قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٤].
١٤٨/ ١ - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ أي: بكل أمر اهـ) (^٣).
الدراسة:
فسر ابن عقيل [من] في هذه الآية بـ[الباء] فيكون معنى الآية: أن الملائكة والروح تنزل فيها بإذن الله بكل أمر.
وهو ما فسرها به ابن قتيبة (^٤)، والواحدي (^٥)، والبغوي (^٦)، وغيرهم (^٧).
قال ابن الجوزي: (قال المفسرون: يتنزلون بكل أمر قضاه الله في تلك السنة إلى قابل) (^٨).
_________________
(١) ينظر: تأويل مشكل القرآن ص ٣٠١، العدة ١/ ٢١١، المفردات ص ٤٤، مغني اللبيب ص ١١٤، لسان العرب ١/ ٤٨٧.
(٢) ينظر: ص ٥٥١.
(٣) الواضح ١/ ١٢٢.
(٤) تأويل مشكل القرآن ص ٣٠١.
(٥) الوجيز ٢/ ١٢١٩.
(٦) معالم التنزيل ٤/ ٤٧٩.
(٧) ينظر: البرهان للزركشي ٤/ ٤٢٠.
(٨) زاد المسير ٨/ ٢٩٩.
[ ٤٨٩ ]
و[من] تأتي بمعنى [الباء] في القرآن وغيره (^١) كما سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك عند قوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] (^٢)، أي: بأمر الله. وهذه مثلها (^٣)، وتقول العرب: ضربته من السيف، أي: بالسيف (^٤). وهذا من سعة اللغة العربية في استعمال حروف الصفات مكان بعض خصوصًا إذا كان لاستعماله زيادة معنى أو تنبيه على أمر أو نحو ذلك.
والذي أراه في هذه الآية أن استعمال [من] بدلًا من [الباء] هو مراعاة عدم تتكرار [الباء] في كلمتين متتاليتين، فيكون في الكلام ثقلًا، وذلك أن الباء سبقت في قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٤]، فناسب استخدام حرف آخر يحمل نفس المعنى، وهذا من إعجاز القرآن المتضمن فصاحة أسلوبه وسلامة ألفاظه.
ويجوز أن تكون [من] بيانية كما قال ابن عاشور: (و[مِن] في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ يجوز أن تكون بيانية تُبَيِّن الإذن من قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، أي: بإذن ربهم الذي هو في كل أمر) (^٥).
ويجوز أن تكون [من] للتعليل، ولذلك فسر بعض العلماء هذه الآية بقولهم: من كل أمر، أي: لكل أمر (^٦)، أو من أجل كل أمر (^٧).
قال الزمخشري: (﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي: تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل) (^٨).
ومثله قال أبو حيان (^٩).
_________________
(١) ينظر: الجنى الداني ص ٣١٤، مغني اللبيب ٣١٦.
(٢) ينظر: ص ٣٣٥.
(٣) ينظر: معالم التنزيل ٤/ ٤٧٩، التحرير والتنوير ٣٠/ ٤٦٤.
(٤) ينظر: الجنى الداني ص ٣١٤.
(٥) التحرير والتنوير ٣٠/ ٤٦٤.
(٦) ينظر: تفسير السمعاني ٦/ ٢٦٢.
(٧) ينظر: التفسير الكبير ٣٢/ ٣٥، تفسير أبي السعود ٦/ ٤٥٣، التحرير والتنوير ٣٠/ ٤٦٤، معجم حروف المعاني في القرآن الكريم ٣/ ١١٠٣.
(٨) الكشاف ٤/ ٧٨٧.
(٩) ينظر: البحر المحيط ٨/ ٤٩٧.
[ ٤٩٠ ]
وما دامت [من] تستعمل بمعنى الباء في القرآن كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] (^١)، وتستعمل بمعنى التعليل كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] (^٢)، فلا مانع من حمل الآية عليها كلها، لأن الآية تحتملها. والله تعالى أعلم.