كانت كتبهم مقصورة على أحبارهم ورهبانهم مخفية عندهم لا تصل إليها أيدي عامتهم، فكانوا لا يظهرون منها إلا ما يشاؤون، ولا تعرف عامتهم منها إلا ما أظهروا، فجاءهم رسول الله - ﷺ - وهو أمي من أمة أميَّة، يبين لهم بما أنزله الله عليه وأوحى إليه من آيات الله وحججه وأحكامه وكلمات رسله فيما عندهم مما هو حجة عليهم مقدارًا كثيرًا، ويتجاوز عن كثير مما عندهم من ذكر قبائح أسلافهم وذمهم، وما لقي رسل الله- عليهم الصلاة والسلام- من عنتهم وشرهم وأذاهم. فكان هذا البيان العليم وهذا الخلق الكريم من هذا النبي الأمي كافيًا أن يعرفهم بنبوته وصدق دعوته ونهوض حجته، ولهذا ذكر الله هذا البيان وهذا التجاوز في أول صفاته لما أخبرهم بمجيئه إليهم بقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
[ ١ / ١٦٥ ]