[٢٦] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] يذكر شبها، ﴿مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] مَا: صِلَةٌ، أَيْ: مَثَلًا بِالْبَعُوضَةِ، وبعوضة: نَصْبُ بَدَلٍ عَنِ الْمَثَلِ، وَالْبَعُوضُ صغار البق، سميت بعوضة لأنها كانت بعض البق، ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] يَعْنِي: الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: فَمَا دُونَهَا، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ جَاهِلٌ، فَيُقَالُ: وَفَوْقَ ذَلِكَ، أَيْ: وَأَجْهَلُ. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦] بمحمد والقرآن، ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ [البقرة: ٢٦] يعني: المثل هو ﴿الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٦] الصِّدْقُ ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] أَيْ: بِهَذَا الْمَثَلِ، فَلَمَّا حَذَفَ الألف واللام نصب عَلَى الْحَالِ وَالْقَطْعِ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ فقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] من الكفار، وذلك أنهم يكذبون فيزدادون ضلالًا، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ [البقرة: ٢٦] أي بهذا المثل ﴿كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] من الْمُؤْمِنِينَ فَيُصَدِّقُونَهُ، وَالْإِضْلَالُ هُوَ الصَّرْفُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَقِيلَ: هُوَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦] الْكَافِرِينَ، وَأَصْلُ الْفِسْقَ: الْخُرُوجُ، يُقَالُ: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ:
[٢٧] ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] يُخَالِفُونَ وَيَتْرُكُونَ، وَأَصْلُ النَّقْضِ: الْكَسْرُ، ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] أَمْرُ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى النَّبِيِّينَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨١] الْآيَةَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَهْدَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَيُبَيِّنُوا نَعْتَهُ، ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] تَوْكِيدِهِ، وَالْمِيثَاقُ: الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧] يَعْنِي: الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَبِجَمِيعِ الرُّسُلِ ﵈ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْأَرْحَامَ، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧] بِالْمَعَاصِي وَتَعْوِيقِ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبالقرآن، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] الْمَغْبُونُونَ.
ثُمَّ قَالَ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ:
[٢٨] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]؟ بعد نصب الدلائل ووضوح البرهان.
ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلَائِلَ فَقَالَ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨] نُطَفًا
[ ٢٣ ]
في أصلاب آبائكم، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فِي الْأَرْحَامِ وَالدُّنْيَا، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِكُمْ، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] للبعث، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] أَيْ: تُرَدُّونَ فِي الْآخِرَةِ فَيَجْزِيكُمْ بأعمالكم.
[٢٩] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] لِكَيْ تَعْتَبِرُوا وَتَسْتَدِلُّوا، وَقِيلَ: لِكَيْ تَنْتَفِعُوا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ: أَيِ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] خَلَقَهُنَّ مُسْتَوَيَاتٍ لَا فُطُورَ فِيهَا ولا صدوع، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]
[٣٠] ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: ٣٠] أَيْ: وَقَالَ رَبُّكَ وَإِذْ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ رَبُّكَ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فهذا سبيله، إذ وَإِذَا: حَرْفَا تَوْقِيتٍ إِلَّا أَنَّ إِذْ لِلْمَاضِي وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ يوضع أحدهما موضع الآخر. ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] جمع ملك، وأراد به الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْأَرْضِ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] أي: بدلا منكم، والمراد بالخليفة ههنا آدم ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] بالمعاصي، ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] بغير حق ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] قَالَ الْحَسَنُ: نَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وبحمده هو صَلَاةُ الْخَلْقِ وَصَلَاةُ الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهِمَا سوى الآدميين ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] أَيْ: نُثْنِي عَلَيْكَ بِالْقُدْسِ وَالطَّهَارَةِ عما لا يليق بعظمتك وجلالك، وَقِيلَ: وَنُطَهِّرُ أَنْفُسَنَا لِطَاعَتِكَ، وَقِيلَ: وَنُنَزِّهُكَ، وَاللَّامُ: صِلَةٌ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِرَاضِ وَالْعُجْبِ بِالْعَمَلِ بَلْ على سبيل التعجب وطلب الْحِكْمَةِ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٠] من الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُطِيعُنِي ويعبدني من الأنبياء والأولياء والصلحاء، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِيكُمْ مَنْ يَعْصِينِي وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُذْنِبُونَ وَأَنَا أغفر لهم.