بعد أن استعرض ابن باديس بإيجاز تاريخ التربية الإسلامية، فضل الرجوع إلى الطريقة النبوية، وطريقة السلف من الصحابة والتابعين، ويرى أن مبنى التعلم، والتعليم في القرون الأولى على التفقه في القرآن والسنة، ويضرب لنا مثلًا بطريقة الإمام مالك الذي اعتمد في بيان الدين على الآيات القرآنية وما صح عنده من أقوال النبي وأفعاله، وما كان من عمل الصحابة، ولكي يتسق مع نظرته الواسعة، وأُفُقه البعيد، ضرب لنا مثلًا آخر بالإمام الشافعي، وطريقته في كتاب الأم (٢) ويعتقد أنه من المحال ضبط الفروع دون معرفة أصولها، والقوانين العامة التي تنضوي تحتها، وهكذا فإنه يتفق مع ابن عبد البر، وأبي بكر بن العربي، وابن تومرت، في المنهج التربوي الصحيح. وابن باديس من ناحية أخرى يبني منهجه على أساس علم النفس ومعلوم أن التربية تطبيق لنظريات علم النفس، كما أن الزراعة تطبيق لعلم النبات، ويبين لنا أن المعلم يحتاج إلى معرفة نفسية المتعلمين وفهمها والتنزل لهم، والأخذ بأفهامهم إلى الهدف الذي يرمي إليه، حسب درجاتهم واستعدادهم (٣) كما يحتاج إلى معرفة أساليب التفهيم، وإلى التوسع في العلوم التي تصدى لتعليمها، مع التمرين على التعليم بالفعل، ودراسة كتب فن التعليم (٤).
_________________
(١) ج ١٢ م ١٠ ص ٥١٨ شعبان ١٣٥٢ - نوفمبر ١٩٣٤م.
(٢) ج ١١ م ١٠ ص ٤٧٨ - ٤٨١ رجب ١٣٥٣هـ اكتوبر ١٩٣٤م
(٣) ج ١٠ م ٧ ص ٦٠١ جمادى الثانية ١٣٥٠هـ اكتوبر ١٩٣١م
(٤) ن. ص.
[ ١ / ١١٠ ]
شارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة، وبعث باقتراح إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكلها الباي لسنة ١٩٣١م ويتضمن هذا الإقتراح خلاصة آرائه في التربية والتعليم. فقسم إتجاه التعليم إلى قسمين: قسم المشاركة ومدته ٨ سنوات وقسم التخصص ويشمل: فرغ القضاء والفتوى، وفرع الخطابة والوعظ والإرشاد، وفرع تخريج الأساتذة ومدته سنتان.
ويبين في هذا الإقتراح منهاج التعليم وطريقة تدريسه كما يلي:
١ - اللغة والنحو والصرف والبيان ويشترط في تدريسها تطبيق قواعدها على الكلام الفصيح، لتحصيل الملكة ويعتبر دراستها بلا تطبيق كما هو المعتاد في ذلك العهد تضييعًا للوقت، وتعطيلًا، وقلة تحصيل.
٢ - تاريخ الأدب العربي والإنشاء.
٣ - حسن الأداء في القراءة والإلقاء.
٤ - العقائد وينبغي أن تؤخذ هي وأدلتها من آيات القرآن وهو يعارض الذهاب مع أدلة المتكلمين، ومصطلحاتهم الجافة، ويعتبر ذلك من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. وقد طبق هذا بالفعل في تدريسه، وفي كتابه "العقائد الإسلامية" الذي نشره الأستاذ الفاضل محمد الصالح رمضان (١).
٥ - الفقه بحيث تقرر فيه المسائل مع أصولها دون التعرض لتشعباتها.
٦ - أصول الفقه تؤخذ كمسائل مجردة، ثم تطبق على المشكلات الفقهية لتحصل للطلاب ملكة الإستدلال والنظر.
٧ - التفسير ويكون حسب رأيه بسرد الجلالين على المتعلم، مع
_________________
(١) مطابع الكيلاني بالقاهرة دون تاريخ.
[ ١ / ١١١ ]
بيان الأستاذ ما يحتاج للبيان، بحيث يطلع الطالب على التفسير بفهم المفردات، والمعاني الأصلية بطريق إجمالي، وكان محمد عبده يقريء الجلالين على هذه الطريقة.
٨ - الحديث وطريقة تدريسه هي نفس طريقة تدريس التفسير ويبدو هنا أن ابن باديس متأثر بطريقة محمد عبده الذي كان يستعرض النص ثم يحلِّله بخلاف جمال الدين الأفغاني فإنه يتحدث في الموضوع ثم يستعرض النص في النهاية لتلاوته كتلخيص مفهوم لذلك الموضوع ويؤيد هذا تلميذه الشيخ الجيلاني محمد، الذي يرى أن أسلوبه في التفسير والحديث بأسلوب الأستاذ الإمام أشبه وإليه أقرب، وأبرز مميزاتهما فيه التطبيق والتحقيق وسوق العبر وصوغ العظات (١) كما أن ابن باديس يستعمل طريقة الحوار والإستفهام (٢).
٩ - التربية الأخلاقية ويعتمد فيها على آيات وأحاديث السلف الصالح وهذا يتفق مع ما ورد في برنامج وزارة التربية الوطنية الجزائرية الحالي (٣) في هذه المادة ولا شك في وجود تأثيره فيه.
١٠ - التاريخ الإسلامي ويؤكد عليه لأن معرفة التاريخ عنده ضرورية للنهضة.
١١ - الجغرافية.
١٢ - مبادىء الطبيعة.
١٣ - الفلك.
١٤ - الهندسة.
_________________
(١) ج ٧ م ١٥ ص ٣٢٨.
(٢) ج ٧ م ١٥ ص ٣٢٧.
(٣) المواقيت والبرامج توجيهات تربوية (المعهد التربوي الجزائر ١٩٦٤ م ص ٣٢ - ٣٣)
[ ١ / ١١٢ ]
وهنا يلاحظ ملاحظة طريفة وهي أنه إذا لم يكن في الشيوخ المُعَمَّمِين من يقوم ببعض هذه العلوم فلنأت بإخواننا المُطَرْبِشِين من تونس أو من مصر.
وأما منهاج قسم التخصص في القضاء والفتوى فإنه يحتوي على التوسع في فقه المذهب ثم الفقه العام، ودراسة آيات وأحاديث الأحكام، وعلم التوثيق، والتوسع في علم الحساب وعلم الفرائض، والإطلاع على مدارك المذاهب، حتى يكون الطلبة فقهاء إسلاميين ينظرون- على حدِّ تعبيره- إلى الدنيا من مرآة الإسلام الواسعة، لا من عين المذاهب الضيقة، وهذه هي نفس النزعة التي يذهب إليها ابن عبد البر وأبو بكر بن العربي. ومن الكتب التي أوصى بتدريسها على الخصوص كتاب بداية المجتهد لابن رشد.
ومنهج التخصص في الخطابة والوعظ يحتوي على دراسة آيات المواعظ والآداب وأحاديثها، والتوسع في السيرة النبوية وتاريخ نشر الدعوة الإسلامية مع التمرين على إلقاء الخطب الإرتجالية.
وأخيرًا فإن منهج التخصص في فن التعليم يشتمل على التوسع في العلوم التي سيعلمها المترشحون ويتخصصون فيها، وعلى الدراسة لكتب التربية وفن التعليم، والتمرين على التعليم بالقيام به فعلًا (١) ولتحسين مناهج التعليم وتقويمها وتوحيدها دعا إلى عقد مؤتمر المعلمين الأحرار في سبتمبر سنة ١٣٥٦هـ ١٩٣٧م ومن المشكلات التي عرضت في جدول الأعمال مسألة تعليم البنت المسلمة ووسائل تحقيقه، كما عقد مؤتمر آخر سنة ١٣٥٤ - ١٩٣٥ كلف فيه بعض أعضاء الجمعية بكتابة تقارير عن مشكلات التعليم في مختلف أنحاء الجزائر، وعرضت هذه التقارير وسجلت في "سجل مؤتمر العلماء المسلمين الجزائريين"، وألقى هو نفسه تقريرًا في التعليم المسجدي دعا فيه إلى تأسيس كلية إسلامية.
_________________
(١) ج ١٠ م ٧ ص ٦٠١.
[ ١ / ١١٣ ]