نستعرض فيما تحت هذا العنوان ما ورد من الأحاديث والآثار في الشروط المقترنة بالعقود من حيث الجملة وما ذكره بعض العلماء في تفسيرها وما بنوه عليها من تقسيم الشروط إلى قسمين: شروط صحيحة وشروط فاسدة، وما وضعوه من الضوابط لكل منهما؛ ليتسنى معرفة ما يندرج تحته الشرط الجزائي من هذه الضوابط، وما يلتحق به من المسائل
[ ١ / ١٥٦ ]
التي يشبهها وأدرجوها تحتها، أو جعلوها أمثلة شارحة لها.
روى البخاري في [صحيحه] تحت باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله عن عروة: «أن عائشة ﵂ أخبرته: أن بريرة جاءت تستفتيها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا. فقالت لها عائشة: (ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت) فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال لها رسول الله ﷺ: " ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق " قال: ثم قام رسول الله ﷺ فقال: " ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق (١)»، وفيه عن ابن عمر ﵄ قال: «أرادت عائشة ﵂ أن تشتري جارية لتعتقها، فقال أهلها: على أن ولاءها لنا، قال رسول الله ﷺ: " لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق (٢)» .
قال ابن حجر في [الفتح]: قوله: (باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله)، جمع في هذه الترجمة بين حكمين وكأنه فسر الأول بالثاني، وأن ضابط الجواز ما كان في كتاب الله، وسيأتي في كتاب [الشروط] (٣): أن المراد بما ليس في كتاب الله ما خالف كتاب الله، وقال ابن بطال: المراد بكتاب الله هنا: حكمه؛ من كتابه، أو سنة رسوله،
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب العتق (٢٥٦١)، صحيح مسلم العتق (١٥٠٤)، سنن أبو داود العتق (٣٩٢٩)، موطأ مالك العتق والولاء (١٥١٩) .
(٢) صحيح البخاري كتاب العتق (٢٥٦٢)، سنن النسائي البيوع (٤٦٤٤)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٣٠) .
(٣) أي: من [صحيح البخاري] .
[ ١ / ١٥٧ ]
أو إجماع الأمة، وقال ابن خزيمة: (ليس في كتاب الله) أي: ليس في كتاب الله جوازه أو وجوبه، لا أن كل من شرط شرطا لم ينطق به الكتاب يبطل؛ لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط ويشترط في الثمن شروطا من أوصافه أو من نجومه ونحو ذلك فلا يبطل.
قال النووي: قال العلماء: الشروط في البيع أقسام:
أحدها: يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه.
الثاني: شرط فيه مصلحة كالرهن وهما جائزان اتفاقا.
والثالث: اشتراط العتق في العبد، وهو جائز عند الجمهور؛ لحديث عائشة وقصة بريرة.
الرابع: ما يزيد على مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشتري كاستثناء منفعته فهو باطل.
وقال القرطبي: قوله: (ليس في كتاب الله)، أي: ليس مشروعا في كتاب الله تأصيلا ولا تفصيلا، ومعنى هذا: أن من الأحكام ما يؤخذ تفصيله من كتاب الله كالوضوء، ومنها ما يؤخذ تأصيله دون تفصيله كالصلاة، ومنها ما أصل أصله كدلالة الكتاب على أصلية السنة والإجماع، وكذلك القياس الصحيح، فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلا فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلا. . . إلى أن قال: وقال القرطبي: قوله: (ولو كان مائة شرط)، يعني: أن الشروط الغير مشروعة باطلة ولو
[ ١ / ١٥٨ ]
كثرت. اهـ (١) .
وقال البخاري في [صحيحه] (باب الشروط التي لا تحل في الحدود) .
عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄: أنهما قالا: «إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ: "قل"، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني إنما على ابني جلد مائة، وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (٢)» .
قال ابن حجر في [الفتح]: وقد ترجم له في الصلح (٣): إذا اصطلحوا على جور فهو مردود.
ويستفاد من الحديث: أن كل شرط وقع في رفع حد من حدود الله فهو باطل، وكل صلح وقع فيه فهو مردود. اهـ (٤) .
وروى البخاري في [صحيحه] عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٥)» .
_________________
(١) [صحيح البخاري] مع شرحه [فتح الباري] (٥ \ ١٤٢) .
(٢) صحيح البخاري الشروط (٢٧٢٥)، صحيح مسلم الحدود (١٦٩٨)، سنن الترمذي الحدود (١٤٣٣)، سنن النسائي آداب القضاة (٥٤١١)، سنن أبو داود الحدود (٤٤٤٥)، سنن ابن ماجه الحدود (٢٥٤٩)، مسند أحمد بن حنبل (٤/١١٥)، موطأ مالك الحدود (١٥٥٦)، سنن الدارمي الحدود (٢٣١٧) .
(٣) أي: من [صحيح البخاري] .
(٤) [صحيح البخاري] مع شرحه [فتح الباري] (٥ \ ٣٤٧) .
(٥) صحيح البخاري الصلح (٢٦٩٧)، صحيح مسلم الأقضية (١٧١٨)، سنن أبو داود السنة (٤٦٠٦)، سنن ابن ماجه المقدمة (١٤)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٢٥٦) .
[ ١ / ١٥٩ ]
قال ابن حجر: وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك، وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع؛ لأن الدليل يتركب من مقدمتين، والمطلوب بالدليل إما إثبات الحكم أو نفيه
وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه؛ لأن منطوقه مقدمة كلية في كل دليل ناف لحكم، مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس: هذا ليس من أمر الشرع، وكل ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث
وإنما يقع النزاع في الأولى، ومفهومه: أن من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح، مثل: أن يقال في الوضوء بالنية: هذا عليه أمر الشرع، وكل ما كان عليه أمر الشرع فهو صحيح؛ فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث والأولى فيها النزاع فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لاستقل الحديثان بجميع أدلة الشرع، لكن هذا الثاني لا يوجد، فإذا حديث الباب نصف أدلة الشرع، والله أعلم.
وقوله: "رد" معناه مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول مثل: خلق ومخلوق، ونسخ ومنسوخ، وكأنه قال: فهو باطل غير معتد به.
واللفظ الثاني وهو قوله: من "عمل" أعم من اللفظ الأول وهو قوله: "من أحدث"، فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهية وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفيه رد المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد؛ لأن
[ ١ / ١٦٠ ]
المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها
ويستفاد منه أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر؛ لقوله: "ليس عليه أمرنا"، والمراد به: أمر الدين وفيه أن الصلح الفاسد منتقض والمأخوذ عليه مستحق الرد. اهـ (١) .
_________________
(١) [صحيح البخاري] مع شرحه [فتح الباري] (٥ \ ٣٣١) .
[ ١ / ١٦١ ]