قال ابن جرير: القَول في تأويل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) يَعني تعالى ذِكْرُه: والْمُطَلَّقَات اللواتي طُلِّقْنَ بعد ابْتِنَاء أزْوَاجِهن بهن وإفْضَائهم إليهن إذا كُنَّ ذَوات حَيض وطُهْر؛ يَتَرَبَّصْن بأنْفُسِهنَّ عن نِكَاح الأزْواج ثَلاثة قُرُوء (^٢).
وأورَدَ البَغوي أنْواع العِدَد، فقال: وجُمْلَة الْحُكْم في العِدَد أنَّ الْمَرْأة إذا كانت حَامِلًا فَعِدّتها بِوَضْع الْحَمْل، سَواء وَقَعَتِ الفُرْقَة بَينها وبَين الزَّوج بالطَّلاق أو بِالْمَوت، لِقوله تَعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
فإن لم تكن حَامِلا نُظِر إن وَقَعَتِ الفُرْقَة بَينهما بِمَوت الزَّوج، فَعَلَيها أنْ تَعْتَدّ بأرْبعة أشْهر وعَشْر، سَواء مَات الزَّوج قَبْل الدّخُول أو بَعْدَه، وسَواء كَانَتِ الْمَرْأة
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٠٨) باختصار يسير.
(٢) جامع البيان، مرجع سابق (٤/ ٨٧).
[ ١١٧ ]
مِمَّنْ تَحِيض أوْ لا تَحِيض، لِقول الله ﷿: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).
وإن وَقَعَتِ الفُرْقَة بَينهما بالطَّلاق في الْحَياة نُظِر إنْ كان قَبْل الدّخُول بها فلا عِدَّة عليها، لِقول الله تعالى: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)، وإنْ كان بَعْد الدُّخُول نُظِر إن كانت الْمَرْأة لم تَحِض قَطّ، أوْ بَلَغَتْ في الكِبَر سِنّ الآيسَات؛ فَعِدّتُها ثَلاثة أشْهر، لِقول الله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)، وإن كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيض فَعِدَّتُها ثَلاثة أقْرؤ، لِقولِه تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) (^١).
ثم قال: وهذا كُلّه في عِدَّة الطَّلاق، أمَّا الْمُتَوفَّى عنها زَوجُها فَعِدّتُها أرْبَعة أشهر وعشر، سَواء كَانت مِمَّنْ تَحِيض أوْ لا تَحِيض، وأمَّا الْحَامِل فَعِدّتُها بِوَضْع الْحَمْل، سَواء طَلَّقَها زَوجُها، أوْ مَات عنها، لِقوله تَعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (^٢).
وقال الزمخشري: والْمُطَلَّقَات: أرَاد الْمَدْخُول بِهِنّ مِنْ ذَواتِ الأقْرَاء. فإن قُلْت: كيف جَازَتْ إرَادَتهن خَاصَّة، واللفْظ يَقْتَضِي العُمُوم؟ قُلْت: بل اللفظ مُطْلَق في تَنَاول الْجِنْس، صَالِح لِكُلِّه وبَعْضِه، فَجَاء في أحَدِ مَا يَصْلُح له كَالاسْمِ الْمُشْتَرَك. فإن قُلْت: فما مَعْنى الإخْبَار عَنْهُنّ بالتَّربُّص؟ قُلْت: هوَ خِبْر في مَعْنى الأمْر، وأصْل الكَلام: لِيَتَرَبَّص الْمُطَلَّقَات. وإخْرَاج الأمْر في صُورة الْخَبَر تَأكِيد للأمْر، وإشْعَار بأنه مِمَّا يَجب أن يُتَلَقَّى بِالْمُسَارَعَة إلى امْتِثَالِه.
_________________
(١) معالم التنْزيل، مرجع سابق (٤/ ٢٠٤).
(٢) المرجع السابق (٤/ ٣٥٨).
[ ١١٨ ]
وقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ)، فَأقَام الأشْهُر مَقَام الْحَيض دُون الأطْهَار، ولأنَّ الغَرَض الأصِيل في العِدَّة اسْتِبْرَاء الرَّحِم، والْحَيض هو الذي تُسْتَبْرَأ بِه الأرْحَام دُون الطُّهْر (^١).
وصرّح ابن عطية بأنَّ آية "الأحزاب" خَصَّصَت آيتي "البقرة" و"الطلاق"، فقال في آية الأحزاب: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا):
وهذه الآية خَصَّصَتْ آيَتَين: إحْدَاهما: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) فَخَصَّصَتْ هذه الآية مَنْ لم يُدْخَل بها، وكذلك خَصَّصَت مِنْ ذَواتِ الثَّلاثة الأشْهُر، وهُنّ مَنْ قَعَدْنَ عن الْمَحِيض، ومَن لَم يَحِضْن مِنْ صِغَر (^٢).
وعقد ابن الجوزي فَصْلًا قال فيه: اخْتَلَف العُلَمَاء في هذه الآية هَلْ تَدْخُل في الآيات الْمَنْسُوخَات أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها تَدْخُل في ذلك.
والقول الثاني: أن الآية كُلّها مُحْكَمة؛ فأوَّلها عَامّ، والآيات الوَارِدَة في العِدَد خَصَّتْ ذلك مِنْ العُمُوم، وليس بِنَسْخ (^٣).
وأطال الرازي النَّفس في هذه الآية، وما يَتَعَلَّق بها مِنْ أحْكَام، فكان مما قَالَه عن الْمَدْخُول بها:
_________________
(١) الكشاف، مرجع سابق (ص ١٣٢) باختصار.
(٢) المحرر الوجيز، مرجع سابق (٤/ ٣٩٠).
(٣) زاد المسير، مرجع سابق (١/ ٢٦٢).
[ ١١٩ ]
فهي إمَّا أنْ تَكون حَائلًا أو حَامِلًا؛ فإن كانت حَامِلًا فَعِدَّتُها بِوضْع الْحَمْل لا بالأقْرَاء، قال الله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، وأمَّا إنْ كَانت حَائلًا، فأمَّا أن يَكون الْحَيض مُمْكِنًا في حَقِّها، أوْ لا يَكُون، فإن امْتَنَع الْحَيض في حَقِّها إمَّا للصِّغَر الْمُفْرط، أو للكِبَر الْمُفْرِط، كَانَتْ عِدَّتُها بالأشْهُر لا بالأقْرَاء، قال الله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ)، وأمَّا إذا كَان الْحَيْض في حَقِّها مُمْكِنًا، فإمَّا أنْ تَكون رَقِيقَة، وإما أنْ تَكُون حُرّة أمَّا إذا كَانَتْ الْمَرْأة مَنْكُوحَة، وكانَت مُطَلَّقة بَعد الدُّخُول، وكَانت حَائلًا، وكَانَت مِنْ ذَوات الْحَيض، وكَانت حُرّة، فَعِنْد اجْتِمَاع هذه الصِّفَات كانت عِدَّتها بالأقْراء الثَّلاثة، على مَا بَيَّن الله حُكْمَها في هذه الآية.
ثم بيَّن أن:
غير الْمَدْخُول بها تُخْرِجُها القَرينَة؛ لأنَّ الْمَقْصُود مِنْ العِدّة بَرَاءة الرَّحِم، والْحَاجَة إلى البَرَاءة لا تَحْصُل إلَّا عِند سَبْق الشّغْل، وأمَّا الْحَامِل والآيسَة فَهُما خَارِجَتَان عن اللفْظ، لأن إيجَاب الاعْتِدَاد بالأقْرَاء إنّمَا يَكُون حَيث تَحْصُل الأقْرَاء، وهَذان القِسْمَان لم تَحْصُل الأقْرَاء في حَقِّهما، وأمَّا الرَّقِيقَة (^١) فَتَزْويجها كالنَّادِر؛ فَثَبَتَ أنَّ الأعَمّ الأغْلَب بَاقٍ تَحْت هذا العُمُوم (^٢).
وبَيَّنَ ابنُ كَثير ما خَرَج عن عُمُوم قَولِه تَعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) فقال: هَذا أمْر مِنْ الله ﷾ للمُطَلَّقَات الْمَدْخُول بِهِنّ مِنْ ذَوات الأقْرَاء، بأنْ يَتَرَبَّصْن بأنْفُسِهِنّ ثَلاثة قُرُوء، أي: بأن تَمْكُث إحْدَاهُنّ بَعد طَلاق زَوجِها لها ثَلاثة قُرُوء ثم تَتَزَوَّج إنْ شَاءت، وقَد أخْرَج الأئمة الأرْبَعة مِنْ هَذا العُمُوم الأمَة إذا طُلِّقَتْ، فإنها
_________________
(١) أي: الأمَة المملوكة.
(٢) التفسير الكبير، مرجع سابق (٦/ ٧٤) باختصار.
[ ١٢٠ ]
تَعْتَدّ عِندهم بِقُرْءين، لأنها على النّصْف مِنْ الْحُرَّة، والقُرْء لا يَتَبَعَّض، فَكَمُل لها قُرْءان (^١).
وقال القاسمي في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ): هَذا أمْر للْمُطَلَّقات بأن يَتَرَبَّصْن بأنْفُسِهِنَّ ثَلاثة قُرُوء، أي: بأن تَمْكُث إحْدَاهن بَعد طِلاق زَوجِها لها ثَلاثة قُروء، ثم تَتَزَوَّج إن شَاءت (^٢)، وأُريد بالْمُطَلَّقَات: الْمَدْخُول بِهِنّ مِنْ ذَوات الأقْرَاء، لِما دَلَّتْ الآيات والأخْبَار أنَّ حُكْم غَيرهن خِلاف ما ذُكِر.
أمَّا غَيْر الْمَدْخُولَة فلا عِدَّة عَليها، لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ)، وأمَّا التي لم تَحِض فَعِدَّتها ثَلاثة أشْهُر، لِقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)
وأمَّا الْحَامِل فَعِدَّتها وَضْع الْحَمْل، لقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) فَهذه الآية مِنْ العَامِّ الْمَخْصُوص (^٣).