مكية، وهي تسع وثلاثون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ • ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ • أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ • بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّ-سَوِّيَ بَنَانَهُ • بَلْ يُرِيدُ الإنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ • يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القِيَامَةِ) ١ - ٦]
إدخال «لا» النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم،
_________________
(١) سورة القيامة أربعون آية، مكية إجماعًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي قوله: (إدخال "لا" النافية على فعل القسم مُستفيض)، في "اللباب": "فيه خمسة أقوال: الأول: قول الجمهور: إن "لا" صلة كقوله: ﴿لِّئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]. الثاني: قول المبّرد: "لا" تأكيد للقسم، وأنشد: فلا وأبيك ابنة العامري البيت
[ ١٦ / ١٥٠ ]
قال امرؤ القيس:
فلا وأبيك ابنة العامري … ي لا يدعي القوم أني أفر
وقال غوية بن سلمى:
ألا نادت أمامة باحتمال … لتحزنني فلا بك ما أبالي
_________________
(١) الثالث: قول الفراء: "لا" رد لإنكار المشركين البعث. الرابع: أصله: لأقسم، اعتبارًا بقراءة ابن كثير، ثم أُشبع فظهر من الإشباع ألف. وهذا اللام تصحبه نون التوكيد في الأغلب، وقد تُفارقه. الخامس: "لا" نفي للإقسام، لأن الناس يؤكدون أخبارهم بنفي القَسَم، كما يؤكدونها بالقسم؛ فإن ذكر ترك القسم، يقوم مقام المقسم". قوله: (فلا وأبيك ابنة العامري) البيت، بعده: تميم بن مُرٍّ وأشياعها وكِندة حولي جميعًا صُبُر تميم: بدل من "القوم"، أي: لا يدعي القوم تميم أني أَفِرُّ وكندة حولي، والواو للحال، والفاء هي التي رِدف القافية مكسورة، مقابلة للباء في البيت الثاني مضمومة، وهو عيب ويسمى الإجازة. قوله: (ألا نادت أُمامة باحتمال)، قيل: "ما أبالي" جواب القسم، وقيل: "لا" زائدة، والتقدير: فَبِكِ لا أبالي. أُمامة: امرأة، والاحتمال: الارتحال، ما أبالي: ما أَكترث ولا أحتفل،
[ ١٦ / ١٥١ ]
وفائدتها توكيد القسم، وقالوا: إنها صلة، مثلها في (لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ) [الحديد: ٢٩]، وفي قوله:
في بئر لا حور سرى وما شعر
واعترضوا عليه بأنها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوله، وأجابوا بأن القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض، والاعتراض صحيح؛ لأنها لم تقع مزيدة إلا في وسط الكلام، ولكن الجواب غير سديد؛
_________________
(١) و"لا" زائدة، أي: فبحقك ما أبالي. يعني: أظهرت هذه المرأة من نفسها ارتحالًا عني لتجلب عليّ حزنًا. وفي هذه اليمين تهكم، وقيل: تمثل بهذا البيت في موت الظالم. قوله: (في بئر لا حُور سرى وما شعر)، قال أبو عبيدة: في بئر حُور. و"لا" زائدة، والحُور: الهلكة. قوله: (وأجابوا بأن القرآن في حُكم سورة واحدة)، قال الإمام: قالوا: إن القرآن كله في حُكم سورة واحدة؛ بأنه قد يُذكر الشيء في سورة، ويجيء جوابه في أخرى، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا
[ ١٦ / ١٥٢ ]
_________________
(١) الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، وجوابه في سورة أخرى، وهو قوله: ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]. والجواب أن المراد بقولهم: إن القرآن كالسورة الواحدة، في عدم التناقض؛ فأما أن يُقرن بكل آية ما يُقرن بالأخرى، فذلك غير جائز، لأنه يلزم جواز أن يُقرن بكل إثبات حرف النفي الوارد في سائر الآيات، فينقلب كل إثبات نفيًا وعكسه. وقلت: قال حمزة وسعيد بن المسيب: إن البسملة آية من الفاتحة ليس إلا، والقرآن جميعه بمنزلة سورة واحدة، كذا في "الشُّعلة". وليس في جواز ضرب بعض السور ببعض، وتخليط ألفاظ سورة بسورة، كما يفعله بعض وُعاظ زماننا. نعم، فيه جواز القول بتعلق صدر السورة التالية بخاتمة السابقة لفظًا، وجواز القول بتعلق بعض السور ببعض معنًى، كما جاء ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]، ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١]. وفي الكواشي: "لما ختم سورة النساء آمرًا بالتوحيد والعدل بين العباد، أكَّد ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وفي الحديث الذي جاء عن عثمان في اتصال "الأنفال" بـ "براءة"، شاهد صدق على ذلك. ومن قال باتصال النفي بما قبل السورة، لعلَّه ذهب إلى أنه رد لقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ
[ ١٦ / ١٥٣ ]
ألا ترى إلى امرئ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته؟ والوجه أن يقال: هي للنفي، والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظامًا له، يدلك عليه قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ • وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) [الواقعة: ٧٥ - ٧٦]، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام؛ يعني أنه يستأهل فوق ذلك.
وقيل: إن (لا) نفي لكلام ورد له قبل القسم، كأنهم أنكروا البعث فقيل: لا، أي ليس الأمر كما ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة.
_________________
(١) مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]، كما أن قوله: ﴿كَلَّا بَل لَّا يَخَافُونَ الْأخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ردع له، كأنه كما أراد، أُقسم بيوم القيامة، إنه لا يصل إلى مراده. وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ لقوله: ﴿لَّا يَخَافُونَ الْأخِرَةَ﴾، أي: لا يعتقدون الآخرة فيخافوا عقابها، والله أعلم. قوله: (والوجه أن يقال: هي للنفي)، قال الإمام: "وعلى هذا القول وقع اختيار أبي مسلم، وهو الأصح. ويمكن تقديره بأن يقال: كأنه تعالى يقول: لا أُقسم بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب، فإنه أعظم وأجل من أن يُقسم عليه بهذه الأشياء، والغرض تعظيم المقسم عليه. أو يقال: لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب، فإنه أظهر وأجلى أن تحاول إثباته بمثل هذا القسم"، وهذان القولان أحسن من قول المصنف. قوله: (إن ﴿لَآ﴾ نفي لكلام ورد له). قال أبو البقاء: " ﴿لَآ﴾: رد لكلام مُقدر، لأنهم قالوا: أنت مفتر على الله في قولك: نُبعث، فقال: ﴿لَآ﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿أُقْسِمُ﴾، وهذا كثير في الشعر؛ فإن واو العطف تأتي في مبادئ القصاد كثيرًا، يقدر هناك كلام يُعطف عليه".
[ ١٦ / ١٥٤ ]
فإن قلت: قوله تعالى (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) [النساء: ٦٥] والأبيات التي أنشدتها، المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أن «لا» التي قبل القسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له، وقدرت المقسم عليه المحذوف هاهنا منفيا، كقولك: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ)، لا تتركون سدى؟
قلت: لو قصر الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف لقى (لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ) [البلد: ١] بقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ) [التين: ٤]، وكذلك (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) [الواقعة: ٧٥]، بقوله: (إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) [الواقعة: ٧٧]؟
_________________
(١) وقال الإمام: "وفيه إشكال، لأن إعادة حرف النفي مرة أخرى في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، يقدح فيه". قوله: (﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥])، قال في تفسيره: "معناه: فوربك، و"لا" مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في ﴿لِّئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] لتأكيد وجود العلم. و﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جواب القسم. فإن قلت: هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر ﴿لَا﴾ في ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؟ قلت: يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه، وذلك قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠] "، وإليه الإشارة ها هنا بقوله: "لو قصروا الأمر على النفي دون الإثبات، لكان لهذا القول مساغ". وقد ذكرنا نظر صاحب "التقريب" فيه، حيث قال: "إنه تأكيد النفي في المنفى فقط" إلى آخره. وذكرنا كلام صاحب "الانتصاف" عليه، فلينظر هناك.
[ ١٦ / ١٥٥ ]
وقرئ: «لأقسم»، على أنّ اللام للابتداء، وأقسم خبر مبتدأ محذوف، معناه: لأنا أقسم. قالوا: ويعضده أنه في الإمام بغير ألف (بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) بالنفس المتقية التي تلوم النفوس فيه، أي في يوم القيامة، على تقصيرهن في التقوى،
_________________
(١) قوله: (وقُرئ: "لأُقسم")، قرأها قُنبل، ورواها النقاش عن أبي ربيعة عن البزي، والباقون: بالألف. قال الإمام: "تقديره: إني لأُقسم بيوم القيامة لشرفها، ولا أقسم بالنفس اللوامة لخستها". وقال ابن جني: "وهي قراءة الحسن، وروي عنه بغير ألف فيهما أيضًا. وهذه اللام لام الابتداء، أي: لأنا أقسم بيوم القيامة، وحُذف المبتدأ للعلم به". قال الإمام: "وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة، وقال: لو كان المراد هذا، لقال: لأُقسمن، لا يقال: لأفعل كذا، بل لأفعلن. وروى الواحدي جوازه عن سيبويه". وقال أبو البقاء: "ولم تصحبها النون اعتمادًا على المعنى، ولأن خبر الله صدق، فجاز أن يأتي من غير توكيد. وقيل: شُبِّهت الجملة الفعلية بالجملة الاسمية، كقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. أو اللام لام توكيد لا لام قسم، دخلت على الفعل المضارع كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [النحل: ١٢٤] ". قوله: (بالنفس المتقية التي تلوم النفوس فيه)، الراغب: "اللوم: عذل الإنسان بنسبته إلى ما
[ ١٦ / ١٥٦ ]
أو بالتي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في الإحسان. وعن الحسن: إن المؤمن لا تراه إلا لائمًا نفسه، وإن الكافر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه. وقيل: هي التي تتلوم يومئذ على ترك الازدياد إن كانت محسنة، وعلى التفريط إن كانت مسيئة. وقيل: هي نفس آدم، لم تزل تتلوم على فعلها الذي خرجت به من الجنة. وجواب القسم ما دل عليه قوله (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ)، وهو: لتبعثن.
_________________
(١) فيه لوم، قال تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، فقد قيل: هي النفس التي اكتسبت بعض الفضيلة، فتلوم صاحبها إذا ارتكب مكروهًا، فهي دون النفس المطمئنة، وقيل: بل هي النفس التي اطمأنت في ذاتها، وترشحت لتأديب غيرها؛ فهي فوق النفس المطمئنة". قوله: (وإن الكافر يمضي قُدمًا)، النهاية: "ومضى قُدمًا، أي: لم يُعرج. وفي حديث علي: نظر قدمًا أمامه، أي: لم يعرج ولم ينثن. وقد تسكن الدال، يقال: قدم بالفتح يقدم قُدمًا: أي: تَقدم". وعن بعضهم: قدمًا: أي: قُدامًا، كما يقال: مضى أُخرًا؛ أي: مستأخرًا، وهو كقوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]؛ فإن المؤمن يمتنع ويقف، بخلاف الكافر فإنه يريد ليفجر أمامه. قوله: (على التفريط إن كانت مُسيئة)، روى السُّلمي عن سهل: "النفس اللوامة: هي النفس الأمارة بالسوء، وهي قرينة الحرص والأمل. وعن أبي بكر الوراق: النفس كافرة في وقت، منافقة في وقت، مرائية في وقت، وعلى الأحوال كلها هي كافرة، لأنها لا تألف الحق أبدًا، وهي منافقة لأنها لا تفي بالوعد، وهي مُرائية لأنها لا تحب أن تعمل عملًا، ولا تخطو خطوة إلا لرؤية الخلق؛ فمن كان هذه صفاته، فهي حقيقة بدوام الملامة لها".
[ ١٦ / ١٥٧ ]
وقرأ قتادة: «أن لن نجمع عظامه» على البناء للمفعول، والمعنى: نجمعها بعد تفرقها ورجوعها رميمًا ورفاتًا مختلطًا بالتراب، وبعد ما سفتها الرياح وطيرتها في أباعد الأرض. وقيل: إن عدي بن أبي ربيعة ختن الأخنس بن شريق، وهما اللذان كان رسول الله ﷺ يقول فيهما: «اللهم اكفني جاري السوء»، قال لرسول الله ﷺ: يا محمد، حدثني عن يوم القيامة متى يكون وكيف أمره؟ فأخبره رسول الله ﷺ؛ فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أو من به، أو يجمع الله العظام؟ فنزلت.
(بَلَى) أوجبت ما بعد النفي وهو الجمع، فكأنه قيل: (بَلَى) نجمعها، و(قَادِرِينَ) حال من الضمير في (نَّجْمَعَ)، أي: نجمع العظام قادرين على تأليف جميعها وإعادتها إلى التركيب الأول إلى أن نسوي بنانه، أي: أصابعه التي هي أطرافه، وآخر ما يتم به خلقه، أو على أن نسوي بنانه، ونضم سلامياته على صغرها ولطافتها بعضها إلى بعض، كما كانت أولا من غير نقصان ولا تفاوت، فكيف بكبار العظام؟
_________________
(١) قوله: (﴿بَلَى﴾: أوجبت ما بعد النفي، وهو الجمع)، لأن ﴿بَلَى﴾ وقعت موقع الفعل المحذوف. قوله: (و﴿قَادِرِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿نَّجْمَعَ﴾)، وهي حال مقررة لما أُوجب بعد النفي: إما مكملة له على سبيل الترقي كما قال: (قادرين على تأليف جمعها)، إلى قوله: "على أن نُسوي بنانه"، أو واردة مبالغة كما قال: "فكيف بكبار العظام؟ "، أو مُوبخة كما قال: "أي نجعلها مُستوية كخُف البعير وحافر الحمار"، على أسلوب قوله تعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨]، في جواب قوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [الصافات: ١٦] الآية. قوله: (سُلامياته)، النهاية: "السلامي: هي الأُنملة، من أنامل الأصابع. وقيل: واحده وجمعه سواء، ويجمع على: سُلاميات، وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان".
[ ١٦ / ١٥٨ ]
وقيل: معناه: بلى نجمعها ونحن قادرون على أن نسوي أصابع يديه ورجليه، أي نجعلها مستوية شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار لا تفرق بينها، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئاٍ مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال، والبسط والقبض، والتأنى لما يريد من الحوائج. وقرئ «قادرون»، أي: نحن قادرون. (بَلْ يُرِيدُ) عطف على (أَيَحْسَبُ)، فيجوز أن يكون مثله استفهامًا، وأن يكون إيجابًا على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر. أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه.
_________________
(١) قوله: (﴿بَلْ يُرِيدُ﴾)، عطف على ﴿أَيَحْسَبُ﴾. قيل: يجوز أن يكون عطفًا: إما على ﴿أَيَحْسَبُ﴾ بالهمزة، فلا يكون استفهامًا على سبيل التقرير، بل يكون إيجابًا. أو على "يحسب" بدون الهمزة، فيكون مثله استفهامًا. وقلت: معنى قوله: "وأن يكون إيجابًا"، أي: لا يكون استفهامًا مثله، للإنكار المفيد للنفي؛ وهو إما أن يكون استفهامًا على سبيل التقرير فيكون موجبًا، أو لا يكون استفهامًا، بل يكون جملة خبرية موجبة. والمعنى على الأول: ليس الأمر كما ظن وحسب، بل ليس كما أراد واشتهى. وعلى الثاني: أحسب ذلك؟ بل يريد هذا. أي: يدع ذلك الحُسبان الباطل، بل ارتكب أمرًا أعظم من ذلك. يعني: ليست إرادته في ذلك الحُسبان مُجرد إنكار البعث، بل غرضه الاشتغال بالشهوات والانهماك في الخلاعة والفجور دائمًا. وفيه أنه عالم بوقوع الحشر لكنه مُغتاب. وسنبين إن شاء الله تعالى أن هذا هو الوجه في الآية. قوله: (﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: ليدوم على فجوره)، وإفادة ﴿لِيَفْجُرَ﴾، وهو مُستقبل، لمعنى الدوام والاستمرار: لاقترانه مع الإنسان، وانه للجنس يعني: من شأنه ذلك وجبلته يقتضي حُب الشهوات إلا من عصمه الله، لقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية؛ ولذلك كرر لفظ ﴿الْإِنسَانُ﴾ وصرح به.
[ ١٦ / ١٥٩ ]
وعن سعيد بن جبير ﵁: يقدم الذنب ويؤخر التوبة، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب، حتى يأتيه الموت على شرّ أحواله وأسوأ أعماله (يَسْأَلُ) سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة في قوله (أَيَّانَ يَوْمُ القِيَامَةِ)، ونحوه: (ويَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ) [يونس: ٤٨].
[(فَإذَا بَرِقَ البَصَرُ • وخَسَفَ القَمَرُ • وجُمِعَ الشَّمْسُ والْقَمَرُ • يَقُولُ الإنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المَفَرُّ • كَلاَّ لا وزَرَ • إلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ • يُنَبَّأُ الإنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وأَخَّرَ • بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ • ولَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) ٧ - ١٥]
(بَرِقَ البَصَرُ) تحير فزعًا؛ وأصله من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره. وقرئ: «برق» من البريق، أي لمع من شدة شخوصه. وقرأ أبو السمال: «بلق» إذا انفتح وانفرج. يقال: بلق الباب وأبلقته وبلقته: فتحته (وخَسَفَ القَمَرُ) وذهب ضوؤه، أو ذهب بنفسه. وقرئ: «وخسف» على البناء للمفعول (وجُمِعَ الشَّمْسُ والْقَمَرُ) حيث يطلعهما الله من المغرب
_________________
(١) قوله: (وقُرئ: "برق"، من البريق)، قرأ نافع: بفتح الراء، والباقون: بكسرها. قوله: (برق الرجل: إذا نظر إلى البرق)، نظيره: قمر الرجل، إذا نظر إلى القمر فدهش بصره وكذلك: ذهب وبقر، إذا نظر إلى الذهب والبقر. الراغب: "البرق: لمعان السحاب، ويقال: بَرِق وأَبْرق، وبَرَق: يقال في كل ما يلمع كسيف بارق، وبَرِق: يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف، قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾، وقُرئ: بَرَقَ، وتصور منه تارة: اختلاف اللون فقيل: البُرقة، لأرض ذات أحجار مختلفة الألوان. وأخرى: ما يظهر من تجويفه، فقيل: برق فلان وأبرق، إذا تهدَّد".
[ ١٦ / ١٦٠ ]
وقيل: وجمعا في ذهاب الضوء، وقيل: يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران في النار. وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر، فيكون نار الله الكبرى (المَفَرّ) بالفتح: المصدر؛ وبالكسر: المكان. ويجوز أن يكون مصدرًا كالمرجع، وقرئ بهما
_________________
(١) قوله: (كأنهما ثوران عقيران)، النهاية: "وفي حديث كعب: أن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار. قيل: لما وصفهما الله تعالى بالسباحة في قوله ﷿: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣، يس: ٤٠]، ثم أخبر أنه يجعلهما في النار يُعذب بهما أهلها، بحيث لا يبرحانها، صارا كأنهما زمنان عقيران". وقيل: إنما شُبها بالثور للذل، ثم إذا عُقر ازداد الذل. قوله: (فيكون نار الله الكبرى)، أي: البحر، قال في قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]: "روى أن الله تعالى يجعل في يوم القيامة البحار كلها نارًا تُسجر بها نار جهنم". قوله: (﴿الْمَفَرُّ﴾ بالفتح المصدر، وبالكسر المكان)، قال ابن جني: "بالكسر قراءة ابن عباس وعكرمة والحسن". وقال الزجاج: "المفعل، من مثل جلست بفتح العين: المصدر؛ يقال: جلست مجلسًا بفتح اللام، بمعنى جلوسًا. فإذا قلت: جلست مجلسًا، فأنت تريد به المكان". فمن فتح فهو بمعنى: أين الفرار؟ ومن كسر فعلى: أين مكان الفرار.
[ ١٦ / ١٦١ ]
(كَلاَّ) ردع عن طلب المفر (لا وزَرَ) لا ملجأ، وكل ما التجأت إليه من جبل أو غيره وتخلصت به فهو وزرك (إلَى رَبِّكَ) خاصة (يَوْمَئِذٍ) مستقرّ العباد، أي استقرارهم. يعني: أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره وينصبوا إليه، أو إلى حكمه ترجع أمور العباد، لا يحكم فيها غيره، كقوله: (لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ) [غافر: ١٦]، أو إلى ربك مستقرهم، أي: موضع قرارهم من جنة أو نار، أي: مفوض ذلك إلى مشيئته، من شاء أدخله الجنة ومن شاء أدخله النار (بِمَا قَدَّمَ) من عمل عمله (و) بما (أَخَّرَ) منه لم يعمله، أو بما قدم من ماله فتصدق به، أو بما أخره فخلفه. أو بما قدم من عمل الخير والشر، وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة فعمل بها بعده. وعن مجاهد: بأول عمله وآخره، ونحوه: (فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ). (بَصِيرَةٌ) حجة بينة، وصفت بالبصارة على المجاز، كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً) [النمل: ١٣]، أو عين بصيرة
_________________
(١) قوله: (وُصفت بالبصارة على المجاز)، هذا يحتمل أن يكون من الإسناد المجازي، أو استعارة مكنية، كما في الآية المُستشهد بها. قال أبو البقاء: " ﴿الْإِنسَانُ﴾: مبتدأ، و﴿بَصِيرَةٌ﴾ خبره، و﴿عَلَى﴾ مُتعلقة بالخبر. والتأنيث للمبالغة، أي: بصير على نفسه، أو على المعنى، أي: حُجَّة بصيرة على نفسه، ونُسب الإبصار إلى الحجة على أنها دالة. وقيل: بصيرة هنا مصدر، أي: ذو بصيرة، ولا يصح إلا على التَّبيين". قوله: (أو عين بصيرة)، وفي الأول: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ خبر عن ﴿الْإِنسَانُ﴾، وعلى الثاني: يُحتمل أن تكون ﴿بَصِيرَةٌ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿عَلَى نَفْسِهِي﴾، والجملة خبر، كقوله: زيد على رأسه عمامة. والبصيرة على هذا الوجه: الملك الموكل، أو جوارحه. ويُحتمل أن تكون "عين بصيرة" خبرًا، ويتعلق قوله: "والمعنى" بالوجهين. وفي قوله: "عين بصيرة" تجريد؛ جُرِّد من الإنسان عين، أي: جاسوس ذو بصيرة، وإليه الإشارة بقوله: "ففيه ما يُجزي عن الإنباء". والضمير في "عليها" للنفس وإن لم يجر لها ذكر، ولذلك قال: "بما عملت".
[ ١٦ / ١٦٢ ]
والمعنى أنه ينبأ بأعماله وإن لم ينبأ، ففيه ما يجزئ عن الإنباء؛ لأنه شاهد عليها بما عملت؛ لأن جوارحه تنطق بذلك (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النور: ٢٤]. (ولَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها. وعن الضحاك: ولو أرخى ستوره، وقال: المعاذير: الستور، واحدها معذار، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب.
فإن قلت: أليس قياس المعذرة أن تجمع معاذر لا معاذير؟ قلت: المعاذير ليس بجمع معذرة، إنما هو اسم جمع لها، ونحوه: المناكير في المنكر.
[(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ • إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ • فَإذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ • ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ • كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ • وتَذَرُونَ الآخِرَةَ • وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ • إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ • ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ • تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) ١٦ - ٢٥]
والضمير في (بِهِ) للقرآن. وكان رسول الله ﷺ إذا لقن الوحي نازع جبريل القراءة، ولم يصبر إلى أن يتمها، مسارعة إلى الحفظ وخوفًا من أن يتفلت منه،
_________________
(١) قوله: (فإن صح، فلأنه يمنع رؤية المُحتجب)، قال محيي السنة: "هو قول الضحاك والسُّدي. وأهل اليمن يسمون معذارًا، أي: إن أسبل الستر وأغلق الباب ليُخفي ما يعمل، فإن نفسه شاهدة عليه". قوله: (المعاذير ليس بجمع معذرة)، قال صاحب "الفرائد": "يمكن أن يقال: الأصل فيه معاذر، فحصلت الياء بإشباع الكسر، وكذا المناكير". قوله: (إذا لُقِّن الوحي نازع جبريل)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن ابن عباس، في الآية، قال: "كان النبي؟ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يُحرك به شفتيه، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. قال: جمعه في صدرك،
[ ١٦ / ١٦٣ ]
فأمر بأن يستنصت له ملقيًا إليه بقلبه وسمعه، حتى يقضى إليه وحيه، ثم يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه. والمعنى: لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل صلوات الله عليه يقرأ. (لِتَعْجَلَ بِهِ) لتأخذه على عجلة، ولئلا يتفلت منك. ثم علل النهي عن العجلة بقوله: (إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) في صدرك، وإثبات قراءته في لسانك (فَإذَا قَرَانَاهُ) جعل قراءة جبريل قراءته؛ والقرآن: القراءة (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) فكن مقفيا له فيه ولا تراسله،
_________________
(١) ثم تقرؤه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. قال: فاستمع وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله؟، إذا أتاه جبريل ﵇ بعد ذلك استمع، فإذا انطلق قرأه كما أقرأه". وفي رواية: كما وعده الله ﷿. قوله: (والقرآن: القراءة)، الراغب: "القرآن في الأصل مصدر كرجحان، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، قال ابن عباس: إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به. وقد خُص بالكتاب المنزل على محمد صلوات الله عليه وسلامه، وصار له كالعلم. قال بعض العلماء: تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين كُتب الله ﷿، لكونه جامعًا لثمرة كُتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم، كما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١]، وقوله: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧]. قوله: (ولا تراسله)، أي: لا تكن رسيلًا له. الأساس: "هو رسيله في الغناء، أي: يباريه في إرساله. قيل: رسيل الرجل: الذي يراسله في نضالٍ أو غيره".
[ ١٦ / ١٦٤ ]
وطأمن نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ، فنحن في ضمان تحفيظه (ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) إذا أشكل عليك شيء من معانيه، كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعا، كما ترى بعض الحراص على العلم؛ ونحوه (ولا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إلَيْكَ وحْيُهُ) [طه: ١١٤]، (كَلاَّ) ردع لرسول الله ﷺ عن عادة العجلة وإنكار لها عليه، وحث على الأناة والتؤدة، وقد بالغ في ذلك بإتباعه قوله (بَلْ تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ) كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم، لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون العاجلة (وتَذَرُونَ الآخِرَةَ)، وقرئ بالياء وهو أبلغ.
فإن قلت: كيف اتصل قوله (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ) [القيامة: ١٦] إلى آخره، بذكر القيامة؟
قلت: اتصاله به من جهة هذا للتخلص منه، إلى التوبيخ بحب العاجلة، وترك الاهتمام بالآخرة. الوجه: عبارة عن الجملة، والناضرة: من نضرة النعيم (إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول،
_________________
(١) قوله: (وطَأمن نفسك)، الجوهري: "طأمنت منه: سكنت". قوله: (وقُرئ بالياء)، نافع والكوفيون: تحبون وتذرون، فيهما بالتاء الفوقانية، والباقون بالياء. وكونه أبلغ، للالتفات بعد تعميم الخطاب؛ قال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِي﴾، ثم عم وقال: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾، وعلى الغيبة: يُغني من شأن بني آدم العجلة. قوله: (اتصاله به من جهة هذا للتخلص منه، إلى التوبيخ بحب العاجلة وترك الاهتمام بالآخرة)، فإن قلت: جوابه غير مطابق للسؤال: سأل عن كيفية اتصال ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ بذكر القيامة، وأجاب عن سبب اتصالهما حيث قال: اتصاله به من جهة هذا للتخلص منه.
[ ١٦ / ١٦٥ ]
_________________
(١) قلت: الجواب من بليغ الكلام وفصيحه، لأنه منطبق على الجواب مع فوائد أخرى، وهو على أسلوب سؤال الكفرة لمؤمني قوم صالح ﵇: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥]. أي: إرساله أمر معلوم مكشوف لا كلام فيه، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به. يعني: اتصاله به أمر ظاهر، إنما السؤال عن اتصال هذا التوبيخ، وهو ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾، بحديث يوم القيامة. وخلاصة الجواب، إن اتصال الثاني بالأول من جهة أن يتخلص منه إلى الكلام الثالث. والتخلص هو الانتقال من نوع كلام إلى آخر برابطة مناسبة لهما، ولو لم تكن الرابطة مشتملة على معنى الكلامين لم تصلح للربط. والذي يشتمل عليه الكلام الأول والثاني والثالث من المعنى، هو الاهتمام بعاجل الأمر دون الآجل منه، وهذا المعنى في الكلام الثالث ظاهر. أما في الأول، فكما سبق في تفسير قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، على أن يكون إضرابًا لما سبق إلى موجب؛ لأن من اشتغل بلذات هذا الأدنى، لا يريد الآجل ولا يؤثره عليها، كأنه قيل: انظر إلى هؤلاء وعظيم ما ارتكبوه، حيث آثروا الحياة الدنيا على نعيم العُقبى، واعتبر من حالهم، ولا تقتف آثارهم، بأنه تهتم بعاجل الحال، وتستعجل في أخذ القرآن، وتُنازع جبريل في القراءة خوفًا من فواتها، ولا تنظر إلى آجلها، لأنا ضمنا أن نحفظه عليك: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وتكلَّفنا جمعه وقرآنه، ثم عم الخطاب بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾، أي: بل أنتم يا بني آدم، لأنكم خُلقتم من عَجل تعجلون في كل شيء، ومن ثم تُحبون العاجلة وتذرون الآخرة.
[ ١٦ / ١٦٦ ]
_________________
(١) وأما كيفية التخلص، فهو أنه ﷿، لما ساق حديث القيامة، وكان حديثًا مُتضمنًا للمعنى المذكور، عن بجانبه الأقدس حديث آخر لنبيه صلوات الله عليه، وهو عادته من العجلة، فأراد أن يردعه على وجه لا يُوحشه ولا ينفره، قال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾، وإليه الإشارة بقوله: (﴿كَلَّا﴾ ردع لرسول الله؟ عن عادة العجلة، وإنكار لها عليه). ولا يبعد ذلك، لأن تنزيل الآيات مُوزعًا على الأوقات، لقمع صفات البشرية عنه حالًا غب حال، تأديب من الله لحبيبه، رحمة خاصة له وعامة لأمته، ليكون خُلقُه القرآن؛ فوسط بين الكلامين حديث عجلته، وقلة أناته عند نزول القرآن، ليكون كالتمهيد لهذا الرَّدع الفظيع والإنكار الهائل؛ لله در المصنف ولطيف عباراته ودقيق إشاراته! وقريب مما ذكرنا قول الإمام: "إنه تعالى نقل عن الكفار أنهم يحبون السعادة العاجلة، وذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، وبين أن التعجيل مذموم مطلقًا، حتى التعجيل في أمور الدين، فقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِي﴾، وقال في آخر الآية: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ ". أقول قولًا إن أصاب فمن لطف الله تعالى وفيض كرمه، وإلا فأنا أستغفر الله من ذلك: إن قوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾، متصل بقوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: يقال للإنسان عند إلقاء معاذيره: كلا، إن أعذارك غير مسموعة، لأنك فجرت وفسقت، وظننت أنك تدوم على فجورك، وأن لا حشر ولا عقاب، وذلك من حبك العاجلة والإعراض عن الآخرة، وكان من عادته صلوات الله عليه، إذا لُقّن الوحي، أن ينازع جبريل القراءة ويتعجل فيها، وقد اتفق عند التلقين بالآيات السابقة، ما جرت به عادته من العجلة، فلما وصل إلى قوله: ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، أوحى الله تعالى إلى جبريل ﵇، بتأديبه في أخذ القراءة، وألقى إليه تلك
[ ١٦ / ١٦٧ ]
ألا ترى إلى قوله: (إلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ) [القيامة: ١٢]، (إلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَسَاقُ) [القيامة: ٣٠]، (إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) [السورى: ٥٣]، (وإلَى اللَّهِ المَصِيرُ) [آل عمران: ٢٨]، (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: ٢٤٥]، (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ) [هود: ٨٨]، كيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص؟ ! ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، ولا تدخل تحت العدد في محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم، فإنّ المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورًا إليه محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص،
_________________
(١) الكلمات، ثم عاد إلى إتمام ما بُدئ به بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾. مثاله الشيخ إذا لقن درسًا تلميذه وألقى فصلًا، ويراه في أثناء ذلك يستعجل ويضطرب، فيقول له: لا تعجل، فإني إذا فرغت إن كان لك إشكال أزيله، أو تخاف فوتًا فإني أكرر لك حتى أحفظكه، ثم يأخذ الشيخ في كلامه ويتمه. وقراءة "يحبون" بالياء، صريح في أن الكلام مع الإنسان، ولا يتعدى إلى غيره. وقال القاضي: "قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ اعتراض، بما يؤكد التوبيخ على حب العاجلة، لأن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو أهم الأمور وأصل الدين، فكيف بها في غيره؟ وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، أي: بيان ما أُشكل عليك من معانيه، دليل على جواز تأخير البيان من وقت الخطاب". قوله: (مُحال). خبر لقوله: "اختصاصه بنظرهم إليه"، وقوله: "لو كان منطورًا إليه" جملة مُعترضة، وقوله: "فوجب حمله" جزاء شرط محذوف، يعني أنا لو فرضنا أنه تعالى منظور إليه مع أن العقل يأباه، فإن اللفظ أيضًا لا يُساعد عليه. يعني: دل تقديم قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ على
[ ١٦ / ١٦٨ ]
_________________
(١) قوله: ﴿نَاظِرَةٌ﴾ على الاختصاص، ولا بد من حمله على معنى يصح معه الاختصاص، فإذا حملناه على الحقيقة، وهي النظر إلى وجهه الكريم، لا يستقيم المعنى؛ لأن المنظور إليه حينئذ أشياء لا يحيط بها الوصف، فإذا كان كذلك يجب أن يحمل على المجاز، وهو التوقع والرجاء وهو صحيح، لأنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة حينئذ من غيره. وأجاب صاحب "التقريب": "إنما خُص به مع أنهم ناظرون إلى أشياء، لأن نظرهم إلى وجهه الكريم يباين النظر، فذلك النظر يختص به". وقال صاحب "الفرائد": "استدلال ضعيف، لاحتمال أن يكون المراد: أن رؤيتك نعمة زائدة على النعمة منك، ولا يلزم من الاختصاص اللازم من التقديم، أن لا ينظروا يومئذ إلى الله، بل يلزم أن لا ينظروا يومئذ إذا رأوا الله ﷿ في ذلك اليوم إلى شيء غيره، ولأن التوقع الذي ذكر لا يختص بذلك اليوم، ولأن المقام مقام الوعد والجزاء الحسن، فلا يليق ما ذكر. وكيف وقد نُقل عن النبي؟، أنه قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله ﷿: تُريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم"". وقلت: الحديث أخرجه مسلم والترمذي عن صهيب. وكيف يستبعد هذا، والعارفون في الدنيا ربما استغرقوا في بحار الحب، بحيث لم يلتفتوا إلى الكون؟ وذلك في مقام الغرق،
[ ١٦ / ١٦٩ ]
_________________
(١) وهو انسداد مسالك الالتفات من القلب، باستيلاء أنوار الكشف عليه قد شغفها حُبًا، قال: فلما استبان الصبح أدرج ضوؤه بإسفاره أنوار ضوء الكواكب تجرعتهم كأسًا لو ابتلى اللظى بتجريعه، طارت كأسرع ذاهب أنشدهما صاحب "الرسالة". وقال الإمام: "لا يمكن حمل النظر على الانتظار، لأن لذة الانتظار مع يقين الوقوع حاصلة في الدنيا، ولا بد أن يحصل في الآخرة شيء أزيد منه في معرض الترغيب في الآخرة، وليس ذلك إلا النظر إلى وجهه الكريم". وقلت: استدلاله بالتقديم ضعيف، إذ ليس كل تقديم مفيدًا للاختصاص، بل يكون لمجرد الاهتمام، مع أن الحديث الذي رويناه مؤذن به، وهو قوله: "فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم"، وحديث جابر "فنظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم"، رواه ابن ماجه، أو لرعاية الفواصل، والفاصلة: ناضرة، باسرة، فاقرة، مع أن النظم لا يساعد إلا على الرؤية. قال أبو البقاء: ﴿وُجُوهٌ﴾: مبتدأ، و﴿نَّاضِرَةٌ﴾ خبره. وجاز الابتداء بالنكرة لحصول الفائدة، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف للخبر. ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا، أي: ثم وجوه، و﴿نَّاضِرَةٌ﴾ صفة". يعني: كيف يَلَذُّ العيش في الدنيا، ووثم ما ذكر. وتحريره: أنه تعالى لما ذكر ردعهم بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (وَتَذَرُونَ الْأخِرَةَ﴾، عقب ذلك بيان حسن عاقبة حب الآخرة، وسوء مغبة حب العاجلة. يعني: كيف يذر العاقل مثل تلك
[ ١٦ / ١٧٠ ]
والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بى، تريد معنى التوقع والرجاء، ومنه قول القائل:
وإذا نظرت إليك من ملك … والبحر دونك زدتني نعما
_________________
(١) المسرة التي ليس دونها شيء، بدلًا من هذه اللذة الخسيسة الدَّنيئة؟ أم كيف يُنضر وجهه بهذا السرور، ووراءه ذلك البسور؟ وأما الانتظار الذي ذكره، فهو معدود من جمله قولهم: الانتظار موت أحمر. ومما ينصر مذهب أهل السنة تفسير أعلم البرية، على ما رويناه عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عمر ﵁، أن رسول الله؟، قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة، لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسروره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غُدوة وعشية، ثم قرأ رسول الله؟: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ". وروي أنه سئل مالك عن من قال: إلى ثواب ربها ناظرة؟ فقال: كذب، لو كان هذا صحيحًا لما أغاظ الكفار بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. وروى السُّلمي عن أبي سليمان الداراني: "لو لم يكن لأهل المعرفة سرور، إلا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، لاكتفوا به. وأي سرور أتم من وصول المحب إلى حبيبه، والعارف إلى معروفه؟ ". قوله: (وإذا نظرت إليك) البيت، "من" - في قوله: "من ملك" -: تجريدية. قوله: "والبحر دونك": مُعترضة، يحتمل وجهين: أحدهما: البحر بيني وبينك، وثانيهما: أن البحر
[ ١٦ / ١٧١ ]
وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقائلهم، تقول: عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه. والباسر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه، ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلو حه. (تَظُنُّ) تتوقع أن يفعل بها فعل هو في شدته وفظاعته (فَاقِرَةٌ) داهية تقصم فقار الظهر، كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير.
[(كَلاَّ إذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ • وقِيلَ مَنْ رَاقٍ • وظَنَّ أَنَّهُ الفِرَاقُ • والْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ • إلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَسَاقُ) ٢٦ - ٣٠]
_________________
(١) أقل منك في الجود، وحينئذ لا يصلح للاستشهاد، وهذا أرجح، قال السجاوندي: "ولا حجة لهم في الشعر، لأن النظر بمعنى التأمل، لا يطلع عليه مخلوق، ولذلك قال: زدتني نعما". وقال القاضي: "النظر في البيت بمعنى السؤال، فإن الانتظار لا يستوجب العطاء، ولأن النظر بمعنى الانتظار لا يُعدى بـ "إلى"، على أن الانتظار لا يُسند إلى الوجه". قوله: (سمعت سروية)، النهاية: "السَّر ومحلة في حمير". مُستجدية: مُستعطية، سائلة. قوله: (كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير)، يُريد: دل معنى التقابل بين الفقرتين، يعني: ناظرة وتظن، على معنى التوقع، وحُمل النظر عليه. وقلت: الظن هاهنا بمعنى اليقين، لأن الكافر لا يتوقه الشر حينئذ، بل يتيقنه عين اليقين، ولأن الفاقرة هي الداهية، فلا تُقابل إلا بما ينتهي غاية النعمة، وليس وراء النظر نعمة، رزقنا الله ﷿ ما نرجوه الآن بفضله وكرمه.
[ ١٦ / ١٧٢ ]
(كَلاَّ) ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة، كأنه قيل: ارتدعوا عن ذلك، وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم، وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين. والضمير في (بَلَغَتِ) للنفس وإن لم يجر لها ذكر، لأن الكلام الذي وقعت فيه يدل عليها، كما قال حاتم:
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصّدر
وتقول العرب: أرسلت، يريدون: جاء المطر، ولا تكاد تسمعهم يذكرون السماء. (التَّرَاقِيَ) العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال؛ ذكرهم صعوبة الموت الذي هو أول مراحل الآخرة حين تبلغ الروح التراقي، ودنا زهوقها، وقال حاضرو صاحبها وهو المحتضر بعضهم لبعض: (مَنْ رَاقٍ) أيكم يرقيه مما به؟
_________________
(١) قوله: (أماوي ما يُغني) البيت، ماوي: اسم امرأة، شُبهت بالماء لصفائها، والنسبة إلى الماء: ماوي ومائي، كما يُقال: كساوي وكسائي. وهي ماوية بنت عفرز، وكانت ملكة وهي تحت حاتم. الحشرجة: الغرغرة عند الموت، والثراء: الغنى والثروة، والضمير في "حشرجت" للنفس. قوله: (لثُغرة النَّحر)، الجوهري: "الثُّغرة بالضم: نُقرة النحر التي بين التُّرقُوتين". قوله: (وقال حاضر وصاحبها)، تفسير لقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾، أي: القائلون هم الذين حضروا صاحب الروح التي تُزهق، يقول بعضهم لبعض: من راقٍ؟ أي: أيكم يرقيه رُقية مما به؟ فقوله: "بعضهم لبعض" بدل من "حاضر وصاحبها"، وقوله: "وهو المحتضر" اعتراض بين البدل والمُبدل، تفسير لـ "صاحبها"، و﴿مَنْ رَاقٍ﴾ مقول لقوله "قال".
[ ١٦ / ١٧٣ ]
وقيل: هو من كلام ملائكة الموت: أيكم يرقى بروحه؟ ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ (وظَنَّ) المحتضر (أَنَّهُ الفِرَاقُ) أن هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا المحبوبة (والْتَفَّتِ) ساقه بساقه والتوت عليها عند علز الموت. وعن قتادة: أي: ماتت رجلاه فلا تحملانه، وقد كان عليهما جوالًا. وقيل: شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة، على أن الساق مثل في الشدة. وعن سعيد بن المسيب: هما ساقاه حين تلفان في أكفانه (السَّاقُ) أي: يساق إلى الله وإلى حكمه.
[(فَلا صَدَّقَ ولا صَلَّى • ولَكِن كَذَّبَ وتَوَلَّى • ثُمَّ ذَهَبَ إلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى • أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) ٣١ - ٣٥]
(فَلا صَدَّقَ ولا صَلَّى) يعني: الإنسان في قوله (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ) [القيامة: ٣]، ألا ترى إلى قوله (أَيَحْسَبُ الإنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) [القيامة: ٣٦]،
_________________
(١) قوله: (عَلّزِ الموت)، الجوهري: "العَلَزُ: قلق وخفة وهلع يصيب الإنسان". قوله: (على أن الساق مثل في الشدة)، أي: قيل هذا القول بناء على أن الساق عبارة عن الشدة. الراغب: "قيل: أراد التفاف البلية بالبلية، نحو: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، من قولهم: كشفت الحرب عن ساقها. وقال بعضهم: هو إشارة إلى الشدة، وهو أن يموت الولد في بطن الناقة، فيُدخل المذَمِّر يده في رحمها، فيأخذ بساقه، فيخرجه. ثم جُعل لكل أمر فظيع". قوله: (﴿فَلَا صَدَّقَ﴾، يعني: الإنسان)، يُريد أن فاعل ﴿فَلَا صَدَّقَ﴾، هو الإنسان المذكور
[ ١٦ / ١٧٤ ]
وهو معطوف على (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القِيَامَةِ) [القيامة: ٦]، أي: لا يؤمن بالبعث، فلا صدق بالرسول والقرآن، ولا صلى، ويجوز أن يراد: فلا صدق ماله، بمعنى: فلا زكاه. وقيل: نزلت في أبى جهل. (يَتَمَطَّى) يتبختر. وأصله يتمطط، أي: يتمدد، لأن المتبختر يمد خطاه. وقيل: هو من المطا وهو الظهر، لأنه يلويه. وفي الحديث: «إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم، فقد جعل بأسهم بينهم» يعني: كذب برسول الله ﷺ وتولى عنه وأعرض،
_________________
(١) في أول السورة عند قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾، بدليل قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، لأنه تكرير للمعنى بعد طول الكلام. فعلى هذا، عطفت هذه الجملة على جملة قوله: ﴿يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾، تعجبًا من حال الإنسان. يعني: سأل أيان يوم القيامة، ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، أي: يسأل، وما استعد له إلا ما يوجب دماره وهلاكه. وأما قوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾، فجواب عن السؤال، وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ يخلص إلى ما استطرد من أحوال النبي؟، أُقحم الجواب بين المعطوف والمعطوف عليه لشدة الاهتمام. قوله: (إذا مشت أمتي المُطيطاء) الحديث، أخرجه الترمذي عن ابن عمر، وفي آخره: "سُلِّطَ شِرارها على خيارها". النهاية: "المُطيطاء، بالمد والقصر: مشية فيها تبختر ومد اليدين، يقال: مطوت ومططت بمعنى مددت، وهي من المُصغَّرات التي لم يُستعمل لها مُكبَّر". وقيل: هذا الحديث من دلائل النبوة، لأنه إخبار بالغيب وقد وافق الواقع؛ فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم، أخذوا أموالهم وسبوا ذراريهم فاستخدموهم، فسلط الله قتلة عثمان ﵁ حتى قتلوه، ثم سلَّط بني أمية على بني هاشم.
[ ١٦ / ١٧٥ ]
ثم ذهب إلى قومه يتبختر افتخارًا بذلك (أَوْلَى لَكَ) بمعنى: ويل لك، وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره.
[(أَيَحْسَبُ الإنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى • أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى • ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى • فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثَى • أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أن يُحْيِيَ المَوْتَى) ٣٦ - ٤٠]
_________________
(١) قوله: (﴿أَوْلَى لَكَ﴾، بمعنى: ويل لك)، وقال القاضي: "قيل: هو أفعل، من الويل بعد القلب كأدنى من أدون. وقيل: أصله: أولاك الله ما تكرهه، واللام مزيدة كما في ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] ". قال الواحدي: "هذا تهديد من الله لأبي جهل، والمعنى: وليك المكروه يا أبا جهل وقَرُب منك". وقال محيي السنة: "وقيل: معناه أنك أجدر بهذا العذاب وأحق وأولى به، وقيل: هو أفعل، من الولي وهو القُرب". قال الأصمعي: معناه: قاربه ما يُهلكه، قال ثعلب: "لم يقل أحد في ﴿أَوْلَى﴾ أحسن وأصح مما قاله الأصمعي". الراغب: " ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾: كلمة تهديد وتخويف، يُخاطب بها من أشرف على هلاك، فيحث بها على التحرز، أو يُخاطب بها من نجا ذليلًا منه فينهي عن مثله ثانيًا، وأكثر ما يُستعمل مُكررًا، وكأنه حث على تأمل ما يؤول إليه أمره، ليتنبه للتحرز منه". وقال في "غُرَّة التنزيل": "اللفظة مُشتقة من: ولي يلي، إذا قَرُب منه قُرب مُجاور، فكأنه قال: الهلاك
[ ١٦ / ١٧٦ ]
(فَخَلَقَ) فقدر (فَسَوَّى) فعدل (مِنْهُ) من الإنسان (الزَّوْجَيْنِ) الصنفين (أَلَيْسَ ذَلِكَ) الذي أنشأ هذا الإنشاء (بِقَادِرٍ) على الإعادة. وروى أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأها قال: «سبحانك بلى».
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة القيامة، شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة أنه كان مؤمنًا بيوم القيامة».
_________________
(١) قريب منك قُرب مُجاور لك، بل هو أولى وأقرب. وأما تكرير اللفظ، فالأول يُراد به الهلاك في الدنيا، والثاني في الأخرى، وعلى هذا يخرج عن التكريرات [المعيبة]، فاعرفه". قوله: (كان إذا قرأها قال: "سُبحانك بلى")، عن أبي داود، عن موسى بن أبي عائشة، عن رسول الله؟ . تمت السورة بحمد الله وعونه * … * … *
[ ١٦ / ١٧٧ ]