجُ الشيءِ مِنْ كونِهِ مُنتَفَعًا به. روى مُحيي السُّنة: ﴿عُلُوًّا﴾: استكبارًا عنِ الإيمان، واستطالةً على الناسِ وتهاونًا بهم. و﴿فَسَادًا﴾: أخذُ أموالِ الناسِ بغيرِ حَق، والعملُ بالمعاصي. وأما ما رواهُ عنْ عليٍّ ﵁: إِنَّ الرجُلَ لَيُعجِبُهُ أنْ يكونَ شِراكُ نعلِهِ أجودَ مِنْ شِراكِ نعلِ صاحِبهِ فيدخلُ تحتَها؛ فإنهُ مناقضٌ لِما رواهُ داودَ عنْ أبي هريرة: أنّ رجلًا أتى رسولَ الله ﷺ وكانَ جميلا؛ فقال: يا رسولَ الله، إني رجُلٌ حُبِّبَ إليّ الجمالُ وأُعطِيتُ منهُ ما ترى حتى ما أُحِبُّ أنْ يفوقَني أحدٌ -إما قال: بشِراكِ نَعْل، وإما قال: بشِسْعِ نعل- أفَمِنَ الكِبْرِ ذلك؟ قال: «لا، ولكنّ الكِبْرَ مَنْ بَطِرَ الحقّ وغَمَطَ الناس». وروى مسلمٌ وأبو داودَ والترمذيُّ عنِ ابنِ مسعود: أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا يدخلُ الجنةَ مَنْ كانَ في قلبِهِ مِثقالُ ذَرّةٍ مِنْ كِبْرِ»؛ فقالَ رجُل: إنّ الرجُلَ يُحبُّ أنْ يكونَ ثوبُهُ حسنًا ونعلُه حسنًا! قال: «إنّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال؛ الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناسِ». هذا وإنّ التأويلَ الذي يُعتمدُ عليهِ هوَ ما يساعدُهُ النظم؛ فإنّ هذهِ الآيةَ كالتخلُّصِ مِنْ قصةِ موسى ﵇ وقومِهِ معَ قارونَ وبَغْيِهِ واستطالتِهِ عليهم، ثُمّ هلاكِهِ ونُصْرةِ أهلِ الحقِّ عليه، إلى قصةِ سيدِنا صلواتُ الله عليهِ وأصحابِهِ معَ قومِهِ واستطالتِهم وإخراجِهم إياهُ مِنْ مَسقَطِ رأسِه، ثُمّ إعزازِهِ بالإعادةِ إلى مكةَ وفَتْحِه إيّاها منصورًا مُكرّمًا وذلكَ قولُه
[ ١٢ / ١٢١ ]
متعلقا بقوله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ)، (وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ) ويقول: من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة، ولا يتدبر قوله: (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) كما تدبره علىّ والفضيل وعمر.
[(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ٨٤]
معناه: فلا يجزون، فوضع (الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ) موضع الضمير؛ لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكررًا. فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيضٍ للسيئة إلى قلوب السامعين (إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) إلا مثل ما كانوا يعملون، وهذا من فضله العظيم
_________________
(١) ـ تعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. روى محيي السُّنة: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ لَرَدُّكَ إِلَى مَعَاد: إلى مكة، وهيَ روايةُ العوفيِّ عنِ ابنِ عباس. قالَ القتيبي: معادُ الرجُل: بلدُه؛ لأنُه ينصرفُ منهُ ثُمّ يعودُ إليه. وقالَ الإمام: ﴿مَن جَاءَ بِالهُدَى﴾: الإعزازُ بالإعادةِ إلى مكة. وإذا تقرّر هذا فينبغي أنْ يُفسّرَ العلوُّ والفسادُ بما اشتملَ عليهِ قصةُ قارون؛ فالعلوُّ فَرحُهُ بالدنيا؛ مِنْ قولِهِم: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾، وبَطَرُ الحق؛ مِنْ قولِه: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، وغَمْطُه الناس في قولِه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. والفساد: البغيُ والظلمُ كما قالَ المصنِّفُ في قولِه: ﴿وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾، لا سيما ما أدخلَهُ في خروجِهِ على القومِ بتلكَ الزينة؛ حتى قالَ قائلُهُم: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتيَ قَارُونُ إِنَّهُ، لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾؛ فإنهُ إفسادٌ عظيمٌ في الدين؛ فقولُه: ﴿والعَاقِبةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لا ينافي تفسيرَهُ المنقولَ مِنْ أهلِ السُّنة؛ لأنّ المرادَ مَنْ لمْ يكنْ مِثلَ فرعونَ وقارونَ مِنَ المؤمنين. والمتّقِي هاهنا هوَ المتّقي مِن عُلُوِّ فرعونَ وفسادِ قارون؛ لأنّ قولَه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ تذييل.
[ ١٢ / ١٢٢ ]
وكرمه الواسع؛ أن لا يجزى السيئة إلا بمثلها، ويجزى الحسنة بعشر أمثالها وبسبع مئةٍ، وهو معنى قوله: (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها).
[(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ٨٥]
(فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه، يعنى: أن الذي حملك صعوبة هذا التكليف لمثيبك عليها ثوابًا لا يحيط به الوصف. و(لَرادُّكَ) بعد الموت (إِلى مَعادٍ) أى معادٍ، وإلى معادٍ ليس لغيرك من البشر وتنكير المعاد لذلك. وقيل: المراد به مكة، ووجهه أن يراد رده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معادًا له شأنٌ، ومرجعًا له اعتدادٌ؛ لغلبة رسول الله ﷺ عليها، وقهره لأهلها، ولظهور عز الإسلام وأهله، وذل الشرك وحزبه. والسورة مكيةٌ، فكأن الله وعده وهو بمكة في أذى وغلبةٍ من أهلها: أنه يهاجر به منها، ويعيده إليها ظاهرًا ظافرًا. وقيل: نزلت عليه حين بلغ الجحفة في مهاجره، وقد اشتاق إلى مولده ومولد آبائه وحرم إبراهيم، فنزل جبريل فقال له: أتشتاق إلى مكة؟ قال: نعم، فأوحاها إليه. فإن قلت: كيف اتصل قوله تعالى: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ) بما قبله؟
_________________
(١) قولُه: (أَوْجَبَ عليكَ تلاوتَه)، أي: أوجبَ تلاوتَهُ عندَ تبليغِ الوحي؛ كقولِهِ تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، لا في جميعِ الأوقات. والعملُ عاقِبُهُ؛ أيْ: مِنَ الفرائض، وأما الاستماعُ على الأمة ففي حالةِ الصلاة؛ قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. قولُه: (﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: معاد)، الراغب: قيل: أرادَ بالمعادِ مكة، والصحيحُ ما أشارَ إليهِ عليٌّ ﵁ وذكَرَهُ ابنُ عباسٍ أنّ ذلكَ الجنةُ التي خلقَهُ فيها بالقُوّةِ في ظَهْرِ آدمَ وأَظْهَرَهُ مِنه؛ حيثُ قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذَرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
[ ١٢ / ١٢٣ ]
قلت: لما وعد رسوله الردّ إلى معادٍ، قال: قل للمشركين: (رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى) يعنى نفسه، وما يستحقه من الثواب في معاده (وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) يعنيهم، وما يستحقونه من العقاب في معادهم.
_________________
(١) ـ قولُه: (لمّا وعدَ رسولَهُ الردّ إلى معاد)، هذا إذا أُريدَ بالمعادِ الإثابةُ والرجوعُ إلى مقاماتِهِ العاليةِ في الآخرة، والاتصالُ كما قالَ ظاهر. وأما إذا أُريدَ بالمعادِ مكة؛ فالمعنى: إنّ الذي حَباكَ نعمةَ الدين- لا سيما هذا الكتابَ الكريمَ الذي دُونَهُ كلُّ نعمة- يَمنَحُكَ فَتْحَ مكة، ويَرُدُّكَ إلى مَسْقَط رأسِك؛ كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحِنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّستَقِيمًا﴾ [الفتح: ١، ٢]. فقُلْ لأعدائِك: موتوا كَمَدًا؛ ربي أعلمُ مَنْ جاءَ بالهدى مِنّا ومِنكُم، ومنْ هوَ في ضلالٍ مبين، يَنصُرُ المهتدي ويَخذُلُ الضال، وهوَ مالكُ الملك، يُعِزُّ مَنْ يشاءُ ويُذِلُّ مَنْ يشاء. وكما كنتَ غيرَ راجٍ أنْ يُلقي إليكَ هذا الكتاب، لكنّ الله لرحمتِهِ الواسعةِ ألقاهُ إليك، كذلكَ يَنصُرُكَ على أعدائكَ هوَ وحدَه، ويردُّكَ إلى معاد؛ فتوكّلْ عليهِ لا على غيره، ولا تَعتَمِدْ إلا عليه، ولا تكونَنّ ظهيرًا للكافرين. ويَنصُرُ هذا النّظْمَ قولُ القاضي: سيردُّكَ إلى معادٍ كما أَلقى إليكَ الكتاب، وما كنتَ ترجوه؛ ولكنْ ألقاهُ رحمةً مِنه. قولُه: (وما يستحقُّهُ مِنَ الثوابِ في معادِه، وما يستحقُّونَهُ مِنَ العقابِ في معادِهِم)، هذا يَحتَمِلُ المعنَيينِ في تفسيرِ ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾؛ أمّا حملُهُ على يوم القيامةِ فظاهر، وأمّا على الإعادةِ إلى مكة؛ فالهدى والضلال والحقُّ والباطل، أو العِزُّ والنُّصرةُ والخِذْلانُ والذل؛ كما روينا عنِ الإمام: ﴿مَن جَاءَ بِالهُدَى﴾: الإعزازُ بالإعادةِ إلى مكة. وقالَ أهلُ التحقيق: هذا أَحَدُ ما يَدُلُّ على نُبُوّتِه؛ فإنهُ إخبارٌ عنِ الغَيْب. وقالَ مُحيي السُّنة: ربي أعلم من جاء بالهدى هذا جوابٌ لأهلِ مكةَ [لمّا قالوا] إنك في ضلال.
[ ١٢ / ١٢٤ ]
[(وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ) ٨٦]
فإن قلت: قوله (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) ما وجه الاستثناء فيه؟ قلت: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما ألقى عليك الكتاب إلا رحمةً من ربك. ويجوز أن تكون (إلا) بمعنى (لكن) للاستدراك، أى: ولكن لرحمة من ربك ألقى إليك.
[(وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ الله بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ٨٧]
وقرئ: (يصدنك)، من أصدّه بمعنى صدّه، وهي في لغة كلب. وقال:
أناس أصدوا النّاس بالسّيف عنهم … صدود السّواقى عن أنوف الحوائم
_________________
(١) ـ قولُه: (محمولٌ على المعنى)، يعني: مَنْ رأى نفسَهُ أهلًا لشيءٍ وأُشعِرَ بأمارةٍ أو تَوهّمَ مَخيلةً رُبما تعلّقَ رجاؤُهُ بحصولِه؛ فإذا نُفِيَ الرجاءُ انتفى حصولُهُ بالكلية؛ فكانَ معنى ﴿ومَا كُنتَ تَرْجُوا أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾: ما أُلقِيَ إليكَ الكتابُ لأمرٍ مِنَ الأمورِ إلا للرحمة؛ فانتَصَبَ ﴿رَحْمَةً﴾ على المفعولِ له. قولُه: (أناسٌ أصدُّوا الناس) البيت، السواقي: جمعُ الساقية؛ وهيَ الجماعاتُ التي تَسقِي الإبل، والحوائم: الإبلُ الغرائب، وقيل: العِطاش. والسوافي -بالفاء-: الرياح. ويُروى: «أنوفِ الخرائم» وهيَ أنوفُ الجِبال، والأولُ أصّحُّ صاحبُ «ديوانِ الأدب»: يقول: صَرَفوا الناسَ بالسيفِ عنْ أنفُسِهِم؛ يعني أنَّهمْ هَزَمُوهُمْ كما تَطْرُدُ السواقي غرائبَ الإبلِ عنْ إبِلِهِم، وكما يصدُّ السُّقاةُ عنِ الحوضِ غيرَها.
[ ١٢ / ١٢٥ ]
(بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) بعد وقت إنزاله، و(إذ) تضاف إليه أسماء الزمان، كقولك: حينئذٍ وليلتئذٍ ويومئذٍ وما أشبه ذلك. والنهى عن مظاهرة الكافرين ونحو ذلك من باب التهييج الذي سبق ذكره.
[(وَلا تَدْعُ مَعَ الله إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ٨٨]
(إِلَّا وَجْهَهُ) إلا إياه. والوجه يعبر به عن الذات.
قال رسول الله ﷺ: «من قرأ "طسم القصص" كان له الأجر بعدد من صدق موسى وكذب به، ولم يبق ملك في السماوات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقا أن كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون».
_________________
(١) ـ قولُه: (﴿إِلاَّ وَجْهُهُ،﴾: إلا إيّاه)، قالَ مكي: انتصبَ «الوجه» على الاستثناء، ويجوزُ الرفعُ على الصفة؛ أي: غيرُ وجهِه. كما قال: وكلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أَخُوهُ … لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ وقالَ الإمام: فُسِّرَ الهلاكُ بالعَدَم؛ أيْ أنّ الله يُعدِمُ كلَّ شيء، وقدْ فُسِّرَ بإخراجِ الشيءِ عنْ كونِهِ مُنتَفَعًا به؛ إمّا بالإماتة، أوْ بتفريقِ الأجزاءِ وإنْ كانتْ باقية؛ كما يُقال: هلكَ الثوب، وهلكَ المتاع. وقيل: معنى كونِهِ هالكًا كونُهُ قابلًا للهلاكِ في ذاتِه. قولُه: (أنْ كلّ شيءٍ هالكٌ)، الوَجْهُ أنْ يكونَ «أن» مُخفّفةً مِنَ الثقيلة، وضميرُ الشأنِ
[ ١٢ / ١٢٦ ]
_________________
(١) ـ محذوف؛ أي: أنهُ كلُّ شيءٍ هالك؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]. تَمّتِ السُّورة، حامدًا لله ومصلِّيَا على رسوله.
[ ١٢ / ١٢٧ ]