سورة المؤمن
مكية. قال الحسن: إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛
لأن الصلوات نزلت بالمدينة، وقد قيل في الحواميم كلها:
إنها مكيات، عن ابن عباس وابن الحنفية
وهي خمس وثمانون آية، وقيل: ثنتان وثمانون
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿حم (١) تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنبِ وقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ١ - ٣]
_________________
(١) ـ سورة المؤمن مكية، وهي خمس وثمانون آية، وقيل: ثنتان وثمانون آية بس الله الرحمن الرحيم ربما يوجد في بعض النسخ هذه الزيادة، وهي أن" سورة المؤمن مكية، قال الحسن: إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٥٥]؛ لأن الصلاة نزلت بالمدينة. وقد قيل في الحواميم كلها: إنها مكيات عن ابن عباس وابن الحنفية"، وكأن الرواية غير صحيحة؛ لأن الصلاة إنما فرضت بمكة بلا خلاف سنة إحدى عشرة من النبوة، وأما حديث المعراج والإسراء من المسجد الحرام من الحجر، وإيجاب فرض الصلاة خمسين كل يوم، والترجيع فيها إلى أن بلغ
[ ١٣ / ٤٥١ ]
قرئ بإمالة ألف (حا) وتفخيمها، وبتسكين الميم وفتحها. ووجه الفتح: التحريك لالتقاء الساكنين، وإيثار أخف الحركات، نحو أين وكيف، أو: النصب بإضمار"اقرأ"، ومنع الصرف للتأنيت والتعريف، أو للتعريف، وأنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل. التوب والنوب والأوب اخوات في معنى الرجوع. والطول: الفضل والزيادة، يقال: لفلان على فلان طول،
_________________
(١) ـ خمس صلوات فقد رواه الأئمة مثل البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وروي عن ابن مسعود: الحواميم ديباج القرآن. وقال أيضًا: إذا وقعت في آل حم_ أي: الحواميم_ كأني وقعت في روضات دمثات، أي: لينات الترب. قوله: (بإمالة ألف "حا" وتفخيمها)، ابن كثير وقالون وحفص وهشام بفتح الحاء في جميع الحواميم، وورش وأبو عمرو بين بين، والباقون بالإمالة وبتسكين الميم السبعة، قال الزجاج: فأما الميم فساكنة في قراءة القراء كلهم إلا عيسى بن عمر فإنه فتحها، وهو على وجهين: أحدهما أن يجعل اسمًا للسورة، وعدم صرفها؛ لأنها على لفظ الأسماء الأعجمية، نحو هابيل وقابيل، والمعنى على "اتل حم يا هذا" والأجود أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين، حيث جعله اسمًا للسورة حكاية عن حروف الهجاء. قوله: (أو النصب)، عطف على قوله: "ووجه الفتح" أي: قرئ "حم" بفتحها أو نصبها. وجه الفتح: التحريك لالتقاء الساكنين، ووجه النصب بإضمار"اقرأ" ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يعطف على التحريك، وفيه حزازة.
[ ١٣ / ٤٥٢ ]
والإفضال، يقال: طال عليه وتطويل؛ إذا تفضل. فإن قلت: كيف اختلفت هذه الصفات تعريفًا وتنكيرًا، والموصوف معرفة يقتضي أن يكون مثله معارف؟ قلت: أما ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وقَابِلِ التَّوْبِ﴾ فمعرفتان؛ لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين، وأنه يغفر الذنب ويقبل التوب الآن أو غدًا حتى يكونا في تقدير الانفضال، فيكون إضافتهما غير حقيقيه؛ وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش. وأما ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾ فأمره مشكل؛ لأنه في تقدير: شديد عقابه، لا ينفك
_________________
(١) ـ قوله: (والإفضال)، وهو عطف على "الفضل". الراغب: الطول من الأسماء المتضايفة، يقال: طويل وطوال كعريض وعراض، والجمع: طوال. وقيل: طيال، وتطاول: أظهر الطول أو الطول، قال تعالى: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص: ٤٥] والطول خص به الفضل والمن، قال تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾. قوله: (فأمره مشكيل)، قال ابن الحاجب في" الأمالي": لأن إضافته غير محضة على كل حال؛ لأنه صفة مشبهة فلا يفرق بين ماضيه وغيره، بخلاف اسم الفاعل. وقال أيضًا: في هذه الصفات إشكال آخر وهو قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فإنه معرفة فلا يحسن أن يكون صفة لقوله: ﴿مِنَ اللهِ﴾ لأنك فصلت بينه بالبدل، ولا يحسن أن يكون صفة للبدل؛ لأنه نكرة و﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ معرفة، فالأولى أن يقال: هو بدل ثان من البدل الأول، فكأنه قال: من الله العزيز العليم، من الله غافر الذنب، من الله ذي الطول. وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون ﴿شَدِيدُ﴾ بمعنى "مشدد"، كما جاء "أذين" بمعنى "مؤذن"، فتكون الإضافة محضة.
[ ١٣ / ٤٥٣ ]
من هذا التقدير، وقد جعله الزجاج بدلًا، وفي كونه بدلًا وحده بين الصفات نبو ظاهر، والوجه: أن يقال: لما صودف بين هؤلاء والمعارف هذه النكرة الواحدة، فقد آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك: قصيدة جاءت تفاعيها كلها على "مستفعلن"، فهي محكوم عليها بأنها من بحر الرجز، فإن وقع فيها جزء واحد على "متفاعلين" كانت من الكامل. ولقائل أن يقول: هي صفات، وإنما حذف الألف واللام من ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾، ليزاوج ما قبله وما بعده لفظًا، فقد غيرا وا كثيرا من كلامهم
_________________
(١) ـ وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لما كان القابل بالنظر إلى أنه شيء له القبول، لا بالنظر إلى أنه عامل، صلح أن يكون صفة له بالإضافة إلى التوبة، وكان معرفة فصلح أن يكون "الشديد" من حيث إنه شيء له الشدة لا بالنظر إلى أنه عامل صفة له لإضافة إلى التوبة، وكان "العقاب" معرفة، فعلى هذا يكون "شديد العقاب" معرفة كما أنهما معرفتان، فليتأمل. ويؤيده قول الإمام: لا نزاع في أن ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] صفتان، ومصححهما كونهما مفيدين معنى الدوام والاستمرار، فكذلك قوله: ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾ لأن صفات الله منزهة عن الحدوث والتجدد، فكونه شديد العقاب معناه كونه بحيث يشد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبدًا وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن. وقلت: نحو من هذا مر في ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وقوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]. قوله: (نبو ظاهر)، عن بعضهم: توسيط البدل بين الصفات جائز في النحو، لكنه قبيح بين علماء البيان؛ لأن الصفات تدل على أنه مقصود، والبدل يدل على أنه غير مقصود، فيلزم التناقض.
[ ١٣ / ٤٥٤ ]
عن قوانينه لأجل الازدواج، حتى قالوا: ما يعرف سحادليه من عنادليه، فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع؛ على أن الخليل قال_في قولهم: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل_: إنه على نية الألف واللام كما كان "الجماء الغفير" على نية طرح الألف واللام، ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف. ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشدة، وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار. ويجوز أن يقال: هذه النكتة هي الداعية
_________________
(١) ـ قوله: (ما يعرف سحادليه من عنادليه)، ما وجدت في الأصول له وجها سوى في الحاشية، السحادل: الذكر. والعنادلان: الخصيتان. وذكر بعضهم أنه مذكور في كتاب "الشامل في اللغة". قوله: (بالرجل خير منك … على نية الألف واللام)؛ لأنه صفة للمعرفة، يعن: إن منع لفظة من إدخال الألف واللام فهو منوي؛ لأن"أفعل من كذا" معهود بين المتكلم والمخاطب، ولذلك جاز أن يدخل ضمير الفصل بينه وبين المبتدأ. قوله: (الجماء الغفير)، عن بعضهم: إنما نصب"الجماء الغفير" على الحكاية، كما يقال: جاء القوم الجماء الغفير، أي: جما غفيرًا. وقال الميداني: قال سيبويه: هو اسم جعل مصدرًا فانتصب كانتصاب قوله: فأرسلها العراك ولم يذدها قوله: (قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشدة)، كأنه قيل: من الله غافر الذنب وقابل التوب ولا شيء أذنى من عقابه، ونظيره قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
[ ١٣ / ٤٥٥ ]
إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريقة الإبدال. فإن قلت: ما بال الواو في قوله: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾؟ قلت: فيها نكتة جليلة؛ وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها محاءة
_________________
(١) ـ [القمر: ٥٥] أي: عند مليك لا يوصف ملكه، ومقتدر لا يكتنه اقتداره، ولكن لما كانت السورة متضمنة للإنذار البليغ والدعوة إلى الإنابة والتوبة استدعى ذلك لبراعة الاستهلال أن يسلك بالأوصاف كلها طريقة الإبدال المستلزمة لتكرير العوامل؛ ليكون أنبل وأفخم. وقوله: (وهي غفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين)، قال القاضي: ويجوز أن يستدل بالواو على تغاير الوصفين؛ إذ ربما يتوهم الاتحاد وتغاير موقع الفعلين؛ لأن الغفر هو الستر فيكون الذنب باقيًا، وهو لمن لم يتب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، و"التوب" مصدر كالتوبة، وقيل: جمعها. وقلت: كأنه أراد بقوله: "تغاير موقع الفعلين رد قول المصنف، يعني: إنما جيء بالواو ليفرق بين الوصفين ويؤذن بتغاير موقع الستر والقبول، فيكون الغفران بالنسبة إلى من لم يتب، والقبول بالنسبة إلى من تاب. روى السلمي عن سهل رحمهما الله: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ﴾ أي: ساتره على من يشاء، ﴿وقَابِلِ التَّوْبِ﴾ أي: ممن تاب إليه وأخلص العمل، وعليه النظم؛ لأن تأخير القبول عن الغفران_ على أن رتبته التقديم بحسب الموجود في شخص واحد_ دل على نفي توهم الجمع فيه. الراغب: الغفر: إلباس الشيء ما يصونه عن الدنس، ومنه قيل: اغفر ثوبك في الوعاء، واصبغ ثوبك، فإنه أغفر للوسخ، والغفران والمغفرة من الله تعالى: هو أن يصون
[ ١٣ / ٤٥٦ ]
للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول. وروي: أن عمر ﵁ افتقد رجلًا ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له: تتايع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب: من عمر إلى فلان: سلام عليك، وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * حم] إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. وختم الكتاب، وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيًا. ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة. فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه! فلم يبرح يرددها حتى بكى، ثم نزع فأحسن الزوع وحسنت توبته، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم قد زل فسددوه ووقفوه، وادعوا له الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشياطين عليه.
_________________
(١) ـ العبد من أن يمسه العذاب. والاستغفار طلب ذلك بالمقال والفعال. وقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَغَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] لم يؤمروا بأن يسألوه ذلك باللسان دون الفعل، فقد قيل: الاستغفار باللسان دون الفعال فعل الكاذبين. قوله: (تتابع في هذا الشراب)، الأساس: فلان يتتايع في الأمور: يرمي بنفسه فيها من غير تثبيت. وتتايع الناس في الشر: تهافتوا. قوله: (فسددوه ووقفوه)، قيل: وقفه على الترتيب: أطلعه عليه. ويروى: " وفقوه" عن بعضهم؛ أي: ادعو الله بالسداد وبالتوفيق.
[ ١٣ / ٤٥٧ ]
[﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البِلادِ﴾ ٤]
سجل على المجادلين في آيات الله بالكفر_ والمراد: الجدال بالباطل_ من الطعن فيها، والقصد إلى إدحاض الحق وإطفاء نور الله، وقد دل على ذلك في قوله: ﴿وجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [غافر: ٥]، أما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها، ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله، وقوله ﷺ: "إن جدالًا في القرآن كفر" وإيراده منكرًا، وأن لم يقل: إن الجدال، تمييز منه بين جدال وجدال. فإن قلت: من أين تسبب لقوله: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾
_________________
(١) ـ قوله: (إن جدالًا في القرآن كفر)، هذا الحديث مذكور في "شرح السنة"، أوله: قال رسول الله ﷺ: "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراء فيه كفر". رواه أبو جهيم، وفيه أيضًا: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "المراء في القرآن كفر". قوله: (وإيراده منكرًا، وأن لم يقل: إن الجدال تمييز بين جدال وجدال)، قال الإمام: استعمال الجدال_ أي: تعديه_ بـ"في" مشعر بالجدال الباطل، واستعماله بـ"عن" مشعر بدلجدال لأجل تقريره والذب عنه، فإن الجدال نوعان: حق وباطل، أما الحق فهو حرفة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ﴿قَالُوا يًا نُوحُ قَدْ جِادِلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]. والجدال في آيات الله هو أن يقول مرة: إنه سحر، ومرة: إنه شعر، ومرة: إنه أساطير الأولين.
[ ١٣ / ٤٥٨ ]
ما قبله؟ قلت: من حيث إنهم لما كانوا مشهودًا عليهم من قبل الله بالكفر، والكافر
_________________
(١) ـ الراغب: الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من: جدلت الحبل أحكمت فتله. وجدلت البناء: أحكمته. قوله: (من حيث إنهم [لما] كانوا مشهودًا عليهم من قبل الله بالكفر)، أي: مسجلًا عليهم بالكفر في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأداة الحصر، يعني لما بالغ في الحكم بالكفر عليهم صار سببًا لأن يقال: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾؛ لأن الكافر شقي مطلقًا منغمس في لذات هذا العاجل غافل عن الآجل، وعاقبته الدمار، والعاقل لا ينظر إلى ظاهر الحال والتمتع بزهرة الحياة الدنيوية، فالفاء جواب شرط محذوف، وإليه الإشارة بقوله: "لما كانوا مشهودًا عليهم بالكفر"، والكافر لا أحد أشقى منه، وجب على من تحقق ذلك أن لا ترجح أحوالهم في عينه، ويكون قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ كالتذييل على سبيل التمثيل لجملة أحوال المجادلين الكافرين. وقلت: الظاهر أن اتصال ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾ بما قبله من حيث الإنظار والإمهال للتمتع باللذات العاجلة للاستدراج، وإلا كان حقهم أن يصب عليهم العذاب صبًا بسبب عنادهم وجدالهم الباطل ليدحضوا به الحق، أي: لا يجادل في آيات الله الظاهرة إلا المعاند المكابر، ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البِلادِ﴾ وتمتعهم أيامًا قلائل، فإنا نأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ألا ترى إلى سوء عاقبة أولئك المكذبة المجادلة من قوم نوح والأحزاب من بعدهم، فأمهلتهم ثم أخذتهم فكيف كان عقاب؟ وكذلك حقت كلمة ربك على هؤلاء الذين كفروا وجادلوا بالباطل، وأما اتصال ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ بالكلام السابق، فهو أنه تعالى لما قال: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ وفخم السورة أو الكتاب بكونه تنزيلًا من الإله المعبود الموصوف.
[ ١٣ / ٤٥٩ ]
لا أحد أشقى منه عند الله؛ وجب على من تحقق ذلك أن لا ترجح أحوالهم في عينه. ولا يغره إقباله في دنياهم وتقلبهم في البلاد بالتجارات النافقة والمكاسب المربحة، وكانت قريس كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن، ولهم الأموال يتجرون فيها ويتربحون، فإن مصير ذلك وعاقبته إلى الزوال، ووراءه شقاوة الأبد. ثم ضرب لتكذيبهم وعداوتهم للرسل وجدالهم بالباطل وما ادخر لهم من سوء العاقبة مثلًا: ما كان من نحو ذلك من الأمم، وما أخذهم به من عقابه، وأحله بساحتهم من انتقامه.
وقرئ: (لا يغرك).
[﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَاخُذُوهُ وجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ٥]
﴿والأَحْزَابُ﴾ الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم؛ وهم: عاد وثمود وفرعون وغيرهم، ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب
_________________
(١) ـ بصفات العلم الكلي والعز الغالب، والجامع بين غفران الذنب وقبول التوبة، المتفرد بالعقاب الذي لا يكتنه كنهه، وبالإفضال الذي لا يقادر قدره قال: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: ما يجادل في مثل هذا الكتاب الذي اشتمل على الآيات البينات إبانة وإعجازًا المنزل من مثل ذلك الموصوف بنعوت الكمال إلا أمثال هؤلاء الكفرة المغروري، فلا يغرن مثلك في منصب الرسالة تقلب أولئك الأنعام المنغمسين في هذا الحطام. فقوله: ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾ مظهر أقيم مقام المضمر للتعظيم والتفخيم. قوله: (ما كان من نحو ذلك)، قيل: هو مفعول ثان ل"ضرب"، وقيل: بدل من"مثلًا". والأحسن أن يكون مفعولًا أول؛ لأن المعنى: ضرب ما وجد من نحو ذلك من لأمم "وأحله بساحتهم" عطف على"أخذهم" والضمير راجع إلى "ما"، ومن انتقامه " XXXX
[ ١٣ / ٤٦٠ ]
﴿بِرَسُولِهِمْ﴾، وقرئ: (برسولها)، ﴿لِيَاخُذُوهُ﴾: ليتمكنوا منه، ومن الإيقاع به وإصابته بما أرادوا من تعذيب أو قتل. ويقال للأسير: أخيذ. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ يعني أنهم قصدوا أخذه، فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه أن أخذتهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ فإنكم تمرون على بلادهم ومساكنهم فتعاينون أثر ذلك. وهذا تقرير فيه معنى التعجيب.
[﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ٦]
﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ في محل الرفع بدل من ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، أي: مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار. ومعناه: كما وجب إهلاكهم
_________________
(١) ـ قوله: (﴿لِيَاخُذُوهُ﴾: ليتمكنوا منه)، يريد أن يقوله: ﴿لِيَاخُذُوهُ﴾ كناية عن عن القتل والتعذيب؛ لأنهم ما اهتموا بالأخذ المتعارف، قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] ولا قتضاء مقام التسلي. وقوله: "ليتمكنوا منه" بيان لا ستلزم الأخذ القتل. قوله: (فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه)، "على" صلة"جزائهم"، أي: جازيتهم على إرادة أخذهم الرسول. فإن قلت: الظاهر أن قوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ جزاء لتكذبيهم واهتمامهم بأخذ الرسول والجدال بالبناطل، لا سيما وأصل الكلام في الجدال لقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فكيف جعله جزاء لقوله: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَاخُذُوهُ﴾؟ قلت: السؤال ظاهر، والجواب مشكل، ويمكن أن يقال: إن تكذيبهم وجدالهم كان للحسد، وأن مثل ذلك الرسول لا ينبغي أن يكون موطًا العقب، فلن يتخلصوا منه إلا بالقتل، فجعل ذلك أخذًا في الاعتبار تغليبًا أو مشاكلة، وإنما اعتبر هذا لا ما سيق له الكلام من المجادلة الباطلة مزيدًا للتسلي.
[ ١٣ / ٤٦١ ]
في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة؛ أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل. و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: قريش، ومعناه: كما وجب إهلاك أولئك الأمم، كذلك وجب إهلاك هؤلاء؛ لأن علة واحدة تجمعهم أنهم من أصحاب النار
_________________
(١) ـ قوله: (أو في محل النصب)، عطف على قوله: " في محل الرفع"، وعلى الأول: المراد الأمم المذكورة في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يدل عليه قوله: " كما وجب إهلاكهم في الدنيا إلى الآخره"، والتشبيه واقع في حالتهم، والوجه الجامع للطرفين إيجاب العذاب، يعني: كما وجب عليهم عذاب الاستئصال في الدنيا؛ لأجل الكفر، كذلك وجب عليهم عذاب النار في الآخرة؛ لأجل قولنا: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. وعلى الثاني: التشبيه واقع بين حالتي أولئك الكفرة وهؤلاء الحاضرين، والوجه الجامع قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. فإن قلت: ما وجه اختصاص كل من الوجهين بما خصه؟ قلت: على الأول: الذين كفروا مظهر وضع موضع المضمر للعلية فلم يحتج إلى تعليل آخر، فأبدل ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ تقريرًا وتوكيدًا. وعلى الثاني: ليس بذلك، فاستدعى أن يكون تعليلًا على وجه يبين وجه تشبيه حالة هؤلاء بأولئك، ويحتمل أن يكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عامًا متناولًا للمذكورين وغيرهم، و"أنهم" تعليل أو بدل، فيدخل في العموم المذكورون دخولًا أوليًا، فعلى الأول: "أنهم" بدل لا غير، وعلى الثاني: تعليل. وعلى الثالث: يحتملهما. والنظم أوفق للثاني لقوله: "ثم ضرب لتكذيبهم مثلًا ما كان من نحو من الأمم". ولما فرغ من ضرب المثل وإدخال المجادلين في آيات الله المعرضين عن الإنابة إلى غافر الذنب وقابل التوب في زمرة الذين ظهرت عليهم آثار وصف شديد العقاب تذييلًا، وأراد أن يشرع في ذكر مخالفيهم من المؤمنين المخبتين المنيبين إلى قابل التوب ذي الطول، أجل قدرهم وعظم شأنهم، فاستأنف بذكر الكروبيين المقربين عنده، وجعل التخلص
[ ١٣ / ٤٦٢ ]
وقرئ: (كلمات).
[﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ * رَبَّنَا وأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدتَّهُمْ ومَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وأَزْوَاجِهِمْ وذُرِّيَّاتِهِمْ إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * وقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ٧ - ٩]
روي: أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم. وعن النبي ﷺ: "لا تتفكروا في عظم ربكم، ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة، فإن خلقًا من الملائكة يقال له: إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله، وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سماوات، وإنه ليتضاءل
_________________
(١) ـ والرابطة بينهم وبينهم الإيمان، فأدخلهم في زمرتهم لهذا الوصف، كما أدخل أولئك في زمرة الأمم السالفة لجامع الكفر، وذكر ثناءهم لهم واستغفارهم إياهم، وصرح بذكر ما به امتازوا من الفرقة السابقة بقولهم: ﴿لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾. قوله: (وقرئ"كلمات")، نافع وابن عامر: على الجمع، والباقون: بالتوحيد. قوله: (وقد مرق رأسه)، أي: جاوز وخرق وتعدى. الأساس: مرق السهم مروقا، ومن المجاز: مرق من الذين مروقًا. قوله: (ليتضاءل)، النهاية: يتضاءل: يتصاغر تواضعًا له. وتضاءل الشيء: إذا انقبض وانضم بعضه إلى بعض.
[ ١٣ / ٤٦٣ ]
من عظمة الله حتى يصير كأنه "الوصع". وفي الحديث: "إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغذوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيالً لهم على سائر الملائكة". وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة، يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مئة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. وقرأ ابن عباس: (العرش) بضم العين. فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون؟ قلت: فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله، والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح لذلك، وكما عقب أعمال الخير بقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فأبان بذلك فضل الإيمان. وفائدة أخرى؛ وهي التنبيه على أن الأمر لو كان كما تقول المجسمة، لكان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين، ولما وصفوا بالإيمان؛ لأنه إنما يوصف بالإيمان الغائب، فلما وصفوا به على سبيل
_________________
(١) ـ قوله: (الوصع)، يروى بفتح الصاد المهملة وسكونها، طائر أصغر من العصفور، والجمع: وصعان. قوله: (لو كان كما تقول المجسمة، لكان حملة العرش ومن حوله معاينين مشاهدين ولما وصفوا بالإيمان)، قال الإمام: إنهم مدحوا بوصف الإيمان، والإقرار بوجود شيء معين لا يوجب المدح، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس بكونها مضيئة لا يوجب المدح؟ ورحم الله صاحب "الكشاف"، فلو لم يحصل في الكتابه إلا هذه النكتة لكفاه شرفًا وفخرًا.
[ ١٣ / ٤٦٤ ]
الثناء عليهم، علم أن إيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء في أن إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير، وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا، وهو منزه عن صفات الأجرام. وقد روعي التناسب في قوله: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم. وفيه تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وأبعثه على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن. فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان، ولا بين سماوي وأرضي قط، ثم لما جاء جامع الإيمان جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي، حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض، قال الله تعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَنء فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]. أي: يقولون: ﴿رَبَّنَا﴾، وهذا المضمر يحتمل أن يكون بيانًا ل ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ﴾ مرفوع المحل مثله،
_________________
(١) ـ وقال صاحب "التقريب": وفي لزوم المشاهدة من الحمل واختصاص الإيمان بالغيب ولزوم استواء الإيمانين من كل وجه نظر. الانتصاف: استدلالة على أنهم لا يشاهدون؛ بقوله: "يؤمنون"؛ لا يصح؛ لأن الإيمان هو التصديق، ولا يشترط فيه غيبة المصدق به بدليل الإيمان بالآيات المشاهدة من انشقاق القمر وقلب العصا. الإنصاف: الإيمان بالآيات المشاهدة ليس إيمانًا بوجودها بل إيمان بأنها دالة على صدق النبي المتحدي بها. الانتصاف: غرض الزمخشري من هذا التقرير وقصده نفي صحة الرؤية، وقوله: "لو كانت الرؤية صحيحة لرأته حملة العرش"، لا يلزم؛ فإن الرؤية عبارة عن إدراك يخلقه الله، ويجوز أن لا يخلق لهم هذه الرؤية أو لا يرفع المانع والحجاب.
[ ١٣ / ٤٦٥ ]
وأن يكون حالًا. فإن قلت: تعالى الله عن المكان، فكيف صح أن يقال: وسع كل شيء؟ قلت: الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى، والأصل: وسع كل شيء رحمتك وعلمك، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم، وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم، كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء
_________________
(١) ـ قوله: (كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء)، أصلة نحو قول صاحب "المفتاح" في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]: إسناد الاشتعال إلى الرأس. وعليه ما روينا عن مسلم عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة فبمها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة". وإلى هذا المعنى ينظر ما جاء في سورة "الشورى": ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فإن الاستغفار فيها محمول على عموم المجاز، وهو طلب مطلق الغفران، فيراد بالاستغفار في حق المؤمنين خاصة: غفران الذنوب وإزالة العقاب في الآخر وإيصال الثواب، كما قال ها هنا: ﴿وقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾ ثم قال: ﴿رَبَّنَا وأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وفي حق الكافرين: ترك معاجلة العقاب في الدنيا بشؤم كفرهم، كما ذكر في "الفرقان" في قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]. وفي حقهما جميعًا بإدرار الرزق والارتفاق بما خلق لهم من المنافع الجمة، وبالترجم فيما بينهم. ويعضده تذييل تلك الآية بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] حيث صدره بكلمة التنبيه المؤذنة بالتحقيق، وأردفها بـ"إن" المؤكدة، وأتى بالاسم الجامع، ووسط ضمير الفصل بين المعرفتين، فإذن هذه الآية التي في سورة "المؤمن" مختصة بمن وجد منهم الإيمان بدليل العدول من المؤمنين إلى الذين آمنوا، وأما قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ
[ ١٣ / ٤٦٦ ]
فإن قلت: قد ذكر الرحمة والعلم
_________________
(١) ـ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فكالمقدمة للاستغفار والوسيلة إلى طلب الحاجة، فيجب أن يقصد العموم فيها؛ ليكون أنجح إلى المطلوب، ويعني شأنك هذا فافعل بهؤلاء خاصة في الآخرة ما هم مفتقرون إليه حينئذ، فإذن الفاء في ﴿فَاغْفِرْ﴾ مرتبة للدعاء على الوصفين. فإن قلت: جعل الرحمة علة للمغفرة ظاهر، فما بال العلم؟ قلت: معناه حققنا أن رحمتك وسعت كل شيء فاغفر للذين تابوا، وعرفنا أن علمك أحاط بكل شيء فأنجح مقاصدهم ما علموا وما لم يعلموا فإنك أعلم بأحوالهم ومصالحهم، وعليه قول الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٨ - ٣٩]، فإنه ﵇ جعل العلم وحده وسيلة إلى الطلب. قال المصنف في "تفسيره": إنك أعلم بأحوالنا وما يصلحنا ويفسدنا، وأنت أرحم بنا منا، وأنصح لنا منا بأنفسنا. تم كلامه. وهاهنا نكتة في نهاية من اللطف ولا بد من إظهارها، وهي أن الخليل ﵇ حين وصف الله تعالى بسعة العلم واستلزم ذلك سعة الرحمة واستغرق في بحار رحمته ورأى أن رحمته وسعت كل شيء، طمع في غفران والديه وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] فأدخل الكافر في الرحمة والغفران ان تناسيًا عن جواز ذلك، فضلًا عن المؤمنين. ذكر المصنف نحو هذا في سورة" التوبة" عند قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وما نحن بصدده أولى وأخرى بالرجاء، وكيف لا وقد نص الله تعالى على ذكر الرحمة والعلم، وقدم الرحمة، وأغرق في وصف ذاته تعالى بهما كما مر. قوله: (قد ذكر الرحمة والعلم)، خلاصة السؤال: أن الفاء في "فاغفر" مما يعقب بالتفصيل
[ ١٣ / ٤٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ المفصل، والمفصل مشتمل على شئين، وليس في التفصيل إلا شيء واحد. وأجاب أن العلم مندرج في قوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ ومراد فيه؛ إذ ليس المراد أنهم يستغفرون لمن آمن مطلقا كما يقتضيه مطلق قوله: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: الذين وجد منهم الإيمان، بل لمن آمن وعلم منه التوبة عن المعاصي والكفر جميعًا، كما هو قضية مذهبه، يؤيد هذا التأويل قوله في سورة "الشورى": ألا ترى إلى قوله في سورة "المؤمن": ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وحكايته عنهم: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ كيف وصفوا المستغفر لهم بما يستوجب الاستغفار؟ فما تركوا للذين آمنوا من المصدقين طمعًا في استغفارهم، فكيف بالكفرة؟ وقوله ها هنا: "ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم"، أي: في الطهارة عن أرجاس الشرك وأوضار الذنوب، والعاصي غير التائب ليس بطاهر. وقال صاحب "الانتصاف": أخطأ الزمخشري في هذا المقام من وجوه: مراعاة المصلحة، واعتقاد امتناع غفران الكبائر بلا توبة، واعتقاد وجوب التوبة على الله، وجحد الشفاعة، وأقبح ما فيه المراد بالاستغفار زيادة الكرامة، مع أن صريح المسؤول إنما هو المغفرة، ووقاية عذاب الجحيم. فأقول: إذا جعل العلم قيدًا للمذكور ولا يجعل مستقلا في الدلالة كما مر فلا طائل إذن تحت وصفه بتلك السعة والمبالغة فيها، ولا فائدة في ذكر الرحمة والإغراق فيها، وأن المغفور له إذا كان في مثل الملائكة من الطهارة فأي حاجة إلى الاستغفار؟ فضلًا عن تلك المبالغات، هذا تحجر للواسع. كما روينا عن البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة قال: قام رسول الله ﷺ في الصلاة وقمنا معه، فقال أعرابي: اللهم ارحمني
[ ١٣ / ٤٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. فلما سلم رسول الله ﷺ قال: "لقد تحجرت واسعًا"، يريد: رحمة الله. تحجرت واسعًا، أي: ضيقت، من قولهم: حجر فلان إذا اتخذ له على الأرض حجارة محدقة بها. أما قوله: "أن السيئات هي الصغائر أو الكبار المتوب عنها، والوقاية منها: التكفير"، فقد أجاب عنه الإمام: لا يجوز ذلك؛ لأن إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة عندكم واجب، وما كان فعله واجبًا كان طلبه بالدعاء عيبًا قبيحًا عندكم، وكذا إسقاط عقوبة الصغيرة واجب، فلا يحسن طلبه بالدعاء، ولا يجوز أن يكون ذلك لطلب زيادة منفعة على الثواب؛ لأن ذلك لا يسمى مغفرة. انتهى. فحينئذ يجب القول بأن المراد بالتوبة التوبة عن الشرك، كما قال الواحدي: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ من الشرك ﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أي: دينك الإسلام. فإن قلت: لو لم يكن التوبة من المعاصي مرادًا لكان يكفي أن يقولوا: فاغفر للذين آمنوا ليطابق السابق؟ قلت_ والله أعلم_: هو قريب من وضع المظهر موضع المضمر من غير اللفظ السابق، وبيانه أن قوله: ﴿رَبَّنَا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية، جاء مفصولًا عن قوله: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: الذين وجد منهم الإيمان، بيانًا لكيفية استغفارهم، كأن قيل: كيف يستغفرون للذين وجد منهم الإيمان؟ وما تلك الكلمات؟ فقيل: يقولون: ﴿رَبَّنَا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، فالآية بيان لكيفية الاستغفار لحال المستغفر لهم، ووصفهم المميز يعرف بالذوق.
[ ١٣ / ٤٦٩ ]
فوجب أن يكون ما بعد الفاء مشتملًا على حديثهما جميعًا، وما ذكر إلا الغفران وحده! قلت: معناه: فاغفر للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيلك. وسبيل الله: سبيل الحق التي نهجها لعبادة ودعا إليها. ﴿إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أي: الملك الذي لا يغلب، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئًا إلا بداعي الحكمة، وموجب حكمتك
_________________
(١) ـ وأما فائدة العدول عن المضمر وأن لم يقل: فاغفر لهم، بل قيل: ﴿لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ فهي أن الملائكة كما عللوا الغفوان في حق مفيض الخيرات بالعلم الشامل والرحمة الواسعة، عللوا الغفران في حق مفيض الخيرات بالعلم الشامل والرحمة الواسعة، عللوا قابل الفيض أيضًا بالتوبة عن الشرك واتباع سبيل الإسلام. روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن معاذ بن جبل قال: "كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له: عفير، فقال: يا معاذ، هل تدري ما حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا". وفي رواية أنس: أن نبي الله ﷺ قال: "ما من عبد يشهد أن لا إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته". فإن قلت: هذه التوبة إنما تصح في حق من سبق شركة على إسلامه، ومن ولد مسلمًا ودام عليه كيف يدخل فيه؟ قلت: الآية نازلة في زمن الصحابة، وجلهم انتقلوا من الشرك إلى الإسلام. ولو قيل: اغفر لمن لم يشرك لخرجوا. فغلب الصحابة على سنن جميع الأحكام، والله أعلم.
[ ١٣ / ٤٧٠ ]
أن تفي بوعدك. ﴿وقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: العقوبات. أو: جزاء السيئات، فحذف المضاف على أن السيئات هي الصغائر أو الكبائر المتوب عنها. والوقاية منها: التفكير، أو قبول التوبة. فإن قلت: ما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون المغفرة، والله لا يخلف الميعاد؟ قلت: هذا بمنزلة الشفاعة، وفائدته: زيادة الكرامة والثواب. وقوئ: (جنة عدن)، و: (صلح) بضم اللام، والفتح أفصح، يقال: صلح فهو صالح، وصلح فهو صليح؛ و: (ذريتهم).
[﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إذْ تُدْعَوْنَ إلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ * ذَلِكُم بِأَنَّهُ إذَا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ١٠ - ١٢]
أي: ينادون يوم القيامة، فيقال لهم: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، والتقدير: لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغني بذكرها مرة. و﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ منصوب بالمقت الأول. والمعنى: أنه يقال لهم يوم القيامة: كأن الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر، حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان، فتأبون قبوله وتختارون عليه
_________________
(١) ـ قوله: (و﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ منصوب بالمقت الأول)، قال أبو البقاء ومكي وصاحب "الكشف": ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ لا يعمل في ﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾؛ لأن المصدر إذا أخبر عنه لم يجز أن يعلق به شيء يكون في صلته؛ لأنه الإخبار عنه يؤذن بتمامه، وما يتعلق به يؤذن بنقصانه. وقال ابن الحاجب في"الأمالي": والمعنى إذا انتصب ﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ بالمقت الأول: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم في الآخرة،
[ ١٣ / ٤٧١ ]
الكفر أشد مما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذ أوقعنكم فيها باتباعكم هواهن." وعن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم، فنودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾. وقيل: معناه: لمقت الله إياكم الأن أكبر من مقت بعضكم لبعض، كقوله: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. و﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾: تعليل. والمقت: أشد البغض، فوضع في موضع أبلغ الإنكار وأشده. ﴿اثْنَتَيْنِ﴾: إماتتين وإحياءتين. أو:
_________________
(١) ـ وليس فيه من الاعتراض سوى الرق بين المصدر ومعموله بالأجنبي، وهو "أكبر" الذي هو الخبر، وهو جائز؛ لأن الظروف يتسع فيها. قوله: (و﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ تعليل)، وإنما جعله تعليلًا لا ظرفًا في هذا الوجه؛ لأنهم لم يمقتوا أنفسهم حين دعوا إلى الإيمان، وإنما مقتوها في النار، وعند ذلك لا يدعون إلى الإيمان، قاله أبو البقاء صاحب "الكشف"، وقالا: إذا بطل هذان الوجهان علمت أنه متعلق بمضمر دل عليه قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ أي: مقتكم الله حين دعيتم إلى الإيمان فكفرتم. وقلت: ولا ارتياب في تعسفه، والأحسن ما قدره مكي، حيث قال: والعامل فيه"اذكروا" أي: اذكروا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون، ونحوه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣]. قال المنصف: (وهو تحسير لهم وتنديم على ما فرطوا فيه حين دعوا إلى السجود وهم سالمو الأصلاب ممكنون مزاحو العلل).
[ ١٣ / ٤٧٢ ]
موتتين وحياتين. وأراد بالإماتتين: خلقهم أمواتًا أولًا، وإماتتهم عند انفضاء آجالهم، وبالإحياءتين: الإحياءة الأولى، وإحياءة البعث. وناهيك تفسيرًا لذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]،
_________________
(١) ـ قوله: (وناهيك تفسيرًا لذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨] الآية)، قال الإمام: احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر، وذلك أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين: موته في الدنيا، ولا بد من إثبات حياة في القبر لتحصل الموتتان، ثم قال: والسؤال عليه أنه لو كان الأمر كذلك لقد حصلت الحياة ثلاث مرات، وهذا الذي عناه المصنف بقوله: "لزمه ثلاث إحياءات" وزيفه بل تهكم بقوله: "إلا أن يتحمل فيجعل إحدى الحياتين غير معتدبها"، قال الإمام: أهملوا ذكر الحياة في القبر؛ لقلة وجودها وقصر مدتها. ثم قال المصنف: "أو يزعم أن الله تعالى يحييهم في القبور" إلى آخره. يعني: لا عذرلهم في الدفع عن إثبات ثلاث إحياءات إلا أن يزعموا هذا، وهو باطل بالاتفاق، فالا ستثناء في قوله: "إلا أن يتحمل" نحو الاستثناء في قول الأعشى: وقفت فيها أصيلًا لا أسائلها أعيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا أواري أي: إن كان الآري يعد أحدًا فلا أحد فيه إلا إياه، أي ليس لهم جواب البتة. وفي قوله: "خلاف ما في القرآن" معنى النفي، كما في قوله: ﴿وَيَابَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَه﴾ [التوبة: ٣٢]، أي: ليس كما قال إلا أن يتمحل. وقلت: لهم أن يحبيبوا: إنما يلزما ثلاث إحياءات في الآية إذا حملت الإماتة الأولى على المجاز، وأما إذا أجريت على الحقيقة على ما اقتضاه المقام فلا؛ لأن مراد الكفار من
[ ١٣ / ٤٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ هذا القول اعترافهم بما كانوا ينكرونه في الدنيا ويكذبون الأنبياء حين كانوا يدعونهم إلى الإيمان بالله وحده واليوم الآخر، لأن قولهم هذا كالجواب عن النداء في قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إذْ تُدْعَوْنَ إلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ كأنهم أجابوا أن الأنبياء دعونا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وكنا نعتقد ما تعتقده الدهرية أن لا حياة بعد الممات، فلم نلتفت إلى دعوتهم ودمنا على ما كنا عليه من الكفر والمعاصي، فالآن نعترف بالموتتين والحياتين لما قاسينا من شدائدهما وأهوالهما، ولهذا الفائدة استعقب قوله ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قوله: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ كما في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] فيكون الذنب تكذيب البعث. نظيره قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩] إلى قوله: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك: ١١]. قال المصنف: " بذنبهم: بكفرهم في تكذيبهم الرسل". قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لا يلزم ثلاث إحياءات؛ لأن مرادهم من قولهم: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أنا الآن تيقنا أنك أحييتنا بعد الإماته فاعترفنا. فقولهم: ﴿أَمَتَّنَا﴾ إلى الآخر سبب لاعترافهم؛ فلذلك جاؤوا بالفاء، وذلك أنهم كانوا منكرين للبعث، وبسبب ذلك كانوا كثيري الذنوب، فاعترفوا بما علموا أن الله تعالى كما كان قادرًا على الإنشاء كان قادرًا على الإعادة، وهذا موافق لقول المصنف في بيان وجه التسبب في ﴿فَاعْتَرَفْنَا﴾ أنهم أنكروا البعث، فلما تكرر عليهم الإماته والإحياء علموا قدرته على الإعادة، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها بسبب إنكار البعث. هكذا لخصه صاحب "التقريب". فظهر من هذا البيان أن مقام هذه الآية غير مقام قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فإن هذه لبيان الإقرار والاعتراف منهم في الآخرة بما أنكروه في
[ ١٣ / ٤٧٤ ]
وكذا عن ابن عباس ﵄. فإن قلت: كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتًا إماته؟ قلت: كما صح أن تقول: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل، وقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر، ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في صحته: أن الصغر والكبر جائزان معًا على المصنوع الواحد، من غير ترجع لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء، فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه، ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر: لزمه ثلاث إحياءات، وهو خلاف ما في القرآن، إلا أن يتحمل فيجعل إحداها غير معتدبها، أو يزعم أن الله يحييهم في القبور، وتستمر بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها، وبعدهم في المستثنين من الصعقة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ [النمل: ٨٧].
فإن قلت: كيف تسبب هذا لقوله: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾؟ قلت: قد أنكروا البعث فكفروا، وتبع ذلك من الذنوب ما لا يحصى؛ لأن من لم يخش العاقبة تحرق في المعاصي، فلما رأوا الإماتة والإحياء قد تكررا عليهم، علموا بأن الله قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم. ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ أي: إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ قط، أم اليأس واقع دون ذلك، فلا خروج ولا سبيل إليه؟ وهذا كلام من غلب عليه اليأس
_________________
(١) ـ الدنيا، وتلك لبيان الامتنان الذي يستدعي شكر المنعم، أو لبيان الدلائل لتصرفهم عن الكفر كما صرحه المصنف، ولا يلزم أيضًا على هذا ما أورده في السؤال: "كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتًا إماته؟ " فيحتاج إلى ذلك الجواب المتعسف. قوله: (أي: إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ قط، أم اليأس واقع؟). الانتصاف: وعلى هذا بنى من قال:
[ ١٣ / ٤٧٥ ]
والقنوط، وإنما يقولون ذلك تعللًا وتحيرًا؛ ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك، وهو قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ذلكم الذي أنتم فيه، وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به ﴿فَالْحُكْمُ لِلهِ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد. وقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ دلالة على الكبرياء والعظمة، وعلى أن عقاب مثله لا يكون إلا كذلك، وهو الذي يطابق كبرياءه ويناسب جبروته. وقيل: كأن الحرورية أخذوا قولهم: لا حكم إلا الله، من هذا
_________________
(١) ـ هل إلى نجد وصول أو على الخيف نزول؟ أي: إن هذا الأمر غلب فيه اليأس على الطمع. الإنصاف: ليس المثال مطابقًا لما في الآية؛ لأن "خروج" و"سبيل" نكرتان، أي: ليس طريق من الطرق إلى نوع من الخروج، وفي الشعر: "الخيف" و"نجد" معرفتان، لكن حصل اليأس من أحد الأمرين. وقلت: يكفي في التشبيه أن يقابل: "وصول" و"نزول" وهما نكرتان بقوله: "سبيل" في إرادة الإبهام والشيوع، وأما اليأس فحاصل من المفهوم بحسب المقام، على أن الآية خلت مما يدل على أحد الأمرين، نعم الآية أبلغ؛ لأن الشيوع فيها في "خروج" و"سبيل" معًا. وله أن يقول: إن الشاعر لم يرد بـ"نجد" و"الخيف" الموضعين بعينهما، بل إنه قصد به اليأس من حصول الوصول إلى المحبوب في أي مكان كان، دل عليه ذكر المكانين، كما دل ذكر الزمانين على عموم الأزمتة في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. قوله: (على حسب ذلك)، أي: ذلك الكلام الذي صدر عن اليأس والقنوط. قوله: (ذلكم الذي أنتم فيه، وأن لا سبيل لكم إلى خروج)، جعل المشار إليه ما دل عليه قوله: ﴿فَهَلْ إلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ مع ما يتصل به من كلامه السابق، وهو قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾. قوله: (كأن الحرورية أخذوا قولهم: لا حكم إلا الله من هذا)، الجوهري: حرورا: اسم
[ ١٣ / ٤٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قرية، يمد ويقصر، نسبت إليها الحرورية من الخوارج، وكان أول مجتمعهم وتحكيمهم فيها. وعن بعضهم: ومعنى تحكيمهم قولهم: لا حكم إلا الله، وكان القياس حراوراوي، لكنه استطيل فحذف الزوائد، كما تقول براكي في النسبة إلى براكا. وقال الفقيه أحمد بن داود الدينوري في "تاريخه": لما بايع الخوارج رئيسهم عبد الله ابن وهب الراسبي قام فيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله، ثم قال: أما بعد، فإن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق والجهاد في سبيله ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [ص: ٢٦]، وقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وأشهد على أهل دعوتنا من أهل ديننا أن قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في الحكم، وإن جهادهم لحق. يعني: عليًا ومعاوية ﵄. وكتب في جواب كتاب إلى علي ﵁: أما بعد، إنك لم تغضب لربك، ولكن غضبت لنفسك، فإنك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين_ يعني: أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص_، وشهدت على نفسك أنك كفرت فيه، فإن استأنفت التوبة رجعنا إليك، وإن تكن الأخرى فإنا ننابذك على سواء، وإن الله لا يهدي كيدًا الخائنين. فقاتلهم علي ﵁. ولعل تمسكهم بالآية من حيث إنه تعالى أثبت الحكم لله ووصف نفسه بالعلي الكبير، فآذن بأن الوصفين علتان لذلك الإثبات، وعلي ﵁ لما رضي بحكم الحكمين خالف النص، وليس كذلك؛ لأنه ليس في عبارة النص، ولا إشارته دلالة على ذلك؛ لأن
[ ١٣ / ٤٧٧ ]
[﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ويُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ومَا يَتَذَكَّرُ إلاَّ مَن يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ ١٣ - ١٦]
﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق ونحوها. والرزق: المطر؛ لأنه سببه. ﴿ومَا يَتَذَكَّرُ إلاَّ مَن يُنِيبُ﴾: وما يتعظ وما يعتبر بآيات الله إلا من يتوب من الشرك ويرجع إلى الله، فإن المعاند لا سبيل إلى تذكره واتعاظه. ثم قال للمنيبين: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ أي: اعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك، وإن غاظ
_________________
(١) ـ قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما دل عليه قوله ﴿فَهَلْ إلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ من اليأس التام والإقناط الكلي والحكم بالخلود في النار، وقوله: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إذَا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ تعليل لذلك الحكم، وقوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ إشارة إلى قطع ذلك الحكم وبت القضاء، أي: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم آثرتم الشرك على التوحيد، والله تعالى حكم في الأزل أنه لا يغفر لمن يشرك به شيئًا، فلا راد الحكمه ولا دافع لقضائه؛ لعلو شأنه وعظمة كبريائه. هذا تأويل ظاهر مكشوف، وينصره ما ذكره الواحدي: فالحكم لله، أي: أنه حكم بعذاب من أشرك به ولا يرد حكمه، والعلي الكبير الذي لا أعلى منه ولا أكبر. وفيه أن قول المصنف: " على أن عذاب مثله لا يكون إلا كذلك"، غير مطابق. قوله: (ثم قال للمنيبين: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ أي: اعبدوه)، بيان لربط الفاء بما قبلها، يعني: ختم الآيات البينات، والبيانات الشافية الكافية من مفتتح السورة إلى هنا بقوله: ﴿ومَا يَتَذَكَّرُ إلاَّ مَن يُنِيبُ﴾ تعريضًا بمن تمرد وعصى، وأشرك بالله وعتا، ثم قال للمنيبين: وإذا كان كذلك فأنتم منيبون ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فقوله: ﴿ويُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ عطف على قوله: ﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، والآيات ما سبق، وذلك أنه تعالى لما حكى
[ ١٣ / ٤٧٨ ]
ذلك أعداءكم ممن ليس على دينكم. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ ثلاثة أخبار لقوله: ﴿هُوَ﴾ مترتبة على قوله: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾، أو أخبار مبتدإ محذوف،
_________________
(١) ـ أحوال المشركين في هذه السورة، وأراد أن يشرع في أحوال المخلصين المنيبين على قضية التضاد كما قال: "وإن غاظ ذلك أعداءكم"، جعل قوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ وما يتصل به تخلصًا إلى ذكرهم، يعني: هو الذي يريكم آياته جميعًا من الآفاق والأنفس ويفصلها، ويدبر أمور معاشكم بإنزال الرزق من السماء، ولمعادكم بالدعوة إلى الدين الخالص؛ لأنه رفيع الدرجات، ولأنه ذو العرش، ولأنه يلقي الوحي الذي هو الحياة الأبدية، وهو الأمر بالخير والدعوة إلى الدين الخالص. ويدل على المناسبة بين هذه الصفات وتلك الصفات اختلافها تعريفًا وتنكيرًا، أما ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ فهو مثل قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يحتمل التعريف والتنكير، وأما فائدة التنكير فالدلالة على التجدد والإيذان باستمرار صعود الملائكة وقتا بعد وقت، وإليه الإشارة بقوله: (وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش) وأما التعريف فيه، فقد قال الواحدي: الرفيع بمعنىى الرافع. وأما قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ ففي إفادته استمرار الوحي من لدن آدم إلى انتهاء زمن سيدنا رسول الله ﷺ، ثم اتصاله إلى قيام يوم التناد بإقامة من يقوم بالدعوة_ على ما روى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يبعث لهذا الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها"_ ظاهر مكشوف، ومعنى التجديد إحياء ما اندرس من العلم بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، وهو مناسب لقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ يريد الوحي الذي هو أمر بالخير وبعث إليه.
[ ١٣ / ٤٧٩ ]
وهي مختلفة تعريفًا وتنكيرًا. وقرئ: (رفيع الدرجات) بالنصب على المدح، و﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾، كقوله: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣]؛ وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش، وهي دليل على عزته وملكوته. وعن ابن جبير: سماء فوق سماء، والعرش فوقهن. ويجوز أن يكون عبارة عن رفعة شأنه وعلو سلطانه، كما أن ذا العرش عبارة عن ملكه. وقيل: هي درجات ثوابه التي ينزلها أولياءه في الجنة. ﴿الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ الذي هو سبب الحياة من أمره، يريد: الوحي الذي هو أمر بالخير وبعث عليه،
_________________
(١) ـ قوله: (كما أن ذا العرش عبارة)، يعني: أن "ذا العرش" هنا مثل قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كناية عن الملك من غير إرادة الحقيقة. قال المصنف فيه: يقال: استوى فلان على العرش، يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير البتة، كذلك" رفيع الدرجات" كناية عن رفعة شأنه وعلو سلطانه من غير إرادة الدرجات الحقيقة، وعلى الوجه الأول أيضًا كناية، لكن مع إرادة الحقيقة؛ لقوله: "وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش" وهو دليل على عزته وملكوته، وهو أنسب لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ والمراد الوحي؛ ليكون على وزان قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا﴾ [النحل: ١ - ٢] وأما قول من قال: هي درجات ثوابة التي ينزلها أولياءه في الجنة، فمناسب لقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فتكون قرينة دالة على أن الدرجات مستعارة لمراتب الثواب استعارة محسوس لمعقول. الأساس: ومن المجاز: لفلان درجة رفيعة. قوله: (﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ … يريد الوحي)، يعني: المراد بالأمر ها هنا: الوحي، وصح ذلك؛ لأن الوحي أمر بالخير، وإنما ذهب إليه؛ لأن ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ بيان لـ"الروح" فلذلك استعير للوحي الروح، وقد حققنا وجه الاستعارة في مفتتح سورة "النحل"، فـ ﴿مِنْ﴾ على هذا
[ ١٣ / ٤٨٠ ]
فاستعار له الروح، كما قال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. ﴿لِيُنْذِرَ﴾ الله، أو الملقى عليه؛ وهو الرسول، أو الروح. وقئ: (لتنذر) أي: لتنذر الروح؛ لأنها تؤنث، أو على خطاب الرسول. وقرئ: (لينذر يوم التلاق) على البناء للمفعول. و﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾: يوم القيامة؛ لأن الخلائق تلتقي فيه. وقيل: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض. وقيل: المعبود والعابد. ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾: ظاهرون لا يسترهم شيء
_________________
(١) ـ بيانية، والذي يفهم من ظاهر كلام الواحدي: " ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ من قضائه أو بأمره" أنها ابتدائية؛ أي: من جهته وبأمره. قال أبو البقاء: "من" يجوز أن يكون حالًا من ﴿الرُّوحَ﴾، وأن يكون متعلقًا بـ ﴿يُلْقِي﴾. وقال القاضي: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ خبر رابع، تمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد، وفيه دليل على أن النبوة من عطاء الله يختار لها من يشاء من عباده. قوله: (﴿لِيُنْذِرَ﴾ الله أو الملقى عليه … أو الروح)، فالإسناد إلى الرسول حقيقي، وإلى الله نحو: كسا الخليفة الكعبة؛ لاحتمال الحقيقة والمجاز. وإلى نحو: أنبت الربيع البقل، في أنه لا يحتمل إلا المجاز. والوجه الثاني أقرب من جهة اللفظ والمعنى؛ لقرب المرجع إليه وقوة الإسناد. قوله: (وقيل: المعبود والعابد)، هذا أولى الوجوه؛ لأن هذا المطلق محمول على ما ورد في كثير من المواضع، نحو: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧]، ولإبدال قوله: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ من ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾، وبيان ﴿هُم بَارِزُونَ﴾ بقوله: ﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾. قال مكي: ﴿هُم بَارِزُونَ﴾ مبتدأ وخبر في وخبر في موضع خفض بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، وظروف
[ ١٣ / ٤٨١ ]
من جبل أو أكمة أو بناء؛ لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء في الحديث: " يحشرون عراة حفاة غرلًا". ﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أي: من أعمالهم وأحوالهم. وعن ابن مسعود ﵁: لا يخفى عليه منهم شيء. فإن قلت: قوله: ﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ بيان وتقرير لبروزهم، والله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء برزوا أو لم يبرزوا، فما معناه؟ قلت: معناه: أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه. قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨]؛ وذلك لعلمهم أن الناس يبصرونهم، وظنهم أن الله لا يبصرهم،
_________________
(١) ـ الزمان إذا كانت بمعنى "إذ" أضيفت إلى الجمل؛ الفعلي والاسمي، وإن كانت بمعنى "إذا" لم تضف إلا إلى الفعل، فإذا وقع بعدها اسم مرفوع أضمر فعل يرتفع به؛ لأن "إذا" حينئذ بمعنى الشرط، وهي لا تستقبل في اللفظ وفي المعنى، وليست "إذا" كذلك؛ لأنه لا معنى للشرط فيها؛ لأن"إذ" لما مضى، والشرط لا يكون لما مضى، فافهم ذلك. قوله: (كما جاء في الحديث)، والحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا". في "الجامع": الغرل: القلفة التي تقطع من جلد الذكر.
[ ١٣ / ٤٨٢ ]
وهو معنى قوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به. ومعناه: أنه ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟ فيجيبه أهل المحشر: لله الواحد القهار. وقيل: يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط، فأول ما يتكلم به أن ينادى مناد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾، الآية فهذا يقتضي أن يكون المنادي هو المجيب.
_________________
(١) ـ قوله: (وهو معنى قوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨])، يعني: معنى قوله: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾، ومعنى ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ واحد؛ لأنهم إذا برزوا لله الواحد القهار في ذلك اليوم لا يخفى على الله منهم شيء في زعمهم، كما قال: " فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى الحال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه". قوله: (بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة)، الحديث من رواية البخاري ومسلم عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد". قوله: (فهذا يقتضي أن يكون المنادي هو المجيب)، يعني: دل الاستئناف من قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ على التعليل، فيجب أن يكون السائل والمجيب هو الله ﷿، فإنه لما سأل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ وأجاب هو بنفسه: ﴿للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وكان المقام موقع السؤال وطلب التعليل، فأوقع ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى﴾ جوابًا عنه، يعني: إنما اختص الملك به؛ لأنه وحده يقدر على مجازاة كل نفس ما كسبت، وله العدل التام فلا يظلم أحدًا، وله التصرف التام فلا يشغله شأن عن شأن، فيسرع الحساب. ولو أوقع: ﴿للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ جوابًا عن أهل المحشر، لم يحسن هذا الاستئناف.
[ ١٣ / ٤٨٣ ]
[﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ ١٧]
لما قرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدد نتائج ذلك؛ وهي أن كل نفس تجزى ما كسبت، وأن الظلم مأمون؛ لأن الله ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ؛ لأن الله لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد، وهو أسرع الحاسبين. وعن ابن عباس ﵁: إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها، ولا أهل النار إلا فيها.
_________________
(١) ـ قال صاحب الكواشي: بعد فناء الخلق يقول تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلم يجب، فيقول تعالى ﴿للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ والوقف على "اليوم" كاف، وعلى "القهار" تام، "اليوم" الثاي: معمول "تجزى". وكذا عن أبي البقاء. قوله: (لم يقل) من القيلولة، وهو من قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقد فسر هناك المقيل بالمكان الذي يأوون إليه للاسترواح. وروينا في "شرح السنة": "لا ينتصف النهار من يوم الجمعة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء". وروى الواحدي عن ابن مسعود وابن عباس: "لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار". وفيه: أن حكم الكل في تلك الساعة كذلك، لكن ليس فيه بقاء ذلك الحكم، فكيف وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة البالغة مبلغ التواتر خروج العصاة من أمة محمد صلوات الله عليه من النار، إما بمحض الغفران أو بشفاعة رسول الله ﷺ؟ منها ما روينا عن البخاري ومسلم: "يخرج من النار قوم كأنهم الثعارير". الثعارير: صغار القثاء.
[ ١٣ / ٤٨٤ ]
[﴿وأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ١٨]
الآزفة: القيامة، سميت بذلك لأزوفها، أي: لقربها. ويجوز أن يريد بـ ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: وقت الخطة الآزفة؛ وهي مشارفتهم دخول النار، فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم، فلا هي تخرج فيموتوا، ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا، ولكنها معترضة كالشجا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧]. فإن قلت: ﴿كَاظِمِينَ﴾ بما انتصب؟؟ قلت: هو حال عن أصحاب القلوب على المعنى؛ لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالًا عن القلوب، وأن القلوب كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر،، وإنما جمع الكاظم جمع السلامة؛ لأن وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء، كما قال تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وقال: ﴿فَظَلَّتْ
_________________
(١) ـ قوله: (معترضة كالشجا)، الجوهري: أشجاه يشجيه إشجاء: إذا أغصه. يقال: شجي - بالكسر - يشجى شجى. قوله: (كما قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧]، مثال لقوله: (وهي مشارفتهم دخول النار)، فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها. قوله: (وأن القلوب كاظمة على غم وكرب)، أي: تبقى القلوب كالساكت الممتلئ قلبه غمًا وغيظًا. قال صاحب "الكشف": نسبة الكظم إلى القلب كنسبة الكتابة إلى اليد. وقال: معنى "كاظمين" متوقفين عن كل شيء إلا عما دفعت إليه من فكرها فيه، كذلك قوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] المتوقفين عما يدعو إليه الغضب.
[ ١٣ / ٤٨٥ ]
أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، ويعضده قراءة من قرأ: (كاظمون)، ويجوز أن يكون حالًا عن قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾، أي: وأنذرهم مقدرين أو مشارفين الكظم، كقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. الحميم: المحب المشفق. والمطاع: مجاز في المشفع؛ لأن حقيقة الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلا لمن فوقك. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؟ قلت: يحتمل أن يتناول النفي الشفاعة والطاعة معًا، وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة، كما تقول: ما عندي كتاب يباع، فهو محتمل نفي البيع وحده، وأن عندك كتابًا إلا أنك لا تبيعه؛ ونفيهما جميعًا، وأن لا كتاب عندك، ولا كونه مبيعًا. ونحوه:
ولا ترى الضب بها ينجحر
يريد: نفي الضب وانجحاره. فإن قلت: فعلى أي الاحتمالين يجب حمله؟ قلت: على نفي الأمرين جميعًا،
_________________
(١) ـ قوله: (ويعضده قراءة من قرأ "كاظمون")، لأن "كاظمون" على هذا محمول على "القلوب" خبر لها، و﴿لَدَى الحَنَاجِرِ﴾ ظرف "كاظمون" قدم عليه، أو هو خبر بعد خبر. وعلى التقدير الأول وهو قوله: "إذ قلوبهم لدى حناجرهم" كان ﴿كَاظِمِينَ﴾ حالًا من الضمير المجرور في الخبر، ولا يجوز إجراء "كاظمون" عليه حالًا، ولا على المبتدأ خبرًا؛ إلا على التأويل. وقدر صاحب الكواشي: "هم كاظمون" فعلى هذا يقوى إرادة أصحاب القلوب. قوله: (وأن عندك كتابًا إلا أنك لا تبيعه)، عطف تفسيري على قوله: "نفي البيع وحده"، وكذا قوله: "وأن لا كتاب عندك ولا كونه مبيعًا" تفسير لقوله: "ونفيهما جميعًا".
[ ١٣ / ٤٨٦ ]
من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله، وأولياء الله لا يحبون ولا يرضون إلا من أحبه الله ورضيه، وأن الله لا يحب الظالمين، فلا يحبونهم، وإذا لم يحبونهم لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]؛ ولأن الشفاعة لا تكون إلا في زيادة التفضل، وأهل التفضل وزيادته إنما هم أهل الثواب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣]، وعن الحسن: والله ما يكون لهم شفيع البتة. فإن قلت: الغرض حاصل بذكر الشفيع ونفيه، فما الفائدة في ذكر هذه الصفة ونفيها؟ قلت: في ذكرها فائدة جليلة؛ وهي أنها ضمت إليه؛ ليقام انتفاء الموصوف مقام الشاهد على انتفاء الصفة؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود
_________________
(١) ـ قوله: (من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله)، يعني: الواجب أن ينفي الشافع والطاعة، لا أن هناك شافعًا غير مطاع؛ إذ ليس للظالمين شافع البتة؛ لأن الشفعاء أولياء الله، والأولياء لا يشفعون للظالمين، والتعريف في "الظالمين" عنده للجنس، وعندنا للعهد؛ لأن "الظالمين" من وضع المظهر موضع المضمر والمراد بهم "المنذرين" في قوله: ﴿وأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾. قوله: (ليقام انتفاء الموصوف في مقام الشاهد على انتفاء الصفة)؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها قال صاحب "التقريب". وإنما لم يقتصر على نفي الشفيع؛ لأن المقصود نفي كونه مشفعًا، لا نفي ذات الشفيع، وإن كان الثاني دليلًا على الأول ومستلزمًا له، فأراد ذكر المقصود مع الاستشهاد عليه، كقول من عوتب على العقود عن الغزو: ما لي فرس أركبه. أي: لا يمكنني الركوب لعدم الفرس، فكذا لا يمكن التشفيع لعدم الشفيع، فذكر المقصود والدليل عليه - وهو التقرير - أظهر مما في الأصل. وقال والده صاحب "التهذيب": حاصل كلام الزمخشري أنه استدل بعدم الموصوف
[ ١٣ / ٤٨٧ ]
الموصوف، بيانه: أنك إذا عوتبت على القعود عن الغزو فقلت: ما لي فرس أركبه، ولا معي سلاح أحارب به، فقد جعلت عدم الفرس وفقد السلاح علة مانعة من الركوب
_________________
(١) ـ على عدم الصفة؛ لأن وجود الصفة بلا موصوف محال. وقوله: "فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف"، كأنه استدلال بعدم الصفة على عدم الموصوف، وهو يناقض ذلك التقرير. وقلت: مقصود المصنف من قوله: "في ذكرها فائدة جليلة" أن مجيء الصفة ونفيها ليس إلا للمبالغة في نفي الموصوف، فمعنى قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ في هذا المقام: كيف يتأتى الشفيع ولا الشفيع؟ كمعنى قول القائل لمن يعاتبه على القعود عن الغزو: ما لي فرس أركبه. أي: كيف يتأتى مني الركوب ولا فرس لي؟ فكان ذكر الركوب والاستدلال على عدم تأتيه بعد الفرس دليلًا على أن انتفاء الفرس أمر لا نزاع فيه، وأن المخاطب لا يناقشه فيه، وكذلك ذكر التشفيع والاستدلال على عدم تأتيه بعدم الشفيع دليل على فقدان الشفيع، أمر محقق مشهور لا نزاع فيه، وإليه الإشارة بقوله: " الأمر المعروف غير المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه"، والأسلوب من باب نفي الشيء بنفي لازمه، فجيء بالصفة ليجعل نفي الموصوف دليلًا على انتفائها، فيلزم منه نفي توهم الموصوف، يعني: بلغ الموصوف في الانتفاء مبلغًا متناهيًا حتى صار دليلًا على انتفاء الصفة؛ لما يلزم من انتفاء الموصوف انتفاء الصفة؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون المجموع دليلًا على المطلوب وهو انتفاء الموصوف بالكلية. وقد استقصينا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] القول فيه. قال صاحب " الانتصاف": نفي المجموع يصح بنفي جزئه وبنفي كله، فإن كان المراد نفي الأمرين فذكر الصفة كالعلة لنفي الذات، أي لا طاعة فلا شفاعة، أو لا ذات فلا صفة، فيكون النفي مرتين من وجهين مختلفين، فظهر أن الفاء في "فيكون ذلك" نتيجة من قوله: ""ليقام انتفاء الموصوف"، لا من قوله: "لأن الصفة لا تتأتى"، فلا يلزم التناقض كما ظن.
[ ١٣ / ٤٨٨ ]
والمحاربة، كأنك تقول: كيف يتأتى مني الركوب والمحاربة ولا فرس لي ولا سلاح معي؟ ! فكذلك قوله: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ معناه: كيف يتأتى التشفيع ولا شفيع؟ فكان ذكر التشفيع والاستشهاد على عدم تأتيه بعدم الشفيع وضعًا لانتفاء الشفيع موضع الأمر المعروف غير المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه.
[﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ١٩]
الخائنة: صفة للنظرة، أو مصدر بمعنى الخيانة، كالعافية بمعنى المعافاة، والمراد: استراق النظر إلى ما لا يحل، كما يفعل أهل الريب، ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين؛ لأن قوله: ﴿ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يساعد عليه. فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾؟ قلت: هو خبر من أخبار ﴿هُوَ﴾ في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾، مثل ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولكن ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ قد علل بقوله: ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاق.﴾، ثم
_________________
(١) ـ قوله: (الأمر المعروف)، أي: المشهور الثابت القائم، فكأنه قد علم من غير شبهة أن لا شفيع، فيستدل به على عدم الشفيع. قوله: (لأن قوله: ﴿ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يساعد عليه)، لأن مراعاة النسبة بين القريتين في فصيح الكلام واجب، فإذن لا يجوز أن يكون "الخائنة" صفة للعين، أي: العين الخائنة، ثم أضيف الصفة إلى موصوفها؛ لأن قوله: ﴿ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يناسبه؛ لأنه نسب الإخفاء إلى الصدور فأوجب ذلك أن ينسب الخائنة إلى الأعين. ويقال: يعلم نظرة الأعين ويعلم ما تخفي الصدور. وفيه بحث؛ لأن المقصود من الإسناد المبالغة، وأن الله تعالى يعلم استراق العين لا العين الخائنة، سواء ضم إليه قرينتها أو لم يضم. وقال القاضي: النظرة الخائنة النظرة الثانية إلى غير المحرم واستراق النظر إليه، أو خيانة الأعين. والجملة خبر خامس للدلالة على أنه ما من خفى إلا وهو متعلق للعلم والجزاء. قوله: (هو خبر من أخبار ﴿هُوَ﴾، أي: لفظة ﴿هُوَ﴾ في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، يعني: ﴿يَعْلَمُ﴾ خبر لـ ﴿هُوَ﴾، مثل ﴿يُلْقِي﴾.
[ ١٣ / ٤٨٩ ]
استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؛ فبعد لذلك عن أخواته.
_________________
(١) ـ قوله: (فبعد لذلك عن أخواته)، فإن قلت: فهلا لم يقدم على ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ أو على إخوانه؛ لئلا يحصل هذا البعد؟ قلت: لا يخلو إما أن يؤتى به قبل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ويُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ أو بعده، ولا يجوز الأول؛ لأن هذا متضمن للتهديد كما قال: "والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل". وقال الواحدي: يعلم مسارقة النظر إلى ما لا يحل، وما تسر القلوب في السر من المعصية،، ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ فيجزي بالحسنة والسيئة، وذلك وارد في الامتنان على ما يوجب الشكر من نعمة الحياتين، وقد سبق اتصاله بما قبله. ولا الثاني؛ لأنه إما أن يقدم على "رفيع الدرجات" أو يؤخر عنه. رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ ولا يجوز الأول؛ لأن ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ في الوجه المختار مفسر بمصاعد الملائكة ومهابطها للسفارة بين المرسل والمرسل إليه، وهو كالمقدمة لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وورودهما عقيب ﴿ويُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ للإيذان بأن الماء كما هو حياة الأرض الميتة، كذلك الوحي حياة للقلوب الميتة. ولا الثاني؛ لأنه إذا لم يجز ذلك فالبطريق الأولى هذا؛ لئلا يتخلل بين المقدمة ولاحقتها أجنبي، وإنما عقب به قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ وما يتصل به من الاستطراد لمناسبة بينهما لفظًا ومعنى، كما قال: هو مثل ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، أما اللفظ فكلاهما مضارعان، وأما المعنى فلدلالة كل منهما على الوعيد والتهديد، أما العلم فكما سبق، وأما الوحي فلتصريح تعليله بقوله: ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ إلى آخره. فإن قلت: لم لا تجعل العلم علة لنفي شفاعة الشفيع، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي
[ ١٣ / ٤٩٠ ]
[﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢٠]
﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ يعني: والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضي إلا بالحق والعدل؛ لاستغنائه عن الظلم، وآلهتكم لا يقضون بشيء. وهذا تهكم بهم؛ لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه: يقضي، أو: لا يقضي. ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تقرير لقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ووعيد لهم بأنه يسمع ما
_________________
(١) ـ يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فكأنه قيل: ما للظالمين من شفيع؛ لما يعلم الله منهم الخيانة سرًا وعلانية ظاهرًا وباطنًا، فتخلص من تلك الورطة؟ قلت: إذا جعل من الأخبار المستقلة بالدلالة لإثبات وصف العلم ويتصل به حديث العدل والقضاء الحق،، ويكون تخلصًا إلى ذم آلهتهم، ولا يفوت تعليل نفي الشفاعة أيضًا على سبيل الإدماج لاقترانه به، كان أحسن من تعليقه بنفي الشفاعة وحده. لله در المصنف ولطيف اعتباراته ودقيق إشاراته، ورحم الله من كان سببًا لمثار هذه النكات. قوله: (والذي هذه صفاته وأحواله لا يقتضي إلا بالحق)، يعني: عومل بالاسم الجامع معاملة اسم الإشارة، مثل "أولئك" و"ذلك" إذا وقع بعده حكم؛ ليؤذن بأن ما بعده جدير بما قبله لإجراء تلك الصفات عليه، وإنما عدل من اسم الإشارة إلى اسم الذات؛ ليكون أجمع وأفخم. قوله: (وهذا تهكم بهم)، فإن قلت: لم لم يجعله من المشاكلة؟ قلت: جعله استعارة تهكمية أبلغ، والاختيار أولى، والمقام له أذعى، وهو تحقير شأن آلهتهم وتسفيه رأيهم. قوله: (﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تقرير لقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾)، أي: يعلم خائنة الأعين؛ لأنه بصير لا يحجبه شيء من المبصرات التي تخفى على كل ذي بصر، ويعلم ما تخفي الصدور من الهواجس التي ربما تخفى على صاحبها؛ لأنه سميع حقيقي، وإنما فضل هذه الفقرة بهذه الفاصلة يكون ظاهرًا في التعريض بما يدعون من دون الله، وأنها لا تقدر على القضاء؛ لأنها لا تسمع ولا تبصر.
[ ١٣ / ٤٩١ ]
يقولون ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه، وتعريض بما يدعون من دون الله، وأنها لا تسمع ولا تبصر. وقرئ: ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء والتاء.
[﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ومَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن واقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٢١ - ٢٢]
﴿هُمْ﴾ في ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ فصل. فإن قلت: من حق الفصل أن لا يقع إلا بين معرفتين، فما باله واقعًا بين معرفة وغير معرفة؛ وهو ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾؟ قلت: قد ضارع المعرفة في أنه لا يدخله الألف واللام؛ فأجري مجراه. وقرئ: (منكم) وهي في
_________________
(١) ـ وفيه إشارة إلى أن الحاكم والقاضي ينبغي ألا يكون فاقد السمع والبصر، فيكون قوله: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره معترضة بين المقرر والمقرر. قوله: (وقرئ ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء والتاء)، الفوقانية: نافع وابن ذكوان، والباقون: بالياء. قوله: (قد ضارع المعرفة في أنه لا يدخله الألف واللام)، قال ابن الحاجب: ولا يجوز أن تقول: زيد هو غلام رجل، وإن كان ممتنعًا دخول حرف التعريف عليه؛ لأن هذا مخصوص بـ"أفعل من كذا"، والفرق بينهما أن "أفعل من كذا" يشبه المعرفة شبها قويًا من حيث المعنى، حتى إن معنى قولك: أفضل من كذا، الأفضل باعتبار فضلية معهودة، ولذلك قام مقامه،، وليس غلام رجل كذلك، فإنه إنما امتنع دخول حرف التعريف عليه من جهة أن الإضافة قد تكون للتعريف، واللام للتعريف، فكره الجمع بينهما، بخلاف "أفضل منك". قوله: (وقرئ: "منكم")، ابن عامر.
[ ١٣ / ٤٩٢ ]
مصاحف أهل الشام. ﴿وآثَارًا﴾: يريد حصونهم وقصورهم وعددهم، وما يوصف بالشدة من آثارهم. أو أراد: وأكثر آثارًا كقوله:
متقلدًا سيفًا ورمحا
[﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٢٣) إلَى فِرْعَوْنَ وهَامَانَ وقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ومَا كَيْدُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلال﴾ ٢٣ - ٢٥]
﴿وسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: وحجة ظاهرة؛ وهي المعجزات، فقالوا: هو ساحر كذاب، فسموا السلطان المبين سحرًا وكذابًا، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ﴾: بالنبوة. فإن قلت: أما
_________________
(١) ـ قوله: (وما يوصف بالشدة من آثارهم)، الراغب: أثر الشيء: حصول ما يدل على وجوده. يقال: أثر وإثر، والجمع: الآثار. ويقال للطريق المستدل به على تقديم أشخاص: آثار. وأثرت العلم: رويته، آثره أثرًا وأثارة وأثرة. وأصله: تتبعت أثره، قال تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]، وقرئ: "أثرة"، وهو ما يروى ويكتب فيبقى له أثر. والمآثر: ما يروى من مكارم الإنسان. ويستعار الأثر للفضل، والإيثار للتفضل، ومنه قولهم: آثرته، وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] والاستئثار: التفرد بالشيء من دون غيره. وفي الحديث: "سكتون بعدي أثرة"أي: يستأثر بعضكم على بعض. قوله: (أو أراد: وأكثر آثارًا)، فعلى الأول ﴿وآثَارًا﴾ عطف على ﴿قُوَّةً﴾، فتختص الآثار بما فيه قوة وشدة، وعلى الثاني عطف على ﴿أَشَدَّ﴾ على تقدير أكثر مطلقًا، سواء كانت الآثار قوية أو لا.
[ ١٣ / ٤٩٣ ]
كان قتل الأبناء واستحياء النساء من قبل خيفة أن يولد المولود الذي أنذرته الكهنة بظهوره وزوال ملكه على يده؟ قلت: قد كان ذلك القتل حينئذ، وهذا قتل آخر. وعن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿قَالُوا اقْتُلُوا﴾: أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولًا. يريد: أن هذا قتل غير القتل الأول. ﴿فِي ضَلال﴾: في ضياع وذهاب، باطلًا لم يجد عليهم، يعني: أنهم باشروا قتلهم أولًا فما أعنى عنهم، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه، فما يغني عنهم هذا القتل الثاني، وكان فرعون قد كف عن قتل الوالدان، فلما بعث موسى وأحس بأنه قد وقع أعاده عليهم غيًا وحنقًا، وظنا منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى، وما علم أن كيده ضائع في الكرتين جميعًا.
[﴿وقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ﴾ ٢٦]
﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ كانوا إذا هم بقتله كفوه بقولهم: ليس بالذي تخافه،
_________________
(١) ـ قوله: (غيظًا وحنقًا وظنا منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى ﵇)، وقال في موضع آخر: "إلباسًا عليهم وتعمية وأن ذلك المولود منتظر بعد، وليس موسى بذلك"، وينصره قوله: ﴿ومَا كَيْدُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلال﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾، وقوله: (كان هذا تمويهًا على قومه وإيهامًا أنهم هم الذين يكفونه)، وقال في "الأعراف"- في قوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]-: "سعيد عليهم ما كنا محناهم به من قتل الأبناء؛ ليلموا أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة وأنهم مقهورون تحت أيدينا، ولئلا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي تحدث المنجمون والكهنة بزوال ملكنا على يده".
[ ١٣ / ٤٩٤ ]
وهو أقل من ذلك وأضعف، وما هو إلا بعض السحرة، ومثله لا يقاوم إلا ساحرًا مثله، ويقولون: إذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس، واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة. والظاهر أن فرعون -لعنه الله - كان قد استيقن أنه نبي، وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر، ولكن الرجل كان فيه خب وجربزة، وكان قتالًا سفاكًا للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه ويهدم ملكه؟ ! ولكنه كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك، وقوله: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربه، وكان قوله: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾
_________________
(١) ـ [قوله: (وهو أقل من ذلك وأضعف، وما هو إلا بعض السحرة)، الانتصاف: هو مثل قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] يوهم قلة الاحتفال بهم، وأن قتالهم إنما هو لأجل أنهم لنا غائظون، ومن عادتنا الحذر على دولتنا بحسن الحفظ وحماية حوزة المملكة، ولقد كذب وكان فؤاده مملوءًا رعبًا. قوله: (﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ شاهد صدق)، يعني صدر منه هذا الكلام على سبيل الإيهام والتورية، والتورية -كما علمت- هو أن يطلق لفظ له معنيان: قريب وبعيد، فيراد البعيد منهما، واللعين أوهم قومه المعنى القريب وهو التهكم، وفي ضميره البعيد، أظهر أن ليس له رب والذي يدعوه ليس برب، أي: لا يجدي دعاؤه شيئًا؛ لأنه يدعو ما لا حقيقة له، وهو كما تقول لمن ظفرت به وليس له ناصر: أنا أنتقم منك فادع ناصرك؛ تهكما به، والمراد: ما في ضميره أنه إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك، لأنه كان قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به آيات، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤]. قال محيي السنة: أيك وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا. وفي "اللباب": أي: ليدع ربه فإنه لا يجاب، وليستعن بربه فإنه لا يعان. وقيل: ليدع ربه فإنه لا يجيء من دعائه شيء؛ لأنه يدعو ما لا حقيقة له.
[ ١٣ / ٤٩٥ ]
تمويهًا على قومه، وإيهامًا أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع. ﴿أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾: أن يغير ما أنتم عليه، وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام/ بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]. والفساد في الأرض: التفاتن والتهارج الذي يذهب معه الأمن وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش، ويهلك الناس قتلًا وضياعًا، كأنه قال: إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه، أو يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه. وفي مصاحف أهل الحجاز: (وأن يظهر) بالواو، ومعناه: إني أخاف فساد دينكم ودنياكم معًا.
وقرئ: ﴿يُظْهِرَ﴾ من: أظهر. و﴿الْفَسَادَ﴾ منصوب، أي: يظهر موسى الفساد. وقرئ: ٠ يظهر) بتشديد الظاء والهاء، من تظهر، بمعنى تظاهر، أي: تتابع وتعاون.
_________________
(١) ـ قوله: (وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام)، قال المصنف: كان فرعون يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] فكيف عبد الصنم وذلك قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] فأجاب بأنه أمر بنحت الأصنام وبأن تجعل شفعاء لهم عنده، كما كانوا يقولون: ﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فأضافوا الآلهة إليه بهذا المعنى. قوله: (وضياعًا)، الجوهري: ضاع الشيء يضيع ضيعةً وضياعًا -بالفتح- أي: هلك. قوله: (وفي مصاحف أهل الحجاز: "وأن يظهر" بالواو)، قال صاحب "التيسير": وقرأ بها عاصم وحمزة والكسائي. وقال الزجاج: وفي مصحف أهل العراق: "أو أن" على معنى: إني أخاف أن يبطل دينكم البتة، وإن لم يبطله أوقع فيه الفساد. وعلى الواو: أخاف إبطال دينكم والفساد معه. قوله: (وقرئ: ﴿يُظْهِرَ﴾)، نافع وأبو عمرو وحفص، والباقون: بفتح الياء والهاء.
[ ١٣ / ٤٩٦ ]
[﴿وقَالَ مُوسَى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ﴾ ٢٧]
لما سمع موسى ﵇ بما أجراه فرعون من حديث قتله قال لقومه: ﴿إنِّي عُذْتُ﴾ بالله الذي هو ربي وربكم. وقوله: ﴿ورَبِّكُم﴾ فيه بعث لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه، وقال: ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾؛ لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة؛ وليكون على طريقة التعريض؛ فيكون أبلغ. وأراد بالتكبر: الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ومهانة نفسه، وعلى فرط ظلمه وعسفه،، وقال: ﴿لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ﴾؛ لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب القسوة والجرأة على الله وعباده، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها. وعذت ولذت أخوان. وقرئ: (عت) بالإدغام.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿ورَبِّكُم﴾ فيه بعث لهم على أن يقتدوا به)، يريد أن موسى ﵇ لما سمع قولهم: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ شجع قومه وقال: تعوذوا بالله عياذة واعتصموا بالتوكل عليه، كما تعوذت واعتصمت؛ ليخلصكم من شر هذا المتكبر الذي لا عقل له ليردعه، ولا دين ليزجره. ودل على هذا كله عطف ﴿ورَبِّكُم﴾. قوله: (وليكون على طريقة التعريض)، عطف على "ليشمل"، كرر اللام على"ربي" للاستقلال. يعني: في التعميم فائدتان: إحداهما: دخول الغير في المستعاذ منه. وثانيتهما: ترك المواجهة بقوله: أنت متكبر مكذب مع إرادة ذلك بأبلغ وجه. قوله: (لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب)، إلى قوله: (استكمل أسباب القسوة)، وفي الخاتمية: الظلم من طبع النفس، وإنما يصدها عن ذاك أحد علتين: إما علة دينية كخوف معاد، أو علة سياسية كخوف السيف. قال أبو الطيب:
[ ١٣ / ٤٩٧ ]
[﴿وقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ٢٨]
﴿رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ﴾ وقرئ: (رجل) بسكون الجيم، كما يقال: عضد، في عضد، وكان قبطيًا ابن عم فرعون، آمن بموسى سرًا. وقيل: كان إسرائيليًا. و﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، أو صلة لـ ﴿يَكْتُمُ﴾، أي: يكتم إيمانه من آل فرعون، واسمه سمعان أو حبيب، وقيل: خربيل أو خزبيل، والظاهر أنه كان من آل فرعون؛ فإن المؤمنين من بني إسرائيل لم يقلوا ولم يعزلوا، والدليل عليه قول فرعون: ﴿أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر: ٢٥]. وقول المؤمن: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩] دليل ظاهر على أنه ينتصح لقومه. ﴿أَن يَقُولَ﴾: لأن يقول، وهذا إنكار منه عظيم
_________________
(١) ـ والظلم من شيم النفوس وإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم قوله: (و﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، أو صلة لـ ﴿يَكْتُمُ﴾)، لأن الرجل إذا كان قبطيًا كان ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، وإذا كان إسرائيليًا كان صلة لـ ﴿يَكْتُمُ﴾، وعلى هذا الوقف على قوله: ﴿وقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ﴾ له وجه، ثم يبتدأ ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، والظاهر الأول؛ لأن تقديم الصلة على الفعل لا معنى له في هذا المقام، ولأنه موجب للإلباس، وعليه قوله: "والظاهر أنه كان من آل فرعون"، لأن تخصيص الفردية وكتمان الإيمان لا يحسن إذا قيل: إن الرجل كان إسرائيليا؛ لأن بني إسرائيل كانوا كثيرين وأنهم لم يكتموا إيمانهم عن آل فرعون، يدل عليه قول اللعين: ﴿أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ لأن التصريح بلفظ "آمنوا" دليل على أنه كان عارفًا بإيمان قوم موسى، فكيف يحمل الكاتم على رجل من بني إسرائيل؟ قوله: (دليل ظاهر على أنه يتنصح لقومه)، حيث قال: ﴿يَنصُرُنَا﴾ و﴿جَاءَنَا﴾؛
[ ١٣ / ٤٩٨ ]
وتبكيت شديد، كأنه قال: أترتكبون الفعلة الشعناء التي هي قتل نفس محرمة، وما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها؛ وهي قوله: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ مع أنه لم يحضر لتصحيح قوله بينة واحدة، ولكن بينات عدة من عند من نسب إليه الربوبية، وهو ربكم لا ربه وحده؟ ! وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به، وليلين بذلك جماحهم ويكسر من سورتهم. ولك أن تقدر مضافًا محذوفًا، أي: وقت أن
_________________
(١) ـ لأنه دل على أنه منهم في القرابة، وأنه يعلمهم بأن الذي ينصحهم به هو ما هم لهم منه. قوله: (وهو ربكم لا ربه وحده، وهو استدراج لهم)، اعلم أنه قد أشار في كلامه إلى ثلاث عبارات كلها دالة على الاختصاص بمعونة التركيب والمقام الاستدراجي: أحدهما: قوله: "ما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق"، وذلك من قوله:: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ حيث نكر الرجل وأوقع قوله: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ علة للقتل على سبيل التوبيخ، كأنه لم يعلم من موسى ﵇ إلا أنه رجل ما، ولم يسمع منه قول إلا ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهو عندهم أظهر من الشمس، وأقواله لا تحصى، نحوه قوله تعالى: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] قال: "فنكروه لهم، وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدل على مجهول في أمر مجهول". وثانيها: قوله: "لم يحضر لتصحيح قوله بينه واحدة، ولكن بينات عدة"، وهو من جمع البينات، وتحليتها باللام. وثالثها: قوله: "وهو ربكم لا ره وحده"، وهو من تخصيص ذكر الرب وإضافته إليهم، أي: الذي يدعو إليه موسى هذا المعلوم المتميز الذي لو قيل لكل مميز عاقل: من رب السماوات والأرض؟ ليقولن: الله. كما قال في "الشعراء" بعدما سأل اللعين: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]. وإليه الإشارة بقوله: "من عند من نسب إليه الربوبية"، ولهذا لما قال اللعين: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أجاب ﵇ بقوله: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُم﴾. قوله: (ولك أن تقدر مضافًا محذوفًا)، عطف على قوله: "لأن يقول، وهذا إنكار منه
[ ١٣ / ٤٩٩ ]
تقول. والمعنى: أتقتلونه ساعة سمعتم منه هذا القول من غير روية ولا فكر في أمره؟ ! وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يريد: بالبينات العظيمة التي عهدتموها وشهدتموها، ثم أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم، فقال: لا يخلو من أن يكون كاذبًا أو صادقًا،، ﴿وإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أي: يعود عليه كذبه ولا يتخطاه ضرره، ﴿وإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ﴾ ما يعدكم إن تعرضتم له. فإن قلت: لم قال: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وهو نبي صادق، لابد لما يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه؟ قلت: لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى ومناكريه إلى أن يلاوصهم ويداريهم، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له وقبولهم منه، فقال: ﴿وإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط فيه؛ ليسمعوا منه ولا يردوا عليه، وذلك أنه حين فرضه صادقًا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد، ولكنه أردفه ﴿يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾؛ ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيًا، فضلًا أن يتعصب له، أو يرمي بالحصى من ورائه،
_________________
(١) ـ إلى قوله: "ما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق"، أي: قوله: ﴿أَن يَقُولَ﴾ إما توبيخ على جعل قول الحق علة القتل، وهو موجب للتسليم والتقليد بإضمار اللام، أو إنكار على عدم التفكر، على "أن" مصدرية والوقت مقدر. قوله: (أن يلاوصهم)، الجوهري: فلان يلاوص الشجر، أي: ينظر كيف يأتيها ليقلعها، وعن بعضهم: يقال: لاوص القرن، إذا نظر من أي وجه يضربه. قوله: (غير المشتط فيه»، اشتط في كذا: جازف فيه. والمشتط: هو الغالي. قوله: (أو يرمي بالحصى من ورائه)، قيل: هو كناية عن الذب عنه، أي: فضلًا عن أن يذب عن موسى. والوراء بمعنى قدام.
[ ١٣ / ٥٠٠ ]
وتقديم الكاذب على الصادق أيضًا من هذا القبيل، وكذلك قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. فإن قلت: فعن أبي عبيدة: أنه فسر البعض بالكل، وأنشد بيت لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها
_________________
(١) ـ قوله: (وتقديم الكاذب على الصادق أيضًا من هذا القبيل)، الانتصاف: نظيره: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] قدم ما تصدق به المرأة؛ لدفع التهمة وإبعاد الظن، ولم يضره تأخر المقصد لهذه الفائدة، وقريب منه: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٦]. قوله: (تراك أمكنة)، البيت، أي: أترك أمكنة إذا لم أرضها إلى أن يرتبط الحمام بعض النفوس، أي: كلا، وهو يوم القيامة، وهذا خطأ؛ لأنه أراد ببعض النفوس نفسه، أي: إلى أن يموت من هو مشهور معروف ولا يخفى على كل أحد. وعليه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال الزجاج: قوله: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ من لطيف المسائل؛ لأن النبي ﵇ إذا أوعد وعدًا وقع بأسره لا بعضه، وحق اللفظ: "كل الذي يعدكم"، لكن هذا من باب النظر يذهب فيه المناظر إلى إلزام الحجة بأيسر ما في الأمر، وليس فيه نفي إصابة الكل. ومثله قول الشاعر: قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل إنما ذكر البعض؛ ليوجب له الكل، لا أن البعض هو الكل، ولكن القائل إذا قال: أقل ما يكون للمتأني إدراك بعض الحاجة، وأقل ما يكون للمستعجل الزلل، فقد بان فضل المتأني على المستعجل بما لا يقدر الخصم أن يدفعه. وذكر الزجاج في "آل عمران": وأنشد أبو عبيدة بيتًا غلط في معناه، يعني هذا البيت، وقال: المعنى: أو يعتلق كل النفوس حمامها.
[ ١٣ / ٥٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وإنما المعنى: أو تعتلق نفسي حمامها. وفي كلام الناس: بعض يعرفك، أي: أنا أعرفك. وقال ابن الأنباري في "النزهة": هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي. وقال الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا إجماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة. وقال أبو العباس المبرد: كان أبو عبيدة عالمًا بالشعر والغريب والأخبار والنسب، وصنف كتابًا في القرآن وسماه "المجاز". وفي حاشية "الكشاف": قال أبو عثمان المازني للمبرد: سمعت أبا عبيدة يقول: ما أكذب النحويين على العرب حيث يزعمون أن الألف في "العلقى" للتأنيث، وسمعناهم يقولون: علقاة للواحد. فقال له المبرد: هلا قاولته؟ قال: كان أجفى من أن يفقه ما أقول له. والجوب على قول أبي عبيدة: أن من جعل الألف للتأنيث لم يقل في الواحد: علقاة، ومن نون جعل الألف للإلحاق وصح له أن يقول: علقاة. روى الجوهري عن سيبويه: علقى: نبت، تكون واحدةً وجمعًا، وألفه للتأنيث فلا ينون. قال العجاج يصف ثورًا: فحط في علقى وفي مكور "فحط": بالفاء والحاء المهملة. "المكور": ضرب من الشجر، بضم الميم والكاف، والواحد: مكر. ويروى: استن في علقى وفي مكور استن الفرس وغيره، أي: قمص، وهي أن يرفع يديه ويدفعهما معًا ويعجن برجليه. وفي "التقريب": قال أبو عبيدة للمازني: ما رأيت ككذب النحويين، يقولون تاء التأنيث لا تدخل على ألفه، وسمعت رؤبة يقول: واحد علقى: علقاة. فقيل للمازني: فما
[ ١٣ / ٥٠٢ ]
قلت: إن صحت الرواية عنه، فقد حق فيه قول المازني في مسألة العلقى: كان أجفى من أن يفقه ما أقول له، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ يحتمل أنه إن كان مسرفًا كذابًا خذله الله وأهلكه ولم يستقم له أمر، فيتخلصون منه، وأنه لو كان مسرفًا كذابًا لما هداه الله للنبوة، ولما عضده بالبينات. وقيل: ما تولى أبو بكر من رسول الله ﷺ كان أشد من ذلك: طاف ﷺ بالبيت، فلقوه حين فرغ، فأخذوا بمجامع ردائه، فقالوا له: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟ فقال: "أنا ذاك"، فقام أبو بكر ﵁
_________________
(١) ـ قلت لأبي عبيدة؟ فقال: ذاك - أي: التاء- إنما تدخل على لغة من يقول: إن ألفها للإلحاق لا للتأنيث. قوله: (يحتمل أنه إن كان مسرفًا)، إلى آخره، يريد أن قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ الآية، تعليل للشرطين وارد على ذلك النمط ذا وجهين، أي: إن يك كاذبًا فعليه كذبه، أي: وبال كذبه وضرره؛ لأن الله لا يهدي ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. ﴿وإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ إن تعرضتم له؛ لأن الله هداه للحق، ولو كان مسرفًا كذابًا لما هداه الله للنبوة ولما عضده بالبينات. قوله: (ما تولى أبو بكر ﵁)، عن الإمام أحمد بن حنبل، عن عروة بن الزبير: "قلت لعبد الله بن عمر"، وعن البخاري: "سألت عمر: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ. قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة؛ إذ أقبل عقبة بن أبي معيط لعنه الله، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ، فلف ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر الصديق ﵁، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله ﷺ، ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ ".
[ ١٣ / ٥٠٣ ]
فالتزمه من ورائه، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾؟ ! رافعًا صوته بذلك، وعيناه تسفحان، حتى أرسلوه. وعن جعفر الصادق: أن مؤمن آل فرعون قال ذلك سرًا، وأبو بكر قاله ظاهرًا.
[﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى ومَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ٢٩]
﴿ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ﴾: في أرض مصر عالين فيها على بني إسرائيل، يعني: أن لكم ملك مصر، وقد علوتم الناس، وقهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم، ولا تتعرضوا لبأس الله وعذابه، فإنه لا قبل لكم به إن جاءكم، ولا يمنعكم منه أحد. وقال: ﴿يَنصُرُنَا﴾ و: ﴿جَاءَنَا﴾؛ لأنه منهم في القرابة؛؛ وليعلمهم بأن الذي ينصحهم به هو مساهم لهم فيه. ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى﴾ أي: ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله، يعني: لا أستصوب إلا قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب، ﴿ومَا أَهْدِيكُمْ﴾ بهذا الرأي ﴿إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يريد: سبيل الصواب والصلاح. أو ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب، ولا أدخر منه شيئًا، ولا أسر عنكم خلاف ما أظهر يعني: أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب؛ فقد كان مستشعرًا للخوف الشديد من جهة موسى، ولكنه كان يتجلد، ولولا استشعاره لم يستشر أحدًا ولم يقف الأمر على الإشارة
_________________
(١) ـ قوله: «فإنه لا قبل لكم به)، الراغب: قبل فلان: أي عند فلان. قال تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ [الحاقة: ٩]، ويستعار للقوة والقدرة على المقابلة، أي: المجازاة، فيقال: لا قبل لي بكذا، أي: لا يمكنني أن أقابله.
[ ١٣ / ٥٠٤ ]
وقرئ: (الرشاد)؛ فعال من: رشد؛ بالكسر، كعلام، أو من: رشد بالفتح كعباد، وقيل: هو من أرشد كجبار من أجبر. وليس بذاك؛ لأن فعالًا من أفعل لم يجئ إلا في عدة أحرف، نحو: دراك وسار وقصار وجبار، ولا يصح القياس على القليل. ويجوز أن يكون نسبة إلى الرشد، كعواج وبتات، غير منظور فيه إلى فعل.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ "الرشاد")، قال ابن جني: قرأه معاذ بن جبل على المنبر، وهو إما من: رشد يرشد، كعلام؛ من: علم يعلم، أو من: رشد يرشد، كعباد؛ من: عبد يعبد. ولا يحمل على: أرشد يرشد؛ لأن فعالًا لم يأت من أفعل إلا [في أحرف] محفوظة، نحو: أجبر فهو جبار، وأسأر فهو سار، وأقصر فهو قصار، وأدرك فهو دراك، على أنهم قالوا: جبره على الأمر، وقصر عن الأمر. وينبغي أن يكون جبار وقصار من فعل، فكذا ينبغي أن يعتقد في سار ودراك على أنهما خرجا بحرف الزيادة فصارا إلى سار ودراك تقديرًا، وإن لم يخرجا إلى اللفظ استعمالًا، كما قالوا: أبقل المكان فهو باقل، وأورس الرمث فهو وارس، وقالوا: ألقحت الريح السحاب وهي لاقح. وهذا على حذف همزة "أفعل"، وإنما قياسه "ملقح"، فعلى هذا خرج الرشاد، أي: رشد بمعنى: أرشد، تقديرًا لا استعمالًا. فإن قيل: فإن المعنى إنما هو على أرشد، فكيف أجزت لأن يكون مجيئه من: رشد أو رشد، في معنى: أرشد، وأنه ليس من لفظ: أرشد؟ قيل: المعنى راجع إلى أنه مرشد؛ لأنه إذا رشد أرشد؛ لأن الإرشاد من: الرشد فهو من باب الاكتفاء بذكر السبب عن المسبب، وعليه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، أنها من لقحت هي، وإذا لقحت ألقحت غيرها. قوله: (كعواج وبتات)، أي: بياع العاج وبياع البت وهو الطيلسان من خز أو صوف.
[ ١٣ / ٥٠٥ ]
[﴿وقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَابِ قَوْمِ نُوحٍ وعَادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ ٣٠ - ٣١]
﴿مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾: مثل أيامهم؛ لأنه لما أضافه إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، ولم يلبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار؛ اقتصر على الواحد من الجمع؛ لأن المضاف إليه أغنى عن ذلك، كقوله:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا
وقال الزجاج: مثل يوم حزب حزب. ودأب هؤلاء: دؤوبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي، وكون ذلك دائبًا دائمًا منهم لا يفترون عنه. ولابد من حذف مضاف، ويريد: مثل جزاء دأبهم. فإن قلت: بم انتصب ﴿مِّثْلَ﴾ الثاني؟ قلت: بأنه عطف بيان لـ ﴿مِّثْلَ﴾ الأول؛ لأن آخر ما تناولته الإضافة "قوم نوح"، ولو
_________________
(١) ـ قوله: (لأنه أضافه إلى الأحزاب)، يعني: لابد من تقدير جمع اليوم؛ لأن الأحزاب لم يهلكوا مرة واحدة في يوم واحد، وإنما هلك كل حزب في يوم مختص به، لكن لما جاء بالتفصيل بعد الإفراد -وهو قوم نوح وعاد وثمود- قيل: ﴿يَوْمِ﴾ لأنه لم يلبس. قوله: (يوم حزب حزب)، عن بعضهم: أفرد الحزب كما جمع اليوم في الأول، كما هو عادته من رد الأول إلى الثاني، أو العكس. قوله: (وكون ذلك دائبًا دائمًا)، عطف تفسيري على قوله: "دؤوبهم"، و"ذلك" إشارة إلى الكفر والتكذيب وسائر المعاصي. قوله: (ولابد من حذف مضاف) لأن ﴿مِّثْلَ﴾ الثاني عطف بيان للمثل الأول، وقد ذكر فيه اليوم وهو دال على الهلاك لجزاء أعمالهم، وغليه أشار بقوله: "إن كل حزب منهم كان له يوم دمار". قوله (لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح)، أضاف ﴿مِّثْلَ﴾ إلى ﴿دَابِ﴾ ثم إلى ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وهو آخر ما تناولته الإضافة.
[ ١٣ / ٥٠٦ ]
قلت: أهلك الله الأحزاب: قوم نوح وعاد وثمود؛ لم يكن إلا عطف بيان لإضافة قوم إلى أعلام، فسرى ذلك الحكم إلى أول ما تناولته الإضافة. ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ يعني: أن تدميرهم كان عدلًا وقسطًا؛ لأنهم استوجبوه بأعمالهم، وهو أبلغ من قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]؛ حيث جعل المنفي إرادة الظلم؛ لأن من كان عن إرادة الظلم بعيدًا، كان عن الظلم أبعد؛ وحيث نكر الظلم، كأنه نفى أن يريد ظلمًا ما لعباده. ويجوز أن يكون معناه كمعنى قوله: ﴿ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] أي: لا يريد أن يظلموا؛ يعني: أنه دمرهم؛ لأنهم كانوا ظالمين.
_________________
(١) ـ قوله: (نكر الظلم، كأنه نفى أن يكون ظلمًا ما)، وليس التنكير في "ظلام" مثله؛ لأن "ظلامًا" بناء مبالغة، والتنكير يتبعه في التفخيم والتكثير. قوله: (كمعنى قوله: ﴿ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧])، ومعناه على ما قال: لا يرضى لعباده الكفر رحمةً لهم؛ لأنه يوقعهم في الهلكة، وفيه: أنهم بأنفسهم يكفرون ويوقعونها في الهلكة، وكذلك قوله: "وما الله يريد ظلمًا للعباد" معناه: لا يريد لهم أن يظلموا فيوقعوا أنفسهم بسببه في الدمار، ولكنهم هم الذين ظلموا فتعرضوا للدمار فلذلك دمرناهم، وإليه الإشارة بقوله: "يعني: أنه دمرهم لأنهم كانوا ظالمين"، والمعنى على الأول: جازيناهم بالهلاك فعدلنا فيهم. وعلى الثاني:: أهلكناهم؛ لأنهم كانوا ظالمين. الانتصاف: هذا من الطراز الأول، وقد سبق من إبطاله ما يغني عن إعادته. وقلت: إن مؤمن آل فرعون لما نصح القوم بقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وأثبت أنه نبي صادق ثابتة نبوته، واجب اتباعه، وما قصر في النصح وإرشاد طريق الإيمان إلى أن انتهى إلى قوله: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا﴾، وما زاد اللعين على ما بدأ أولًا: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى﴾ أي: ما أشير عليكم إلا بما أرى من
[ ١٣ / ٥٠٧ ]
[﴿ويَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ غافر: ٣٢ - ٣٣]
(التنادي) ما حكى الله في سورة الأعراف من قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، و﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ويجوز أن يكون تصايحهم بالويل والثبور. وقرئ بالتشديد، وهو أن يند بعضهم من بعض؛ كقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤]. وعن الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندوا هربًا، فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفًا، فبيناهم يموج بعضهم في بعض، إذ سمعوا مناديًا: أقبلوا إلى الحساب. ﴿تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ عن قتادة: منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وعن مجاهد: فارين عن النار غير معجزين.
_________________
(١) ـ القتل، فحينئذ أيس المؤمن واستشعر الخوف وأيقن أن حجة الله لزمتهم، قال: ﴿إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾، لأنه تعالى بعث إليهم الرسل مصحوبًا بالبينات كرسولكم فلم يؤمنوا، فدمرهم الله، ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾. وينصره ما ذكره محيي السنة: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ أي: لا يهلكهم قبل اتخذ الحجة عليهم. يعني: عبر عن سنة الله الجارية -وهي إرادة بعثة الرسل إلى الأمم حتى إن أهلكهم لا يقولوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] فنحن مظلومون- بقوله: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ أي: الله لا يريد الإهلاك قبل اتخاذ الحجة، وقد بعث إليهم وإليكم الحجة. وظهر أن قول المصنف: "لا يريد لهم أن يظلموا" مما ينبو عنه المقام، وقضية مذهبه جره إليه. قوله: (وقرئ بالتشديد)، قال ابن جني: وهي قراءة ابن عباس والضحاك والكلبي، وهو "تفاعل" مصدر "تناد القوم"، أي: تفرقوا، من قولهم: ند يند، كنفر ينفر، وتنادوا كتنافروا. والتناد كالتنافر، وأصله: التنادد، فأدغم.
[ ١٣ / ٥٠٨ ]
[﴿ولَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ٣٤ - ٣٥]
هو يوسف بن يعقوب ﵉. وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب. أقام فيهم نبيًا عشرين سنة. وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف، عمر إلى زمنه. وقيل: فرعون آخر. وبخهم بأن يوسف أتاكم بالمعجزات فشككتم فيها، ولم تزالوا شاكين كافرين، ﴿حَتَّى إذَا﴾ قبض ﴿قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ حكمًا من عند أنفسكم من غير برهان، وتقدمة عزم منكم على تكذيب الرسل، فإذا جاءكم رسول جحدتم وكذبتم بناء على حكمكم الباطل الذي أسستموه، وليس قولهم: ﴿لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ بتصديق لرسالة يوسف، وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها! وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب رسالته. وقرئ: (ألن يبعث الله) على إدخال همزة الاستفهام على حرف النفي، كأن بعضهم يقرر بعضًا بنفي البعث. ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ﴾ أي: مثل هذا الخذلان المبين يخذل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه، ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ بدل من ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾. فإن قلت: كيف جاز إبداله منه وهو جمع وذاك موحد؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (وتقدمه عزم)، عطف على قوله: "حكمًا"، ومفعول له أو مفعول مطلق. قوله: (وإنما هو تكذيب)، يعني: قولهم: ﴿لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] ليس فيه أنهم أثبتوا رسالة يوسف، بل فيه أنهم شكوا فيه وضجوا منه، حتى إذا هلك قالوا: خلصنا من هذا المدعي الزاعم أنه رسول ولن يجيء بعده مثله. قوله: (كأن بعضهم يقرر بعضًا)، يعني: دخلت همزة التقرير على حرف النفي لدلالة أن كل واحد من المكذبين كان يقرر صاحبه بنفي البعث.
[ ١٣ / ٥٠٩ ]
لأنه لا يريد مسرفًا واحدًا، فكأنه قال: كل مسرف. فإن قلت: فما فاعل ﴿كَبُرَ﴾؟ قلت: ضمير ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾. فإن قلت: أما قلت: هو جمع؛ ولهذا أبدلت منه ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾؟ قلت: بلى هو جمع في المعنى، وأما اللفظ فموحد، فحمل البدل على معناه، والضمير الراجع إليه على لفظه، وليس ببدع أن يحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، وله نظائر،، ويجوز أن يرفع ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ على الابتداء، ولابد في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في ﴿كَبُرَ﴾، تقديره: جدال الذين يجادلون كبر مقتًا، ويحتمل أن يكون ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ مبتدأ، و﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ خبرًا، وفاعل ﴿كَذَلِكَ﴾ قوله: ﴿﴾ أي: كبر مقتًا مثل ذلك
_________________
(١) ـ قوله: (وليس ببدع أن يحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى)، الانتصاف: فيما ذكره عود إلى معاملة اللفظ من بعد معاملة معناه وأهل العربية يجتنبونه، والأولى ألا يعتمد في إعراب القرآن عليه، والصواب أن فاعل ﴿كَبُرَ﴾ ضمير مصدر ﴿يُجَادِلُونَ﴾، أي: كبر جدالهم مقتًا، أو يجعل ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ بتقدير حذف المضاف، أي: جدال الذين يجادلون، والضمير في "كبر" يعود إلى الجدال المحذوف، والجملة مبتدأ وخبر. ومثله في حذف المضاف وعود الضمير إليه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] في أحد تأويليه، وهو: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله. ومثله كثير. وفيه ما يوجب السلامة عما ذكره، فالأولى العدول عنه. وقلت: ولعل في قوله: "وليس ببدع أن يحمل" إشارة إلى هذا المعنى. قوله: (وفاعل ﴿كَبُرَ﴾ قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾)، قيل: فعلى هذا قد تقدم التمييز على الفاعل، ومثله جائز. قال المرزوقي في قوله: أرى كل أرض دمنتها وإن مضت لها حجج يزداد طيبًا ترابها
[ ١٣ / ٥١٠ ]
الجدال، و﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كلام مستأنف، ومن قال: كبر مقتًا عند الله جدالهم، فقد حذف الفاعل، والفاعل لا يصح حذفه. وفي ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم، والشهادة على خروجه من حد أشكاله من الكبائر. وقرئ: (سلطان) بضم اللام. وقرئ: (قلب) بالتنوين. ووصف القلب بالتكبر والتجبر، لأنه مركزهما ومنبعهما، كما تقول: رأت العين، وسمعت الأذن، ونحوه قوله ﷿: ﴿فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وإن كان الآثم هو الجملة. ويجوز أن
_________________
(١) ـ إنه يجوز تقديم التمييز على الفاعل، وليس في جوازه خلاف. قوله: (فقد حذف الفاعل، والفاعل لا يصح حذفه)، قيل: فيه نظر. قال أبو البقاء: يجوز أن يكون الخبر ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾، أي: كبر قولهم مقتًا. وقلت: وإذا جاز في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ذلك، وقد قال: الضمير في ﴿بَلَغَتِ﴾ للنفس، وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن الكلام الذي وقعت فيه يدل عليها. وتقول العرب: أرسلت، أي: السماء، يريدون: جاء المطر، فلأن يجوز هذا لدلالة ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ على جدالهم أحرى. وقوله: "كلام مستأنف" كأنه لما قيل: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مثال جدال الذين يجادلون في آيات الله، قيل: فما يفعل الله بهم إذن؟ قيل: يطبع الله على قلوبهم، فوضع ﴿كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ موضع الضمير إشعارًا بأن المجادل في آيات الله بغير علم متكبر جبار. قوله: (وقرئ: "قلب")، بالتنوين: أبو عمرو وابن ذكوان، والباقون: بغير تنوين. قوله: (ونحوه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣])، أي: كما أسند الإثم إلى
[ ١٣ / ٥١١ ]
يكون على حذف المضاف، أي: على كل ذي قلب متكبر، تجعل الصفة لصاحب القلب.
[﴿وقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وإنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ومَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ ٣٦ - ٣٧]
قيل: الصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد، اشتقوه من صرح الشيء؛ إذا ظهر، وأسباب السماوات: طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه، كالرشاء ونحوه. فإن قلت: ما فائدة هذا التكرير؟ ولو قيل: لعلى أبلغ أسباب السماوات! قلت: إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيمًا لشأنه، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السماوات أبهمها ثم أوضحها؛ ولأنه لما كان بلوغها أمرًا عجيبًا أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه؛ ليعطيه السامع حقه من التعجب، فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان، ثم أوضحه. وقرئ: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنصب على جواب الترجي، تشبيهًا للترجي بالتمني. ومثل ذلك التزيين وذلك الصد
_________________
(١) ـ القلب وهو للجملة من الروح والبدن والقلب للتأكيد، كذلك التكبر مسند إلى القلب، وهو للجملة؛ لأن القلب رئيس الأعضاء، وكتمان الشهادة ومنشأ الكبر منه. قوله: (على نفس متشوقة)، يروى بالفاء والقاف. عن بعضهم: شاف الشيء: صقله. ويقال: شفت الشيء: جلوته. التشوف: التطلع. وتشوفت المرأة: تزينت. اطلع إليه، أي: صعد. وطلع الجبل كذلك. قوله: (﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنصب)، حفص، والباقون: برفعها. قوله: (تشبيهًا للترجي بالتمني)، لأن الترجي: طلب ما يتوقع حصوله، والتمني:
[ ١٣ / ٥١٢ ]
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾، والمزين: إما الشيطان بوسوسته، كقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، أو الله تعالى على وجه التسبيب؛ لأنه مكن الشيطان وأمهله، ومثله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤]. وقرئ: (وزين) له (سوء عمله) على البناء للفاعل، والفعل لله ﷿، دل عليه قوله: ﴿إلَى إلَهِ مُوسَى﴾؛ و(صد) بفتح الصاد، وضمها، وكسرها، على نقل حركة العين إلى الفاء، كما قيل: قيل. والتباب: الخسران والهلاك. وصد: مصدر معطوف على ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾، وصدوا هو وقومه.
[﴿وقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ﴾ ٣٨ - ٣٩]
قال: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فأجمل لهم، ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها؛ لأن الإخلاد إليها هو أصل الشر كله، ومنه يتشعب جميع ما يؤدي إلى
_________________
(١) ـ طلب ما لا يمكن حصوله، نحو:: ليت الشباب يعود. قال الزجاج: المعنى: لعلي أبلغ الذي يؤديني إلى إله موسى، وإنما قلت هذا على دعوى موسى، لا أني على يقين من ذلك. قوله: (على نقل حركة العين إلى الفاء)، أي: أصله: صدد؛ مجهولًا، نقل كسرة الدال إلى الصد، وصد يجوز أن يكون لازمًا أو متعديًا. والفعل لفرعون، أي: صد الناس عن الإيمان، ويجوز أن يكون الفاعل الله تعالى، أي: صده الله عن إبطال أمر موسى، وقيل: عن نبأ الصرح. قوله: (والتباب: الخسران والهلاك)، الراغب: التب والتباب: الاستمرار في الخسران. يقال: تبًا له وتب له وتببته، إذا قلت له ذلك، ولتضمن الاستمرار قيل: استتب لفلان كذا، أي: استمر. و﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] أي: استمرت في الخسران.
[ ١٣ / ٥١٣ ]
سخط الله ويجلب الشقاوة في العاقبة، وثنى بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الوطن والمستقر، وذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما؛ ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، ثم وازن بين الدعوتين: دعوته إلى دين الله الذي ثمرته النجاة، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار، وحذر، وأنذر، واجتهد في ذلك واحتشد، لا جرم أن الله استثناه من آل فرعون، وجعله حجة عليهم وعبرة للمعتبرين، وهو قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]. وفي هذا أيضًا دليل بين على أن الرجل كان من آل فرعون
_________________
(١) ـ قوله: (أن الله استثناه من آل فرعون)، أي: اختاره منهم وجعله داعيًا إلى الله ونجاه مما حل بهم من سوء العذاب، وذلك قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ المغرب: يقال: ثنى العود، إذا حناه وعطفه؛ لأنه ضم أحد طرفيه إلى الآخر، ثم قيل: ثناه عن وجهه، إذا كفه وصرفه؛ لأنه مسبب عنه. ومنه: استثنيت الشيء، زويته لنفسي. والاسم: الثنيا بوزن الدنيا، ومنه الحديث: "من استثنى فله ثنياه"، أي: ما استثناه. والاستثناء في الاصطلاح: إخراج الشيء مما دخل فيه غيره؛ لأنه فيه كفًا وردا عن الدخول، والاستثناء في اليمين أن يقول الحالف: إن شاء الله؛ لأن فيه رد ما قاله بمشيئة الله تعالىً. قوله: (في هذا أيضًا دليل بين على أن الرجل كان من آل فرعون)، إشارة إلى ما سبق له في تفسير قوله تعالى: ﴿وقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وهو قوله: "وقول المؤمن: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا﴾ دليل ظاهر على أنه يتنصح قومه"، يعني: كما كان في تلك الآية دلالة ظاهرة على أن المؤمن من آل فرعون، كذلك في هذه الآية؛ لإضافة القوم إلى نفسه مرتين. وقوله: "اتبعوني" ولم يقل: اتبعوا موسى، وسلوك طريقة الإجمال والتفصيل، والمبالغة في التحذير والإنذار؛ لأن مثل هذه النصيحة وإمحاضها قلما يصدر من الأجانب، كما
[ ١٣ / ٥١٤ ]
والرشاد: نقيض الغي. وفيه تعريض سبيه بالتصريح أن ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغي.
[﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا ومَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٤٠]
﴿فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا﴾؛ لأن الزيادة على مقدار جزاء السيئة قبيحة؛ لأنها ظلم، وأما الزيادة على مقدار جزاء الحسنة فحسنة؛ لأنها فضل. قرئ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾، و(يدخلون). ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ واقع في مقابلة ﴿إلاَّ مِثْلَهَا﴾، يعني: أن جزاء السيئة لها حساب وتقدير؛ لئلا يزيد على الاستحقاق، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير
_________________
(١) ـ قال: "وإنهم قومه وعشيرته، ونصيحتهم عليه واجبة، وسرورهم سروره، وغمهم غمه"، ثم إدخال الفاء الفصيحة بعد الفراغ من النصيحة تتميم للمقصود، يعني: لما فرغ من النصيحة قصدوا إهلاكه ومكروا وهموا بتعذيبه، فوقاه الله مما هموا به، ورجع كيدهم إلى نحورهم. قوله: (والرشاد: نقيض الغي)، الراغب: الرشد والرشد: خلاف الغي، يستعمل استعمال الهداية، قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] وقال بعضهم: الرشد -بالفتح- أخص؛ فإن الرشد -بالضم- يقال في الأمور الدنيوية، وبالفتح في الدنيوية والأخروية، والراشد والرشيد يقال فيهما. قوله: (﴿يَدْخُلُونَ﴾ و"يدخلون")، ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر: "يدخلون"؛ بضم الياء وفتح الخاء، والباقون: بفتح الياء وضم الخاء. قوله: (فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير)، قال القاضي: ولعل تقسيم العمال، وجعل الجزاء اسمية مصدرة باسم الإشارة، وتفضيل الثواب لتغليب الرحمة، وجعل العمل عمدة والإيمان حالًا؛ للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل، وأن ثوابه أعلى من ذلك.
[ ١٣ / ٥١٥ ]
وحساب، بل ما شئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة.
[﴿ويَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأَنَا أَدْعُوكُمْ إلَى العَزِيزِ الغَفَّارِ﴾ ٤١ - ٤٢]
فإن قلت: لم كرر نداء قومه؟ ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟ قلت: أما تكرير النداء: ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ عن سنة الغفلة. وفيه: أنهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة،، فهو يتحزن لهم ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك أن لا يتهموه، فإن سرورهم سروره، وغمهم غمه؛ وينزلوا على تنصيحه لهم، كما كرر إبراهيم -صلى الله عليه- في نصيحة أبيه: ﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٥]. وأما المجيء بالواو العاطفة: فلأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل وتفسير له، فأعطى الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو، وأما الثالث: فداخل على كلام ليس بتلك المثابة: يقال: دعاه إلى كذا ودعاه له، كما
_________________
(١) ـ قوله: (وهم فيما يوبقهم)، أي: فيما يهلك أنفسهم، "هم" مبتدأ، و"فيما يوبقهم" خبر. قوله: (وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة)، يعني: قوله: ﴿ويَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ﴾ ليس من جنس الكلام المفسر، وهو ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فجيء بالعاطف ليكون عطفًا على قوله: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾، أتاهم بنوعين من الكلام: أحدهما: في الترغيب عن الدنيا وتصغير شأنها، والتحريض على الاطلاع على حقيقة الآخرة وتعظيم شأنها، وعلى ما يقربهم إليها من الأعمال الصالحة، وما يبعدهم عنها من الأعمال السيئة .. وثانيهما: في بيان مجادلة جرت بينهم وبينه، وأنه محق وأنهم مبطلون، وختمها بما ينبئ عن المتاركة بالكلية، وتحقق اعتزاله عنهم وتدميرهم، وهو قوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. وقال القاضي: كرر نداءهم إيقاظًا لهم عن سنة الغفلة، واهتمامًا بالمنادى له، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه،
[ ١٣ / ٥١٦ ]
تقول: هداه إلى الطريق وهداه له. ﴿بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: بربوبيته، والمراد بنفي العلم: نفي المعلوم، كأنه قال: وأشرك به ما ليس بإله، وليس بإله كيف يصح أن يعلم إلهًا؟
[﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا ولا فِي الآخِرَةِ وأَنَّ مَرَدَّنَا إلَى اللَّهِ وأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ٤٣ - ٤٤]
﴿لا جَرَمَ﴾ سياقه على مذهب البصريين: أن يجعل ﴿لَا﴾ ردًا لما دعاه إليه قومه،
_________________
(١) ـ وعطف ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ﴾ على النداء الثاني الداخل على ما هو بيان لما قبله لا على الأول، فإن ما بعده أيضًا تفسير لما أجمل فيه تصريحًا وتعريضًا. وقلت: يأبي أن يكون الثاني داخلًا في البيان لما فيه من الغلظة والوعيد إلى حلول الدمار وتصريح المتاركة، وقد مر غيره مرة أن دأب الأنبياء والداعين إلى الله سلوك طريق الملاطفة، وسبيل إرخاء العنان في الدعوة، ثم إذا أيقنوا أن ذلك النوع لا يجدي فيهم أتوا بالتوبيخ والتغليظ، ثم بعده بما يؤذن بالمتاركة والإقناط، وبتحقق الفصل بالهلاك والدمار. كذلك سلك هاهنا، ولهذا قال: "وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة"، وبينا مغزاه. قوله: (والمراد بنفي العلم نفي المعلوم)، أي: هو من باب نفي الشيء بنفي لازمه على سبيل الكناية. وعن بعضهم: نفي العلم عن الخاص-بناءً على الدليل الواضح الشامل للكل- يكون نفيًا للعلم عن الكل. قوله: (أن يجعل ﴿لَا﴾ ردًا لما دعاه إليه قومه)، قال الزجاج في سورة "هود": قال المفسرون: المعنى: حقًا إنهم في الآخرة هم الأخسرون. وزعم سيبويه أن "جرم" بمعنى "حق"، قال الشاعر:
[ ١٣ / ٥١٧ ]
و﴿جَرَمَ﴾: فعل بمعنى حق، و"أن" مع ما في حيزه فاعله، أي: حق ووجب بطلان دعوته. أو بمعنى: كسب، من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] أي: كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته، على معنى: أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته. ويجوز أن يقال: إن "لا جرم" نظير "لابد"، فعل من الجرم؛ وهو القطع، كما أن بدا فعل من التبديد؛ وهو التفريق؛
_________________
(١) ـ ولقد طعنت أبا عبيدة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أي: حقت فزارة بالغضب. ومعنى "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك، جرم في الآخرة هم الأخسرون، أي: كتب ذلك الفعل لهم الخسران. وعن بعضهم: "لا" هاهنا كـ"لا"؛ في "لا أقسم" في أنه رد لكلام سابق .. قوله: (و"أن" مع ما في حيزه فاعله)، أي: "ما" في ﴿أَنَّمَا﴾ بمعنى: الذي، أي: حق وثبت أن الذي تدعونني إليه ليس له دعوة، ولما كان معنى قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ قريبًا من معنى: بطل دعوته، رجع تلخيص المعنى إلى أنه حق وثبت بطلان دعوته؛ لما سيجيء بعيد هذا أن معناه: إن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط، إلى قوله: "ولو كان حيوانًا ناطقًا لضج من دعائكم". قوله: (أي: كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته)، "ذلك الدعاء": فاعل "كسب"، وهو معنى قوله: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ وقوله: "بطلان دعوته" معنى قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا ولا فِي الآخِرَةِ﴾، والضمير راجع إلى المدعو الذي في قوله: ﴿لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ﴾. قوله: (نظير "لابد")، فعلى هذا ﴿جَرَمَ﴾ اسم "لا"، و﴿جَرَمَ﴾ مرفوع المحل مبتدأ، والخبر ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾.
[ ١٣ / ٥١٨ ]
فكما أن معنى: لابد أنك تفعل كذا، بمعنى: لا بد لك من فعله، فكذلك ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢]، أي: لا قطع لذلك، بمعنى: أنهم أبدًا يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم، ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام، أي: لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حقًا. وروي عن العرب: لا جرم أنه يفعل، بضم الجيم وسكون الراء، بزنة "بد"، وفعل وفعل أخوان، كرشد ورشد، وعدم وعدم. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ معناه: أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط، أي: من حق المعبود بالحق أن يدعو إلى طاعته، ثم يدعو العباد إليها إظهارًا لدعوة ربهم، وما تدعون إليه وإلى عبادته لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدعي الربوبية، ولو كان حيوانًا ناطقًا لضج من دعائكم. وقوله: ﴿فِي الدُّنْيَا ولا فِي الآخِرَةِ﴾ يعني: أنه في الدنيا جماد لا يستطيع شيئًا من دعاء غيره، وفي الآخرة: إذا أنشأه الله حيوانًا، تبرأ من الدعاة إليه ومن عبدته. وقيل: معناه: ليس له استجابة دعوة تنفع في الدنيا ولا في الآخرة. أو: دعوة مستجابة. جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة كلا دعوة. أو سميت الاستجابة باسم الدعوة، كما سمي الفعل المجازى عليه باسم الجزاء في قولهم: كما تدين تدان. قال الله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤]. ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾ عن قتادة: المشركين. وعن مجاهد:
_________________
(١) ـ قوله: (ثم يدعو العباد إليها)، يعني: دل التنكير في ﴿دَعْوَةٌ﴾، وهي نكرة في سياق النفي، على نفي الدعوة عن الأصنام بالكلية، وذلك أن من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد المكرمين مثل الملائكة والرسل والعلماء الوارث إلى طاعته، ثم أولئك العباد يدعون غيرهم إلى عبادته إظهارًا لدعوة ربهم، وليس كذلك الأصنام. قوله: (سميت الاستجابة باسم الدعوة)، يعني: أنه من باب المشاكلة، وأصله: إن الذي تدعونني ليس له استجابة، أي: لا يجيب دعوتي، كما في قولك: كما تدين تدان، أي: كما تجازي تجازى، وأصله: كما تفعل تجازى، لكن قيل: كما تجازى؛ لوقوعه في صحبة "تجازى" الثاني.
[ ١٣ / ٥١٩ ]
السفاكين للدماء بغير حلها. وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم هم المسرفون. وقرئ: (فستذكرون) أيك فسيذكر بعضكم بعضًا. ﴿وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ﴾؛ لأنهم توعدوه.
[﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًا وعَشِيًا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ ٤٥ - ٤٦]
﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾: شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم. وقيل: نجا مع موسى، ﴿وحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ ما هموا به من تعذيب المسلمين، ورجع عليهم كيدهم. ﴿النَّارُ﴾ بدل من ﴿سُوءُ العَذَابِ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، كأن قائلًا قال: ما سوء العذاب؟ فقيل: هو النار؛ أو مبتدأ خبره ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾. وفي هذا الوجه تعظيم للنار وتهويل من عذابها. وعرضهم عليها: إحراقهم بها. يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف؛ إذا قتلهم به وقرئ: (النار)
_________________
(١) ـ قوله: (السفاكين للدماء بغير حلها) يريد أنه عود إلى بدء، افتتح بقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ جوابًا عن قول اللعين: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ فاختتم به تعريضًا. قوله: (وفي هذا الوجه تعظيم للنار)، قال صاحب "التقريب": من حيث الاستئناف. وقلت: الاستئناف غير مختص به؛ لأن السابق أيضًا وارد عليه، بل التعظيم من أن التركيب حينئذ من باب تقوي الحكم وجعل "النار" مبتدأ معتمدًا عليه، وبناء"يعرضون" عليها، فالجواب عن السؤال المقدر جملة الكلام إلى آخر الآية. قيل: سوء العذاب النار المحكوم عليها بكيت وكيت. قوله: (وعرضهم عليها إحراقهم بها)، ونحوه: عرضت الناقة على الحوض، وقول أبي العلاء: إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت عن الماء فاشتاقت إليه المناهل
[ ١٣ / ٥٢٠ ]
بالنصب، وهي تعضد الوجه الأخير، وتقديره: يدخلون النار يعرضون عليها، ويجوز أن ينتصب على الاختصاص. ﴿غُدُوًا وعَشِيًا﴾ في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم، فإما أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينفس عنهم. ويجوز أن يكون ﴿غُدُوًا وعَشِيًا﴾ عبارة عن الدوام، هذا مادامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قبل لهم: (ادخلوا) يا ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ﴾ عذاب جهنم. وقرئ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم. فإن قلت: قوله: ﴿وحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ﴾ معناه: أنه رجع عليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين، كقول العرب: من حفر لأخيه جبا، وقع فيه منكبا، فإذا فسر ﴿سُوءُ العَذَابِ﴾ بنار جهنم؛ لم يكن مكرهم راجعًا عليهم؛ لأنهم لا يعذبون بجهنم؟ قلت: يجوز أن يهم الإنسان بأن يغرق قوما فيحرق بالنار، ويسمى ذلك حيقا؛ لأنه هم بسوء فأصابه ما يقع عليه اسم السوء. ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه، ويجوز أن يهم فرعون لما سمع إنذار المسلمين بالنار، وقول المؤمن: ﴿وأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]
_________________
(١) ـ قوله: (وهي تعضد الوجه الأخير)، أي: جعل "النار" مفعولًا دل على اتصال ﴿النَّارُ﴾ بـ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، فينبغي في ذلك الوجه أيضًا أن يجعل خبرًا لها لتتصل بها، لا استئنافًا كما يقتضيه الوجهان السابقان. قوله: (هذا ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قيل لهم: ادخلوا)، اقتضى هذا التقدير الواو العاطفة في قوله: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، ووجه اتصاله بالكلام السابق، وإنما أتى في التفسير بالفاء؛ ليؤذن باتصال العذابين في مثل هذا المقام. قوله: (وقرئ: ﴿أَدْخِلُوا﴾، ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر: " الساعة ادخلوا" بوصل الألف وضم الخاء، ويبتدئونها بالضم. والباقون: بقطعها في الحالين وكسر الخاء.
[ ١٣ / ٥٢١ ]
فيفعل نحو ما فعل نمرود ويعذبهم بالنار، فحاق به مثل ما أضمره وهم بفعله. ويستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر.
[﴿وإذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ﴾ ٤٧]
واذكر وقت يتحاجون. ﴿تَبَعًا﴾: تباعًا، كخدم في جمع خادم. أو: ذوي تبع، أي: اتباع، أو وصفًا بالمصدر.
[﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُلٌّ فِيهَا إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَادِ﴾ ٤٨]
وقرئ: (كلا) على التأكيد لاسم "إن"، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه يريد:
_________________
(١) ـ قوله: (فيفعل) عطف على "أن يهم"، أي: يجوز أن يهم فرعون حينما سمع، فيكون سببًا لأن يقتدي بنمرود ويعذبهم بالنار. قوله: (ويستدل بهذا الآية على إثبات عذاب القبر)، قال الإمام: احتج أصحابنا بها على إثبات عذاب القبر، قالوا: الآية تقضي عرض النار عليهم غدوا وعشيًا، وليس المراد يوم القيامة لقوله تعالى ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم. ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن ابن عمر ﵁، عن رسول الله ﷺ: " إن أحدكم إذا مات عرض ليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله.
[ ١٣ / ٥٢٢ ]
إنا كلنا- أو: كلنا- فيها. فإن قلت: هل يجوز أن يكون (كلا) حالًا قد عمل فيها ﴿فِيهَا﴾؟ قلت: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في الظرف متقدمًا، تقول: كل يوم لك ثوب، ولا تقول: قائمًا في الدار زيد. ﴿قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَادِ﴾: قضى بينهم وفصل بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
[﴿وقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ العَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَاتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٤٩ - ٥٠]
﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾: للقوام بتعذيب أهلها. فإن قلت: هلا قيل: الذين في النار لخزنتها! قلت: لأن في ذكر جهنم تهويلًا وتفظيعًا، ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار
_________________
(١) ـ قوله: (إنا كلنا- أو: كلنا- فيها)، والرفع أبلغ؛ لأن "كلنا" مبتدأ و"فيها" الخبر، والجملة خبر"إن"، فيكون "كل" مقصودًا بالذكر بخلاف النصب؛ لأنه فضلة في الكلام. قال ابن جني: زيد ضربته، أقوى من قولنا: زيدًا ضربت؛ لأن" زيدًا" في الأول رب الجملة، وفي الثاني فضلة. قوله: (لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في الظرف متقدمًا)، قال صاحب"التقريب": وفيه نظر؛ لأنه ذكر في "الواقعة" بخلافه، قال: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَى﴾ وهو العامل فيها، أي: استقروا عليها متكئين. وقلت: ليس بخلاف ما ذكر في "الواقعة" لأنه قال: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَى﴾ أي: في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ [الطور: ٢٠] لا في قوله: ﴿عَلَيْهَا﴾، وذلك أن ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ إما خبر لـ ﴿ثُلَّةٌ﴾، والعامل الاستقرار، أو حال من الضمير في ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣] إذا جعل ﴿ثُلَّةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، فالمعنى: هم مستقرون على سرر متكئين، ﴿عَلَيْهَا﴾ صلة ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. قوله: (لأن في ذكر جهنم تهويلًا وتفظيعًا)، الانتصاف: هذا الوجه أظهر من الثاني،
[ ١٣ / ٥٢٣ ]
قعرًا، من قولهم: بئر جهنام: بعيدة القعر، وقولهم في النابغة: جهنام، تسمية بها؛ لزعمهم أنه يلقي الشعر على لسان المنتسب إليه، فهو بعيد الغور في علمه بالشعر، كما قال أبو نواس في خلف الأحمر:
قليذم من العياليم الخسف
_________________
(١) ـ والتفخيم فيه من وضع الظاهر موضع المضمر. والثاني أن جهنم أفظع من النار، إذ النار مطلقة، وجهنم أفظعها. قوله: (في النابغة) بالنون والغين المعجمة، ويروى: "في التابعة"، بالتاء والعين المهملة. عن بعضهم: التابعة: الذي يكون مع الجني وهو الذي يلقي على الكهنة والشعراء أشياء على زعمهم، وربما يجعلونه غولًا وجنية أيضًا. قوله: (أنه يلقي الشعر على لسان المنتسب إليه)، قيل: يروى: "يلقي" بفتح اللام وتشديد القاف، كأنه اقتبس من قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] و"على لسان" متعلق بمحذوف، أي: جاريًا على لسان المنسب إليه، والمراد بالمنتسب إليه العالم به علمًا كاملًا بحيث إذا ذكر إنما ذكر بطريق النسبة إليه لشهرته بحذاقته، كما يقال للفائق في النحو: النحوي. وإذا روي بسكون اللام وكسر القاف الخفيفة، ف"على" متعلق به، و"المنتسب إليه" التابعة، يعني: إذا قال شعرًا ألقاه على لسانه، فإنه يلقيه على لسان من ينسب إليه الشعر. وقيل: المراد بالمنتسب إليه الجني، أي: أنه لقي الشعر على الناس كائنًا على لسان الجني الذي انتسب إليه كما يلقي الجن على الكهنة والشعراء أشياء. قوله: (قليذم من العياليم الخسف)، أوله: أودى جميع العلم مذ أودى خلف من لا يعد العلم إلا ما عرف رواية لا يجتني من الصحف
[ ١٣ / ٥٢٤ ]
وفيها أعتى الكفار وأطغاهم، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة؛ لزيادة قربهم من الله؛ فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم. ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَاتِيكُمْ﴾ إلزام للحجة وتوبيخ، وأنهم خلفوا وراءهم أوقات الدعاء والتضرع، وعلطلوا الأسباب التي يستجيب الله لها الدعوات، ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ أنتم، فإنا لا نجترئ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين: كون المشفوع له غير ظالم، والإذن في الشفاعة مع مراعاة وقتها، وذلك قبل الحكم الفاصل بين الفريقين، وليس قولهم:
_________________
(١) ـ القليذم: صح بفتح القاف والذال؛ البحر الكثير الماء. والعيلم: الركية الكثيرة الماء. والخسف: البئر التي تخفر في حجارة فلا ينقطع ماؤها، والجمع: خسف. رواية: كثير الرواية. قوله: لايجتني العلم من الصحف، بل هو محفوظ في صدره. خلف هذا قيل: هو خلف بن أحمد بن الأحمر، وهو الذي قيل فيه: خلف بن أحمر أحمر الأخلاف أربى بسؤدده على الأسلاف قوله: (أجوب دعوة)، أي: أشد إجابة من جهة الدعوة، أي: دعاؤهم أقرب إلى الإجابة. قوله: (كون المشفوع له غير ظالم، والإذن في الشفاعة مع مراعاة وقتها)، قلت: الشرط الأول مدفوع بما روينا عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". أخرجه الترمذي وأبو داود. وفي أخرى للترمذي قال جابر: "من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة". والقيد في الشرط الثاني مردود بقوله صلوات الله عليه: "ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة". أخرجه
[ ١٣ / ٥٢٥ ]
﴿فَادْعُوا﴾ لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة، وإن الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه، كيف يسمع دعاء الكافر!
[﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ٥١ - ٥٢]
﴿فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، يعني: أنه يغلبهم في الدارين جميعًا بالحجة والظفر على مخالفيهم، وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحانًا من الله، فالعاقبة لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين. والأشهاد: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، يريد: الحفظة من الملائكة والأنبياء والمؤمنين من أمة محمد ﷺ، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. واليوم الثاني بدل من الأول، يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة ولكنها لا تنفع؛ لأنها باطلة، وأنهم لو جاؤوا بمعذرة لم تكن مقبولة؛
_________________
(١) ـ مسلم عن أبي الزبير. ولذلك قال الإمام: تقول الملائكة للكفار: لا يشفع إلا بشرطين: كون المشفوع له مؤمنا. والثاني: حصول الإذن في الشفاعة. وينصر هذا التأويل قوله: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَاتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وقوله: ﴿ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ﴾، ووضع الظاهر موضع المضمر للإشعار بالعلية وأن المانع هو صفة الكفر. قوله: (ويتيح الله)، الجوهري: تاح له الشيء وأتيح له الشيء: قدر له. قوله: (يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة ولكنها لا تنفع؛ لأنها باطلة، وأنهم لو جاؤوا بمعذرة لم تكن مقبولة)، الانتصاف: هما الاحتمالان في قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، لكن هاهنا يصير المعنى عكس الآخر على تقدير: ألا يكون لهم عذر ينفي صفة المعذرة وهي
[ ١٣ / ٥٢٦ ]
لقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: البعد من رحمة الله، ﴿ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أي: سوء دار الآخرة؛ وهو عذابها. وقرئ: ﴿يَقُومُ﴾ و﴿لا يَنفَعُ﴾ بالتاء والياء.
_________________
(١) ـ المنفعة، أي: إذا لم تحصل ثمرة المعذرة فكيف يقع ما لا ثمرة فيه؟ وفي تلك الآية جعل نفي الموصوف تبعًا لنفي الصفة، فهاهنا الأولى بالنفي الصفة، وفي هناك الأولى بالنفي الذات. وقلت: الكلام يفتقر إلى فضل بسط، وهو أن ما في تلك الآية وأمثالها من باب نفي الشيء بنفي لازمه، يعني: لما أريد نفي الشفيع مثلًا شفع بالتشفيع، فجعل انتفاء الشفيع دليلًا على انتفاء التشفيع بالطريق النهائي. وتلخيصه: أنه إذا لم يحصل الشفع فكيف يحصل التشفيع وهاهنا بالعكس؛ لأن الأصل ليس لهم معذرة نافعة، فعدل إلى "لا ينفع الظالمين معذرتهم" للمبالغة، وجعل انتفاء النفع دليلًا على انتفاء العذر، وعليه كلام صاحب "الانتصاف": وإذا لم يحصل ثمرة العذر فكيف يقع ما لا ثمرة له؟ فحينئذ ينتفي النفع بالطريق المذكور؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها؛ ألا ترى إلى المصنف كيف قال في تلك الآية: ضمت الصفة إلى الموصوف؛ ليقام انتفاء الموصوف في مقامه الشاهد على انتفاء الصفة؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف. قوله: (لقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، قال: ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عطف على ﴿وَلَا يُؤْذَنُ﴾ منخرط في سلك المنفي، والمعنى: ولا يكون لهم إذن واعتذار متعقب له، وقد روعي في الآيتين المناسبة بين الفقرتين. ولما قال هناك: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ شفعه بنفي الشفيع والتشفيع، ولما أوقع الكلام هاهنا على نفي المنفعة قرنه بإثبات المضرة، حيث قال: ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. قوله: (وقرئ: ﴿يَقُومُ﴾ و﴿لا يَنفَعُ﴾ بالتاء والياء)، والكوفيون ونافع: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.
[ ١٣ / ٥٢٧ ]
[﴿ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهُدَى وأَوْرَثْنَا بَنِي إسْرَائِيلَ الكِتَابَ * هُدًى وذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ٥٣ - ٥٤]
يريد بالهدى: جميع ما آتاه في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع. ﴿وأَوْرَثْنَا﴾: وتركنا على بني إسرائيل من بعده ﴿الكِتَابَ﴾ أي: التوراة
_________________
(١) ـ قوله: (وتركنا على بني إسرائيل من بعده الكتاب)، يعني: استعير ﴿وأَوْرَثْنَا﴾ لـ: تركنا. النهاية: في أسماء الله تعالى "الوارث"، وهو الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم، ومنه: "اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني"، أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت. وفيه إشارة إلى أن ميراث الأنبياء ليس إلا العلم والكتاب الهادي الناطق بالحكمة والموعظة، ألا ترى كيف أطلق الهدى في قوله: " ولقد آتينا موسى الهدى" ليكون شائعًا في جميع جنسه، فيتناول جميع ما آتاه الله في باب الدين، ثم جعل نصيب أمته الكتاب وحده؟ وكيف أومأ إليه سيدنا صلوات الله عليه في قوله: "من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طريق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر". أخرجه أبو داود والترمذي، عن قيس بن كثير، عن أبي الدرداء. قال صاحب "الجامع": معنى وضع أجنحة الملائكة التواضع والخشوع تعظيمًا للطالب وتوقيرًا للعلم، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. وقيل: معناه الكف عن الطيران، أي: لا يزول عنده، كقوله ﷺ: "ما من قوم يذكرون الله ﷿ إلا حفتهم الملائكة".
[ ١٣ / ٥٢٨ ]
﴿هُدًى وذِكْرَى﴾: إرشادًا وتذكرة، وانتصابهما على المفعول له، أو على الحال. وأولوا الألباب: المؤمنون به العاملون بما فيه.
[﴿فَاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ والإبْكَارِ﴾ ٥٥]
﴿فَاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يعني أن نصرة الرسل في ضمان الله، وضمان الله لا يخلف، واستشهد بموسى وما آتاه من أسباب الهدى والنصرة على فرعون وجنوده، وإبقاء آثار هداه في بني إسرائيل، والله ناصرك كما نصرهم، ومظهرك على الدين كله، ومبلغ ملك أمتك مشارق الأرض ومغاربها، فاصبر على ما يجرعك قومك من الغصص، فإن العاقبة لك وما سبق به وعدي من نصرتك وإعلاء كلمتك حق، وأقبل على التقوى، واستدراك الفرطات بالاستغفار، ودم على عبادة ربك والثناء
_________________
(١) قوله: (ومبلغ ملك أمتك مشارق الأرض ومغاربها)، إشارة إلى ما روينا عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله زوى لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها". أخرجه مسلم وأبو داود والترميذي، وأخرجه الإمام أحمد ابن حنبل عن شداد بن أوس. وقلت: هذا الذي ذكره وإن كان غرضًا يصار إليه، لكن النظم يقتضي أبلغ من ذلك، وهو أن يقال: ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥]، يعني: أنه ينصرك على أعدائك كما نصر موسى على أعدائه، ويظهرك على الدين كله، ويورث هذا الكتاب الكريم الذين اصطفينا من عبادنا ليعتصموا به، فيكون لهم هدى ينالون به رضا الله وزلفاه في العقبى وذكرًا أي: شرقًا وغربًا، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، فيملكون به مشارق الأرض ومغاربها.
[ ١٣ / ٥٢٩ ]
عليه ﴿بِالْعَشِيِّ والإبْكَارِ﴾. وقيل: هما صلاتا العصر والفجر.
[﴿إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٥٦]
﴿إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاَّ كِبْرٌ﴾: إلا تكبر وتعظم؛ وهو إرادة التقدم والرياسة، وأن لا يكون أحد فوقهم؛ ولذلك عادوك ودفعوا آياتك خيفة أن تتقدمهم ويكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك؛ لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة؛ أو إرادة أن تكون لهم النبوة دونك حسدًا وبغيًا، ويدل عليه قوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]؛ أو إرادة دفع الآيات بالجدال. ﴿مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ أي: ببالغي موجب الكبر ومقتضيه؛ وهو متعلق إرادتهم من الرئاسة أو النبوة أو دفع الآيات. وقيل: المجادلون: هم اليهود، وكانوا يقولون: يخرج صاحبنا المسيح بن داود- يريدون الدجال- ويبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله، فيرجع إلينا الملك، فسمى الله تمنيهم ذلك كبرًا،، ونفى أن يبلغوا متمناهم. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فالتجئ إليه من كيد من يحسدك ويبغي عليك ﴿إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما تقول ويقولون، ﴿البَصِيرُ﴾ بما تعمل ويعملون، فهو ناصرك عليهم وعاصمك من شرهم.
_________________
(١) ـ قوله: (ويدل عليه ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾)، [الأحقاف: ١١] أي: يدل على أن المراد من الكبر إرادة أن تكون لهم النبوة، وأن المجادلين في قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ الذين جادلوا في أمر النبوة، وأنه لم اختص بك دونهم، وأن تلك المجادلة لم تكن إلا من الكبر والحسد. قوله: (ويدل عليه قوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾)، لأن مثل هذه المجادلة لا تصدر إلا من الحاسد والباغي؛ لأن الله يختص بنبوته من يشاء، وليس تناولها والاختصاص بها من المسابقة، وما نشأ ذلك الحسد إلا من الكبر. قوله: (وهو متعلق إرادتهم من الرئاسة أو من النبوة أو دفع الآيات)، نشر للوجوه الثلاثة.
[ ١٣ / ٥٣٠ ]
[﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥٧]
فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ بما قبله؟ قلت: إن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إنكار البعث، وهو أصل المجادلة ومدارها، فحجوا بخلق السماوات والأرض؛ لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقها، وبأنها خلق عظيم لا يقادر قدره، وخلق الناس بالقياس إليه شيء قليل مهين، فمن قدر على خلق الإنسان_ مع مهانته_ أقدر، وهو أبلغ من الاستشهاد بخلق مثله، ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم واتباعهم أهواءهم.
_________________
(١) ـ قوله: (إن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إتكار البعث)، هذا مناسب للوجه الثالث من تفسير الكبر، وهو قوله: " أو إرادة دفع الآيات بالجدال". المعنى: إن الذين يجادلون في الآيات الدالة على إثبات الحشر والنشر والبعث لم تكن تلك المجادلة منهم من حجة وبرهان، لكن مما في قلوبهم من الكبر واستبعاد قدرة الله، فقل لهم: من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظمتهما كان على خلق أمثالكم في المهانة أقدر، وهو كقولهم تكبراُ وعنادًا واستكبارًا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا﴾ [يس: ٧٩] إلى قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] أي: مثلهم في الصغر والقماءة بالإضافة إلى السماوات والأرض، وينصر هذا التأويل قوله: ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون ما في البعث من الحكمة؛ لأنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء، ولا يتم ذلك إلا بمجيء الساعة ﴿إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا﴾. وقال القاضي: ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾: لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم، وما يستوي العاقل والمتبصر، وينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت، وهي فيما بعد البعث.
[ ١٣ / ٥٣١ ]
[﴿ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥٨]
ضرب الأعمى والبصير مثلًا للمحسن والمسيء. وقرئ: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ بالياء والتاء، والتاء أعم.
[﴿إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٥٩]
﴿لاَّ رَيْبَ فِيهَا﴾: لا بد من مجيئها ولا محالة، وليس بمرتاب فيها؛ لأنه لا بد من
_________________
(١) ـ قوله: (﴿يَتّذَكَّرُونَ﴾ بالياء والتاء)، عاصم وحمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. قوله: (والتاء أعم)، قال صاحب "التقريب": إنما أتم لتغليب الخطاب على الغيبة. وقال القاضي: لدلالة التاء على تغليب المخاطب أو الالتفات أو أمر الرسول ﷺ بالمخاطبة. قلت: التغليب وإن كان أعم؛ لأنه أشمل في التناول، ولكن غير مناسب للمقام، وأما الالتفات فإنه أتم فائدة وهو أنسب للمقام. وهذه الآية متصلة بقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهو كلام مع المجادلين، كما قال: فحجوا بخلق السماوات والأرض. والعدول من الغيبة إلى الخطاب في مقام التوبيخ يدل على العن الشديد والإنكار البليغ. وقال القاضي: وزيادة "لا" في ﴿المُسِيءُ﴾ لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة. قوله: (وليس بمرتاب فيها)، عطف تفسيري على قوله: "لا بد من مجيئها" وليس من شأنها أن يرتاب فيها المرتاب، وإن إرتاب فيها المبطلون فليس من روية وتفكر.
[ ١٣ / ٥٣٢ ]
جزاء. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: لا يصدقون بها.
[﴿وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٦٠]
﴿ادْعُونِي﴾: اعبدوني، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن، ويدل عليه قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾. والاستجابة: الإثابة، وفي تفسير مجاهد: اعبدوني أثبكم. وعن الحسن وقد سئل عنها: اعملوا وأبشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. وعن الثوري: أنه قيل له: ادع الله، فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء. وفي الحديث: "إذا شغل عبدي طاعتي
_________________
(١) ـ قوله: (فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا)، عن الإمام مالك، عن نافع: أنه سمع ابن عمر يدعو على الصفا يقول: " اللهم إنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وإنك لا تخلف المعياد، فإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم". قوله: (إن ترك الذنوب هو الدعاء)، يعني: أن المذنب متجرئ على الله مستكبر عن عبادته لا يعرف جلاله وعظمته، والمجتنب عن الذنب مطيع لربه خاضع مستكين مستحي لجلاله. وعن رسول الله ﷺ: "الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا". فإذن قوله: "إن ترك الذنوب هو الدعاء" من الجوامع. قوله: (إذا شغل عبدي طاعتي)، الحديث من رواية أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقول الرب ﵎: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". أخرجه الترمذي والدارمي.
[ ١٣ / ٥٣٣ ]
عن الدعاء، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". وروى النعمان بن بشير، عن رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة" وقرأ هذه الآية. ويجوز أن يريد الدعاء والاستجابة على ظاهر هما ويريد ب ﴿عِبَادَتِي﴾: دعائي؛ لأن الدعاء باب من العبادة، ومن أفضل أبوابها، يصدقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء. وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاث خلال لم يعطهن إلا نبيًا مرسلا: كان يقول لكل نبي: أنت شاهدي على خلقي، وقال لهذه الأمة: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ وكان يقول: ما عليك من حرج، وقال لنا: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]،
_________________
(١) ـ قوله: (وروى النعمان بن بشير)، الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه عنه. قوله: (ويجوز أن يريد الدعاء)، فيكون قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ تعليلًا للأمر بالدعاء لمعنى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لأن من لا يدعو فهو مستكبر، فأنا أعذبه، فوضع الدعاء العبادة ليؤذن بأن الدعاء مخ العبادة، عن الترمذي عن رسول الله ﷺ: "الدعاء مخ العبادة". وأوقع الصلة ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ليشعر بأن الدعاء هو الخضوع للباري، وفيه إظهار الافتقار والاستكانة. روينا عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: "من لم يسأل الله يغضب عليه"، وعن عبد الله بن مسعود قال رسول الله ﷺ: "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل". وهذه الآية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ لجامع وجود المجادلة في الآيات، وإما بحسب ترك الدعاء والعبادة، وما بينهما استطراد لحديث المجادلة في البعث.
[ ١٣ / ٥٣٤ ]
وكان يقول: ادعني أستجب لك، وقال لنا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. وعن ابن عباس: وحدوني أغفر لكم. وهذا تفسير للدعاء بالعبادة، ثم للعبادة بالتوحيد. ﴿دَاخِرِينَ﴾: صاغرين.
[﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهَارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ٦١]
﴿مُبْصِرًا﴾ من الإسناد المجازي؛ لأن الإبصار في الحقيقة لأهل النهار. فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولًا لها فيراعى الآخر؛ لأنه لو قيل: لتبصروا فيه: فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازي،
_________________
(١) ـ قوله: (وعن ابن عباس)، عطف على قوله: " ﴿ادْعُونِي﴾: اعبدوني"، يعني: معنى ﴿ادْعُونِي﴾: وحدوني. ومعنى ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: أغفر لكم. فدل ﴿ادْعُونِي﴾ على: اعبدوني، ودل "اعبدوني " على: وحدوني، فهو كناية تلويحية لوجود لوازم ليتصل إلى المقصود، هذا معنى قوله: "وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد"، وينصره قوله: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ الآيات. قوله: (فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازي)، وذلك أن الملابس إذا وصف بصفة الملابس به كان ذلك إيذانًا بكمال ذلك الوصف في الأصل، وأنه سرى منه إليه لكثرة صدوره منه، فإذا قيل: " نهاره صائم" بدل "هو في النهار صائم" أفاد أنه بلغ فيه إلى أن اتصف نهاره بصفته. وكذلك المراد في الآية المبالغة في رصف تهيؤ أسباب المعاش وسهولة تأتيها؛ لأن زمان التعيش هو النهار لنورانيته واستزادة قوة المبصر فيه، فجعل كأنه هو المبصر، ولو قيل: "لتبصروا" لم يعلم ذلك.
[ ١٣ / ٥٣٥ ]
ولو قيل: ساكنًا- والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم:
_________________
(١) ـ قوله: (ولو قيل: ساكنًا … لم يتميز الحقيقة من المجاز)، وذلك أن "ساكنًا" يجوز حمله على الحقيقة كما قال، ويجوز حمله على المجاز. ولو قيل: " ساكنًا" لبقي اللفظ دائرًا بين المعنيين أحدهما المقصود- وهو إرادة المجاز- إذ المراد أن يكون الناس في الليل ساكنين، والآخر غير مقصود- وهو إرادة الحقيقة_ فوجب التصريح بقوله: "لتسكنوا" لئلا يلتبس الغرض. قال صاحب "الفرائد": قوله: ﴿اللَّيْلَ﴾ يجوز أن يوصف على الحقيقة بالسكون منظور فيه لأن إضافة السكون إلى الليل باعتبار أنه لا ريح فيه، فالسكون للريح في الحقيقة لا لليل، ولا يلزم من قولهم: "ليل ساج وساكن" أن يكون السكون لليل حقيقة، فليتأمل. والجواب: أن من المجاز ما يسبق منه إلى الفهم بحسب كثرة الاستعمال معنى المنقول إليه لا المنقول منه، فإذا قلت: "جعل الليل ساكنًا" لم يتبادر منه سكون الريح، بل يفهم منه هدوؤه، وعلى تقدير جواز المجاز لا يتم المقصود؛ لأن القصد أن ينتقل الإسناد من الإنسان إليه، كما في ﴿والنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ لا من الريح. هذا وإن كلام المصنف مدخول فيه من جهة أخرى؛ لأنه كان ينبغي له أن يبين فائدة الاختلاف، لأنه لو قيل: " ساكنًا" لم تتبين الحقيقة من المجاز، على أنه لو أريد ب"ساكنًا" الإسناد المجازي لم يلتبس لقرينة التقابل، وهو كثيرًا يسلك هذا المسلك، والفائدة فيه أن الكلام وارد على الامتنان، والامتنان بجعل النهار مبصرًا أدخل من جعل الليل لتسكنوا؛ لأن رغبة الناس في ابتغاء الفضل والتهيؤ للمعاش في النهار أكثر من النوم في الليل، فعدل في إحدى القرينتين من الظاهر، وقال: ﴿مُبْصِرًا﴾ بدل "لتبصروا فيه" للمبالغة، وترك الأخرى على الظاهر لهذه الدقيقة، ومن ثم جاء في موضع آخر: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]، والسبات: الموت. روي عن أبي الهيثم أنه قال: المناسب أن ينسب السكون إلى الليل؛ لأن الحركة إما حركة طبع أو اختيار، وحركة الطبع من الحرارة، وحركة الاختيار من الخطرات المتتابعة بسبب الحواس، فخلق الليل باردًا مظلمًا.
[ ١٣ / ٥٣٦ ]
ليل ساج، وساكن لا ريح فيه - لم يتميز الحقيقة من المجاز. فإن قلت: فهلا قيل: لمفضل، أو: لمتفضل! قلت: لأن الغرض تنكير الفضل، وأن يجعل فضلًا لا يوازنه فضل، وذاك إنما يستوي بالإضافة. فإن قلت: فلو قيل: ولكن أكثرهم، فلا يتكرر ذكر الناس؟ قلت: في هذا التكرير تخصيص لكفران النعمة بهم، وأنهم هم الذين يكفرون
_________________
(١) ـ وقال القاضي: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: لتستريحوا فيه بأن خلقه باردًا مظلمًا؛ ليؤدي إلى ضعف الحركات وهدوء الحواس. قوله: (وذاك إنما يستوي بالإضافة)، أي: إذا جعل "فضل" مضافًا إليه يرجع معنى التنكير إليه، أي: فضل، ولو قيل: متفضل لم يكن هذا المعنى. قوله: (في هذا التكرير تخصيص لكفران النعمة بهم)، قال صاحب "الفرائد": وضع الظاهر موضع المضمر؛ للإيذان بأنهم لا يشكرون لكونهم ناسًا؛ لأن الشر معجون في طينة الناس، وهو الغالب عليهم. قال الراغب في "غرة التنزيل": فإن قيل: لم اختلف أواخر هذه الآي، أعني ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بعده: ﴿إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وبعده: ﴿إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾، ثم بعده: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾؟ الجواب: إن من أقر بخلق السماوات والأرض ثم أنكر الإعادة، فالمناسب أن ينبه على ذلك بأن يقال له: إن من قدر على الأكبر فهو أقدر على الأصغر، فلذلك اختص بنفي العلم؛ لأن العلم هو المحتاج إليه والمبعوث عليه، وإن من أنكر البعث فهو محتاج إلى الإيمان به بعد علمه بأن القادر على خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم، وأما قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ فمعناه: ومن كان الله عليه فضل فهو محتاج إلى أن يؤدي حقه بالشكر وبما يستديمها له ويربطها لديه.
[ ١٣ / ٥٣٧ ]
فضل الله ولا يشكرونه،، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف: ١٥]، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
[﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٦٢ - ٦٣]
﴿ذَلِكُمُ﴾ المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ﴾ أخبار مترادفة، أي: هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية، وخلق كل شيء، وإنشائه، لا يمتنع عليه شيء؛ والوحدانية: لا ثاني له ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: فكيف ومن أي وجه يصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان. ثم ذكر أن ل من جحد بآيات الله، ولم يتأملها، ولم يكن فيه همة طلب الحق وخشية العاقبة: أفك كما أفكوا. وقرئ: (خالق كل شيء) نصبًا على الاختصاص، و﴿تُؤْفَكُونَ﴾ بالتاء والياء.
[﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا والسَّمَاءَ بِنَاءً وصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ورَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ * هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٦٤ - ٦٥]
هذه أيضًا دلالة أخرى على تميزه بأفعال خاصة؛ وهي أنه جعل الأرض مستقرًا
_________________
(١) ـ قوله: (أفك كما أفكوا)، قال محيي السنة: كما أفكتم عن الحق مع قيام الدليل، ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. قوله: (هذه أيضًا دلالة أخرى على تميزه بأفعال خاصة)، يريد أن قوله تعالى: ﴿اللهُ
[ ١٣ / ٥٣٨ ]
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أي: قبة، ومنه: أبنية العرب؛ لمضاربهم؛ لأن السماء في منظر العين كقبة مضروبة على وجه الأرض. ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ وقرئ بكسر الصاد، والمعنى واحد. قيل: لم يخلق حيوانًا أحسن صورة من الإنسان. وقيل: لم يخلقهم منكوسين كالبهائم، كقوله: ﴿في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ﴿فَادْعُوهُ﴾: فاعبدوه
_________________
(١) ـ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ إلى آخره قد بني فيه الخبر وهو الموصولة المشتملة على صلات هي أفعال يختص بها الباري على الاسم الجامع ليتم بها عن الغير، كذلك قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا﴾، وكما أن قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أتى ليشير به إلى أن الموصوف بتلك الصفات المذكورة مستحق لأن يكون ربا خالقًا لا إله إلا هو، كذلك قوله: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ﴾، وإن جيء بالضمير بدل اسم الإشارة. وأما قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنء تُرَابٍ﴾ فإن المبتدأ وإن بني على الموصولة المشتملة على الصلوات المختلفة، لكن استغلاله في الدلالة على التميز ليس كاستغلالهما؛ لأنه من تتمة قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، ولذلك اكتفي بالضمير دون الاسم الجامع، ولم يؤت باسم الإشارة أو بما يقوم مقامه من الضمير لانبناء التوحيد عليه، لكن فيه اعتناء بدليل الأنفس لذكره أولًا مجملًا ثم مفصلًا ثانيًا، والله أعلم. قوله: (﴿بِنَاءً﴾)، عن بعضهم: ومنه يقال للنطع: البناء والمبنأة؛ لأنهم يتخذون منه أبنية. وفي الحديث: "طرح لرسول الله ﷺ بناء في يوم مطير"، أي: نطع. قوله: (لم يخلق حيوانًا أحسن صورة من الإنسان)، قال القاضي: أحسن صوركم بأن خلقكم منتصب القامة، بادي البشرة، متناسب الأعضاء والتخطيطات، متهيئًا لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات. قوله: (﴿فَادْعُوهُ﴾: فاعبدوه)، وإنما فسر الدعاء بالعبادة؛ لأنه أمر يترتب على
[ ١٣ / ٥٣٩ ]
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الطاعة من الشرك والرياء، قائلين: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾. وعن ابن عباس ﵁: من قال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين.
[﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ البَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٦٦]
فإن قلت: أما نهي رسول الله ﷺ عن عبادة الأوثان بأدلة العقل حتى جاءته البينات من ربه؟ قلت: بلى، ولكن البينات لما كانت مقوية لأدلة العقل ومؤكدة لها
_________________
(١) ـ الأوصاف السابقة، وهي تقتضي غاية الخضوع والتذلل وليست إلا العبادة، وعدل منها إلى الدعاء؛ لأنها محض الافتقار وفيها نهاية الانكسار، ولما كان المطلوب غاية الخضوع والإخلاص جيء بمفعول ﴿مُخْلِصِين﴾، وقد الصلة على المفعول به؛ ليؤذن بأن الإخلاص في العبادة مطلوب لذاته. والإخلاص في الإخلاص هو أن يخلص الإخلاص؛ لتكون له الطاعة لا لشيء آخر. قوله: (من قال: لا إله إلا الله، فليقل في أثرها: الحمد لله)، وذلك أن قوله: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أمر بالإخلاص عقب بالتحميد ورتب على التهليل، يعني: إذا تكلمت بكلمة التوحيد فاعمل بالإخلاص، فإنه من مقتضاه، ثم احمد الله على التوفيق، كما قال: "قل آمنت بالله ثم استقم". قوله: (بلى، ولكن البينات لما كانت مقوية) إلى آخره، الانتصاف: معرفة الله ووحدانيته معلومتان بالعقل، ترد الأدلة العقلية في مضمون السمعية، أما وجوب عبادة الله وتحريم عبادة الأصنام فحكم شرعي، فقوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ أي: حرم علي، وهذا إنما يتحقق بعد البعثة خلافًا للمعتزلة في الإيجاب قبل الشرع للتحسين والتقبيح. ثم قوله: " إنما تقوي أدلة
[ ١٣ / ٥٤٠ ]
ومضمنة ذكرها -نحو قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] وأشباه ذلك من التنبيه على أدلة العقل- كان ذكر البينات ذكرًا الأدلة العقل والسمع جميعًا، وإنما ذكر ما يدل على الأمرين جميعًا؛ لأن ذكر تناصر الأدلة، أدلة العقل وأدلة السمع أقوى في إبطال مذهبهم، وإن كانت أدلة العقل وحدها كافية.
[﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٦٧]
﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ متعلق بفعل محذوف تقديره: ثم يبقيكم لتبلغوا. وكذلك ﴿لِتَكُونُوا﴾. وأما ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ معناه: ونفعل ذلك لتبلغوا أجلًا مسمًى، وهو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة.
_________________
(١) ـ العقل" باطل؛ لأن القطعي لا يقبل القوة. وقلت -والله أعلم-: إن مغزى الكلام على التعريض وإرخاء العنان وجريان البيان على الألف والاستمرار على المألوف، يعني: قضية التقليد توجب ما أنتم عليه، ولكني خصصت بأمر دونكم فتأملوا فيه واستعملوا عقولكم فيه، وأنتم مراجيح العقول، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٣ - ٤٤] ولما كان المقصود قطع المألوف كان الجواب العتيد: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦]. قوله: (وهو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة)، هذا هو الوجه؛ لأن الخلق ما خلقوا إلا ليعبدوا ثم يبلغوا موقف الجزاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [يونس: ٤] الآية.
[ ١٣ / ٥٤١ ]
وقرئ: (شِيوخًا)، بكسر الشين. و(شيخًا)، على التوحيد، كقوله: ﴿طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، والمعنى: كل واحد منكم. واقتصر على الواحد؛ لأنّ الغرض بيان الجنس. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل الشيخوخة، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطًا، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما في ذلك من العبر والحجج.
[﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٦٨]
﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّما﴾ يكونه من غير كلفة ولا معاناة. جعل هذا نتيجة من قدرته على الإحياء والإماتة، وسائر ما ذكر من أفعاله الدالة على أنّ مقدورًا لا يمتنع عليه، كأنه قال: فلذلك من الاقتدار إذا قضى أمرًا كان أهون شيء وأسرعه.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ "شيوخًا")، ابن كثير وابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائي. قوله: (فلذلك من الاقتدار إذا قضى أمرًا كان أهون شيء وأسرعه)، والمعنى: اعلموا وتنبهوا على أن من كان قادرًا على تلك المقدورات العظيمة كما شاء كيف شاء ومتى شاء بلا مانع ولا مدافع، كان أمره إذا قضى أمر الإعادة وجد كأهون شيء وأسرعه، وإنما قيدناه بذكر الإعادة؛ لأن جميع ما ذكر من الآيات عقيب قوله: ﴿إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وقد عطف على هذا المجموع مجموع قوله: ﴿وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ على طريق الحصول والوجود، وتفويض الترتيب بينها إلى الذهن، يعني: لما اقتضت الحكمة إيجاد الخلق للعبادة ثم ترتب الجزاء عليها وذلك عند قيام الساعة، فلا بد من حصولهما، ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يستكبرون عن العبادة وينكرون الإعادة، "أفلا يتفكرون" في تلك الدلائل الدالة على كمال القدرة ونفاذ الإرادة؛ ليعلموا أن من كان قادرًا على ذلك كان أمر الإعادة أهون شيء وأسرعه عليه، والله أعلم.
[ ١٣ / ٥٤٢ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ *ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ * ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٦٩ - ٧٦]
﴿بِالْكِتابِ﴾: بالقرآن ﴿وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ من الكتب. فإن قلت: وهل قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ إلى مثل قولك: سوف أصوم أمس؟ قلت: المعنى على إذا، إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في إخبار الله تعالى متيقنة مقطوعًا بها: عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال
_________________
(١) ـ قال القاضي: فإذا أراد شيئًا كان، فلا يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة من حيث إنه تعالى يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد والمواد. وقلت: في هذا التنبيه تقريع عظيم للمجادلين في الآيات الشاهدة على إثبات البعث واستبعادهم الإعادة، ولذلك جعل هذه النتيجة تخلصًا وكرًا إلى إعادة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ﴾ على سبيل التعجب والتعجيب، وسجل على جهالتهم وصرفهم عن الطريق الحق مع قيام تلك الحجج القاطعة والبراهين الساطعة بقوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾، كما قال في تلك الآية: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]. قوله: (والمعنى على "إذا")، ويروى على "إذ"، أي: فسوف يعلمون حين الأغلال في أعناقهم. قال أبو البقاء: "إذ" ظرف زمان ماض، والمراد بها الاستقبال ها هنا؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
[ ١٣ / ٥٤٣ ]
وعن ابن عباس: (والسلاسل يسحبون) بالنصب وفتح الياء، على عطف الجملة الفعلية على الاسمية. وعنه: (والسلاسل يسحبون) بجر "السلاسل"، ووجهه: أنه لو قيل: إذ أعناقهم في الأغلال، مكان قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ لكان صحيحًا
_________________
(١) ـ قوله: (وعن ابن عباس: "والسلاسل يسحبون"؛ بالنصب)، قال ابن جني: وقرأها ابن مسعود، والتقدير: إذ الأغلال في أعناقهم ويسحبون السلاسل، بفتح الياء واللام بعطف الجملة الفعلية على الاسمية، ونحوه قول الشاعر: أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد أموف بأدراع ابن طيبة أم تذم أي: أنت موف بها أم تذم؟ فقابل بالمبتدأ الخبر الذي من الفعل والمفعول الجاري مجرى الفاعل، على أن ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ يشبه في اللفظ الجملة الفعلية لتقدم الظرف على المبتدأ كتقدم الفعل على الفاعل مع قوة شبه الظرف بالفعل، على أن أبا الحسن يرفع "زيدًا"- من قولك: في الدار زيد- بالظرف، كما يرفعه بالفعل. ومن غريب شبه الظرف بالفعل أنهم لم يجيزوا في قولهم: "فيك يرغب"، أن يكون "فيك" مرفوعًا بالابتداء، وفي "يرغب" ضمير، كقولك: زيد يضرب، لن الفعل لا يرفع بالابتداء، فكذلك الظرف، ومن ذلك أيضًا قوله: زمان علي غراب غداف فطيره الشيب عني فطارا فعطف الفعل على الظرف، وفي الأمثلة كثرة. نم كلام ابن جني. قوله: (بجر "السلاسل")، قال مكي: هذا على العطف على الأعناق غلط؛ لأنه يصير الأعناق في السلاسل، ولا معنى للغل في السلسة، ومن ثم قال المصنف: "ووجهه أنه لو قيل" إلى آخره، تصحيحًا له.
[ ١٣ / ٥٤٤ ]
مستقيمًا، فلما كانتا عبارتين معتقبتين: حمل قوله" (وَالسَّلاسِلِ) على العبارة الأخرى، ونظيره:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب
كأنه قيل: بمصلحين. وقرئ: (وبالسلاسل يسحبون). ﴿فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾: من سجر التنور؛ إذا ملأه بالوقود. ومنه: السجير، كأنه سجر بالحب، أي: ملئ. ومعناه: أنهم في النار فهي محيطة بهم، وهم مسجورون بالنار مملوءة بها أجوافهم. ومنه قوله تعالى: ﴿نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٦ - ٧]. اللهم أجرنا من نارك، فإنا عائذون بجوارك. ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾: غابوا عن عيوننا، فلا نراهم ولا ننتفع بهم. فإن قلت: أما ذكرت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: أنهم مقرونون بآلهتهم، فكيف يكونون معهم وقد ضلوا عنهم؟ قلت: يجوز أن يضلوا عنهم إذا وبخوا وقيل لهم: أينما كنتم تشركون من دون الله فيغيثوكم ويشفعوا لكم؟ وأن يكونوا معهم في سائر الأوقات، وأن يكونوا معهم في جميع أوقاتهم؛ إلا أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم ضالون عنهم. ﴿بَلْ
_________________
(١) ـ قوله: (ومنه السجير)، كأنه سجر بالحب، الجوهري: سجير الرجل: خليله وصفيه، والجمع: السجراء. قوله: (﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾: غابوا عن عيوننا)، الجوهري: ضللت الدار والمسجد، إذا لم تعرف موضعهما، وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدى له. وفي الحديث: "لعلي أضل الله"، يريد: أضل عنه، أي: أخفى عليه، من قوله تعالى: ﴿أئِذَا ضَلَلْنَا في الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أي: خفينا. قوله: (مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم)، هذا إنما يستقيم إذا فسر ﴿ضَلُّوا
[ ١٣ / ٥٤٥ ]
لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: تبين لنا أنهم لم يكونوا شيئًا، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئًا، كما تقول: حسبت أنّ فلانًا شيء فإذا هو ليس بشيء؛ إذا خبرته فلم تر عنده خيرًا. ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم، حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا، ﴿ذلِكُمْ﴾ الإضلال بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وهو الشرك وعبادة الأوثان، ﴿ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السبعة المقسومة لكم، قال الله تعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ﴾: مقدّرين الخلود ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الحق المستخفين به مثواكم، أو جهنم: فإن قلت: أليس قياس النظم أن يقال: فبئس مدخل
_________________
(١) ـ عَنَّا﴾ غابوا عنا، لا على أن يكونوا معهم في سائر الأوقات؛ إلا أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم ضلوا على طريق المشاكلة، وإليه الإشارة بقوله: "حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا"، وإنما ركب هذا المتعسف؛ لأن إسناد الإضلال إلى الله غير جائز عنده؛ وإلا فالمعنى على التذييل. وقال محيي السنة: كما أضل هؤلاء يضل الله الكافرين. والقاضي: مثل هذا الإضلال يضل الله الكافرين حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة. وذهب هذا عن صاحب "التقريب" حتى تبع المصنف فيه. قوله: (مثواكم أو جهنم)، إشارة إلى أن المخصوص بالذم هذا أو ذاك؛ لأن ﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ إذا كان من وضع المظهر موضع المضمر للعلية بدليل قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، كان التقدير: فبئس المثوى مثواكم، وإذا كان عامًا ليدخلوا فيه دخولًا أوليًا كان التقدير: فبئس المثوى جهنم. قوله: (أليس قياس النظم أن يقال: فبئس مدخل)، حين صدر الكلام بلفظ ﴿ادْخُلُوا﴾ ناسب أن يجاء في العجز بـ"مدخل" ليتجاوبا؟ وأجاب: إنما لم يناسبه إذا اكتفى بقوله:
[ ١٣ / ٥٤٦ ]
المتكبرين، كما تقول: زر بيت الله فنعم المزار، وصل في المسجد الحرام فنعم المصلى؟ قلت: الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.
[﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ ٧٧]
﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصله: فإن نرك، و"ما" مزيدة لتأكيد معنى الشرط؛ ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا تراك لا تقول: إن تكرمني أكرمك، ولكن: إما تكرمني أكرمك. فإن قلت: لا يخلو: إما أن تعطف ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ على ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ وتشركهما في جزاء واحد؛ وهو قوله: ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ فقولك: فإمّا نرينك بعض الذي نعدهم فإلينا يرجعون: غير صحيح، وإن جعلت ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ مختصًا بالمعطوف الذي هو ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، بقي المعطوف عليه بغير جزاء. قلت: ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ متعلق بـ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، وجزاء ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ محذوف،
_________________
(١) ـ ﴿ادْخُلُوا﴾ ولم يقيد بالخلود، ولما قيد به كان معناه مع التقييد معنى ﴿مَثْوَى﴾ فصح التجاوب. قوله: (و"ما" مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون)، الانتصاف: أي: المصحح لدخول نون التوكيد دخول "ما" على الشرط، ولولاه لم يجز؛ لأن النون المؤكدة مخصوصة بغير الواجب، والشرط من قسم الواجب؛ إلا أنه إذا أكد قوي بها، فساغ دخول النون. قوله: (﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ متعلق بـ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، وجزاء ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ محذوف)، الانتصاف: أما حذف الأول دون الثاني؛ لأن الأول إذا وقع فهو غاية الأمل في إنكائهم، وإن لم يقع دفع الثاني وهو الذي يحتاج إليه في التسلية. وقال القاضي: ويجوز أن يكون ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ جوابًا لهما، بمعنى: إن تعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب، ويدل على شدته الاقتصار بذكر
[ ١٣ / ٥٤٧ ]
_________________
(١) الرجوع في هذا المعرض. وقلت: تفسير المصنف آذن بالعذاب الواقع في الدنيا مهتم بشأنه معقود به الهمة؛ لأن المعنى: فذاك مناك ومطلوبك، وأما الأخروي فلا بد من كينونته. وتفسير القاضي دل على أن الاهتمام ببيان الأخروي والدنيوي إن وقع أو لم يقع سواء، والمصنف فسر ما في "الرعد" بما يوافق تفسير القاضي، حيث قال: " ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما أوعدناهم من إنزال العذاب عليهم، أو توفيناك قبل ذلك فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب وعلينا لا عليك حسابهم وجزاؤهم"، حيث جعل "أريناك" و"توفيناك" بيانًا لأحوال الدائرة، وأوقع قوله: "فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب" المعبر عن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [الرعد: ٤٠] جزاءً للشرط. فإن قلت: ما الفرق؟ قلت: بين المقامين بون بعيد؛ لأن الجزاء في "الرعد" مختص بالنبي ﷺ ودال على الردع عن توقع الحساب والعقاب، وأن عليه تبليغ الرسالة فحسب، والجزاء ها هنا مختص بالكفار، ولذلك ما جوز أن يكون جوابًا لقوله: ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ ولا له ولقوله: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ معًا؛ لأن هذا المقام مقام التسلية والتصبير على أذى القوم، والتشفي عنهم مطلوب، ولا سيما قد فازوا بمباغيهم يوم بدر، وقضية النظم يساعد هذا التقرير، وذلك أن قوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ متصل بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد ووعيد لهم على مجادلتهم وتكذيبهم، و﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ ظرف ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أي: لم تتعجب من حال هؤلاء المعاندين ومجادلتهم وكفرهم مع ما يفعل بهم من النكال إليه؟ فسوف يعلمون هم سوء عاقبة
[ ١٣ / ٥٤٨ ]
تقديره: فإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب؛ وهو القتل [والأسر] يوم بدر، فذاك، أو إن نتوفينك قبل يوم بدر فإلينا يرجعون يوم القيامة فننتقم منهم أشدّ الانتقام، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١ - ٤٢].
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٧٨]
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ قيل: بعث الله ثمانية آلاف نبىّ: أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. وعن علىّ ﵁: أنّ الله تعالى بعث نبيًا أسود، فهو ممن لم يقصص عليه. وهذا في اقتراحهم الآيات على رسول الله ﵌ عنادًا، يعنى: إنا قد أرسلنا كثيرًا من الرسل وما كان لواحد منهم أَنْ يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ،
_________________
(١) ـ عنادهم وكفرهم إذ الغلال في أعناقهم، فاصبر على أذاهم، فإن الله وعد المؤمنين أن يشفي صدورهم بالانتقام منهم في الدنيا، فإما نرينك بعض ذاك فذاك مناك، أو نتوفينك فألينا يرجعون، فيصلون إلى ما أوعدناهم وأعددنا لهم من الخزي والنكال وجر السلاسل والأغلال والسحب إلى جهنم والسجر في النار، فبئس المآل. قوله: قيل (بعث الله ثمانية آلاف نبي)، والصحيح ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم وفى عدة الأنبياء؟ قال: "مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر، جمًا غفيرًا".
[ ١٣ / ٥٤٩ ]
فمن لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إلا أن يشاء الله ويأذن في الإتيان بها. ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ وعيد وردّ عقيب اقتراح الآيات. وأمر الله: القيامة. ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾: هم المعاندون الذين اقترحوا الآيات، وقد أتتهم الآيات فأنكروها وسموها سحرًا.
[﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ ٧٩ - ٨١]
الأنعام: الإبل خاصة. فإن قلت: لم قال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها﴾
_________________
(١) ـ قوله: (فمن لي بأن آتي بآية)، أي: فمن يضمن لي الخلاص من عذاب الله بأن آتي بآية مقترحة؟ قوله: (لم قال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها﴾)، وجه السؤال: أنه تعالى ذكر أمورًا ولم يجعلها على وتيرة واحدة، إما بأن تسلب لام الغرض منها جميعًا، وإما أن تدخل فيها جميعًا، وخلاصة الجواب: أن الغالب في الأكل وسائر المنافع استيفاء مجرد الشهوة، ولا يناط به أمر ديني إلا في الندرة، فالناس والبهائم فيهما سواء، وان الغالب في الركوب وبلوغ الحاجة عليها قضاء حق العبادة، فلا يكون الاهتمام فيها سواء ففرق باللام. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] قال صاحب "الفرائد": كيف يكون الأكل وإصابة المنافع بدون تعلق إرادته؟ هذا خارج عن حد الاستقامة، والوجه أن يقال: إنما قال: ﴿وَمِنْها تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ كاللبن والوبر، ولم يقل: لتأكلوا منها ولتصلوا إلى المنافع؛ لأنهم في الحال آكلون وآخذون المنافع، وأما الركوب وبلوغ الحاجة فأمران منتظران، فجيء بما يدل على الاستقبال. وقال صاحب "الانتصاف": بنى الزمخشري على أن الأمر راجع إلى الإرادة، والحق أنه لا ربط بين الأمر والإرادة، والصحيح أن المهم في الأنعام الركوب وبلوغ الحوائج في السفر
[ ١٣ / ٥٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والنقلة فقرنا ياللام، وأما الأكل وبقية المنافع كالأصواف والألبان فهي تابعة بالنسبة إلى الركوب والحمل، فلذلك جردت عن اللام. وقال القاضي: وتغير النظم في الأكل؛ لأنه في حيز الضرورة. وقال صاحب "التقريب": فيما ذكر المصنف نظر؛ إذ قد يكون الأولان لمباح والباقيان لأمر ديني. وقلت: نظير الآية قوله تعالى في "النحل": ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥ - ٨]، قال المصنف هناك: إنما قدم الظرف في قوله: ﴿وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾؛ لأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس، وإنما اختلف في ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن. انتهى كلامه. ولا ارتياب أن أصل الكلام ها هنا: جعل لكم الأنعام لتركبوا منها وتأكلوا منها وتنتفعوا بأصوافها وأوبارها وألبانها ونسلها. ولما كانت هذه العبارة من الجوامع احتمل ما قال المصنف. وفي بلوغ الحاجة: الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم، وما ذكره محيي السنة ورواه الواحدي عن مجاهد ومقاتل: تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد وتبلغوا عليها حاجاتكم في البلاد. وما يعطيه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] من معنى التجمل، قال في تفسيره: من الله بالتجمل بها من أغراض أصحاب المواشي بل هو من معاظمها، إلى قوله: ويسلبهم الجاه والحرمة عند الناس. وأما معنى التكرير في قوله: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ على رأي مجاهد: فلإناطة معنيين:
[ ١٣ / ٥٥١ ]
﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا﴾، ولم يقل: لتأكلوا منها، ولتصلوا إلى منافع؟ أو هلا قال: منها تركبون، ومنها تأكلون وتبلغون عليها حاجة في صدوركم! قلت: في الركوب: الركوب في الحج والغزو، وفي بلوغ الحاجة: الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم؛ وهذه أغراض دينية إمّا واجبة أو مندوب إليها مما يتعلق به إرادة الحكيم. وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا يتعلق به إرادته، ومعنى قوله: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى
_________________
(١) ـ أحدهما: تشبيه الجمال بالسفن، قال في سورة "المؤمنين": وقرنها بالفلك التي هي السفائن؛ لأنها سفائن البر. وثانيهما: إدخال منة أخرى في هذه المنن على سبيل الاستطراد، وإنما خولف بين العبارات للتفنن ولاختلاف أغراض الناس، فإن الناس في الحضر لا يهتمون بشأن الركوب اهتمامهم في السفر، فأجرى الركوب على الظاهر، وغير في قوله: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] وإنما غير النظم في الأكل؛ لأنه في حيز الضرورة-كما قال القاضي- أو لرعاية الفواصل وهو الوجه؛ إذ لو جيء على ظاهره لاختلت، وكذلك جرى في الفاصلة الآتية. وأما قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ فكالتابع للأكل، فأجري مجراه، كما قال صاحب "الانتصاف"، ولما اشتمل ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ على تلك الفوائد المتكاثرة جعله مستقلًا في الغرض بإعادة اللام ونكر الحاجة وقرنها بقوله: ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾، تأكيدًا كما في قوله تعالى: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وقوله: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] وفي تخصيصه الأنعام ها هنا بالإبل وتفسيره قوله: ﴿وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] في "النحل" بان تقديم الظرف للاختصاص، وأن الأكل منها هو الأصل إلى آخره، وليس له العذر إلا مراعاة الفواصل. والله أعلم بمراده من كلامه.
[ ١٣ / ٥٥٢ ]
الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾: وعلى الأنعام وحدها لا تحملون، ولكن عليها وعلى الفلك في البر والبحر. فإن قلت: هلا قيل: وفي الفلك، كما قال: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؟ [هود: ٤٠]! قلت: معنى الإيعاء ومعنى الاستعلاء كلاهما مستقيم؛ لأنّ الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له يستعليها، فلما صح المعنيان صحت العبارتان. وأيضًا فليطابق قوله: ﴿وَعَلَيْها﴾ ويزاوجه. ﴿فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ﴾ جاءت على اللغة المستفيضة، وقولك: فأية آيات الله: قليل؛ لأنّ التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو "حمار" و"حمارة": غريب، وهي في "أي" أغرب؛ لإبهامه.
[﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ ٨٢ - ٨٣]
﴿وَآثارًا﴾: قصورهم ومصانعهم. وقيل: مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ "ما" نافية أو مضمنة معنى الاستفهام، ومحلها النصب، والثانية: موصولة، أو مصدرية، ومحلها الرفع، يعنى: أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم، أو كسبهم. ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فيه وجوه؛ منها: أنه أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦]، وعلمهم في الآخرة: أنهم كانوا يقولون: لا نبعث ولا نعذب، ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
_________________
(١) ـ قوله: (لأنّ التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو "حمار" و"حمارة": غريب)، ليس بمطلق، بل إذا لم يرد التمييز بأمر خارجي لئلا يخالف قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨]، واستشهاد أبي حنيفة ﵁ في أنها أنثى بدليل ﴿قَالَتْ﴾ ولهذا قال: "وهي في "أي" أغرب لأن التمييز فيها غير مطلوب أصلًا". ويؤيده قول صاحب "التقريب": وفي "أي" أغرب لمطلوبية الإبهام فيه ومنافاته التمييز.
[ ١٣ / ٥٥٣ ]
وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، وكانوا يفرحون بذلك، ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء، كما قال ﷿: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]. ومنها: أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بني يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه، وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. وعن سقراط: أنه سمع بموسى صلوات الله عليه وسلامه، وقيل له: لو هاجرت إليه، فقال: نحن قوم مهذبون، فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. ومنها: أن يوضع قوله: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ -ولا علم عندهم البتة- موضع قوله: لم يفرحوا بما جاءهم من العلم، مبالغة في نفى فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة، مع تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلم. ومنها: أن يراد: فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به، كأنه قال: استهزؤا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوحي فرحين مرحين. ويدل عليه قوله: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾. ومنها: أن يجعل الفرح للرسل، ومعناه:
_________________
(١) ـ قوله: (يونان)، في نسخة صحيحة: صح بفتح الياء. قوله: (أن يوضع قوله: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾)، يعني: حق الظاهر أن يقال: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات لم يفرحوا بها لجهلهم، فوضع موضعه ﴿فرحوا بما عندهم من العلم﴾ على سبيل التهكم تعريضًا، كما تقول لمن لا يدري ولا يدري أنه لا يدري: قد جاءك فلان العلامة، فرحت بما عندك من العلم، أي: لم تنتهز تلك الفرصة واغتررت بجهلك المركب. قوله: (ويدل عليه قوله: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾)، أي: يدل على أن ﴿فَرِحُوا﴾ في قوله: ﴿بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ مضمن معنى الاستهزاء على سبيل الكناية؛ لاقتضاء المقام، وأن المعنى: استهزؤوا بما جاء به الرسل من الوحي فرحين، من رد العجز على الصدر من حيث المعنى، كأنه قيل: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات استهزؤوا بما عندهم من العلم، فوضع ﴿فَرِحُوا﴾ موضع "استهزؤوا" كناية؛ لأن المستهزئ فرح مرح، ودل عليه قوله: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾.
[ ١٣ / ٥٥٤ ]
أن الرسل لما رأوا جهلهم المتمادي، واستهزائهم بالحق، وعلموا سوء عاقبتهم، وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم؛ فرحوا بما أوتوا من العلم، وشكروا الله عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم: علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]، فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات، وهي أبعد شيء من علمهم؛ لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات؛ لم يلتفتوا إليها، وصغروها، واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم؛ ففرحوا به.
[﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَاسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ ٨٤ - ٨٥].
البأس: شدّة العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. فإن قلت: أي فرق بين قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ﴾ وبينه لو قيل: فلم ينفعهم إيمانهم؟ قلت: هو من "كان" في نحو قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، والمعنى:
_________________
(١) ـ قوله: (والظلف عن الملاذ)، الجوهري: ظلف نفسه عن الشيء يظلفها، أي: منعها من أن تفعله أو تأتيه. قوله: (هو من "كان" في نحو قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥])، الانتصاف: فائدة دخول "كان" المبالغة في نفي الفعل الداخلة هي عليه بتعديد جهة نفيه عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار النفع مثلًا، فهو نفي مرتين. وقلت: تفسيره لا يصح ولا يستقيم، وارد من جهة تسليط النفي على الكون المتضمن
[ ١٣ / ٥٥٥ ]
فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. فإن قلت: كيف ترادفت هذه الفاءات؟ قلت: أما قوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾: فهو نتيجة قوله: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾، وأما قوله: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾: فجار مجرى البيان والتفسير، لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾، كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا
_________________
(١) ـ للفعل المنفي، كأنه قيل: هذا الفعل من الشؤون التي عدمها راجح على الوجود، وإنها من قبيل المحال. قوله: (أما قوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾: فهو نتيجة قوله: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾)، لكن على القلب، يعني: اجتمعوا وتحشدوا مع قوة أجسادهم وحصلوا ما زاد في قوتهم من المال والمنال وما يلجئون إليه من الحصون والمصانع لتغنيهم إذا حزبهم أمر الإغناء التام، فانقلب التدبير عليهم وما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، وما أحسن ما قال: باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل واستنزلوا من أعالي عن معاقلهم فأسكنوا حفرًا يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا أين الأسرة والتيجان والحلل؟ أين الوجوه التي كانت منعمة من دونها تضرب الأستار والكلل؟ فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طال ما أكلوا يومًا وما شربوا فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا قوله: (فجار مجرى التفسير والبيان، لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾)، نحو قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إذ لا بد لنفي الاغتناء من سبق معالجة منهم وتصور دفعهم من ينازعهم بمكسوبهم، يعني: جمعوا وفعلوا كيت وكيت، فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات لبعثهم على رفض ما جمعوا، والظلف عن ملاذ الدنيا والشهوات لم يلتفتوا إليها وصغروها واعتقدوا أنه لا علم أنفع للفوائد من علمهم، وما قصروا في الدفع،
[ ١٣ / ٥٥٦ ]
بَاسَنا﴾ تابع لقوله: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ﴾، كأنه قال: فكفروا، فلما رأوا بأسنا آمنوا، وكذلك: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ﴾ تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ بمنزلة ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٢٢] وما أشبهه من المصادر المؤكدة. و﴿هُنالِكَ﴾ مكان مستعار للزمان، أي: وخسروا وقت رؤية البأس، وكذلك قوله: ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ بعد قوله: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: وخسروا وقت مجيء أمر الله، أو وقت القضاء بالحق.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له".
_________________
(١) ـ فانقلب الأمر عليهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون، أي: يستخفون، ولا يبعد أن تسمى مثل هذه الفاء فاء تفسيرية. قوله: (كأنه قال: فكفروا، فلما رأوا بأسنا آمنوا)، فالتقدير: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم فكفروا، أي: استهزؤوا وصغروا شأنها، وحاق بهم جزاء استهزائهم، فلما رأوا بأسنا، أي: جزاء استهزائهم، آمنوا. تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. * * *
[ ١٣ / ٥٥٧ ]