مكية، وهي سبع وتسعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿إذَا وقَعَتِ الوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ * إذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًا * وبُسَّتِ الجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنْبَثًا * وكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ ١ - ٧].
﴿وقَعَتِ الوَاقِعَةُ﴾ كقولك: كانت الكائنة، وحدثت الحادثة، والمراد: القيامة؛ وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنه قيل: إذا وقعت التي لابد من وقوعها، ووقوع الأمر: نزوله. يقال: وقع ما كنت أتوقعه، أي نزل ما كنت أترقب نزوله.
_________________
(١) سورة الواقعة مكية وهي ست وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (ووقوع الأمر: نزوله)، الراغب: الوقوع: ثبوت الشيء وسقوطه، يقال: وقع الطائر وقوعًا، والواقعة لا تقال إلا في الشدة والمكروه، وأكثر ما جاء في التنزيل من لفظ وقع، جاء في العذاب والشدائد، قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٨٥] أي: وجب العذاب الذي وعدوا لظلمهم وقوله: ﴿وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وقع هنا
[ ١٥ / ١٧٨ ]
فإن قلت: بم انتصب إذن؟ قلت: بـ "ليس"؛ كقولك: يوم الجمعة ليس لي شغل، أو بمحذوف؛ يعني: إذا وقعت كارن كيت وكيت: أو بإضمار اذكر.
﴿كَاذِبَةٌ﴾ نفس كاذبة، أي: لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله، وتكذب في تكذيب الغيب؛ لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقية مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [غافر: ٨٤]، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١]، ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الحج: ٥٥] واللام مثلها في قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أو ليس لها نفس تكذبها وتقول لها: لم تكوني، كما لها
_________________
(١) تأكيدًا للوجوب والإيقاع، يقال في الإسقاط، وفي شن الحرب، ويكنى عن الحرب بالواقعة، وكل سقوط شديد يعبر عنه بذلك، وعنه استعير الوقيعة في الإنسان، والتوقيع: أثر الدبر بظهر البعير، وأثر الكتابة في لكتاب، ومنه استعير التوقيع في القصص. قوله: (وتكذب في تكذيب الغيب)، أي: لا يكون في القيامة نفس تنسب إلى الكذب، وتسمى كاذبة لأجل تكذيبها للغيب، كما في الدنيا، وهو المراد بقوله: "وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات"، لأن كل من يكذب الحق فهو كاذب، لأنه يقول بخلاف ما هو كائن. قوله: (واللام مثلها في قوله تعالى: ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾) أي: وقت حياتي، المعنى في الوقت الذي كنت حيًا، قال صاحب "التقريب: ": هو لام التاريخ. قوله: (أو ليس لها نفس تكذبها وتقول لها: لم تكوني)، هذا يحتمل أن يكون صادرًا عن اللسان، وأن يكون قد فعل ما يلابس التكذيب، وإن صدق باللسان. قال في "الفائق" في قوله: "كذب، عليك الحج": "كذب" كلمة جرت مجرى المثل في كلامهم، وهي في معنى الأمر، كأنه يريد أن يكذب ها هنا، تمثيل لإرادة: اترك ما سولت إليك نفسك من التواني في
[ ١٥ / ١٧٩ ]
اليوم نفوس كثيرة يكذبنها، يقلن لها: لن تكوني. أو هي من قولهم: كذبت فلانا نفسه في الخطب العظيم: إذا شجعته على مباشرته وقالت له: إنك تطيقه وما فوقه، فتعرض
_________________
(١) الحج، ثم استأنف بقوله: اقصد الحج، فشبه إيجاب الحج عليه بسبب تهيؤ أسبابه ووجوب استطاعته، ثم تقاعده عنه، كأنه يقول: لم يجب عليك الحج، فقيل: كذب، عليك الحج، على سبيل التأكيد، كذلك من يباشر ما ينافي الرجوع إلى الله، ويتمادى في الغفلة والاشتغال بالدنيا مع ظهور الدلائل الساطعة على مجيء القيامة، كأنه يقول لها: لن تكوني. قوله: (أو هي من قولهم: كذبت فلانًا نفسه في الخطب العظيم: إذا شجعته) وإنما خص في الدنيا لمن لتماديهم في العناد أو في الغفلة، ولأن بانتفاء نفي غير المؤكد في الآخرة، ينتفي المؤكد بالطريق الأولى، بخلاف إثبات نفي المؤكد في الدنيا، فإنه لا ينتفي غير المؤكد. وقال في "الفائق": المراد بالكذب الترغيب والبعث، من قولهم: كذبته نفسه، إذا منته الأماني وخيلت إليه من الآمال ما لا يكاد يكون، وذلك ما يرغب الرجل في الأمور، وبعثه على التعرض لها. ويقولون في عكس ذلك: صدقته، إذا ثبطته، وخيلت إليه المعجزة والنكد في الطلب، وهو من باب التجريد؛ جرد من نفسه شخصًا وهو يحاوره، كقول القائل: أقول لها وقد جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي وأنشد الميداني للبيد: واكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزري بالأمل أي: لا تحدث نفسك بأنك لا تظفر، فإن ذلك يثبطك.
[ ١٥ / ١٨٠ ]
له ولا تبال به، وعلى معنى: إنها وقعة لا تطاق شدة وفظاعة، وأن نفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور، وتزين له احتمالها وإطاقتها، لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذل. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] والفراش مثل في الضعف. وقيل ﴿كَاذِبَةٌ﴾ مصدر؛ كالعاقبة، بمعنى التكذيب، من قولك: حمل على قرنه فما كذب، أي: فما جبن وما تثبط. وحقيقته: فما كذب نفسه فيما حدثته به من إطاقته له وإقدامه عليه. قال زهير:
إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقا.
_________________
(١) قوله: (حمل على قرنه فما كذب، أي: فما جبن)، وقال الزجاج: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، أي: لا يردها شيء، كما تقول: قد حمل فلان فما كذب، أي: لا يرد حملته شيء، وهو مصدر جبن ونكل، ومعناه: كذب الظن به، أو جعل حملته كاذبة غير صادقة. قوله: (إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقًا)، صدره: ليث بعثر يصطاد الرجال يمدح شجاعًا، وعثر: اسم موضع، أي: إذا جبن الشجاع عن قرنه بسل هو وأقدم غير مبال ولا مكترث، وقال أبو علي: الكذب ضرب من القول، فكما جاز أن يتسع في القول في غير نطق نحو: قد قالت الأنساع للبطن الحق جاز في الكذب أن يجعل في غير نطق، نحو: كذب القراطف والقروف فيكون ذلك انتفاءً لها، كما إذا أخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، كان انتفاء للصدق
[ ١٥ / ١٨١ ]
أي: إذا وقعت لم يكن لها رجعة ولا ارتداد، ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ على: هي خافضة رافعة، ترفع أقواما وتضع آخرين: إما وصفا لها بالشدة؛ لأن الواقعات العظام كذلك؛ يرتفع فيها ناس إلى مراتب، ويتضع ناس، وإما لأن الاشقياء يحطون إلى الدركات، والسعداء يرفعون إلى الدرجات؛ وإما أنها تزلزل الأشياء وتزيلها عن مقارها، فتخفض بعضا وترفع بعضا؛ حيث تسقط السماء كسفا، وتنتثر الكواكب وتنكدر، وتسير الجبال، فتمر في الجو مر السحاب. وقرئ. (خافضة رافعة) بالنصب على الحال.
_________________
(١) فيه، وقيل في قول الأعرابي، وقد نظر إلى جمل نضو: كذب عليك القت وانوى، معناه: أن القت والنوى ذكرًا لأنك تسمن بهما فقد كذبا عليك، فعليك بهما، فإنك تسمن بهما، ثم اختار أنهما كلمة جرت مجرى المثل. وحاصل الوجوه: أن ﴿كَاذِبَةٌ﴾ إما أنها صفة موصوف محذوف، أو هي محمولة على الواقعة مجازًا، والأول على وجوه: أحدها: أن المعنى ليس هناك نفس تصير كاذبة بتكذيبها الله ﷿ أن لا بعث ولا إعادة، كما في الدنيا، وعليه ورد الحديث القدسي: "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك"، إلى قوله: "ولن يعيدني كما بدأني". وثانيها: ليس هناك نفس تكذب نفس الساعة، بأن تقول لها: لن تكوني، إما قولًا أو فعلًا، كما كانت تفعل الدنيا. وثالثها: لا تكذب النفس الشخص حينئذ وتمنيه الأباطيل، وإليه أشار بقوله: "لا نفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدث به. والثاني: وهو أن يكون الضمير في ﴿كَاذِبَةٌ﴾ راجعًا إلى الواقعة، ويراد بالكذب الكذب بالفعل دون القول، كما قال: "أي إذا وقعت لم يكن لها رجعة"، ويروى "راجعة"، وهو من قول الزجاج، أي: لا يردها شيء كما تقول: حمل فلان فما كذب. قوله: (وقرئ: "خافضة رافعة" بالنصب على الحال)، قال ابن جني: وهي قراءة الحسن
[ ١٥ / ١٨٢ ]
﴿رُجَّتِ﴾ حركت تحريكا شديدا، حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء، ﴿وبُسَّتِ الجِبَالُ﴾ وفتت حتى تعود كالسويق، أو سيقت؛ من بس الغنم: إذا ساقها. كقوله: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبَالُ﴾ [النبأ: ٢٠].
_________________
(١) واليزيدي والثقفي، وهذا منصوب على الحال، وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ حال أخرى قبلها، أي: إذا وقعت الواقعة صادقة الوعد خافضة رافعة، مثله: مررت بزيد جالسًا متكئًا ضاحكًا، كما لك أن تأتي للمبتدأ من الأخبار بما شئت، كذلك الأحوال، لأن الحال ضرب من الخبر. ويجوز أن يكون قوله ﴿إذَا رُجَّتِ﴾ خبرًا عن ﴿إذَا﴾ الأولى، ونظيره إذا تزورني إذا يقوم زيد، أي وقت زيارتك إياي وقت قيام زيد، وجاز لـ"إذا" أن تفارق الظرفية وترتفع بالابتداء، كما جاز لها أن تخرج بحرف الجر عن الظرفية كقول زهير: حتى إذا ألقت يدًا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها الضمير في "ألقت" للشمس، أي: بدأت في المغيب، والكافر: الليل لتغطيته الأشياء بظلمته، وعورات الثغور: المواضع التي تؤتي المخافة، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢] فـ ﴿إذَا﴾ مجرور عند أبي الحسن بـ ﴿حَتَّى﴾، وذلك مخرج من الظرفية. قوله: (حتى تعود كالسويق) الأساس: بست الجبال: فتت كالدقيق والسويق، ومنه
[ ١٥ / ١٨٣ ]
﴿مُّنْبَثًا﴾ متفرقا. وقرئ بالتاء أي: منقطعا. وقرئ: (رجت)، و(بست) أي: ارتجت وذهبت. وفي كلام بنت الخس: عينها هاج، وصلاها راج. وهي تمشي وتفاج.
فإن قلت: بم انتصب ﴿إذَا رُجَّتِ﴾؟
قلت: هو بدل من ﴿إذا وقعت﴾. ويجوز أن ينتصب بـ ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال، لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، ﴿أَزْوَاجًا﴾ أصنافا، يقال للأصناف التي بعضها مع بعض، أو يذكر بعضها على بعض: أزواج.
[﴿فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ * وأَصْحَابُ المَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ﴾ ٨ - ٩]
﴿فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ﴾ الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم، ﴿وأَصْحَابُ المَشْأَمَةِ﴾ الذين يؤتونها بشمائلهم، أو أصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية، من
_________________
(١) قيل للسويق الملتوت: البسيسة، وقيل: البسيسة هي أن يلت السويق أو الدقيق أو الأقط المطحون بالسمن أو الزيت. قوله: (وفي كلام بنت الخس) بالخاء المعجمة مضمومة والسين المهملة. الأساس: تقول: أين بنت الخس من فصاحة قس، وكلاهما من إياد، وفي حاشية "الصحاح": قال أبو محمد الأسود: هي بنت الخس من العماليق الإيادية. تصف ناقة. عين هائجة، أي: غائرة، والصلا: ما عن يمين الذنب وشماله، وهما صلوان، ورج فارتج، أي. حرك فتحرك، وتفاجت الناقة: إذا فرجت بين رجليها.
[ ١٥ / ١٨٤ ]
قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال: إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة؛ وذلك لتيمنهم بالميامن، وتشاؤمهم بالشمائل، ولتفاؤلهم بالسانح وتطيرهم من البارح، ولذلك اشتقوا لليمين الاسم من اليمن، وسموا الشمائل الشؤمى.
وقيل: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة: أصحاب اليمين والشؤم؛ لأن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم، والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم. وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال.
[﴿والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ المُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وأَبَارِيقَ وكَاسٍ مِّن مَّعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنهَا ولَا يُنْزِفُونَ * وفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * ولَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * وحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ولا تَاثِيمًا * إلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ ١٠ - ٢٦].
﴿والسَّابِقُونَ﴾ المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه، وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله ﷿، وقيل: الناس ثلاثة؛ فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا السابق المقرب، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة، ثم رجع بتوبة، فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب الشمال.
﴿مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ﴾؟ ! ﴿مَا أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ﴾؟ تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة. والمعنى: أي شيء هم؟ ﴿والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾، يريد: والسابقون
_________________
(١) قوله: (فرجل ابتكر) الفاء تفصيلية في قوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ﴾ والمفصل: ﴿وكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾، والواو للحال و"قد" مقدرة، والعامل الفعل السابق، ويجوز أن تكون حالًا مقدرة لقوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. قوله: (تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاء) قال القاضي: والجملتان
[ ١٥ / ١٨٥ ]
من عرفت حالهم وبلغك وصفهم، كقوله: و"عبد الله عبد الله". وقول أبي النجم:
وشعري شعري
كأنه قال: وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته. وقد جعل ﴿السَّابِقُونَ﴾ تأكيدا. ﴿أُوْلَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ خبرا، وليس بذاك. ووقف بعضهم
_________________
(١) ـ الاستفهاميتان خبران لما قبلهما، بإقامة الظاهر مقام الضمير، ومعناهما: التعجب من حال الفريقين. قوله: (وشعري شعري)، تمامه: أنا أبو النجم وشعري شعري لله دري ما أجن صدري تنام عيني وفؤادي يسري مع العفاريت بأرض قفر إنما أوقع "أبو النجم" خبرًا لتضمنه نوع وصفية الكمال واشتهاره به، كما أطلق اسمه بادرت الصفة في الذهن، وهو المراد من قوله: "من عرفت حالهم وبلغك وصفهم"، المعنى: أنا ذلك المعروف الموصوف بالكمال، وشعري هو المشهور في الفصاحة والبلاغة. وقدر صاحب "المرشد": والسابقون إلى طاعة الله هو السابقون إلى رحمته. وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ: "أتدرون من السابقون إلى ظل الله ﷿ يوم القيامة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم". قوله: (وليس بذاك) أي: بذاك القول الذي يعول عليه، لأنه يفوت تلك المبالغة
[ ١٥ / ١٨٦ ]
على: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾، وابتدأ ﴿السَّابِقُونَ* أُوْلَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ والصواب أن يوقف على الثاني، لأنه تمام الجملة، وهو في مقابلة ﴿مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ﴾، ﴿مَا أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ﴾.
﴿المُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ الذين قربت درجاتهم في الجنة من العرش، وأعليت مراتبهم. وقرئ: (في جنة النعيم)، والثلة: الأمة من الناس الكثيرة. قال:
وجاءت إليهم ثلة خندقية بجيش كثير من السيل مزبد
_________________
(١) التي سبقت في جعل الخبر نفس المبتدأ، أو تلك المقابلة التي بينه وبين أصحاب الميمنة، استئناف جملة أخرى على تقدير سؤال سائل عند ﴿أُوْلَئِكَ﴾. قوله: (وهو في مقابلة ﴿مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ﴾) وكان ينبغي أن يقال: السابقون، إلا أنه أريد أن يصفهم بوصف لا يكتنه كنهه، والفرق: أن الجملتين واردتان على التعجب، أي: ما عرفت حالهم؟ أي شيء هم؟ فاعرفها وتعجب منها، وأما الأخيرة فمعناها أنك عرفت حالهم وصفتهم ومزبتهم، فلا يحتاج إلى التقرير، فعلى هذا المراد بالمقابلة التضاد، فالمقابلة حينئذ باعتبار المعنى، بحسب التقدم والتأخر والأسلوب من باب استيفاء أقسام الشيء، لأن الناس من بين سابق ومقتصد وظالم، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] وهذا مانع آخر من جعل ﴿أُوْلَئِكَ﴾ خبرًا، و﴿السَّابِقُون﴾ تأكيدًا، وأنت إذا استنشقت جل فقرات هذه السورة الكريمة، من مفتتحها إلى مختتمها شممت منها رائحة مثلثات كأنها: أذيف عليها المسك حتى كأنها لطيمة تفتق فارها قوله: (وجاءت إليهم ثلة) البيت، خندفية: منسوب إلى خندف؛ امرأة إلياس من
[ ١٥ / ١٨٧ ]
وقوله ﷿: ﴿وقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ كفى به دليلا على الكثرة، وهي من الثل وهو الكسر، كما أن الأمة من الأمم وهو الشج، كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم. والمعنى: أن السابقين من الأولين كثير، وهم الأمم من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ﴿وقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ وهم أمة محمد ﷺ ﴿مِّنَ الأَوَّلِينَ﴾ من متقدمي هذه الأمة، و﴿مِّنَ الآخِرِينَ﴾ من متأخريها. وعن النبي ﷺ: "الثلثان جميعا من أمتي".
فإن قلت ﴿وقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤]، ثم قال: " ﴿وثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠]؟ "
قلت: هذا من السابقين، وذلك في أصحاب اليمين؛ وأنهم يتكاثرون من الأولين
_________________
(١) مضمر، واسمها ليلى، نسب ولد إلياس إليها وهي أمهم، والتيار: الموج، مزبد: كثير الزبد، والمراد: كثرة الجيش. قوله: (كفى به دليلًا على الكثرة) يعني: وقوع "قليل" في مقابل ﴿ثُلَّةٌ﴾ دليل على كثرة المقابل: يعرض بقول الزجاج: ويجوز أن تكون الثلة بمعنى: قليل، أي قليل من الأولين، وقليل من الآخرين، لأن اشتقاق الثلة من القطعة، فالثلة نحو الفرقة والفئة والقطعة. الراغب: الثلة: قطعة مجتمعة من الصوف، ولذلك قيل للغنم: ثلة، ولاعتبار الاجتماع قيل: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾، أي: جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلة منه، وثل عرشه أسقط ثلة منه. قوله: (كيف قال: ﴿وقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾) يعني: ذكرت أن الثلة هي الأمة الكثيرة، وتمسكت بقوله: ﴿وقَلِيلٌ﴾، فكيف قال أولًا: ﴿وقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾، فوصفهم بالقلة، ثم قال: ﴿وثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾، فوصفهم بالكثرة؟ وأجاب: أن ذلك في قوم، وهذا في قوم، ولما ورد الحديث مخالفًا لهذا التأويل رده لأن قضية هذا الخبر: "فما زال رسول الله ﷺ يراجع ربه"،
[ ١٥ / ١٨٨ ]
والآخرين جميعا. فإن قلت: فقد روي أنها لما نزلت شق ذلك على المسلمين، فما زال رسول الله ﷺ يراجع ربه حتى نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠].
قلت: لا يصح لأمرين، أحدهما: أن هذه الآية واردة في السابقين ورودا
_________________
(١) فوجب أن تكون الجماعة واحدة، أي: كانت الجماعة قليلة فسأل أن يزيل عنهم القلة، ويكسوهم الكثرة. قوله: (هذا لا يصح لأمرين) وقلت: صح، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي هريرة: ولما نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾، شق ذلك على المسلمين، فنزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾، فقال: "أنتم ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم النصف الثاني"، وورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين لا يرد مقتضى هذا الحديث، فإنه صلوات الله عليه حين أخبر الصحابة بهذه الآية حسبوا أن الخطاب من جميع هذه الأمم، فشق ذلك عليهم، فنزلت الآية الثالثة ليعلم أن
[ ١٥ / ١٨٩ ]
ظاهرا، وكذلك الثانية في أصحاب اليمين. ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم، على السابقين ووعدهم. والثاني: أن النسخ في الأخبار غير جائز، وعن الحسن ﵁: سابقوا الأمم أكثر من سابقي أمتنا، وتابعوا الأمم مثل تابعي هذه الأمة. وثلة: خير مبتدأ محذوف، أي: هم ثلة.
﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ مرمولة بالذهب، مشبكة بالدر والياقوت، قد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع. قال الأعشى:
ومن نسج داود موضونة
_________________
(١) الأولى فيهم وفي أمثالهم من المقربين والتابعين لهم بإحسان، والثانية في من يلحق بهم من أصحاب اليمين، واندفع بهذا أيضًا لزوم النسخ في الأخبار، لأن السياق في الشفاعة على طريق التدرج لمزيد السرور والتبجح. ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله ﷺ في قبة في نحو من أربعين، فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا نعم: قال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: نعم، "قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة"، الحديث. قوله: (مرمولة بالذهب) الجوهري: رملت الحصير، أي: سففته، وأرملته: مثله، قال: سفيفة من خوص، نسيجة من خوص، وقد سففت الخوص أسفه بالضم سفًا، وأسففته أيضًا: نسجته. قوله: (ومن نسج دواود موضونة) أنشد الزجاج تمامه: تساق مع الحي عيرًا فعيرا
[ ١٥ / ١٩٠ ]
وقيل: متواصلة، أدنى بعضها من بعض. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَى﴾، وهو العامل فيها، أي: استقروا متكئين. ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق والآداب.
﴿مُّخَلَّدُونَ﴾ مبقون أبدا على شكل الولدان وحد الوصافة لا يتحولون عنه. وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط. وقيل: هم أولاد أهل الدنيا: لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها، روي عن علي ﵁ وعن الحسن، وفي الحديث: "أولاد الكفار خدام أهل الجنة".
_________________
(١) الجوهري: عير القوم: سيدهم، وقولهم: "عير بعير، والزيادة عشرة". قوله: (﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال) أبو البقاء: في ﴿ثُلَّةٌ﴾ وجهان؛ أحدهما: هو مبتدأ، والخبر ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾، والثاني: هو خبر، أي: هم ثلة، و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَى﴾، و﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، ويطوف يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا. وقلت: قول المصنف وأبو البقاء: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَى﴾ معناه: حال من ﴿عَلَى﴾ في ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ لأن قوله: ﴿عَلَيْهَا﴾ كما ظن، لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة، وقد مر فيه كلام في سورة المؤمن. قوله: (وحد الوصافة لا يتحولون عنه) الجوهري: الوصيف: الخادم غلامًا كان أو جارية، يقال: وصف الغلام إذا بلغ حد الخدمة، فهو وصيف بين الوصافة. قوله: (وفي الحديث: "أولاد الكفار خدام أهل الجنة")، قلت: هذا لم يصح، وورد
[ ١٥ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ما يدفعه، روينا عن البخاري وأبي داود والنسائي عن عائشة، قالت: توفي صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال ﷺ: أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا"؟ وفي رواية: "خلقهم لها وهم في أصلاب أبائهم". وعن أبي داود عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله ذراري المؤمنين؟ فقال: "من آبائهم"، فقلت: يا رسول الله بلا عمل؟ ! قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ فقال: "من آبائهم"، فقلت: بلا عمل؟ ! قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، وقلت: من قوله "من آبائهم" اتصالية، كقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ
[ ١٥ / ١٩٢ ]
الأكواب: أوان بلا عرى وخراطيم، والأباريق: ذوات الخراطيم.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنهَا ولَا يُنْزِفُونَ﴾ أي: بسببها، وحقيقته: لا يصدر صداعهم عنها، أو لا يفرقون عنها. وقرأ مجاهد: (لا يصدعون)، بمعنى: لا يتصدعون لا يتفرقون، كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]، و(يصدعون)، أي: لا يصدع بعضهم بعضا، لا يفرقونهم ﴿يَتَخَيَّرُونَ﴾ يأخذون خيرة وأفضله، ﴿يَشْتَهُونَ﴾ يتمنون. وقرئ: ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾
_________________
(١) بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقال الخطابي: أي إنهم كفار يلحقون في الكفر بآبائهم، لأن الله قد علم أنهم لو بقوا أحياء حتى يكبروا، لكانوا يعملون عمل الكفار، ويدل عليه قوله صلوات الله عليه، قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، في جواب عائشة: يا رسول الله ﷺ بلا عمل؟ ! وقال ابن المبارك: فيه أن كل مولود من البشر، إنما يولد على فطرته التي جبل عليها من السعادة والشقاوة، وعلى ما سبق له من قدر الله، وتقدم من مشيئته فيه من كفر أو إيمان، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه، وخلق له، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لفطرته في السعادة والشقاوة، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين نصرانيين أو يهوديين، فيحملانه لشقاوته على اعتقاد دين اليهود والنصارى. أو يعلمانه اليهودية والنصرانية، أو يموت قبل أن يعقل فيصف الدين، فهو محكوم له بحكم والديه، وتبع لهما في حكم الشرع. قوله: (لا يفرقونهم) أي: لا يفرقون عنهم، فحذف الجار وأوصل.
[ ١٥ / ١٩٣ ]
قرئ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بالرفع، على: فيها حور عين، كبيت الكتاب:
إلا رواكد جمرهن هباء
ومشجج
_________________
(١) قوله: (قرئ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بالرفع) حمزة والكسائي: بكسرهما، والباقون: برفعهما. قال الزجاج: الرفع أحسنهما لأن المعنى: يطوق عليهم ولدان مخلدون بهذه الأشياء، ولم حور عين، ومثله ما يدل على المعنى، قول الشاعر: بادت وغير أيهن مع البلى إلا رواكد جمرهن هباء ومشجج أما سواء قذاله فبدا وغيب ساره المعزاء لأنه لما قال: "إلا رواكد" فحمل "ومشجج" على المعنى، أي: هناك مشجج، ومن قرأ بالرفع كره الخفض؛ لأنه عطف على قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِأَكْوَابٍ﴾، فقالوا: الحور العين ليس مما يطاف به، ولكنه مخفوض على معنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بها، وكذلك ينعمون بلحم طير، وكذلك ينعمون بحور عين. وقد قرئت: "وحورًا عينًا) بالنصب على الحمل على المعنى أيضًا، لأن المعنى يعطون هذه الأشياء، ويعطون حورًا عينًا، إلا أن هذه القراءة تخالف المصحف الذي هو الإمام. وأهل العلم يكرهون القراءة بما يخالف الإمام. وقال ابن جني: وهي قراءة أبي بن كعب وابن مسعود.
[ ١٥ / ١٩٤ ]
أو للعطف على ﴿ولْدَانٌ﴾، وبالجر: عطفا على جنات النعيم، كأنه قال: هم في جنات النعيم، وفاكهة ولحم وحور، أو على أكواب، لأن معنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ ينعمون بأكواب، وبالنصب على: ويؤتون حورا. ﴿جَزَاءً﴾ مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك كله جزاء بأعمالهم.
﴿سَلامًا سَلامًا﴾ إما بدل من ﴿قِيلًا﴾ بدليل قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلاَّ سَلامًا﴾
_________________
(١) وأما معنى البيتين فقوله: بادت، أي: هلكت، آيهن: علامتهن، والرواكد: أحجار الأثفية، وهبا الرماد يهبو: إذا اختلط بالتراب، ومشجح: الوتد قد شج رأسه من الدق، وساره: بقيته، والمعز: الصلابة من الأرض، وأرض معزاء: بينة المعز، وعطف مشجج على رواكد من حيث المعنى، أي: وفيها مشجج، وكان ينبغي أي يقول: مشججًا، لأن الرواكد منصوب، يقول: لم يبق من آثار منازل الأحبة سوى أحجار الأثافي، ورماده المختلط بالتراب، ووتد الخباء المكسور الرأس المتغير بطول بقائه في الأرض. قوله: (﴿سَلامًا سَلامًا﴾ إما بدل من ﴿قِيلًا﴾) قال الزجاج: ﴿سَلامًا﴾ منصوب من جهتين: أحدهما: أنه نعت من ﴿قِيلًا﴾، أي: لا يسمعون فيها إلا قيلًا قيلًا، يسلم من اللغو والإثم، وثانيهما: انه منصوب على المصدر، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقول بعض لبعض سلامًا، نحو قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]. وقال أبو البقاء: هو استثناء منقطع، و﴿سَلامًا﴾ بدل أو صفة، وقيل: هو مفعول، وقيل: هو مصدر. وقلت: الأحسن أن يكون من باب الإبدال من غير الجنس، نحو قوله: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
[ ١٥ / ١٩٥ ]
[مريم: ٦٢] وإما مفعول به لـ ﴿قِيلًا﴾، بمعنى: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا: سلاما سلاما. والمعنى: أنهم يفشون السلام بينهم، فيسلمون سلاما بعد سلام. وقرئ: (سلام سلام) على الحكاية.
[﴿وأَصْحَابُ اليَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وظِلٍّ مَّمْدُودٍ * ومَاءٍ مَّسْكُوبٍ * وفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ * وفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ * إنَّا أَنشَانَاهُنَّ إنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لأَصْحَابِ اليَمِينِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ ٢٧ - ٤٠].
﴿سِدْرٍ﴾ السدر: شجر النبق. والمخضود: الذي لا شوك له، كأنما خضد شوكه.
وعن مجاهد: الموقر الذي تثني أغصانه كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. والطلح: شجر الموز. وقيل: هو شجر أم غيلان، وله نوار كثير طيب الرائحة.
وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل.
وعن علي ﵁ أنه قرأ: (وطلع)، وما شأن الطلح؟ وقرأ قوله: ﴿لَّهَا طَلْعٌ
_________________
(١) ويؤيده قوله في موضع آخر: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]. قوله: (فيسلمون سلامًا بعد سلام) يعني: التثنية في ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ للتكرير، نحو: لبيك وسعديك. قوله: (الموقر) الجوهري: أوقرت النخلة: إذا كثر حملها، يقال: نخلة موقرة وموقرة، وحطي موقر، وهو على غير القياس، لأن الفعل ليس للنخلة، وإنما قيل: موقر _بكسر القاف_ على قياس: امرأة حامل، لأن حمل الشجر مشبه بحمل النساء، فأما موقر _بالفتح_ فشاذ. قوله: (قرأ: "وطلع" وما شأن الطلح؟) أي: لا يليق الطلح بهذا الموضع، ثم قرأ استشهادًا لما اختاره من القراءة، قوله: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] فقيل له: أتحوِّل القراءة
[ ١٥ / ١٩٦ ]
نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] فقيل له: أو تحولها؟ فقال: أي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول. وعن ابن عباس ونحوه.
_________________
(١) أو الكلمة أو الآية؟ فقال: آيات القرآن لا تهاج اليوم، أي: استقر كل آية في مكانها، فلا ينبغي أن تحول. وفيه: لولا استقرارها وثبوتها في المصاحف وصدور الناس لجاز هذه الرواية، وأمثالها مما يجب أن ترد أبلغ رد، لأنه تعالى صان هذا الكتاب المجيد من مثل هذه التحريفات، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] والعجب من المصنف كيف رد الحديث في قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤]! وقبل هذا؟ قال الزجاج: جاز أن يعني به الطلح، لأن له نورًا طيب الرائحة جدًا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله، إلا أن فضله على ما في الدنيا، كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقلت: والله أعلم، إن النظم يقتضي أن يحمل قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ على معنى التظليل وتكاثف الأشجار على سبيل الترقي، لأن ذكر الفواكه مستغنى عنه بقوله: ﴿وفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾، وليقابل قوله: ﴿وأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ * وظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ قوله: ﴿وأَصْحَابُ اليَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وظِلٍّ مَّمْدُودٍ * ومَاءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ فإذن لا مدخل لحديث الطلع في معنى الظل وما يتصل به! .
[ ١٥ / ١٩٧ ]
والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه؛ فليست له ساق بارزة.
﴿وظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ ممتد منبسط لا يتقلص، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
﴿مَّسْكُوبٍ﴾ يسكب لهم أين شاؤوا وكيف شاؤوا، لا يتعنون فيه. وقيل: دائم الجرية لا ينقطع. وقيل: مصبوب يجري على الأرض في غير أخدود.
﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ هي دائمة لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا، ﴿ولا
_________________
(١) وينصر هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتهم: ﴿وظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾، ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب". وفي رواية الترمذي: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، هي شجرة الخلد". الراغب: السدر: شجر قليل الغناء عند الأكل، ولذلك قال: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٦]، وقد يخضد ويستظل به، فجعل ذلك مثلًا لظل الجنة في قوله: ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ لكثرة غنائه في الاستظلال به، وقوله تعالى: ﴿إذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] فأشار إلى مكان اختص النبي ﷺ فيه بالإفاضة الإلاهية والآلاء الربوبية. قوله: (لا يتعنون فيه) قال الزجاج: يعني بـ ﴿مَاءٍ مَّسْكُوبٍ﴾: أنه ماء لا يتعبون فيه، ينسكب لهم كما يحبون.
[ ١٥ / ١٩٨ ]
مَمْنُوعَةٍ﴾ لا تمنع عن متناولها بوجه، ولا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا وقرئ: (فاكهة كثيرة)، بالرفع على: وهناك فاكهة، كقوله: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾.
﴿وفُرُشٍ﴾ جمع فراش. وقرئ: (وفرش) بالتخفيف. ﴿مرفوعة﴾ نضدت حتى ارتفعت، أو مرفوعة على الأسرة، وقيل: هي النساء، لأن المرأة يكنى عنها بالفراش. ﴿مرفوعة﴾ على الأرائك. قال الله تعالى ﴿هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إنَّا أَنشَانَاهُنَّ إنشَاءً﴾، وعلى التفسير الأول أضمر "لهن"، لأن ذكر الفرش وهي المضاجع دل عليهن.
﴿أَنشَانَاهُنَّ إنشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥]، أي: ابتدأنا خلقهن: ابتداء جديدا من غير ولادة، فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ انشاؤهن؛ أو اللاتي أعيد إنشاؤهن.
_________________
(١) قوله: (ولا يحظر عليها)، الأساس: حظر عليه كذا: حيل بينه وبينه، وهذا محظور: غير مباح. قوله: (وعلى التفسير الأول أضمر "لهن") لأن المراد بالفرش: الفرش الحقيقية، وفي قوله: "أضمر لهن" إيهام، لأنه يحتمل أن يراد أضمر للنساء ضميرًا، وأضمر لفظة لهن. قال صاحب "التقريب": فالتقدير: أنشأناهن لهن، لأن ذكر الفرش دل عليهن، ويمكن أن يقال: إن إضمار لهن في القرينة الأولى أنسب، لأن الضمير في ﴿أَنشَانَاهُنَّ﴾ للنساء قطعًا، وهو القرينة للإضمار، ولتأويل الفرش بالنساء لأنه إذا لم يفسر الفرش بالنساء أو لم يقدر هناك ضمير النساء لم يبق بين القرينتين ارتباط العلة والمعلول، لأن قوله: ﴿إنَّا أَنشَانَاهُنَّ إنشَاءً﴾ علة لارتفاعهن على الأرائك والسرر، ولأن ﴿أَنشَانَاهُنَّ﴾ للأزواج لا للفرش، كأنه قيل: وأصحاب اليمين مستقرين في فرش مرفوعة لزوجاتهم كالأسرة والأرائك، لأنا أنشأناهن إنشاءً. ولهذا قال في التفسير الثاني: "وقيل: هي النساء، ويدل عليه؛ ﴿إنَّا أَنشَانَاهُنَّ إنشَاءً﴾ ". وقال أبو البقاء: ﴿إنَّا أَنشَانَاهُنَّ﴾ الضمير للفرش، لأن المراد بها النساء، ويكون قوله:
[ ١٥ / ١٩٩ ]
وعن رسول الله ﷺ: أن أم سلمة ﵂ سألته عن قول الله تعالى ﴿إنَّا أَنشَانَاهُنَّ﴾ فقال: "يا أم سلمة هن اللواتي فبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا، جعلهن الله بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا" فلما سمعت عائشة ﵂ ذلك من رسول الله ﷺ قالت: واوجعاه! فقال رسول الله ﷺ: "ليس هناك وجع".
وقالت عجوز لرسول الله ﷺ: "ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: "إن الجنة لا تدخلها العجائز"، فولت وهي تبكي، فقال ﵊: أخبروها أنها ليست يومئذ بعجوز" وقرأ الآية " ﴿عُرُبًا﴾.
_________________
(١) "لأصحاب اليمين" مظهرًا، أقيم المضمر، إما للإشعار بالعيلة أو أعيد للطول. قوله (عجائز شمطًا) الحديث من رواية الترمذي عن انس في قوله: ﴿إنَّا أَنشَانَاهُنَّ إنشَاءً﴾، إن المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشًا رمصًا. الجوهري: الرمص بالتحريك: وسخ يجتمع في المؤق، فإن سال فهو غمص، وإن جمد فهو رمص. قوله: (واوجعاه) الهاء تظهر في الوقف ولا تحرك، وفي الوصل تحذف. قوله: (فقالت عجوز) روى صاحب "الجامع" عن رزين عن رسول الله ﷺ
[ ١٥ / ٢٠٠ ]
وقرئ: (عربا) بالتخفيف، جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل.
﴿أَتْرَابًا﴾ مستويات في السن؛ بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن أيضا كذلك.
وعن رسول الله ﷺ: "يدخل أهل الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين". واللام في ﴿لأَصْحَابِ اليَمِينِ﴾ من صلة "أنشأنا" و"جعلنا"
[﴿وأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ (٤٢) وظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ ولا كَرِيمٍ * إنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الحِنثِ العَظِيمِ * وكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إنَّ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * ثُمَّ إنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ المُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا البُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ ٤١ - ٥٦].
_________________
(١) قال لامرأة عجوز: "إنه لا يدخل الجنة عجوز"، فقالت: وما لهن؟ فقال لها: "أما تقرئين: ﴿إنَّا أَنشَانَاهُنَّ إنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ ". قوله: (وقرئ: "عربًا" بالتخفيف) أبو بكر وحمزة، والباقون: بضم الراء. قوله: (مستويات في السن) الراغب: تشبيهًا في التساوي والتماثل بالترائب، التي هي ضلوع الصدر، أو لوقوعهن معًا على الأرض. قوله: (يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا) عن الترمذي عن معاذ قال: "يدخل أهل الجنة جردًا مردًا مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين. قال صاحب "الجامع": الجرد: جمع أجرد وهو الذي لا شعر عليه.
[ ١٥ / ٢٠١ ]
﴿فِي سَمُومٍ﴾ في حر نار ينفذ في المسام، ﴿وحَمِيمٍ﴾ وما حار متناه في الحرارة، ﴿وظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ من دخان أسود بهيم، ﴿لا بَارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ نفي لصفتي الظل عنه، يريد: أنه ظل، ولكن لا كسائر الظلال: سماه ظلا، ثم نفس عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه.
والمعنى: أنه ظل حار ضار، إلا أن للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات. وفيه تهكم بأصحاب المشأمة، وأنهم لا يستأهلون الظل الباردة الكريم، الذي هو لأضدادهم في الجنة. وقرئ: (لا بارد ولا كريم) بالرفع، أي: لا هو كذلك.
_________________
(١) قوله: (وذلك كرمه) أي: كرم الظل، قال في الشعراء: "والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه". الراغب: كل شيء يشرف في بابه، فإنه يوصف بالكرم و"كرم الظل": ما ذكره، وهو برده من روحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر. قال في "الكبير": الأقوى أن يقال: إن الظل يطلب لأم يرجع إلى الحس، وهو برودته، ولأمر يرجع إلى العقل، وهو كرامته، كأنه قيل: لا برد ولا كرامة. قوله: (إلا أن للنفي في نحو هذا شأنًا ليس للإثبات) يعني: كان من حق الظاهر أن يقال: وظل حار ضار، فعدل إلى قوله: ﴿وَظِلٍّ﴾، ليتبادر منه إلى الذهن أولًا الظل المتعارف فيطمع السامع، فإذا نفى عنه ما هو المطلوب من الظل، وهو البرد والاسترواح، جاءت السخرية والتهكم والتعريض بأن الذي يستأهل الظل الذي فيه برد وإكرام غير هؤلاء، فيكون أشجى لحلوقهم وأشد لحسرتهم. قوله: (أي: لا هو كذلك) أي: إذا قرئا بالرفع كانا خبرين لمبتدأ محذوف، فيكون عطف جملة على جملة، فيقوى الاهتمام بما قصد بهما.
[ ١٥ / ٢٠٢ ]
و"الحنث" الذنب العظيم. ومنه قولهم الغلام الحنث، أي: الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم. ومنه: حنث في يمينه، خلاف: بر فيها. ويقال: تحنث، إذا تأثم وتحرج.
﴿أَوَ آبَاؤُنَا﴾ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف.
فإن قلت: كيف حسن العطف على المضمر في ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ في غير تأكيد بنحن؟
قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة، كما حسن في قوله تعالى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] لفصل [لا) المؤكدة للنفي. وقرئ: (أو آباؤنا)، وقرئ: (لمجمعون)، ﴿إلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم، والإضافة بمعنى من، كخاتم فضة. والميقات: ما وقت به الشيء، أي: حد. ومنه مواقيت الإحرام: وهي الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة محرما.
﴿أَيُّهَا الضَّالُّونَ﴾ عن الهدى ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ بالبعث، وهم أهل مكة ومن في مثل حالهم. ﴿مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾: ﴿مِن﴾ الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الشجر وتفسيره. وأنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ و﴿عَلَيْهِ﴾ ومن قرأ ﴿مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم، لأنه تفسيرها وهي في معناه.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "أو آباؤنا") قالون وابن عامر: بإسكان الواو، والباقون: بفتحها، فيكون عطفًا على محل اسم "إن" بعد مضي الخبر. قوله: (وأنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في قوله ﴿مِنْهَا﴾ و﴿عَلَيْهِ﴾، الانتصاف: لو أعاده على الشجر باعتبار كونه مأكولًا؛ لكونه قاله: ﴿لآكِلُونَ … فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي: على أكلهم لكان أحسن.
[ ١٥ / ٢٠٣ ]
﴿شُرْبَ الهِيمِ﴾ قرئ: بالحركات الثلاث، فالفتح والضم مصدران. وعن جعفر الصادق ﵁: "أيام أكل وشرب" بفتح الشين، وأما المكسور فبمعنى المشروب، أي: ما يشربه الهيم؛ وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء تشرب منه فلا تروى: جمع أهيم وهيماء. قال ذو الرمة.
فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد صداها ولا يقضي عليها هيامها.
وقال: الهيم: الرمال. ووجهه أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء، وهو الرمل الذي
_________________
(١) قوله: (﴿شُرْبَ الهِيمِ﴾، قرئ: بالحركات الثلاث)؛ بالضم: نافع وعاصم، وبالفتح: الباقون، وبالكسر: شاذ. قال الزجاج: فالشرب بالفتح المصدر، وبالضم: الاسم، وقيل: مصدر أيضًا. قوله: (أيام أكل وشرب) روينا عن أبي داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب"، وروى مختصرًا منه مسلم عن نبيشة الهذلي. قوله: (فأصبحت كالهيماء) البيت، صداها: عطشها، ولا يقضى عليها، أي: لا يقتلها العطش. قوله: (وقيل: الهيم: الرمال) فعلى هذا تقديره: فشاربون مشروب الهيم، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الهيم المشروب. فإن قلت: أي مناسبة في جعل الهيم مشروبًا؟
[ ١٥ / ٢٠٤ ]
لا يتماسك، جمع على فعل كسحاب وسحب، ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض. والمعنى: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل؛ فإذا ملؤا منه البطون يسلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم.
فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، وصفتان متفقتان، فكارن عطفا للشيء على نفسه؟
قلت: ليستا بمتفقتين، من حيث إن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الهيم الماء: أمر عجيب أيضا، فكانتا صفتين مختلفتين.
النزل: الرزق الذي يعد للنازل تكرمه له، وفيه تهكم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران] وكقول أبي الشعر الضبي:
وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
وقرئ: (نزلهم) بالتخفيف.
[﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَالِقُونَ *
_________________
(١) قلت: لما اعتبر معنى السيلان فيه كالمائع، جعل مشروبًا تهكمًا، ألا ترى كيف قال: "هو الرمل الذي لا يتماسك". قوله: (ما فعل بجمع أبيض) الجوهري: جمع الأبيض: بيض، وأصله: بيض بضم الباء، نحو أحمر حمر، وإنما أبدلوا من الضم كسرة لتصح الياء. قوله: (وكنا إذا الجبار) البيت، الجبار: الذي لا يقبل موعظة، والعاتي: على ربه أيضًا. قوله: (ضافنا)، أي: نزل ضيفًا، يقول: إذا الملك الجبار ضافنا، جعلنا نزله من الرماح والسيوف، وفيه تهكم.
[ ١٥ / ٢٠٥ ]
نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ المَوْتَ ومَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ونُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥٧ - ٦٢].
﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ تخصيص على التصديق؛ إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به، إلا أنهم لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق، فكأنهم مكذبون به. وإما بالبعث؛ لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا.
﴿مَّا تُمْنُونَ﴾ ما تمنونه، أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، وقرأ أبو السمال بفتح التاء، يقال: أمنى النطفة ومناها. قال الله تعالى: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إذَا تُمْنَى﴾ [النجم: ٤٦].
﴿تَخْلُقُونَهُ﴾ تقدرونه وتصورونه. ﴿قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ تقديرا وقسمناه عليكم
_________________
(١) قوله: (وإما بالبعث) يعني قوله: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ مطلق لم يقيد بماذا يصدقون، فيحتمل أن يقيد بما يدل عليه قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أو بما قبله وهو قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا﴾ والذي يرجح تقدير الخلف شيئان؛ أحدهما: قرب الدليل، ثم التفصيل بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ وثانيها: أن قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ إلى آخر الآيات نوع آخر من الرد على منكري الحشر، فإن قوله: ﴿إنَّ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ﴾ إثبات البعث بطريق إثبات النص القاطع والوعد الصادق، وقوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ إثبات له بحسب البرهان الباهر، ألا ترى كيف فصل ذلك بقوله: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى﴾ و﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] و﴿أَفَرَأَيْتُم﴾ [الواقعة: ٦٨] و﴿أَفَرَأَيْتُم﴾ [الواقعة: ٧١]. قوله: ﴿مَّا تُمْنُونَ﴾ ما تمنونه، أي: تقذفونه في الأرحام)، اعلم أن الإمام بين في البقرة وجه الاستدلال بهذه الأنواع المذكورة وأحسن فيها كل الحسن، وأما وجه الاستدلال بهذه الآية، فأن يقال: إن المني إنما يحصل من فضله الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، ولهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله ﷾ سلط قوة الشهوة على البنية حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جدًا، أولًا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماءً دافقًا إلى قرار
[ ١٥ / ٢٠٦ ]
قسمة الرزق، على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا، فاختلف أعماركم من قصير وطويل ومتوسط. وقرئ: (قدرنا) بالتخفيف.
سبقته على الشيء: إذا أعجزته عنه وغلبته عليه ولم تمكنه منه، فمعنى قوله ﴿ومَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾: إنا قادرون على ذلك لا تغلبونني عليه، و﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ جمع مثل: أي على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق، وعلى أن ننشئكم في خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا: على خلق ما يماثلكم، وما لا يماثلكم، فكيف نعجز عن إعادتكم؟ ! .
ويجوز أن تكون ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ جمع مثل، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها؛ في خلقكم وأخلاقكم، وننشئكم في صفات لا تعلمونها.
قرئ: ﴿النَّشْأَةَ﴾ و(النشاءة). وفي هذا دليل على صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى.
_________________
(١) الرحم، فإذا كان قادرًا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليه جمعها وتكوينها مرة أخرى؟ ! هذا تقرير هذه الحجة. قوله: (ويجوز أن تكون ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ جمع مثل) عطف على قوله: " ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ جمع مثل" اعلم أنه قد سبق غير مرة أن التبديل: التغيير، فيجوز تبديل الذات وتبديل الصفات، وأن المثل بمعنى النظير وبمعنى الصفة، فالتفسير الأول مبني على تبديل الذات، والمثل: بمعنى النظير، والثاني: على تبديل الصفات، والمثل: بمعنى الوصف. قوله: (قرئ ﴿النَّشْأَةَ﴾ و"النشاءة") ابن كثير وأبو عمرو: "النشاءة" بفتح الشين وألف بعدها، والباقون: بإسكانها من غير ألف.
[ ١٥ / ٢٠٧ ]
[﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ٦٣ - ٦٧].
﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ من الطعام، أي: تبدون حبه وتعملون في أرضه، ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ تنبوته وتردونه نباتا يرف وينمى إلى أن يبلغ الغاية. وعن رسول الله ﷺ: "لا يقولن أحدكم: زرعت، وليقل: حرثت"، قال أبو هريرة: أريتم إلى قوله ﴿أَفَرَأَيْتُم﴾ الآية؟ والحطام: من حطم، كالفتات والجذاذ من فت وجذ، وهو ما صار هشيما وتحطم ﴿فَظَلْتُمْ﴾ وقرئ بالكسر، و"فظللتم" على الأصل ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون. وعن الحسن ﵁: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه. أو على ما اقترفتم من المعاصي التي
_________________
(١) قوله: (يرف) النهاية: قولهم: يرف رفيفًا: يقطر نداه، يقال للشيء إذا كثر ماؤه من النعمة والغضاضة، حتى يكاد يهتز: رف يرف. قوله: (قال أبو هريرة: أرأيتم إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم﴾) يعني: أخبروني كيف أسند الحرث إلى الخلق، والزرع إلى نفسه، ثم أوعدهم بجعله حطامًا وبين تحسرهم بقوله: ﴿إنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، ليؤذن بأن ليس بأيديهم سوى أن يبذروا الحب، ويعملوا في الأرض. الراغب: الحرث: إلقاء البذر في الأرض وتهيئتها للزرع، ويسمى المحروث حرثًا، قال تعالى: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾. وقال: إذا نسب الزرع إلى العبد فلكونه فاعلًا لأسبابه التي هي سبب الزرع، كما تقول: أنبت إذا كنت من أسباب نباته، والزرع في الأصل مصدر وعبر به عن المزروع في قوله: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة: ٢٧].
[ ١٥ / ٢٠٨ ]
أصبتم بذلك من أجلها. وقرئ: (تفكنون) ومنه الحديث: "مثل العالم كمثل الحمة يأتيها البعداء ويتركها القرباء، فبيناهم إذا غار ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكنون" أي: يتندمون. ﴿إنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ لملزمون غرامة ما أنفقنا. أو مهلكون لهلاك رزقنا، من الغرام: وهو الهلاك، ﴿بَلْ نَحْنُ﴾ قوم ﴿مَحْرُومُونَ﴾ محارفون محدودودن، لاحظ لنا ولا بخت لنا؛ ولو كنا مجدودين، لما جرى علينا هذا.
_________________
(١) ـ قوله: (أصبتم بذلك من أجلها) أي: أصبتم بذلك البلاء من جعل زرعكم هشيمًا من أجل معاصيكم. قوله: (كمثل الحمة) النهاية: الحمة: عين حار يستشفى بها المرضى، ومنه حديث الدجال: "أخبروني عن حمة زغر" أي: عينها، زغر: موضع بالشام، وقال: إذا غاض ماؤها. قوله: (أو مهلكون لهلاك رزقنا) لو قال: لمهلكون لما ارتكبنا من المعاصي، لأن المعاصي من المهلكات كان أليق، ليكون قوله: "الملزمون غرامة ما أنفقنا"، متفرعًا على قوله: "على تعبكم فيه، وإنفاقكم عليه"، وقوله: "أو مهلكون" على قوله: "أو على ما اقترفتم من المعاصي"، لأن قوله: ﴿إنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ جملة حالية مقولًا لقولهم كالبيان لما يصدر من النادم عند خيبته من الكلمات الدالة عليها، أي: فظلتم تندمون على تعبكم فيه، وإنفاقكم عليه، أو على ما اقترفتم من المعاصي قائلين: إنا لمغرمون، وقوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إن جعل مطلقًا على نحو: فلان يعطي ويمنع كان المعنى ما قال: "محارمون"، فيدخل المعنيان فيه على البدل، وإن قدر متعلقة كان المعنى: محرومون رزقنا كما قدره القاضي. قوله: (محارفون) المحارف: الممنوع من البخت.
[ ١٥ / ٢٠٩ ]
وقرئ: (أئنا).
[﴿أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ٦٨ - ٧٠].
﴿المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ يريد: الماء العذب الصالح للشرب. و﴿المُزْنِ﴾ السحاب: الواحدة مزنة. وقيل: هو السحاب الأبيض خاصة، وهو أعذب ماء.
﴿أُجَاجًا﴾ ملحا زعاقا لا يقدر على شربه.
فإن قلت: لم أدخلت اللازم على جواب ﴿لَوْ﴾ في قوله ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] ونزعت منه هاهنا؟
قلت: إن ﴿لَوْ﴾ لما كانت داخلة على جملتين، معلقة ثانيتهما بالأولى، تعلق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط كـ"إن" و"لا" عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث إفادتها في مضموني جملتيها، أن الثاني امتنع لامتنع الأول: افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علما على ذلك، فإذا حذفت بعد "ما" صارت علما مشهورا مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفا ومأنوسا به: لم يبال بإسقاطه عن اللفظ، استغناء
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "أئنا") قرأ أبو بكر: بهمزتين مخففتين، والباقون: بواحدة مكسورة. قوله: (ولم تكن مخلصة للشرط) كأن قيل: لأن الشرط في "لو" تقديري، لأن الشرط إنما هو توقيف أمر على أمر، وذلك إنما يتحقق في الاستعجال، و"لو" للمضي، فلا تكون شرطية تحقيقية. قوله: ك (فلان الشيء إذا علم) قيل: هو جواب "إذا". وقلت: نعم، إذا قدر محذوف،
[ ١٥ / ٢١٠ ]
بمعرفة السامع. ألا ترى إلى ما يحكى عن رؤية أنه كان يقول: خير، لمن قال له: كيف أصبحت؟ فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه، وتساوي حالي حذفه وإثباته لشهرة أمره. وناهيك بقول أوس:
حتى إذا الكلاب قال لها كاليوم مطلوبا ولاطلبا
وحذفه "لم أر" فإذن حذفها اختصار لفظي وهي ثابتة في المعنى، فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما؛ على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ثانية ونائب عنه. ويجوز أن يقال: إن هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب، للدلالة على أن أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم.
_________________
(١) لأن التقدير: إذا حذفت بعدما صارت علمًا فلا بأس به، لأن الشيء إذا علم وشهر موقعه لم يبال بإسقاطه. قوله: (حتى إذا الكلاب) البيت، المعنى: لم أر مطلوب أراه اليوم، قدمت الصفة وهي "مثل مطلوب" أراه اليوم على الموصوف الذي هو "مطلوبًا"، فصار حالًا، ثم وضع الكاف موضع المثل فصار كما ترى! قال: ذلك حين كان الثور الوحشي يجد في الهرب من كلاب الصيد، وهو الذي يغري الكلب على الصيد، متعجبًا، أي: ما رأى ولا شاهد مطلوبًا مثل هذا الثور من شدة الفرار، ولا طالبًا مثل هذا الكلاب من شدة العدو. وطلبًا جمع طالب، كخادم وخدم. قوله: (على أن تقدم ذكرها) أي: ذكر اللام في قوله: ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾. قوله: (للدلالة على أن أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد) وقلت: ولذلك رتب على أمر المطعوم قوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾
[ ١٥ / ٢١١ ]
ألا ترى أنك إنما تسقي ضيفك بعد أن تطعمه، ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء:
_________________
(١) وعلى أمر المشروب قوله: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾، والأول أدل على التوبيخ والتعبير على كفران النعم، لمجيئه إخباريًا مفصلًا فيه تصوير خيبتهم وتحسرهم. روى الواحدي عن أبي عمرو والكسائي: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾: هو التلهف على ما فات، ويقولون: إننا لمغرومون، أي: إنا قد غرمنا الذي بذرنا، فذهب من غير عوض، بل نحن محرومون مما كنا نطلبه من الريع في الزرع. وأما المعنى الثاني فتقريره: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾، أي: شديد الملوحة كما البحر، فهلا تشكرون أن جعلناه عذبًا؟ وأما الراغب بعد أن فسر ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ بهذا، فقد جعله مقابلًا لقوله: ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾، حيث قال: إنما قدم قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾، لأن الأولى هو خلق الإنسان من فائدة الحرث، وهو الطعام الذي لا يستغني عنه الجسد الحي، وذلك الحب الذي يختبز، فيحتاج بعد حصوله إلى حصول الماء فيعجن ثم إلى النار تعده خبزًا. فإن قيل: فقد قال في الأول: ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وفي الثاني: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾، فما الفائدة؟ قلنا: تنبيه على البعثة والإعادة، فحمل على التذكر ليتفكر في البدء، وليثبت الإعادة، وأما ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾، فإنه بعد قوله: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أي: شديد الملوحة كماء البحر، فلولا تشكرون أن جعله عذبًا. فكل مكان لاق به ما ذكر. ذكره في "غرر التأويل". وقلت: لو كان مقابلًا لقوله: ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ لكان اللائق أن يذكر بعد ذكر النار على ما رتب الكلام.
[ ١٥ / ٢١٢ ]
إذا سقيت ضيوف الناس محضا سقوا أضيافهم شما زلالا.
وسقي بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة؛ ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب.
[﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَاتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ومَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ٧١ - ٧٤].
﴿تُورُونَ﴾: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والأسفل: الزندة؛ شبهوهما بالفحل والطروقة.
_________________
(١) قوله: (إذا سقيت ضيوف الناس محضًا) البيت، محضًا، أي: خالصًا، والشبم: البارد، والزلال: الصافي، يصف قومًا بالبخل، ويقول: إذا سقيت الضيوف لبنًا محضًا خالصًا، فإنهم يسقون أضيافهم الماء الصراح. قوله: (إلا على ثميلة) الأساس: وأنا لا أشرب إلى على ثميلة، وهي بقية العلف في البطن. وفي "النهاية": أصل الثميلة: ما يبقى في بطن الدابة من العلف والماء، وما يدخره الإنسان من طعام أو غيره، وكل بقية ثميلة. قوله: (﴿تُورُونَ﴾ تقدحونها) الراغب: ورى الزند يرى وريًا، إذا خرجت ناره، وأصله أن تخرج النار من وراء المقدح، كأنما تصور كمونها فيه، فقال: ككمون النار في حجره ويقال: فلان واري الزند إن كان منجحًا، وكابي الزند إذا كان مخفقًا. قوله: (بالفحل والطروقة) الجوهري: طروقة الفحل: أنثاه، يقال: ناقة طروقة الفحل: التي بلغت أن يضربها الفحل، ووجه الشبه ما في كل من الزند والزندة من كمون قدرة الله تعالى، كأنها طالبة من صاحبتها اللقاح الذي هو الاقتداح لتوخي النتيجة.
[ ١٥ / ٢١٣ ]
﴿شَجَرَتَهَا﴾ التي منها الزناد، ﴿تَذْكِرَةً﴾ تذكيرا لنار جهنم، حيث علقنا بها أسباب المعايش كلها، وعممنا بالحاجة إليها البلوى، لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها، ويذكرون ما أوعدوا به. أو جعلناها تذكرة وأنموذجا من جهنم، لما روي عن رسول الله ﷺ: "ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم".
﴿ومَتَاعًا﴾ ومنفعة ﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾ للذين ينزلون القواء وهي الفقر. أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام. يقال: أقويت من أيام، أي لم آكل شيئًا.
_________________
(١) قوله: (تذكرة وأنموذجًا) ﴿تَذْكِرَةً﴾: على التفسير الثاني من التذكير والموعظة، وعلى الأول من الذكر نقيض النسيان. قوله: (ناركم هذه) الحديث من رواية البخاري ومسلم ومالك والترمذي عن أبي هريرة: "ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم". الحديث. قوله: (أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام) هذا لا طائل تحته! قال الواحدي: المقوي: الذي ينزل بالقواء، وهي الأرض الخالية، أي: ينتفع بها أهل البوادي والأسفار، ومنفعتهم بها أكثر من منفعة المقيم، لأنهم يوقدونها ليلًا لتهرب السباع، ويهتدي الضال. وقال عكرمة ومجاهد: المقوين: المستمتعين بها من الناس أجمعين؛ المسافرين والحاضرين، يستضيئون بها في الظلمة، ويصطلون من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز، وعلى هذا القول: المقوي من الأضداد، يقال للفقير: مقو لخلوه من المال، والغني: مقو لقوته على ما يريد، يقال: أقوى الرجل: إذا صار إلى حال القوة، والمعنى: متاعًا للأغنياء والفقراء لأنه لا غنى لأحد عنها. ولما ذكر الله تعالى ما يدل على توحيده، وما أنعم به عليهم، قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾، أي: فنزه الله مما يقولون في وصفه.
[ ١٥ / ٢١٤ ]
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فأحدث التسبيح بذكر اسم ربك، أو أراد ب"الاسم": الذكر، أي: بذكر ربك. و﴿العَظِيمِ﴾ صفة للمضاف أو للمضاف إليه.
والمعنى: أنه لما ذكر ما دل على قدرته وإنعامه على عباده قال: فأحدث التسبيح،
_________________
(١) قوله: (فأحدث) قيل: إنما أحدث لأنه ﷺ كان مشتغلًا بالتسبيح غير معرض عنه، والمراد بالإحداث: الاستمرار. وقلت: هذا عكس ما يقتضيه لفظ الإحداث، ولكن المراد: إذا أحطت بما ذكر لك من بيان القدرة الكاملة، وبما أنعم به على الخلق، فجدد التسبيح لذلك تنزيهًا لجلالة شأنه أو تعجبًا من كفران إنعامه، أو شكرًا على ما أولاه من إحسانه. وبيانه: أن لفظ التسبيح من حيث وضعه بإزاء التنزيه عن النقائض وعما يصفه الجاهلون تنزيه، ولما كان ورود هذا الكلام في الرد على منكري الحشر والنشر، ومنكره منكر لقدرته الكاملة وعلمه الشامل، ومكذب لما نص ووعد وأوعد، على ما ورد في الحديث القدسي: "كذبني ابن آدم … " إلى "أن يعيدني كما بدأني". كان تنزيهًا عما يقول الظالمون. ومن حيث المفهوم والاستعمال وأنهم يسبحون الله عند رؤية كل عجيب من صنائعه كان كلمة تعجيب، وما يتعجب منه في هذا المقام: إما تقرير خلق الإنسان من ماء مهين، وإخراج الزرع من ماء المزن، وري النار من الزند، وإما غمطهم هذه النعم الجسيمة والأيادي الظاهرة، ومن حيث النظر إلى كونه ذكرًا لله ﷿ ووصفًا له بالجلال والعظمة والملكوت بعد عد النعم المتكاثرة، كان حمدًا له وشكرًا لأياديه. والله أعلم. قوله: (أو أراد "بالاسم": الذكر) عن بعضهم: الباء سببية لا صلة ولا زائدة، وحاصلة: إما إضمار أو مجاز. وقلت: تقديره: نزه الله إما بواسطة ذكر اسمه تعالى، أو بواسطة ذكره، ويجوز أن يجرى على ظاهره من غير إضمار ولا مجاز، قالوا في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]:
[ ١٥ / ٢١٥ ]
وهو أن يقول: سبحان الله، إما تنزيهًا له عما يقول الظالمون الذين يجحدون وحدانيته ويكفرون نعمته، وإما تعجبًا من أمرهم في غمط آلائه وأياديه الظاهرة، وإما شكرًا لله على النعم التي عدها ونبه عليها.
[﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ﴾ ٧٥ - ٨٠]
﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ معناه: فأقسم. و"لا" مزيدة مؤكدة مثلها في قوله: ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]. وقرأ الحسن: (فلأقسم)، ومعناه: فلأنا أقسم، اللام لام الابتداء دخلت على جملة من مبتدأ وخبر، وهي: أنا أقسم، كقولك: "لزيد منطلق" ثم حذف المبتدأ، ولا يصح أن تكون اللام لام القسم لأمرين، أحدهما: أن حقها أن تقرن بها النون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيح. والثاني: أن "لأفعلن" في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال.
_________________
(١) كما يجب تنزيه ذاته وصفاته تعالى عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب، وهذا أبلغ، لما يلزم ذلك بالطريق الأولي على سبيل الكناية الرمزية. [قوله:] ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾، "لا" زائدة، ويجوز أن يكون ردًا لما يقوله الكافر في القرآن؛ من أنه سحر وشعر وكهانة، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم. تم كلام الواحدي رحمه الله تعالى. قوله: ("فلأقسم"، ومعناه: فلأنا أقسم) إنما قدر المبتدأ لأن لام الابتداء لا تدخل على الجملة الفعلية. قوله: (وفعل القسم يجب أن يكون للحال) قال ابن جني: "لأقسم" قراءة الحسن والثقفي أي: لأنا أقسم؛ فإن جميع ما في القرآن من الإقسام إنما هو على حاضر الحال، لا
[ ١٥ / ٢١٦ ]
﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بمساقطها ومغاربها، ولعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالًا مخصوصةً عظيمةً، أو للملائكة عبادات موصوفةً، أو لأنه وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه من عباده الصالحين، ونزول الرحمة والرضوان عليهم؛ فلذلك أقسم بمواقعها، واستعظم ذلك بقوله: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ
_________________
(١) على وعد الإقسام، نعم لو أريد الفعل المستقبل لزمت فيه النون، فقيل: لأقسمن، وحذفها ضعيف جدًا. قوله: (ولعل لله تعالى في آخر الليل، إذا انحطت النجوم إلى المغرب، أفعالًا مخصوصة عظيمة)، وقلت: ولذلك ورد عن الصادق المصدوق: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له". أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. وروى الترمذي عن أبي أمامة: قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات". قال صاحب "الجامع": النزول والصعود والحركة والسكون من صفات الأجسام، والله تعالى يتقدس عن ذلك، والمراد به نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد وتخصيصه لها بالثلث الآخر من الليل، لأن ذلك وقت التهجد وقيام الليل، وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله تعالى، وعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلى الله تعالى موفرة، فهو مظنة القبول والإجابة.
[ ١٥ / ٢١٧ ]
تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أو أراد بمواقعها: منازلها ومسايرها، وله تعالى في ذلك من الدليل على عظيم القدرة والحكمة ما لا يحيط به الوصف. وقوله: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ اعتراض في اعتراض؛ لأنه اعتراض به بين القسم والمقسم عليه، وهو قوله: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ واعتراض بـ ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ بين الموصوف وصفته.
وقيل: مواقع النجوم: أوقات وقوع نجوم القرآن، أي: أوقات نزولها.
﴿كَرِيمٌ﴾ حسن مرضي في جنسه من الكتب، أو نفاع جم المنافع، أو كريم على الله.
﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهم المطهرون من جميع الأدناس، أدناس الذنوب وما سواها: إن جعلت الجملة صفةً لـ ﴿كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ وهو اللوح. وإن جعلته صفةً للقرآن؛ فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، يعني مس المكتوب منه، ومن الناس من حمله
_________________
(١) قوله: (اعتراض في اعتراض) فإن قوله: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾، اعتراض بين القسم وجوابه مقرر للتوكيد، وتعظيم للمحلوف به، وقوله: ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراض بين الصفة والموصوف توكيد لذلك التعظيم، أي: لو علم ذلك لوفى حقه من التعظيم. قوله: (﴿كَرِيمٍ﴾ حسن مرضي في جنسه) هذا على أن الكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، كقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧]. وقوله: (أو نفاع جم المنافع) هذا على أن يستعار الكريم ممن يقوم به الكريم من ذوي العقول لغيرهم، وقوله: "أو كريم على الله"، هذا على أن متعلق ﴿كَرِيمٍ﴾ محذوف. وقوله: (وإن جعلته صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة)، وكيفية الاستدلال على هذا المطلوب: هو أنه تعالى لما أقسم على أن القرآن في نفسه كريم مرضي في جنسه، ثم وصفه بأنه بمنزلة عظيمة عنده، حيث صانه عن كل وصمة ونقيصة،
[ ١٥ / ٢١٨ ]
على القراءة أيضًا، وعن ابن عمر: أحب إلي أن لا يقرأ إلا وهو طاهر، وعن ابن عباس في رواية أنه كان يبيح القراءة للجنب
_________________
(١) ثم أتبع الكل بقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ﴾، أي: مالك السماوات والأرضين، ووسط بينهما قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ﴾، دل على أن هذه الصفات ثابتة له ذاتية، ومن شأنه أن يكون كذلك، ولا ينبغي غير ذلك، وعليه ما ورد: "المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه" الحديث. فهو إخبار في معنى الأمر كما في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣]، والمعنى على الوجه الأول: إن هذا الكتاب كريم على الله تعالى، ومن كرمه أنه أثبته عنده في اللوح المحفوظ وعظم شأنه بأن حكم ألا يمسه إلا الملائكة المقربون، وصانه عن غير المقربين، فيجب أن يكون حكمه عند الناس كذلك، بناء على أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، لأن مساق الكلام لتعظيم شأن القرآن، وعلى كرمه ورد الإقسام، ومجيء ذكر الكتاب المكنون تابع لذكره، يدل عليه قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ﴾، أي: بمثل هذا العظيم الشأن، الموصوف بصفات الكمال أنتم متهاونون؟ روينا عن الإمام مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، وقال مالك: لم يكره ذلك لأنه يدنسه الأيدي، وإنما كره ذلك إكرامًا للمصحف بأن يحمله غير طاهر، وأحسن ما سمعت في معنى هذه الآية أنها بمنزلة قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]. وعن الدارمي عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "القرآن أحب إلى الله من السماوات والأرض ومن فيهن".
[ ١٥ / ٢١٩ ]
ونحوه قول رسول الله ﷺ: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" أي: لا ينبغي له أن يظلمه أو يسلمه.
وقرئ: ﴿المُتَطَهَّرُونَ﴾، و(المطهرون) بالإدغام. و(المطهرون)، من: أطهره بمعنى طهره، و(المطهرون) بمعنى: يطهرون أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم.
والوحي الذي ينزلونه ﴿تَنزِيلٌ﴾ صفة رابعة للقرآن، أي: منزل من رب العالمين، أو وصف بالمصدر؛ لأنه نزل نجومًا من بين سائر كتب الله تعالى، فكأنه في نفسه تنزيل؛ ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه، فقيل: جاء في التنزيل كذا، ونطق به التنزيل. أو هو تنزيل على حذف المبتدأ، وقرئ: (تنزيلًا) على: نزل تنزيلًا.
[﴿أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ * وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٨١ - ٨٢]
﴿أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ﴾ يعني القرآن ﴿أَنتُم مُّدْهِنُونَ﴾ أي: متهاونون به، كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونًا به ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ على حذف المضاف، يعني: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وقرأ علي ﵁: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) وقيل: هي قراءة رسول الله ﷺ، والمعنى: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به.
_________________
(١) قوله: (ونحوه) أي: نحوه في الأسلوب، وأن المراد بقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾: لا ينبغي أن يمسه، والحديث من رواية البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة، مضى تمامه في الحجرات. "لا يسلمه"، أي: لا يخذله ولا يتركه بيد العدو. الجوهري: أسلمه: أي خذله. قوله: (كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه) الراغب: الإدهان في الأصل مثل التدهين، لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجد، كما جعل التقريد، وهو نزع القراد عن البعير، عبارة عن ذلك.
[ ١٥ / ٢٢٠ ]
وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليها. والرزق: المطر، يعني: وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم.
وقرئ: (تكذبون) وهو قولهم في القرآن: شعر وسحر وافتراء. وفي المطر: هو من الأنواء، ولأن كل مكذب بالحق كاذب.
[﴿فَلَوْلا إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ * وأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ ولَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ * وأَمَّا إن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ * فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ * وأَمَّا إن كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ٨٣ - ٩٦]
ترتيب الآية: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين. ﴿فَلَوْلَا﴾ الثانية مكررة للتوكيد،
_________________
(١) قوله: (وقيل: نزلت في الأنواء) عن الترمذي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، قال: "شكركم؛ تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا"، وعن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي عن زيد ابن خالد قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية، في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسول أعلم، قال: "قد أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب". وتفسير النوء قد ذكرناه فيما سبق. قوله: (﴿فَلَوْلَا﴾ الثانية مكررة للتوكيد) قال أبو البقاء: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ جواب "لولا"
[ ١٥ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الأولى، وأغنى ذلك عن جواب الثانية، وقيل: عكس ذلك، وقيل: "لولا" الثانية تكرير. وقيل: ﴿إِن كُنتُمْ﴾: شرط دخل على شرط، فيكون الثاني مقدمًا في التقدير، أي: إن كنتم صادقين، إن كنتم غير مملوكين، فأرجعوا أرواحكم إلى أبدانكم ممتنعين عن الموت. والمصنف جعل الشرط الأول الأصل على ما عليه الظاهر، حيث قدر: "إن لم يكن ثم قابض، وكنتم صادقين في تعطيلكم"، فعطف الثاني عليه ليؤذن بأن الشرط الثاني كالبيان والتوكيد للأول، فيكون أصل الكلام على تقديره: فهلا إذا بلغت روح المحتضر حلقومه، يا أهل البيت، ترجعونها إلى مقامها إن كنتم صادقين، أنكم غير مربوبين، بل مهملون معطلون، ثم قرن بقوله: ﴿بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾، قوله: ﴿وأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ حالًا لتتميم معنى العجز عن القدرة على الرجع مع كونهم حاضرين ناظرين، ثم قرن به: ﴿ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ ولَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ حالًا أخرى لتتميم معنى أن قربهم لا ينفع وأنهم غير قادرين على الرجع، وقدم أحد الشرطين على جواب "لولا" للاهتمام كما ترى. وأما الواحدي فلخص المعنى وقال: إن كان الأمر كما تقولون: إنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء، ولا إله يحاسب ويجازي، فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ذلك بوجه فاعلموا أن الأمر إلى غيركم، وهو الله تعالى، ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت بقوله: ﴿فَأَمَّا إن كَانَ﴾ الذي بلغت روحه الحلقوم ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ عند الله، فله روح إلى قوله: ﴿وأَمَّا إن كَانَ﴾ أي: المتوفى ﴿مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ﴾، ﴿وأَمَّا إن كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾: أي بالبعث، ﴿فَنُزُلٌ﴾ أي: فنزله ﴿مِّنْ حَمِيمٍ﴾. وقلت: النظم يساعد هذا القول: لكن إنما يتم إذا قلنا: إن المنكرين للبعث، ما أنكروه بطريق إيراد الشبه كالدهرية والطبيعيين، بل لأنه ألهاهم التنعم في الدنيا، والترف بلذاتها
[ ١٥ / ٢٢٢ ]
والضمير في ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ للنفس وهي الروح، وفي ﴿أَقْرَبُ إلَيْهِ﴾ للمحتضر ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غير مربوبين، من دان السلطان الرعية، إذا ساسهم. ﴿ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يا أهل الميت، بقدرتنا وعلمنا، أو بملائكة الموت.
والمعنى: إنكم في جحودكم أفعال الله تعالى وآياته في كل شيء، إن أنزل عليكم كتابًا معجزًا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسل إليكم رسولًا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقكم مطرًا يحييكم به قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب يؤدي إلى الإهمال
_________________
(١) عن التزود لدار الجزاء، بدليل قوله: ﴿إنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الحِنثِ العَظِيمِ﴾، أي: يحلفون ويصرون عليه أن لا بعث ولا حساب، ويقولون: نحن الآن نستوفي لذاتنا من الدنيا، كقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥] أي: ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات لا تنزع عنه. وفي كلام المصنف: "إنكم في جحودكم على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل" أشعار بهذا المعنى. فالفاء في قوله: ﴿فَلَوْلا إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ مسببة عما قبلها، وكذا الفاء في: ﴿أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ﴾، وفي: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾، وهلم جرا إلى الفاءات المصدرات بهمزة الإنكار في: ﴿أَفَرَأَيْتُم﴾ و﴿أَفَرَأَيْتُم﴾ إلى أن يتصل بقوله: ﴿كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾، فلما وبخوا على قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، وهدم باطلهم بأنواع من البراهين القاطعة وعد قبائحهم، قيل لهم: ﴿فَلَوْلا إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ * وأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾، يعني: إن كان الأمر كما تقولون: إنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء، ونحن الآن طيبون، فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا ﴿بَلَغَتِ الحُلْقُومَ * وأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ إليه وإلى ما هو فيه من السكرات، هل تقدرون أن ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ إلى مقامها ﴿إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم غير مدينين؟؟ وإليه الإشارة بقوله: "إن لم يكن ثم قابض، وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت". قوله: (إذا ساسهم) الجوهري: سست الرعية سياسة، وسوس الرجل أمور الناس على ما لم يسم فاعله، إذا ملك أمرهم.
[ ١٥ / ٢٢٣ ]
والتعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد؟ !
﴿فَأَمَّا إن كَانَ﴾ المتوفى ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ من السابقين من الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة ﴿فَرَوْحٌ﴾ فله استراحة.
_________________
(١) قوله: (وكنتم صادقين في تعطيلكم) فإن قلت: كيف يصح هذا الاستدلال؟ فإن من قال بالتعطيل يحيل الموت إلى طبيعة، لا إلى القادر المختار، فلا يقال لهم: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾؟ قلت: الطبيعي يزعم أنه قادر على تغيير الطبيعة بالمعالجة، فقل لهم: فهلا ترجعون الروح من الحلقوم إن كنتم صادقين في ذلك؟ قال الإمام: الطبيعي عنده أن البقاء بالغذاء، وأن الأمراض زوالها بالدواء ممكن. قوله: (من الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة) إشارة إلى أن الخاتمة ناظرة إلى الفاتحة، فينبغي أن يراعى النظم على ما قررنا. قوله: (فله استراحة) فإن قلت: دل هذا على أن قوله: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ﴾، جزاء للشرط، وقد مضى شرطان "أما" و"إن" فجواب أيهما هو؟ قال صاحب "الكشف": تقدير هذا الكلام: مهما يكن من شيء فروح وريحان إن كان من المقربين، فحذف الشرط الذي: هو "يكن من شيء"، وأقام "أما" مقام "مهما" ولم يحسن أن يلي الفاء أما، فأوقع الفصل بين "أما" والفاء بقوله: ﴿فَأَمَّا إن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لتحسين اللفظ، كما يقع الفصل بينهما بالظرف والمفعول في قوله: أما اليوم فزيد خارج، وقال سيبويه: أما غدًا فلك درهم، فالفاء في ﴿فَرَوْحٌ﴾ وأختيها جواب "أما" دون "إن"، وقال أبو البقاء: جواب أما ﴿فَرَوْحٌ﴾، وأما "إن" فاستغنى بجواب "أما" عن جوابها لأن جواب "إن" يحذف كثيرًا.
[ ١٥ / ٢٢٤ ]
وروت عائشة ﵁ عن رسول الله ﷺ: (فروح)، بالضم. وقرأ به الحسن وقال: الروح: الرحمة، لأنها كالحياة للمرحوم. وقيل: البقاء، أي: فهذان له معًا، وهو الخلود مع الرزق والنعيم. والريحان: الرزق.
﴿فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ﴾ أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك. كقوله تعالى: ﴿إلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦].
﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] وقرئ بالتخفيف.
_________________
(١) قوله: ("فروح" بالضم) عن الترمذي وأبي داود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ: "فروح وريحان". قال ابن جني: معنى هذه القراءة يرجع إلى معنى الروح، فكأنه قيل: فله ممسك روح، وممسكها هو الروح، كما تقول: الهواء هو الحياة، وهذا السماع هو العيش. قوله: (أي: فهذان له معًا) يعني قوله: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أخبارها محذوفة وهي "له". فإن قلت: هاهنا أشياء ثلاثة لم جعلها شيئين، حيث قال: و"هو الخلود مع الرزق والنعيم"، وعبر عنها بـ"هذان"؟ قلت: كأنه لمح إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] قال: وقيل: أراد دوام الرزق ودروره، فالروح المتأول بالبقاء، والريحان المفسر بالرزق، بمعنى دوام الرزق ودروره، و"جنة النعيم" مثل كلمة ﴿فِيهَا﴾ أي: في جنات عدن. قوله: (من إخوانك) من: للابتداء، وفي قوله: "يا صاحب اليمين" إشارة إلى الاختصاص المستفاد من الالتفات في الآية، ونظيره في الالتفات قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٦٤].
[ ١٥ / ٢٢٥ ]
﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قرئت بالرفع والجر عطفًا على"نزل" و﴿حَمِيمٍ﴾، ﴿إنَّ هَذَا﴾ الذي أنزل في هذه السورة، ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ أي: الحق الثابت من اليقين.
عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: "من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا".
_________________
(١) قوله: (﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قرئت بالرفع والجر)، الرفع هي المشهورة، والجر شاذ. قوله: (أي: الحق الثابت مع اليقين) الراغب: اليقين: سكون مع ثبات الحكم، وهو من صفة العلم، يقال: علم يقين، ولا يقال: معرفة يقين. وأنشد صاحب "التيسير": لقد أقوت عليك ديار عبس عرفت الدار عرفان اليقين وقيل: هو كقولهم: نفس الحائط، أي: النفس التي هي الحائط، ولذلك قال: "أي: الحق الثابت من اليقين"، وقال البصريون: التقدير حق الأمر اليقين، واليقين: علم يحصل به ثلج الصدور، قيل: هو علم يحصل بالدليل، وقال صاحب "المطلع": هو اسم للعلم الذي زال عنه اللبس، و﴿حَقٌّ﴾ تأكيد، كما تقول: حق يقين، ويقين حق. وقال الزجاج" إن هذا الذي قصصنا عليك في هذه السور حق اليقين، كما تقول: إن زيدًا لعالم حق عالم، وإنه العالم حق العالم، إذا بالغت في التوكيد. قوله: (من قرأ سورة الواقعة) الحديث رواه صاحب "الجامع" عن رزين عن ابن
[ ١٥ / ٢٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ كل ليلة سورة الواقعة لم تصبه فاقة، وفي المسبحات: آية كألف آية". تمت السورة حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ. * * *
[ ١٥ / ٢٢٧ ]