قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك:٣].
١٤٢/ ١ - قال ابن عقيل: (وقد نفى سبحانه التفاوت عن أفعاله بقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣]، فكان ذلك تنبيهًا على نفي النقائص عن صفاته اهـ) (^٥).
الدراسة:
استنبط ابن عقيل فائدة من نفي الله التفاوت عن أفعاله: نفي النقائص عن صفاته، وهو كما قال؛ لأن إتقان الخلق يدل على كمال الخالق سبحانه.
_________________
(١) معاني القرآن ١/ ٥٠٠.
(٢) الوجيز ٢/ ١١١٣.
(٣) تفسير السمعاني ٥/ ٤٧٧، وينظر: لسان العرب ١٤/ ٢٢٦.
(٤) المفردات ص ١٦٥.
(٥) الواضح ٢/ ٣٧٧.
[ ٤٧٩ ]
وهذا استدلال واضح في هذه المسألة، ولذلك لم أجد من المفسرين من أشار إلى هذه اللفتة عند هذه الآية إلا ما ذكره الرازي في تفسيره حيث قال: (وأما دليل العلم فهو قوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ ﴾ [الملك:٣] ) إلى أن قال: (اعلم أن وجه الاستدلال بهذا على كمال علم الله تعالى: هو أن الحس دل أن هذه السماوات السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعل كان فعله محكمًا متقنًا فإنه لا بد وأن يكون عالمًا؛ فدلت هذه الدلالة على كونه تعالى عالمًا بالمعلومات) (^١).
وما ذكره الرازي في استدلاله على إثبات كمال علم الله تعالى يندرج على جميع صفات المولى ﷿.
والذي عليه أهل السنة والجماعة أن نفي النقص عن أفعال الله أو صفاته هو إثبات لكمال ضده؛ لأن النفي الخالص لا مدح فيه.
قال ابن القيم: (كل ما نفاه الله عن نفسه هو لإثبات كمال ضده) (^٢).
وقال ابن أبي العز: (كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩] لكمال عدله، ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ:٣] لكمال علمه، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق:٣٨] لكمال قدرته، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصِّرف (^٣) لا مدح فيه) (^٤).
_________________
(١) التفسير الكبير ٣٠/ ٥١.
(٢) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٢٣.
(٣) الصِّرف: الخالص من كل شيء، ينظر: لسان العرب ٩/ ١٩٢.
(٤) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٦٨.
[ ٤٨٠ ]
لأن النفي قد يكون عن عجز، كما يُمَثَّل على نفي الفعل لعدم القدرة عليه بقولهم: الجدار لا يظلم، والله جل وعلا منزه عن ذلك. والله تعالى أعلم.