قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة:٦].
١/ ١ - قال ابن عقيل: (قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، المراد به: أدم لنا ما منحتنا من هدايتك اهـ) (^١).
الدراسة:
ذكر العلماء في تفسير قوله تعالى: قال تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة:٦] أقوالًا منها:
الأول: ثبتنا وأدم الهداية لنا (^٢)، وهذا هو قول ابن عقيل، وهو مروي عن عليّ، وأُبيّ بن كعب (^٣) ﵄.
الثاني: أرشدنا، ذكره ابن كثير في تفسيره (^٤).
الثالث: وفقنا وألهمنا، وهذا تفسير ابن عباس - ﵁ - (^٥)، وتضمنه لهذا المعنى لأن الهداية عديت بنفسها (^٦).
قال الطبري: (وإلهامه إياه ذلك هو توفيقه له) (^٧).
وقال أيضًا: (والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي، أعني: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أن يكون معنيًا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك ) (^٨).
الرابع: زدنا هداية (^٩).
_________________
(١) ينظر: الواضح في أصول الفقه ٣/ ١٩٧.
(٢) النكت والعيون ١/ ٥٨.
(٣) زاد المسير ١/ ١٢، وأبيّ: هو ابن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن النجار أبو المنذر الأنصاري المدني، مات سنة ٣٣ هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء ١/ ٣٨٩، الإصابة ١/ ٢٧.
(٤) تفسير ابن كثير ١/ ١٦٠.
(٥) جامع البيان ١/ ١٦٦، زاد المسير ١/ ١٢، وهو عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب ابن عم الرسول - ﷺ -، الحبر والبحر في التفسير، توفي سنة ٦٨ هـ، له ترجمة: سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣١، والإصابة ٢/ ٣٢٢.
(٦) تفسير ابن كثير ١/ ١٦٠.
(٧) جامع البيان ١/ ١٦٦.
(٨) جامع البيان ١/ ١٧١.
(٩) ذكره الطبري ولم ينسبه لأحد في تفسيره ١/ ١٦٧.
[ ٨٥ ]
وكل الأقوال صحيحة في هذه الكلمة إذ أن الدعاء بها ليس تحصيل حاصل (^١)، ولكن العبد محتاج إليها على جميع المعاني التي ذكرها العلماء.
قال ابن القيم: (والعبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظة ونفس في جميع ما يأتيه ويذره، فإنه بين أمور لا ينفك عنها:
أحدها: أمور قد أتاها على غير وجه الهداية جهلًا فهو محتاج إلى أن يطلب الهداية إلى الحق فيها.
أو يكون عارفًا بالهداية فيها، فأتاها على غير وجهها عمدًا فهو محتاج إلى التوبة منها.
أو أمور لم يعرف وجه الهداية فيها علمًا ولا عملًا ففاتته الهداية
أو أمور لم يعرف وجه الهداية فيها علمًا ولا عملًا ففاتته الهداية إلى علمها ومعرفتها وإلى قصدها وإرادتها وعملها.
أو أمور قد هدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها.
أو أمور قد هدي إلى أصلها دون تفاصيلها، فهو محتاج إلى هداية التفصيل.
أو طريق هدي إليه، وهو محتاج إلى هداية أخرى فيها إلى أن قال:
وكذلك أيضًا ثَمَّ أمور هو محتاج إلى أن يحصل له فيها من الهداية في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي.
وأمور هو خال عن اعتقاد حق أو باطل فيها، فهو محتاج إلى هداية الصواب فيها.
وأمور يعتقد أنه فيها على هدى وهو على ضلالة ولا يشعر، فهو محتاج إلى انتقاله عن ذلك الاعتقاد بهداية من الله.
وأمور قد فعلها على وجه الهداية، وهو محتاج إلى أن يهدي غيره إليها، ويرشده وينصحه، فإهماله ذلك يفوت عليه من الهداية بحسبه، كما أن هدايته للغير وتعليمه ونصحه يفتح له باب الهداية؛ فإن الجزاء من جنس العمل ..) (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١/ ١٦٢.
(٢) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه ص ٨ - ١٠.
[ ٨٦ ]
وقال ابن كثير: (كيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ وهل هذا من تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الله الهداية لما أرشده الله إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق ) (^١).