قال القرطبي: واخْتَلَف العُلَمَاء في نَسْخ هَذه الآيَة؛ فالْجُمْهُور على نَسْخِها، وأنَّ قِتَال الْمُشْرِكِين في الأشْهُر الْحُرُم مُبَاح، واخْتَلَفُوا في نَاسِخِها.
فَذَكَر أقوالًا ثم قال:
وذَكَر البيهقي (^١) عن عُروة بن الزَّبير مِنْ غَير حديث محمد بن إسحاق في أثَر قِصَّة الْحَضْرَمِي (^٢)، فأنْزَل الله ﷿: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) الآية، قَال: فَحَدَّثَهم الله في كِتَابِه أنَّ القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام كَمَا كَان، وأنَّ الذي يَسْتَحِلّون مِنْ الْمُؤمِنِين هُو أكْبَر مِنْ ذَلك؛ مِنْ صَدِّهم عَنْ سَبِيل الله حين يَسجُنونهم ويُعَذِّبُوهم ويَحْبِسُونهم أن يُهَاجِرُوا إلى رَسُول الله ﷺ، وكُفْرِهم بالله، وصَدِّهم الْمُسْلِمِين عَنْ الْمَسْجد الْحَرَام في الْحَجّ والعُمْرَة والصّلاة فيه، وإخْرَاجهم أهْل الْمَسْجِد الْحَرَام - وهُم سُكَّانه مِنْ الْمُسْلِمِين - وفِتْنَتهم إيّاهم عَنْ الدِّين؛ فَبَلَغَنَا أنَّ
_________________
(١) السنن الكبرى (ح ١٧٥٢٤).
(٢) تُنْظَر قصة قَتْل ابن الحضرمي في: "جامع البيان" (٣/ ٦٥٠ - ٦٦٠).
[ ٦٤ ]
النبي ﷺ عَقَل ابن الْحَضْرَمِي، وحَرَّم الشَّهْر الْحَرَام كَمَا كَان يُحَرِّمه، حَتى أنْزَل اللهُ ﷿: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة: ١].
وكَان عَطاء يَقُول: الآيَة مُحْكَمَة، ولا يَجُوز القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم، ويَحْلِف على ذَلك، لأنَّ الآيَات التي وَرَدَتْ بَعْدَها عَامَّة في الأزْمِنة، وهَذا خَاصّ، والعَامَّ لا يَنْسَخ الْخَاصّ باتِّفَاق. ورَوى أبو الزبير عن جابر قَال: كَان رَسُول الله ﷺ لا يُقَاتِل في الشَّهْر الْحَرَام إلَّا أن يُغْزَى (^١).