الإعتراف بوجود خالق للكون يكاد يكون غريزة مركوزة في الفطرة ويكاد لا تكون لمنكريه- عنادًا- نسبة عددية بين البشر. ولكن أكثر المعترفين بوجوده قد نسبوا إليه ما لا يجوز عليه ولا يليق بجلاله من الصاحبة والولد والمادة والصورة والحلول والشريك في التصرف في الكون والشريك في التوجه والضراعة إليه والسؤال منه والإتكال عليه.
فأرسل الله الرسل ليبيِّنوا للخلق تنزهه عن ذلك كله. وكان من سبيل محمد - ﵌- أنه يدعو الخلق إلى الله وينزهه
[ ١ / ١٧٨ ]
عن كل ما نسبه إليه المبطلون وتخيله المتخيلون، وهو معنى قوله ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾. فهو يدعوهم إلى الله الذي قد عرفوا وجوده بفطرتهم وعرفوا أنه هو خالق الكون وخالقهم، لا يسميه إلا بما سمى به نفسه، ولا يصفه إلا بما وصف به نفسه، ويعرفهم بآثار قدرته ومواقع رحمته ومظاهر حكمته وآيات ربوبيته وألوهيته ووحدانيته في جلاله وسلطانه وينزهه عن المشابهة والمماثلة لشيء من مخلوقاته، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله.
وهذا التنزيه- وإن كان داخلًا في الدعوة إلى الله- فإنه خصص بالذكر لعظم شأنه، فإنه ما عرف الله من شبهه بخلقه أو نسب إليه ما لا يليق بجلاله أو أشرك به سواه. وإن ضلال أكثر الخلق جاءهم من هذه الناحية، فمن أعظم وجوه الدعوة وألزمها تنزيه الله- تعالى- عن الشبيه والشريك وكل ما لا يليق. والمسلمون المتبعون لنبيهم - ﷺ - في الدعوة إلى الله على بصيرة متبعون له في هذا التنزيه عقدًا وقولًا وعملًا واعلانًا ودعوة.