هذه الشهادة ثمرة لِما تقدم، فبعد تقرير ما تقدَّم من ربوبيته تعالى وإلهيته، وتقرير الإيمان بالرسول ﷺ والبعث؛ وجب على مَنْ عرف هذا أن يشهد هذه الشهادة، فيشهد بأنه لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وأنَّ الساعة آتية، وهذا هو الإقرار بالبعث، والساعة هي القيامة، ولها أسماء كثيرةٌ (^١)؛ كالساعة، ويوم البعث، ويوم النشور، ويوم الجزاء، ويوم الحساب، إلى غير ذلك، فواجبٌ على كلِّ مكلَّف وكلِّ عاقلٍ عرف أنَّ الله تعالى خالقُه وخالقُ السموات والأرض أن يشهد هذه الشهادة، وهاتان الشهادتان هما أصل الدين.
ولا بدَّ مع هذه الشهادة من الإيمان بأصول الإيمان الستة ولا سيما اليوم الآخر؛ ولهذا نصَّ الشيخ عليه بقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج]، وهذا المعنى جرت عادة السلف في كتابة هذه الشهادة في وصاياهم؛ كما جاء في «مصنف عبد الرزاق» (^٢) عن أنس، فيقول الموصي: هذا ما أوصى به فلان، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأنَّ الله يبعث مَنْ في القبور، وأنَّ الجنة حقٌّ، والنارَ حقٌّ، وهذا نصُّ ما رواه عبد الرزاق عن أنس؛ قال: «كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم،
_________________
(١) جمعها الغزالي ثم القرطبي فجاوزت ثمانين اسمًا. ينظر: إحياء علوم الدين (٩/ ٥٤٤ - ٥٤٥)، والتذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ٥٤٣ - ٥٤٤).
(٢) برقم (١٦٣١٩).
[ ٥٤ ]
هذا ما أوصى به فلان: إنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله ﷺ، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج]، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة]» (^١).
والإيمان بالجنة والنار والبعث داخلٌ في الإيمان باليوم الآخر؛ فإنَّ الإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بكلِّ ما يكون بعد الموت. فلا بدَّ لمن دخل في الإسلام أو أراد الدخول في الإسلام من هذه الشهادة، فمَن امتنع من شيءٍ منها لم يكن مسلمًا، فإن كان أظهر الإسلام وامتنع من شيءٍ من هذه الشهادة صار مرتدًّا.
_________________
(١) وأخرجه بنحوه: سعيد بن منصور (٣٢٦)، والدارقطني (٤٣٠٣)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٦٤٧).
[ ٥٥ ]