مكية، وهي خمس وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(إذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ • وأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وحُقَّتْ • وإذَا الأَرْضُ مُدَّتْ • وأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتَخَلَّتْ • وأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وحُقَّتْ) ١ - ٥]
حذف جواب (إذا) ليذهب المقدر كل مذهب. أو اكتفاءً بما علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار. وقيل: جوابها ما دل عليه (فَمُلاقِيهِ)
_________________
(١) سورة الانشقاق خمس وعشرون آية، مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (جوابها ما دل عليه ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾)، قال الإمام: "فعلى هذا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ معترض، وهو كقول القائل: إذا كان كذا وكذا يا أيها الإنسان، ترى عند ذلك ما عملت من خير وشر، أي: إذا كان يوم القيامة لقى الإنسان عمله".
[ ١٦ / ٣٥٤ ]
أي إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. ومعناه: إذا انشقت بالغمام، كقوله تعالى: (ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) [الفرقان: ٢٥]، وعن على ﵁: تنشق من المجرة. أذن له: استمع له. ومنه قوله ﵇: «ما أذن الله لشيء كاذنه لنبي يتغنى بالقرآن»، وقول حجاف بن حكيم:
أذنت لكم لما سمعت هريركم
والمعنى: أنها فعلت في انقيادها لله حين أراد انشقاقها فعل المطواع،
_________________
(١) قوله: (ومعناه: إذا انشقت بالغمام)، عن بعضهم: نظيره: انشق الأرض بالنبات، والباء للدلالة، ويكون في ذلك الغمام ملائكة العذاب، وكان ذلك أشد وأفظع، حيث جاء العذاب من موضع الخير، وقلت: والأظهر أن يُراد أن الملائكة ينزلون وبأيديهم صحائف الأعمال، لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِي﴾. قوله: (تنشق من المجرة)، الجوهري: "المجرة: التي في السماء، سُميت بذلك لأنها كأثر المجر". قال ابن قُتيبة في كتاب "الأنواء": "المجرة: شُرُج السماء كشرج القُبة، وهي: ما يُرى في الشتاء أول الليل في ناحية السماء، وفي الصيف في أول الليل في وسط السماء، تنتقل في آخر الليل في غير موضعها، ويقال إن النجوم تقاربت في المجرة فطُمس بعضهم، فصارت كأنها سحائب". قوله: (ما أذن الله لنبي)، الحديث. رواه الشيخان وأبو داود والدرامي والنسائي، عن أبي هريرة ﵁. ومعناه: ما استمع إلى شيء كاستماعه إلى صوت نبي قرأ الكتاب المنزل عليه، أي: لا يعتد لشيء كاعتداده إلى هذا. قوله: (والمعنى: أنها فعلت في انقيادها)، يريد: أن إذن السماء للانشقاق تمثيل، على
[ ١٦ / ٣٥٥ ]
الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المطاع أنصت له وأذعن ولم يأب ولم يمتنع، كقوله: (أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: ١١]. (وحُقَّتْ) من قولك هو محقوق بكذا وحقيق به، يعني: وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع، ومعناه الإيذان بأن القادر الذات يجب أن يتأتى له كل مقدور ويحق ذلك. (مُدَّتْ) من مد الشيء فامتد: وهو أن تزال جبالها وآكامها وكل أمت فيها، حتى تمتد وتنبسط ويستوي ظهرها، كما قال تعالى: (قَاعًا صَفْصَفًا • لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا ولا أَمْتًا) [طه: ١٠٦ - ١٠٧]، وعن ابن عباس ﵄: مدت مد الأديم العكاظي؛ لأن الأديم إذا مد زال انثناء فيه وأمت واستوى، أو من مده بمعنى أمده، أي: زيدت سعة وبسطة. (وأَلْقَتْ مَا فِيهَا) ورمت بما في جوفها مما دفن فيها من الموتى والكنوز، (وتَخَلَّتْ) وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها،
_________________
(١) منوال قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. قال الإمام: "المعنى: لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله في شقها وتفريق أجزائها، فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع؛ إذا ورد عليه الأمر من جهة مالكه أذعن ولم يمتنع لذلك". قوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، يدل على نفوذ القدرة في التفريق والإعدام والإفناء من غير ممانعة أصلًا. قوله: (بأن القادر الذات)، الانتصاف: "ما باله لا يقول: الذي عمت قدرته الكائنات، فيُثبت لله تعالى صفة الكمال؟ وإنما قوله: القادر الذات ميل إلى البدعة". قوله: (وكل أمت)، الجوهري: "الأمت: المكان المرتفع. والأمت التلال الصغار". قوله: (العُكاظي)، النهاية: "العكاظ: موضع بقرب مكة كانت تُقام بها في الجاهلية سوق يقيمون فيها أيامًا".
[ ١٦ / ٣٥٦ ]
كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو، كما يقال: تكرم الكريم، وترحم الرحيم: إذا بلغا جهدهما في الكرم والرحمة، وتكلفا فوق ما في طبعهما. (وأَذِنَتْ لِرَبِّهَا) في إلقاء ما في بطنها وتخليها.
[(يَا أَيُّهَا الإنسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ • فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ • فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا • ويَنقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا • وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ ورَاءَ ظَهْرِهِ • فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا • ويَصْلَى سَعِيرًا • إنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا • إنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ • بَلَى إنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا) ٦ - ١٥]
الكدح: جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها، من كدح جلده: إذا خدشه. ومعنى: (كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ) جاهد إلى لقاء ربك، وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء (فَمُلاقِيهِ) فملاق له لا مجالة لا مفر لك منه، وقيل: الضمير في (ملاقيه) للكدح (يسيرًا)، سهلًا هينًا لا يناقش فيه ولا يعترض بما يسوؤه ويشق عليه،
_________________
(١) قوله: (الكدح: جهد النفس في العمل)، الراغب: "الكدح: السعي والعناء، قد يستعمل استعمال الكدم في الأسنان. قال الخليل: الكدح دون الكدم". قوله: (من الحال الممثلة باللقاء)، قال في العنكبوت: "لقاء الله مثل للوصول إلى العاقبة، من تلقى ملك الموت والبعث والحساب والجزاء. مُثلت تلك الحال، بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل، وقد اطلع مولاه على ما كان يأتي ويذر، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب لما رضى من أفعاله، أو بضد ذلك لما سخط منها". قوله: (وقيل: الضمير في "مُلاقيه" للكدح)، وهو على تقدير حذف مضاف، أي: فمُلاق جزاء كدحك من خير وشر، وعلى هذا قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ إلى آخره تفصيل له،
[ ١٦ / ٣٥٧ ]
كما يناقش أصحاب الشمال. وعن عائشة ﵂: هو أن يعرف ذنوبه، ثم يتجاوز عنه. وعن النبي ﷺ أنه قال: «من يحاسب يعذب، فقيل يا رسول الله: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا). قال ذلكم العرض، من نوقش في الحساب عذب». (إلَى أَهْلِهِ) إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو إلى فريق المؤمنين، أو إلى أهله في الجنة من الحور العين (ورَاءَ ظَهْرِهِ) قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقيل تخلع يده اليسرى من وراء ظهره، (يَدْعُو ثُبُورًا) يقول: يا ثبوراه. والثبور: الهلاك.
_________________
(١) كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة: ٣٨] إلى آخره. وعلى الأول الضمير: لله ﷿، أي: إنك عامل باجتهاد إلى وقت الموت فملاق ربك. قال الإمام: "وفي الآية نكتة لطيفة، وهي أنها تدل على وجوب الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادة الأبدية". وقلت: ومن ثم قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥]. قوله: (من يحاسب يُعذب)، الحديث من رواية الشيخين والترمذي وأبي داود، عن عائشة ﵂، أن النبي؟ قال: "ليس أحد يُحاسب إلا هلك"، قلت: يا رسول الله، جعلني الله فداءك، أليس الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: "ذلك العرض يعرضون، ومن نُوقش الحساب هلك". النهاية: "نوقش، أي: من استقصى في محاسبته وحوقق. وأصل المناقشة من نقش الشوكة إذا استخرجها من جسمه، وقد نقشها وانتقشها".
[ ١٦ / ٣٥٨ ]
وقرئ: (ويصلى سعيرًا)، كقوله: (وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) [الواقعة: ٩٤]، ويصلى: بضم الياء والتخفيف، كقوله: (ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ) [النساء: ١١٥]. (فِي أَهْلِهِ) فِيما أَهْلِهِ فيما بين ظهرانيهم، أو معهم، على أنهم كانوا جميعا مسرورين، يعني: أنه كان في الدنيا مترفًا بطرًا مستبشرا كعادة الفجار الذين لا يهمهم أمر الآخرة ولا يفكرون في العواقب. ولم يكن كئيبًا حزينًا متفكرا كعادة الصلحاء والمتقين وحكاية الله عنهم (إنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) [الطور: ٢٦]. (ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ) لن يرجع إلى الله تعالى تكذيبًا بالمعاد. يقال: لا يحور ولا يحول، أي: لا يرجع ولا يتغير. قال لبيد:
يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
_________________
(١) قوله: (وقُرئ: "ويصلى سعيرًا")، أبو عمرو وعاصم وحمزة: بفتح الياء وإسكان الصاد مخففًا، والباقون: بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام. قوله: (مُترفًا)، الجوهري: "أترفته النعمة: أطغته". قوله: (وحكاية الله)، بالجر: عطف على عادة الصلحاء، أي: ولم يكن كئيبًا حزينًا كما حكى الله عنهم، أي: عن المتقين. قوله: (يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع)، أوله: وما المرء إلا كالشهاب وضوئه
[ ١٦ / ٣٥٩ ]
وعن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها: حوري، أي: ارجعي. (بَلَى) إيجاب لما بعد النفي في (لَّن يَحُورَ) أي: بلى ليحورن، (إنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا) وبأعماله لا ينساها ولا تخفى عليه، فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها. وقيل: نزلت الآيتان في أبي سلمة بن عبد الأشد وأخيه الأسود بن عبد الأشد.
[(فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ • واللَّيْلِ ومَا وسَقَ • والْقَمَرِ إذَا اتَّسَقَ • لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) ١٦ - ١٩]
الشفق: الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس، وبسقوطه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء، إلا ما يروى عن أبى حنيفة ﵁ في إحدى الروايتين: أنه البياض. وروى أسد بن عمرو: أنه رجع عنه، سمى لرقته، ومنه الشفقة على الإنسان: رقة القلب عليه، (ومَا وسَقَ) وما جمع وضم،
_________________
(١) يقال: شهاب ساطع، أي: مرتفع ملتهب. قوله: (في أبي سلمة بن عبد الأشد)، في "الكشاف": "الأشد بالشين المعجمة. وفي "جامع الأصول": بالسين المهملة. "هو أبو سلمة بن [عبد] الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القُرشي، ابن عمة النبي؟، وكان زوج أُم سلمة قبل النبي؟ ". قوله: (﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جمع)، الراغب: "الوسق: جمع المتفرق، وسمي قدر معلوم من الحمل كحمل البعير: وسقا، وقيل: هو ستون صاعًا. قوله: ﴿وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾، قيل: وما جمع من الظلام، وقيل: عبارة عن طوارق الليل. والوسيقة: الإبل المجموعة، والاتساق: الاجتماع والاطراد".
[ ١٦ / ٣٦٠ ]
يقال: وسقه فاتسق واستوسق. قال:
مستوسقات لو يجدن سائقا
ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين: اتسع واستوسع. ومعناه: وما جمعه وستره وآوى إليه من الدواب وغيرها. (إذَا اتَّسَقَ) إذا اجتمع واستوى ليلة أربع عشرة. قرئ: (لتركبن)، على خطاب الإنسان في (يَا أَيُّهَا الإنسَانُ)، و(لتركبن)، بالضم على خطاب الجنس،
_________________
(١) ـ قوله: (مستوسقات لو يجدن سائقًا)، أول الرجز في "المطلع": إن لنا قلائصًا نقانقًا النقنق: الظليم، وهو ذكر النعام. قوله: (و﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾، بالضم: على خطاب الجنس)، الكسائي وابن كثير وحمزة: على الخطاب، والباقون: بضم الباء الموحدة، وبكسر الباء: شاذ، قال محيي السنة: "لتركبن بفتح الباء: خطاب لرسول الله؟ . قال الشعبي ﵀ ومجاهد: سماء بعد سماء. قال الكلبي: يعني تصعد فيها ويجوز درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله والرفعة". وقال صاحب "الكشف": "عن" بمعنى "بعد"، كقولهم: سادوك كابرًا عن كابر، أي: بعد كابر، قال الذبياني: بقية قدر من قدور تورثت لآل الجلاح كابرًا بعد كابر
[ ١٦ / ٣٦١ ]
لأن النداء للجنس؛ ولتركبن بالكسر على خطاب النفس، وليركبن بالياء على: ليركبن الإنسان. والطبق: ما طابق غيره. يقال: ما هذا بطبق لذا، أي: لا يطابقه، ومنه قيل للغطاء الطبق. وإطباق الثرى: ما تطابق منه، ثم قيل للحال المطابقة لغيرها: طبق.
_________________
(١) وفي "التيسير": عن ابن عباس وابن مسعود: أي: لتركبن يا محمد أطباق السماء ليلة الإسراء، وهي بشارة بالمعراج. وقال الإمام: وذلك بشارة لرسول الله؟ بصعوده إلى السموات لمشاهدة ملكوتها وإجلال الملائكة إياه فيها، قال الله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣، نوح: ١٥]، وهو مروي عن ابن عباس وابن مسعود؛ فقوله: "عن طبق"، أي: "بعد طبق"، قال: مازلت أقطع منهلًا عن منهل حتى أنخت ببات عبد الواحد وقلت: ويؤيد هذا الوجه التوكيد بالجملة القسمية، والتعقيب بالإنكارية بقوله ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؟، وقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾. قوله: (والطبق: ما طابق غيره)، الراغب: "المطابقة من الأسماء المتضايفة، وهو أن تجعل الشيء فوق آخر بقدره، ومنه: طابقت النعل. ثم يستعمل الطباق فيما يكون فوق الآخر تارة، وفيما يوافق غيره تارة، كسائر الأشياء الموضوعة لمعنيين، ثم يستعمل لأحدهما بدون الآخر كالكأس والرواية ونحوهما، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]، وقال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾، أي: يترقى منزلًا عن منزل، وذلك إشارة إلى أحوال الإنسان من ترقيه في أحوال شتى في الدنيا، نحو ما أشار إليه بقوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ [فاطر: ١١]، وأحوال شتى في الآخرة من النشور والبعث والحساب وجواز الصراط، إلى حين المُستقر إلى أحد الدارين".
[ ١٦ / ٣٦٢ ]
ومنه قوله عز وعلا: (طَبَقًا عَن طَبَقٍ) أي حالًا بعد حال: كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول، ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة، من قولهم: هو على طبقات، ومنه: طبق الظهر لفقاره. الواحدة: طبقة، على معنى: لتركبن أحوالًا بعد أحوال، هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض، وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها.
فإن قلت: ما محل عن طبق؟
قلت: النصب على أنه صفة لـ (طبقًا)، أي: طبقًا مجاوزًا لطبق، أو حال من الضمير في لتركبن، أي: لتركبن طبقًا مجاوزين لطبق. أو مجاوزًا. أو مجاوزة، على حسب القراءة. وعن مكحول: كل عشرين عامًا تجدون أمرًا لم تكونوا عليه.
[(فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ • وإذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ • بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ • واللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ • فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ • إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) ٢٠ - ٢٥]
_________________
(١) قوله: (وهي الموت وما بعده)، هذا هو الذي يقتضيه النظم وترتب الفاء في ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ على قوله: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٥]. قوله: (على حسب القراءة)، يعني في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ من الضم والفتح والكسر، فقوله: ﴿مُجاوزين﴾ على قراءة الضم، والخطاب للجنس، وقوله: "مُجازًا" على قراءة الباء بالفتح؛ على أن الخطاب للرسول؟، و(ليركبن) بالياء كذلك، وقوله: (مُجاوزة) بكسر الواو، على أن (لتركبن) بكسر الباء، والخطاب للنفس. قوله: (تجدون أمرًا لم تكونوا عليه)، يجدون: بفتح الياء وكسر الجيم والدال مخففة، ويروى: "تجدون"، بضم التاء الفوقانية وكسر الجيم والدال مُشددة، من: أجده، أي: جعله جديدًا. الجوهري: "تجدد الشيء صار جديدًا، وأجده وجدده واستجده: صيره جديدًا".
[ ١٦ / ٣٦٣ ]
(يَسْجُدُونَ) لا يستكينون ولا يخضعون. وقيل. قرأ رسول الله ﷺ ذات يوم (واسْجُدْ واقْتَرِبْ) [العلق: ١٩] فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة ﵁ على وجوب السجدة. وعن ابن عباس: ليس في المفصل سجدة. وعن أبى هريرة ﵁: أنه سجد فيها وقال: والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها. وعن أنس: صليت خلف أبى بكر وعمر وعثمان فسجدوا. وعن الحسن: هي غير واجبة (الَّذِينَ كَفَرُوا) إشارة إلى المذكورين. (بِمَا يُوعُونَ) بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب.
_________________
(١) قوله: (ليس في المفصل)، عن بعضهم: قيل اسم للسابع في أكثر الأحوال، وقيل: من: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ [محمد: ١]. قوله: (وعن أبي هريرة أنه سجد فيها)، روينا عن الشيخين وأبي داود والنسائي، عن أبي سلمة: "رأيت أبا هريرة قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، وقال: لو لم أر النبي؟، سجد، لم أسجد". وفي رواية: سجد أبو بكر وعمر في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، ومن هو خير منهما. وهو سنة عند الشافعي في المفصل، على الجديد.
[ ١٦ / ٣٦٤ ]
(إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) استثناء منقطع.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «انشقت» أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره».
_________________
(١) قوله: (﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: استثناء منقطع)، وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون متصلًا، وأن يكون منقطعًا". وقيل: التقدير: فبشر الناس. وقلت: ليس بذاك، لأن الضمير راجع إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وضع موضع المظهر، للإشعار بأنهم لا يؤمنون ولا يسجدون عند قراءة القرآن عليهم، لأنهم كافرون مكذبون. تمت السورة حامدًا لله ومُصليًا * … * … *
[ ١٦ / ٣٦٥ ]